← Акыда

Акыда · id 21506

درء تعارض العقل والنقل

ابن تيمية

Полный текст (4 031 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

ما يغاير ذلك حتى يقال: هو واجب بنفسه فلا يمكن أن يكون هنا ما هو واجب بنفسه. وقد أبطل غيره هذا القسم بوجهين: أحدهما ذكره الرازي والآمدي: أن ما كان سبب المجموع كان سبب كل واحد من أجزاء ذلك المجموع، فلو قدر جزء من أجزاء المجموع سبباً لزم كزن الجزء سبباً لنفسه، فيلزم كون الممكن علة معلولاً. وأيضاً فذلك الجزء معلول فإذا كان هو مرجحاً للمجموع كان مرجحاً لعلته فيكون علة لعلته. فصل ولم يذكر أن سينا ولا غيره في إثبات واجب الوجود قطع الدور، كما لم يذكر الجمهور قطع التسلسل لظهور فساده. وقد ذكرنا غير مرة أن المقدمة إذا كانت معلومة، مثل علمنا بأن المحدث لا بد له من محدث، بل مثل علمنا أن هذا المحدث له محدث، كان العلم بها كافياً في المطلوب، وأن ما يرد على الأمور المعلومة هو من جنس شبه السوفسطائية التي لا نهاية لها، فيجب الفرق بين ما يكون من المقدمات خفياً على أكثر الناس يحتاج إلى بيان، وما يكون معلوماً لأكثر، والشبة الواردة عليه من جنس شبه السوفسطائية. ولما كان أهل الكلام كثيراً ما يوردون يورد عليهم ما هو من جنس شبه السوفسطائية، كما يورده الكفار الذين يجادلون بالباطل ليدحضوا به

стр. 1087

الحق، لم يكن لهذا حد محدود ولا عد معدود، بل هو بحسب ما يخطر للقلوب. فلهذا صار كلما طال الزمان أورد المتأخرون أسولة سوفسطائية لم يذكره المتقدمون. وزاد المتأخرون مقدمة في الدليل لدفع ذلك السؤال، فزادوا أولا: أن المحدث لا يختص بوقت دون وقت إلا بمخصص، والأوقات متماثلة، والأمور المتماثلة يمتنع اختصاص بعضها دون بعض إلا بمخصص منفصل. ثم زادوا بعد هذا: ان التخصيص ممكن، والممكن لا يترجح ودوده على عدمه إذ لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح وزادوا أن المرجحات يمتنع تسلسلها كما تقدم، ثم زادوا بعد هذا قطع الدور. وكذلك ابن سينا لم يذكر في برهانه أن الممكن لا يوجد من نفسه فلا بد أن يوجد بغيره فقال الرازي لا يلزم من صحة قولنا ليس الممكن موجوداً من ذاته صحة قولنا: إنه موجود بغيره لأن بين القسمين واسطة وهي أن لا يكون وجوده من شيء أصلاً لا من ذاته ولا من غيره وإذا كان كذلك لم يتم البرهان إلا بذكر هذا القسم وإبطاله: إما بادعاء الضرورة في فساده أو بذكر البرهان على فساده. قال وهو لم يفعل شيئاً من ذلك

стр. 1088

فيقال له كون وجود الشيء لا من نفسه ولا من غيره، هو مما يعلم فساده بالضرورة والأمور المعلومة الفساد بالضرورة لا يجب على كل مستدل تقديرها ونفيها، فإن هذا لا غاية له، وإنما يذكر الإنسان من ذلك ما قد قيل أو خطر بالبال، فأما الذهن والصحيح الذي يعلم بالضرورة فساد مثل هذا التقدير، فهو لا يورده على نفسه ولا يورده عليه غيره وإنما يقع الإيراد عند الشك والاشتباه فإن قدر من الناس من يشك ف يهذا احتاج مثل هذا إلى البيان وقد قلنا إن الأسولة السوفسطائية ليس لها حد محدود ولا عد معدود. وهذا نظير قول القائل: إن المحدث الذي كان بعد أن لم يكن لم يحدث نفسه، وهذا كله من العلوم البديهية الضرورية الفطرية التي هي من أبين الأمور عند العقلاء. ولو احتاج المستدل أن يذكر من الأقسام ما يخطر ببال كل أحد، وإن كان فساده معلوماً بالضرورة، لقال: الممكن إذا لم يوجد بنفسه فإما أن يوجد بموجد او بغير موجد وإذا وجد بموجد، فلذلك الموجد إما أن يوجده وهو معدوم، أو يوجده وهو موجود. ثم يريد أن يبطل الثاني بأن الموجد لا يوجد وهو معدوم، كما فعل ذلك طائفة من أهل الكلام، وإذا أراد أن يبطل ذلك قال: والمعدوم لا يكون موجداً لأن العدم لا يتميز فيه شيء عن شيء والموجد

стр. 1089

لا بد أن يتميز عن غيره، وإذا قيل: المعدوم يتميز فيه شيء عن شيء على قول من يقول: المعدوم شيء تبين أن المعدم ليس بشيء فيكون إثبات وجود الصانع موقوفاً على إبطال قول هؤلاء كما فعل ذلك طائفة من أهل الكلام. ومن المعلوم ان إبطال هذا أدق من إبطال كون الشيء الذي لا يكون وجوده من نفسه يكون موجوداً لا بنفسه ولا بغيره، إذ كان من المعلوم البين لكل أحد أن ما لم يوجد بنفسه، فلا بد ان يكون وجوده بغيره، وأما تقدير موجود لم يوجد بنفسه ولا بغيره فهو ممتنع، فإنه لا يعني بكونه موجوداً بنفسه أن نفسه أوجدته إذ كان هذا معلوم الامتناع، بل يعني أنه لا يحتاج في وجوده إلى غيره بل وجوده واجب بنفسه، فهو موجوداً أزلاً وأبداً، فظهور صحة هذا الكلام وبطلان نقيضه أبين مما يستدل به عليه، بل يمكن هنا إيراد أسولة أخرى يطول بها الكلام. وقال الرازي أيضاً: قد كان الواجب على ابن سينا أن يتكلم قبل هذا الفصل في بيان أن سبب الممكن لا يكون مقدماً عليه تقدماً زمانياً فإنه لو جاز ذلك لما امتنع إسناد كل ممكن إلى آخر قبله لا إلى أول، وذلك عنده غير ممتنع، فكيف يمكن إبطاله لإثبات واجب الوجود. وأما إذا قامت الدلالة على أن السبب لا بد من وجوده مع المسبب فحينئذ لو حصل التسلسل لكانت تلك الأسباب والمسببات بأسرها حاضرة معاً، وذلك عنده محال.

