← Акыда

Акыда · id 21506

درء تعارض العقل والنقل

ابن تيمية

Полный текст (4 031 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

قال وهذا من العجائب وهم يقولون ذات المبدأ الأول واحد وإنما تكثر الأسماء بإضافة إلى شيء أو إضافة شيء إليه أو سلب شيء عنه والسلب والإضافة لا يوجب كثرة في ذات المسلوب عنه ولكن الشان في رد هذه كلها إلى السلوب والإضافات وذكر تمام قولهم. قال أبو حامد فيقال لهم بم عرفتم استحالة الكثرة من هذا الوجه وانتم مخالفون من جميع المسلمين سوى المعتزلة فما البرهان عليه؟ فإن القائل الكثرة محال في واجب الوجود مع كون الصفات الموصوفة واحدة يرجع إلى أنه يستحيل كثرة الصفات فيه وفيه النزاع وليس

стр. 1192

استحالة معلوماً بالضرورة. ولهم مسلكان أحدهما أن كل واحد من الصفة والموصوف: إن كان مستغنياً عن الآخر فهما واجبا الوجود وإن كان مفتقراً إليه فلا يكون واحد منهما واجب الوجود، وإن احتاج أحدهما إلى الآخر فهو معلول والآخر هو الواجب، وأيهما كان معلولا افتقر إلى سبب فيؤدي إلى أن ترتبط ذات واجب الوجود بسبب. قال أبو حامد: المختار من هذه الأقسام هو الأخير ولكن إبطالكم القسم الأول لا دليل لكم عليه فإن برهانكم عليه إنما يتم بنفي الكثرة من هذه المسألة فكيف تنبني هذه المسألة على تلك؟ تعليق ابن تيمية قلت الجواب عن هذه الحجة يمكن بوجوه: الوجه الأول أن يقال: قولكم: إما أن يقال: قولكم: إما أن يكون أحدهما محتاجاً إلى الآخر، وإما أن يكون مستغنياً عنه: تريدون بالاحتياج حاجة المفعول إلى فاعله أو مطلق التلازم وهو كون أحدهما لا يوجد إلا بالآخر أم قسم ثالث؟

стр. 1193

فإن أردتم الأول، لم يكن أحدهما محتاجاً إلى الآخر بل غنياً عن كونه فاعلاً له ولا يلزم أن يكونا واجبي الوجود بمعنى أن كلا منهما هو الواجب بنفسه المبدع للممكنات. وإن قيل: إن كلا منهما واجب الوجود بمعنى أنه لا مبدع له. قيل: نعم، ولا نسلم امتناع تعدد مسمى واجب الوجود بهذا التفسير، وإنما يمتنع تعدده بالتفسير الأول فإن الأدلة قامت على أن خالق الممكنات رب واحد لم تقم على نفي صفاته، بل كل من صفاته اللازمة له قديم أزلي، ممتنع عدمه، ليس له فاعل، فإذا عبر عن هذا المعنى بأنه واجب الوجود فهو حق، وإن عني بواجب الوجود ما ليس ملازماً لغيره فليست الذات وحدها واجبة الوجود ولا الصفات بل الواجب الوجود هو الذات المتصفة بصفاتها اللازمة لها، لا سيما وهم يقولون إنها مستلزمة للمعلول، فامتناع ذلك على أصلهم أبلغ، وقد عرف أن كلا من الصفات الذاتية ملازمة للأخرى والصفات ملازمة للذات وليس كل منهما مبدعاً للآخر. وإن قلتم: كل منهما محتاج إلى الآخر بمعنى انه ملازم له لم يلزم من كونه ملازماً أن يكون معلولاً. الوجه الثاني وهذا الجواب الثاني وهو أن يقال: ما تعني بواجب الوجود؟

стр. 1194

أتعني به مالا فاعل له، أو تعني به القائم بنفسه الذي لا فاعل له؟ فإن عنيت الأول لم يمتنع أن يكون كل الصفات والذات واجب الوجود بهذا التفسير ولم يدل على امتنع تعدد الواجب بهذا التفسير دليل، كما لم يدل على امتناع تعدد القديم بهذا التفسير دليل، وإنما دل الدليل على أنه لا إله إلا الله وأن الله رب العالمين واحد لا شريك له، وهو التوحيد الذي دل عليه الشرع والعقل. فأما نفي الصفات وتسمية ذلك توحيداً فهو مخالف للشرع والعقل. وإن أراد بواجب الوجود: القائم بنفسه الذي لا فاعل له كانت الذات واجبة الوجود، وهي بالصفة واجبة الوجود ولم تكن الصفة وحدها واجبة الوجود. وإن أريد بحاجة كل من الصفة والموصوف إلى الآخر التلازم، أختير إثبات ذلك، ولم يلزم من ذلك كون أحدهما معلول الآخر، فإن المتضايفين متلازمين وليس أحدهما معلول الآخر وإن أريد بذلك كون أحدهما فاعلاً اختير نفي الحاجة بهذا التفسير وهو القسم الأول، وهو انه ليس أحدهما محتاجاً إلى الآخر.

стр. 1195

وإن أريد أن أحدهما محل للآخر، أختير جواب الغزالي وهو ان الصفة محتاجة إلى الذات من غير عكس. وعلى هذا فقول القائل: إن أحدهما معلول للآخر إن أراد به أحدهما فاعل للآخر فهو باطل فإنه لا يجب من قيام الصفة بالموصوف أن يكون الموصوف فاعلاً للصفة بل الأمر بالعكس فإن المفعول يمتنع ان يكون من باب الصفات اللازمة للموصوف. وإن أريد بذلك أن يكون أحدهما قابلاً للآخر، فلا امتناع في ذلك وإن قيل بل إن المحل علة للحال. واعلم أن هذه الحجة وأمثالها غنما نشأت الشبهة فيها من جهة أن ألفاظها مجملة فلفظ العلة يراد به العلة الفاعلة والعلة القابلة، ولفظ الحاجة إلى الغير يراد به الملازم للغير ويراد به حاجة المشروط إلى شرطه ويراد به حاجة المفعول إلى فاعله. وإذا عرف هذا فالصفات اللازمة مع الذات متلازمة وليس أحدهما فاعلا للآخر بل الذات محل للصفات وليس الواحد منهما علة فاعلة بل الموصوف قابل للصفات وهذا لا امتناع فيه بل هو الذي يدل عليه صريح المعقول وصحيح المنقول. لكن الغزالي لم يجب إلا بجواب واحد، ومضمون كلامهم أنهم في جميع كلامهم في نفي الصفات ينتهي أمرهم إلى أن هذا

