← Акыда

Акыда · id 21506

درء تعارض العقل والنقل

ابن تيمية

Полный текст (4 031 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

وغير ذلك، فإن صفاته نوعان منها ما يختص بالأحياء مثل هذه الصفات، ومنها ما يشترك فيه الحي وغيره، كالألوان والقدر والطعم والريح فإذا قال القائل كل ذي قدر يمكن أن يكون قدرو على خلاف ما هو عليه، كان بمنزلة أن يقول كل موصوف يمكن أن يكون موصوفاً بخلاف صفته ٠ فإذا عرضنا على عقولنا ما نعلمه من الموجودات التي لها أقدار وصفات، كان تحويزنا لكونها على خلاف أقدارها كتجويزنا لها أن تكون على خلاف صفاتها، بل القدر من الصفات ولهذا لما تكلم الفقهاء في مفهوم الصفة كقوله ﷺ في الإبل السائمة الزكاة تكلم بعضهم في مفهوم القدر كقوله إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، فقال آخرون القدر من جملة الصفات ولهذا كان مما احتيج به من احتج به من أهل الكلام على الفلاسفة في مسألة حدوث العالم، أن العالم له صفات وأقدار يمكن أن يكون على خلافها، فهو مفتقر إلى مخصص، لأن العالم ممكن بالاتفاق والمخصص لا يكون موجباً بالذات وقد سلك هذا الطريق أبو المعالي في النظامية فسالكو هذه الطريقة ومنازعوهم لم يفرقوا بين القدر وسائر الصفات في إمكان القبول وعدمه، والقدر المعين أقرب إلى الذات المعينة من الصفات

стр. 1157

المطلقة، كما أن صفاته المخصوصة ألزم له من جنس القدر، فإن نفس الجسم التعليمي الذي يقدر في الذهن لا يمكن فرضه إلا وله قدر يمكن فرضه خالياً عن جميع الصفات، لنه فرض جسم شامل لجميع الأجسام ن فلهذا قدر مجرداً عن جميع الصفات، كما يفرض عدد مجرد عن جميع المعدودات وكذلك ما يتخيله الإنسان من الأجسام بعد رؤيته له، كتخيله الإنسان والفرس والشجر والدار والمدينة والجبل ونحو ذلك، يمكنه تخيله مع عدم تخيل شيء من صفاته كألوانه وغيرها، ولا يمكنه تخيله مع نفي قدره، فاختصاص جنس الجسم بجنس القدر كاختصاص جنس الموصوفات بجنس الصفات، واختصاص الجسم المعين بقدره كاختصاصه بصفته المعينة وحقيقته المخصوصة وكل شيء له حقيقة تخصه، وقدر، وصفات تقوم به ٠فهنا ثلاثة أشياء المقدار، والحقيقة، وصفات الحقيقة فقول القائل كل ذي قدر يمكن أن يكون بخلاف ذلك القدر، كقوله كل موصوف يمكن وجوده على خلاف تلك الصفات وهو أقرب من قوله كل ماله حقيقة فيمكن وجوده على خلاف تلك الحقيقة ولكن في هذا المقام يكفي أن يجعل حكم المقدار حكم سائر

стр. 1158

الصفات، فلا ريب أن كيفية الموصوف وصفاته ألزم له من قدره، فكيفيته أحق به من كميته، فاختصاصه بقدر دون اختصاصه بصفة فالنار والماء والهواء يلزمها كيفياتها المخصوصة أعظم مما يلزمها المقدار المعين فيقال إن أمكن أن يقرر أن كل جسم يقبل من الصفات خلاف ما هو عليه، وما كان كذلك فهو ممكن أو محدث، كان هذا دليلاً عاماً لا يختص بالمقدر، وغن لم يمكن ذلك فلا فرق بين القدر وغيره وأحد الطرق التي ذكرها إبرازي وغيره في إثبات الصانع تعالى الاستدلال بإمكان صفات الجسم أو حدوثها، لم يفرق السالكون فيه بين القدر وغيره ثم لقائل أن يقول قول القائل كل ذي قدر يمكن أن يكون أكبر أو أصغر أو كل ذي وصف يمكن أن يكون بخلاف ذلك الوصف ونحو ذلك أتريد به الإمكان الذهني إن الخارجي؟ والفرق بينهما أن إمكان الذهني معناه عدم العلم بالامتناع ن فليس في ذهنه ما يمنع ذلك. والإمكان الخارجي معناه العلم بالإمكان في الخارج

стр. 1159

والإنسان يقدر في نفسه أشياء كثيرة يجوزها ولا يعلم أنها ممتنعة، ومع هذا فهي ممتنعة في الخارج لأمور أخر فإن قال أريد به الإمكان الذهني، لم ينفعه ذلك، لأن غايته عدم العلم بامتناع كون تلك الصفة واجبة له وإن قال أريد إمكان الخارجي وهو أني اعلم أن كل موصوف بصفة، أو كل ذي قدر يمكن أن يكون بخلاف ذلك، كان مجازفاً في هذا الكلام، لأن هذه قضية كلية تتناول من الأفراد ما لا يحصيه إلا الله تعالى، وليس معه دليل يدل على إمكان ذلك في الخارج يتناول جميع هذه الأفراد ٠ غايته انه رأى بعض الموصوفات والمقدرات يقبل خلاف ما هو عليه، فإذا قاس الغائب على الشاهد كان هذا من أفسد القياس لاختلاف الحقائق، ولأن هذا ينعكس عليه فيقال له لم نر إلا ماله صفة، فيقاس الغائب على الشاهد ويقال كل قائم بنفسه فله صفة وقدر، وهذا إلى المعقول أقرب من قياسهم، فإن هذا لا يعلم انتقاضه وأما قول القائل كل ماله صفة وقدر فيقبل خلاف ذلك، فلا يعلم اطراده، فأين القياس الذي لا يعلم افتقاده من القياس الذي لا يعلم اطراده؟ والناس متفقون على أنهم لم يروا موجوداً إلا له صفة وقدر وليسوا متفقين على أن كل ما رأوه يمكن وجوده على خلاف صفاته

стр. 1160

وقدره مع بقاء حقيقته التي هو بها هو، ولكن مع استحالة حقيقته فاستحالة قدره وصفاته أولى ثم إن ما نشاهد من السماوات غنما نعلم جواز كونها على خلاف هذه الصفات بأدلة منفصلة، لا نعلم ذلك ضرورة ولا حساً ٠ ولهذا نازع في ذلك كثير من العقلاء الذين لا يجمعهم مذهب معين تلقاه بعضهم عن بعض ٠ ولو كان هذا الجواز معلوماً بالضرورة لم ينازع فيه طوائف العقلاء الذين لم يتواطأوا على قول، فإن هؤلاء لا يتفقون على جحد الضروريات ثم يقال هذا بعينه معارض بالحقائق في نفسها وصفاتها اللازمة لها، فإنه يمكن أن يقال كل موجود له حقيقة تخصه يمتاز بها عن غيره، فاختصاص ذلك الموجود بتلك الحقيقة دون غيرها من الحقائق يفتقر إلى مخصص ويقال أيضاً كل موجود له صفات لازمة تخصه، فاختصاصه بتلك الصفات دون غيرها يفتقر إلى مخصص ومن المعلوم انه قد علم بضرورة العقل واتفاق العقلاء أنه لا بد من وجود واجب بنفسه قديم ن وموجود ممكن محدث ن فإنا نشاهد حدوث الحوادث، والحادث ممكن وإلا لما وجد، وليس بواجب بنفسه وإلا لم

