← Акыда

Акыда · id 21506

درء تعارض العقل والنقل

ابن تيمية

Полный текст (4 031 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

أحدها الجوهر الفرد وعلى هذا فالجسم ليس بجوهر، وفي كونه مركباً منه نزاع. الوجه الثاني: المتحيز، وعلى هذا فالجسم جوهر، ومن نفى الجوهر الفرد قال كل جسم جوهر، وكل جوهر جسم، ومن أثبته قال: الجوهر أعم من الجسم. والوجه الثالث: الجواهر العقلية عند من يثبت جوهراً ليس بمتحيز كالعقول والنفوس والمادة والصور فإن هؤلاء المتفلسفة المشائين يدعون ان الجوهر خمسة أقسام. وجمهور العقلاء يدفعون هذا ويقولون: هذه الأمور التي سميتوها جواهر عقلية إنما وجودها في الأذهان لا في الأعيان. وقد يراد بالجواهر ما هو قائم بنفسه، فمن كان الجوهر أعم عنده من الجسم، فإذا انتفى الأعم انتفى الأخص وكذلك من كان الجوهر عنده مرادفاً للجسم، وأما من كان الجوهر عنده لا يتناول معنى الجسم، مثل أن يقدر أنه لا يستعمل لفظ الجوهر إلا في الفرد، فهذا لا يلزم من نفي كونه جوهراً نفي كونه جسماً، إلا بالحجة التي ذكرها، وهو ان يقال: الجسم مركب من الجواهر، فالحجة لا تستقيم إلا على تقدير ثبوت هذا الاصطلاح، مع أني لا أعرفه اصطلاحاً لأحد مطلقاً،

стр. 1437

ولكن بعض الناس قد يخص به الفرد مع أنه هو وغيره دائما يسمون الجسم جوهراً. ولهذا قال هذا الآمدي وغيره ف ينفي كونه جوهراً: إما أن يكون قابلاً للتجزية فيكون جسماً مركباً، وإما ان لا يكون قابلاً للتجزية فيكون في غاية الصغر والحقارة، وكثيراً ما يقع في كلامهم لفظ الجوهر متناولاً للجسم وكثيراً ما يقع مختصاً بالفرد فما ذكره اولا في نفي الجوهر بالمعنى العام فالجسم يدخل فيه فإن صح ما ذكره صح نفي الجسم لكن قد عرف ضعفه. وأما إذا كان المنفي هو الجوهر الفرد فقط، فيحتاج ان يقول إن الجسم مركب منه لينفي الجسم. لكن هذا فيه نزاع معروف وأكثر الناس على انه ليس بمركب من الجواهر المنفردة وهو الصواب كما قد بسط في موضعه. فمن الناس من يقول: إنه مركب من جواهر متناهية لا تقبل القسمة بوجه من الوجوه حتى ولا بالوهم ومنهم من يقول: هو مركب من جواهر غير متناهية كذلك، ومنهم من يقول هو مركب من الهيولي والصورة لكنه يقبل القسمة إلى غير نهاية، ومنهم من يقول ليس بمركب لكنه يقبل التقسيم إلى الجواهر المنفردة التي لا تتجزأ.

стр. 1438

ومنهم من يقول: بل كل موجود فلا بد أن يتميز منه شيء عن شيء، فلا يتصور وجود جوهر لا يتميز منه شيء عن شيء، لكن إذا تصغرت الأجزاء استحالت، وقد لا تقبل القسمة الفعلية، بل إذا قسمت استحالت، كما في أجزاء الماء إذا تصغرت فإنها تصير هواء، فهي وإن كان يتميز منها شيء عن شيء، لكن ليس لها من القوة ما يحتمل الانقسام الفعلي، بل تستحيل إذا أريد بها ذلك. وعلى هذا القول فلا نثبت شيئاً لا يتميز منه جانب عن جانب، ولا يثبت ما لا نهاية له في ضمن مالا يتناهى، ولا انقسام إلى غير نهاية، بل كل موجود فإنه يتميز منه شيء عن شيء، وهو قد يستحيل قبل وجود الانقسامات التي لا تتناهى. فتزول بهذا القول الإشكالات الواردة على غيره، مع انه مطابق للواقع، فتبين ضعف هذا الوجه. تابع كلام الآمدي الوجه الثاني في نفي الجسمية عن الله تعالى الوجه الثاني قال الآمدي أنه قد ثبت ان الرب متصف بالعلم والقدرة وغيرهما من الصفات، فلو كان جسما كالأجسام لزم من اتصافه بهذه الصفات المحال، وذلك من وجهين: الوجه الأول: أنه لو

стр. 1439

اتصف بهذه الصفات فإما أن يكون كل جزء من اجزائه متصفاً بجميع الصفات وإما ان يكون المتصف بجملتها بعض الأجزاء وإما أن يكون كل جزء مختصاً بصفة، وإما أن تقوم كل صفة من هذه الصفات مع اتحادها بجملة الأجزاء فإن كان الأول يلزم منه تعدد الآلهة وأما الثاني فهو ممتنع لأنه لا أولوية لبعض تلك الأجزاء بان يكون هو المتصف دون الباقي ولأنه يلزم ان يكون الإله هو ذلك الجزء دون غيره لأن حكم العلة لا يتعدى محلها وإن كان الثالث فل أولولية أيضاً وإن كان الرابع فهو محال لما فيه من قيام المتحد بالمعتدد. ولقائل أن يقول الاعتراض على هذا من وجوه. الرد عليه من وجه الأول قولك: لو اتصف بكل واحدة من هذه الصفات فإما ان يكون كل جزء من أجزائه متصفاً بجميع هذه الصفات. إلى آخره فرع على ثبوت الأجزاء وذلك ممنوع فلم قلت إن كل كا هو جسم فهو مركب من الأجزاء؟ فإن هذا مبني على ان الاجسام مركبة من الجواهر المنفردة وهذا ممنوع.

стр. 1440

وجمهور العقلاء على خلافة، وهو لم يثبته هنا بالدليل، فيكفي مجرد المنع وبسط ذلك في موضعه. وكل من أمعن في معرفة هذا المقام علم أن ما ذكروه من أن الجسم مركب من جواهر منفردة متشابهة عرض لها التركيب، او من مادة وصورة، وهما جوهران، من أفسد الكلام. وإذا كان كذلك أمكن أن يكون كل من الصفات القائمة بجميع المحل شائعة في جميع الموصوف، ولا يلزم أن يكون الواحد قام بأجزاء بل القول في الصفة الحالة كالقول في المحل الذي هو الموصوف. الثاني أن يقال: القول في وحدة الصفة وتعددها وانقسامها وعدم انقسامها كالقول في الموصوف وسواء في ذلك الصفات المشروطة بالحياة كالقدرة والحس ـ بل والحياة نفسها أو التي لا تشترط بالحياة كالطعم واللون والريح، فإن طعم التفاحة مثلا شائع فيها كلها، فإذا بعضت تبعض ولا يقال إنها قام طعم واحد بجملة التفاحة، بل إن قيل: إن التفاحة أجزاء كثيرة، قيل: أم بها طعوم كثيرة، وإن قيل: هي شيء واحد قيل: قام بها طعم واحد. فإن