стр. 1090

والبرهان الذي ذكره في إبطال التسلسل أيضاً مختص بهذه الصورة، فكان الأولى تقديم الكلام في هذه المسألة، لكن لما كان في عزمه أن يذكره في موضع آخر، وهو النمط الخامس من هذا الكتاب، لا جرم تساهل فيه ههنا. قلت: مثل هذا الكلام هو الذي أوجب أن يدخل هذا القسم من أدخله ف يهذا الدليل كالآمدي وغيره، ولا حاجة إليه، بل ما ذكره ابن سينا كاف. والدليل الذي ذكره على إبطال التسلسل في العلل يوجب إبطال علل متسلسلة سواء قدرت مجتمعة أولا، كما قد تبين من كلامه، وهو لا يجوز عللاً متسلسلة لا متعاقبة ولا غير متعاقبة وإنما يجوز حوادث متسلسة، وتلك عنده شروط لحدوث الحوادث، لا علل ولا أساب بمعنى العلل، ولا يجوز عنده إسناد كل ممكن إلى ممكن قبله أصلاً، ولكن يجوز ان يكون وجوده مشروطاً بوجود ممكن قبله وبين العلة والشرط فرق معروف. ومن هنا دخل الغلط على الرازي ف يهذا الاعتراض، ولهذا كان سائر من تكلم في إبطال العلل المتسلسلة لم يحتج إلى ذكر هذا القسم أصلاً، ولا يقولون إن الممكن أو الحادث الذي يوجد قبل الممكن أو الحادث هو علة أيضاً، ولا هو مستند وجوده وإنما يقولون هو شرط فيه.

стр. 1091

وأيضاً فإسناد كل ممكن إلى آخر قبله إما أن يراد به أنه يستند إلى أخر موجود قبله، فيستمر الوجود إلى حين وجود الممكن المفعول، وإما أن يراد به إلى آخر يكون موجوداً قبله ويعدم قبله. فإن أريد الأول فمعلوم أنه بطل إسناده إلى ممكن موجود مع وجوده، كان هذا متناولاً لما يوجد مع ذلك قبل وجوده ولما لم يوجد إلا عند وجوده فلا حاجة إلى تخصيص ما وجد قبل وجوده بالذكر كما لا يحتاج إلى تخصيص ما يبقى بعد وجوده بالذكر إذ الدليل يتناول كل ما كان موجوداً عند وجوده، سواء وجد قبل ذلك أيضاً أو بعد ذلك أيضاً أو لم يكن موجوداً حين وجوده. وأما إن أريد أستناده إلى الآخر يكون موجوداً قبله ويعدم أيضاً قبله، وهذا هو الذي أراده الرازي لم يحتج أيضاً إلى هذا لوجوه: أحدهما: أنه إذا بطل إسناده إلى ممكن موجود حال وجوده، فبطلان إسناده إلى ممكن يعدم حين وجوده أولى وأحرى، فإذا قام الدليل على بطلان تسلسل العلل الممكنة مع كونها معاً في الوجود، فبطلان التسلسل مع تعاقبها أظهر وأجلى. الثاني: أن الدليل الدال على بطلان التسلسل في العلل هو دليل مطلق عام سواء قدرت متقارنة أو متعاقبة فإن جميع ما ذكر من

стр. 1092

الأدلة الدالة على أن مجموع الممكنات مفتقرة إلى أمر خارج عنها يتناول جميع الأنواع التي يقدرها سواء قدر أنها متسلسلة على سبيل الاقتران أو على سبيل التعاقب، وسواء قدرت مع التعاقب بعدم الأول عند وجود الثاني أو يبقى بعد وجوده إلا مع وجوده لا سابقاً ولا لاحقاً. وكذلك إذا قدرت مع الاقتران لا يكون بعضها قبل بعض ولا بعده ـو يوجد بعضها قبل بعض أو بعده فمهما قدر من التقديرات التي تخطر بالبال في تسلسل المؤثرات فما ذكر من الأدلة يبطل ذلك كله ويبين امتناعه، فتبين أن ما ذكره ابن سينا كاف في ذلك لا يحتاج إلى الزيادة التي زادها الرازي والآمدي. الثالث: أنه إذ كانت الممكنات محتاجة إلى خارج عنها ليس بممكن، بل هو واجب الوجود بنفسه، فذلك يمتنع عدمه ويجب وجوده، فكان نفسه إثبات واجب الوجود كافياً في أنه يستمر الوجود حال وجود الممكن، لا يحتاج إلى ذلك الواجب. الرابع: أن ما ذكروه من الممكن يفتقر إلى الواجب، وإنما لا يكون افتقاره إليه مختصاً ببعض الأزمنة أن الواجب. وقال الرازي أيضاً لما شرح طريقة ابن سينا في إثبات واجب الوجود

стр. 1093

وأبطل التسلسل قد بقي هنا كلام آخر وهو إبطال الدور وهو أن يكون هذا يترجح بذاك، وذاك يترجح بهذا. قال واعلم أن الدور باطل والمعتمد في إبطاله أن يقال العلة متقدمة على المعلول، ولو كان كل منهما علة للآخر لكان كل منهما متقدماً على الآخر فيكون كل منهما متقدماً على المتقدم على نفسه فيلزم تقدم كل منهم على نفسه وهو محال. وأورد على هذا ما مضمونه أن التقدم أن كان غير كون أحدهما علة للآخر فلا نسلم الأولى، وإن كان هو كون أحدهما علة للآخر كان اللازم هو الملزوم، فيكون المعنى لو كان أحدهما علة للآخر لكان للآخر. ثم قال والإنصاف أن الدور معلوم البطلان بالضرورة ولعل الشيخ إنما تركه لذلك. قلت: هذا هو الصواب فإن بطلان الدور معلوم بالضرورة، ولأجل هذا لا يخطر لأكثر العقلاء حتى يحتاجوا إلى نفيه عن قلوبهم، كما لا يخطر لهم أن الفاعل للموجودات يكون معدوماً، ولا يخطر لهم أن الشيء يحدث أو يكون لا بنفسه ولا بغيره، بل ولا يخطر لهم أنه يمكن أن يكون مفعولات متعاقبة لا فاعل لها، وهو تسلسل العلل فيكون معلول مفعول لمعلول مفعول، والمعلول معلول لمفعول آخر لا إلى نهاية فأكثر الذهان الصحيحة لا يخطر لها إمكان هذا

стр. 1094

حتى تحتاج إلى نفيه، وكذلك لا يخطر لها أنه يمكن وجود شيئين كل منهما فعل الآخر، بل هم يعلمون أن الشيء لا يفعل نفسه، فكيف يفعل فاعل نفسه؟ وقول القائل إنه لو كان كل منهما فاعلاً للآخر أو مؤثراً في الآخر أو علة في الآخر لكان كل منهما قبل الآخر كلام صحيح. وأما قول المعترض: إن أريد بالتقدم تقدم العلة على المعلول فاللازم هو الملزوم وأن أريد غيره فإنه ممنوع. فهذا عنه جوابان ـأحدهما ان يراد به التقدم المعقول في فطر الناس من تقدم الفاعل على المفعول وهو كونه قبله بالزمان أو تقدير الزمان وعلى هذا جمهور العقلاء بل قد يقولون، هذا معلوم بالضرورة وهو كون الفاعل سابقاً متقدماً على مفعوله، وإنه يمتنع أن يكون متساويين في زمان الوجود. وهذا مما يستدل به على أن كل ما سوى الله حادث، ليس في الموجودات ما يقارن الخالق ويكون معه بالزمان ولا يعرف ف يالوجود مفعول معين قارن فاعله في زمانه أصلاً، وإنما يعرف هذا في الشرط والمشروط فإن الشرط قد يقارن المشروط فلا يوجد قبله، وقد يوجد قبله، لكن لا بد من وجوده معه، كما أن الحياة إذا كانت شرطاً في العلم والإرادة أمكن أن تكون متقارنة في صفات الله تعالى، فإن حياته