стр. 1196

تركيب والمركب مفتقر إلى جزئه والمفتقر إلى غيره لا يكون واجباً بنفسه لأنه محتاج. كلام الغزالي في مسألة صفات الله فقال لهم أبو حامد: نحن نختار أن يقال: الذات في قوامها غير محتاجة إلى الصفات والصفات محتاجة إلى الموصوف كما في حقنا فبقي قولكم إن المحتاج إلى غيره لا يكون واجب الوجود فيقال إن أردتم بواجب الوجود أنه ليس له علة فاعلية فلم قلتم ذلك؟ ولم استحال أن يقال كما أن ذات واجب الوجود قديم لا فاعل له فكذلك صفته قديمة معه ولا فاعل لها وإن أردتم بواجب الوجود أن لا يكون له علة قابلية فهو ليس بواجب الوجود على هذا التأويل ولكنه قديم مع هذا ولا فاعل له فما المحيل لذلك فإن قيل: واجب الوجود المطلق هو الذي ليس له علة فاعلية ولا قابلية فإذا سلم أن له علة قابلية فقد سلم كونه معلولاً، قلنا تسمية الذات القابلة علة قابلية من

стр. 1197

اصطلاحكم والدليل لم يدل على ثبوت واجب الوجود بحكم اصطلاحكم، إنما دل على إثبات طرف ينقطع به تسلسل العلل والمعلولات ولم يدل على هذا القدر. وقطع التسلسل يمكن بواحد له صفات قديمة لا فاعل لها كما أنه لا فاعل لذاته ولكنها تكون متقررة في ذاته. تعليق ابن رشد على الغزالي قال ابن رشد يرد أنه إذا وضع لهم هذا القسم من الأقسام التي استعملوا في إبطال الكثرة آل الأمر معهم إلى أن يثبتوا أن واجب الوجود ليس يمكن أن يكون مركباً من صفة وموصوف ولا أن تكون ذاته ذات صفات كثيرة وهذا شيء ليس يقدرون عليه بحسب أصولهم. ثم أخذ يبين أن المحال الذي راموا أن يلزموه على تقدير هذا القسم، ليس بلازم قال: فيقال لهم: إن أردتم بواجب الوجود أنه ليس له فاعلة فاعلية فلم قلتم ذلك أي فلم قلتم بامتناع كونه موصفاً بالصفات ولم استحال

стр. 1198

أن يقال: كما أن ذات واجب الوجود قديم لا فاعل له فكذلك صفاته قديمة لا فاعل لها. قال ابن رشد وهذا كله معاندة لمن سلك في نفي الصفات طريقة ابن سينا في إثبات واجب الوجود بذاته وذلك أنهم يفهمون في الممكن الوجود الممكن الحقيقي ويرون أن كل ما دون المبدأ الأول هو بهذه الصفة وخصومهم من الأشعرية يسلمون هذا، ويرون أن كل ممكن فله فاعل وأن التسلسل ينقطع بالانتهاء إلى ما ليس ممكناً في نفسه فإذا سلم لهم هذه ظن بها أنه يلزم عنها أن يكون الأول الذي انقطع عنده الإمكان ليس ممكناً فوجب أن يكون بسيطاً غير مركب لكن للأشعرية أن يقولوا: أن الذي ينتفي عنه الإمكان الحقيقي ليس يلزم أن يكون بسيطاً وإنما يلزم أن يكون قديماً فقط لا علة فاعلية له فلذلك ليس عند هؤلاء برهان على أن الأول بسيط من طريقة واجب الوجود.

стр. 1199

كلام آخر للغزالي في مسألة التركيب قال أبو حامد فإن قيل فإذا أثبتم ذاتاً وصفة وحلولاً للصفة بالذات فهو مركب وكل تركيب يحتاج إلى مركب ولذلك لم يجز أن يكون الأول جسماً لأنه مركب قلنا قول القائل كل مركب يحتاج إلى مركب كقوله كل موجود يحتاج إلى موجد، فيقال له: الأول قديم موجود لا علة له ولا موجد. فكذلك يقال: موصوف قديم ولا علة لذاته ولا لصفته ولا لقيام صفاته بذاته بل الكل قديم بلا علة وأما الجسم فإنما لم يجز أن يكون هو الأول لأنه حادث من حيث إنه لا يخلو عن الحوادث ومن لم يثبت له حدوث الجسم يلزمه أن تكون العلة الأولى جسماً كما سنلزمه عليكم فيما بعد. تعليق ابن رشد على كلام الغزالي قال ابن رشد معترضاً على أبي حامد التركيب ليس هو

стр. 1200

مثل الوجود لأن التركيب هو مثل التحريك، أعني صفة انفعالية زائدة على ذات الأشياء التي قبلت التركيب والوجود هو صفة هذه الذات بعينها وأيضاً المركب ليس ينقسم إلى مركب من ذاته ومركب من غيره فيلزم أن ينتهي الأمر إلى مركب قديم كما ينتهي الأمر في الموجودات إلى موجود قديم. وأيضاً فإذا كان الأمر كما قلنا من أن التركيب أمر زائد على الوجود، فلقائل أن يقول إن كان يوجد مركب من ذاته فسيوجد متحرك من ذاته وإن وجد متحرك من ذاته فسيوجد المعدوم من ذاته لأن وجود المعدوم هو خروج ما بالقوة إلى الفعل وكذلك الأمر في الحركة والمتحرك. قال والفصل في هذه المسألة أن المركب لا يخلو من أن يكون كل واحد من جزأيه أو أجزائه التي تركب منها شرطا في وجود صاحبه بجهتين مختلفتين أو لا يكون شرطاً أو يكون أحدهما

стр. 1201

شرطا في وجود الثاني والثاني ليس شرطاً في وجود الأول. فأما الأول فلا يمكن أن يكون قديماً لأن التركيب نفسه شرط في وجود الأجزاء فلا يمكن أن تكون الأجزاء علة التركيب ولا التركيب علة نفسه، إلا لو كان الشيء علة نفسه وأما الثاني إذا لم يكن واحد منهما شرطاً في وجود صاحبه فإن امثال هذه إذا لم يكن في طباع أحدهما أن يلازم الآخر فإنها ليست تتركب إلا بمركب خارج عنها وإن كان أحدهما شرطا في وجود الآخر من غير عكس كالحال في الصفة والموصوف الغير جوهرية فإن كان الموصوف قديماً ومن شانه أن لا تفارقه الصفة فالمركب قديم وإذا كان هذا هكذا فليس يصح إن جوز مجوز وجود مركب قديم أن يبين على طريق الشعرية أن كل جسم محدث لأنه إن وجد مركب

стр. 1202

قديم وجدت أعراض قديمة أحدها التركيب لأنه أصل ما يبنون عليه وجوب حدوث الأعراض أنه لا تكون الأجزاء التي تركب منها الجسم إلا بعد الأفتراق. فإذا جوزوا مركباً قديما أمكن أن يوجد اجتماع لم يتقدمه افتراق وحركة لم يتقدمها سكون وإذا جاز هذا أمكن أن يوجد جسم ذو أعراض قديمة ولم يصح لهم أن مالا يخلو عن الحوادث حادث. تعليق ابن تيمية على كلام الغزالي وابن رشد قلت ما ذكره أبو حامد مستقيم مبطل لقول الفلاسفة وما ذكره ابن رشد إنما نشأ من جهة ما في اللفظ من الإجمال والاشتراك وكلامه في ذلك أكثر مغلطة من كلام ابن سينا الذي أقر بفساده وضعفه. وذلك أن هؤلاء قالوا لأبي حامد والمثبتين إذا أثبتم ذاتاً وصفة وحلولاً للصفة بالذات فهو مركب وكل مركب يحتاج إلى مركب. قال لهم قول القائل كل مركب يحتاج إلى مركب كقول القائل: كل موجود يحتاج إلى موجد. ومقصوده بذلك أن هذا المعنى الذي سميتموه تركيباً ليس معنى كونه مركباً إلا كون الذات موصوفة بصفات قائمة بها، ليس معناه أنه كان هناك شيء متفرق فركبه مركب بل ولا هناك شيء يقبل التفريق فإن الكلام إنما هو في إثبات صفات واجب الوجود اللازمة