стр. 1441

قيل فهذا هو التقدير الأول، وهو اتصاف كل جزء من هذه الأجزاء بجميع هذه الصفات قيل: ليس كذلك. أما أولا: فلمنع التجزي. وأما ثانياً فلأنه لم يقل بكل جزء إلا جزء من الصفة القائمة بالجمع، لم تقم جميع الصفة بكل جزء وحينئذ فيطل التلازم المذكور وهو كون كل جزء إليها، فإن الإله سبحانه هو المتصف بأنه بكل شيء عليم، وهو على كل شيء قدير، أما إذا قدر موصوف قام به جزء من هذه القدرة لا تنقسم هي ولا محلها لم يلزم أن يكون ذلك الجزء قادراً، فضلا عن أن يكون رباً إذ القادر لا يجب أن يكون من قام به جزء من القدرة ولا الحي من قام به جزء من الحياة ولا العالم من قام به جزء من العلم. فإن قيل: كيف يعقل انقسام القدرة والحياة والعلم؟ قيل: كما يعقل انقسام محل هذه الصفات فإن الإنسان تقوم حياته بجميع بدنه وكذلك الحس والقدرة ببدنه من صفاته فكما أن بدنه ينقسم فالقائم ببدنه ينقسم. فإن قيل إذا انقسم لم يبق قدرة ولا علماً ولا حياة.

стр. 1442

قيل: وكذلك المحل لا يبقى يدا ولا عضوا لا قادراً ولا حيا ولا عالما ولا حساسا، فإن الجزء المنفرد بتقدير وجوده هو أحقر من أن يقال إنه يد أو عضو أو بدن حي عالم قادر فكيف يقال فيه إنه إله. الثالث أن ما ذكروه معارض بقيام هذه الصفات في الإنسان، فإن الإنسان تقوم به الحياة والقدرة والحس، ولم نذكر العلم ولا نحتاج أن نقول كما قالت المعتزلة: إن الاعراض المشروطة بالحياة إذا قامت بجزء في الجملة عاد حكمها إلى جميع الجملة، بل نذكر من الاعراض ما يعلم قيامه بالبدن الظاهر كالحياة والحس والحركة والقدرة فإن هذا التقسيم الذي ذكروه يرد عليه فإنه إن قيل: إن كل جزء من أجزائه متصف بهذه الصفات لزم تعدد الإنسان وإن كان المتصف بجملتها بعض الأجزاء فلا اولوية، وبزم أن لا يتعدى حكم الصفة محلها. والتقدير أن ظاهر البدن كله حي حساس، وإن قيل كل واحد يختص بصفة فهو معلوم الفساد بالضرورة مع أنه لا أولوية.

стр. 1443

وإن قيل: تقوم الصفة الواحدة بالجملة لزم قيام الواحد بالمتعدد. فإذا كان هذا التقسيم وارداً على ما يعلم قيام الصفات به لم ينف قيامها به علم أنها حجة باطلة. الرابع قوله والرابع محال لأنه يلزم منه قيام المتحد بالمتعدد. فيقال: لا نسلم التلازم فإن هذا القيام مبناه على أنه حينئذ يقوم الواحد بالمعتدد، فإنه فرض قيام علم واحد وقدرة واحدة وحياة واحدة بجملة أجزاء. وهذا الأصل فاسد فإن المعلوم من وحدة الصفة الحالية وتعددها هو المعلوم من وحدة المحل وتعدده فالحياة القائمة بجسم حي إذا قيل: هي حياة واحدة، قيل هو حي واحد وإذا قيل الحي أجزاء متعددة قيل: الحياة أجزاء متعددة، فالحال ومحله سواء في الاتحاد والتعدد. وحينئذ فقولهم: أنه قام المتحد بالمتعدد كلام باطل بل ما

стр. 1444

فسروا به الاتحاد في احدهما كان موجوداً في الآخر، وما فسروا به تعدد أحدهما كان موجواً في الآخر. الخامس أنا لا نسلم الحصر فيما ذكروه من الأقسام بتقدير انقسام الجسم بل من الممكن أن يقال: قام كل جزء من أجزاء هذه الصفات بجزء من أجزاء الموصوف وكل جزء منه متصف بجزء من الصفة. وهذا التقسيم غير ما ذكره من الأقسام، ليس فيه اتصاف كل جزء بجميع الصفة، ولا المتصف بجميعها بعض الجملة، ولا كل جزء مختصاً بجميع صفته، ولا قيام واحد بمتعدد. فإن قال: الصفة لا تنقسم ومحلها ينقسم. قيل: هذه مكابرة للحس والعقل، بل انقسامها محلها يبين هذا أن من أعظم عمد مثبتي الجوهر الفرد قولهم: إن الحركة قائمة بالجسم، والزمان مقدار الحركة، والزمان فيه الآن الذي لا ينقسم، فلا ينقسم قدره من الحركة، فلا ينقسم الجزء الذي يحلها، فإنما استدلوا على وجود الجزء الذي لا ينقسم إلا بوجود جزء من الحركة لا ينقسم، فعلم أن انقسام الحال عندهم كانقسام محله مع أن هذا معلوم بالحس والعقل.

стр. 1445

وكذلك المتفلسفة القائلون بان النفس الناطقة ليست جسما: عمدتهم انه يقوم بها مالا ينقسم، ومالا ينقسم إلا بما لا ينقسم، فقد اتفقت الطوائف على أن الصفة إذا لم تنقسم كان محلها لا ينقسم. السادس أن قوله: إما أن يكون كل جزء من الأجزاء متصفاً بهذه الصفات. يقال له: إن أردت أنه يتصف به كما تتصف به الجملة فهذا لا يقوله عاقل، فإنه ليس في الأجسام ما يكون صفة جميعه صفة للجوهر الفرد منه، على الوجه الذي هي به صفة لجمعية وإن أردت انه متصف به كما يليق بذلك الجزء فلم قلت إن ما اتصف به بالصفة على هذا الوجه يمكن انفراده عن غيره فضلا عن كونه إلها؟ وهذا لأنه ليس في جميع ما يعلم من الموصوفين المنفردين بأنفسهم ما هو جوهر فرد، ولا في شيء مما يشاهد من الموصوفين ما هو جوهر فرد، بل والجوهر الفرد بتقدير وجوده لا يحس به ولا يوجد منفرداً فما كان لا يوجد وحده حتى ينضم إليه أمثاله كيف يكون حياً فضلاً عن أن يكون فرساً أو بعيراً؟ فضلا عن أن يكون أنساناً أو ملكاً أو جنبا فضلا عن أن يكون إلهاً؟

стр. 1446

وهل ذكر مثل هذا في حق الله إلا من أعظم الدليل على جهل قائله؟ فإنهم لا يعلمون شيئاً من الجواهر المنفردة يسمى باسم جملته لقيام الصفة بالجملة فكيف يجب في حق الله إذا قامت به الصفات الكمال أن يكون بتقدير ما ذكروه يجب فيه مثل ذلك؟ السابع أن يقال: كما أنه لا يجب في كل جزء من الإنسان ان يكون انساناً لأنه قام به من الصفات ما يقوم بالإنسان ولا في كل جزء من اجزاء الفرس وسائر الحيوان ان يكون فرساً، لكونه من الجملة التي قامت بها الصفة، فلماذا يجب في كل ما كان من الإله ان يكون إلها لقيام الإله بالإله الموصوف كله، مع أن كل واحد من الموجودات لا يكون حكم جزئه حكم كله، لقيام الصفة بالجميع، وهل هذا إلا من أفسد الحجج وإن كان هو من اعظم عمد النفاة؟ تابع كلام الآمدي في نفي الجسمية عن الله تعالى قال: في بيان المحال من اتصافه بهذه الصفات هو أنه لا يخلو إما أن يكون اتصافه بها واجباً لذاته او

