Полный текст (685 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
وقال أيضاً
عليك ببّر الوالدين كليهما ... وبرّ ذوي القربى وبرّ الأباعد
ولا تصحبن إلاّ تقيّا مهذباً ... عفيفاً ذكياً منجزاً للمواعد
وقارن إذا قارنتَ حرّاً مؤدباً ... فتى من بني الأحرار زين المشاهد
وكفّ الأذى واحفظ لسانك واتّق ... فديتك في ودّ الخليل المساعد
ونافس ببذل المال في طلب العلى ... بهمّة محمود الخلائق ماجد
وكن واثقاً بالله في كل حادثٍ ... يصنكَ مدى الأيام من شرّ حاسد
وبالله فاستعصم ولا ترجُ غيره ... ولا تكُ في النّعماءِ عنه بجاحد
وغضّ عن المكروه طرفك واجتنبْ ... أذى الجارِ واستسمك بحبل المحامد
ولا تبينِ في الدُّنيا بناءَ مؤمل ... خلوداً فما حيَّ عليها بخالد
وقال أيضاً
قدَّم لنفسك في الحياة تزوَّداً ... فلقد تفارقها وأنت مودّع
واهتم للسّفر القريب فإنه ... أنأى منَ السَّفر البعيد وأشنعُ
واجعل تزودُّدك المخافة والتُّقى ... فلعلّ حتفك في مسائك أسرعُ
واقنع بقوتك فالقناع هو الغنى ... والفقر مقرون بمن لا يقنع
وأحذر مصاحبة اللئام فإنهم ... منعوك صفو ودادهم وتصنّعوا
أهلُ المودّة ما أنلتهمُ الرَّضا ... وإذا منّعت فسمُّهم لك منقّع
لا تفش سراً ما استطعت إلى امرئ ... يفشى إليك سرائراً يستودع
فكما تراه بسّرٍ غيرك صانعاً ... فكذا بسرّك لا محالة يصنع
لا تبدأن بمنطق في مجلس ... قبل السُّؤال فإن ذلك يشنع
فالصمت يحسنُ كل ظنّ بالفتى ... ولعلهُ خرقٌ سفيهٌ أرقع
ودع المزاحَ قربَّ لفظةِ مازحٍ ... جلبت إليك بلابلاً لا تدفع
وحفاظَ جارٍ لا تضعهُ فإنه ... لا يبلغُ الشرفَ الجسيمَ مضيّع
стр. 632
وإذا استقالك ذو الإساءةِ عثرةً ... فأقلهُ إن ثواب ذلك أوسع
وإذا ائتمنت على السّرائر فاخفها ... واستر عيوب أخيك حين تطلَّع
لا يجزَعنَّ الحوادث إنما ... خرقُ الرّجال عن الحوادث يجزع
وأطعْ أباك بكل ما أوصى به ... إن المطيع أباه لا يتضعضعُ
وقال أيضاً
صن النّفس واحملها على ما يزينها ... تعشْ سالماً والقول فيك جميلُ
ولا تريَّن الناسَ إلا تجملاً ... نبا بك دهرٌ أو جفاك خليل
وإن ضاق رزق اليوم فاصبر إلى غدٍ ... عسى نكبات الدّهر عنك تزول
يعزُّ غنيُّ النّفس إن قلّ مالهُ ... ويفنى غنيُّ المال وهو ذليل
ولا خير في وُدّ امرئٍ متلونٍ ... إذا الرّيح مالت مال حيث تميل
جوادٌ إذا استغنيت عن أخذِ مالهِ ... وعند احتمال الفقر عنك بخيل
فما أكثر الأخوان تعدُّهم ... ولكنّهم في النائباتِ قليل
وقال عبد الله بن جعفر الطالبي المتوفى سنة ٨٠ ه ـ?
إذا كنتَ في حاجةٍ مرسلاً ... فأرسلْ حكيماً ولا توصهِ
وإن بابُ أمرٍ عليك التوى ... فشاورْ لبيباً ولا تعصهِ
وإن ناصحٌ منكَ يوماً دنا ... فلا تنأ عنهُ ولا تقصهِ
ولا تذكر الدهرَ في مجلسٍ ... حديثاً إذا أنت لم تحصهِ
ونص الحديث إلى أهلهِ ... فإن الأمانةَ في نصّه
وكم من فتى عازبٍ لبهُ ... وقد تعجبُ العينُ من شخصهِ
وآخرَ تحسبهُ أنوكاً ... ويأتيكَ بالأمرِ من فصهِ
وقال أبو الأسود الدؤلي
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداءٌ له وخصومُ
стр. 633
وترى اللبيبَ محسداً لم يجترم ... شتمَ الرّجال وعرضهُ مشتوم
وكذاكَ من عظمتْ عليه نعمةٌ ... حساده سيفٌ عليه صروم
فاترك مجاراة السّفيه فإنها ... ندمٌ وغبٌّ بعد ذاك وخيم
فإذا جريتَ مع السّفيه كما جرى ... فكلاَ كما في جرْيه مذموم
وإذا عتبتَ على السّفيه ولمتهُ ... في مثل ما تأتي فأنت ظلوم
أيها الرجلُ المعلّم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصفُ الدّواءَ وذي السّقام وذي الضّنى ... كيما يصحُّ به وأنت سقيم
وأراك تصلحُ بالرّشاد عقولنا ... أبداً وأنت من الرّشاد عقيم
لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله ... عارٌ عليك إذا فعلت عظيم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها ... فإذا انتهتْ عنه فأنت حكيم
فهناك يقبلُ ما وعظتَ ويقتدى ... بالعلم منك وينفع التّعليم
لا تكلمنْ عرض بن عمّك ظالماً ... فإذا فعلتَ فعرضك المكلوم
وحريمه أيضاً حريمك فاحمهِ ... كيلا يباع لديك منه حريم
وإذا اقتصصت من ابن عمّك كلمةً ... فكلومهُ لك إن علقتَ كلوم
وإذا طلبت إلى كريم حاجةً ... فلقاؤه يكفيك والتّسليم
فإذا رآك مسلّماً ذكر الذي ... كلّمتهُ فكأنه ملزوم
ورأى عواقب حمدِ ذاك وذمّه ... للمرء تبقى والعظام رميم
فارجُ الكريم وإن رأيتَ جفاءه ... فالعتب منه والكريم كريم
إن كنتَ مضطرّاً وإلا فاتخذْ ... نفقاً كأنك خائفٌ مهزوم
واتركه واحذر أن تمرّ ببابه ... دهراً وعرضك إن فعلتَ سليم
فالناس قد صاروا بهائم كلُّهم ... ومن البهائم قائلٌ وزعيم
عميٌ وبكمٌ ليس يرجى نفعهم ... وزعيمهم في النّائبات مليم
وإذا طلبتَ إلى لئيم حاجة ... فألحّ في رفقٍ وأنت مديم
والزم قبالةَ بيته وفنائه ... بأشدّ ما لزمَ الغريَم غريمُ
وعجبت للدّنيا ورغبة أهلها ... والرّزق فيما بينهم مقسوم
والأحمق المرزوقُ أعجبُ من أرى ... من أهلها والعاقلُ المحروم
ثم انقضى عجبي لعلمي أنّه ... رزقُ موافٍ وقتهُ معلوم
وقال العباس بن مرداس المتوفى سنة ١٦ه ـ?
ترى الرجلَ النّحيف فتزدريه ... وفي أثوابه أسدٌ مزيرُ
ويعجبك الطّرير فتبتليه ... فيخلف ظنّك الرّجل الطرير
فما عظمُ الرّجال لهم بفخر ... ولكن فخرهم كرمٌ وخير
بغاثُ الطّير أكثرها فراخاً ... وأم الصَّقر مقلاتٌ نزور
ضعافُ الطّير أطولها جسوماً ... ولم تطل البزاة ولا الصُّقور
لقد عظم البعير بغير لبّ ... فلم يستغن بالعظم البعير
يصرّفه الصبيّ بكل وجهٍ ... ويحسبه على الخسف الجرير
فإن أك في شراركم قليلاً ... فإني في خياركم كثير
стр. 634
وقال الإمام الشافعي ﵁
دع الأيّام تفعل ما تشاءُ ... وطب نفساً إذا حكم القضاءُ
ولا تجزع لحادثة الليالي ... فما لحوادث الدنيا بقاء
وكن رجلاً على الأهوال جلداً ... وشيمتك السماح والسّخاء
يغطّى بالسّماحة كلّ عيب ... وكم عيب يغطّيه السّخاء
ولا حزنٌ يدوم ولا سرور ... ولا بأسٌ عليك ولا رخاء
ولا تريَ الأعادي قط ذلاًّ ... فإن شماتة الأعدا بلاء
ولا ترجُ السّماحة من بخيل ... فما في النار للظّمآن ماء
ورزقك ليس ينقصه التأنّي ... وليس يزيد في الرّزق العناء
إذا ما كنت ذا قلب قنوع ... فأنتَ ومالكُ الدنيا سواء
ومن نزلت بساحته المنايا ... فلا أرضٌ تقيهِ ولا سماء
وأرض الله واسعة ولكن ... إذا نزل القضا ضاق الفضاء
دع الأيام تغدر كلّ حين ... ولا يغني عن الموت الدواء
وقال عبدة بن الطيب المتوفى سنة ٣٩ ه ـ?