стр. 1203

الوجود بنفسه لم يكن أن تفارقه ولا أن توجد دونه ولا يوجد إلا بها فليس هناك شيئان كانا مفترقين فركبهما فركب. ولفظ المركب في الأصل اسم مفعول لقول القائل ركبته فهو مركب كما تقول فرقته فهو مفرق وجمعته فهو مجمع وألفته فهو مؤلف وحركته فهو محرك. قال الله تعالى ﴿في أي صورة ما شاء ركبك﴾ الانفطار ٨ يقال ركبت الباب في موضعه. هذا هو المركب في اللغة لكن صار في اصطلاح المتكلمين والفلاسفة يقع على عدة معان غير ما كان مفترقاً فاجتمع كما يقول أحدهم الجسم إما بسيط وإما مركب يعنون بالبسيط الذي تشتبه أجزاؤه كالماء والهواء. وبالمركب ما اختلفت كالإنسان وقد يقولون كل جسم مركب من أجزائه لأن هذا الجزء غير هذا الجزء وإن كانوا يعتقدون أنه لم يتفرق قط، وأنه لم يزل كذلك، ويتنازعون هل الجسم مركب من الواهر المنفردة أو من الهيولى والصورة أم ليس مركباً من واحد منهماً؟ مع اتفاقهم على أنه من الأجسام ما لم

стр. 1204

تكن أجزاؤه مفترقة فتركبت وقد يعنون بالمركب المركب من الصفات كما يقولون الإنسان مركب من الجنس والفصل وهو الحيوان الناطق وهاتان الصفتان لم تفارق إحداهما الأخرى ولا يمكن وجود الناطق إلا مع الحيوان ولا يمكن وجود حيوان إلا مع ناطق أو ما يقوم مقامه كالصاهل ونحوه. فأبو حامد وأمثاله خاطبوا هؤلاء بلغتهم في أن الموصوف بصفة لازمة له يسمى مركباً وقالوا لهم قلتم إن مثل هذا المعنى الذي سميتموه تركيباً يمتنع في الواجب الوجود فقولهم إن كل مركب مفتقر إلى مركب مغلطة نشأت من الإجمال في لفظ مركب فإنهم لم يسلموا لهم أن هناك تركيباً هو فعل مركب حتى يقال إن المركب يفتقر إلى مركب بل هناك ذات موصوفة بصفات لازمة له فإذا قال القائل كل موصوف بصفات لازمة له يفتقر إلى مركب ومؤلف يجمع بين الذات والصفات كان قوله باطلاً فقولهم في هذا الموضع كل مركب يفتقر إلى مركب من هذا الباب. وكذلك إذا قيل كل مؤلف يفتقر إلى مؤلف كما يستعمل مثل هذا الكلام غير واحد من الناس في نفي معان سماها مسم تأيفاً وتركيباً فجعل المستدل يستدل بمجرد إطلاق اللفظ من غير نظر إلى

стр. 1205

المعنى العقلي فيقال لمن سمى مثل هذا تركيباً وتأليفاً أتعني بذلك أن هنا شيئاً فعله مركب ومؤلف أو ان هنا ذاتاً موصوفة بصفات؟ أما الأول فممنوع فإنه ليس في خلق الله من يقول إن صفات الله اللازمة له متوقفة على فاعل يؤلف ويركب بين الذات والصفات. وإن عنيت الثاني فمسلم، ولا دليل لك على أن الذات القديمة الواجبة المستلزمة للصفات تفتقر إلى من يركب صفاتها فيها فلهذا قال أبو حامد هذا كقول القائل كل موجود يفتقر إلى موجد ولو قال إلى واجد لكان أقرب إلى مطابقة اللفظ. وهذا صحيح فإن الموجود اسم مفعول من وجد يجد فهو واجد. فإذا قال القائل: كل موجود يفتقر إلى واجد أو موجد نظراً إلى اللفظ كان كقوله كل مركب يفتقر إلى مركب نظراً إلى اللفظ ولكن لفظ الموجود إنما يراد به ما كان متحققاً في نفسه لا يعني به ما وجده أو اوجده غيره، كما أنهم يعنون بالمركب هنا ما كان متصفاً بصفة قائمة به أو ما كان فيه معان متعددة وكثرة لا يعنون به ما ركبه غيره فالذي جرى لهؤلاء المغالطين في لفظ التأليف والتركيب كما جرى لأشباههم في لفظ التخصيص والتقدير فإن الباب واحد فليتفطن اللبيب لهذا فإنه يحل عنه شبهات كثيرة.

стр. 1206

وأما اعتراض ابن رشد على أبي حامد بقوله ليس المركب مثل الموجود بل مثل التحريك. فجوابه من وجوه: أحدها أن يقال ليس الكلام في الموازنات اللفظية بل في المعاني العقلية والمقصود هنا أن الذات القديمة الواجبة الموصوفة بصفات لا يجب أن يكون لها جامع منفصل جمع بين الذات والصفات كما أن الموجود المحقق لا يفتقر إلى موجود غير نفسه بل قد يكون موجوداً بنفسه لا يفتقر إلى فاعل كذلك اتصافها بالصفات لا يفتقر إلى فاعل. الثاني أن يقال وهب أن هذا مثل التحريك في اللفظ، فقولك: هي صفة انفعالية زائدة على ذات الأشياء التي قبلت التركيب إن عنيت انها زائدة على الذات والصفة وقيام الصفة بالذات فهذا باطل وإن عنيت انها هي قيام الصفة بالذات أو هي الصفة القائمة بالذات فليس في ذلك ما يوجب كونها انفعالية لها فاعل مباين للموصوف. الثالث أن التحريك إن عني به تحريك الشيء لغيره فليس هذا نظير مورد النزاع فإن أحداً لم يسلم أن في الذات القديمة الموصوفة بصفاتها اللازمة شيءً ركبه أحد وإن عني به مطلق الحركة صار معنى

