← Акыда

Акыда · id 21506

درء تعارض العقل والنقل

ابن تيمية

Полный текст (4 031 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

وحين وجودها لا تكون معدومة، بمعنى كونها تقبل الوجود والعدم قيل أحد إمرين: إما ان يقال: الماهية المقدرة في الذهن يمكن أن تكون موجودة في الخارج، ويمكن أن تكون معدومة، وإما أن يقال: هذه الحقيقة يمكن أن تكون في الخارج معدومة، فإذا اخترنا من ذلك حال عدمها قيل: يمكن وجودها بعد العدم، وإن كان حين وجودها: قيل: يمكن عدمها بعد الوجود، ومثل هذا ممتنع في الماهية القديمة الازلية التي يجب وجودها ويمتنع عدمها، سواء قدر ان وجوبها بنفسها أو بغيرها كما أن صفات الرب عند من قال: ممكنة مع كونها قديمة أزلية واجبة بالذات، فإنها عندهم لا يمكن عدمها ولا تقبله، فإن ما وجب قدمه من الأمور الوجودية امتنع عدمه باتفاق العقلاء. فإن ما يجب قدمه لا يكون إلا واجباً بنفسه ولا بغيره ليس قديما باتفاق العقلاء.

стр. 1052

فإنه إذا قدر أنه ليس واجباً بنفسه فلا بد أن يكون من لوازم الواجب بنفسه، فإنه إذا لم يكن من لوازمه، بل جاز وجوده تارة وعدمه أخرى. لم يكن هناك موجب لذاته ولا ذاته واجبة بنفسها فامتنع قدمه. وإذا كان من لوازم الواجب بنفسه امتنع عدمه إلا إذا عدم الملزوم، فإن اللازم لا ينتفي إلا إذا انتفى الملزوم والملزوم الواجب بنفسه يمتنع عدمه فيمتنع عدم لازمه، وما امتنع عدمه لا يكون ممكن العدم. فإن قيل: فالممكنات التي هي محدثة هي واجبة بغيرها، إذا وجدت تجب بوجوب سببها. فما شاء الله كان وجب وجوده، وما لم يشأ لم يكن وامتنع وجوده. وهي ممتنعة حال عدمها. ومع هذا فهي تقبل الوجود والعدم، ولا يلزم من عدمها عدم الواجب. قيل: الفرق بينهما من وجهين: أحدهما أن تلك كانت معدومة تارة وموجودة أخرى فثبت قبولها للوجود والعدم، فلا يمكن أن يقال: إنها لا تقبل

стр. 1053

العدم بخلاف ما هو لم يعدم قط ولم يكن عدمه في وقت من الأوقات. الثاني: أن هذه لا يوجبها نفس الواجب إذا لو كان كذلك لكانت لازمة لذاته قديمة أزلية، بل إنما توجبها الذات مع ما يحدث من الشروط التي بها تم حصول المقتضى التام، فحينئذ ليست من لوازم الواجب بنفسه بل من لوازم مؤثرها التام، ومن جملة ذلك الأمور الحادثة التي هي شرط في حدوثها، وإذا عدمت فأنها تعدم لانتفاء بعض هذه الشروط الشروط الحادثة، أو لحدوث مانع ضاد وجودها، ومنع تمام علتها التامة فعدمت لعدم بعض الحوادث أو وجود بعض الحوادث، كما وجدت لحدوث بعض الحوادث.

стр. 1054

وقدم بعضها أيضا. فلهذا لم تكن من لوازم ذاته المجدة في الأزل. بخلاف ما كان من لوازم ذاته في الأزلية الواجبة الوجود، وعدمها ممتنع تحقق ذاته في الأزل بدونها فمتى قدر عدمه لزم عدم الذات الأزلية الواجبة الوجود ن وعدمها ممتنع، فعدم لازمها الأزلي ممتنع، فلا يكون لازمه الأزلي ممكنا ً البتة، بل لا يكون إلا واجباً قديماً أزلياً لا تقبل ذاته العدم. وهذا هو المطلوب. فقد تبين أن ما كان أزلياً فإنه واجب الوجود يمتنع عدمه لا يكون ممكناً البتة، وهذا مما اتفق عليه العقلاء أولوهم وأخرون. حتى أرسطو وجميع أتباعه الفلاسفة إلى الفارابي وغيره، وكذلك ابن سينا وأتباعه. لكن هؤلاء تناقضوا فوافقوا سلفهم والجمهور في موضع، وخالفوا العقلاء قاطبة مع مخالفتهم لأنفسهم في هذا الموضع. حيث قضوا بوجود موجود ممكن يقبل الوجود والعدم مع كونه قديماً أزلياً وأجباً، وإن قيل: هو واجب بغيره.

стр. 1055

ولهذا لا يوجد هذا القول عن أحد من عقلاء قبل هؤلاء، ولا نقله أهل المقالات عن احد من الطوائف. وإنما يوجد في كلام هؤلاء وأتباعهم وإذا عرف هذا فإن قال هؤلاء: نحن نريد به العدم الاستقبالي أي يقبل ان يعدم في المستقبل قيل فهذا يبطل قولكم. لأن ما كان واجباً بغيره أزلياً لم يقبل العدم لا في الماضي ولا في المستقبل. وكذلك هو عندكم أزلياً كان أبديا يمتنع عندكم عدمه. وإن قيل: نريد به أن ما تصور في الذهن يمكن وجوده في الخارج ويمكن أن لا يوجد. قيل: إذا كان أزلياً واجباً بغيره لم يمكن أن يقبل العدم بحال فلا يكون ممكناً، فالممكن لا يكون ممكنا إن لم يكن معدوماً في الماضي أو المستقبل. وإذا قيل: إن من الممكن يقبل الوجود والعدم لم نرد به انه يقبلهما على سبيل الجمع، فإن هذا جمع بين النقيضين بل المراد به أنه يقبل الوجود بدلاً عن العدم، والعدم بدلاً عن الوجود، فإذا كان معدوماً كان قابلاً لدوام العدم وقابلاً لحدوث الوجود، وإذا كان موجوداً قبل دوام الوجود، فإذا كان معدوما كان قابلاً لدوام العدم وقابلاً لحدوث الوجود، وإذا كان موجوداً قبل دوام الوجود وقبل حدوث العدم هذا إذا اعتبر حاله في الخارج وإن اعتبر حاله في الذهن فالمراد

стр. 1056

أن ما يتصوره في الذهن يمكن أن يوجد في الخارج، ويمكن ان لا يوجد فبكل حال إذا اعتبر الممكن ذهنياً أو خارجياً لا يتحقق فيه الإمكان إلا مع إمكان العدم تارةً ووجود أخرى، فما كان ضروري العدم كالجمع بين النقيضين لا يكون ممكنا ً ن وما كان ضروري الوجود وهو القديم الأزلي لا يكون ممكناً وقد وافق على هذا جميع الفلاسفة: ارسطو وجميع أصحابه المتقدمين والمتأخرين والعقلاء أما مع وجوب وجوده بنفسه أو بغيره دايماً، فليس هناك ممكن يحكم عليه بقبول الوجود والعدم. ولما سلك الرازي ونحوه مسلك ابن سينا في إثبات إمكان مثل هذا اضطربوا في الممكن وورد عليهم فيه إشكالات كثيرة، كما هو موجود في كتبهم كما أوردوه الرازي في محصله من الحجج الدالة على نفي هذا الممكن ولم يكن عنها جواب إلا دعواه أن ما كان متغيراً فإنه يعلم إمكانة بالضرورة. وهذه الدعوى يخالفه فيها جمهور العقلاء، حتى ارسطو واصحابه ن وهذا الذي نبهنا عليه هو أحد ما يستدل به على أن كل ممكن فهو مسبوق بالعدم ن وكل ما سوى الله ممكن، فكل ما سوى الله حادث عن عدم ن كما قد بسط في موضعه.