أبنيَّ إني قد كبرتُ ورابني ... بصري وفّي لمنظرٌ مستمتعُ
أوصيكم بتقى الإله فإنّه ... يعطي الرغائب من يشاءُ ويمنع
وببّر والدكم وطاعة أمره ... إن الأبرّ من البنين الأطوعُ
إنّ الكبير إذا عصاهُ أهله ... ضاقت يداهُ بأمره ما يصنع
ودعوا الضّغائن لا تكن من شأنكم ... إن الغضائن للقرابة توضع
يزجي عقاربه ليبعث بينكم ... حرباً كما بعث العروقَ الأخدع
إن الذين ترونكم إخوانكم ... يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا
وإذا مضيتُ إلى سبيلي فابعثوا ... رجلاً له قلب حديد أصمع
стр. 635
إنّ الحوادث تخترِمنَ وإنما ... عمر الفتى في أهله مستودع
يسعى ويجمعُ جاهداً مستهتراً ... جدَّا وليس بآكل ما يجمع
وقال قيس بن الخطيم المتوفي سنة ٦١٢ م من قصيدة
وما بعض الإقامة في ديار ... يهان بها الفتى إلا بلاءُ
وبعضُ خلائق الأقوام داءُ ... كداء البطن ليس له دواءُ
يريدُ المرءُ أن يعطي مناهُ ... ويأبى الله إلا ما يشاءُ
وكل شديدة نزلت بقوم ... سيأتي بعد شدّتها رخاءُ
ولا يعطى الحريص غنى لحرص ... وقد يمنى على الجود الثَّراء
غنيُّ النفس ما عمرتْ غنيٌّ ... وفقرُ النّفس ما عمرتْ شقاءُ
وليس بنافع ذا البخل مالٌ ... ولا مزر بصاحبه السّخاء
وبعض الدواء ملتمسٌ شفاءً ... وداءُ النوك ليس له إناء
وبعض القول ليس له غناجٌ ... كمحضِ الماءِ ليس له إناء
ولم أرى كامرئٍ يدنو لخسفٍ ... له في الأرض سيرٌ واستواء
يصوغ لك اللسان على هواهُ ... ويفضحُ أكثر القيل البلاء
ألا من مبلغ الشعراءِ عني ... فلا ظلم لديّ ولا ابتداء
ولستُ بغائظِِ الأكفاء ظلماً ... وعندي للملمّاتِ اجتراء
وقال صالح بن عيد القدوس المتوفى سنة ٨٥٥ ه ـ
المرء يجمعُ والزّمان يفرقُ ... ويظل يرقع والخطوب تمزّقُ
لأن يعادي عاقلاً خيٌر له ... من أن يكون له صديقٌ أحمق
فاربأ بنفسك أن تصادق أحمقاً ... إن الصّديق على الصّديق مصدق
وزن الكلام إذا نطقت فإنما ... يبدي عقول ذي العقول المنطق
ومن الرّجال إذا استوت أخلاقهم ... من يستشار إذا استشيَر فيطرق
حتى يحلَّ بكل وادٍ قلبه ... فيرى ويعرف ما يقول فينطق
لا ألفينّك ثاوياً في غربةٍ ... إن الغريب بكل سهم يرشق
ما النّاس إلا عاملان فعامل ... قد مات من عطش وآخر يغرق
والناس في طلب المعاش وإنما ... بالجدّ يرزق منهم من يرزق
стр. 636
لو يرزقون الناسُ حسب عقولهم ... ألفيت أكثر من ترى يتصدَّق
لكنه فضل المليك عليهم ... هذا عليه موسعُ ومضيّق
وإذا الجنازة والعروس تلاقيا ... ورأيت دمع نوائحٍ يترقرق
سكت الذي تبع العروس مبهتاً ... ورأيت من تبع الجنازة ينطق
وإذا امرؤٌ لسعته أفعى مرة ... تركتهُ حين يجر حبل يفرق
بقيَ الذين إذا يقولوا يكذبوا ... ومضى الذين إذا يقولوا يصدقوا
وقال أيضاً
صرمتْ حبالكَ بعد وصلك زينبُ ... والد?ّهر فيه تصرمٌّ وتقلبُ
وكذاك وصلُ الغانيات فإنهُ ... آلٌ ببلقعةٍ وبرقٌ خلبُ
فدع الصّبا فلقد عداك زمانه ... واجهدْ فعمر مرّ منه الأطيبُ
ذهب الشّباب فما له من عودةٍ ... وأتى المشيب فأين منهُ المهرب
دع عنك ما قد فات في زمن الصّبا ... واذكرْ ذنوبكَ وابكها يا مذنب
واخش مناقشة الحسابِ فإنّه ... لا بدّ يحصى ما جنيتَ ويكتب
والليل فاعلم والنهار كلاهما ... أنفاسنا فيه تعدُّ وتحسب
لم ينسهُ الملكان حينَ نسيتهُ ... بل أثبتاه وأنت لاهٍٍ تلعب
والرُّوح فيك وديعة أودعتها ... ستردُّها بالرغَّم منك وتسلبُ
وغرور دنياك التي تسعى لها ... دار حقيقتها متاع يذهب
وجميع ما حصلته وجمعته ... حقّاً يقيناً بعد موتك ينهب
تبَّاً لدار لا يدوم نعيمها ... ومشيدها عمّا قليل يخرب
فاسمع هديتَ نصائحاً أولاكها ... برٌّ نصوح للأنام مجرّب
أهدى النصيحة فاتعظ بمقاله ... فهو التقيُّ اللّوذعيُّ الأدرب
لا تأمن الدّهرَ الخؤون لأنه ... ما زالت قدماً للرجال يهذّب
وكذلك الأيام في غصاتها ... مضضٌ يذلُّ له الأعزّ الأنجب
ويفوز بالمال الحقيرُ مكانةً ... فتراه يرجى ما لديه ويرغب
ويسرُّ بالتّرحيب عند قدومه ... ويقامُ عند سلامه ويقرَّب
فاقنعْ ففي بعض القناعة راحة ... ولقد كسي ثوبَ المذلَّة أشعب
لا تحرصنّ فالحرص ليس بزائدٍ=في الرّزق بل يشقي الحريص ويتعب
كم عاجزٍ في الناس يأتي رزقهُ ... رغداً ويحرمُ كيس ويخيّب
فعليك تقوى الله فالزمها تفزْ ... إن التقيَّ هو البهيُّ الأهيب
стр. 637
واعملْ بطاعته وتنلْ منه الرضا ... إن المطيع لربّه لمقرَّب
أدّ الأمانة والخيانة فاجتنب ... واعدل ولا تظلم يطيبُ المكسبُ
واحذر من المظلوم سهماً صائباً ... واعلم بأن دعاءهُ لا يحجب
واخفض جناحك للأقارب كلّهم ... يتذللٍ واسمح لهم إن أذنبوا
وإذا بليتَ بنكبة فاصبر لها ... من ذا رأيتَ مسلماً لا ينكب
وإذا أصابك في زمانك شدَّةٌ ... وأصابك الخطبُ الكريهُ الأصعب
فادعُ لربّك إنه أدنى لمن ... يدعوه لحبل الوريد وأقرب
واحذر مؤاخاة الدَّني لأنه ... يعدي كما يعدي الصحيحَ الأجرب
واختر صديقك واصطفيه تفاخراً ... إن القرينَ إلى المقارن ينسبُ
ودع الكذوب ولا يكن لك صاحباً ... إن الكذوب لبئس خلاًّ يصحبُ
وذرِ الحقودُ وإن تقادم عهدهُ ... فالحقدُ باقٍ في الصُّدور مغيَّب
واحفظ لسانك واحترز لفظه ... فالمرءُ يسلم باللسان ويعطب
وزن الكلام إذا نطقت ولا تكن ... ثرثارةً في كل ناد تخطب
والسرّ فاكتمه ولا تنطق به ... فهو الأسيُر لديك إذ لا ينشبُ
واحرص على حفظ القلوب من الأذى ... فرجوعها بعد التنافر يصعب
إن القلوب إذا تنافر ودها ... شبهُ الزجاجة كسرها لا يشعب
واحذر عدوّك إذ تراه باسماً ... فالليثُ يبدو نابهُ إذ يغضب
وإذا الصّديق رأيته متملقاً ... فهو العدوُّ وحقُّه يتجنب
لا خير في ودّ امرئ متملّق ... حلو اللّسان وقلبه يتلّهب
يعطيك من طرف اللّسان حلاوة ... ويروغِ منك كما يروغ الثعلب
يلقاك يحلف أنه بك واثقٌ ... وإذا توارى عنك فهو العقرب
إذا رأيت الرّزق ضاق ببلدة ... وخشيت فيها أن يضيق المكسب
فارحل فأرض الله واسعة الفضا ... طولاً وعرضاً شرقها والمغرب
стр. 638
وقال أبو الفتح البستني المتوفي سنة ١١٢٢ ه ـ?
زيادة المرء في دنياه نقصانُ ... وربحه غير محض الخير خسران
وكلُّ وجدان حظّ لا ثبات له ... فإن معناه في التحقيق فقدان
يا عامراً لخراب الدهر مجتهداً ... بالله هل لخرابِ العمر عمران
ويا حريصاً على الأموال تجمعها ... أنسيتَ أن سرور المال أحزان
دع الفؤاد عن الدّنيا وزينتها ... فصفوها كدر والوصل هجران
وأرعِ سمعك أمثالاً افصلها ... كما يفضّل ياقوت ومرجان
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ... فطالما استعبدَ الإنسانَ إحسان
يا خادم الجسم كم تسهى لخدمته ... أتطلب الرّبح ممّا فيه خسران
أقبل على النفس واستكمل فضائلها ... فأنت بالنّفس لا بالجسم إنسان
وكن على الدّهر معواناً لذي أملٍ ... يرجو نداك فإن الحرّ عنوان
واشدد يدك بحبل الله معتصماً ... فإنه الركنُ إن خانتك أركان
من يتق الله يحمد من عواقبه ... ويكفه شرّ من عزُّوا ومن هانوا
من استعان بغير الله في طلب ... فإنَّ ناصره عجزٌ وخذلان
من كان للخير منَّاعاً فليس له ... على الحقيقة إخوانٌ وأخدان
من جاد بالمال مال الناس قاطبة ... إليه والمال للإنسان فتَّان
من سالم النَّاس يسلم من غوائلهم ... وعاش وهو قرير العين جذلان
من كان للعقل سلطان عليه غدا ... وما على نفسه للحرص سلطان
ومن مد طرفاً بفرط الجهل نحو هوى ... أغضى على الحقّ يوماً وهو خزيان
من استشار صروف الدهر قام له ... على حقيقة طبع الدهر برهان
من يزرع الشر يحصد في عواقبه ... ندامة ولحصد الزَّرع إبَّان
ومن استنام على الأشرار نام وفي ... قميصه منهم صلٌّ وثعبان
كن ريّق البشر إن الحرّ همته ... صفيحة وعليها البشرُ عنوان
ورافق الرّفق في كل الأمور فلم ... يندم رفيقٌ ولم يذممهُ إنسان
ولا يغرنك حظٌّ جرّه خرقٌ ... فالخرقُ هدم ورفق المرءِ بنيان
أحسن إذا كان إمكانٌ ومقدرة ... فلن يدوم على الإحسان إمكان
فالروض يزدان بالأنوار فاغمه ... والحرُّ بالعدل والإحسان يزدان
صنْ حرّ وجهك لا تهتك غلالته ... فكلُّ حرّ لحرّ الوجه صوّان
دع التكاسل في الخيرات تطلبها ... فليس يسعد بالخيراتِ كسلان
стр. 639
لا ظلّ للمرءِ يعرى من نهى وتقى ... وإن أظلّتهُ أوراق وأفنان
والناس أعوانُ من والته دولته ... وهم عليه إذا عادتهُ أعوان
سبحان من غير مال باقلٌ حصرٌ ... وباقلٌ في ثراء المال سبحان
لا تودع السرّ وشاء بهِ مذلاً ... فما رعى غنماً في الدَّوّ سرحان
لا تحسبِ الناس طبعاً واحداً فلهم ... غرائز لستَ تحصيهنّ ألوان
ما كلّ ماءٍ كصداءٍ لوارده ... نعم ولا كلُّ نبت فهو سعدان
لا تخدشنّ بمطل وجهَ عارفة ... فالبُّر يخدشه مطلٌ وليّان
لا تستشر غيرَ ندب حازمٍ يقظ ... قد استوى فيه أسرارٌ وإعلان
فللتّدابير فرسان إذا ركضوا ... فيها أبرُّوا كما للحرب فرسان
وللأمور مواقيتٌ مقدّرة ... وكل أمرٍ له حدٌّ وميزان
فلا تكن عجلاً في الأمر تطلبه ... فليس يحمدُ قبل النُّضج بحران
كفى للعيش ما قد سدّ من عوزٍ ... ففيه للحرّ قنيانٌ وغنيان
وذو القناعةِ راضٍ من معيشته ... وصاحبُ الحرص إن أثرى فغضبان
حسب الفتى عقله خلاًّ يعاشرهُ ... إذا تحاماه إخوانٌ وخلاَّن
هما رضيعا لبان حكمةٌ وتقى ... وساكنا وطن مالٌ وطغيان
إذا نبا بكريم موطنٌ فله ... وراءه في بسيط الأرض أوطان
يا ظالماً فرحاً بالعز ساعده ... إن كنت في سنةٍ فالدَّهر يقظان
ما استمرأ الظلم لو أنصفت آكلهُ ... وهل يلذُّ مذاق المرء خطبان
يا أيها العالم المرضيُّ سيرتهُ ... أبشر فأنت بغير الماء ريان
ويا أخ الجهل لو أصبحت في لججٍ ... فأنت ما بينها لاشكَّ ظمآن
لا تحسبنَّ سروراً دائماًُ أبداً ... من سرّهُ زمن ساءته أزمان
يا رافلاً في الشَّباب الوحف منتشياً ... من كأسه هل أصاب الرُّشد نشوان
لا تغترر بشباب رائقٍ خضل ... فكم تقدم قبل الشَّيب شبّان
ويا أخا الشَّيب لو ناصحت نفسك لم ... يكن لمثلك في الإسراف إمعان
هب الشَّبيبة تُبلى صاحبها ... ما غذرُ أشيب يستهويه شيطان
وكلُّ كسرٍ فإنَّ الدّين يجبرهُ ... وما لكسر قناةِ الدّين جبران
وقال ابن أبي بكر المقري المتوفى سنة ١٠٠١ هـ?