стр. 1447

لغيره، لا جائز ان يقال بالأول، وإلا لزم اتصاف كل جسم بها وجوباً لذاته ن للتساوي ف يالحقيقة على ما وقع به الفرض، وإن كان الثاني فيلزم أن يكون الرب مفتقراً إلى ما يخصصه بصفاته، والمحتاج إلى غيره في إفادة صفاته لاه لا يكون إلها. تعليق ابن تيمية قلت: ولقائل أن يقول لم لا يجوز أن يكون اتصافه بها واجباً لذاته؟ قوله: يلزم اتصاف كل جسم بها للتساوي في الحقيقة على ما وقع به الفرض. قيل: الذي وقع به الفرض أنه جسم كالأجسام، وذلك يقتضي الاشتراك في مسمى الجسمية، فلم قلت: إن ذلك يستلزم التساوي في الحقيقة فإن هذا مبني على تماثل الأجسام وهو ممنوع وهو باطل. وإن قيل: إنه يقتضي مماثلة كل جسم في حقيقية بحيث يجوز عليه ما يجوز على كل جسم ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ويجب له ما يجب له فهذا لا يقوله عاقل يفهم ما يقول ولا يعرف هذا قولاً لطائفة معروفة وفساده ظاهر لا يحتاج إلى إطناب، ولكن لا يلزم من فساده أن

стр. 1448

لا يكون النزاع إلا لفظاً فإن المنازع يقول: ليس هو مثل كل جسم من الأجسام فيما يجب ويجوز ويمتنع ولكن شاركها غيره في مسمي الجسمية كما إذا قيل: هو حي وغيره حي، شاركه في مسمى الحي وكذلك شارك غيره في مسمى العالم والقادر والموجود والموجود والذات والحقيقة فما كان من لوازم القدر المشترك ثبت لهما، وما أخص بأحدهما لم يثبت للآخر. ومعلوم ان مسمى الجسمية إن قيل إنه يستلزم أن يجوز على كل جسم ما جاز على الآخر. فلا يقول عاقل: إن الله جسم بهذا التفسير. ومن قال: إنه جسم، لم يقل: إن القدر المشترك إلا كالقدر المشترك في الذات والقائم بالنفس ومسمى التحيز، ويقول مع ذلك: إن هذا المسمى وقع على أمور مختلفة الحقائق، كالموصوف والقائم بالنفس ونحو ذلك. وبالجملة إن ثبت تماثل الأجسام في كل ما يجب ويجوز ويمتنع أغناه عن هذا الكلام، وإن لم يثبت لم ينفعه هذا الكلام، فهذا الكلام لا يحتاج إليه على التقديرين، فالمنازع يقول: مسمى الجسم كمسمى الموصوف والقائم بنفسه والذات والماهية، والموجود ينقسم إلى واجب بنفسه وواجب بغيره، وإذا كان أحد النوعين واجباً بنفسه، لم يجب أن يكون كل موصوف قائماً بنفسه، ولا كل موجود، وكذلك لا يكون

стр. 1449

كل جسم. فتبين أن كل ما ذكره مغلطة لأنه قال: إما أن يقال: إنه جسم كالأجسام، وإما أن يقال: جسم لا كالأجسام، فإن قيل بالثاني كان النزاع في اللفظ لا في المعنى، فدل ذلك على أن قوله في المعنى موافق لقول من يقول: جسم لا كالأجسام، ثم جعل القسم الأول هو القول بتماثل الأجسام، فكان حقيقة قوله: إنه إما أن يقال إنه مماثل للأجسام في حقيقتها بحيث يتصف بما تتصف به من الوجوب والجواز والامتناع، وإما أن لا يقال بذلك، فمن لم يقل بذلك لم ينازعه في المعنى، ومن قال بالأول فقلوه باطل. ومعلوم أن أحداً من الطوائف المعروفة وأهل الأقوال المنقولة لم يقل: إنه جسم مماثل للأجسام كما ذكر. ومعلوم أيضاً أن فساد هذا أبين من أن يحتاج إلى ما ذكره من الأدلة، فإن فساد هذا معلوم بالأدلة اليقينية لما في ذلك من الجمع بين النقيضين، إذ كان كل منهما يلزم أن يكون واجباً بنفسه لا واجباً بنفسه، محدثاً لا محدثا، ممكنا لا ممكنا، قديماً لا قديما إذ المتماثلان يجب اشتراكهما في هذه الصفات. وإذا كان القول الذي نفاه لم يقله أحد، ولم ينازعه فيه أحد والقول الذي ادعى أنه موافق لقائله في المعنى لا يخالف فيه قائلة، بقي مورد النزاع لم يذكره ولم يقم دليلا على نفيه وهو قول من يقول: هو

стр. 1450

جسم كالأجسام، بمعنى أنه مشارك لغيره في مسمى الجسمية، كما يشاركه في مسمى الموصوفية والقيام بالنفس، وأنه لم يثبت له لوازم القدر المشترك، ولا يثبت له شيء من خصائص المخلوقين، ولا يكون مماثلاً لشيء من الأجسام فيما يجب ويجوز ويمتنع عليه، لأن الأجسام المخلوقة لها خصائص تختص باعتبارها ثبت لها ما يجب ويجوز ويمتنع عليه. والقدر المشترك عند هؤلاء لا يستلزم شيئاً من خصائص المخلوقين، وهذا القدر لم يتعرض له هنا بنفي ولا إثبات لكنه يقول: إن القدر المشترك يستلزم التماثل في الحقيقة، وإن ما لزم كلا من الأجسام لزم الآخر وإنما يفترقان فيما يعرض لهما بمشيئة الخالق. لكن هذا القول لم يقرر هنا، فبقي كلامه بلا حجة، مع أن هذا القول فاسد في نفسه كما قد عرف. وهو لما قرره في موضع آخر بناه على أصلين: على إثبات الجوهر الفرد وتماثل الجواهر. وكلاهما منوع باطل، قد قرر هو انه لا حجة عليه، مع أن القول بانه جسم كالأجسام ما علمت أنه قاله أحد، ولا نقله أحد عن أحد وهو مع هذا لم