стр. 1161

يعدم، ويعلم بالضرورة أن طبيعة المحدث لا تكون إلا بقديم وطبيعة الممكن لا تكون إلا بواجب، كما قد بسط في غير هذا الموضع فإذا كانت الموجودات منقسمة إلى قديم ومحدث، وواجب وممكن، فمن المعلوم انهما يشتركان في مسمى الوجود والماهية، والذات والحقيقة، وغير ذلك، ويختص الواجب بما لا يشركه فيه غيره بل من المعلوم بالضرورة إن الواجب له حقيقة تخصه لا يشركه فيها غيره ن فإن كان كل مختص يفتقر مباين له، افتقرت حقيقة الواجب بنفسه إلى مخصص مباين له، فلا يكون في الموجودات قديم ولا واجب فيلزم حدوث الحوادث بلا محدث ووجود الممكنات بلا واجب وهذا كما أنه معلوم الفساد بالضرورة فلم يذهب إليه احد من العقلاء بل غاية الدهري المعطل الكافر أن يقول: العالم قديم واجب الوجود بنفسه، لا يقول: إنه ممكن محدث ليس له مبدع وإذا قال الدهري إن العالم واجب الوجود بنفسه لزمه أن الواجب بنفسه مختص عن غيره بصفات لا يشركه فيها غيره كالحوادث من الحيوان والنبات والمعدن. ففي الجملة كل عاقل مضطر إلى إثبات موجود واجب بنفسه له

стр. 1162

حقيقة يختص بها عما سواه من غير مخصص مباين له خصصه بتلك الحقيقة. ومن قال: إن واجب الوجود هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق أو لا بشرط. فيقال له: هذا القول وإن كان فساده معلوماً بالاضطرار كما بين في موضعه قول متناقض وهو مستلزم أنه مختص عن غيره بما يخصه. وذلك أن المطلق لا يوجد في الخارج مطلقاً، ولا يوجد إلا مقيداً بقيد من القيود. فإذا قيل: موجود واجب قيده بالوجوب فلم يبق مطلقاً. وإن قال: ليس بواجب قيده بسلب الوجوب فلم يكن مطلقاً. وإن ادعى وجود موجود لا واجب ولا غير واجب لزمه رفع النقيضين جميعاً، وهو أظهر الأمور الممتنعة في بديهة العقل. ثم إنه يقيده بكونه مبدأ لغيره وبكونه عاقلاً ومعقولاً وعقلاً وعاشقاً ومعشوقاً وعشقاً، وغير ذلك من الأمور المقيدة المخصصة التي يمتاز بها من غيره ولا يكون وجوداً مطلقاً.

стр. 1163

ثم إن قال هو مطلق لا بشرط لزمه ان يصدق حمله على كل موجود كما أن الحيوان المطلق لا بشرط يصدق عليه حمله على الإنسان والفرس وغيرهما من الحيوانات وهذا متفق عليه بين العقلاء فيلزم حينئذ أن يكون كل موجود واجب الوجود، إن كان واجب الوجود هو الوجود المطلق لا بشرط كما يقوله الصدر القونوي وامثاله من الملاحدة الباطنية باطنية الرافضة وباطنية الصوفية. ومعلوم أن هذا مكابرة للحس والعقل، وهو منتهى الإلحاد في الدين. وإن قال هو مطلق بشرط الإطلاق، كما يقوله طائفة من ملاحدة الطائفتين ممن يرفع عنه النقيضين فهم قد قرروا في منطقهم ان المطلق بشرط الإطلاق لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان ثم يلزمهم ان لا يصفوه بالوجوب، ولا بكونه علة، ولا عاقلاً ولا معقولاً، ولا عاشقاً ولا معشوقاً لأن هذه كلها تخرج الوجود عن أن يكون مطلقاً بشرط الإطلاق وتميزه عما ليس كذلك، والمطلق لا بشرط ليس فيه اختصاص ولا امتياز. وإن قالوا: مطلق بشرط سلب سائر الأمور التثبوتيه عنه وهو الموصوف بالسلوب والإضافات دون الإثبات كما يقوله ابن سينا

стр. 1164

وطائفة فهذا مع أنه باطل من وجوه كثيرة ليس هو مطلقاً بل موجود مقيد بقيود سلبية وإضافية وذلك نخصيص امتاز به عن سائر الموجودات على أي وجه قدر. ثم يقال كل ما أشار إليه العقل من الأمور فلا بد له من حقيقة تختص به تميزه عما سواه كيفما كان وكل ما هو موجود في الخارج فلا بد له من وجود يختص به يمتاز به عما سواه فإن كان كل ما اختص بأمر يخصه يجب أن يكون له مخصص من خارج امتنع ان يكون في الوجود موجود بنفسه وأن تكون حقيقة من الحقائق موجودة بنفسها وأن يكون ثم وجود واجب. ثم يلزم التناقض والدور الممتنع والتسلسل الممتنع فغنه إذا افتقر كل مختص إلى مباين يخصه فذاك الثاني إما أن يفتقر إلى مخصص وإما ان لا يفتقر فإن لم يفتقر انتقضت القضية الكلية وهو المطلوب. وإن افتقر إلى الأول لزم الدور القبلي، وإن افتقر إلى غيره لزم التسلسل في العلل، وكلاهما ممتنع باتفاق العقلاء. ولو قدر مقدر أنه يلزم الدور المعي، وهو أن يكون كل من المختصين موجوداً مع الآخر.

стр. 1165

فيقال فكل منهما مختص بأمر فهو متوقف على ما اختصت به نفسه وعلى ما اختص به الآخر فيلزم أن يكون هناك اختصاصات فالقول في ذلك الاختصاص كالقول في الأول. وبالجملة اختصاص الشيء بما هو عليه من خصائص كاختصاصه بنفسه ووجوده وصفاته كلها لازمها عارضها فقول القائل كل مختص لا بد له من مخصص مباين له كقوله كل موجود فلا بد له من موجد مباين له وكل حقيقة فلا بد لها من محقق مباين لها وكل قدئم بنفسه فلا بد له من مقوم مباين له وأمثال ذلك. فإنه ما من أمر من هذه الأمور إلا ويمكن الذهن أن يقدره على خلاف ما هو عليه ومجرد تقدير إمكان ذلك في الذهن لا يوجب إمكان ذلك في الخارج، ولكن طائفة من أهل الجدل الباطل والحكمة السوفسطائية يستدلون على إمكان الشيء في الخارج بإمكانه في الذهن كما يوجد مثل ذلك في كلام كثير من أهل الكلام والفلسفة. والرازي والآمدي ونحوهما يستعملون ذلك كثيراً كاستدلال الرازي وغيره على إمكان وجود موجود لا مباين للعالم ولا مجانب بأن يقولوا القسمة العقلية تقتقضي أن كل موجود فاما مباين لغيره وإما مجانب له وإما لا مباين ولا مجانب أو كل موجود فإما داخل في غيره وإما خارج عنه وإما لا داخل ولا خارج.