زيادة القول تحكي النّقص في العمل ... ومنطق المرءِ قد يهديه للزّللِ
إن اللّسان صغيرٌ جرمهُ وله ... جرمٌ كبيرٌ كما قد قيل في المثل
عقل الفتى ليس يغني عن مشاورةٍ ... كحدَّة السَّيف لا تغني عن البطل
стр. 640
إن المشاور إما صائبٌ غرضاً ... أو مخطئٌ غير منسوب إلى الخطل
لا تحقر الرّأي يأتيك الحقير به ... فالنحلُ وهو ذبابٌ طائر العسل
ولا يغرنك ودٌّ من أخي أمل ... حتى تجربه في غيبة الأمل
لا تجزعنّ لخطب ما به حيلٌ ... تغنى وإلا فلا تعجز عن الحيل
وقدرُ شكر الفتى لله نعمتهُ ... كقدرِ صبِر الفتى للحادث الجلل
وإن أخوف نهج ما خشيت به ... ذهاب حريةٍ أو مرتضى عمل
لا تفرحنّ بسقطات الرجال ولا ... تهزأ بغيرك واحذر صولة الدُّول
أحقّ شيءٍ بردّ ما تخالفه ... شهادةُ الدّين فافهم صنعة الجدل
وقيمة المرءِ ما قد كان يحسنهُ ... فاطلب لنفسك ما تعلو به وصل
وكلُ علم جناه ممكنٌ أبداً ... إلاّ إذا اعتصم الإنسانُ بالكسل
والمال صنهُ وورثهُ العدوّ ولا ... تحتج حياتك للإخوان في الأكل
فخير مالِ الفتى مال يصون به ... عرضاً وينفقهُ في أشرف السُّبل
وأفضل البّر مالاً منَّ يتبعهُ ... ولا تقدّمه شيءٌ من المطل
فإنما الجود بذلٌ لم تكلف به ... صنعاً ولم تنتظر فيه جزا رجل
إن الصنائع أطواق إذا شكرت ... وإن كفرت فأغلال لمنتحل
وإن عندي الخطا أفضل من ... إصابةٍ حصلت بالمنع والبخل
خير من الخير مسديهِ إليك كما ... شرٌ من الشرّ أهل المطل والدَّخل
ظواهرُ العتب للإخوان أيسر من ... بواطن الحقدِ في التّسديد للخلل
***
دعِ الجموحَ وسامحهُ تغظهُ ولا ... تصحب سوى السّمح واحذر سقطة العجل
والقَ الأحبّة والإخوان قطعوا ... حبلَ الوداد بحبل منك متصل
فأعجزُ الناس حرٌ ضاع من يده ... صديق ودّ فلم يردده بالحيل
من يقظةٍ بالفتى إظهارُ غفلته ... مع التحفُّظ من غدرٍ ومن ختل
وكن مع الخلق ما كانوا لخالقهم ... واحذر معاشرة الأوغاد والسّفل
واخش الأذى عند إكرام اللّئيم ... تخشى الأذى إن أهنت الحرّ ذا النّبل
واصبر لواحدة تأمن توابعها ... فربما كانت الصُّغرى من الأول
ولا يغرَّنك من مرقّى سهولتهُ ... فربما ضقتَ ذرعاً منه في النُّزُل
*** من المروءة تركُ المرء شهوتهُ=فانظر لأيهما آثرت فاحتمل شرُّ الورى من بعيب الناس مشتغل=مثلُ الدُّباب يراعي موضعَ العلل
لو كنت كالرّمح في الأعمال معتدلاً ... لقالت الناسُ هذا غيرُ معتدل
يا ظالماً جار فيمن لا نصير له ... إلا المهيمنُ لا تغترّ بالمهل
غداً تموت ويقضي الله بينكما ... بحكمه الحقّ لا بالزّيغ والميل
وإن أولى الملا بالعفو أقدرهم ... على العقوبة إن يظفر بذي زلل
وقال تقي الدين أبو بكر بن حجة الحموي المتوفى سنة ٨٣٧ ه ـ?
"أرجوزة استخلصها من كتاب الصادح والباغم"
العيشُ بالرزق والتّقدير ... وليس بالرأي ولا والتدبير
في الناس من تسعدهُ الأقدار ... وفعلهُ جميعهُ إدبار
من عرف الله أزال التُّهمة ... وقال كلُّ فعلهِ للحكمة
من أنكر القضاءَ فهو مشرك ... إن القضاء بالعباد أملكُ
ونحن لا نشرك بالله ولا ... نقنط من رحمته إذ نبتلى
عارٌ علينا وقبيحُ ذكرِ ... أن نجعل الكفرَ مكان الشكر
وليس في العالِم ظلمٌ جاري ... إذ كان ما يجري بأمرِ الباري
وأسعدُ العالِم عند الله ... من ساعد الناسَ بفضل الجاه
ومن أغاث البائس الملهوفا ... أغاثهُ الله إذا أخفيا
إنّ العظيمَ يدفع العظيما ... كما الجسيم يحمل الجسيما
فإنّ من خلائق الكرام ... رحمةَ ذي البلاء والأسقام
وإنّ من شرائط العلو ... العطفَ في البؤس على العدو
قد قضت العقول أنّ الشفقة ... على الصديق والعدوّ صدقه
وقد علمتَ واللبيب يعلم ... بالطبع لا يرحم من لا يرحم
فالمرءُ لا يدري متى يمتحن ... فإنه في دهره مرتهن
وإن نجا اليومَ فما ينجو غداً ... لا يأمن الآفات إلا ذو الرَّدى
لا تغْترِر بالخفض والسلامة ... فإنما الحياة كالمدامه
والعمرُ مثل الكأسِ والدَّهر القدر ... والصفو لا بدَّ له من الكدر
وكلُّ إنسان فلا بدَّ له ... من صاحب يحمل ما أثقلهُ
جهد البلاء صحبة الأضداد ... فإنها كيٌّ على الفؤاد
أعظم ما يلقى الفتى من جهد ... أن يبتلى في جنسهِ بالضَّدّ
فإنما الرّجال بالإخوان ... واليد بالساعد والبنان
لا يحقر الصُّحبة إلا جاهل ... أو مارقٌ عن الرّشاد غافل
صحبةُ يوم نسبٌ قريب ... وذمَّة يحفظها اللّبيب
وموجب الصّداقة المساعدة ... ومقتضى المودَّة المعاضدة
لا سيّما في النوب الشدائد ... والمحن العظيمة والأوابد
فالمرءُ يحيي أبداً أخاه ... وهو إذا ما عدّ من أعداه
إن من عاشر قوماً يوماً ... ينصرهم ولا يخاف لوما
وإن من حارب من لا يقوى ... لحربه جر إليه البلوى
فحارب الأكفاءَ والأقرانا ... فالمرء لا يحارب السلطانا
واقنع إذا حاربت بالسلامة ... واحذر فعالاً لا توجب النَّدامة
فالتاجر الكيّس في التجارة ... من خاف من متجره الخسارة
يجهد في تحصيل رأس ماله ... ثم يروم الّربح باحتياله
وإن رأيت النّصر قد لاح لكا ... فلا تقصر واحترْز أن تهلكا
واسبق إلى لأجود سبق الناقدِ ... فسبقك الخصم من المكايد
وانتهز الفرصة إن الفرصة ... تصير إن لم تنتهزها غصّة
كم بطر الغالب يوماً فترك ... عنه التوقّي واستهان فهلك
ومن أضاع جنده في السّلم ... لم يحفظوه في لقاء الخصم
وإن من لا يحفظَ القلوبا ... يخذل حين يشهد الحروبا
والجند لا يرعون من أضاعهم ... كلاّ ولا يحمون من أجاعهم
وأضعفُ الملوك طرَّا عقدا ... من غرَّه السلم فأقصى الجندا
والحزم والتّدبير روح العزم ... لاخيرَ في عزم بغير حزم
والحزم كلذ الحزم في المطاولة ... والصّبر ف يسرعة المزاولة
وفي الخطوب تظهر الجواهرُ ... ما غلبَ الأيام إلاّ الصابر
لا تيأسنْ من فرج ولطف ... وقوَّة تظهرُ بعدَ ضعف
فربَّما جاءك بعد اليأس ... روحٌ بلا كدّ ولا التماس
في لمحة الطرف بكاءٌ وضحكْ ... وناجد بادٍ ودمع ينسفك
ينال بالرّفق وبالتأنّي ... مالم تنلْ بالحرص والتّعنّي
ماأحسنَ الثَّباتَ والتجلُّدا ... وأقبح الحيرة والتَّبلُّدا
ليس الفتى إلا الذي إن طرقه ... خطبٌ تلقّاه بصبر وثقة
إذا الرَّزايا أقبلت ولم تقف ... فثمَّ أحوالُ الرّجال تختلف
وكم لقيتُ لذَّة في زمني ... فأصبرُ الآن لهذي المحن
فالموتُ لايكون إلا مرّة ... والموتُ أحلى من حياة مرّة
إني من الموت على يقين ... فأجهدُ الآن لما يقيني
صبراً على أهوالها ولا ضجرْ ... وربّما فاز الفتى إذا صبر
لا يجزع الحرّ من المصائب ... كلاّ ولا يخضع للنَّوائب
فالحرُّ للعبءِ الثّقيل يحملُ ... والصبرُ عند النّائبات يحمل
لكل شيءٍ مدَّةٌ وتنقضي ... ما غلب الأيامَ إلا منْ رضي
قد صدق القائلُ في الكلام ... ليس النُّهى بعظم العظام
لا خيَر في جسامة الأجسام ... بل هو في العقول والأفهام
فالخيل للحرب وللجمال=والإبل للحمل وللتَّرحال
لاتحتقر شيئاً صغيراً يحتقر ... فربمّا أسالت الدّم الإبرْ
لاتحرج الخصم ففي إحراجه ... جميعُ ما تكره من لجاجهِ
لاتطلب الفائتَ باللّجاج ... وكنْ إذا كويت ذا إنضاج