стр. 1451

يذكر دليلاً على نفيه، فكيف قد أقام دليلاً على نفي قول من يقول: هو جسم لا كالأجسام؟ تابع كلام الآمدي في نفي الجسمية عن الله تعالى الحجة الثالثة: قال: هو أنه لو كان جسما لكان له بعد وامتداد، وذلك إما أن يكون غير متناه أو متناهيا، فإن كان غير متناه: فإما أن يكون غير متناه من جميع الجهات، أو من بعض الجهات دون بعض، فإن كان الأول فهو محال لوجهين: الأول: ما سنبينه من إحالة بعد لا يتناهى، والثاني: يلزم منه أن لا يوجد جسم غيره، أو أن تتداخل الأجسام وهو يخالط القاذورات وهو محال، وإن كان الثاني فهو ممتنع أيضا لوجهين: الأول ما سنبينه من إحالة بعد لا يتناهى، والثاني: أنه إما أن يكون اختصاص أحد الطرفين بالنهاية دون الآخر لذاته أو لمخصص من خارج، فإن كان الأول فهو محال لعدم الأولوية، وإن كان الثاني فيلزم أن يكون الرب مفتقرا في إفادة مقداره إلى موجب ومخصص، ولا معنى للبعد غير نفس الأجزاء على

стр. 1452

ما تقدم، فيكون الرب معلول الوجود، وهو محال. وإن كان متناهيا من جميع الجهات فله شكل ومقدار، وهو إما أن يكون مختصا بذلك الشكل والقدر لذاته، أو لأمر خارج، فإن كان الأول لزم منه اشتراك جميع الأجسام فيه ضرورة الاتحاد في الطبيعة، وإن كان الثاني فالرب محتاج في وجوده إلى غيره وهو محال. تعليق ابن تيمية قلت: ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون مختصاً بالشكل والمقدار لذاته؟ قوله: إن ذلك يستلزم اشتراك جميع الأجسام فيه ضرورة الاتحاد في الطبيعة، إنما يصح إذا سلم أن طبيعة الأجسام كلها متحدة، وهذا ممنوع بل باطل بل معلوم الفساد بالضرورة والحس، فإن طبيعة النار ليست طبيعة الماء ولا طبيعة الحيوان طبيعة النبات وهذا مبني على القول بأن الأجسام متماثلة في الحقيقة، وهذا لو صح لأغنى عن هذه الوجوه كلها، وهو في كتابه لما ذكر قول من يقول بتجانس

стр. 1453

الأجسام من أهل الكلام المعتزلة والأشعرية قال: إنهم بنوا ذلك على أصلهم: أن الجسم هو الجوهر المؤلف أو الجوهر المؤتلفة وأن الجواهر متجانسة وأن التأليف من حيث هو تأليف غير مختلف فالأجسام الحاصلة منها غير مختلفة. ومعلوم أن هذين الأصلين اللذين بنوا عليهما تماثل الأجسام قد أبطلها هو وغيره، وهي مما يخالفهم فيها جمهور العقلاء، فأكثر العقلاء لا يقولون إن الأجسام مركبة من الجواهر المنفردة، لا جمهور أهل الملل ولا جمهور الفلاسفة، بل جمهور أهل الكلام من الهشامية والنجارية والضرارية والكلابية والكرامية لا يقولون بذلك، فكيف بمن عدا أهل الكلام من سائر أنواع أهل العلم؟ فإنهم من أعظم الناس إنكاراً لذلك. وكذلك القول بتماثل الجواهر قول لا دليل عله إذ المتنازعون في الجواهر المنفردة: منهم من يقول باختلافها ومنهم من يقول بتماثلها. وأيضاً فقول القائل إما أن تكون مختصاً بذلك المقدار لذاته أو لأمر خارج. يقال له أتريد بذاته مجرد الجسمية المشتركة أم ذاته الذي يختص بها ويمتاز بها عن غيره؟ أما الأول فلا يقول عاقل، فإن عاقلا لا يعلل الحكم المختص بالأمر

стр. 1454

المشترك، فلا يقول عاقل، إن ما اختص به أحد الشيئين عن الآخر كان للقدر المشترك بينهما فإن القدر مستلزمة للمعلول، الملزوم أعم من العلة فإذا لم يكن المشترك ملزوماً للمختص كما أن، لا يكون علة أولى وأحرى فإن الملزوم حيث وجد وجد اللازم. ومعلوم انه ليس حيث المشترك يوجد المختص، إذ المشترك يوجد في هذا والمختص بالآخر منتف. وفي الجملة فهذا ما لا يتنازع فيه العقلاء، فلا يكون اختصاص أحد الجسمين عن الآخر بخصائصه لمجرد الجسمية المشتركة بل تلك الخصائص مما يمتنع ثبوتها لسائر الأجسام. وحينئذ فيقال: معلوم أن كل جسم مختص بخصائص وخصائصه لا تكون لأجل الجسمية المشتركة، وذلك يمنع تماثل الأجسام، لأنها لو كانت متماثلة للزم أن يكون اختصاص بعضها بخصائصه لمختص والمخصص إما الرب وإما غيره وتخصيص غيره ممتنع لأنه جسم من الأجسام فالكلام فيه كالكلام في غيره، ولأن التقدير أنها متماثلة، فليس هذا بالتخصيص أولى من هذا وتخصيصه أيضاً ممتنع

стр. 1455

لأنه يستلزم ترجيح أحد المتماثلين على الآخر بغير مرجح وذلك ممتنع وإذا قيل المرجح هو القدرة والمشيئة. قيل نسبة القدرة والمشيئة إلى جميع المتماثلات سواء فيمتنع الترجيح بمجرد ذلك، فلا بد أن يكون المرجح ما لله تعالى في ذلك من الحكمة، والحكمة تستلزم علم الحكيم بأن أحد الأمرين أولى من الآخر، وأن يكون ذلك الراجح أحب إليه من الآخر. وحينئذ فذلك يستلزم تفاصيل المعلومات المرادات وذلك يمنع تساويها وهو المطلوب. وهذا الكلام يتعلق بمسألة حكمه الله في خلقه وأمره، وهو مبسوط في غير هذا الموضع. ونفاة ذلك غاية ما عندهم انهم يزعمون أن ذلك يقتضي افتقاره إلى الغير لأن من فعل شيئاً لمراد كان مفتقراً إلى ذلك المراد مستكملا به، والمستكمل بغيره ناق بنفسه. وهذه الحجة باطلة كبطلان حجتهم في نفي الصفات وذلك أن لفظ الغير مجمل فإن أريد بذلك أنه يفتقر إلى شيء مباين منفصل عنه فهذا ممنوع فإن مفعولاته ومراداته هو الفاعل لها كلها، لا يحتاج في شيء منها إلى غيره وإن أريد بذلك أنه يفتقر إلى ما هو مقدور له مفعول له، كان حقيقة ذلك انه مفتقر إلى نفسه أو لوازم نفسه. ومعلوم أنه سبحانه موجود بنفسه لا يفتقر إلى ما هو غير له مباين