стр. 1057

والمقصود هنا ان الدين بهذه الأدلة على افتقار الممكنات إلى واجب خارج عنها. فإن مرادهم بقولهم: جملة ما يفتقر إليه مجموع الممكنات هو المؤثر التام، وهو المرجح التام الذي يلزم من وجوده بتأثيره التام وجودها، كما ذكرناه من أن الفاعل باختياره إذا وجدت قدرته التامة وإرادته التامة وجب وجود المقدور. وهي الممكنات. وأما قوله: فلم قلتم: إنه يلزم أن يكون بعض الجزاء كافياً في المجموع فلما ذكرناه من أن المؤثر التام يستلزم وجود أثره، فإذا قدر أن المؤثر التام في المجموع هو بعض المجموع، لزم أن يكون بعض أجزاء المجموع هو المؤثر في المجموع فيكون مؤثراً في نفسه وفي غيره وهذا ظاهر فإنه إذا قدر مجموع الممكنات وقدرنا أن واحداً منها مؤثر في نفسه وفي غيره فيكون بعض أجزاء المجموع موجباً لحصول المجموع المذكور ومن المجموع نفسه وهذا ممتنع وأما المجموع المركب من الواجب والممكن، فهناك ليس بعضه مؤثراً في كل واحد واحد وفي الهيئة الإجتماعية ٠ فإن من المجموع الواجب بنفسه لم يؤثر فيه شيء فظهر الفرق وأيضاً فالواجب مؤثر في الممكن وفي الهيئة الاجتماعية، ليس مؤثراً في نفسه، بخلاف مجموع الممكنات، فإن كل واحد منها لا بد من مؤثر، والاجتماع لا بد له من مؤثر، فالمجموع مفتقر إلى المؤثر بأي تفسير

стр. 1058

فسر، فإن فسر بالهيئة الاجتماعية فهي متوقفة على الأفراد الممكنة، والمتوقف على الممكن أولى أن يكون ممكناً، مع أن الهيئة الاجتماعية نسبة وإضافة متوقفة على غيرها، فهي ادخل في الإمكان والافتقار من غيرها وهي من أضعف الأعراض المفتقرة إلى الأعيان إن قدر لها ثبوتاً وجودياً وإلا فلا وجود لها وإن فسر المجموع بكل واحد واحد، أو فسر بالأمرين بكل واحد بالاجتماع، أو بغير ذلك بأي شيء فسر، لم يكن إلا ممكناً مفتقراً إلى غيره، وكلما كثرت الإمكانات كثر الافتقار والحاجة فإذا قيل: المؤثر في ذلك واحد منها وهو ممكن لزم أن يكون الممكن الذي لم يوجد بعد فاعلاً لجميع الممكنات، ونفسه من الممكنات، فإن نفسه لا بد له من فاعل أيضاً وهذا المعترض اخذ المجموع المركب من الواجب والممكن فعارض به المجموع من الممكنات. ولفظ المجموع فيه إجمال يراد به الاجتماع، ويراد به جميع الأفراد، ويراد به الأمران، فكانت معارضته في غاية الفساد ٠ فإن ذلك المجموع فيه واجب بنفسه لا يحتاج إلى غيره، وما سواه من الأفراد والهيئة الإجتماعية مفعول له، فهذا معقول

стр. 1059

فالله تعالى هو الموجود الواجب بنفسه، خالق لكل ما سواه وأما الهيئة الاجتماعية إن قدر لها وجود في الخارج فهي حاصلة به أيضاً . وأما المجموع الذي كل منه مفتقر إلى من يبدعه، وليس فيه موجود بنفسه، فيمتنع أن يكون فاعلهم واحداً منهم لأنه لا بد له من فاعل، فلو كان فاعلهم ما كان فاعل نفسه وغيره من الممكنات، ولزم أن يكون بعض أجزاء الممكنات كافياً في مجموع الممكنات، وإذا كان مجموع الممكنات يمتنع أن يكون فاعلها، فلأن يمتنع أن يكون بعضها فاعلاً لها بطريق الأولى، فإن ما يتعذر على المجموع يتعذر على بعضه بطريق الأولى، وما يفتقر إليه المجموع يفتقر إليه بعضه بطريق الأولى. وهذا المعترض أخذ ما يفتقر إليه المجموع لفظاً مجملاً، فالافتقار قد يكون افتقار المشروط إلى شرطه، وقد يكون افتقار المفعول إلى فاعله٠ ثم أخذ يورد على هذا وعلى هذا، ونحن نجيب على كل تقدير. الوجه الرابع أن يقال أتعني بجملة ما يفتقر إليه المجموع ما إذا وجد وجد المجموع، وما لا يوجد المجموع إلا بوجوده كله مع قطع النظر عن كونه شرطاً أو فاعلاً، فإن جملة ما يفتقر إليه الشيء هو الجملة التي تشتمل على كل ما يفتقر إليه الشيء. فكل ما كان الشيء مفتقراً إليه فهو

стр. 1060

داخل في هذه الجملة، وإذا حصل كل ما يحتاج إليه الشيء لم يبق الشيء محتجاً إلى شيء أصلاً، فيلزم وجوده حينئذ، فإنه ما دام مفتقراً إلى شيء لم يوجد، وإذا حصل كل ما يتوقف وجوده عليه ولم يبق وجوده موقوفاً على شيء أصلاً لزم وجوده، فينبغي بجملة ما يتوقف وجود الشيء عليه الأمور التي إذا وجدت وجد المجموع، وإن لم توجد جميعها لم يوجد المجموع. ومعلوم أنه إذا عنى به ذلك لم يمكن أن يكون ذلك بعضها، لأنه يلزم حينئذ أن يكون بعض الأجزاء كافياً في المجموع، فإنه قد فسر الجملة بما إذا حصل وجب حصول المجموع، وإن لم يحصل لم يجز حصوله، فلو كان بعض الأجزاء هو تلك الجملة لوجب أن يكون ذلك البعض كافياً في حصول المجموع، سواء قدر فاعلاً لنفسه ولباقي الجملة، أو قدر أن حصوله هو حصول المجموع، أو قدر غير ذلك من التقديرات الممتنعة، فأي تقدير قدر كان ممتنعاً، فإن جملة ما يفتقر إليه المجموع لا يكون بعض المجموع بأي تفسير فسر، وهو المطلوب. ولكن لفظ المجموع فيه إجمال، فإنه قد يعني به مجرد الهيئة الاجتماعية، وقد يعنى به كل من الأفراد، أو كل من الأفراد مع الهيئة الاجتماعية، فإن عني به الأول فلا ريب أن هذا قد يكون بعض الأفراد موجباً له، كما في المجموع المركب من الواجب والممكن، فإن