стр. 1166

ويجعلون مثل هذا التقسيم دليلاً على إمكان كل من الأقسام في الخارج وقد يسمون ذلك برهاناً عقياً وهو من أفسد الكلام، فإن هذا بمنزلة القائل: كل موجود فإما أن يكون قائماً بنفسه أو قائماً بغيره، وإما أن لا يكون قائماً بنفسه ولا بغيره فإن هذا لا يقتضى إمكان وجود موجود لا قائم بنفسه ولا بغيره، بل هذا ما يعلم امتناعه بالضرورة واتفق العقلاء على امتناعه. ومثله أن يقال كل موجود إما قديم أو محدث أو لا قديم ولا محدث ومثله كل موجود غما واجب أو ممكن أو لا هذا ولا هذا وكل موجود إما خالق أو مخلوق أو لا خالق ولا مخلوق ومثله إما عالم أو جاهل أو لا عالم ولا جاهل ومثله إما حي وميت أو لا حي ولا ميت. فهذه التقسيمات وأمثالها لا تدل على إمكان كل قسم منها ولا على وجوده في الخارج باتفاق العقلاء بل العقلاء متفقون على أن الموجود إما واجب وإما ممكن وإما قديم وإما محدث وإما قائم بنفسه وإما قائم بغيره. فأما تقسيم كل قائم بنفسه إلى الحي والميت والعالم والجاهل والقادر والعاجز فهو أيضاً صحيح عند جماهير العقلاء وهو قول المثبة لأسماء الله الحسنى وهو انه حي عالم قادر.

стр. 1167

وإنما ينازع فيه النفاة من الجهمية والباطنية فلا يسمونه بشيء من الأسماء الحسنى التي سمى بها نفسه وسمته بها رسله حتى لا يقولون هو شيء ولا موجود لأن ذلك بزعمهم يستلزم التشبيه بغيره من الأشياء والموجودات. شبهة للملاحدة وللملاحدة الفلاسفة سؤال مشهور على قول القائل إما أن يكون حياً أو ميتاً، أو عالماً أو جاهلاً، وقادراً أو عاجزاً، وسميعاً بصيراً أو أعمى وأصم، فإن هذين متقابلان تقابل العدم والملكة لا تقابل السلب والايجاب والفرق بينهما أن الأول سلب الشيء عما من شأنه أن يكون متصفاً به، كسلب الحياة والسمع والبصر والعلم عن الحيوان، فإنه قابل لذلك، فإذا سلب عنه لزم أن يكون ميتاً أعمى أصم جاهلاً، وأما الجماد فإنه لا يقبل الاتصاف بذلك، فلا يقال فيه حي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل، ولا سميع بصير، ولا أعمى أصم الجواب عنها من وجوه قلت وقد بسطنا الكلام على هذه الشبهة، وغن كان الآمدي وأمثاله عجزوا عن حلها بل اعترفوا بورودها، وبينا الجواب عن ذلك من وجوه الأول أن مالا يقبل الاتصاف بصفات الكمال أنقص مما يقبل الاتصاف بصفات الكمال، والحي الجاهل الأعمى الأصم لقبوله للعلم

стр. 1168

والسمع والبصر أكمل من الجماد الذي لا يقبل ذلك ن فإذا كان يمتنع كون الواجب يقبل صفات الكمال ولا يتصف بها، فلأن يمتنع كونه لا يقبلها بطريق الأولى والثاني أن كل صفة من صفات الكمال إذا لم تستلزم نقصاً فالواجب أولى بها من الممكن، واتصافه بها أولى من الممكن لأنه أكمل، ولأن كل كمال حصل للممكن فهو من الواجب، وهم يسلمون أن كل كمال حصل للمعلوم فهو من علته، فالمعلول أولى بذلك الثالث أن كل ما أمكن اتصاف الربسبحانه فهو واجب له، لامتناع توقف شيء من صفاته على غيره الرابع أن نفي هذه الصفات نقص، وإن لم يسم جهلاً وصماً وبكماً الخامس أن ما ذكروه من التفريق بين السلب والإيجاب، والعدم والملكة، بتسمية هذا ميتاً دون هذا، اصطلاح لهم لا يجب أتباعه والله قد سمى الجماد مواتاً في مثل قوله تعالى ﴿والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون * أموات غير أحياء﴾ النحل ٢٠-٢١ وفي قوله تعالى ﴿وآية لهم الأرض الميتة﴾ يس: ٣٣ وأمثال ذلك

стр. 1169

فإذا كان قد علم انه لا بد من موجود بنفسه مختص بخصائص لا يشركه فيها غيره، مباين له، توهماً باطلاً شيطانياً وهو من جنس ما ذكره النبي ﷺ في الحديث الصحيح لما قال يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا فيقول الله فيقول من خلق الله؟ فإذا وجد أحدكم ذلك فليستعذ بالله ولينته وفي حديث آخر لا يزال الناس يتساءلون حتى يقولوا هذا الله كل شيء فمن خلق الله؟ وهذا لكون الوسواس الشيطاني الباطل لا يقف عند حد الموجود الواجب القديم الخالق وهذا المقام ضل فيه طوائف من الناس صاروا ينفون ما يجب إثباته لله تعالى من الصفات لعدم علمهم بما يوجب اختصاصه بذلك ثم إنهم يتناقضون، فالمعتزلة فرقوا بين كونه عالماً وقادراً، وكونه متكلماً مريداً بأن العلم عام التعلق، فإنه سبحانه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير والكلام خاص، فإنه يتكلم بشيء دون شيء فإنه لا يتكلم إلا بالصدق والإرادة خاصة، فإنه يريد شيئاً دون شيء، لا يريد إلا ما علم أن سيكون فقال لهم الناس هب أن الأمر كذلك، لكن ما الموجب للتكلم ببعض الكلام دون بعض، ولإرادة بعض الأمور دون بعض؟ فلا بد