стр. 1095

وعلمه معاً لم يسبق أحدهما الآخر، والعلم مشروط بالحياة وكذلك الذات مع الصفات اللازمة: لا يوجد أحدهما قبل الآخر، بل هما متلازمان، ولا يوجد أحدهما إلا مع الآخر. وقد يكون الشرط سابقاً للمشروط كالأعراض التي لا توجد إلا بمحل، وقد يكون المحل موجوداً قبل وجود الأعراض، وكما في أفعال الله الحادثة فإنها مشروطة بوجود ذاته وذاته متقدمة عليها. وما ذكره من ذكره من أهل الفلسفة والكلام في مسألة حدوث العالم وغيرها من أن التقدم ينقسم إلى تقدم بالذات والعلية، وقد يسمى الأول تقدماً بالعلية والثاني تقدماً بالذات كتقدم العلة على المعلول، وتقدم بالطبع، كتقدم الواحد على الاثنين. وفرقوا بينهما بأنه في الأول يكون المتقدم فاعلاً للمتأخر، وفي الثاني يكون شرطاً فيه، ومثلوا الأول بتقدم حركة اليد على حركة الخاتم والكم فإنك تقول: تحركت يدي فتحرك الخاتم فيها، فزمانهما واحد مع العلم بأن الأول متقدم على الثاني وينقسم إلى التقدم بالزمان وبالرتبة الحسية أو العقلية. وزاد طائفة منهم الشهرستاني والرازي ومت اتبعهما تقدماً آخر يمطلق الوجود، وجعلوا التقدم بعض أجزاء الزمان على بعض

стр. 1096

منه فيجيب عنه من يوافق جمهور العقلاء بأن التقدم المعقول إنما هو التقدم بالزمان، أو تقدير الزمان على النزاع المعروف في هذا الموضع. وأما التقدم بالمكان والمرتبة فهو تابع لهذا لما كان المتقدم في المكان يتحرك قبل حركة المتأخر كتحرك الإمام قبل المأموم، والأمير قبل المأمور. وأما التقدم بالعلية فإن عني به هذا، وإلا فلا حقيقة له، فلا تعقل علة تامة تكون هي بسائر أجزائها مقارنة لمعلولها أصلا. وقول القائل: تحركت يدي فتحرك الخاتم، ليس هو من تقدم الفاعل على المفعول، فإن حركة اليد ليست هي الفاعل لحركة الخاتم لكن هي شرط قيها فلا ترجد حركة الخاتم التابعة لحركة اليد إلا بشرط وجود حركة اليد التي هي متبوعة، كما أن حركة الأصابع لا توجد إلا بحركة الكف. فإن قيل: الحركتان معاً في الزمان، فالفاعل لهذه هو الفاعل للأخرى، وهو متقدم عليهما جميعاً.

стр. 1097

وإن قيل: بل إحداهما عقب الآخرى في الزمان كأجزاء الزمان المتلاحقة، بطل قول القائل: إنهما معاً في الزمان. وكثيراً ما يشتبه على الناس الوجود مع الشيء بالوجود عقبه، بل يطلقون لفظ المع على المعاقب له ويقولون: جاءا معاً، وإن كان مجيء أحدهما معاقباً للآخر إذا لم يكن بينهما فصل، بل يطلقون ذلك مع قرب الآخر، فالحادثات إذا كان زمانهما واحداً أو حدث أحدهما عقب حدوث الآخر بلا فصل، كأجزاء الحركة والزمان لم يميز أكثر الناس بين هذا وهذا بالحس. وحينئذ فقول القائل: تحركت يدي فتحرك كمي. يقال له: لم لا يجوز ان يكون هذا مع هذا كاجزاء الحركة والزمان بعضها مع بعض. والحركة تحدث شيئاً فشيئاً من الفاعل والقابل، فمن حرك سلسلة أو حبلاً معلق الطرفين، فإنه إذا حرك أحد الطرفين تحرك شيئاً فشيئاً، حتى تنتهي الحركة إلى الطرف الآخر، وهي متعاقبة كتعاقب زمان تلك الحركة في أحدهما أسبق من الآخر، مثل البدن إذا تحرك منتقلاً، فإن أجزاء البدن تتحرك في آن واحد، لا يسبق بعهضا بعضاً إلا ما تقدم من الحركة كما تتقدم إحدى الرجلين على الآخرى، بخلاف خرزات الظهر المتصلة تتصل

стр. 1098

حركتها، فإذا حركت يده تحركت جميع أجزائها وما فيها كالخاتم، وما يتصل بها كالكم، فيكون حكمها حكم الجسم المتصل إذا تحرك والحركة المنفصلة عن أخرى كحركة الرجل قبل الرجل يشهد فيها التقدم بالزمان لوجود المنفصل، وأما مع الأتصال فقد يشتبه المتصل بالمقارن، وحينئذ فأي حركة كانت من قبل المتصل فهي متصلة بما قبلها، كاتصال أجزاء زمان الحركة، فليس هناك اقتران في الزمان. وإذا قيل في حركة الكم: إن زمانها حركة اليد، كما يقال مثل ذلك في سائر المتحركات معاً بالزمان، فهنا لا نسلم أن إحدى الحركتين فاعلة للآخرى، بل غايتها أن تكون شرطاً فيها، والشرط يجوز أن يقارن المشروط، بخلاف الفاعل فإنه لا بد أن يتقدم على الفعل المفعول المعين، وإن قدر أن نوع الفعل لازم له، كما؟ إذا قدر قديم أزلي متحرك لم يزل متحركاً، فإنه سيتقدم على كل جزء من أجزاء الحركة لم يقارن وجود ذاته شيء من أجزاء الحركة وإن كان نوع الحركة لازماً له فمن حوز وجود جسم قديم لم يزل متحركاً، لا يقول: إن شيئاً معيناً من الحركة قديم أزلي، بل يقول: نوع الحركة أزلي وإن كان كل منها حادثاً كائناً بعد ان لم يكن مسبوقاً بالعدم. والمتفلسفة القائلون بقدم شيء من العالم لا دليل لهم على ذلك أصلاً، بل غاية ما عندهم إثبات قدم نوع الفعل، وقدم نوع الفعل لا يستلزم قدم فعل معين ولا مفعول معين بل ذلك ممتنع.

стр. 1099

الرد على قولهم وقول القائل: العلة متقدمة على المعلول وإن قارنته بالزمان، وجعله الباري مع العالم بهذه المنزلة. الوجه الأول يقال له إن أردت بالعلة ما هو شرط في وجود المعلول لا مبدعاً له كان حقيقة قولك: إن واجب الوجود ليس هو مبدعاً للمكنات ولا رباً لها، بل وجوده شرط في وجودها , وهذا حقيقة قول هؤلاء فالرب على أصلهم والعالم متلازمان كل منهما شرط في الآخر والرب محتاج إلى العالم، كما أن العالم محتاج إلى الرب وهم يبالغون في إثبات غناه عن غيره، وعلى أصلهم فقره إلى غيره كفقر بعض المخلوقات. وغاية المتخذلق منهم كأرسطو أن يجعل الفلك واجب الوجود لا يقبل العدم مع كونه مفتقراً إلى المبدأ الأول لأجل التشبيه به، ويجعل المبدأ الأول غنياً عما سواه، لكن من التناقض أن يقول: إن واجب الوجود مفتقر إلى غيره، وأيضاً فالأزلي الذي يثبته لا حقيقة له، كما قد بسط في موضع آخر. وإن أراد بالعلة ما هو مبدع للمعلول له فهذا لا يعقل مع كون زمانه المعلول، لم يتقدم على المعلول تقدماً حقيقاً، وهو التقدم المعقول.