стр. 1207

الكلام أن اتصاف الذات بالصفات كاتصافها بالحركات وليس في واحد منهما ما يقتضي احتياج الموصوف إلى مباين له. وأما قوله ليس ينقسم الأمر إلى مركب من ذاته ومركب من غيره حتى ينتهي الأمر إلى مركب قديم كما ينتهي الأمر في الموجودات إلى موجود قديم. فيقال له بل هؤلاء المسلمون كأبي حامد وأمثاله لما خاطبوكم باصطلاحهم وأنتم جعلتم قيام الصفة بالموصوف تركيباً فإنهم يقولون بحسب اصطلاحكم إنه ينقسم إلى مركب من ذاته ومركب من غيره. وحقيقة الأمر أن ثبوت الصفات إن سميتموه تركيباً، لم نسلم لكم عدم انقسام المركب إلى قديم واجب، ومحدث ممكن وإن لم تسموه تركيباً بطل أصل كلامكم ٠ ولكن أنتم سميتم هذا تركيباً ونفيتموه، فلهذا قلتم لا ينقسم المركب فكان كلامكم ممنوعاً بل باطلاً وأما قوله إن لقائل أن يقول إن كان يوجد مركب من ذاته فسيوجد متحرك من ذاته، وإن وجد متحرك من ذاته فسيوجد معدوم من ذاته

стр. 1208

فجوابه من وجوه أحدها منع المقدمة الأولى فما الدليل على أنه إذا وجدت ذات موصوفة بصفات لازمة له، يلزم أن توجد ذات متحركة بحركة منها، ليس معه في ذلك إلا مجرد الموازنة اللفظية الثاني أن حقيقة قوله إن افتقار التركيب إلى مركب كافتقار التحريك إلى المحرك فإن أخذ ذلك على أن له فاعلاً فلكل منهما فاعل، وإن أخذ مجرد التركيب مجرد التحرك قيل فعلى هذا يكون المعنى إذا وجد متصف بصفة بنفسه يوجد فاعل متحرك بنفسه، وإذا كان حقيقة كلامه أنه إذا كان متصفاً بالصفات من ذاته فسيوجد متصفاً بالأفعال من ذاته ٠ فيقال له إما أن تكون هذه الملازمة صحيحة وغما أن لا تكون، فإن لم تكن صحيحة فليست بحجة، وإن كانت صحيحة كانت دليلاً على ثبوت أفعال الله تعالى، وكان حقيقتها أنه يلزم من ثبوت الصفات القائمة به ثبوت الأفعال القائمة به، فأي محذور في هذا إذا كانت الملازمة صحيحة؟ الثالث قوله وإن وجد متحرك من ذاته فسيوجد المعدوم من ذاته، لأن وجود المعدوم هو خروج ما هو بالقوة إلى الفعل،

стр. 1209

وكذلك الأمر في الحركة والمتحرك وليس كذلك الوجود لأنه ليس صفة زائدة على الذات، فكل موجود لم يكن وقتاً موجوداً بالقوة ووقتاً موجوداً لنه ليس صفة زائدة على الذات، فكل موجود لم يكن وقتاً موجوداً بالقوة ووقتاً موجوداً بالفعل، فهو موجود بذاته، والمتحرك وجوده إنما هو مع القوة المحركة، فلذلك احتاج كل متحرك إلى محرك فيقال ألقني بقولك فسيوجد المعدوم من ذاته أي نفس ما كان معدوماً يوجد من الذات المعدومة، أم تعني به أن الحركة المعدومة توجد من الذات المتحركة؟ أما الأول فغير معقول، فإن المعدوم ليس له وجود أصلاً حتى يعقل أن يوجد منه ذاته أو غير ذاته، ووجوده موجود من غير موجود ممتنع بضرورة العقل، وكون المعدوم يوجد بنفسه معلوم البطلان بالبديهية وإن عنيت الثاني، فاللازم والملزوم واحد، فإن المتحرك من ذاته توجد حركته المعدومة من ذاته وقول القائل إنه إذا جاز هذا جاز وجود المعدوم من الذات المعدومة ممنوع بل باطل معلوم البطلان وقوله لأن وجود المعدوم هو خروج ما بالقوة إلى الفعل، وكذلك الأمر في الحركة والمتحرك فيقال له غاية هذا أنهما يشتركان في أمر من الأمور، فمن أين يلزم إذا اشتركا في أمر ما أن يشتركا في غيره مع ظهور الفرق فإن قوله

стр. 1210

وجود المعدوم هو خروج ما بالقوة إلى الفعل لا يجوز أن يراد به أن نفس المعدوم كان فيه قوة هي مبدأ وجوده، فإن المعدوم ليس في شيء ولا فيه شيء وإنما يقال إن ما منه وجد المعدوم كان فيه قوة وجوده، كما في النطفة قوة أن تصير علقة ٠ وفي الحبة قوة أن تصير سنبلة، وفي النواة قوة أن تصير نخلة، فالذي فيه القوة ليس هو المعدوم، واما الحركة والمتحرك فنفس المتحرك فيه قوة هي مبدأ الحركة فنظير المتحرك المحل الذي وجد فيه ما كان معدوماً من الأعراض، كما يوجد اللون في المتلونات، والطعم في المطعومات، والحياة في الأحياء، فكذلك الحركة في المتحركات، فمحل هذه الصفات والحركات كان قابلاً لها وفيه قوة القبول والاستعداد لها، وأما نفس هذه الأمور التي كانت معدومة فوجدت، فليس فيها من القوة ولا غيرها شيء فقياس القائس وجود المعدوم من ذاته بوجود الحركة من المتحرك في غاية الفساد، والعلة تكون فاعلة وتكون قابلة، فلو قال القائل الموجود أو الجسم أو القائم بنفسه أو نحو ذلك يقبل الصفات والأعراض كالحركات ونحوها، وفيه قوة لذلك، فيجب أن يكون المعدوم فيه قبول لقيام الصفات والحركات به لكان قوله في غاية

стр. 1211

الفساد، فكيف إذا قال إذا كان المتحرك فاعلاً بنفسه لحركته، وجب أن يكون المعدوم فاعلاً لذاته، بل يقال الفاعل يمكن أن يفعل غيره وأما فعله لنفسه فممتنع فلو قال إذا كان المتحرك يفعل حركة وجب أن يفعل المعدوم حركة لكان باطلاً، فكيف إذا قال وجب أن يفعل نفسه وقوله فكل موجود لم يكن وقتاً موجوداً بالقوة ووقتاً بالفعل فهو موجود بذاته، والمتحرك وجوده إنما هو مع القوة المحركة، فلهذا احتاج كل متحرك إلى محرك فيقال له هب أنه سلم لك أن المتحرك وجوده مع القوة المحركة فلم قلت إن الحركة تحتاج إلى محرك منفصل عنه؟ ثم يقال لك هل يجوز أن يتحرك المتحرك بنفسه بعد أن لم يكن متحركاً أم لا؟ فإن أجزت هذا بطل قولك، وجاز وجود المتحرك بنفسه قبل الحركة، وقبل القوة المحركة، وإن قلت لا يجوز قيل فحركته حينئذ اما أن تكون من نفسه وإما من غيره، فإن كانت من نفسه كانت الحركة من نفس المتحرك وبطل قولك، وإن كانت من غيره وكان ذلك الغير متحركاً فالقول