стр. 1170

من سبب يوجب التخصيص، فلا بد حينئذ أن يكون هو المخصص. فقالوا القادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مخصص فيقال لهم هذا مع بطلانه يوجب تناقضكم، فإنكم قلتم لا بد للتخصيص من مخصص، ثم قلتم كل الممكنات مخصصة ووجدت بدون مخصص، بل رجح المرجح أحد المتاثلين على الآخر من غير مخصص، وإذا جوزتم في الممكنات وجود المخصصات بدون مخصص، مع أن نسبة القادر واحدة، فالموجود بنفسه أولى أن يستغني عن مخصص مما اختص به من ذاته وصفاته، وذلك أنه من المعلوم أن وجود ذاته وصفاته أولى من وجود مفعولاته، وإذا جوزتم أن يكون مخصصاً لمفعولاته المختصة بحقيقة وقدر وصفة بلا مخصص أصلاً، فتجويزكم أن تكون ذاته المختصة الواجبة بنفسها لا تفتقر إلى مخصص بطريق الأولى وهذا لا ينعكس، فإنه إذا قيل إن أفعاله تفتقر إلى مخصص، لم يلزم أن تكون ذاته مفتقرة إلى مخصص، فإن ذاته واجبة الوجود بنفسها، فهي لا تفتقر إلى سبب أصلاً، بخلاف مفعولاته فإنها مفتقرة إلى سبب، وما افتقر إلى فاعل جاز أن يقال هو مفتقر إلى مخصص، بخلاف ما لا يفتقر إلى فاعل، فإنه لا يجب أن يفتقر إلى مخصص فإذا قيل ما افتقر إلى سبب أو ما افتقر إلى

стр. 1171

فاعل، أو ما افتقر إلى علم افتقر إلى مخصص، وما لم يفتقر إلى شيء من ذلك لم يفتقر، كان هذا كاملاً معقولاً بخلاف ما إذا قيل المفتقر إلى الفاعل لا يفتقر إلى نخصص، والغني عن الفاعل يفتقر إلى مخصص، فإن هذا قلب للحقيقة، كما قالته المعتزلة الجهمية القدرية من نفي افتقار الأفعال إلى مخصص، وإثبات افتقار الذات إلى مخصص قلب للحقائق وأفسد منه قول الفلاسفة الذين يثبتون مفعولات مختلفة مع حدوث كثير منها ويقولون إن مخصصها مجرد وجود بسيط، ثم يصفونه بصفات تفيد اختصاصه بما يتميز به عن سائر الموجودات، ويقولون مع ذلك الاختصاص لا بد له من مخصص مباين له ثم العلم فيه من العموم ما ليس في القدرة، وفي القدرة من العموم ما ليس في الإدارة والمتفلسفة نفوا الاختصاص حتى أثبتوا وجوداً مطلقاً مجرداً، ثم أثبتوا له من اللوازم ما يوجب الاختصاص، مثل كونه وجوداً واجباً، وذلك يميزه عن الوجود الممكن، وجعلوه عاقلاً ومعقولاً وعقلاً، وعاشقاً ومعشوقاً وعشقاً، وملتذاً به وأنواع ذلك مما يوجب اختصاصه بهذه الأمور عمن ليس هو موصوفاً بها من الجمادات وقالوا صدر عنه العالم المختص بما له من الصفات والأقدار من غير موجب للتخصيص فهل في الوجود أعظم من هذا التناقض؟

стр. 1172

وهو أن يكون وجود مطلق لا اختصاص فيه يوجب كل اختصاص في الوجود من غير سبب يوجب التخصيص؟ وهؤلاء ينكرون على من أثبت من أهل الكلام الحوادث بلا سبب حادث، ثم يثبتون الحوادث بلا محدث، ويثبتون التخصيصات في الموجودات بلا مخصص أصلاً، وهو شبيه بقول من يجعل الممكن الذي ليس له من نفسه وجود يوجد بلا واجب بنفسه ومن وافق هؤلاء من الكلابية في بعض الأمور يثبت صفات معدودة يختص بها ن ويجعل لها خصائص، ثم يطلب المخصص لغير تلك الصفات ٠ ولهذا كان منتهى من سلك هذه السبيل إلى أن يثبت وجوداً، ثم مطلقاً، ثم يتناقض أعظم من تناقض غيره، وذلك لن كل موجود فمختص بما هو من خصائصه، سواء عن غيره طلب ما هو ممتنع لذاته فمن وصف الواجب بذلك فقد وصفه بصفة الممتنع لذاته ن وهذا نهاية هؤلاء، وهو الجمع بين النقيضين ثم يقول من يقول من متصوفتهم انه يجوز الجمع بين النقيضين، وأنه يثبت في الكشف ما يناقض صريح العقل كلام الشهر ستاني في نهاية الإقدام والشهر ستاني لما اعتمد في مناظرته للقائلين بالعلو والمباينة والصفات الفعلية ونحو هؤلاء على هذه الطريقة أورد على نفسه من اللوازم ما

стр. 1173

اعترف معه بالحيرة، فلما احتج بأن الاختصاص بالقدر يقتضي مخصصاً، والاختصاص بالجهة يقتضي مخصصاً، قال فإن قيل بم تنكرون على من يقول القدر الذي اختص به نهاية وحداً واجب له لذاته فلا يحتاج إلى مخصص، بخلاف مقادير الخلق فإنها احتاجت إلى ذلك لأنها جائزة، وذلك لأن الجواز في الجائزات إنما يعرف بتقدير القدرة عليها، فلما كانت المقادير المخلوقة مقدورة عرف جوازها، واحتاج الجواز إلى مرجح، فإذا لم يكن فوق الباري تعالى قادر يقدر عليه لم يمكن إضافة الجواز إليه وإثبات الاحتجاج له، ألسنا اتفقنا على أن الصفات ثمان، أفهى واجبة له على هذا العدد، أم جائز أن توجد صفة اخرى؟ فإن قلتم يجب الانحصار في هذا العدد كذلك، نقول الاختصاص بالحد المذكور واجب له، إذ لا فرق بين مقدار في الصفات عداً ومقدار في

стр. 1174

الذات حداً وإن قلتم جائز أن توجد صفة أخرى فما الموجب للانحصار في هذا العدد والحد فيحتاج إلى مخصص حاصر؟ ثم قال قلنا المقادير من حيث إنها مقادير طولاً وعرضاً وعمقاً لا تختلف شهداً ولا غائباً في تطرق الجواز العقلي إليها واستدعاء مخصص فيقال له هذا الذي قلته هو أول المسألة، فإن المقادير من حيث هي هي لا وجود لها في الخارج، كما ان الصفات والذوات من حيث هي هي لا وجود لها في الخارج، وإنما يوجد في الخارج ذات مخصوصة بصفاتها المخصوصة، فالقول فيما اختصت به من المقدار كالقول فيما اختصت به من سائر الصفات به من الحقيقة الموصوفة بتلك الصفات ثم قال وأما الصفات وانحصارها في ثمان، فقد اختلف جواب الأصحاب عنه بوجوه منها أنهم منعوا إطلاق لفظ