стр. 1100

وإذا شبهوا وجود الفلك مع الرب بالصوت مع الحركة والضوء مع الشمس، كان هذا ونحوه تشبيهاً باطلاً لا يفيد إمكان صحة قولهم، فضلاً عن إثبات صحته، فإن هذه الأمور وأمثالها إما أن يقال فيها: إن الثاني موجود متصل بالأول، كأجزاء الزمان والحركة لا أنه معه في الزمان وإما أن يقال الثاني مشروط بالأول لا أن الأول مبدع للثاني فاعل له، فلا يمكنهم ان يذكروا وجود فاعل لغيره مع أن زمانهما معاً أصلاً. ونحن ذكرنا هذا التقسيم لئلا يكون الجواب مبنياً على أمور دقيقة يختص بفهمها بعض الناس، فإن الجواب كلما كان أظهر، واتفاق العقلاء عليه أكثر، كان أولى بالذكر من غيره إذ المقصود بيان الحق وإبطال الباطل، وألا فيمكن بسط الكلام في هذا وأن يقال السبب لا بد أن يتقدم على مسببه بالزمان وأن الفاء المستعلمة في هذا هي فاء التعقيب. فقول القائل: تحركت يدي فتحرك كمي يدل على أن الثاني عقب الأول ويقال إن فاء التسبب تتضمن التعقيب من غير عكس، فكل مسبب فإنه يكون بعد سببه فليس كل ما كان عقب

стр. 1101

غيره يكون مسبباً عنه بل قد يكونان مسببين لسبب آخر وإن كان شرطاً فيه. ثم الكلام في هذا ينجر إلى الفرق بين السبب وجزئه والشرط، وليس هذا موضع استقصائه، فإن المقصود حاصل بدون ذلك، وإنما المقصود هنا أن تقدم العلة الفاعلة على المعلول المفعول أمر معقول عند جماهير العقلاء من الأولين والآخرين وإنما يجوز كون المفعول المعلول مقارناً لفاعله طائفة قليلة من الناس، كابن سينا والرازي ونحوهما. وقد زعم الرازي في محصله وغيره أن المتكلمين والفلاسفة يجوزون وجود الممكن القديم عن موجب بالذات، وهي العلة القديمة لكن المتكلمون يقولون إنه فاعل بالاختيار فلهذا يمنعون قدم شيء من الممكنات والمتفلسفة يقولون إنه غير فاعل بالاختيار فلهذا قالوا بقدم معلوله، وهذا الذي قاله غلط على الطائفتين جميعاً كما قد بسطناه في موضع آخر. فالمتكلمون الذين يقولون بامتناع مفعول قديم، يقولون إن ذلك ممتنع على أي وجه قدر فاعله ويقولون: كون الرب فاعلاً بغير الاختيار ممتنع أيضاً وليس امتناع أحدهما مشروطاً بالعلم بامتناع الآخر. والفلاسفة القائلون بقدم الأفلاك لهم قولان في العلة الأولى: هل هي فاعلة بالاختيار أو موجبة بلا اختيار؟

стр. 1102

وقد ذكر القولين عنهم أبو البركات صاحب المعتبر وغيره وهو يختار أنه فاعل بالاختيار مع قوله بقدم الفعل وليست مسألة القدم ملازمة لمسألة الفاعل بالاختيار، لا عند هؤلاء ولا عند هؤلاء، كما ادعاه الرازي على الطائفتين وكذلك القول بإمكان معلول مفعول مقارن لفاعله هو قول بعض القائلين بقدم العالم لا قولهم كلهم ولا قول واحد من أتباع الرسل، ولا ممن يقول بان اله خالق لما برأه محدث له. وحينئذ فالقول بتقدم الفاعل على مفعوله تقدماً مفعولاً زمانياً وإما مقدراً تقدير الزمان قول جمهور العقلاء فهذا أحد الجوابين. الوجه الثاني أن يقال: هب أنهم أرادوا بالتقدم تقدم العلة على المعلول، من غير تقدم بالزمان ولا تقدير الزمان، وكان اللازم هو الملزوم، لكن الشيء الواحد إذا عبر عنه بعبارتين تدل كل منهما على وصف غير الوصف الآخر، كان تعدد المعاني نافعاً، وإن كانت الذات واحدة، ولهذا قد تعلم الذات بوصف ولا تعلم بوصف آخر، فإذا كان ذات التقدم ذات العلة فليس المفهوم من نفس العلة هو المفهوم من نفس التقدم، وإن كان متلازمين، بل معنى العلة أنه اقتضاه وأوجبه، ومعنى التقدم أنه قبله. وقد يفهم السبق والقبلية من لا يعلم أنه علة بعد. فإذا قيل: لو كان علة قبله كان هذا صحيحاً. ثم العقل يجزم بأن الشيء لا يكون قبل نفسه، فضلاً عن أن يكون قبل ما هو قبل نفسه، بأي وجه فسر معنى السبق والقبلية.

стр. 1103

وحينئذ فيستدل بهذا على ذلك من لم يفهم الامتناع من لفظ العلة. وأما من فهم الامتناع من لفظ العلة، كما عليه جمهور الفطر السليمة فلا يحتاج إلى هذا. ولكن كون الشيء دليلاً على الشيء معناه أنه يلزم من ثبوته ثبوته. والشيئان المتلازمان كل منهما يصلح أن يكون دليلاً على الآخر، ثم من شأن الإنسان أن يستدل بالظاهر على الخفي، لكن الظهور والخفاء من الأمور النسبية، فقد يظهر لهذا ما لا يظهر لهذا، وقد ظهر للإنسان في وقت ما يخفي عليه في وقت آخر. فلهذا أمكن أن يستدل بهذا على ذاك، وبذاك على هذا، إذا قدر إن هذا أظهر من ذاك تارة، وذاك أظهر من هذا أخرى، وإما بحسب شخصين، وإما بحسب حالين. وهذه المعاني من تفطن لها انجلت عنه شبه كثيرة فيما يورده الناس على الحدود والأدلة التي قد يقال إنه لا فائدة فيها ولا حاجة إليها، وذاك صحيح وقد يقال: بل ينتفع بها وهذا أيضاً صحيح. لكن من حصر العلم بطريق عينه، هو مثل واحد معين ودليل معين، أخطأ كثيراً كما أن من قال: إن حد غيره ودليله لا يفيد بحال أخطأ كثيراً، وهذا كما أن الذين أوجبوا النظر، وقالوا: لا يحصل العلم إلا به مطلقاً، أخطأوا والذين قالوا: لا حاجة إليه بحال، بل المعرفة دائماً ضرورية لكل أحد في كل حال أخطأوا بل المعرفة