стр. 1212

فيه كالقول في الأول، وإن كان غير متحرك لزم وجود حركات متوالية عن غير متحرك، وهذا قولهم، وهو باطل وذلك أن أجزاء الحركات متعاقبة شيئاً بعد شيء فالمقتضى لكل من تلك الأجزاء يمتنع ان يكون موجباً تاماً في الأزل، لأنه لو كان كذلك للزم أن يقارنه موجبه، فإن العلة التامة لا يتأخر عنها معلولها ٠ وحينئذ يلزم كون المحدث قديماً وهو ممتنع، أو يقال إن كانت العلة التامة تستلزم مقارنة معلولها لزم ذلك، وإن لم تستلزم ذلك جاز حدوث الحركات المتأخرة عن موجب قديم، فيجوز أن يتحرك الشيء بعد ان لم يكن متحركاً بدون سبب حادث، وهذا يبطل قولكم، وإذا لم يكن الموجب التام لها ثابتاً في الأزل لزم ان يكون حادثاً، والقول في حدوثه كالقول في حدوث غيره، فيمتنع أن يحدث هو او غيره عن علة تامة قديمة، فإذا لم يكن في الفاعل فعل حادث امتنع أن يصدر عنه شيء حادث، فامتنع صدور الحركات عن غير متحرك ومما اعترف به ابن رشد وغيره من الفلاسفة والمتكلمين وقال عن إخوانه لفلاسفة إن الذي يتمسكون به سببان: أحدهما أن فعل الفاعل يلزمه التغير وإن كل متغير فله مغير والثاني أن القديم لا يتغير بضروب من ضروب التغير وقال وهذا كله عسير البيان قلت وهذا المقام وهو حدوث الحوادث عن ذات لا

стр. 1213

يقوم بها حادث ن مما اعترف حذاقهم بصعوبته وبعده عن المعقول، كما ذكر ذلك ابن رشد والرازي وغيرهما وهؤلاء المتفلسفة يقولون إن النفس المحركة للأفلاك يحدث لها تصورات وإرادات هي مبدأ الحركة، وأن محركها العقل الذي يريد التشبه به، او واجب الوجود الذي يطلب الفلك التشبه به بإخراج ما فيه من الأيون والأوضاع، وتحريك الواجب أو العقل للفلك أو لنفس الفلك، كتحريك المحبوب للمحب والمشتهى للمشتهى، والمعشوق للعاشق، ليس من جهة المحرك فعل أصلاً، بل ذلك يحبه فيتحرك تشبهاً به وبهذا أثبت أرسطو وأتباعه العلة الأولى، وان فوق الأفلاك ما يوجب تحريك الأفلاك والكلام على هذا من وجوه ليس هذا موضع بسطها، لكن يقال كون الفلك يتحرك للتشبه بالواجب أو إخراج ما فيه الأيون والأوضاع، كلام لا دليل عليه بل الأدلة الدالة على فساده كثيرة ليس هذا موضعها

стр. 1214

فنقول: هب أن الأمر كذلك فهذا إنما فيه أنه أثبت العلة الغائية للحركة. فيقال: أين السبب الفاعل لحركة الفلك؟ فإن الحركة، وإن افتقرت إلى غاية مقصودة، فتفتقر إلى مبدأ فاعل بالضرورة فإذا قالوا نفسه تحركه قيل لهم فما الفاعل لما يحدث في النفس من أسباب الحركة، كالتصورات والإرادات؟ فإن فإن هذه كانت معدومة ثم وجدت بعد العدم، فما السبب الفاعل لهذه الحركة فإن قالوا النفس هي الفاعلة لهذه الحركة، فقد جعلوها متحركة من نفسها، وهذا خلاف ما قالوه وإن قالوا شيئاً غيرها قيل لهم الكلام فيه كالكلام في النفس، فإنه إن حدث فيه ما لم يحدث سئل عن سبب ذلك وإن قيل بل المحدث لحركة النفس على حال واحدة أزلاً وأبداً قيل لهم فقد لزمكم حدوث حادث بلا سبب، وقيل لكم ذلك المحرك للنفس، إن كان علة في الأزل وجب وجود معلوله في الأزل، فيجب وجود ما حدث للنفس من التصورات والإرادات في الأزل، وهذا جمع بين النقيضين

стр. 1215

وإن قيل بل حدث له أمر به صار فاعلاً لما يحدث في النفس سئل عن سبب حدوث ذلك وإذا قيل الحادث استعداد النفس لأن يفيض عليها من الفعل ما تتصور به وتريد قيل فذلك الاستعداد حادث، والقول في سبب حدوثه كالقول في سبب حدوث غيره، فلا بد من أحد أمرين غما حدوث الحوادث بلا سبب حادث وإما حدوث الحوادث عن متحرك، وأيهما كان بطل قولهم ٠ والأول يقولون إنه معلوم البطلان بالضرورة، فيلزمهم الثاني فقد ألزم مناظريه ما يلزمه هو أشد منه وتبين به أن قول إخوانه أشد فساداً، فإنه قال والذي لا مخلص للأشعرية منه هو إنزال فاعل أول، وإنزال فعل له أول، لأنهم لا يمكنهم أن يضعوا أن حالة الفاعل من المفعول المحدث تكون في وقت الفعل هي بعينها حالته في وقت عدم الفعل، فهنالك ولا بد حالة متجددة ونسبة

стр. 1216

لم تكن، وذلك ضرورة إما في الفاعل، أو في المفعول، او في كليهما، وإذا كان كذلك فتلك الحال المتجددة، إذا أوجبنا أن لكل حال متجددة فاعلاً، لا بد أن يكون الفاعل لها إما فاعلاً آخر، فلا يكون ذلك الفاعل هو الأول ولا يكون مكتفياً بفعله بنفسه بل بغيره ن وإما ان يكون الفاعل لتلك الحال التي هي شرط في فعله هو نفسه ن فلا يكون ذلك الفعل الذي فرض صادراً عنه اولاً، أولاً بل يكون فعله لتلك الحال التي هي شرط في المفعول قبل فعله المفعول قال وهذا لازم كما ترى ضرورة، إلا أن يجوز أن من الأحوال الحادثة في الفاعلين مالا يحتاج إلى محدث. وهذا بعيد إلا على قول من يجوز ان ههنا أشياء تحدث من تلقائها، وهو قول الأوائل من القدماء الذين أنكروا الفاعل، وهو قول بين سقوطه بنفسه. فيقال له ك أنت ألزمت مناظريك من أهل الكلام حدوث حادث بلا سبب حادث وذكرت أن هذا ممتنع بالضرورة وهذا هو المقام المعروف الذي استطالت به المتفلسفة الدهرية على مناظريهم من أهل