стр. 1175

العدد عليها فضلاً عن الثمانية وقالوا قد دل الفعل بوقوعه على كون الفاعل قادراً، وباختصاصه ببعض الجائزات على كونه مريداً، وبأحكامه على كونه عالما وعلم بالضرورة أن القضايا مختلفة وورد في الشرع إطلاق العلم والقدرة والإرادة ولا مدلول سوى ما دل الفعل عليه أو ورد في الشرع إطلاقه ولهذا اقتصرنا على ذلك فلو سئل هل يجوز أن يكون له صفة أخرى اختلف الجواب عته فقيل لا يتطرق إليه الجواز فإنا لم نثبت الصفات إلا بدليل الفعل والفعل ما دل إلا على تلك وقيل يجوز عقلاً إلا أن الشرع لم يرد به فنتوقف في ذلك ولا يضر في ذلك الاعتقاد إذا لم يرد به تكليف قال ومنها أنهم فرقوا في الشاهد بين الصفات الذاتية التي تلتئم منها حقيقة الشيء وبين المقادير العرضية التي لا مدخل لها في تحقيق حقيقة الشيء فإن الصفات الذاتية لا تثبت للشيء مضافة إلى

стр. 1176

الفاعل بل هي له من غير سبب، والمقادير العرضية تثبت للشيء مضافة إلى الفاعل. فإن جعلها له بسبب ومنها أنه ولو قدر صفة زائدة على الثمان لم يخل إما أن تكون صفة مدح وكمال، او صفة ذم ونقصان، فإن كان صفة كمال فعدمها في الحال نقص، وإن كان صفة نقص فعدمها واجب، وإذا بطل القسمان تعين أنه لا يتصف بزيادة على الثمانية قال ويترتب على ما ذكرناه هل يجوز أن يكون للباري تعالى أخص وصف لا ندركه؟ وفرق بين هذا السؤال الأول، فإن السائل الأول سأل هل يجوز أن تزيد صفاته على الصفات الثمانية؟ والسائل الثاني سأل هل له أخص وصف تميز

стр. 1177

به عن المخلوقات؟ واختلف جواب الأصحاب عنه أيضاً فقال بعضهم ليس له أخص وصف ولا يجوز أن يكون، لأنه بذاته وصفاته تميز عن ذوات المخلوقات وصفاتها من حيث أن ذاته لا حد لها زماناً ومكاناً ولا تقبل الانقسام فعلاً ووهماً بخلاف ذوات المخلوقات لا حد لها زماناً ومكاناً ولا تقبل الانقسام فعلاً ووهماً بخلاف ذوات المخلوقات وصفاته غير متناهية في التعلق بالمتعلقات ولو كان الغرض أن يتحقق أخص وصف به يقع التميز فقد وقع التميز بما ذكرناه ن فلا أخص سوى ما عرفناه. وقال بعضهم لا بل له أخص وصف في الإلهة لا ندركه وذلك أن كل شيئين لهما حقيقتان معقولتان فإنهما يتمايزان بأخص وصفيهما وجميع ما ذكرنا من ان لا حد ولا نهاية لا انقسام للذات ولا تناهي للتعلق في الصفات كل ذلك أسلوب وصفات نفي وبالنفي لا يتميز الشيء عن الشيء بل لا بد من صفة إثبات بها يقع التميز وإلا فترتفع الحقيقة رأساً ثم إذا ثبت

стр. 1178

أخص الوصف فهل يجوز أن يدرك قال إمام الحرمين لا يجوز أن يدرك أصلاً وقال بعضهم يجوز أن يدرك وقال ضرار بن عمرو يدرك ذلك عند الرؤية بحاسة سادسة ونفس المسألة من محارات العقول وتصور الأخص من محارات العقول تعليق ابن تيمية على كلام الشهرستاني فيقال: هذا وما أشبه هو الذي يقال في هذا المقام من جهة من يفرق بين بعض الصفات وبعض كما يفرق بين الصفة والقدر، ومن تدبره علم أنه لا يمكن الفرق. وذلك من وجوه: الوجه الأول أن ما ذكره ليس فيه جواب فيه جواب عن الإلزام والمعارضة فإنهم عارضوه بإثبات صفات متعددة سواء كانت ثمانياً أو أكثر أو أقل، فغن اختصاص الصفات بعدد من الأعداد كاختصاص الذات بقدر من الأقدار، وإذا كان المسمي لا يسمي ذلك عدداً فمنازعه لا يسمي الآخر قدراً، وليس الكلام في الإطلاقات اللفظية بل في المعاني العقلية، وما زاد على ذلك سواء نفي ثبوته او نفي

стр. 1179

العلم به لا يضر، فغن السؤال قائم إلا أن يثبت المثبت صفات لا نهاية لعددها وهذا ينقض قاعدة من يقول: غنه لا يوجد ما لا نهاية له وإلا فإذا أثبت الصفات متناهية كانت المعارضة متوجهة سواء عرف عددها أو لم يعرف وتفريق من فرق بين الصفات الذاتية والعرضية بأن هذه تفتقر إلى فاعل دون الأخرى لا يصح، لأن هذا إنما يجيء على قول من يقول: الماهيات غير مفعولة ولا مجعولة، كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة ونحوهم وإلا فأهل السنة ومتكلموهم متفقون على أن حقائق جميع المخلوقات مخلوقة مصنوعة بل ليس لها حقيقة في الخارج إلا ما هو موجود في الخارج وما سوى ذلك فإنما هو الصورة العلمية، وما في الأذهان من ذلك فالله تعالى هو الذي جعله فيها والله سبحانه هو الذي خلق فسوى وهو الذي قدر فهدى، وهو الذي خلق، خلق الإنسان من علق، وهو الذي علم بالقلم علم الإنسان مالم يعلم وهو الذي خلق الإنسان علمه البيان. فقوله: الصفات الذاتية لا تثبت للشيء مضافة إلى الفاعل قول باطل بل صفة كل موصوف مخلوق مضافة إلى الله تعالى فإنه خلق كل موصوف بصفاته وليس في المخلوق شيء لا من ذاته ولا من صفاته إلا والله تعالى خلقه وأبدعه. وأيضاً فكل صفة لازمة لموصوفها لا يكون الموصوف إلا بها فإن كان مفتقراً إلى الفاعل فالفاعل فعله بصفاته وإن كان غنياً عن

стр. 1180

الفاعل استغنى بصفاته عن الفاعل وتسمية أهل المنطق لبعضها ذاتياً ولبعضها عرضياً لا يمنع اشتراكها في هذا الحكم. وقول القائل لو قدر صفة زائدة على الثمان لكان صفة كمال أو نقص إنما يفيده نفي ما زاد على الثمان وهذا لا يضر المعارض بل يقوي معارضته فإن تخصيص الصفات بإثبات ثمان دون ما زاد ونقص تخصيص بقدر وعدد فغن كان كل مختص يفتقر إلى مخصص مباين للموصوف فالسؤال قائم فإن قال القائل هذه الصفات على هذا الوجه من لوازم الذات لا تفتقر إلى موجب غير الذات قيل له: فهكذا مورد النزاع وبطل ما ذكرته من أن اختصاص كل موصوف بصفات ومقدار يفتقر إلى مخصص منفصل عنه. الوجه الثاني أن ما ذكره من الكلام في أخص وصف هو أيضاً لازم لهم، كما أن ما ذكره في الصفات هو أيضاً لازم لهم، فإن هذا معارضة باختصاص الحقيقة في نفسها وذلك معارضة باختصاصها ببعض الصفات دون بعض وبعدد من الصفات دون ما زاد. وسواء قيل بإثبات أخص وصف أو لم يقل فإنه لا بد من ذات متميزة بنفسها عما سواها. الوجه الثالث أن يقال: أهل الإثبات للصفات لهم فيما زاد على الثمانية ثلاثة أقوال معروفة: أحدها: إثبات صفات أخرى كالرضى والغضب والوجه واليدين والاستواء، وهذا قول ابن كلاب والحارث