стр. 1104

وإن كانت ضرورية في حق أهل الفطر السليمة فكثير من الناس يحتاج فيها إلى النظر، والإنسان قد يستغني عنه في حال ويحتاج إليه ف يحال وكذلك الحدود قد يحتاج إليها تارة ويتغنى عنها أخرى كالحدود اللفظية والترجمة قد يحتاج إليها تارة وقد يستغنى عنها أخرى وهذا له نظائر. وكذلك كون العلم ضرورياً ونظرياً والاعتقاد قطعياً وظنياً، أمور نسبية فقد يكون الشيء قطعياً عند شخص وفي حال وهو عند آخر وفي حال أخرى مجهول فضلاً عن أن يكون مظنوناً وقد يكون الشيء ضرورياً لشخص وفي حال ونظرياً لشخص آخر وفي حال أخرى. وأما ما أخبر به الرسول فإنه حق في نفسه لا يختلف باختلاف عقائد الناس وأحوالهم فهو الحق الذي لا يقبل النقيض ولهذا كل ما عارضه فهو باطل مطلقاً. ومن هنا يتبين لك أن الذين بنوا أمورهم على مقدمات إما ضرورية أو نظرية أو قطعية أو ظنية بنوها على أمور تقبل التغير والاستحالة فإن القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء وأما ما جاء به الرسول فهو حق لا يقبل النقيض بحال فهو ﷺ يخبر بالحق كما قال أهل الجنة لما دخلوها: ﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق﴾ الأعراف ٤٣ وقد قال تعالى: ﴿إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا﴾ البقرة ١١٩ ﴿وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا﴾ الأحزاب ٤٦ وقال تعالى ﴿أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون *

стр. 1105

أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون * ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون﴾ المؤمنون ٦٩ -٧ ١. وقال تعالى ﴿الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم * والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم * ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم﴾ محمد ١- ٢ ومثل هذا كثير. فالرسول ﷺ يخبر بالحق ويقيم عليه الأدلة العقلية البرهانية الموصلة إلى معرفته كالأقيسة العقلية وهي الأمثال المضروبة. قال تعالى ﴿ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا﴾ الإسراء ٨٩ وقال تعالى ﴿ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا﴾ الكهف ٥٤ إلى قوله تعالى ﴿ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا * ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا﴾ الكهف ٥٦ - ٥٧.

стр. 1106

وقال تعالى: ﴿ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون﴾ الزمر: ٢٧. وهو سبحانه يجيب عن المعارضات كما قال تعالى ﴿ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا﴾ الفرقان ٢٣ وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. والمقصود هنا أن الطريقة الشرعية تتضمن الخبر بالحق والتعريف بالطرق الموصلة إليه النافعة للخلق وأما الكلام على كل ما يخطر ببال كل أحد من الناس من الشبهات السوفسطائية فهذا لا يمكن أن يبينه خطاب على وجه التفصيل. والعلوم الفطرية الضرورية حاصلة مع صحة الفطرة وسلامتها، وقد يعرض للفطرة يفسدها ويمرضها فترى الحق باطلاً، كما في البدن إذا فسد أو مرض فإنه يجد الحلو مراً ويرى الواحد اثنين فهذا يعالج بما يزيل مرضه. والقرآن فيه شفاء لما في الصدور من الأمراض. والنبي صلى اله عليه وسلم علم أن وسواس التسلسل في الفاعل يقع في النفوس، وأنه معلوم الفساد بالضرورة، فأمر عند وروده بالاستعاذة بالله منه والانتهاء عنه، كما في الصحيحين واللفظ لمسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال:

стр. 1107

هذا الله خلق فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئاً فليقل: آمنت بالله» . وفي لفظ آخر «يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق السماء؟ من خلق الأرض؟ فيقول اله وزاد فليقل: آمنت بالله ورسله» . وفي لفظ آخر يقول: «من خلق كذا؟ من خلق كذا حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته» هذا لفظ البخاري أو نحوه وفي مسلم عن أنس عن النبي ﷺ قال «قال الله : إن أمتك لا يزالون يقولون: ما كذا؟ ما كذا؟ حتى يقولوا: هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله سبحانه» . وفي البخاري عن أنس قال «قال رسول الله ﷺ لن يبرح الناس يتساءلون: هذا الله خالق كل شيء فمن خلق الله»

стр. 1108

وقد سئل بعض السالكين طريقة هؤلاء كالرازي ونحوه فقيل له: لم لم يأمر النبي ﷺ عند هذا الوسواس بالبرهان المبين لفساد التسلسل والدور بل أمر الاستعاذة؟ فاجاب بأن مثل هذا مثل من عرض له كلب ينبح عليه ليؤذيه ويقطع طريقة، فتارة يضربه بعصا وتارة يطلب من صاحب الكلب أن يزجره قال فالبرهان هو الطريق الأول وفيه صعوبة والاستعاذة بالله هو الثاني وهو أسهل. واعترض بعضهم على هذا الجواب بأن هذا يقتضي أن طريقة البرهان أقوى وأكمل وليس الأمر كذلك، بل طريقة الاستعاذة أكمل وأقوى، فإن دفع الله للوسواس عن القلب أكمل من دفع الإنسان ذلك عن نفسه. فيقال: السؤال باطل، وكل من جوابيه مبني على الباطل فهو باطل وذلك أن هذا الكلام مبناه على أن هذه الأسئلة الواردة على النفس تندفع بطريقين أحدهما البرهان والآخر الاستعاذة وأن النبي ﷺ أمر بالاستعاذة وأن المبين لفساد الدور والتسلسل قطعه بطريق البرهان وأن طريقة البرهان تقطع الأسولة الواردة على النفس بدون ما ذكره النبي ﷺ ، وأن النبي ﷺ لم يأمر بطريقة البرهان. الطريقة النبوية إيمانية وبرهانية وهذا خطأ من وجوه، بل النبي ﷺ أمر بطريقة البرهان حيث يؤمر بها، ودل على مجاميع البراهين التي يرجع إليها غاية

стр. 1109

نظر النظار ودل من البراهين على ما هو فوق استنباط النظار، والذي أمر به في دفع هذا الوسواس هو الاستعاذة فقط، بل أمر بالإيمان وأمر بالاستعاذة وأمر بالانتهاء ولا طريق إلى نيل المطلوب من النجاة والسعادة إلا بما أمر به لا طريق غير ذلك بيان ذلك من وجوه: الوجه الأول أن يقال: البرهان الذي ينال بالنظر فيه العلم لا بد أن ينتهي إلى مقدمات ضرورية فطرية فإن كل علم ليس بضروري لا بد أن ينتهي إلى علم ضروري، إذ المقدمات النظرية لو أثبت بمقدمات نظرية دائماً لزم الدور القبلي، أو التسلسل في المؤثرات في محل له ابتداء. وكلاهما باطل بالضرورة واتفاق العقلاء من وجوه. فإن العلم النظري الكسبي هو ما يحصل بالنظر في مقدمات معلومة بدون النظر إذ لو كانت تلك المقدمات أيضا نظرية لتوقف على يغرها، فيلزم تسلسل العلوم النظرية في الإنسان، والإنسان حادث كائن بعد أن لم يكن، والعلم الحاصل في قلبه حادث، فلو لم يحصل في قلبه علم إلا بعد علم قبله، للزم أن لا يحصل في قلبه علم ابتداء فلا بد من علوم بديهية أوليه يبتدؤها الله في قلبه وغاية البرهان أن ينتهي إليها.