стр. 1061

الواجب هو الموجب للممكنات، وهو الموجب أيضاً للهيئة الاجتماعية، والهيئة الاجتماعية أمر ممكن خارج عن الواجب، ليس هو بعض الهيئة الاجتماعية، لكنه بعض الأفراد، والهيئة نسبة وإضافة، وليس هو بعض النسبة والإضافة ولكن هو بعض الأفراد المنسوب بعضها إلى بعض، والنسبة وسائر الأفراد غير له، وهو الموجب لكل ما هو غير له. وأما المجموع الذي هو الأفراد فلا يكون بعضه هو الموجب لكل من الأفراد، فإن هذا يقتضي أن يكون ذلك البعض موجباً لنفسه فاعلاً لذاته، وهذا ممتنع بالضرورة واتفاق العقلاء بل هو من أبلغ الأمور امتناعاً، والعلم بذلك من أوضح المعارف وأجلاها، ولهذا لم يقل هذا أحد من العقلاء. وإذا المجموع كلا من الأفراد مع الهيئة فهو أبعد عن أن يكون واحد من الأفراد موجباً لنفسه ولسائر الأفراد ومع الهيئة الاجتماعية، وهذا بين ولله الحمد والمنة. واعلم أن مثل هذه الاعتراضات مع صحة الفطرة وحسن النظر يعلم فسادها، ومثل هذه الخواطر الفاسدة التي تقدح في المعلومات

стр. 1062

لا نهاية لها، ولا يمكن استقصاء ما يرد علي النفوس من وساوس الشيطان، ولولا أن هذين الرجلين اللذين كان يقال إنهما من أفضل أهل زمانهما في المباحث العقلية: كلاميها وفلسفيها، أورد كل منها ما ذكرت، وصار ذلك عنده مانعاً من صحة الطريق المذكور في إثبات واجب الوجود لما ذكرت ذلك لظهور فساده عند من له تصور صحيح لما ذكروه فضلاً عمن نور الله قلبه. ثم إن هؤلاء الفلاسفة يقولون كما زعم الآمدي إن كمال النفس الإنسانية هو الإحاطة بالمعقولات والعلم بالمجهولات وهم مع هذا لم يعرفوا الموجود الواجب، فأي شيء عرفوه؟ جهل المبتدعته وحيرتهم وقد بلغني بإسناد متصل عن بعض رؤوسهم وهو الخونجي صاحب كشف الأسرار في المنطق وهو عند كثير منهم غاية ف يهذا الفن أنه قال عند الموت أموت وما علمت شيئاً إلا أن الممكن يفتقر إلى الواجب ثم قال الافتقار وصف عدمي أموت وما علمت شيئاً وذكر الثقة عن هذا الآمدي أنه قال أمعنت النظر في الكلام وما استفدت منه شيئاً إلا ما عليه العوام أو كلاماً هذا معناه.

стр. 1063

وذلك أن هذا الآمدي لم يقرر في كتبه لا التوحيد ولا حدوث العالم، ولا إثبات واجب الوجود بل ذكر في التوحيد طرقاً زيفها وذكر طريقة زعم انه ابتكرها، وهي أضعف من غيرها. وكان ابن عربي صاحب الفصوص والفتوحات وغيرهما يعظم طريقته ويقول: إن الطريقة التي ابتكرها في التوحيد طريقة عظيمة، أو ما هو نحو هذا، حتى أفضى الأمر ببعض أعيان القضاة الذين نظروا في كلامه إلى أن قال التوحيد لا يقوم عليه دليل عقلي وإنما يعلم بالسمع، فقام عليه أهل بلده وسعوا في عقوبته، وجرت له قصة. وكذلك الأصبهاني اجتمع بالشيخ إبراهيم الجعبري يوماً فقال له بت البارحة أفكر إلى الصباح في دليل على التوحيد سالم عن المعارض فما وجدته. وكذلك حدثني من قرا على ابن واصل الحموي أنه قال أبيت باليليل واستلقي على ظهري وأضع الملحفة على وجهي وأبيت

стр. 1064

أقابل أدلة هؤلاء بأدلة هؤلاء وبالعكس وأصبح وما ترجح عندي شيء كأنه يعني أدلة المتكلمين والفلاسفة. وقد بسطنا في التوحيد وأدلته في غير هذا الموضع، وذكرنا أن الناس قبلنا قد ذكروا له من الأدلة العقلية اليقينية ما شاء الله ولكن الإنسان يريد ان يرعف ما قاله الناس وما سبقوا إليه، وبيناً أن القرآن ذكر من ذلك ما هو خلاصة ما ذكروه الناس، وفيه من بيان توحيد الإلهية ما لم يهتد إليه كثير من النظار ولا العباد، بل هو الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه. الطرق المختلفة لإثبات الخالق تعالى وهؤلاء كما ذكرت انقسموا إلى أصحاب نظر وفكر وبحث واستدلال وأصحاب إرادة وعبادة وتأله وزهد فكان منتهى أولئك الشك، ومنتهى هؤلاء الشطح. فأولئك يشكون في ثبوت واجب الوجود، او يعجزون عن إقامة الدلالة عليه. وإذا لم يكن في الوجود واجب لم يوجد شيء فتكون الموجودات كلها معدومات فيفضى بهم سوء النظر إلى جعل الموجودات معدومات أو تجويز كونها معدومات وجعل الموجود الواجب ممكناً وجعل الواجب ممكناً غاية التعطيل. والآخرون يجعلون كل موجود واجب الوجود، ويجعلون وجود كل موجود هو نفس وجود واجب الوجود، فلا يكون في الوجود وجود هو

стр. 1065

عندهم مخلوق ولا مصنوع ولا مفتقر إلى غيره، ولا محتاج إلى سواه ن فلا يكون في الوجود ما وجد بعد عدمه ولا ما عدم بعد وجوده وهذا فيه من جعل المعدوم موجوداً ومن جعل الممكن واجباً، وجعل العبد رباً وجعل المحدث قديماً ما هو غاية الكفر والشرك والضلال. الطريقة الصحيحة الموافقة للفطرة في إثبات وجود الله تعالى هذا مع أن إثبات الموجود الواجب الغني الخالق، وإثبات الموجود الممكن المحدث الفقير المخلوق هو من أظهر المعارف وأبين العلوم. أما ثبوت الموجود المفتقر المحدث الفقير، فيما نشاهده من كون بعض الموجودات يوجد بعد عدمه، ويعدم بعد وجوده، من الحيوانات والنباتات والمعدن، وما بين السماء والأرض من السحاب والمطر والرعد والبرق وغير ذلك، وما نشاهده من حركات الكواكب. وحدوث الليل بعد النهار، والنهار بعد الليل، فهذا كله فيه من حدوث موجود بعد عدمه، ومعدوم بعد وجوده وما هو مشهود لبني أدم يرونه بأبصارهم. ثم إذا شهدوا ذلك فنقول: معلوم أن المحدثات لا بد لها من محدث. والعلم بذلك ضروري كما قد بين ولا بد من محدث لا يكون

стр. 1066

محدثاً وكل محدث ممكن والممكنات لا بد لها من واجب، وكل محدث وممكن فقير مربوب مصنوع والمفتقرات لا بد لها من غني والمربوبات لا بد لها من رب والمخلوقات لا بد لها من خالق. وأيضاً فإنه يقال: هذا الموجود إما أن يكون واجباً بنفسه وإما أن لا يكون واجباً بنفسه بل ممكناً بنفسه فهو واجباً بغيره والممكن بنفسه الواجب بغيره لا بد له من واجب بنفسه فلزم ثبوت الواجب بنفسه على التقديرين. وأيضاً فالموجود: إما أن يكون محدثاً وإما أن يكون قديماً والمحدث لا بد له من قديم فلزم وجود القديم على التقديرين. وأيضاً فالموجود إما أن يكون محدثاً وإما أن يكون والمحدث لا بد له من قديم فلزم وجود على التقديرين. وأيضاً فإما إن يكون خالقاً وإما أن لا يكون وقد علم فيما ليس بخالق كالموجودات التي علم حدوثها أنها مخلوقة والمخلوق لا بد له من خالق فعلم ثبوت الخالق على التقديرين. وأيضاً فالموجود إما غني عن كل ما سواه وغما مفتقر إلى غيره والفقير إلى غيره لا بد له من غنى بنفسه فعلم ثبوت الغني بنفسه على التقديرين.