стр. 1181

المحاسبي وأبي العباس القلانسي والأشعري وقدماء أصحابه كأبي عبد الله بن مجاهد وأبي الحسن بن مهدي الطبري والقاضي أبي بكر بن الطيب وأمثالهم ن وهو قول أبي بكر بن فورك وقد حكي إجماع أصحابه على إثبات الصفات الخبرية كالوجه واليد وهو قول أبي القاسم القشيري وأبي بكر البيهقي، كما هو قول القاضي أبي يعلى وابن عقيل والشريف أبي علي وابن الزغوني وأبي الحسن التميمي وأهل بيته كابنه أبي الفضل ورزق الله وغيرهم، كما هو قول سائر المنتسبين إلى أهل السشنة والحديث وليس للأشعري نفسه فيإثبات صفة الوجه واليد والاستواء وتأويل نصوصها قولان، بل لم يختلف قوله أنه يثبتها ولا يقف فيها، بل يبطل تأويلات من ينفيها ولكن أبو المعالي وأتباعه ينفونها، ثم لهم في التأويل والتفويض قولان فأول قولي أبي المعالي التأويل كما ذكره في الإرشاد وآخرهما التفويض كما ذكره في الرسالة النظامية وذكر إجماع السلف على المنع من التأويل وأنه محرم.

стр. 1182

وأما أبو الحسن وقدماء أصحابه فهم من المثبتين لها. وقد عد القاضي أبو بكر في التمهيد والإبانة له الصفات القديمة خمس عشرة صفة ويسمون هذه الصفات الزائدة على الثمانية الصفات الخبرية وكذلك غيرهم من أهل العلم والسنة مثل محمد بن جرير الطبري وأمثاله وهو قول أهل السنة والحديث من السلف وأتباعهم وهو قول الكرامية والسالمية وغيرهم. وهذا القول هو القول المعروف عند متكلمة الصفاتية لم يكن يظهر بينهم غيره حتى جاء من وافق المعتزلة على نفيها، وفارق طريقة هؤلاء وأصل هؤلاء أنهم يثبتون الصفات السمع والعقل بخلاف من اقتصر على الثمانية فإنه لم يثبت صفة إلا بالعقل. وقد أثبت طائفة منهم بعضها بالعقل كما أثبت أبو أسحق الإسفراييني صفة اليد بالعقل وكما يثبت كثير من المحققبن صفة الحب والبغض والرضى والغضب بالعقل.

стр. 1183

القول الثاني: قول من ينفي هذه الصفات كما ذكره الشهرستاني وغيره، وهو أضعف الأقوال، فإن عندته أنه لو كان لله صفة غير لوجب أن ينصب عليها دليلاً نعلمه ولم ينصب فلا صفة له وكلتا المقدمتين باطلة فإن دعوى المدعي أنه لا بد أن ينصب الله تعالى على كل صفة من صفاته دليلاً باطل، ودعواه أنه لم ينصب دليلاً إلا نعلمه هو أيضاً باطل كما قد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع فإن هذه القاعدة إنما هي معدة لجمل المقاصد. والثالث قول الوافقة الذين يجوزون إثبات صفات زائدة لكن يقولون لم يقم عندنا دليل على نفي ذلك ولا إثباته وهذه طريقة محققي من لم يثبت الصفات الخبرية وهذا أختيار الرازي والأمدي وغيرهما. وأئمة أهل السنة والحديث من اصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم يثبتون الصفات الخبرية لكن منهم من يقول لا نثبت إلا ما في القرآن والسنة المتواترة وما لم يقم دليل قاطع على إثباته نفيناه كما يقوله ابن عقيل وغيره أحياناً ومنهم من يقول بل نثبتها بأخبار الآحاد المتلقاة بالقبول ومنهم من يقول نثبتها بالأخبار الصحيحة مطلقاً ومنهم من يقول يعطى كل دليل حقه فما كان قاطعاً في الإثبات قطعنا بموجبه وما كان راجحاً لا قاطعاً قلنا بموجبه فلا

стр. 1184

نقطع في النفي والإثبات إلا بدليل يوجب القطع وإذا قام دليل يرجح لأحد الجانبين بينا رجحان أحد الجانبين وهذا أصح الطرق. وكثير من الناس قد يظن صحة أحاديث فإما أن يتأولها أو يقول هي مثل غيرها من الأخبار وتكون باطلة عند أئمة الحديث. ومن الأخبار ما يكون ظاهرة يبين المراد به لا يحتاج إلى دليل يصرفه عن ظاهرة ولكن يظن قوم أنه مما يفتقر إلى تأويل كقوله الحجر السود يمين الله في الأرض فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه. فهذا الخبر لو صح عن النبي ﷺ لم يكن ظاهرة ان الحجر صفة لله بل صريح في أنه ليس صفة لله لقوله يمين الله في الأرض فقيده في الأرض ولقوله فمن صافحه فكأنما صافح الله والمشبه ليس هو المشبه به وإذا كان صريحاً في أنه ليس صفة لله لم يحتج إلى تأويل يخالف ظاهرة ونظائر هذا كثيرة مما يكون في الاية

стр. 1185

والحديث ما يبين أنه لم يرد به المعنى الباطل فلا يحتاج نفي ذلك إلى دليل منفصل ولا تأويل يخرج اللفظ عن موجبه ومقتضاه. وإذا كان كذلك فالمعارضة بالصفات ثابتة على كل قول من الأقوال الثلاثة إذ لا بد فيها من اختصاص فإن كان كل مختص يفتقر إلى مخصص مباين لزم افتقار صفات الله تعالى إلى مباين له. ثم رأيت أبا الحسن الآمدي قد ذكر هذا الدليل الذي ذكره الشهرستاني وبين ضعفه في كتابه المسمى بغاية المرام في علم الكلام فقال في مسألة نفي العلو وتوابع ذلك وقد سلك بعض الأصحاب في الرد على هؤلاء طريقاً شاملاً فقال لو كان الباري مقدراً بقدر متصوراً بصورة متناهياً بحد ونهاية مختصاً بجهة متغيراً بصفة حادثة في ذاته لكان محدثاً إذ العقل الصريح يقضي بأن المقادير في تجويز العقل متساوية فما من مقدار وشكل يقدر في العقل إلا ويجوز أن يكون مخصوصاً بغيره فاختصاصه بما اختص به من مقدار أو شكل أو غيره يستدعي مخصصا ولو استدعى مخصصاً لكان الباري محدثاً. قال الآمدي لكن هذا المسلك مما لا يقوى وذلك