فعاجز من ترك الموجودا ... طماعةً وطلبَ المفقودا
وفتّش الأمور عن أسرارها ... كم نكتةٍ جاءتك معْ إظهارها
لزمتَ للجهل قبيح الظاهرِ ... وما نظرتَ حسن السَّرائر
ليس يضرُّ البدر في سناه ... أنّ الضّرير قطُّ لا يراه
كم حكمةٍ أضحت بها المحافل ... نافقةً وأنت عنها غافل
ويغفلون عن خفي الحكمة ... ولو رأوها لأزالوا التُّهمة
كم حسن ظاهرهُ قبيحُ ... وسمجٍ عنوانهُ مليح
والحق قد تعلمه ثقيلُ ... أبوهُ إلا نفرٌ قليلُ
فالعاقل الكامل في الرّجال ... لا ينثني لزخرف المقال
إن العدوّ قولهُ مردودُ ... وقلّما يصدق الحسود
لا تقبلُ الدعوى بغير شاهد ... لاسيما إن كان من معاند
أيؤخذ البريءُ بالسَّقيم ... والرَّجل المحسن باللّئيم
كذاك من يستنصح الأعادي ... يردونه بالغشّ والفساد
إن أكلَّ من ترى أذهانا ... منْ حسب الإساءة الإحسانا
فادفع إساءة العدى بالحسنى ... ولا تخلْ يسراك مثل اليمنى
وللرجال فاعلمنْ مكايدُ ... وخدعٌ منكرةٌ شدائدُ
فالنَّدب لا يخضع للشّدائد ... قطّ ولا يغتاظ بالمكائد
فرقّع الخرق بلطفٍ واجتهد ... وامك إذا لم ينفع الصّدق وكد
فهكذا الحازم إذ يكيدُ ... يبلغ في الأعداء ما يريد
وهو بريءٌ منهم في الظاهر ... وغيرهُ مختضب الأظافر
والشهمُ من يصلح أمر نفسه ... ولو بقتل ولده وعرسه
فإن من يقصد قلعُ ضرسه ... لم يعتمدْ إلاّ صلاح نفسه
وإن من خصّ اللئيم بالندى ... وجدته كمن يربّي أسدا
وليس في طبعِ اللئيم شكر ... وليس في أصل الدّنيء نصر
وإن من ألزَمهُ وكلّفه ... ضدُّ الذي في طبعه ما أنصفه
كذاك من يصطنع الجهّالا ... ويؤثرِ الأرذال والأنذال
لو أنكم أفاضلُ أحرارُ ... ما ظهرتْ بينكم الأسرار
إن الأصول تجذب الفروعا ... والعرق دساسٌ إذا أضيعا
ما طاب فرعٌ أصله خبيثُ ... ولازكا من مجدهُ حديث
قد يدركون رتباً في الدُّنيا ... ويبلغون وطراً من بقيا
لكنك لا يبلغون في الكرم ... مبلغ من كان له فيها قدم
وكلّ من تماثلتْ أطرافهُ ... في طيبها وكرمتْ أسلافه
كان خليقا بالعلى وبالكرم ... وبرعتْ في أصله حسن الشّيم
لولا بنو آدم بين العالمِ ... ما بان للعقول فضل العالم
فواحدٌ يعطيك فضلاً وكرم ... فذاك من يكفرهُ فقد ظلم
وواحدٌ يعطيك للمصانعة ... أو حاجةٍ له إليك واقعة
لا تشرهنْ إلى حطامٍ عاجلِ ... كم أكلةٍ أودت بنفس الآكل
واحذر أخيَّ يا فتى من الشّره ... وقس بما رأيته مالم تره
فليس من عقل الفتى أو كرمه ... إفسادُ شخص كامل لقرمه
فالبغيُ داءٌ ماله دواء ... ليس لملكِ معه بقاء
لاتعطيْن شيئاً بغير فائدة ... فإنها من السّجايا الفاسدة
" وللإمام علي الرضا المتوفي سنة ٧٧ه ـ?"
واعجباً للمرء في ذاته ... يجرُّ ذيل التّيه في خطرته
يزجره الوعظ فلا ينتهي ... كأنه الميت في سكرته
يبارز الله بعصيانه ... جهراً ولا يخشاه في خلوته
وإن يقع في شدّة يبتهل ... فإن نجا عاد إلى عادته
أرغب لمولاك وكن راشداً ... وأعلم بأن العز في خدمته
واتل كتاب الله تهدى به ... واتبع الشرع على سنته
لاتحرصن فالحرص يزري بالفتى ... ويذهب الرونق من بهجته
والحظ لا تجلبه حيلة ... كيف يخاف المرء من فوتته؟
стр. 641
مافاتك اليوم سيأتي غدا ... مافي الذي قدر من حيلته
قضاؤه المحتوم في خلقه ... وحكمه النافذ مع قدرته
والرزق مضمون على واحد ... مفاتح الأشياء في قبضته
قد يرزق العاجز مع عجزه ... ويحرم الكيس مع فطنته
لاتنهر المسكين يوماً أتى ... فقد نهاك الله عن نهرته
إن عضك الدهر فكن صابرا ... على الذي نالك من عضته
أو مسك الضر فلا تشتكي ... إلا لمن تطمع في رحمته
لسانك احفظه وصن نطقه ... واحذر على نفسك من عثرته
فالصمت زين ووقار وقد ... يؤتى على الإنسان من لفظته
من أطلق مالقول بلا مهلة ... لاشك أن يعثر في عجلته
من لزم الصمتى نجا سالماً ... لايندم المرء على سكتته
من أظهر الناس على سره ... يستوجب الكي على مقلته
من مازح الناس استحفوا به ... وكان مذموماً على مزحته
كن عن جميع الناس في معزل ... قد يسلم المعزول في عزلته
من جعل الخمر شفاء له ... فلا شفاه الله من علته
من نازع الأقيال في أمرهم ... بات بعيد الرأس عن جثته
من لاعب الثعبان في كفه ... هيهات أن يسلم من لسعته
من عاشر الأحمق في حاله ... كان هو الأحمق في عشرته
لاتصحب النذل فتردى به ... لاخير في النذل ولاصحبته
منة اعتراك الشك في جنسه ... وحاله فانظر إلى شيمته
من غرس الحنظل لا ترتجي ... أن يجتني السكر من غرسته
من جعل الحق له ناصراً ... أيده الله على نصرته
стр. 642
واقنع بما أعطاك من فضله ... واشكر لموليك على نعمته
وقال أبو العتاهية المتوفي سنة ٢١١ه ـ?
أنلهو وأيامنا تذهب ... ونلعب والموت لايلعب
عجبت لذي لعب قد لها ... عجبت ومالي لا أعجب
أيلهو ويلعب من نفسه ... تموت ومنزله يخرب
نرى كل ما ساءنا دائماً ... على كل سرنا يغلب
+نرى الليل يطلبنا والنها_ر ولم ندر أيهما أطلب
أحاط الجديدان جمعا بنا ... فليس لنا عنهما مهرب
وكل له مدة تنقضي ... وكل له أثر يكتب
" وقال صلاح الدين الصفدي المتوفي سنة ٧٦٤ه ـ?
الجد في الجد والحرمان في الكسل ... فانصب تصب عن قريب غاية الأمل
وأصبر على كل مايأتي الزمان به ... صبر الحسام بكف الدارع البطل
وجانب الحرص والأطماع تحظ بما ... ترجو من العز والتأييد في عجل
ولا تكونن على مافات ذا حزن ... ولاتظل بما أوتيت ذا جذل
واستشعر الحلم في كل الأمور ولا ... تسرع ببادرة يوما إلى رجل
وإن بليت بشخص لاخلاق له ... فكن كأنك لم تسمع ولم يقل
ولا تمار سقيها في محاورة ... ولا حليما لكي تقصى عن الزلل
ولايغرك من يبدي بشاشته ... إليك خدعا فإن السم في العسل
وإن أردت نجاحاً في كل آونة ... فاكتم أمورك عن حاف ومنتعل
إن الفتى من بماضي الحزم متصف ... وماتعود نقص القول والعمل
ولا يقيم بأرض طاب مسكنها ... حتى يقد أديم السهل والجبل
ولايضيع ساعات الزمان فلن ... يعود مافات من أيامه الأول
стр. 643
ولايراقب إلا من يراقبه ... ولايصاحب إلا كل ذي نبل
ولايعد عيوبا للورى أبداً ... بل يعتني بالذي فيه من الخلل
ولا يظن بعهم سواءاً ولا حسنا ... بل التجارب تهديه على مهل
ولايؤمل آمالا بصبح غد ... إلا على وجل من وثبة الأجل
ولا يصد عن التقوى بصيرته ... لأنها للمعالي أوضح السبل
فمن تكن حلة التقوى ملابسه ... لم يخش في دهره يوماً من العطل
من لم تفده صروف الدهر تجربة ... لافيما يحاول فليسكن مع الهمل
من سالمته الليالي فليثق عجلاً ... منها بحرب عدو جاء بالحيل
من ضيع الحزم لم يظفر بحاجته ... ومن رمى بسهام العجب لم ينل
من جاد ساد وأحيا العالمون له ... بديع حمد بمدح الفعل متصل من
رام نيل العلى بالمال يجمعه ... من غير حل بلي من جهله وبلي
من لم يصن نفسه ساءت خليقته ... بكل طبع رديء غير منتقل
من جالس الوغد والحمقى جنى ندماً ... لنفسه ورمي بالحادث الجلل
فخذ مقال خبير قد حوى حكماً ... إذ صغته بعد طول الخبر في عملي
" وقال حسام الدين الواعظي المتوفى سنة ٩٩٠ه ـ?"