стр. 1110

ثم تلك العلوم الضرورية قد يعرض فيها شبهات ووساوس كالشبهات السوفسطائية مثل الشبهات التي يوردونها على العلوم الحسية ولا بديهية كالشبهات التي أوردها الرازي في أول محصلة وقد تكلمنا في غير هذا الموضع. والشبهات القادحة في تلك العلوم لا يمكن الجواب عنها بالبرهان لأن غاية البرهان أن ينتهي إليها، فإذا وقع الشك فيها انقطع طريق النظر والبحث. ولهذا كان من أنكرم العلوم الحسية والضرورية لم يناظر، بل إذا كان جاحداً معانداً عوقب حتى يعترف بالحق، وإن كان غالطاً إما لفساد عرض لحسه او عقله لعجزه عن فهم تلك العلوم، وإما لنحو ذلك، فإنه يعالج بما يوجب حصول شروط العلم له وانتفاء موانعه فإن عجز عن ذلك. لفساد في طبيعته عولج بالأدوية الطبيعية أو بالدعاء والرقي والتوجه ونحو ذلك وإلا ترك. ولهذا اتفق العقلاء على أن كل شبهة تعرض لا يمكن إزالتها بالبرهان والنظر والاستدلال وإنما يخاطب بالبرهان والنظر والاستدلال من كانت عنده مقدمات علمية، وكان ممن يمكنه أن ينظر فيها نظراً يفيده العلم بغيرها فمن لم يكن عنده مقدمات علمية أو لم يكن قادراً على النظر لم تمكن مخاطبتة بالنظر والاستدلال.

стр. 1111

وإذا تبين هذا فالوسوسة والشبهة القادحة في العلوم الضرورية لا تزال بالبرهان، بل متى فكر العبد ونظر ازداد ورودها على قلبه وقد يغلبه الوسواس حتى يعجز عن دفعه عن نفسه كما يعجز عن حل الشبهة السوفسطائية. وهذا يزول بالاستعاذة بالله. فإن الله هو الذي يعيذ العبد ويجيره من الشبهات المضلة والشهوات والمغوية، ولهذا أمر العبد أن يستهدي ربه في كل صلاة فيقول ﴿اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ الفاتحة ٦ - ٧. وفي الحديث الإلهي الصحيح عن النبي ﷺ فيما يروى عن ربه ﵎ «يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم» . وقال تعالى ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ النحل ٩٧.

стр. 1112

وقال تعالى ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم﴾ فصلت ٣٦. وفي الصحيحين عن سليمان بن صردج قال ك استب رجلان عند النبي ﷺ فجعل أحدهما يغضب ويحمر وجهه فقال النبي ﷺ «إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب ذا عنه أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فأمر الله تعالى العبد أن يستعيذ من الشيطان عند القراءة وعند الغضب ليصرف عنه شره عند وجود سبب الخير وهو القراءة ليصرف عنه ما يمنع الخير وعند وجود سبب الشر ليمنع ذلك السبب الذي يحدثه عند ذلك» . وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال ما من قلب من قلوب العباد إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أن يقيمه أقامة وإن شاء أن يزيغه أزاغه.

стр. 1113

وكانت يمين النبي ﷺ : لا ومقلب القلوب. وكان كثيراً ما يقول: والذي نفس محمد بيده. وفي الحديث: «للقلب أشد تقلباً من القدر إذا استجمع غلياناً» . وشواهد هذا الأصل كثيرة مع ما يعرفه كل أحد من حال نفسه من كثرة تقلب قلبه من الخواطر، التي هي من جنس الاعتقادات ومن جنس الإرادات، وفيها المحمود والمذموم، والله هو القادر على صرف ذلك عنه، فالاستعاذة بالله طريق مفضية إلى المقصود الذي لا يحصل بالنظر والاستدلال. الوجه الثاني والوجه الثاني: ان يقال النبي ﷺ لم يأمر بالاستعاذة وحدها، بل أمر العبد أن ينتهي عن ذلك مع الاستعاذة، إعلاماً منه بان هذا السؤال هو نهاية الوسواس فيجب الانتهاء عنه.

стр. 1114

ليس هو من البدايات التي يزيلها ما بعده، فإن النفس تطلب سبب كل حادث وأول كل شيء حتى تنتهي إلى الغاية والمنتهى. وقد قال الله تعالى ﴿وأن إلى ربك المنتهى﴾ النجن ٤٢. وفي الدعاء المأثور الذي ذكره مالك في الموطأ حسبي الله وكفى، سمع الله لمن دعا ليس وؤاء الله مرمى. وفي رواية: ليس وراء الله منتهى. فإذا وصل العبد إلى غاية الغايات، ونهاية النهايات، وجب وقوفه، فإذا طلب بعد ذلك شيئاً آخر وجب أن ينتهي، فأمر النبي ﷺ العبد أن ينتهي مع استجارته بالله من وسواس التسلسل، كما يؤمر كل من حصل نهاية المطلوب وغاية المارد أن ينتهي إذ كل طالب ومريد فلا بد له من مطلوب ومراد ينتهي إليه، وإنما وجب انتهاؤه لأنه من المعلوم بالعلم الضروري الفطري لكل من سلمت فطرته من بني آدم أنه سؤال فاسد، وأنه يمتنع أن يكون لخالق كل مخلوق خالق، فغنه لو كان له خالق لكان مخلوقاً. ولم يكن خالقاً لكل مخلوق، بل كان يكون من جملة الملخوقات، والمخلوقات، كلها لا بد لها من خالق، وهذا معلوم بالضرورة والفطرة، وإن لم يخطر ببال العبد قطع الدور والتسلسل، فإن وجود المخلوقات كلها بدون خالق معلوم الامتناع بالضرورة.