стр. 1217

الكلام المأخوذ في الأصل عن الجهمية والقدرية. فيقال له أنت يلزمك ما هو أشد من هذا، وهو حدوث الحوادث بلا فاعل وهو الذي ذكرت أنه ساقط بين السقوط وذلك أن الحوادث المشهودة أن قلت لا فاعل لها فقد لزمك هذا القول وإن قلت: لها فاعل قيل لك: أفعلها بعد أن لم تكن من غير حدوث شيء في ذاته ام لم يفعلها حتى حدث شيء في ذاته؟ فإن قلت بالأول قيل لك: فهي دائمة أو لها ابتداء؟ فإن قلت لها ابتداء فهذا قول منازعيك وإن قلت لا ابتداء لها فقد صارت الحوادث كلها تحدث عن فاعل من غير حدوث شيء فيه وقد قلت إنه لا يمكن أن يكن حال الفاعل في المفعول المحدث وقت الفعل هي بعينها حاله وقت عدم الفعل، فيلزمك أن لا يكون حاله عند وجود حوادث الطوفان هي حاله عند وجود الحوادث التي قبله، فإن الحوادث مختلفة فإن أمكن أن يكون حاله واحداً مع حدوث الحوادث المختلفة أمكن أن يكون حاله واحداً مع تجدد الحوادث لأن الحادث الثاني كالطوفان فيه من الأمور ما لم يكن له قبل ذلك نظير فتلك حوادث لا نظير لها ولا فرق بين إحداث هذا وإحداث غيره وإذا جعل المقتضي لذلك تغيرات تحدث في الفلك كان الكلام في حدوث تلك التغيرات العلوية كالكلام في حدوث التغيرات السفلية.

стр. 1218

وإن قلت: بل حدث أمر أوجب هذه الحوادث. قيل لك: الفاعل له: إن كان هو الأول عاد الإلزام جذعاً وإن كان غيره لزمك حدوث الحوادث بلا فاعل وإن التزمت أنه ما فعلها حتى حدث فيه شيء فقد تركت قولك. وأيضاً فالفاعل المستكمل لشروط الفعل إما أن يجوز حدوث المفعول عنه بعد أن لم يكن بلا سبب حادث وإما أن لا يجوز فغن جاز فهو قول منازعك الذي ادعيت أنه فاسد بالضرورة وإن لم يجز لزم أن يكون مفعوله مقارناً له لا يتأخر عنه منه شيء فلا يجوز أن يحدث عن الفاعل شيء كما تقوله أنت وإخوانك إنه علة تامة وموجب تام والعلة التامة لا يتأخر عنها معلولها ولا شيء من معلولها فإذا كل ما تأخر عن الأول ليس معلولاً للعلة التامة، ولا مفعولا للفاعل الأول، ولا يجوز أن يكون فعلاً لغيره إذ القول في ذلك الغير كالقول فيه فيلزم أن تكون الحوادث كلها حادثة بلا محدث. وهذا لازم لهؤلاء الفلاسفة الإلهيين كما يلزم إخوانهم الطبيعيين، وهو القول الذي هو من أظهر المعارف الضرورية فساداً وقد بسط الكلام على هذه المواضع في غير هذا الموضع وإنما كان المقصود هنا التنبيه على جنس ما يغالط به هؤلاء وأمثالهم من الألفاظ المجملة كلفظ المركب ونحوه كما يغالطون بلفظ التخصيص والمخصص وأن كلام أبي حامد وأمثاله في مناظرتهم خير من كلامهم وأقوم.

стр. 1219

وأما قول ابن رشد لا يخلو إما أن يكون كل من جزأيه شرطاً في وجود الآخر أو لا يكون أو يكون الواحد شرطاً في الآخر من غير عكس. وقوله القسم الأول لا يكون قديماً وذلك أن التركيب نفسه هو شرط في وجود الآخر فليس يمكن أن تكون الأجزاء هي علة التركيب ولا التركيب علة نفسه إلا لو كان الشيء علة نفسه. فيقال له أولاً تسمية هذا تركيباً وأجزاء ليس هو من لغات بني آدم المعروفة التي يتخاطبون بها فإنه ليس في لغة الآدميين أن الموصوف بصفات يقال إنه مركب منها وأنها أجزاء له وإذا خاطبناكم باصطلاحكم فقد علمتم انه ليس المراد بالمركب إلا اتصاف الذات بصفات لازمة لها، أو وجود معان فيها أو اجتماع معان وأمور ونحو ذلك ليس المراد أن هناك مركباً ركبه غيره حتى يقال: إن المركب نفتقر إلى مركب فإن من وافقكم على اصطلاحكم في تسمية الذات الواجبة الموصوفة بصفاتها اللازمة تركيباً لم يرد بذلك أن هناك مركباً ركبها، فغن هذا لا يقوله عاقل، ولا انتم أيضاً تدعون أن مجرد اللفظ الدال على هذا المعنى يقتضي أن يكون له فاعل ولكن تدعون

стр. 1220

ثبوت ذلك إما بطريقة ابن سينا ونحوه الذي قد تقدم إبطالها وإما بطريقة المعتزلة التي اختارها ابن رشد واعترف بفساد طريقة ابن سينا. وإذا كان المراد بلفظ التركيب ما قد عرف فمن المعلوم ان الذات الموصوفة بصفات لازمة لها، أو فيها معان لازمة لها، لا يقال فيها: إن اتصاف الذات بالصفات أمر معلوم مفتقر إلى فاعل حتى يقال إن الأجزاء هي علة التركيب أو يقال التركيب علة نفسه. بل هذا المعنى الذي سميته تركيباً هو من لوازم الواجب بنفسه، لا يمكن أن يكون الواجب إلا موصوفاً بالصفات اللازمة له ثابتة له المعاني اللازمة له وليس لذلك علة فاعلة كما تقدم. وأما قوله إن التركيب شرط في وجود الأجزاء. فيقال له لا ريب أنه لا يمكن وجود الذات إلا موصوفة بلوازمها ولا يمكن أن توجد صفاتها إلا بوجودها، فاجتماع الذات بالصفات واجتماع الأمور المتلازمة شرط في وجود كل منها وهي أيضاً شرط في وجود ذلك الاجتماع وليس شيء من ذلك معلولاً لفاعل ولا مفتقراً إلى مباين ن وتوقف أحدهما على الآخر هو من باب الدور الاقتراني المعي، لا من باب الدور السبقي القبلي والألو جائز والثاني ممتنع فغن الأمور المتلازمة لا يوجد بعضها إلا مع بعض وليس بعضها فاعلاً لبعض بل أن كانت واجبة الوجود بنفسها وإلا افتقرت كلها إلى فاعل.