стр. 1067

فهذه البراهين وأمثالها كل منها يوجب العلم بوجود الرب الغني القديم الواجب بنفسه. طريقة ابن سينا وأتباعه في إثبات وجود الله تعالى وابن سينا وأتباعه كالرازي والآمدي والسهروردي المقتول وأتباعهم سلكوا في إثبات واجب الوجود طريقة الاستدلال بالوجود وعظموها وظن من ظن منهم انها أشرف الطرق وأنه لا طريق إلا وهو يفتقر إليها حتى ظنوا أن طريقة الحدوث مفتقرة إليها. وكل ذلك غلط بل هي طريقة توجب إثبات واجب الوجود بلا ريب لو كانوا يفسرون الممكن بالممكن الذي هو ممكن عند العقلاء سلفهم وغير سلفهم وهو الذي يكون موجوداً تارة ومعدوماً أخرى. فأما إذا فسر الممكن بالممكن الذي ينقسم إلى قديم واجب بغيره وإلى محدث مسبوق بالعدم كما هو قول ابن سينا وأتباعه فلا يصح لهم على هذا الأصل الفاسد لاإثبات واجب بنفسه ولا إثبات ممكن يدل على الواجب بنفسه. وهذه الطريقة هي في الحقيقة مأخوذة من طريقة الحدوث

стр. 1068

وطريقة الحدوث أكمل وأبين فغن الممكن الذي يعلم انه ممن هو ما علم أنه وجد بعد عدمه أو عدم بعد وجوده. هذا الذي اتفق العقلاء على أنه ممكن، وهو الذي يستحق أن يسمى ممكناً بلا ريب وهذا محدث فإذا كل ممكن محدث. وأما تقدير ممكن لم يزل واجباً بغيره، فأكثر العقلاء دفعوا ذلك، حتى القائلون بقدم العالم كأرسطو وأتباعه المتقدمين، وحتى هؤلاء الذين قالوا ذلك ابن سينا وأتباعه لا يجعلون هذا من الممكن بل الممكن عندهم ما أمكن وجوده وعدمه فكان موجوداً تارة ومعدوماً أخرى. وإنما جعل هذا من الممكن ابن سينا وأتباعه مع تناقضه وتصريحه بخلاف ذلك لما سلكوا في إثبات واجب الوجود الاستدلال بالموجود على الواجب فقالوا كل ما سواه يكون ممكناً بنفسه واجباً بغيره، وجعلوا العلم قديماً أزلياً مع كونه ممكناً بنفسه. وهذا خلاف قول سلفهم، وقول أئمة الطوائف سواهم وخلاف ما صرحوا أيضاً به وهذا مما أنكره ابن رشد وغيره على ابن سينا وبسط الكلام فيه له موضع آخر.

стр. 1069

والمقصود هنا أن هؤلاء الذين يدعونان كمال النفس هو الإحاطة بالمعقولات والعلم بالمجهولات هذا اظطرابهم في أشرف المعلومات الموجودات، بل فيما لا تنجو النفوس إلا بمعرفته وعبادته، ولكن لما سلموا للفلاسفة أصولهم الفاسدة تورطوا معهم في محاراتهم وصاروا يجرونهم كما يجر الملاحدة الباطنية الناس صنفاً صنفاً. والفلسفة هي باطن الباطنية، ولهذا صار في هؤلاء نوع من الإلحاد فقل أن يسلم من دخل مع هؤلاء ف ينوع من الإلحاد، في أسماء الله وآياته وتحريف الكلم عن مواضعه. بطلان قول الفلاسفة حول كمال النفس ونفس المقدمة الهائلة التي جعلوها غاية مطلوبهم وهو أن كمال النفس في مجرد العلم بالمعقولات مقدمة باطلة قد بسطنا الكلام عليها في الكلام على معجزات الأنبياء لم تكلمنا عن قولهم انها قوى نفسانية وذكرنا قطعة من كلامهم على ذلك وبينا أن قولهم إن كمال النفس في مجرد العلم بالمعقولات خطأ وضلال ومن هنا جعلوا الشرائع مقصودها إما إصلاح الدنيا وإما تهذيب النفس لتستعد للعلم أو لتكون الشريعة أمثالاً لتفهيم المعاد في

стр. 1070

العقليات كما يقوله الملاحدة الباطنية مثل أبي يعقوب السجستاني وأمثاله ولهذا لا يوجبون العمل بالشرائع على من وصل إلى حقيقة العلم، ويقولون إنه لم يجب على الأنبياء ذلك وإنما كانوا يفعلونه لأنه من تمام تبليغهم الأمم ليقتدوا بهم في ذلك لا لأنه واجب على الأنبياء وكذلك لا يجب عندهم على الواصلين البالغين من الأمة والعلماء. ودخل في ذلك طائفة من ضلال المتصوفة ظنوا أن غاية العبادات هو حصول المعرفة فإذا حصلت سقطت العبادات وقد يحتج بعضهم بقوله ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾ الحجر ٩٩ ويزعمون أن اليقين هو المعرفة وهذا خطأ بإجماع المسلمين أهل التفسير وغيرهم فإن المسلمين متفقون على أن وجوب العبادات كالصلوات الخمس ونحوها وتحريم المرحمات كالفواحش والمظالم لا يزال واجباً على كل أحد ما دام عقله حاضراً، ولو بلغ، وأن الصلوات لا تسقط عن أحد قط إلا عن الحائض والنفساء أو من زال عقله. مع أن من زال عقله بالنوم فانه يقضيها بالسنة المستفيضة المتلقاه واتفاق العلماء وأما من زال عقله بالإغماء ونحوه مما يعذر فيه ففيه نزاع مشهور: منهم من يوجب قضاءها مطلقاً كأحمد ومنهم من لا يوجبه كالشافعي ومنهم من يوجب قضاء ما