стр. 1456

له، وأنه مستوجب لصفات الكمال التي هي من لوازم ذاته فإذا قال القائل إنه مفتقر إلى نفسه كان حقيقته أنه لا يكون موجوداً إلا بنفسه وهذا المعنى حق. وإذا قيل هو مفتقر إلى صفاته اللازمة أو جزئه أو لوازم ذاته او نحو ذلك كان حقيقة ذلك أنه لا يكون موجودا إلا بصفات الكمال، وأنه يمتنع وجوده دون صفات الكمال التي هي من لوازم ذاته وهذا حق ومعلوم: إن الأمور التي لا يمكن وجودها إلا حادثة متعاقبة ليس الكمال في أن يكون كل منها ازليا فإن ذلك ممتنع ولا في أن ذلك لا يكون، فإن ذلك نقص وعدم، بل في أن تكون كل منها أزليا فإن ذلك ممتنع، ولا في أن ذلك لا يكون، فإن ذلك نقص وعدم، بل في أن تكون بحسب إمكانها على ما تقتضيه الحكمة، فيكون وجود تلك المرادات للحكمة من أعظم نعوت الكمال التي يجب أن يوصف بها، ونفيها عنه يقتضي وصفه بالنقائص، وإن كل كمال يوصف به فليس مفتقراً فيه إلى غيره أصلا، بل هو من لوازم ذاته سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا، الذين يصفونه بالنقائص ويسلبونه الحكمة التي هي محض

стр. 1457

بل لا يقتضي إثباتها إلا استلزام ذاته لنعوت كماله وكمال نعوته لا افتقار إلى شيء مباين لنفسه المقدسة. وأيضاً فيقال القول في استلزام الذات لقدرها الذي لم يقدره المشركون كما قال تعالى ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ الزمر ٦٧ كاستلزام الذات لسائر صفاتها من العلم والقدرة والحياة، فإنه لو كان مختص يحتاج إلى مخصص لزم الدور أو التسلسل الباطلان فلا بد من مختص بما يختص به يختص بذلك لنفسه وذاته لا لأمر مباين له. وهذا هو حقيقة الواجب لنفسه المستلزم لجميع نعوته من غير افتقار إلى غير نفسه، مع أنما ذكره في وجوب تناهي الأبعاد قد أبطل فيه مسالك الناس كلها، وأنشأ مسلكا ذكر أنه لم يسبقه إليه أحد وإذا حرر الأمر عليه وعليهم في تلك المسالك كان القدح فيها أقوى من مسالكهم في النفي، فلو قدر ان أثنين أثبت احدهما موجوداً قائماً بنفسه لا يتناهى وأثبت الآخر موجوداً لا يكون متناهيا ولا غير

стр. 1458

متناه كان قول الثاني أفسد والأول أقرب إلى الصواب وما من مقدمة يدعون بها إفساد قول الأول إلا وفي أقوالهم ما هو أفسد منها. والمناظرة تارة تكون بين الحق والباطل، وتارة بين القولين الباطلين لتبين بطلانهما، أو بطلان أحدهما او كون أحدهما أشد بطلانا من الآخر فإن هذا ينتفع به كثيراً في أقوال أهل الكلام والفلسفة وأمثالهم، ممن يقول أحدهم القول الفاسد وينكر على منازعه ما هو أقرب منه إلى الصواب فيبين أن قول منازعه أحق بالصحة إن كان قوله صحيحاً وأن قوله أحق بالفساد إن كان قول منازعه فاسداً لتنقطع بذلك حجة الباطل فإن هذا أمر مهم، إذ كان المبطلون يعارضون نصوص الكتاب والسنة بأقوالهم فإن بيان فسادها أحد ركني الحق وأحد المطلوبين فإن هؤلاء لو تركوا نصوص الأنبياء لهدت وكفت ولكن صالوا عليها أصول المحاربين لله ولرسوله فإذا دفع صيالهم وبين ضلالهم كان ذلك من أعظم الجهاد في سبيل الله. وقد حكى الأشعري وغيره عن طوائف أنهم يقولون إنه لا يتناهى وهؤلاء نوعان: نوع يقول: هو جسم ونوع يقول ليس بجسم فإذا أراد النفاة أن يبطلون قول هؤلاء لم يمكنهم ذلك فإنهم إذا قالوا: يلزم أن يخالط اقاذورات والأجسام قالوا: كما أثبتم موجوداً لا يشار إليه ولا هو داخل ولا خارج، فنحن نثبت موجوداً هو داخل

стр. 1459

ولا يخالط غيره فإذا قالوا هذا لا يعقل قالوا وذلك لا يعقل. ومذهب النفاة أبعد في العقل من مذهب الحلولية، ولهذا إذا ذكر القولان لأهل الفطر السليمة نفروا عن قول النفاة أعظم من نفورهم عن قول الحلولية وكذلك ما ذكره من امتناع النهاية من بعض الجوانب دون بعض فإن هذا قاله طائفة ممن يقول إنه على العرش. وقول هؤلاء وإن قيل إنه باطل فقول النفاة أبطل منه إما احتجاجه على هؤلاء بأن اختصاص أحد الطرفين بالنهاية دون الآخر محال لعدم الأولوية، أو لافتقاره إلى مخصص من خارج فيقولون له أنت دائما تثبت تخصيصاً من هذا الجنس كما تقول إن الإرادة تخصص أحد المثلين لا لموجب فإذا قيل لك: هذا يستلزم ترجيح أحد المتماثلين بلا مرجح قلت هذا شان الإرادة والإرادة صفة من صفاته فإذا كانت ذاته مستلزمة لما من شأنه ترجيح أحد المثلين لذاته بلا مرجح فلأن تكون ذاته تقتضي ترجيح أحد المثلين بلا مرجح أولى. وهذا للمعتزلة والفلاسفة ألزم، فإن المعتزلة يقولون إن القادر المختار يرجح بلا مرجح والفلاسفة يقولون: مجرد الذات اقتضت ترجيح الممكنات بلا مرجح آخر فقد اتفقوا كلهم على أن الذات توجب الترجيح لأحد المتماثلين بلا مرجح فكيف يمكنهم مع هذا ان يمنعوا كونها تستلزم تخصيص أحد الجانبين بلا مخصص.

стр. 1460

ولو قال لهم منازعهم الموجودان القائمان بأنفسهما لا بد أن يكون بينهما حد وانفصال فعلمنا التناهي من جانب هذا الموجود واما الجانب الآخر فلا نعلم امتناعه إلا إذا علمنا امتناع وجود أبعاد لا تتناهى، وهذا غير معلوم لنا، أو هو باطل لكان قوله أقوى من قولهم. والمقصود هنا أن غايتهم في إبطال قول هؤلاء أن ينتهوا إلى أبطال بعد لا يتناهى أو إلى عدم الأولوية أو وجوب المخالطة. وهذه المقدمات يمكن منازعوهم أن ينازعوهم فيها أعظم مما يمكنهم هم منازعة أولئك في مقدمات حجتهم ويرد عليهم من المناقضات والمعارضات أعظم مما يرد على أولئك، وهذا مبسوط في موضعه. فهذه الحجة وأمثالها من حجج النفاة يمكن إبطالها من وجوه كثيرة بعضها جهة المعارضة بأقوال أهل باطل آخر وبيان انه ليس أولئك بأبطل من قول هؤلاء، فإذا لم يمكن الاستدلال على نفي أحد القولين إلا بالمقدمة التي بها نفي القول الآخر، لم يكن نفي أحدهما أولى من نفي الآخر، بل إن كانت المقدمة صحيحة لزم نفيهما جميعاً، وغن كانت باطلة لم تدل على نفي واحد منهما فكيف إذا كانت