стр. 1221

والذات التي لا تقبل العدم بما هي عليه من الصفات اللازمة هي الحق الواجب الوجود بنفسه، وأما مجرد وجود مطلق في الخارج وذات لا صفة لها فلذلك ممتنع لنفسه فضلاً عن أن يكون واجب الوجود. واتصاف الذات الواجبة بصفاتها اللازمة، سواء سمي تركيباً او لم يسم، لا يوجب افتقاره ولا افتقار الذات ولا شيء من صفاته إلى فاعل، ولا علة فاعلة، ولا ما يشبه ذلك وأما كون بعضها مستلزماً لبعض ومشروطاً به ولا يوجد إلا معه وثبوته متوقف عليه ونحو ذلك فليس في هذا ما يقتضي افتقار ذلك إلى فاعل مبدع لكن يعلم ان الذات لا تكون إلا بصفاتها اللازمة وصفاتها لا تكون إلا بها. وإذا سمى المسمي هذا افتقاراً وسمى هذه أجزاء وسمى هذا الأجتماع تركيباً لم يكن في هذه التسمية ما يوجب أن يكون هذا الموصوف مفتقراً إلى فاعل، وما جعله افتقاراً ليس هو افتقار المفعول إلى الفاعل والمعلول إلى العلة الفاعلة وإنما هو تلازم ومن سماه افتقاراً لا يمكنه أن يفسره إلا لافتقار المشروط إلى الشرط والشرط إلى المشروط ومثل هذا المعنى لازم للوجود الواجب لا ممتنع عليه وإنما الممتنع أن يفتقر إلى مباين له فيكون وجود الواجب متوقفاً على وجود

стр. 1222

مباين فإن كان المباين علة له لم يكن موجوداً بنفسه بل ممكناً له فاعل وعلة وإن قدر انه شرط فيه وهو غني عنه وما كان وجوده مشروطاً بما هو غني عنه لم يكن موجوداً بنفسه فلا يجوز أن يكون الرب الخالق تعالى الذي له الذات الموصوفة بصفات الكمال متوقفاً على شيء مباين له بل ولا على شيء عني عنه بوجه من الوجوده لا على فاعل ولا شرط. وهذا هو الذي يقوم عليه الدليل، فإن الممكنات التي لا وجود لها من نفسها لا توجد إلا بغيرها وما كان خارجاً عنها لم يكن وجوده إلا بنفسه ونفسه هي الذات الموصوفة بصفاتها اللازمة ليست نفسه مجرد وجود مطلق ولا ذات مجردة. ومن ادعى أن ما كان وجوده بنفسه لا يكون إلا وجوداً مجرداً وذاتاً مجردة لأن الذات الموصوفة مفتقرة إلى الصفة فلا يكون موجودة بنفسها. قيل له: الممكنات والمحدثات لم تفتقر إلى ذات مجردة ن حتى يقال إذا قيل إنها موصوفة لزم الافتقار بل افتقرت إلى ما هو خارج عنها كلها. والتعبير عن هذا المعنى يكون بعبارات فإذا قيل: ما لا يقبل العدم، أو قيل موجود بنفسه او واجب الوجود بنفسه ونحو ذلك، كان المقصود واحداً. ومن المعلوم أن مالا يقبل العدم، إذا كان ذاتاً

стр. 1223

موصوفة بصفات الكمال، لم يجز ان يقال: اتصافها بصفات الكمال يوجب افتقارها إلى الصفات فتقبل العدم، فإن فساد هذا الكلام ظاهر، وهو بمنزلة أن يقال قولكم: موجود بنفسه أو واجب الوجود بنفسه، يقتضي افتقاره إلى نفسه والمفتقر لا يكون واجب الوجود بنفسه، بل يكون قابلاً للعدم، وإذا كان هذا فاسداً فالأول أفسد، فإن صفات كماله داخلة في مسمى نفسه فإذا كان قول القائل: هو مفتقر إلى نفسه لا يمنع وجوب وجوده فقوله إنه مفتقر إلى صفاته أولى أن لا يمنع وجوب وجوده. وكذلك إذا سمى ذلك أجزاء وقال: هو مفتقر إلى أجزائه فإن جزء الشيء وبعضه وصفته ونحو ذلك داخل في مسمى نفسه فإذا لم يكن قول القائل: هو مفتقر إلى نفسه مانعاً من وجوب وجوده ن فقوله هو مفتقر إلى جزئه وصفته ونحو ذلك أولى وتسمية مثل هذا افتقاراً لفظ فيه تلبس وتدليس يشعر الجاهل بفقره، وهذا كما لو قيل: هو غني بنفسه فإنه قد يقول القائل: فهو فقير إلى نفسه فصفاته داخلة في مسمى نفسه، وهو غني سبحانه بنفسه عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه. وهذه المعاني مبسوطة في غير هذا الموضع وقد قال ابن رشد هذا الذي يعبر على من قال بنفي تعدد الصفات هو ان تكون

стр. 1224

الصفات المختلفة ترجع إلى ذات واحدة حتى يكون مفهوم العلم مثلاً والإرادة والقدرة مفهوماً واحداً وانها ذات واحدة، وأن يكون أيضاً العلم والعالم، والقدرة والقادر والإرادة والمريد، معنى واحداً والذي يعبر على من قال: إن ههنا ذاتاً وصفات زائدة على الذات ان تكون شرطاً في وجود الصفات والصفات شرطاً في كمال الذات، ويكون المجموع من ذلك شيئاً واجب الوجود أي موجوداً واحداً ليس فيه علة ولا معلول. قال لكن هذا لا جواب عنه في الحقيقة إذا وضع ان ههنا شيئاً واجب الوجود بذاته، فإنه يجب أن يكون واحداً من جميع الوجوه وغير مركب أصلاً، لا من شرط ومشروط، ولا من علة ومعلول، لأن كل موجود بهذه الصفة: فإما أن يكون تركيبه واجباً، وغما أن يكون ممكناً فغن كان واجباً، كان واجباً بغيره لا بذاته لأنه يعسر إنزال مركب قديم من ذاته أعني من غير أن يكون له مركب وبخاصة على قول من أنزل أن كل عرض حادث، لأن التركيب فيه يكون عرضاً قديماً، وإن كان ممكناً فهو محتاج إلى ما يوجب اقتران العلة بالمعلول.

стр. 1225

قال وأما هل يوجد شيء مركب من ذاته على اصول الفلاسفة وإن جوزوا أعراضاً قديمة فغير ممكن وذلك أن التركيب شرط في وجوده وليس يمكن أن تكون الأجزاء هي فاعلة للتركيب، لأن التركيب شرط في وجودها، وكذلك أجزاء كل مركب من الأمور الطبيعية إذا انحلت لم يكن الاسم المعقول عليها إلا بالاشتراك مثل اسم اليد المقولة على التي هي جزء من الإنسان الحي، واليد المقطوعة، بل كل تركيب عند أرسطو طاليس فهو كائن فاسد ن فضلاً عن ان يكون لا علة له وأما هل تفضى الطريقة التي سلكها ابن سينا في واجب الوجود إلى نفي مركب قديم فليس تفضي إلى ذلك، لأنه إذا فرضنا أن الممكن ينتهي إلى علة ضرورية والضرورية لا يخلو إما أن يكون لها علة او لا علة لها، وأنها إن كانت لها علة فإنها تنتهي إلى ضروري لا علة له، فإن هذا القول إنما يؤدي من جهة امتناع التسلسل إلى وجود

стр. 1226

صورية ومادية إلا أن يوضع ان كل ماله صورة ومادة وبالجملة، كل مركب فواجب أن يكون له فاعل خارج عنه. وهذا يحتاج إلى بيان ولم يتضمنه القول المسلوك في شأن واجب الوجود مع ما ذكرنا أن فيه من الأختلال، ولهذا بعينه لا يفضي دليل الشعرية وهو ان كل حادث له محدث إلى أول قديم ليس بمركب، وإنما يفضي إلى أول ليس بحادث. قال وأما أن يكون العالم والعلم شيئاً واحداً فليس ممتنعاً بل واجب أن ينتهي الأمر في أمثال هذه الأشياء إلى أن يتحد المفهوم فيها وذلك أن العالم إن كان عالماً بعلم فالذي به العالم عالم أحرى ان يكون عالماً، وذلك أن كل ما استفاد صفة من غيره فتلك الصفة أولى بذلك المعنى المستفاد مثال ذلك أن هذه الأجسام الحية التي لدينا ليست حية من ذاتها بل من قبل حياة تحلها فواجب أن تكون تلك الحياة التي استفاد منها ما ليس بحي الحياة حية بذاتها أو يفضي الأمر فيها إلى غير نهاية وكذلك يعرض في العلم وسائر الصفات.