стр. 1071

قل، وهو ما دون اليوم والليلة أو صلوات اليوم والليلية، كما مذهب أبي حنيفة ومالك والمجنون لا يقضي عند عامتهم، وفيه نزاع شاذ. فالمقصود من هذا أن الصلوات الخمس لا تسقط عن أحد له عقل، سواء كان كبيراً أو صالحاً أو عالماً. وما يظنه طوائف من جهال العباد وأتباعهم، وجهال النظار وأتباعهم وجهال الإسماعيلية والنصيرية وإن كانوا كلهم جهالاً من سقوطها عن العارفين أو الواصلين او أهل الحضرة أو عمن خرقت لهم العادات، أو عن الأئمة الإسماعيلية أو بعض أتباعهم أو عمن عرف العلوم العقلية أو عن المتكلم الماهر في النظر أو الفيلسوف الكامل في الفلسفة فكل ذلك باطل باتفاق المسلمين وبما علم بالاضطرار من دين الإسلام. واتفق علماء المسلمين على أن الواحد من هؤلاء يستتاب، فإن تاب وأقر بوجوبها وإلا قتل، فإنه لا نزاع بينهم في قتل الجاحد لوجوبها، وإنما تنازعوا في قتل من أقر بوجوبها وامتنع من فعلها مع أن أكثرهم يوجب قتله. ثم الواحد من هؤلاء إذا عاد واعتراف بالوجوب فهل عليه قضاء ما تركه فهذا على ثلاثة أنواع أحدها أن يكون قد صار مرتداً ممتنعاً

стр. 1072

عن الإقرار بما فرضه الرسول، فهذا حكمه حكم المرتدين، وفيه للعلماء ثلاثة أقوال: إحدهما: أنه لا يقضي ما تركه في الردة ولا قبلها لا من صلاة ولا صيام ولا زكاة بناءً على أن الردة أحبطت عمله، وأنه إذا عاد عاد بإسلام جديد فيستأنف العمل، كما هو معروف في مذهب أبي حنيفة ومالك، وقول في مذهب أحمد، والثاني: أنه يقضي ما تركه في الردة وقبلها، وهذا قول الشافعي، وإحدى الروايات عن أحمد. والثالث: أنه لا يقضي ما تركه في الردة، ويقضي ما تركه قبلها، كالرواية المشهورة عن أحمد. وإن كان الواحد من هؤلاء جاهلاً وهو مصدق للرسول، لكن ظن أن من دينه سقوط هذه الواجبات عن بعض البالغين، كما يضن ذلك طوائف ممن صحب الشيوخ الجهال، وكما يظنه طائفة من الشيوخ الجهال، ولهم مع ذلك أحوال نفسانية وشيطانية. فهؤلاء مبني أمرهم على أن من ترك الصلاة قبل العلم بوجوبها فهل يقضي؟ وفيه ثلاثة أقوال: منها وجهان في مذهب أحمد: أحدهما: أنه لا قضاء عليه بحال بناء على أن حكم الخطاب لا يثبت

стр. 1073

في حق العبد إلا من بعد بلوغ الخطاب إليه. والثاني: عليه القضاء بكل حال كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعي وغيره. والثالث: يفرق بين من أسلم في دار الحرب ومن أسلم في غيرها، كما يقول ذلك من يقوله من أصحاب أبي حنيفة، والأول أظهر الأقوال. وأيضاً فقد تنازع الناس فيمن فوت الصلاة عمداً بغير عذر والصوم، هل يصح منه القضاء أم قد استقر عليه الذنب فلا يقبل منه القضاء؟ على قولين معروفين، وليس هذا موضع هذا. وإنما المقصود هنا أنه ليس في علماء المسلمين من يقول بسقوط الصلاة عمن هو عاقل على أي حال كان. فمن تأول قوله تعالى ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾ الحجر: ٩٩، على سقوط العبادة بحصول المعرفة فإنه يستتاب ن فإن تاب وإلا قتل. والمراد بالآية: اعبد ربك حتى تموت، كما قال الحسن البصري: لم يجعل الله لعبادة المؤمن أجلا دون الموت، وقرأ الآية. واليقين هو ما يعانيه الميت فيوقن به، كما قال الله تعالى عن أهل النار ﴿وكنا نكذب بيوم الدين * حتى أتانا اليقين﴾ المدثر: ٤٦ ٤٧ وفي الصحيح أن النبي ﷺ لما مات عثمان بن مظعون. قال أما عثمان فقد جاءه اليقين من ربه. والمقصود هنا أن هؤلاء الملاحدة، ومن شركهم في نوع من إلحادهم لما ظنوا أن كمال النفس في مجرد العلم، وظنوا أن ذلك إذا حصل فلا

стр. 1074

حاجة إلى العمل ن وظنوا أن ذلك حصل لهم، ظنوا سقوط الواجبات العامة عنهم وحل المحرمات العامة لهم. بطلان هذا القول من وجوه والرد عليهم في ذلك وضلالهم من وجوه. منها: ظنهم أن الكمال في مجرد العلم. والثاني: ظنهم أن ما حصل لهم علم. والثالث: ظنهم أن ذلك العلم هو الذي يكمل النفس. الوجه الأول وكل من هذه المقدمات كاذبة، فليس كمال النفس في مجرد العلم، ولا في أن تصير عالماً معقولاً موازياً للعالم الموجود، بل لا بد لها من العمل، وهو حب الله وعبادته، فإن النفس لها قوتان: علمية وعملية، فلا تصلح إلا بصلاح الأمرين ن وهو أن تعرف الله وتعبده. والجهمية هم خير من هؤلاء بكثير، ومع هذا فلما قال جهم ومن واقفه: إن الإيمان مجرد المعرفة، أنكر ذلك أئمة الإسلام ن حتى كفر من قال بهذا القول وكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وغيرهما.

стр. 1075

وهذا القول: وإن كان قد تابعه عليه الصالحي والأشعري في كثير من واكثر أصحابه فهو من أفسد الاقوال وابعدها عن الصحة كما قد بيناه في غير هذا الموضع، لما بينا الكلام في مسمى الأيمان وقبوله للزيادة والنقصان، وما للناس في ذلك من النزاع. الوجه الثاني وأما المقدمة الثانية: فلو كان كمال النفس في مجرد العلم، فليس هو أي علم كان بأي معلوم كان بل هو الذي لا بد منه: العلم بالله وهؤلاء ظنوا أنه العلم بالوجود بما هوموجود، وظنوا أن العالم أبدي ازلي. فإذا حصل له العلم بالوجود الازلي الأبدي كملت نفسه. وعلى هذا بنى أبو يعقوب السجستاني وغيره من شيوخ الفلسفة والباطنية أقوالهم، وكذلك أمثالهم من الفلاسفة كالفارابي وغيره. وابن سينا وإن كان أقرب إلى الإسلام منهم ففيه من الإلحاد بحسبه. وأبو حامد، وإن سلك أحياناً مسلكهم، لكنه لا يجعل العلم بمجرد الوجود موجباً للسعادة، بل يجعل ذلك في العلم بالله، وقد يقول في بعض كتبه: إنه العلم بالأمور الباقية، وهذا كلامهم. فمن قال: إن العالم أزلي أبدي قال بقولهم، ومن قال: إن كل ما سوى الله كان معدوماً ثم وجد لم يلزمه ذلك. وابن عربي وابن