стр. 1461

المقدمة التي استدل بها المستدل على نفي قول منازعه قد قال بها وبما هو أبلغ منها؟ وبعض ما تبطل به هذه الحجة يكون من جهة أهل الحق الذين لم يقولوا باطلا. بطلان حجته من وجوه ونحن نذكر ما يحضر من إبطالها بالكلام على مقدماتها والمواضع التي ينازعه فيها الناس الوجه الأول قوله لو كان جسما لكان له بعد وامتداد فإن هذا مما نازعه فيه طائفة ممن يقول هو جسم وهو مع ذلك واحد لا يقبل القسمة بوجه من الوجوه فلا يشار إلى شيء منه دون شيء، فإن هذا معروف عن طائفة من أهل الكلام من الكرامية وغيرهم والرازي قد ذكر ذلك عن بعضهم لكنه ادعى أن هذا القول لا يعقل وأن فساده معلوم بالضرورة. وكذلك قول من قال إنه فوق العرش وإنه مع ذلك ليس بجسم كما يذكر ذلك عن الأشعري، وكثير من أهل الكلام والحديث والفقه من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم، وهو قول القاضي أبي يعلي وأبي الحسن الزاغوني وقول أبي الوفاء بن عقيل في كثير من كلامه وهو قول أبي العباس القلانسي، وقبله أبو محمد بن كلاب وطوائف غير هؤلاء. فإذا قال القائل: كونه جسماً مع كون غير منقسم أو كونه فوق العرش مع كونه غير جسم مما يعلم فساده بضرورة العقل.

стр. 1462

فيقال: ليس العلم بفساد هذا بأظهر من العلم بفساد قول من قال إنه موجود قائم بنفسه فاعل لجميع العالم وأنه مع ذلك لا داخل في العالم ولا خارج عنه ولا حال فيه ولا مباين له لا سيما إذا قيل مع ذلك إنه حي عالم قادر وقيل مع ذلك ليس له حياة ولا علم ولا قدرة، أو قيل: هو عاقل ومعقول وعقل وعاشق ومعشوق وعشق وأن العلم والحب نفس العالم المحب ونفس الحب هو نفس العلم أو قيل مع ذلك إنه حي بحياة عليم بعلم قدير بقدرة سميع يسمع بصير يبصر متكلم بكلام وقيل مع ذلك إنه لا داخل في مخلوقاته ولا خارج عنها ولا حال فيها ولا مباين لها وأن إرادته لهذا المراد ونفس رؤيته لهذا هو نفس رؤيته لهذا ونفس علمه بهذا هو نفس علمه بهذا وأن الكلام معنى واحد بالعين فمعنى آية الكرسي وآية الدين وسائر القرآن والتوراة والإنجيل وسائر ما تكلم به هو شيء واحد فإن كانت هذه الأقوال مما يمكن صحتها في العقل فصحة قول من قال هو فوق العرش وليس بجسم او هو جسم وليس بمنقسم أقرب إلى العقل. وإن قيل بل هذا القول باطل في العقل فيقال تلك أبطل في العقل ومتى بطلت تلك صح هذا. وإذا قيل النافي لإمكان تلك الأمور هو الوهم لا العقل

стр. 1463

وإلا فالعقل بجوز وجود ما ذكر قيل: والنافي لإمكان هذا هو الوهم وإلا فالعقل يجوز وجود ما ذكر وإذا قيل البرهان العقلي دل على وجود ما أنكره الوهم قيل والبرهان العقلي دل على وجود ما أنكره الوهم هنا. ومن تأمل هذا وجده من اصح المعارضة وأبين التناقض في كلام هؤلاء النفاة وقد بسط هذا في غير هذا الموضع. الوجه الثاني قوله وإذا كان له بعد وامتداد فإما أن يكون غير متناه وإما أن يكون متناهياً. فيقال من الناس من يقول إنه غير متناه وهؤلاء منهم من يقول جسم ومنهم من يقول غير جسم وقد حكى القولين أبو الحسن الأشعري في المقالات وحكاهما غيره أيضاً ومن الناس من قال هو متناه من بعض الجهات وهذا مذكور عن طائفة من أهل الكلام من الكرامية وغيرهم وقد قاله بعض المنتسبين إلى الطوائف الأربعة من الفقهاء كما ذكره القاضي أبو يعلى في عيون المسائل فإن هذه الأقوال يوجد عامتها في بعض أتباع الأئمة منها ما يوجد في في بعض أصحاب أبي حنيفة ومنها ما يوجد في بعض أصحاب مالك، ومنها ما يوجد في بعض أصحاب الشافعي ومنها مايو جد في بعض أصحاب أحمد، ومنها ما يوجد في بعض أصحاب اثنين أو ثلاثة أو الأربعة.

стр. 1464

قوله إن كان غير متناه من جميع الجهات فهو محال لوجوه الأول ما سنبينه من إحالة بعد لا يتناهى. فيقال له أنت قد أبطلت أدلة نفاة ذلك ولم تذكر إلا دليلاً هو أضعف من أدلة غيرك فبقيت الدعوى بلا دليل. قوله الثاني انه يلزم منه نفي الأجسام أو تداخلها، ومداخلة القاذورات. فيقال هؤلاء يقولون لا يلزم منه شيء من ذلك بل هو غير متناه مع كونه جسماً أو مع كونه غير جسم ويقولون لا يلزم نفي سائر الأجسام ولا مداخلتها. فإذا قيل لهم هذا ينفيه العقل قالوا نفي العقل لهذا كنفيه وجوده قائماً بنفسه فاعلاً للعالم وهو مع ذلك لا حال في العالم ولا بائن من العالم بل نفي العقل لهذا أعظم من نفيه لهذا وما قيل من الاعتذار عن ذلك بالفرق بين الوهم والعقل يمكن في هذا بطريق الأولى كما بسط في موضعه. فإن هؤلاء ادعوا أن قول القائل كل موجودين غما أن يكونا متحايثين أو متباينين أو كل موجودين قائمين بأنفسهما فإما أن يكونا متبايني، أو متلاصقين ن أو كل موجود قائم بنفسه فلا بد أن يكون

стр. 1465

مشاراً إليه. وان قول القائل بإثبات موجود لا هو داخل العالم ولا خارجه، ولا حال فيه ولا مباين له ولا يشار إليه ولا يقرب من شيء ولا يبعد من شيء ولا يصعد إليه شيء ولا ينزل منه شيء وأمثال ذلك من الصفات السالبة النافية. هو محال في العقل. قالوا إن هذا الموجب لذلك التقسيم، والمحيل لوجود هذا، إنما هو الوهم دون العقل، وأن الوهم يحكم غير المحسوس بحكم المحسوس، وهذا باطل. فقيل لهم فأنتم لم تثبتوا بعد وجود مالا يمكن الإحساس به وحكم الفطرة أولى بديهي، والوهم عندكم إنما يدرك الأشياء المعينة كإدراك العداوة والصداقة، كإدراك الشاة عدواة الذئب وصداقة اكبش. وهذه أحكام كلية والكليات من حكم العقل لا من حكم الوهم. فهذا وأمثاله مما أبطل به ما ذكروه من الاعتذار بأن هذا حكم الوهم لكن المقصود هنا أن ذلك العذر إن كان صحيحاً فلمنازعيهم أن يعتذروا به ههنا فيقولون ما ذكرتموه من كونه لو كان فوق العرش، أو لو كان جسماً لكان ممتداً متناهياً أو غير متناه هو من حكم الوهم وهو فرع كونه قابلاً لثبوت الامتداد ونفيه، أو لثبوت النهاية ونفيها، ونحن نقول هو فوق العرش أو هو فوق العرش وهو مع ذلك لا يقبل أن يكون ممتداً ولا غير