стр. 1186

انه سلم ما يفرض من المقادير والجهات وغيرها ممكنة في أنفسها وأن ما وقع منها لا بد له من مخصص لكن إنما يلزم أن يكون الباري حادثاً ان لو كان المخصص خارجاً عن ذاته ونفسه. ولعل صاحب هذا القول لا يقول به، وعند ذلك فلا يلزم أن يكون الباري تعالى حادثاً ولا محوجا إلى غيره أصلاً فإن قيل: إن ما اقتضاه بذاته ليس هو أولى من غيره لتساوي الجميع بالنسبة إليه في جهة الاقتضاء فهو نحو الخلاف ولعل الخصم قد لا يسلم تساوي النسبة في جهة الاقتضاء إلا ان يقدر أنه لا اختلاف بين هذه الممكنات ولا محالة أن بيان ذلك متعذر جداً كيف وأنه يحتمل أن ينتهج الخصم في تخصيص هذه الصفات الثابتة للذات منهج أهل الحق في تخصيص سائر الممكنات وبه درء الإلزام. ثم استدل على هذه المسألة بما هو أضعف من هذا وهو أن البناء على ذلك مستلزم لكونه جوهراً والجواهر متماثلة وقد عرف ما في هذين الأصلين من المنازعات اللفظية والمعنوية في غير هذا الموضع

стр. 1187

والآمدي نفسه قد بين بطلان قول من جعل الجواهر متماثلة. ومما ينبغي أن يعرف في مثل هذه المسائل المنازعات اللفظية فإن القائل إذا قال التخصيص يفتقر إلى مخصص والتقدير إلى مقدر كان بمنزلة من يقول: التحريك يفتقر إلى محرك وأمثال ذلك وهذا لا ريب فيه فإن التخصيص مصدر خصص يخصص تخصيصاً وكذلك التقدير والتكلم ونحو ذلك ومصدر الفعل المتعدي لا بد له من فاعل يتعدى فعله فإذا قدر مصدر متعد بلا فاعل يتعدي فعله كان متناقضاً بخلاف ما إذاقيل: الاختصاص يفتقر إلى مخصص والمقدار إلى مقدر ونحو ذلك فإن هذا ليس في الكلام ما يدل عليه لأن المذكور إما مصدر فعل لازم كالاختصاص ونحوه، أو اسم ليس بمصدر كالمقدار وكل من هذين ليس في الكلام ما يوجب افتقاره إلى فاعل يتعداه فعله. فإذا قيل الموصوف الذي له صفة وقدر قد اختص بصفة وقدر فلا بد له من مخصص لم يكن في هذا الكلام ما يدل على افتقاره إلى مخصص مباين له يخصصه بذلك بخلاف ما إذا قيل إذا خص بصفة أو قدر فلا بد له من مخصص فإن هذا كلام صحيح. والناطقون من أهل النظر وغيرهم إذا قصدوا المعاني فقد لا يراعون مثل هذا، بل يطلقون اسم المفعول على ما لم يعلم أن له فاعلاً فيقول أحدهم هذا مخصوص بهذه الصفة والقدر والمخصوص لا بد له من مخصص فإذا أخذ المخصوص على أنه اسم مفعول فمعلوم أنه

стр. 1188

لا بد له من فاعل يتعدى فعله وإذا أخذ على أن المقصود اختصاصه بذلك الوصف مان هذا مما يفتقر إلى دليل وهذا مثل الموجود فإنه لا يقصد به أن غيره أوجده بل يقصد به المحقق الذي هو بحيث يوجد، فكثير من الأفعال التي بنيت للمعفول واسم المفعول التابع لها قد كثر ف يالاستعمال حتى بقي لا يقصد به قصد فعل حادث له فاعل أصلاً بل يقصد إثبات ذلك الوصف من حيث الجملة. وكثير من ألفاظ النظار من هذا الباب كلفظ الموجود والمخصوص والمؤلف والمركب والمحقق فإذا قالوا: إن الرب تعالى المخصوص بخصائص لا يشركه فيها غيره أو هو موجود، لم يريدوا أن أحداً غيره خصه بتلك الخصائص ولا أن غيره جعله موجوداً. وبسبب ذلك تجد جماعات غلطوا في هذا الموضع في مثل هذه المسألة إذا قيل الباري تعالى مخصوص بكذا وكذا او مختص بكذا وكذا قالوا فالمخصوص لا بد له ممن خصه بذلك والمخصص لا بد له من مخصص خصصه بذلك. والناس قد يبحثون عن اختصاص الشيء بأمور قبل بحثهم هل هي من نفسه او من غيره ويعلمون ويقولون إنه مخصوص بذلك وقد خص بهذا واختص به ونحو ذلك.

стр. 1189

ونظير ذلك ما ذكره أبو حامد في تهافت الفلاسفة لما رد عليهم مذهبهم ف ينفي الصفات وبين أنه لا دليل هم على نفيها وتكلم في ذلك بكلام حسن بين فيه ما احتجوابه من الألفاظ المجملة المبهمة كلفظ التركيب فإنهم جعلوا إثبات الصفات تركيباً وقالوا متى أثبتنا معنى يزيد على مطلق الوجود كان تركيباً وادخلوا في مسمى التركيب خمسة أنواع. أحدها: أنه ليس له حقيقة إلا الوجود المطلق لئلا يكون مركباً من وجود وماهية. والثاني: ليس له صفة لئلا يكون مركباً من ذات وصفات. والثالث: ليس له وصف مختص ومشترك لئلا يكون مركباً مما به الاشتراك وما به الامتياز لتركب النوع من الجنس والفصل أو من الخاصة والعرض العام. الرابع: أنه ليس فوق العالم لئلا يكون مركباً من الجواهر المفردة وكذلك لا يكون مركباً من المادة والصورة فلا يكون مركباً تركيباً حسياً كتركيب الجسم من الجواهر المنفردة ولا عقلياً كتركبه من المادة والصورة. وهذان نوعان بهما يصير خمسة وهذه الطريقة هي طريقة

стр. 1190

ابن سينا فإنه زعم أن نفس الوجود إذا كان يستلزم وجوداً واجباً فالوجود الواجب له هذه الخصائص النافية لهذه الصفات ويقول ليس له أجزاء حد ولا أجزاء كم وهذا مراده. كلام الغزالي في تهافت الفلاسفة وأما قدماء الفلاسفة فلم يكونوا يثبتون واجب الوجود بهذه الطريقة، بل بطريقة الحركة فلما جاء ابن رشد الحفيد يعترض على أبي حامد فيما ذكره لم يمكنه الانتصار لابن سينا بل بين أن هذه الطريقة التي سلكها ضعيفة كما ذكر أبو حامد واحتج هو بطريقة أخرى ظن أنها قوية وهي أضعف من طريقة ابن سينا فإن أبا حامد لما ذكر القول المضاف إلى الفلاسفة كابن سينا وأمثاله، وذكر أنهم ينفون تلك الأنواع الخمسة، قال ومع هذا فإنهم يقولون للباري تعالى غنه مبدأ وأول وموجود وجوهر واحد، وقديم وباق وعالم وعاقل وعقل ومعقول وفاعل وخالق ومريد وقادر وحي وعاشق ومعشوق ولذيذ وملتذ وجواد وخير محض وزعموا ان كل ذلك عبارة عن معنى واحد لا كثرة فيه.