стр. 1076

سبعين ونحوهما جمعوا بين المسلكين، فصاروا يجعلون كمال النفس هو العلم بالوجود المطلق، إن الله هو الوجود المطلق، فأخذوا من طريقة الصوفية: أنه العلم بالله، واخذوا من كلام هؤلاء: أنه العلم بالوجود المطلق، وجمعوا بينهما فقالوا: إن الله هو الوجود المطلق الوجه الثالث وأما المقدمة الثالثة: فزعمهم أنهم حصل لهم العلم بالوجود. وهذا باطل، فغن كلامهم في الإلهيات مع قلته فالضلال أغلب عليه من الهدى ن والجهل أكثر فيه من العلم، وهي العلوم التي تبقى معلوماتها وتكمل النفوس بها عندهم. وهذه الأمور مبسوطة في غيرهذا الموضع، ولكن نبهنا عليه هنا، لأن مثل هذا الآمدي وأمثاله الذين عضموا طريقهم وصدروا كتبهم التي صنفوها في أصول دين الإسلام بزعمهم بما هو أصل هؤلاء الجهال: من أن كمال النفس الإنسانية بحصول ما لها من الكمالات، وهي الإحاطة بالمعقولات والعلم بالمجهولات، وسلكوا طرقهم وقعوا في الجهل والحيرة والشك بما لا تحصل النجاة إلا به، ولا تنال السعادة إلا بمعرفته، فضلاً عن نيل الكمال الذي هو فوق ذلك، فإن النبي ﷺ قال: «كمل من الرجال كثير» فالكاملون من الرجال

стр. 1077

كثير، ولكن الذين سلكوا طريق هؤلاء من أبعد الناس عن الكمال. تقرير الآمدي لطريقة المتأخرين في إثبات واجب الوجود والمقصود هنا الكلام على مسلكه هؤلاء المتأخرين في تقرير واجب الوجود. والآمدي قد قررها في أبكار الأفكار وأورد سؤالاً على بعض مقدماتها في رموز الكنوز قد ذكرنا سؤاله وجوابه. وأما تقريره لها فقال في تقرير هذه الحجة: النظر إلى الجملة غير إلى كل واحد واحد من آحادها، فإن حقيقة الجملة غير حقيقة كل واحد من الآحاد، وعند ذلك فالجملة موجودة، فإما أن تكون واجبة لذاتها أو ممكنة، لا جائز أن تكون واجبة كما تقدم وإن كانت ممكنه فلا بد لها من مرجح، والمرجح إما داخل فيها وإما خارج عنها. فإن كان داخلاً فيها فالمرجح للجملة مرجح لآحادها،

стр. 1078

فيلزم أن يكون مرجحاً لنفسه لكونه من الآحاد، فيلزم أن يكون علةً لنفسه معلولاً لها، وإن كان خارجاً عنها لم يكن ممكناً لأنه من الجملة فيكون واجباً ثم أورد على ذلك قول السائل لا نسلم وجود ما يسمى جملة في غير المتناهي ليصح ما ذكرتموه ولا يلزم من صحة ذلك في المتناهي مع إشعاره بالحصر صحته في غير المتناهي سلمنا أن مفهوم الجملة حاصل فيما لا يتناهي وانه ممكن لكن لا نسلم أنه زائد على الآحاد المتعاقبة إلى غير النهاية، وحينئذ فلا يلزم أن يكون معللاً بغير علة الآحاد، سلمنا انه زائد على الآحاد، ولكن ما المانع أن يكون مترجحاً بآحاده الداخلة فيه لا بمعنى أنه مترجح بواحد منها ليلزم ما ذكرتموه، بل طريق ترجيحه بالآحاد الداخلة فيه ترجح كل واحد من آحاده بالآخر إلى غير النهاية، وعلى هذا فلا يلزم افتقاره إلى مرجح خارج عن الجملة، ولا أن يكون المرجح للجملة مرجحاً لنفسه ولا لعلته

стр. 1079

ثم قال في الجواب قولهم لا نسلم وجود ما يسمى جملة في غير المتناهي قلنا مسمى الجملة هو ما وصفتموه بكونه غير متناه، ولا شك أنه غير كل واحد من الآحاد، إذ كل واحد من الآحاد متناه، الموصوف بما لا يتناهي هو الأعداد المفروضة، بحيث لا يخرج عنها واحد قولهم لا نسلم ان مفهوم الجملة زائد على الآحاد المتعاقبة إلى غير النهاية. قلنا إن أردتم أن مفهوم الجملة هو نفس المفهوم من كل واحد من الآحاد فهو ظاهر الإحالة، وإن أردتم به الهيئة الاجتماعية من آحاد الأعداد، فلا خفاء بكونه زائداً على كل واحد من الآحاد وهو المطلوب ولقائل أن يقول يريدون بالجملة كل الآحاد، لا كل واحد منها، زلا يسلمون أن كل الآحاد أمر مغاير للآحاد المتعاقبة قولهم ما المانع من أن تكون الجملة مترجحة بآحادها الداخلة فيها كما قرروه

стр. 1080

قلنا إما ان يقال تترجح الجملة بمجموع الآحاد الداخلة فيها أو بواحد منها، فإن كان يوجد منها فالمحال الذي ألزمناه حاصل، وإن كان بمجموع الآحاد فهو نفس الجملة المفروضة، وفيه ترجح الشيء بنفسه، وهو محال. تعليق ابن تيمية قلت ولقائل أن يقول الحجة المذكورة لا تحتاج إلى إثبات كون الجملة غير الآحاد، وإن كان ذلك حقاً فإنه يقال لمن قال لا نسلم وجود ما يسمى جملة في غير المتناه لا يخلو إما أن يكون هنا جملة غير الآحاد، وإما أن لا يكون. فإن كان بطل سؤال، وإن لم يكن كان ذلك أبلغ في الحجة، فإن كل واحد من الآحاد ممكن، وليس هنا جملة يمكن أن تكون واجبة، فكل من الممكنات يمتنع أن يوجد بنفسه أو بممكن آخر، كامتناع وجود الجملة الممكنة بكل من الممكنات وقد أورد هو هذا السؤال، فكان فيه كفاية من ان يقرر أموراً إذا حذفها كان أبلغ في الحجة وأقوى لها وكذلك السؤال الثاني وهو قوله سلمنا أن مفهوم الجملة حاصل فيما لا يتناهى وانه ممكن، لكن لا نسلم أنه زائد على الآحاد المتعاقبة، فلا يكون معللاً بغير علة الآحاد فإن هذا السؤال هو

стр. 1081

نظير الأول بل هو هو مع تغير العبارة، فإن من نفي وجود ما يسمى جملة في غير المتناهي، لم ينازع في وجود كل واحد واحد من الآحاد المتعاقبة، فإذا سلم مفهوم الجملة فيما لا يتناهي وفسر ذلك بالآحاد المتعاقبة، كان باقياً على منعه الأول ٠ لكن من الناس من يقول الجملة لا تعقل إلا في المتناهي، ومنهم من قد ينازع في الجملة هل لها حقيقة غير كل واحد من الآحاد فلهذا جعلهما سؤالين وبكل حال فالسؤال إن كان متوجهاً كان ذلك أقوى في الحجة، وغن لم يكن متوجهاً لم يرد بحال وذلك انه لم يكن للجملة حقيقة غير كل واحد واحد لم يكن هنا مجموع نحتاج أن نصفه بوجوب أو إمكان غير كل واحد واحد وتلك كلها ممكنة فتكون الحجة على هذا التقدير أقل مقدمات، فإنه إذا كانت الجملة غير الآحاد، احتيج إلى نفي وجوبها بنفسها أو بالآحاد، أما إذا قدر انتفاء ذلك، لم يحتج إلى ذلك، فلا يحتاج إلى نفي الوجوب عنها، لا بنفسها ولا بالآحاد ولهذا قال في الاعتراض إذا لم تكن الجملة غير الآحاد لم يلزم ان تكون معللة بغير علة الآحاد وهذا مما يقوي الحجة فإنها إذا لم تكن معللة بغير علة الآحاد ومعلوم أنه لا بد من إثبات علة الآحاد فذلك وحده كاف بخلاف ما إذا كانت غير الآحاد، فإنه يحتاج إلى نفي وجوبها بنفسها أو الآحاد