стр. 1466

ممتد ولا أن يكون متناهياً ولا غير متناه كما قلتم أنتم إنه موجود قائم بنفسه مبدع للعالم مسمى بالأسماء الحسنى وأنه مع ذلك لا يقبل أن يقال هو متناه ولا غير متناه بل ذاته لا تقبل إثبات ذلك ولا نفيه ولا تقبل أن يقال هو حال في العالم ولا خارج عنه فلا توصف ذاته بالدخول ولا بالخروج فإن ذاته لا تقبل الاتصاف لا بإثبات ذلك ولا بنفيه فهذا ونحوه قولكم فغن كان هذا القول صحيحاً أمكن من أثبت العلو دون التجسيم أو العلو والتجسيم ونفي ما يذكر من لوازمه أن يقول فيه ما تقولونه أنتم حيث أثبتم موجوداً قائماً بنفسه مبدعاً للعالم، ونفيتم ما يذكر من لوازمه، فإن لزوم تلك اللوازم لما أثبتوه أظهر في صريح العقل من لزوم هذه اللوازم لما أثبته هؤلاء، فإن أمكنكم نفي اللزوم، وادعيتم أن القول باللزوم وإحالة ما أثبتموه من حكم الوهم دون العقل أمكن خصومكم أن يقولوا مثل ذلك ما قلتموه بطريق الأولي. وهذا يفهمه من تصور حقيقة قول الطائفتين وأدلتهم العقلية، فإنه إذا قابل بين قول هؤلاء وقول هؤلاء تبين له صحة الموازنة وان الإثبات

стр. 1467

أقرب إلى صريح المعقول وأبعد عن التناقض، كما أنه أقرب إلى صحيح المنقول. الوجه الثالث وكذلك يقال في الوجه الثالث فإن لإثبات النهاية من أحد الطرفين دون الآخر أبعد عن الإحالة من إثبات موجود قائم لا يمكن أن يقال فيه هو متناه ولا أن يقال غير متناه. وكذلك إثبات موجود لا نهاية له من الطرفين أقرب إلى المعقول من كونه لا يقبل إثبات النهاية ولا نفيها. قوله فيلزم أن يكون الرب مفتقراً في إفادة مقداره إلى موجب ومخصص ولا معنى للبعد غير نفس الأجزاء فيكون الرب معلولا لغيره. يقال ما من أحد من النفاة إلا وقد قال نظير هذا فالكلابية والأشعرية يقولون الذات اقتضت صفات معدودة دون غيرها من الصفات فإنهم وغن تنازعوا في كون صفاته كلها معلومة للبشر فإنهم لم يتنازعوا في إثبات صفات لا تناهي بل لا بد إن تكون صفاته متناهية فجعلوا الذات مقتضية لعدد معين دون غيره من الأعداد، ولصفات معينة دون غيرها من الصفات بل واقتضت الأمر بشيء دون غيره من المأمورات، وبإرادة شيء دون غيره من المرادات مع أن نسبتها إلى جميع المرادات والمأمورات نسبة واحدة.

стр. 1468

وأصلهم أنه يجوز تخصيص أحد المثلين دون الآخر بغير مخصص بل بمحض الإرادة ن وأن الذات اقتضت تلك الإرادة على ذلك الوجه دون غيرها، لا لأمر آخر. فإذا قيل الذات اقتضت تناهياً من جانب دون جانب أو قدراً مخصوصاً، لم يكن هذا في صريح العقل بأبعد من الامتناع من ذلك، لا سيما وهو مع ذلك يقولون لم يكن هذا في صريح العقل بأبعد من الامتناع من ذلك لا سيما وهو مع ذلك يقولون إن هذه الإرادة اقتضت أن تكون الحوادث متناهية من أحد الطرفين دون الآخر فالحوادث عندهم لا تناهي من جانب المستقبل مع تناهيها من جانب الماضي ومع إمكان تقدم الحوادث على مبدأ حدوثها وتأخرها عن ذلك المبدأ، ولكن الإرادة هي المخصصة لأحد المثلين والذات هي المخصصة لتلك الإرادة المعينة دون غيرها من الإرادات وهي المخصصة للكلام المعين الذي هو أمر بشيء معين دون غيره من الكلام والأوامر. والمعتزلة يقولون إن تلك الذات هي المخصصة لأحد المقدورين دون أمثاله من المقدورات، وكذلك هي المخصصة لكونها آمرة ومتكلمة وفاعلة بالأمر المعين والكلام المعين والفعل المعين، دون غيره من الأوامر والكلام والفعل، وهي المخصصة للإرادة أو لكونه مريداً دون غير تلك الإرادة أو غير تلك المريدية. والفلاسفة يقولون إن الذات أو الوجود الذي لا اختصاص له

стр. 1469

بحقيقة من الحقائق ولا صفة من الصفات هو المخصص للعالم كله بما هو عليه من الحقائق والصفات والمقادير وأنه علة تامة موجبة للمعلول مع أن الحوادث من المعلولات ليست أعيانها أزلية ولم يكن فيه ما يوجب تأخر شيء من المعلولات، ولا قام به صفة ولا معنى ولا فعل يوجب التخصيص، لا بحقيقة دون حقيقة ولا بصفة دون صفة ولا لحادث دون حادث ولا لتأخير ما يتأخر. والعالم يشهد فيه من الحقائق والحوادث الحادثة ما يعلم معه بالضرورة أنه لا بد له من مخصص، وهم لا يثبتون إلا وجوداً مطلقاً، ليس فيه اختصاص وجودي بوجه من الوجوه، فضلاً عن إن يكون مقتضباً لتخصيص حقيقة دون حقيقة ن وصفة دون صفة والحدوث من غير سبب يقتضي الحدوث، وهذه الأمور لبسطها موضع آخر. والمقصود أن هؤلاء القائلين بعدم التناهي، أو بالتناهي من جانب دون جانب مع كون قولهم فاسداً فنفاة كون الرب على العرش الذين يحتجون على نفي ذلك بنفي الجسم وعلى نفي الجسم بهذه الحجج يلزمهم من التناقض أعظم مما يلزم المثبتين والمقدمات التي

стр. 1470

يحتجون بها هي أنفسها وما هو أقوى منها من جنسها تدل على فساد أقوالهم بطريق الأولى، فإن كانت صحيحة دلت على فساد قولهم ومتى فسد قولهم صح قول المثبتة لامتناع رفع النقيضين، وإن كانت باطلة لم تدل على فساد قول المثبتة فدل ذلك على أن هذه المقدمات مستلزمة فساد قول النفاة دون قول أهل الإثبات. وهذه الطريق هي ثابتة في الأدلة الشرعية والعقلية فإنا قد بينا في الرد على أصول الجهمية النفاة للصفات في الكلام على تأسيس التقديس وغيره أن عامة ما يحتج به النفاة لرؤية والنفاة فرق العرش ونحوهم من الأدلة الشرعية الكتاب والسنة هي نقيض قولهم وهكذا أيضاً عامة ما يحتجون به من الأدلة العقلية إذا وصلت معهم فيها إلى آخر كلامهم وما يجيبون به معارضهم، وجدت كلامهم في ذلك يدل على نقيض قولهم وأن ما يذكرونه من المناظرات العقلية هو على قول أهل الإثبات أدل منه على قولهم.