стр. 1115

وإذا قلنا: يمتنع وجود المحدثات كلها بدون محدث، كان هذا متضمناً لذاك، فإن كل مخلوق محدث، فإذا كان كل محدث لا بد له من محدث فكل مخلوق لا بد له من خالق أولى، وكذلك إذا قلنا: كل ممكن لا بد له من واجب. فلما كان بطلان هذا السؤال معلوماً بالفطرة والضرورة أنر النبي ﷺ أن ينتهي عنه كما يؤمر أن ينتهي عن كل ما يعلم فساده من الأسولة الفاسدة التي يعلم فسادها، كما لو قيل: متى حدث الله؟ او متى يموت؟ ونحو ذلك. وهذا مما يبين أن سؤال السائل: أين كان بنا؟ في حديث أبي رزين لم يكن هذا السؤال فاسداً عنده ﷺ ، كسؤال السائل: من خلق الله؟ فإنه لم ينه السائل عن ذلك، ولا أمره بالاستعاذة بل النبي ﷺ سأل بذلك لغير واحد، فقال له: أين الله؟ وهو منزه أن يسأل سؤالاً فاسداً، وسمع الجواب عن ذلك. وهو منزه أن يقر على جواب فاسد ولما سئل عن ذلك أجاب فكان سائلاً به تارة ومجيباً عنه أخرى. ولو كان المقصود مجرد التمييز بين الرب والصنم، مع علم الرسول أن

стр. 1116

السؤال والجواب فاسدان، لكان ف يالأسولة الصحيحة ما يغني غير الرسول عن الأسولة الفاسدة، فكيف يكون الرسول ﷺ فإنه كان يمكن أن يقول: من ربك؟ من تعبدين؟ كما قال لحصين الخزاي: يا حصين كم تعبد اليوم؟ قال أعبد سبعة ألهة ستة في الأرض وواحداً في السماء قال: فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال الذي في السماء فقال أسلم حتى اعلمك كلمة ينفعك الله بها فلما أسلم سأله عن الدعوة فقال قل اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي رواه أحمد في المسند وغير أحمد الوجه الثالث أن النبي ﷺ أمر العبد أن يقول آمنت بالله وفي رواية ورسوله فهذا من باب دفع الضد الضار بالضد النافع، فإن قوله: آمنت بالله، يدفع عن قلبه الوسواس الفاسد. ولهذا كان الشيطان يخنس عند ذكر الله، ويوسوس عند الغفلة عن ذكر الله، ولهذا سمي الوسواس الخناس، فإنه جاثم على فؤاد ابن آدم فإن ذكر الله خنس والخنوس الاختفاء بنخفاض ن ولهذا سميت الكواكب الخنس. وقال أبو هريرة: لقيت النبي ﷺ في بعض طرق المدينة، وانا جنب فانخنست منه.

стр. 1117

ويقال: انخنست من فلان وهو اختفاء بنوع من الانخفاض والذل له فالمختفى من عدو يقالته لا يقال: انخنس منه وإنما ينخنس الإنسان ممن يهابه ويعظمه فيذل له وينخفض منه في اختفائه فهكذاالشيطان في حال ذكر يذل ويخضع ويختفي وإذا غفل العبد عن ذكر الله وسوس. فأمر النبي ﷺ العبد أن يقول: آمنت بالله أو آمنت بالله ورسوله فإن هذا القول إيمان وذكر الله يدفع به ما يضاده من الوسوسة القادحة في العلوم الضرورية الفطرية ويشبه هذا الوسواس الذي يعرض لكثير من الناس في العبادات حتى يشككه هل كبر أو لم يكبر؟ وهل قرا الفاتحة أم لا؟ وهو نوى العبادة أم لم ينوها؟ وهل غسل عضوه في الطهارة او لم يغسله فيشككه في علومه الحسية الضرورية. وكونه غسل عضواً أمر يشهده ببصره، وكونه تكلم بالتكبير أو الفاتحة أمر يعلمه بقلبه ويسمعه بأذنه، وكذلك كونه يقصد الصلاة مثل كونه يقصد الأكل والشرب والركوب والمشي، وعلمه بذلك كله علم ضروري يقيني اولى لا يتوقف على النظر والاستدلال ولا يتوقف على البرهان، بل هو مقدمات البرهان وأصوله التي يبنى عليها البرهان أعني البرهان النظري المؤلف من المقدمات.

стр. 1118

وهذا الوسواس يزل بالاستعاذة وانتهاء العبد، وأن يقول إذا قال: لم تغسل وجهك؟ بلى، قد غسلت وجهي، وإذا خطر له أنه لم ينو ولم يكبر، يقول بقلبه: بلى قد نويت وكبرت فيثبت على الحق ويدفع ما يعارضه من الوسواس، فيرى الشيطان قوته وثباته على الحق، فيندفع عنه وإلا فمتى رآه قابلاً للشكوك والشبهات، مستجيباً إلى الوسواس والخطرات، أورد عليه من ذلك ما يعجز عن دفعه وصار قلبه مورداً لما توحيه شياطين الإنس والجن من زخرف القول ونتقل من ذلك إلى غيره إلى أن يسوقه الشيطان إلى الهلكة. ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات﴾ البقرة ٢٥٧ ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون * وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون﴾ الأعراف ٢٠١-٢٠٢. فصل ومما ينبغي أن يعرف في هذا المقام وإن كنا قد نبهنا عليه في

стр. 1119

مواضع أن كثيراً من العلوم تكون ضرورية فطرية فإذا طلب المستدل أن يستدل عليها خفيت ورقع فيها شك، إما لما في ذلك من تطويل المقدمات وإما لما في ذلك من خفائها، وإما لما في ذلك من كلا الأمرين. والمستدل قد يعجز عن نظم دليل على ذلك، إما لعجزه عن تصوره وإما لعجزه عن التعبير عنه فإنه ليس كل ما تصوره الإنسان أمكن كل أحد أن يعبر عنه باللسان وقد يعجز المستمع عن فهمه ذلك الدليل وإن أمكن نظم الدليل وفهمه ففد يحصل العجز عن إزالة الشبهات المعارضة إما من هذا وإما من هذا وإما منهما. كلام لابن تيمية في مبحث التصورات وهذا يقع في التصورات أكثر مما يقع في التصديقات، فكثير من الأمور المعروفة إذا حدث بحدود تميز بينها وبين المحدودات زادت خفاء بعد الوضوح لكونها أظهر عند العقل بدون ذلك الحد منها بذلك الحد. حقيقة الحدود ولكن قد يكون في الأدلة والحدود من المنفعة ما قد نبه عليه غير مرة، ولهذا تنوعت طرق الناس في الحدود والأدلة، وتجد كثيراً من الناس يقدح في حدود غيره وأدلته، ثم يذكر هو حدوداً وأدلة يرد عليها إيرادات من جنس ما يرد على تلك أو من جنس آخر، وذلك لأن المقصود بالحدود: إن كان التمييز بين المحدود وبين غيره، كانت الحدود الجامعة المانعة على أي صورة كانت مشتركة في حصول التمييز بها، وإن لم تكن جامعة مانعة كانت مشتركة في عدم حصول التمييز، وإن كان المطلوب بها تعريف المحدود فهذا لا يحصل بها مطلقاً، ولا يمتنع بها

стр. 1120

مطلقاً بل يحصل لبعض الناس وفي بعض الأوقات دون بعض، كما يحصل بالأسماء فإن الحد تفصيل ما دل عليه الاسم بالإجمال فلا يمكن أن يقال الاسم لا يعرف المسمى بحال، ولا يمكن أن يقال يعرف به كل أحد كذلك الحد. وإن قيل إن المطلوب بالحد أن مجرد الحد يوجب أن المستمع له يتصور حقيقة المحدود التي لم يتصورها إلا بلفظ الحاد، وأنه يتصورها بمجرد قول الحاد، كما يظنه من يظنه من الناس بعض أهل المنطق وغيرهم فهذا خطأ كخطأ من يظن أن الأسماء توجب معرفة المسمى لمن تلك الأسماء بمجرد ذلك اللفظ. وقد بسط الكلام على هذا في موضعه، وبينا ما لعيه جمهور النظار من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس والصابئين والمشركين من أن الحدود مقصودها: التمييز بين المحدود وغيره، وأن ذلك يحصل بالوصف الملازم للمحدود طرداً وعكساً الذي يلزم من ثبوته ثبوت المحدود، ومن انتقائه انتقاؤه، كما هو طريقة نظار المسلمين من جميع الطوائف مثل أبي علي هاشم وأمثالهما، ومثل أبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر وأبي المعالي الجويني والقاضي أبي يعلى وأبي الوفاء ابن عقيل وأمثالهم.