стр. 1082

وهذا هو السؤال الثالث وهو قوله ما المانع أن يكون المجموع وهو الجملة مترجحاً بآحاده الداخلة فيه لا بواحد منها، بل طريق ترجحه بالآحاد الداخلة فيه بترجح كل واحد من آحاده بالآخر إلى غير نهاية وقد أجاب عن هذا بقوله مجموع الآحاد نفس الجملة المفروضة، وفيه ترجح الشيء بنفسه وهو محال وهذا السؤال هو الذي ذكره في كتابه الآخر، وذكر أنه لا يعرف له جواباً حيث قال ما المانع من ترجحها بترجح آحادها، وترجح آحادها كل واحد بالآخر إلى غير نهاية قال وهذا إشكال مشكل، وربما يكون عند غيري حله والجواب الذي ذكر عنه إنما يستقيم إذا أرادوا بالجملة كل واحد واحد من الأجزاء، ولم يجعلوا للاجتماع قدراً زائداً، وجعلوا الاجتماع جزءاً، فإنه حينئذ يقال الجملة هي الآحاد، فأما إذا أريد بالجملة الاجتماع، وهو الهيئة الاجتماعية وأن ترجحها بالآحاد المتعاقبة، لم يكن الجواب صحيحاً

стр. 1083

وهذا هو الذي استشكله في كتابه الآخر، وحينئذ يكون السؤال لم لا يجوز ترجح الاجتماع بالآحاد المجتمعة، وترجح كل واحد بالآخر وليس الجملة هو الآحاد المتعاقبة كما تقدم بل هو الهيئة الاجتماعية، ولكن يمكن تقرير هذا الجواب إذا جعلت الهيئة الاجتماعية جزءاً من أجزاء الجملة وهذا أمر اصطلاحي، فإن المجموع المركب من أجزاء قد يجعل نفس الاجتماع، ليس جزءاً من المجموع، وقد يجعل جزءاً من المجموع، فإذا جعل الاجتماع جزءاً من المجموع، كان تقرير السؤال أن هذا الجزء معلل بسائر الأجزاء، وترجح كل جزء بالآخر، وترجح جزء ممكن بجزء ممكن، كترجح جزء ممكن بأجزاء ممكنة، وحينئذ فإجابته بقوله مجموع الآحاد نفس الجملة المفروضة، وفيه ترجح الشيء بنفسه، ليس بجواب مطابق، فإنهم لم يدعوا ترجح المجموع بالمجموع، بل ترجح الاجتماع بكل واحد واحد من الأجزاء المتعاقبة، والاجتماع وإن كان جزءاً فليس هو من الأجزاء المتعاقبة، لكن هذا فيه ترجيح بعض الأجزاء ببعض، فهو كتعليل بعض الممكنات ببعض، فيعود الأمر ويقال فالجموع هو واجب بنفسه أو ممكن، معلول لنفسه أو معلول ببعضه أو بخارج عنه كما تقدم تقرير ابن سينا لحجته وقد تقدم أن المجموع إما أن لا يكون له علة، بل هو واجب

стр. 1084

بنفسه، وهذا باطل كما تقدم وإما أن يكون له علة وهو المجموع أو بعضه أو ما هو خارج عنه، كما يقال نظير ذلك في دلالة المطابقة والتضمن والالتزام فلهذا قال في القسم الثاني وأما أن يقتضي المجموع علة هي الآحاد باسرها فتكون معلولة لذاتها، فإن تلك الجملة والكل شيء واحد، واما الكل بمعنى كل واحد فليس تجب به الجملة يقول إن كان المقتضي للمجموع هي الآحاد بأسرها بحيث تدخل فيها الهيئة الاجتماعية، لزم أن تكون الجملة الممكنة معلولة لذاتها، فإن الجملة والكل والمجموع شيء واحد، بخلاف ما إذا أريد باكل كل واحد واحد، فإن الجملة لا تجب بكل واحد واحد، إنما تجب بمجموع الآحاد، كالعشرة لا تحصل بكل فرد فرد من أفرادها، وكذلك سائر المركبات، وإنما يحصل المركب بمجموع اجزائه التي من جملتها الهيئة الاجتماعية، إن جعلت الهيئة الاجتماعية امراً وجودياً وإن لم تجعل كذلك لم يحتج إلى هذا، بل يقال المجموع هو الآحاد بأسرها، وليس هنا غير الآحاد ولعل ابن سينا أراد هذا ولهذا أوردوا عليه تلك الأسولة،

стр. 1085

وهو أن المجموع مغاير للآحاد، وأنه يجوز أن يجب المجموع بالآحاد المتعاقبة، ونحو ذلك مما تقدم وأما القسم الثالث وهو أن يكون للمجموع علة هي بعضه، فهذا قد أبطله بقول ليس بعض الآحاد أولى بذلك من بعض، إن كان كل واحد منها معلولاً، ولأن علته اولى بذلك وهذان وجهان في تقرير ذلك أحدهما أن كل جزء من الأجزاء إذا كان ممكناً ومن ذلك الهيئة الاجتماعية فليس وجوب المجموع بهذا الجزء بأولى من هذا لأنه متوقف على كل جزء جزء منها والثاني أن كل واحد من تلك الأجزاء معلول لغيره، فعلته أولى أن تكون هي الموجبة للجميع منه، سواء قيل: إن علة المجموع واحد معين، أو واحد منها غير معين. واما إذا قيل: كل واحد واحد، فذلك أبعد لأنه يقتضي اجتماع مؤثرين مستقلين على أثر واحد، وهو ممتنع بصريح العقل واتفاق العقلاء. فإن قيل: إذا كان المجموع هو الأجزاء ونفس الاجتماع، فهذا لا يفتقر إلى شيء منفصل. قيل: هذا هو القول بوجوب ذلك بنفسه، وقد تقدم إبطاله، فإنه يكون كل جزء ممكناً بنفسه، والاجتماع ممكن بنفسه، ولم يكن هنا

стр. 1086

ما يغاير ذلك حتى يقال: هو واجب بنفسه فلا يمكن أن يكون هنا ما هو واجب بنفسه. وقد أبطل غيره هذا القسم بوجهين: أحدهما ذكره الرازي والآمدي: أن ما كان سبب المجموع كان سبب كل واحد من أجزاء ذلك المجموع، فلو قدر جزء من أجزاء المجموع سبباً لزم كزن الجزء سبباً لنفسه، فيلزم كون الممكن علة معلولاً. وأيضاً فذلك الجزء معلول فإذا كان هو مرجحاً للمجموع كان مرجحاً لعلته فيكون علة لعلته. فصل ولم يذكر أن سينا ولا غيره في إثبات واجب الوجود قطع الدور، كما لم يذكر الجمهور قطع التسلسل لظهور فساده. وقد ذكرنا غير مرة أن المقدمة إذا كانت معلومة، مثل علمنا بأن المحدث لا بد له من محدث، بل مثل علمنا أن هذا المحدث له محدث، كان العلم بها كافياً في المطلوب، وأن ما يرد على الأمور المعلومة هو من جنس شبه السوفسطائية التي لا نهاية لها، فيجب الفرق بين ما يكون من المقدمات خفياً على أكثر الناس يحتاج إلى بيان، وما يكون معلوماً لأكثر، والشبة الواردة عليه من جنس شبه السوفسطائية. ولما كان أهل الكلام كثيراً ما يوردون يورد عليهم ما هو من جنس شبه السوفسطائية، كما يورده الكفار الذين يجادلون بالباطل ليدحضوا به