من ضيع الحزم في أفعاله ندما ... وظل مكتئباً والقلب وقد سقما
مالمرء إلا الذي طابت فضائله ... والدين زين يزين العاقل الفهما
والعلم أنفس شيء أنت ذاخره ... فلا تكن جاهلاً تستورث الندما
تعلم العلم واجلس في مجالسه ... ماخاب قط لبيب جالس العلماء
والوالدين فأكرم تنج من ضرر ... ولا تكن نكداً تستوجب النقما
ولازم الصمت لات نطق بفاحشة ... وأكرم الجار لاتهتك له حرما
واحذر من المزح كم في المزح من خطر ... كم من صديقين بعد المزح فاختصما
وصبر النفس وارشدها إذا جهلت ... وإن حضرت طعاما لا تكن نهماً
آس اللهيف إذا ماكنت مقتدراً ... على الزمان وكن للخير مقتسما
وصد نفسك عن لهو وعن مرح ... وإن حضرت مقاماً كنت فيه سما
" وقال عمر بن الوردي المتوفي سنة ٧٤٩هـ? مخاطباً ولده "
اعتزل ذكر الأغاني والغزل ... وقل الفصل وجانب من هزل
ودع الذكر لأيام الصبا ... فلأيام الصبا نجم أفل
стр. 644
واترك الغادةلاتحفل بها ... تمس في عز رفيع وتجل
وافتكر في منتهى حسن الذي ... أنت تهواه تجدأمراً جلل
واهجر الخمرة إن كنت فتى ... كيف يسعى في جنون من عقل
ولاتق الله فتقوى الله ما ... جاورت قلب امرئ إلا وصل
ليس من يقطع طرقاً بطلاً ... إنما من يتقي الله البطل
كتب الموت على الخلق فكم ... فل من جيش وأنفى من دول
أين نمرود وكنعان ومن ... ملك الأرض وولى وعزل
أي من سادوا وشادوا وبنوا ... هلك الكل ولم تغن القلل
أين أرباب الحجى أهل النهى ... أين أهل العلم والقوم الأول
سيعيد الله كلا منهم ... وسيجزي فاعلاً ماقد فعل
يابني اسمع وصايا جمعت ... لاحكماً خصت بها خير الملل
اطلب العلم ولاتكسل فما ... أبعد الخير على أهل الكسل
واحتفل للفقه في الدين ولا ... تشتغل عنه بمال وخول
واهجر النوم وحصله فمن ... يعرف المطلوب ويحقر مابذل
لاتقل قد ذهبت أربابه ... كل من سار على الدرب وصل
في أزدياد العلم إرغام العدا ... وجمال العلم إصلاح العمل
جمل المنطق بالنحو فمن ... يحرم الإعراب بالنطق اختبل
انظم الشعر ولازم مذهبي ... في اطراح الرفد لاتبغ النحل
فهو عنوان ع لى الفضل وما ... أحسن الشعر إذا لم يبتذل
أنا لاأختار تقبيل يد ... قطعها أجمل من تلك القبل
ملك كسرى عنه تغني كسرة ... وعن البحر اجتزاء بالوشل
стр. 645
اطرح الدنيا فمن عاداتها ... تخفض العالي وتعلي من سفل
عيشة الراغب في تحصيلها ... عيشة الجاهل فيها أو أقل
كم جهول بات فيها مكثراً ... وعليه بات منها في علل
كم شجاع لم ينل فيها المنى ... وجبان نال غايات الأمل
فاترك الحيلة فيها واتكل ... إنما الحيلة في ترك الحيل
لاتقل أصلي وفصلي أبداً ... إنما أصل الفتى ماقد حصل
قد يسود المرء من دون أب ... وبحسن السبك قد ينفى الدغل
إنما الورد من الشوك وما ... ينبت النرجس إلا من بصل
قيمة الإنسان مايحسنه ... أكثر الإنسان منه أم أقل
بين تبذير وبخل رتبة ... وكلا هذين إن زاد قتل
ليس يخلو المرء من ضد ولو ... حاول العزلة في رأس الجبل
دار جار السوء بالصير وإن ... لم تجد صبراً فما أحلى النقل
جانب السلطان واحذر بطشه ... لاتعاند من إذا قال فعل
لا تل الأحكام إن هم سألوا ... رغبة فيك وخالف من عذل
إن نصف الناس أعداءه لمن ... ولي الأحكام هذا إن عدل
قصر الآمال في الدنيا تفز ... فدليل العقل تقصير الأمل
غب وزر غبا تزد حبا فمن ... أكثر الترداد أقصاه الملل
لا يضر الفضل إقلال كما ... لايضر الشمس إطباق الطفل
خذ بنصل السيف واترك غمده ... واعتبر فضل الفتى دون الحلل
حبك الأوطان عجز ظاهر ... فاغترب تلق عن الأهل بدل
فمكث الماء يبقى آسنا ... وسرى البدر به البدر اكتمل
стр. 646
وقال العميد أبو إسماعيل الطغرائي المتوفى سنة ٥١٣ه ـ?
أصالة الرأي صانتي عن الخطل ... ودحلية الفضل زانتني لدى العطل
مجدي أخير ومجدي أولا شرعٌ ... والشمس راد الضحى كالشمس في الطفل
فيم الإقامة بالزوراء لاسكني ... بها ولاناقتي فيها ولاجملي
ناء عن الأهل صفر الكف منفرد ... كالسيف عري متناه عن الخلل
فلا صديق إليه مشتكى حزني ... ولاأنيس إليه منتهى جذلي
طال اغترابي حتى حن راحلتي ... ورحلها وقر العسالة الذبل
وضج من لغب نضوي وعج لما ... ألقى ركابي ولج الركب في عذلي
стр. 647
أريد بسطة كف أستعين بها ... على قضاء حقوق للعلى قبلي
والدهر يعكس آمالي ويقنعني ... من الغنيمة بعد الكد بالقفل
وذي شطاط كصدر الرمح معتقل ... بمثله غير هياب ولاوكل
حلو الفكاهة مر الجد قد مزجت ... بشدة البأس منه رقة الغول
طردت سرح الكرى عن ورد مقلته ... والليل أغرى سوام النوم بالمقل
والركب ميل على الأكوار من طرب ... صاح وآخر من خمر الكرى ثمل
فقلت أدعوك للجلي لتنصرني ... وأنت تخذلني في الحادث الجلل
تنام عني وعين النجم ساهرة ... وتستحيل وصبغ الليل لم يحل
فهل تعين علي غي هممت به ... والغي يثزجر أحياناً عن الفشل
إني أريد طروق الحي من إضم ... وقد حماه رماةٌ من بني ثعل
стр. 648
فسر بنا في ذمام الليل معتسفاً ... فنفحة الطيب تهدينا إلى الحلل
فالحب حيث العدا والأسد رابضة ... حول الكناس لها غاب من الأسل
نؤم ناشئة بالزع قد سقيت ... نصالها بمياه الغنج والكحل
قد زاد طيب أحاديث الكرام بها ... ما بالكرائم من جبن ومن بخل
تبيت نار الهوى منهن في الكبد ... حرى ونار القرى منهم على القلل
يقتلن أنضاء حب لاحراك بهم ... وينحرون كرام الخيل والإبل
يشفى لديغ العوالي في بيوتهم ... بنهلة منم غدير الخمر والعسل
لعل إلمامه بالجزع ثانية ... يدب منها نسيم البرء في عللي
لاأكره الطعنة النجلاء قد شفعت ... برشقة منم نبال الأعين النجل
стр. 649
ولاأهاب الصفاح البيض تسعدني ... باللمح من خلل الأستار والكلل
ولاأخل يغزلان تغازلني ... ولو دهتني أسود الغيل بالغيل
حب السلامة يثني عزم صاحبه ... عن المعالي ويغري المرء بالكسل
فإن جنحت إليه فاتخذ نفقا ... في الأرض أو سلما في الجو فاعتزل
ودع غمار العلى للمقدمين على ... ركوبها واقتنع منهن بالبلل
يرضى الذليل يخفض العيش مسكنة ... والعز عند رسيم الأينق الذلل
فأدرأ بها في نحور البيد جافلة ... معارضات مثاني اللجم بالجدل
عن العلى حدثتني وهي صادقة ... فيما تحدث أن العز في النقل
لو أن في شرف المأوى بلوغ منى ... لم تبرح الشمس يوماً دارة الحمل
أهبت بالحظ لو ناديت مستمعاً ... والحظ عني بالجهال في شغل
لعله إن بدا فضلى ونقصهم ... لعينه نام عنهم أو تنبه لي
أعلل النفس بالآمال أرقبها ... ماأضيق العيش لولا فسحة الأمل
لم أرتض العيش والأيام مقبلة ... فكيف أرضى وقد ولت على عجل
غالى بنفسي عرفاني بقيمتها ... فصنتها عن رخيص القدر مبتذل
وعادة السيف أن يزهى بجوهره ... وليس يعمل إلا في يدي بطل
стр. 650
ماكنت أوثر أن يمتد بي زمني ... حتى أرى دولة الأوغاد والسفل
تقدمتني أناس كان شوطهم ... وراء خطوي لو أمشي على مهل
هذا جزءاً امرئ أقرانه درجوا ... من قبله فتمنى فسحة الأجل
فإن علاني من دوني فلا عجب ... لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل
فاصبر لها غير محتال ولاضجر ... في حادث الدهر مايغنيعن الحيل
أعدى عدوك أدنى من وثقت به ... فحاذر الناس واصحبهم على دخل
فإنما رجل الدنيا وواحدها ... من لايعول في الدنيا على رجل
وحسن ظنك بالأيام معجزة ... فظن شراً وكن منها على وجل
غاض الوفاء وفاض الغدر وانفرجت ... مسافة الخلف بين القول والعمل
وشان صدقك عند الناس كذبهم ... وهل يطابق معوج بمعتدل
إن كان ينجح شيءً في ثباتهم ... على العهود فسبق السيف للعذل
ياوارداً سؤر عيش كله كدرٌ ... أنفقت صفوك في أيامك الأول
فيم اقتحامك لج البحر تركبه ... وأنت تكفيك منه مصة الوشل
ملك القناعة لايخشى عليه ولا ... يحتاج فيه إلى الأنصار والخول
ترجو البقاء بدار لاثبات بها ... فهل سمعت بظل غير منتقل
وياخبيراً على الإسرار مطلعاً ... اصمت ففي الصمت منجاةٌ من الزلل
وقد رشحوك لأمر إن فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
وقال المرحوم عبد الله باشا فكري يخاطب نجله أمين باشا
إذا نام غر في دجى الخطب فاسهر ... وقم للمعالي والعوالي وشمر
وحل أحاديث الأماني فإنها ... علالة نفس العاجز المتحير
وسارع إلى مارمت مادمت قادراً ... عليه فإن لم تبصر النجح فاصبر
стр. 651
ولا تأت أمراً لا ترجي تمامه ... ولامورداً مالم تجد حسن مصدر
وأكثر من الشورى فإنك إن تصب ... تجد مادحاً أو تخطئ الرأي تعذر
ولا تستبشر في الأمر غر مجرب ... لأمثاله أو حازم متبصر
ولاتبغ رأياً من خؤون مخادع ... ولا جاهل غر قليل التدبر
فمن يتبع في الخطب خدعة خائن ... يعض بنان النادم المتحسر
ومن يتبع في أمره رأي جاهل ... يقده إلى أمر من الغي منكر
ولاتضع في ود الصديق لكاذب ... نموم وإن يعرض لك الشك فاخبر
ولا تغترز تندم ولاتك طامعاً ... تذل ولا تحقر سواك تحقر
وعود مقال الصدق نفسك وارضه ... تصدق ولا تركن إلى قول مفتري
ودع عنك إسراف العطاء ولايكن ... لكيفك في الإنفاق إمساك مقتر
ولاتقف زلات الرجال تعدها ... فلست على هذا الورى بمسيطر
ولاتتعرض لاعتراض عليهم ... دع الخلق للخلاق تسلم وتؤجر
وقال عبد القيس بن خفاف البرجمي المتوفى سنة ٥١ه ـ?