стр. 1227

تعليق ابن تيمية قلت: ليتأمل اللبيب كلام هؤلاء الذين يدعون من الحذق والتحقيق ما يدفعون به ما جاءت به الرسل كيف يتكلمون في غاية حكمتهم ونهاية فلسفتهم بما يشبه كلام المجانين ويجعلون الحق المعلوم بالضرورة مردوداً والباطل الذي يعلم بطلانه بالضرورة مقبولاً بكلام فيه تلبيس وتدليس فإنه ذكر ما يلزم مثبة الصفات وما يلوم نفاتها. فقال: يلزم النفاة أن تكون الصفات ترجع إلى ذات واحدة فيكون مفهوم العلم والقدرة والإرادة مفهوماً واحداً وأن يكون العلم والعالم والقدرة والقادر والإرادة والمريد واحداً وقد قال إن هذا عسير. قلت: بل الواجب أن يقال: أن هذا مما يعلم فساده بضرورة فمن جعل العلم هو القدر والقدرة هي الإرادة وجعل الإرادة هي المريد والعلم هو العالم والقدرة هي القادر كان مخالفته للعوم الضرورية وسفسطته اعظم من سفسطة كثير من السوفسطائية وقود هذه المقالة أن يمكن أن يكون المتكلم هو الكلام والمتحرك هو الحركة والمصلي هو الصلاة والصائم هو الصوم، وأمثال ذلك، وإن فرق بين الصفات اللازمة وغيرها فلا فرق في الحقيقة بل هذا تحكم ويلزمه ان يكون الإنسان الناطق نفس النطق والفرس الصاهل نفس الصهيل، والحمار الناهق نفس النهيق، والجسم الحساس المترحك بالإرادة نفس الإحساس والحركة الإرادية، ويلزمه أيضاً أن

стр. 1228

يجعل نفس الحس نفس الحركه ونفس الحيوانيه نفس الناطقية ونفس الصاهلية نفس الناهقية. وما أحق هؤلاء بدخولهم في قول الله تعالى ﴿والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم﴾ الأنعام ٣٩. وبقوله تعالى ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون﴾ الأعراف ١٧٩. وبقوله تعالى ﴿وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾ الملك ١٠. وقول ابن رشد كون العالم والعلم شيئاً واحداً ليس ممتنعاً، بل واجب ان ينتهي الأمر في أمثال هذه الأشياء إلى أن يتحد المفهوم فيها. فيقال له: هذا من أعظم المكابرة والفسفسطة والبهتان وقوله إن العالم إذا كان عالماً بعلم فالذي به العالم عالم أحرى أن يكون عالماً إلى آخر كلامه كلام في غاية الفساد كما أنه إذا قيل إذا كان الضارب ضارباً بضرب فالضرب اولى أن يكون ضارباً والقائم إذا

стр. 1229

كان قائماً بقيام أولى أن يكون قائماً والناطق إذا كان ناطقاً بنطق فالنطق أولى أن يكون ناطقاً والقاتل إذا كان قاتلاً ماشياً والخالق إذا كان خالقاً بخلق فالخلق أولى أن يكون خالقاً والرازق إذا كان رازقاً برزق فالرزق أولى ان يكون رازقاً والمحيي المميت إذا كان محيياً مميتاً بإحياء وإماتة فالإحياء والإماتة أولى أن يكون محيياً مميتاً. وبالجملة فهذا يلزم نظيره في عامة أسماء الله الحسنى، وفي أسماء نبيه ﷺ وأسماء سائر الموجودات المشتقة يلزم أن يكون المصدر الذي اشتق منه الاسم أحق بالاسم من الفاعل، ويكون مسمى المصدر الذي هو الحدث أحق بأسماء الفاعلين والصفات المشبهة بها من من نفس الفاعل الموصوف. وتصور هذا الكلام كاف في معرفة فساده وإنما دخلت الشبهة على من قاله، لأن قوله إذا كان العالم عالماً بعلم فالذي به العالم عالم أحرى أن يكون عالماً كلام اشتبهت فيه باء الاستعانة بباء المصاحبة فظن أنه إذا قيل هذا عالم بعلم، أن العلم هو الذي أفاده العلم والعلم هو الذي أعطاه العلم كأنه معلمه فكأنه قال إذا كان المتعلم عالماً فمعلمه أولى أن يكون عالماً، وليس الأمر كذلك بل قولنا هذا عالم بعلم أي أنه موصوف بالعلم أي ليس موجوداً عن العلم ولا معرى عنه بل هو متصف به والعلم نفسه لا يعطيه العلم بل نفس العلم هو

стр. 1230

العلم وإن كان العلم قديماً من لوازم ذاته فلم يستفيده من أحد وإن كان محدثاً فقد استفاده من غيره ولم يستفد العلم من العلم لكن هل له حال وهو كونه عالماً معللة بالعلم أم كونه عالماً نفس العلم هذا فيه نزاع بين مثبتة الحال ونفاتها ومن أثبتها لم يقل إنها صفة موجودة. وقوله ما استفاد صفة من غير فتلك الصفة يعني المستفاد منها اولى بذلك المعني المستفاد كما مثل به من الحياة كلام فاسد فإن العالم لم يستفد الصفة التي هي العلم من الصفة التي هي العلم بل نفس علمه هو نفس الصفة ليس هنا صفة مفيدة وصفة مستفادة إلا أن يقال اعلم أثبت العالمية على رأي مثبتة الحال، وعلى هذا التقدير فالعالمية ليست صفة وجودية وهو غنما كان عالماً بالعلم الوجوب للحال. لا بالحال الموجبة للعلم وإذا كان عالماً بالعلم لم يكن العلم حصل من علم آخر وإنما العلم عند هؤلاء اوجب كونه عالماً والذي عليه الجمهور أن نفس العلم هو نفس كونه عالماً فليس هنا شيئان وعلى القولين فإذا استحق الموصوف بالعلم أن يسمى عالماً لم يكن العلم أحق بأن يكون عالماً فإن هذا لا يقوله عاقل: وقوله إن الجسم إذا كانت حياته من قبل حياة تحله، فواجب
следующие страницы →