стр. 1087

الحق، لم يكن لهذا حد محدود ولا عد معدود، بل هو بحسب ما يخطر للقلوب. فلهذا صار كلما طال الزمان أورد المتأخرون أسولة سوفسطائية لم يذكره المتقدمون. وزاد المتأخرون مقدمة في الدليل لدفع ذلك السؤال، فزادوا أولا: أن المحدث لا يختص بوقت دون وقت إلا بمخصص، والأوقات متماثلة، والأمور المتماثلة يمتنع اختصاص بعضها دون بعض إلا بمخصص منفصل. ثم زادوا بعد هذا: ان التخصيص ممكن، والممكن لا يترجح ودوده على عدمه إذ لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح وزادوا أن المرجحات يمتنع تسلسلها كما تقدم، ثم زادوا بعد هذا قطع الدور. وكذلك ابن سينا لم يذكر في برهانه أن الممكن لا يوجد من نفسه فلا بد أن يوجد بغيره فقال الرازي لا يلزم من صحة قولنا ليس الممكن موجوداً من ذاته صحة قولنا: إنه موجود بغيره لأن بين القسمين واسطة وهي أن لا يكون وجوده من شيء أصلاً لا من ذاته ولا من غيره وإذا كان كذلك لم يتم البرهان إلا بذكر هذا القسم وإبطاله: إما بادعاء الضرورة في فساده أو بذكر البرهان على فساده. قال وهو لم يفعل شيئاً من ذلك

стр. 1088

فيقال له كون وجود الشيء لا من نفسه ولا من غيره، هو مما يعلم فساده بالضرورة والأمور المعلومة الفساد بالضرورة لا يجب على كل مستدل تقديرها ونفيها، فإن هذا لا غاية له، وإنما يذكر الإنسان من ذلك ما قد قيل أو خطر بالبال، فأما الذهن والصحيح الذي يعلم بالضرورة فساد مثل هذا التقدير، فهو لا يورده على نفسه ولا يورده عليه غيره وإنما يقع الإيراد عند الشك والاشتباه فإن قدر من الناس من يشك ف يهذا احتاج مثل هذا إلى البيان وقد قلنا إن الأسولة السوفسطائية ليس لها حد محدود ولا عد معدود. وهذا نظير قول القائل: إن المحدث الذي كان بعد أن لم يكن لم يحدث نفسه، وهذا كله من العلوم البديهية الضرورية الفطرية التي هي من أبين الأمور عند العقلاء. ولو احتاج المستدل أن يذكر من الأقسام ما يخطر ببال كل أحد، وإن كان فساده معلوماً بالضرورة، لقال: الممكن إذا لم يوجد بنفسه فإما أن يوجد بموجد او بغير موجد وإذا وجد بموجد، فلذلك الموجد إما أن يوجده وهو معدوم، أو يوجده وهو موجود. ثم يريد أن يبطل الثاني بأن الموجد لا يوجد وهو معدوم، كما فعل ذلك طائفة من أهل الكلام، وإذا أراد أن يبطل ذلك قال: والمعدوم لا يكون موجداً لأن العدم لا يتميز فيه شيء عن شيء والموجد

стр. 1089

لا بد أن يتميز عن غيره، وإذا قيل: المعدوم يتميز فيه شيء عن شيء على قول من يقول: المعدوم شيء تبين أن المعدم ليس بشيء فيكون إثبات وجود الصانع موقوفاً على إبطال قول هؤلاء كما فعل ذلك طائفة من أهل الكلام. ومن المعلوم ان إبطال هذا أدق من إبطال كون الشيء الذي لا يكون وجوده من نفسه يكون موجوداً لا بنفسه ولا بغيره، إذ كان من المعلوم البين لكل أحد أن ما لم يوجد بنفسه، فلا بد ان يكون وجوده بغيره، وأما تقدير موجود لم يوجد بنفسه ولا بغيره فهو ممتنع، فإنه لا يعني بكونه موجوداً بنفسه أن نفسه أوجدته إذ كان هذا معلوم الامتناع، بل يعني أنه لا يحتاج في وجوده إلى غيره بل وجوده واجب بنفسه، فهو موجوداً أزلاً وأبداً، فظهور صحة هذا الكلام وبطلان نقيضه أبين مما يستدل به عليه، بل يمكن هنا إيراد أسولة أخرى يطول بها الكلام. وقال الرازي أيضاً: قد كان الواجب على ابن سينا أن يتكلم قبل هذا الفصل في بيان أن سبب الممكن لا يكون مقدماً عليه تقدماً زمانياً فإنه لو جاز ذلك لما امتنع إسناد كل ممكن إلى آخر قبله لا إلى أول، وذلك عنده غير ممتنع، فكيف يمكن إبطاله لإثبات واجب الوجود. وأما إذا قامت الدلالة على أن السبب لا بد من وجوده مع المسبب فحينئذ لو حصل التسلسل لكانت تلك الأسباب والمسببات بأسرها حاضرة معاً، وذلك عنده محال.

стр. 1090

والبرهان الذي ذكره في إبطال التسلسل أيضاً مختص بهذه الصورة، فكان الأولى تقديم الكلام في هذه المسألة، لكن لما كان في عزمه أن يذكره في موضع آخر، وهو النمط الخامس من هذا الكتاب، لا جرم تساهل فيه ههنا. قلت: مثل هذا الكلام هو الذي أوجب أن يدخل هذا القسم من أدخله ف يهذا الدليل كالآمدي وغيره، ولا حاجة إليه، بل ما ذكره ابن سينا كاف. والدليل الذي ذكره على إبطال التسلسل في العلل يوجب إبطال علل متسلسلة سواء قدرت مجتمعة أولا، كما قد تبين من كلامه، وهو لا يجوز عللاً متسلسلة لا متعاقبة ولا غير متعاقبة وإنما يجوز حوادث متسلسة، وتلك عنده شروط لحدوث الحوادث، لا علل ولا أساب بمعنى العلل، ولا يجوز عنده إسناد كل ممكن إلى ممكن قبله أصلاً، ولكن يجوز ان يكون وجوده مشروطاً بوجود ممكن قبله وبين العلة والشرط فرق معروف. ومن هنا دخل الغلط على الرازي ف يهذا الاعتراض، ولهذا كان سائر من تكلم في إبطال العلل المتسلسلة لم يحتج إلى ذكر هذا القسم أصلاً، ولا يقولون إن الممكن أو الحادث الذي يوجد قبل الممكن أو الحادث هو علة أيضاً، ولا هو مستند وجوده وإنما يقولون هو شرط فيه.
следующие страницы →