стр. 1191

قال وهذا من العجائب وهم يقولون ذات المبدأ الأول واحد وإنما تكثر الأسماء بإضافة إلى شيء أو إضافة شيء إليه أو سلب شيء عنه والسلب والإضافة لا يوجب كثرة في ذات المسلوب عنه ولكن الشان في رد هذه كلها إلى السلوب والإضافات وذكر تمام قولهم. قال أبو حامد فيقال لهم بم عرفتم استحالة الكثرة من هذا الوجه وانتم مخالفون من جميع المسلمين سوى المعتزلة فما البرهان عليه؟ فإن القائل الكثرة محال في واجب الوجود مع كون الصفات الموصوفة واحدة يرجع إلى أنه يستحيل كثرة الصفات فيه وفيه النزاع وليس

стр. 1192

استحالة معلوماً بالضرورة. ولهم مسلكان أحدهما أن كل واحد من الصفة والموصوف: إن كان مستغنياً عن الآخر فهما واجبا الوجود وإن كان مفتقراً إليه فلا يكون واحد منهما واجب الوجود، وإن احتاج أحدهما إلى الآخر فهو معلول والآخر هو الواجب، وأيهما كان معلولا افتقر إلى سبب فيؤدي إلى أن ترتبط ذات واجب الوجود بسبب. قال أبو حامد: المختار من هذه الأقسام هو الأخير ولكن إبطالكم القسم الأول لا دليل لكم عليه فإن برهانكم عليه إنما يتم بنفي الكثرة من هذه المسألة فكيف تنبني هذه المسألة على تلك؟ تعليق ابن تيمية قلت الجواب عن هذه الحجة يمكن بوجوه: الوجه الأول أن يقال: قولكم: إما أن يقال: قولكم: إما أن يكون أحدهما محتاجاً إلى الآخر، وإما أن يكون مستغنياً عنه: تريدون بالاحتياج حاجة المفعول إلى فاعله أو مطلق التلازم وهو كون أحدهما لا يوجد إلا بالآخر أم قسم ثالث؟

стр. 1193

فإن أردتم الأول، لم يكن أحدهما محتاجاً إلى الآخر بل غنياً عن كونه فاعلاً له ولا يلزم أن يكونا واجبي الوجود بمعنى أن كلا منهما هو الواجب بنفسه المبدع للممكنات. وإن قيل: إن كلا منهما واجب الوجود بمعنى أنه لا مبدع له. قيل: نعم، ولا نسلم امتناع تعدد مسمى واجب الوجود بهذا التفسير، وإنما يمتنع تعدده بالتفسير الأول فإن الأدلة قامت على أن خالق الممكنات رب واحد لم تقم على نفي صفاته، بل كل من صفاته اللازمة له قديم أزلي، ممتنع عدمه، ليس له فاعل، فإذا عبر عن هذا المعنى بأنه واجب الوجود فهو حق، وإن عني بواجب الوجود ما ليس ملازماً لغيره فليست الذات وحدها واجبة الوجود ولا الصفات بل الواجب الوجود هو الذات المتصفة بصفاتها اللازمة لها، لا سيما وهم يقولون إنها مستلزمة للمعلول، فامتناع ذلك على أصلهم أبلغ، وقد عرف أن كلا من الصفات الذاتية ملازمة للأخرى والصفات ملازمة للذات وليس كل منهما مبدعاً للآخر. وإن قلتم: كل منهما محتاج إلى الآخر بمعنى انه ملازم له لم يلزم من كونه ملازماً أن يكون معلولاً. الوجه الثاني وهذا الجواب الثاني وهو أن يقال: ما تعني بواجب الوجود؟

стр. 1194

أتعني به مالا فاعل له، أو تعني به القائم بنفسه الذي لا فاعل له؟ فإن عنيت الأول لم يمتنع أن يكون كل الصفات والذات واجب الوجود بهذا التفسير ولم يدل على امتنع تعدد الواجب بهذا التفسير دليل، كما لم يدل على امتناع تعدد القديم بهذا التفسير دليل، وإنما دل الدليل على أنه لا إله إلا الله وأن الله رب العالمين واحد لا شريك له، وهو التوحيد الذي دل عليه الشرع والعقل. فأما نفي الصفات وتسمية ذلك توحيداً فهو مخالف للشرع والعقل. وإن أراد بواجب الوجود: القائم بنفسه الذي لا فاعل له كانت الذات واجبة الوجود، وهي بالصفة واجبة الوجود ولم تكن الصفة وحدها واجبة الوجود. وإن أريد بحاجة كل من الصفة والموصوف إلى الآخر التلازم، أختير إثبات ذلك، ولم يلزم من ذلك كون أحدهما معلول الآخر، فإن المتضايفين متلازمين وليس أحدهما معلول الآخر وإن أريد بذلك كون أحدهما فاعلاً اختير نفي الحاجة بهذا التفسير وهو القسم الأول، وهو انه ليس أحدهما محتاجاً إلى الآخر.

стр. 1195

وإن أريد أن أحدهما محل للآخر، أختير جواب الغزالي وهو ان الصفة محتاجة إلى الذات من غير عكس. وعلى هذا فقول القائل: إن أحدهما معلول للآخر إن أراد به أحدهما فاعل للآخر فهو باطل فإنه لا يجب من قيام الصفة بالموصوف أن يكون الموصوف فاعلاً للصفة بل الأمر بالعكس فإن المفعول يمتنع ان يكون من باب الصفات اللازمة للموصوف. وإن أريد بذلك أن يكون أحدهما قابلاً للآخر، فلا امتناع في ذلك وإن قيل بل إن المحل علة للحال. واعلم أن هذه الحجة وأمثالها غنما نشأت الشبهة فيها من جهة أن ألفاظها مجملة فلفظ العلة يراد به العلة الفاعلة والعلة القابلة، ولفظ الحاجة إلى الغير يراد به الملازم للغير ويراد به حاجة المشروط إلى شرطه ويراد به حاجة المفعول إلى فاعله. وإذا عرف هذا فالصفات اللازمة مع الذات متلازمة وليس أحدهما فاعلا للآخر بل الذات محل للصفات وليس الواحد منهما علة فاعلة بل الموصوف قابل للصفات وهذا لا امتناع فيه بل هو الذي يدل عليه صريح المعقول وصحيح المنقول. لكن الغزالي لم يجب إلا بجواب واحد، ومضمون كلامهم أنهم في جميع كلامهم في نفي الصفات ينتهي أمرهم إلى أن هذا
следующие страницы →