أبني إن أباك كارب يومه ... فإذا دعيت إلى المكارم فاعجل
أوصيك إيصاء امرئ لك ناصح ... طبن بريب الدهر غير مغفل
الله فاتقه وأوف بنذره ... وإذا حلفت ممارياً فتحلل
والضيق أكرمه فإن مبيته ... حقً ولاتك لعنة للنزل
واعلم بأن الضيف مخبر أهله=بمبيت ليلته وإن لم يسأل
ودع القوارص للصديق وغيره ... كيلا يروك من اللئام والعذل
وصل المواصل ماصفا لك وده ... واجذذ حبال الخائن المتبدد
واحذر محل السوء لاتحلل به ... وإذا نبا بك منزل فتجول
واستأن تظفر في أمورك كلها ... وإذا عزمت على الهدى فتحول
стр. 652
واستغن ماأغناك ربك بالغنى ... وإذا تصبك خصاصة فتحمل
وإذا افتقرت فلا تكن متخشعاً ... ترجو الفواصل عند غير المنفصل
وإذا تشاجر في فؤادك مرة ... أمران فاعمد للأعف الأجمل
وإذا هممت بأمر سوء فاتئد ... وإذا هممت بأمر خير فاعجل
وقال فقيد اللغة الشيخ ناصيف اليازجي
دع يوم أمس وخذ في شأن يوم غد ... واعدد لنفسك فيه أفضل العدد
واقنع بما قسم الله الكريم ولا ... تبسط يديك لنيل الرزظق من أحد
والبس لكل زمان بردة حضرت ... حتى تحاك لك الأخرى منم البرد
ودر مع الدهر وانظر في عواقبه ... حذار أن تبتلى عيناك بالرمد
متى ترى الكلب في أيام دولته ... فاجعل لرجليك أطواقاً من الزرد
واعلم بأن عليك العار تلبسه ... من عضة الكلب لا من عضة الأسد
لاتأمل الخير من ذي نعمة حدثت ... فهو الحريص عل أثوابه الجدد
وقال السيد علي أبو النصر المتوفى سنة ١٢٩٨ه ـ?
بقدر الرأي تعتبر الرجال ... وبالآمال ينتظر المآل
وإفراط البليغ إذا تمادى ... على حالٍ يخالطه ابتذال
وإمساك الأديب يفيد علماً ... بأحوال الغبي كما يقال
ومن عرف الحقائق مات غماً ... وإن طلب الإقالة لايقال
وبالإقدام يسهل كل صعب ... وبالتمويه يتسع المجال
وبالتحقيق تتضح الخفايا ... وعند الشك ينتظر الهلال
ومن لم يتئد في كل أمر ... تخطاه التدارك والمنال
وهضم النفس أقبح كل شيء ... على حرله فيها كمال
ومن لزم القناعة نال عزاً ... وهل بالذل منقبة تنال
وقال مؤلف هذا الكتاب معارضاً لامية الطغرائي
عليك بالصبر والإخلاص في العمل ... ولازم الخير في حل ومرتحال
وجانب الشر وأعلم أن صاحبه ... لابد يجزاه في سهل وفي جبل
واثبت ثبات الرواسي الشامخات ولا ... تركن إلى فشل في ساعة الوهل
وكن كرضوى لما يعروك من نوب ... ولا تكن جازماً في الحادث الجلل
واصبر على مضض الأيام محتملاً ... ففيه قرع لباب النجح والأمل
تأن متئداً فيما تروم ولا ... تعجل وإن خلق الإنسان من عجل
لاتطلب العز في دار ولدت بها ... فالعز عند رسيم الأينق الذلل
شمر وجد لأمر أنت طالبه ... إذ لاتنال المعالي قط بالكسل
стр. 653
واحذر مساوئ أخلاق تشان بها ... وأسوء السوء سوء الخلق والبخل
واخفض جناحك للمولى وجد ونل ... ماأسمج الكبر والإمساك بالرجل
لاتسأل النذل واقصد ماجداً حدبا ... في طلعة الشمس مايغنيك عن زجل
نور بلقياك من تلقى نواظره ... ولا تكن كالقذي في الأعين النجل
ولاتجادل جهولاً ليس يفهم ما ... تقول فالشر كل الشر في الجدل
ولاتكن لنزول الخطب مضطرباً ... في حادث الدهر مايغني عن الحيل
الجود أحسن ماأوليت من خلق ... والعفو أنفى لداء الضغن والدخل
والحلم ملح فساد الأمر يصلحه ... والبذل خير فعال الماجد البطل
لاتقتحم غمرات البحر مرتكباً ... وأنت يكفيك منه مصة الوشل
ولاتعاشر سوى حزم أخا ثقة ... وأربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
لا تنخدع لصديق يدعي ملقا ... فحاذر الناس واصحبهم على دخل
لاتأمنن أحداً واحذر مكائدهم ... وظن سراً وكن منهم على وجل
لا تغرَّنك الدنيا بزهرتها ... فهل سمعت بظل غير منتقل
إن الغني غني النفس في كرم ... بالطبع لاباقتناء الشاء والإبل
إن الصنيعة للأنذال تفسدهم ... كما تضر رياح الورد بالجعل
مرارة النصح تحل لي مضاضتها ... وربما صحت الأجسام بالعلل
دع التكلف لايجديك منفعة ... ليس التكحل في العينين كالكحل
أرى الرعاء رعاء الشاء في ترف ... في أخفض العيش بين الخيل والخول
وسادة العصر قد ألقوا مقالدهم ... إلى الطغاة شرار النماس والسفل
تحكموا في قضايا الناس واحتكموا ... وحكموا كل ذي جهل أخي خبل
من كل غر جهول لايرى رشداً ... كباقل مثلاً في العي والخطل
تعسا لشر زمان ظل طوع يد الل ... ئاميسقيهم علا على نهل
стр. 654
القبض والبسط في أيدي ذوي شطط ... من كل سكران من خمر الهوى ثمل
تسطو الكلاب على أسد الشرى سفها ... والباز الأشهب يخشى صوله الحجل
والقرد يضحك من نمر على هزؤ ... والكلب يوعد ليث الغيل بالغيل
نال المرام علوج لاخلاق لهم ... فوق المؤمل من شب ومكتهل
أملى لهم دهرهم فاستمهلوا أمداً ... مرخى لهم في مروج العيش والطول
شر العصر زمان يستمد به ... خب لئيم غدا في الشر كالثمل
لايعلم الرشد من غي وليس له ... سوى الشرارة في قول وفي جدل
ناهيك من غمة غماء ماسمعت ... بمثلها أذن في الأعصر الأول
أشدد بها أزمة، الله يفرجها ... مااضيق العيش لولا فسحة الأمل
مالي وللبلدة الحمقاء اسكنها ... مساكنها لذوي خرق أولي حيل
وليس لي ناقة فيها ولاجمل ... وليس لي ثم من ثور ولاحمل
ولا يستقيم وفاق لي بمثلهم ... وهل يطابق معوج بمعتدل
قد ذقتهم وبلوت الحال عندهم ... فما حصلت على صاب ولاعسل
ليسوا كراماً ولكن من مكارمهم ... مابالكرائم من جبن ومن بخل
إني ابتليت باخلاق فوصلعهم ... وعد ومطل وارجاء على مذل
لايفعلون إذا قالوا فقد بعدت ... مسافة الخلف بين القول والعمل
أضحت مواعيد عرقوب لهم مثلاً ... ومامواعيدهم غلا على دخل
أخلاقهم صح إنجازاً لموعدهم ... إذ كان وعدهم كذباً من الخجل
أشكو الزمان وأهليه وأمقتهم ... إذ سوء أفعالهم أوفى على القلل
ساءت سريرتهم حالت طريقتهم ... زاغت بصيرتهم عن أقوم السبل
علمٌ بلا عمل حكم بلا حكم ... ظلم على عجل وعدٌ على مهل
الإفك والزور والبهتان عندهم ... والسعي في الأرض بالإفساد والخلل
الكذب مستحسن والصدق عندهم ... مستهجن من صفات العاجز الوكل
أهنى الطعام لحوم الناس عندهم ... ألنم فيما لديهم شربة العسل
стр. 655
نكث العهود سجاياهم ودأبهم ... خلف الوعود وذا من أسوإ الثقل
إن السعاية في التضريب أحسن من ... ضرب من الحذق والعرفان في الزجل
يادهر مالك والأ؛ رار تقهرهم ... تذل كل كريم الأصل مقتبل
حتى متى يازمان السوء تفعل ما ... تشيب فيه النواصي غير محتمل
تؤخر الفاعل المرفوع تحفظه ... مقدما لمفاعيل على البدل
وساقه الجيش قد أضحت مقدمة ... مثل التليل إذا في مؤخر الكفل
فلست أحفظ في ذي الدهر من أسف ... أطال أيام عمري أو دنا أجلي
واهاً لقلبي يوم البين إذا ظعنوا ... فالعين في لجج والقلب في شعل
كيف التصبر من ناري نوى وجوى ... وفي الحشا أنكاء جرح غير مندمل
فقد فقدت الألى كانت ببهجتهم ... نور النواظر في الأحداق والمقل
لم أكتحل بقرار بعد ما ارتحلوا ... ولاابتغيت لهم في الناس من بدل
لم يبق لي الدهر بعد البين من جلد ... ما استطيع به توديع مرتحل
ولا من الغمض ماأقري الخيال به ... ولا من الدمع ماأبكي على طلل
فلبي على لهب والجسم في نصب ... والروح في وصب واللب في ذهل
حسبي الغرام حليف والجوى أبداً ... منادما وسميرٌ غير منفصل
خذها محبرة غيداء غانية ... أتت على عجل كالقابس العجل
جاءت من (الهاشمي) لا تبتغي مهرا ... من خاطب لبنات النظم في عطل
وقال محمد اليمني المقلب بنجم الدين المتوفى سنة ٥٦٩ه ـ?
ولا تحتقر كيد الضعيف فربما ... تموت الأفاعي من سموم العقارب
وقد هد قدما عرش بلقيس هدهد ... وخرب حفر الفأر سد مآرب
إذا كان رأس المال عمرك فاحترز ... عليه من الإنفاق في غير واجب
فبين اختلاف الليل والصبح معرك ... يكر علينا جيشه بالعجائب
стр. 656
وماراعني غدر الشباب لأنني ... أنست بهذا الخلق من كل صاحب
وغدر الفتى في عهده ووفائه ... وغدر المواضي نبو المضارب
وقال مهذب الدين المتوفى سنة ٤٨ه ـ?