стр. 1121

وأما طريقة أهل المنطق ودعواهم: أن الحد التام مقصوده التعريف بالحقيقة، وأن الحقيقة مؤلفة من الصفات الذاتية الداخلة في المحدود، وهي: الجنس والفصل وتقسيمهم الصفات اللازمة للموصوف إلى: داخل في الحقيقة وخارج عنها عرضي وجعل العرضي الخارج عنها اللازم على نوعين: لازم للماهية، ولازم لوجود الماهية، وبناءهم ذلك على أن ماهيات الأشياء التي هي حقائقها ثابتة في الخارج، وهي مغايرة للموجودات المعينة الثابتة في الخارج، وأن الصفات الذاتية تكون متقدمة على الموصوف في الذهن والخارج، وتكون أجزاء سابقة لحقيقة الموصوف في الوجودين: الذهني والخارجي. فهذا ونحوه خطأ عند جماهير العقلاء من نظار الإسلام وغيرهم، بل الذي عليه نظار الإسلام أن الصفات تنقسم إلى: لازمة للموصوف لا تفارقه إلا بعدم ذاته، وإلى عارضة له يمكن مفارقتها له مع بقاء ذاته وهذه اللازمة منها: ما هو لازم للشخص دون نوعه

стр. 1122

وجنسه ومنها ما هو لازم لنوعه أو جنسه. وأما تقسيم اللازمة إلى ذاتي وعرضي، وتقسيم العرضي إلى لازم للماهية ولازم للوجود، وغير لازم بل عارض فهذا خطأ عند نظار الإسلام وغيرهم. بل طائفة من نظار الإسلام قسموا اللازم إلى: ذاتي ومعنوي، وعنوا بالصفات الذاتية: ما لا يمكن تصور الذات مع عدمه، وعنوا بالمعوي: ما يمكن تصور الذات بدون تصوره وإن كان لازما للذات فلا يلزمها إلا إذا تصور معيناً يقوم بالذات. فالأول عندهم مثل كوب قائماً بنفسه وموجوداً بل وكذلك كونه قديماً عند أكثرهم فإن ابن كلاب يقول: القديم يقدم، والأشعري له قولان أشهرهما عند أصحابه: أنه قديم بغير قدم لكنه باق ببقاء وقد وافقه على ذلك ابن أبي موسى وغيره. وأما القاضي

стр. 1123

أبو بكر فإنه يقول: باق بغير بقاء ووافقه على ذلك أبو يعلى وأبو المعالي وغيرهما. والثاني عندهم: مثل كونه حياً وعليماً وقديراً ونحو ذلك. وتقسيم هؤلاء اللازمة إلى ذاتي ومعنوي، كلام ليس هذا موضع بسطه فإنهم لم يعنوا بالذاتي ما يلزم الذات إذ الجميع لازم للذات، ولا عنوا بالذاتي: المقوم للذات، كاصطلاح المنطقيين: فإن هؤلاء ليس عندهم في الذوات ما هو مركب من الصفات: كالجنس والفصل، ولا يقسمون الصفات إلى مقوم داخل في الماهية هو جزء منها، وإلى عرضي خارج عنها ليس مقوماً، بل هذا التقسيم عندهم وعند جمهور العقلاء خطأ كما هو خطأ في نفس الأمر، إذ التفريق بين الذاتي المقوم، واللازم الخارج، تفريق باطل لا يعود إلا إلى مجرد تحكم يتضمن التفريق بين المتامثلين كما قد بسط في موضعه. ولهذا يعترف حذاق أئمة أهل المنطق كابن سينا وأبي البركات صاحب المعتبر وغيرهما بانه لا يمكن ذكر فرق مطرد بين هذا وهذا وذكر ابن سينا ثلاثة فروق مع اعترافه بانه ليس واحد منها

стр. 1124

صحيحاً واعترض أبو البركات على ما ذكره ابن سينا بما يبين فساد الفرق بين الذاتي المقوم والعرضي اللازم. وأبو البركات لما كان معتبراً لما ذكره أئمة المشائين لا يقلدهم ولا يتعصب لهم كما يفعله غيره مثل ابن سينا وأمثاله نبه على أن ما ذكره أرسطو وأصحابه في هذا الموضع مما لم تعرف صحته ولا منفعته. وغير أبي البركات بين فساده وتناقضه، وصنف مصنفات في الرد على أهل المنطق كما صنف أبو هاشم وابن النوبختي والقاضي أبو بكر بن الطيب وغيرهم. وهؤلاء الكلابية الذين يفرقون بين الصفات الذاتية والمعنوية هم أصح نظراً من هؤلاء المنطقيين وهم ينكرون ما ذكر المنطقيون من الفرق فلا يعود تفريقهم إلى تفريق المنطقيين بل تفريقهم يعود إلى ما ذكروه هم من أن الصفات الذاتية عندهم مالا يمكن تصور الذات مع تصور عدمها والصفات المعنوية ما يمكن تصور الذات مع تصور عدمها، كالحياة والعلم والقدرة، فإنه يمكن تصور الذات مع نفي هذه الصفات ولا يمكن تصور الذات مع نفي كونها قائمة بالنفس وموجودة وكذلك لا يمكن ذلك مع نفي كونها قديمة عند أكثرهم. وابن كلاب والأشعري في أحد قوليه جعل القدم كالعلم والقدرة والبقاء فيه نزاع بين الأشعري ومن أتبعه كأبي علي بن

стр. 1125

أبي موسى وأمثاله، وبين القاضي أبي بكر ومن أتبعه كالقاضي أبي يعلي وأمثاله. وهؤلاء أيضاً تفريقهم باطل فإن قولهم: لا يمكن تصور الذات مع نفي تلك الصفة. يقال لهم: لفظ التصور مجمل يراد به تصور ما، وهو الشعور بالمتصور من طريق الوجود، ويراد به التصور التام، وما من متصور إلا وفوقه تصور أتم منه. ومن هذا دخل الداخل على هؤلاء المنطقيين الغالطين وعلى هؤلاء فإن عنوا به التصور التام للذات الثابتة في الخارج التي لها صفات لازمة لها فهذه لا يمكن تصورها كما هي عليه مع نفي الصفات فإذا عني بالماهية ما يتصوره المتصور في ذهنه فهذا يزيد وينقص بحسب تصور الأذهان. وإن عنوا به ما في الخارج فلا يوجد بدون جميع لوازمه، وإن عني بذلك أنه لا يمكن تصورها بوجه من الوجوده مع نفي هذه الصفات فهذا يرد عليهم فيما جعلوه ذاتياً مثل كونه قائماً بنفسه وكونه قديماً ونحو ذلك. فإنه قد يتصور الذات تصوراً ما من لا يخطر بقلبه هذه المعاني، بل
следующие страницы →