وإذا الكريم رأى الخمول نزيله ... في منزل قالحزم أن يترحلا
كالبدر لما أن تضاءل جد في ... طلب الكمال فحازه متنقلا
سفها لحلمك إن رضيت بمشرب ... رنق ورزق الله قد ملأ الملا
ساهمت عيسك مر عيشك قاعداً ... أفلا فليت بهن ناصية الفلا
فارق ترق كالسيف سل فبان في ... متنيه ماأخفى القراب وأخملا
لا تحسبن ذهاب نفسك ميتة ... ماالموت غلا أن تعيش مذللا
للقفر لا للفقر هبها إنما ... مغناك ماأعناك أمن تتوسلا
لا ترض من دنياك مأدناك من ... دنس وكن طيفاً جلاثم انجلى
وصل الهجير بهجر قوم كلما ... أمطرتهم شهدا جنوا لك حظلا
أنا من إذا ما الدهر هم بخفضه ... سامته همته السماك الأعزلا
وقال الحريري المتوفي سنة ٥١٦ه ـ?
سامح أخاك إذا خلط ... منه الإصابة بالغلط
وتجاف عن تعنيفه ... إن زاغ يوماً أو قسط
واحفظ صنيعك عنده ... شكر الصنيعة أو غمط
وأطعه إن عاصى وهن ... إن عز وأدن إذا شحط
واقن الوفاء ولو أخ ... ل بما استرطت وما اشترط
واعلم بأنك إن طلب ... ت مهذبا رمت الشطط
من ذا الذي ماساء قط ... ومن له الحسنى فقط
وقال أيضاً
اسمع أخي وصيةً من ناصح ... ماشاب محض النصح منه بغشه
لا تعجلن بقضية مبتوتة ... في مدح من لم تبله أو خدشه
وقف القضية فيه حتى نجتلي ... وصيفه في حالي رضاه وبطشه
فهناك إن تر ما يشين فواره ... كرماً وإن مايزين فأفشه
وأعلم بأن التبر في عق الثرى ... خاف إلى أن يستثار بنبشه
وفضيلة الدينار يظهر سرها ... من حكه لا من ملاحة نقشه
ومن الغباوة أن تعظم جاهلا ... لصقال ملبسه ورونق رقشه
أو أن تهين مهذباً في نفسه ... لدروس بزته ورثه فرشه
стр. 657
الباب التاسع
قال مؤيد الدين الأصبهاني المعروف بالطفرائي المتوفي سنة ٥١٣ه ـ?
من قاس بالعلم الثراء فإنه ... في حكمه أعمى البصيرة كاذب
العلم تخدمه بنفسك دائماً ... والمال يخدم عنك فيه نائب
والمال يسلب أو يبيد لحادث ... والعلم لايخشى عليه سالب
والعلم نقش في فؤادك رسخ ... والمال ظل عن فنائك ذاهب
هذا على الإنفاق يغزو فيضه ... أبداً وذلك حين تنفق ناضب
العلم أشرف شيء قاله رجل ... من لم يكن فيه علمك لم يكن رجلا
تعلم العلم واعمل ياأخي به ... فالعلم زين لمن بالعلم قد عملا
العلم مبلغ قوم ذروة الشرف ... وصاحب العلم محفوظ من التلف
ياصاحب العلم مهلاً لا تدنسه ... بالموبقات فما للعلم من خلف
العلم يرفع بيتاً لاعماد له ... والجهل يهدم بيت العز والشرف
لو كان نور العلم يدرك بالمنى ... ماكان يبقى في البرية جاهل
أجهد ولاتكسل ولا تك غافلاً ... فندامة العقبى لمن يتكاسل
وفي الجهل قبل الموت موتٌ لأهله ... وأجسادهم دون القبور قبور
وإن أمرأ لم يحي بالعلم قلبه ... فليس له حتى النشور نشور
لكل مجد في الروى نفع فاضل ... وليس يفيد العلم منم دون عامل
يسابق بعض الناس بعضاً بجدهم ... وماكل كر بالهوى كر باسل
إذا لم يكن نفع لذي العلم والحجا ... فما هو بين الناس إلا كجاهل
كذاك إذا لم يكن نفع لذي العلم والحجا ... فما هو بين الناس إلا كجاهل
стр. 658
كذاك إذا لم ينفع المرء غيره ... يعد كشوك بين زهر الخمائل
ياساعياً وطلاب المال همته ... غني أراك ضعيف العقل والدين
عليك بالعلم لاتطلب له بدلاً ... واعلم بأنك فيه غير مغبون
العلم يجدي ويبقى للفتى أبداً ... والمال يفنى وإن أجدى إلى ىحين
هذاك عز وذا ذل لصاحبه ... مازال بىلبعد بين العز والهون
العلم زين وتشريف لصاحبه ... فاطلب هديت فنونه العلم والأدبا
كم سيد بطل آباؤه نجب ... كانوا الرؤوس فأمسى بعدهم ذنباً
ومقرف خامل الآباء ذي أدب ... نال المعالي بالآداب والرتبا
العلم كنز وذخر لا فناء له ... نعم القرين إذا ما صاحب صحبا
قد يجمع المال شخص ثم يحرمه ... عما قليل فيلقى الذل والحربا
وجامع العلم مغبوط به أبداً ... ولا يحاذر منه الفوت والسلبا
ياجامع العلم نعم الذخر تجمعه ... لا تعدلن به دراً ولا ذهباً
بالعلم والعقل لا بالمال والذهب=يزداد رفع الفتى قدراً بلا طلب
فالعلم طوق النهى يزهو به شرفاً ... والجهل قيد له يبليه باللعب
كم يرفع العلم أشخاصاً إلى رتب ... ويخفض الجهل أشرافاً بلا أدب
العلم كنز فلا تفنى ذخائره ... والمرء مازاد علماً زاد بالرتب
فالعلم فاطلب يجديك جوهره ... كالقوت للجسم لا تطلب غنى الذهب
العلم زين فكن للعلم مكتسباً ... وكن له طالباً ماعشت مقتبساً
اركن إليه وثق بالله واغن به ... وكن حليماً رزين العقل محترساً
وكن فتى سالكاً محض التقى ورعاً ... الدين مغتنما في العلم منغمساً
стр. 659
فمن تخلق بالآداب ظل بها ... رئيس قوم إذا مافارق الرؤسا
الناس من جهة التمثال أكفاء ... أبوهم آدم والأم حواء
فإن يكن لهم في أصلهم شرف ... يفاخرون به فالطين والماء
مالفخر إلا لأهل العلم انهموا ... على الهدى لمن استهدى أدلاء
وقدر كل امرئ ماكان يحسنه ... والجاهلون لأهل العلم أعداء
وإن أتيت بجود في ذوي نسب ... فإن نسبتنا جودٌ وعلياء
ففز بعلم تعش حياً به أبداً ... الناس موتى وأهل العلم أحياء
العلم يغرس كل فضل فاجتهد ... ألا يفوتك فضل ذاك المغرس
واعلم بأن العلم ليس يناله ... من همه في مطعم أو ملبس
ألا أخو العلم الذي يزهو به ... في حالتيه عارياً أو مكتسي
فاجعل لنفسك منه حظاً وافراً ... واهجر له طيب الرقاد وعبس
فلعل يوماً إن حضرت بمجلس ... كنت الرئيس وفخر ذاك المجلس
стр. 660
الباب العاشر
في العقل
لولا العقول لكان أدنى ضيغم ... أدنى إلى شرف من الإنسان
ولربما طعن الفتى أقرانه ... بالرأي قبل تطاعن الأقران
ألم تر أن العقل زين لأهله ولكن تمام العقل طول التجارب
يقول لك العقل الذي زين الفتى ... إذا لم تكن تقدر عدوك داره
ولا قه بالترحيب والبشر والقرى ... وبادراك له مادمت تحت اقتادره
وقبل يد الجاني التي لست قادراً ... على قطعها وراقب سقوط جداره
العقل حلة فخر من تسربلها ... كانت له نسباً تغني عن النسب
والعقل أفضل مافي الناس كلهم ... بالعقل ينجو الفتى من حومة الطلب
стр. 661
وأفضل قسم الله للمرء عقله ... فليس من الخيرات شيء يقاربه
يعيش الفتى بالعقل في الناس أنه ... على العقل يجري علمه وتجاربه
يشين الفتى في الناس قلة عقله ... وإن كرمت أعراقه ومناسبه
وإذا أكمل الرحمن للمرء عقله ... فقد كملت أخلاقه ومآربه
ماوهب الله لا مرئ هبة ... أشرف من عقله ومن أدبه
هما حياة الفتى فإن عدما ... فإن فقد الحياة أجمل به
يعد رفيع القوم من كان عاقلاً ... وإن لم يكن في قومه بحسيب
وإن حلّ أرضا عاش فيها بعقله ... وما عاقل في بلدة بغريب
ومن كان ذا مال لم يك عاقلاً ... فذاك حمار حملوه من التبر
أرى العقل مرآة الطبيعة إذا به ... نرى صور الأشياء في عالم الفكر
ذو العقل في معترك الأقدار مقتدر ... لكن ذا الجهل مغلوب ومغلول
وعقل ذي الحزم مرآة الأمور بها ... يرى الحقائق، والمجهول مهول
وعقول الأنام لو تستوي لم ... يك فرق بين الغبي والنبيه
محور الأرض لو عدا مستقيماً ... لتساوى النهار والليل فيه
الباب الحادي عشر في الأدب
قال أبو تمام
إذا جاريت في خلق دنيئاً ... فأنت ومن تجاريه سواءُ
رأيت الحر يجتنب المخازي ... ويحميه عن الغدر لالوفاء
стр. 662
وما من شدة إلا سيأتي ... لها من بعد شدتها رخاء
لقد جربت هذا الدهر حتى ... أفادتني التجارب والعناء
يعيش المرء مااستحيا بخير ... ويبقى العود ما بقي اللحاء
فلا الله مافي العيش خير ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
إذا لم تخش عاقبة الليالي ... ولم تستح فاصنع ماتشاء
وقال أيضاً
سأصرف وجهي عن بلاد إذا بها ... لساني معقولاً وقلبي مقفلاً
وإن صريح الحزم والرأي لامرئ ... إذا بلغته الشمس أن يتحولا
وقال أبو فراس الحمداني
لا أشتري بعد التجارب صاحباً ... إلا وددت بأنني لم أشره
وتركت حلو العيش لم أحفل به ... لما رأيت اعزه في مره
والمرء ليس بغانم في أرضه ... كالصقر ليس بصائد في كره
وقال أبو العلا المعري
لئن قدرت فلا تفعل سوى حسن ... بين الأنام وجانب كل ماقبحا
فكم شيوخ غدوا بيضاً مفارقهم ... يسبحون وباتوا في الخنا سبحاً
وليس عندهم دينٌ ولا نسك ... فلا تغرك أيد تحمل السبحا
لو اعقل الأرض ودت أنها صفرت ... مكنهم فلم ير فيها ناظر شبحا
وقال الطغرائي
جامل عدوك مااستطعت فإنه ... بالرفق يطمع في صلاح الفاسد
واحذر حسودك مااستطعت فإنه ... إن نمت عنه فليس عنك براقد
إن الحسود وإن أراد توددا ... منه أضر من العدو الحاقد
ولربما رضي العدو إذا رأى ... منك الجميل فصار غير معاند
стр. 663
ورضا الحسود زوال نعمتك التي ... أوتيتها من طارف أو تالد
فاصبر على غيظ الحسود فناره ... ترمي حشاه بالعذاب الخالد
أو ما رأيت النار تأكل نفسها ... حتى تعود إلى الرماد الهامد
تضغو على المحسود نعمة ربه ... ويذوب من كمد فؤاد الحاسد
وقال ابن الرومي
عدوك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرون من الصحاب
فإن الداء أكثر ما تراه ... يحول من الطعام أو الشراب
إذا انقلب الصديق غدا عدوا ... مبيناً والأمور إلى انقلاب
ولو كان الكثير يطيب كانت ... مصاحبة الكثير من الصواب
وقال في الانفراد والوحدة
ذقت الطعوم فما التذذت براحة ... من صحبة الأخيار والأشرار
أما الصديق فلا أحب لقاءه ... حذر القلى وكراهة الأعوار
وأرى العدو قذى فأكره قربه ... فهجرت هذا الخلق عن أعذار
من جود إخوان الزمان سرورهم ... بتفاضيل الأحوال والأخطار
لو أن إخوان الصفاء تناصفوا ... لم يفرحوا بتفاصيل الأعمار
أأحب قوماً لم يحبوا ربهم ... إلا لفردوس لديه ونار
وقال المتنبي
إذا غامرت في شرف مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقير ... كطعم الموت في أمر عظيم
يرى الجبناء أن العجز عقل ... وتلك خديعة الطبع اللئيم
وكل شجاعة في المرء تغني ... ولا مثل الشجاعة في الحكيم
وكم من عائب قولاً صحيحاً ... وآفته من الفهم السقيم
стр. 664
وقال بشار بن برد
خبر إخوانك المشارك في المر ... روأين الشريك في المرأينا
الذي إن شهدت سرك في الحي ... ى وإن غبت كان أذنا وعينا
مثل سر الياقوت إن مسه النا ... ر جلاه البلاء فازداد زينا
أنت في معشر إذا غبت عنهم ... بدلوا كل مايزينك شينا
وإذا مالارأوك قالوا جميعاً ... أنت من أكرم البرايا علينا
ماأرى للأنام ودا صحيحاً ... عاد كل الوراء زورا ومينا
وقال أبو العتاهية
خيراٌ أيام الفتى يوم نفع ... واصطناع الخير أبقى ماصنع
ماينال الخير بالشر ولا ... يحصد الزارع إلا مازرع
خذ من الدنيا الذي درت به ... واسل عما بان منها وانقطع
إنما الدنيا متاع زائل ... فاقتصد فيه وخذ منه ودع
وارض للناس بما ترضى به ... واتبع الحق فنعم المتبع
كن ابن من شئت واكتسب أدباً ... يغنيك محموده عن النسب
إن الفتى من يقول هأنذا ... ليس الفتى من بقول كان أبي
لكل شيء زينة في الورى ... وزينة المرء تمام الأدب
قد يشرف المرء بآدابه ... فينا وإن كان وضيع النسب
وأنشد أبو عبد الله نفطويه لنفسه
أراني أنسى ماتعلمت في الكبر ... ولست بناس ماتعلمت في الصغر
وما العلم إلا بالتعلم في الصبا ... وماالحلم إلا بالتحلم في الكبر
ولو فلق القلب المعلم في الصبا ... لألفى فيه العلم كالنقش في الحجر
وماالعلم بعد الشيب غلا تعسف ... إذا كل قلب المرء والسمع والبصر
стр. 665
وما المرء غلا اثنان: عقل ومنطق ... فمن فاته هذا وهذا فقد دمر
وما ينشد لخلف الأحمر
خير ماورث الرجال بينهم ... أدب صالح وحسن ثناء
هو خير من الدنانير والأو ... راق في يوم شدة ورخاء
تلك تفنى والدين والأدب الصا_لح لا يفينان حتى اللقاء
إن تأدبت يابني صغيراً ... كنت يوماً تعد في الكبراء
وإذا ماأضعت نفسك الفي ... ت كبيراً في زمرة الغوغاء
ليس عطفي للعود إن كان رطباً ... وإذا كان يابساً بسواء
ومن شعر المنصور الفقيه
أيها الطالب الحريص تعلم ... إن للحق مذهباً قد ضللته
ليس يجدي عليك علمك إن لم ... تك مستعملاً لما قد علمته
قد لعمري اغتربت في طلب العل ... م وحاولت جمعه فجمعته
ولقيت الرجال فيه وازحم ... ت عليه الجميع حتى سمعته
ثم ضيعت أو نسيت، وماين ... فع علم نسيته أو أضعته
وسواءٌ عليك علمك إن لم ... يجد نفعاً عليك أم ما جهلته
كم إلى كم تخادع النفس جهلاً ... ثم تجري خلاف ماقد عرفته
تصف الحق والطريق إليه ... فإذا ماعلمت خالفت سمته
وقال محمود سامي باشا البارودي
بادر الفرصة واحذر فوتها ... فبلوغ العز في نيل الفرص
واغتنم عمرك إبان الصبا ... فهو إن زاد مع الشيب نقص
стр. 666
وابتدر مسعاك واعلم أن من ... بادر الصيد مع الفجر قنص
واجتنب كل غبي مائق ... فهو كالغير، إذا جد قمص
إنما الجاهل في العين قذى ... حيثما كان، وفي الصدر غصص
واجتز من شئت تعرفه فما ... يعرف الأخلاق إلا من فحص
إن ذا الحاجة إن لم يغترب ... عن حماه مثل طير في قفص
وقال أبو اسحاق إبراهيم الغزي
بمسيره نقص الهلال، وزاد ... فاجعل كراك إذا اعتزمت سهادا
لولا أنصلات البيض من أغمادها ... مشحوذة لم تفضل الأغماد
وفضيلة الحيوان في حركاته ... لولا منافعة لكان جمادا
مالعمر إلا راحل، وأظنه أت ... خذ الشبيبة للمسافة زادا
لا تخلعن عن اللسان لجامه ... وتوق فرط جماحه المعتادا
فالله خص الاستماع بآلةٍ+مثنى وجارحة الكلام فرادى
وقال أبو نصر عبد العزيز بن نباتة السعدي
حاول جسيمات الأمور، ولا تقل ... إن المحامد والعلا أرزاق
وأرغب بنفسك أن تكون مقصراً ... عن غلاية فيها الطلاب سباق
لا تشفقن فإن يومك إن أتى ميقاته لم ينفع الإشفاق
وإذا عجزت عن العدو فداره ... وأمزج له إن المزاج وفاق
стр. 667
فالنار بالماء الذي هو ضدها ... تعطي النضاج، وطيعها الإحراق
стр. 668
عود بينك على الآداب في الصغر ... كيما تقربهم عيناك في الكبر
فإنما مثل الآداب تجمعها ... في عنفوان الصبا كالنقش في الحجر
هي الكنوز التي تنمو ذخائرها ... ولا يخاف عليها حادث العبر
إن الأديب إذا زلت به قدم ... يهوى على فرش الديباج والسرر
الناس صنفان ذو علم ومستمع ... واع وسائرهم كاللغو والعكر
من لم يكن عقله مؤدبة ... لم يغنه واعظ من النسب
كم من وضيع الأصول في أمم ... قد سودوه بالعقل والأدب
لا تيأسن إذا ماكنت ذا أدب ... على خمولك أن ترقى إلى الفلك
فبينما الذهب الإبريز مختلط ... بالترب إذ صار إكليلاً على الملك
السبع سبع ولو كلت مخالبه ... والكلب كلب ولو بين السباع ربي
وهكذا الذهب الإبريز خالطه ... صفر النحاس وكان الفضل للذهب
لا يعجبنك أثواب على رجل ... دع عنك أثوابه وانظر إلى الأدب
стр. 669
فالعود لو لم تفح منه روائحه ... لم يفرق الناس بين العود والحطب
وليس يسود المرء إلا بنفسه ... وإن عد آباء كراماً ذوي حسب
إذا العود لم يثمر ولو كان شعبه ... من المثمرات اعتده الناس من حطب
قد ينفع الأدب الأحداث من صغر ... وليس ينفع بعد الشيبة الأدب
إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ... ولن تلين إذا قومتها الخشب
стр. 670
الباب الثاني عشر في الصبر والتأني
تصبر ففي اللأواء قد الصبر ... ولولا صروف الدهر لم يعرف الحر
وإن الذي أبلى هو العون فانتدب ... جميل الرضا يبقى لك الذكر والأجر
وثق بالذي أعطى ولاتك جازعاً ... فليس بحزم أن يروعك الضر
فلا نعم تبقى ولا نقم ولا ... يدوم كلا الحالين عسر ولا يسر
تقلب هذا الأمر ليس بدائم ... لديه مع الأيام حلو ولا مر
اصبر على مضض الأدلاج في السحر ... وفي الرواح إلى الطاعات في البكر
إني رأيت وفي الأيام تجربة ... للصبر عاقبه محمودة الأثر
وقل من جد في أمر يؤمله ... واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر
إن الأمور إذا اشتدت مسالكها ... فالصبر يفتح كل ما ارتجا
لا تيأسن وإن طالت مطالبه ... إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا
عليك بإظهار التجلد للعدى ... ولا تظهرن منك الذبول فتحقرا
أما تنظر الريحان بشمم ناضراً ... ويطرح في البيدا إذا ماتغيرا
صبراً على نوب الزما ... ن وإن أبى القلب الجريح
فلكل شيء آخر ... إما جميل أو قبيح
الدهر أدبني والصبر رباني ... والقوت أنعني واليأس أغناني
وحنكتني من الأيام تجربة ... حتى نهيت الذي قد كان ينهاني
إني رأيت الصبر خير معول ... رفي النائبات لمن أراد معولاً
ورأيت أسباب القناعة أكدت ... بعرى الغنى فجعلتها لي معقلا
فإذا نبابي منزل جاوزته ... وجعلت منه غيره لي منزلاً
وإذا غلا شيء علي تركته ... فيكون أرخض مايكون إذا غلا
إذا ماأتاك الدهر يوماً بنكبة=فافرغ لها صبراً وأوسع لها صدراً
فإن تصاريف الزمان عجيبة ... فيوماً ترى يسراً ويوماً ترى عسراً
следующие страницы →