стр. 1471

الوجه الرابع قوله إذا كان متناهياً من جميع الجهات فاختصاصه بالشكل والمقدار إن كان لذاته لزم منه اشتراك جميع الأجسام فيه ضرورة الاتحاد في الطبيعة. فيقال له لا نسلم اشتراك جميع الأجسام في ذلك ولا نسلم أن االأجسام متحدة في الطبيعة وقد عرف أن النزاع في هذه المسألة من النظار من أشهر الأمور وهذا المصنف نفسه قد بين فساد حجج أصحابه المدعين تماثلها وتماثل الجواهر فإذا كان هو نفسه قد بين فساد حجج أصحابه المدعين تماثلها وتماثل الجواهر. فإذا كان هو نفسه قد بين فساد حجج القائلين بالاتحاد في الطبيعة كان قد أفسد حجته بما ذكره هو من الأدلة العقلية على فسادها فضلاً عما يذكره غيره من العقلاء وقد بسط هذا في موضعه وإنما المقصود هنا التنبيه على أن كل مقدمة في هذه الحجة يمكن منعها، ويكون قول المانع فيها أقوى من قول المحتج. تابع كلام الأمدي في نفي الجسمية عن الله تعالى قال أنه لو كان جسماً لكان مركباً ممن الأجزاء، وهو محال لوجهين الأول أنه يكون مفتقراً إلى كل واحد من تلك الأجزاء ضرورة استحالة وجود المركب دون أجزائه، وكل منها غير

стр. 1472

مفتقر إليه وما افتقر إلى غيره كان ممكناً لا واجباً لذاته وقد قيل إنه واجب لذاته. تعليق ابن تيمية قلت ولقائل أن يقول هذا باطل من وجوه بطلان هذا من وجوه الأول أن الذين قالوا إنه جسم لا يقول أكثرهم إنه مركب من الأجزاء بل ولا يقولون إن كل جسم مركب من الأجزاء فالدليل على امتناع ما هو مركب من الأجزاء فقط لا يكون حجة على من قال إنه ليس بمركب وإن كان بناءً على أن كل جسم مركب فهذا ممنوع. وإن قيل لا نعني بالأجزاء أجزاء كانت موجودة بدونه، وإنما نعني بها أنه لا بد أن يتميز منه شيء عن شيء. قيل فحينئذ لا يلزم أن يكون ذلك الذي يمكن أن يصير جزءاً غير مفتقر إليه إذ هو لا بد منه في وجود الجملة، وليس موجوداً دونها، فالجملة لا تستغني عنه وهو أيضاً لا يستغني عنها، فتكون الحجة باطلة. الثاني أن يقال ما تعني بقولك إنه يكون مفتقراً إلى كل واحد من تلك الأجزاء أتعني انه يكون مفعولاً للجزء أو معلولاً لعلة فاعلة أو تعني انه يكون وجوده مشروطاً بوجود الجزء.

стр. 1473

بحيث لا يوجد أحدهما إلا مع الآخر فإن ادعيت الأول كان التلازم باطلاً فإنه من المعلوم أن الأجسام التي خلقها الله تعالى ليس شيء من أجزائها فاعلاً لها ولا علة فاعلة لها فإذا لم يكن شيء من المركبات المخلوقة جزؤه فاعلاً له ولا علة فاعلة له، كان دعوى أن ذلك قضية كلية من أفسد الكلام، فإنه لا يعلم ثبوتها في شيء من الجزئيات المشهودة، فضلاً عن أن تكون كلية. وإن قيل نعني بالافتقار أنه لا يوجد هذا إلا مع هذا. قيل ولم قلتم إن مثل هذا ممتنع على الواجب بنفسه فإن الممتنع عليه أن يكون فاعلاً أو علة فاعلة إذ قيل بإمكان علة فاعلة لا تفعل بالاختيار فأما كونه لا يكون وجوده مستلزماً للوازم لا يكون موجوداً إلا بها، فالواجب بنفسه لا ينافي ذلك، سواء سميت صفات أو أجزاء أو ما سميت. الثالث ويظهر هذا بالوجه الثالث وهو أن النافي لمثل هذا التلازم إن كان متفلسفاً فهو يقول إن ذاته مستلزمة للممكنات المنفصلة عنه فكيف يمتنع أن تكون مستلزمة لصفاته اللازمة له، أو لما هو داخل في مسمى اسمه وهو أيضاً يسلم أن ذاته تستلزم كونه واجباً وموجوداً.

стр. 1474

وعاقلاً ومعقولا وعقلا، ولذيذاً وملتذاً به ن ومحباً لذاته ومحبوباً لها، وأمثال ذلك من المعاني المتعددة. فإذا قيل هذه كلها شيء واحد. قيل: هذا مع كونه معلوم الفساد بالضرورة لكونه تضمن أن العلم هو الحب وأن العالم المحب هو العلم والحب فإن قدر إمكانه فقول القائل إن الجسم ليس بمركب من الهيولي والصورة ولا من الجواهر المنفردة، بل هو واحد بسيط أقرب إلى العقل من دعوى اتحاد هذه الحقائق. وإن كان من المعتزلة وامثالهم فهم يسلمون ذاته تستلزم أنه حي عالم قادر وإن كان من الصفاتية فهم يسلمون استلزام ذاته للعلم والقدرة والحياة وغير ذلك من الصفات فما من طائفة من الطوائف إلا وهي تضطر إلى أن تجعل ذاته مستلزمة للوازم وحينئذ فنفي هذا التلازم لا سبيل لأحد إليه سواء سمي افتقاراً أو يسم وسواء قيل إن هذا يقتضي التركيب أو لم يقل. الرابع أن يقال قول القائل إن المركب مفتقر إلى كل

стр. 1475

واحد من تلك الأجزاء أتعنى بالمركب تلك الأجزاء أو تعني به اجتماعها آو الأمرين أو شيئاً رابعاً فإن عنيت الأول كان المعنى أن تلك الأجزاء مفتقرة إلى تلك الأجزاء وكان حاصله أن الشيء المركب مفتقر إلى المركب وان الشيء مفتقر إلى نفسه، وان الواجب بنفسه مفتقر إلى الواجب بنفسه. ومعلوم أن الواجب بنفسه لا يكون مستغنياً عن نفسه بل وجوبه بنفسه يستلزم أن نفسه لا تستغني عن نفسه. فما ذكرتموه من الافتقار هو تحقيق لكونه واجباً بنفسه، لا مانع لكونه واجباً بنفسه. وإن قيل إن المركب هو الاجتماع الذي هو اجتماع الأجزاء وتكبها. قيل فهذا الاجتماع هو صفة وعرض للأجزاء لا يقول عاقل إنه واجب بنفسه دون الأجزاء بل إنما يقال هو لازم للأجزاء والواجب لنفسه هو الذات القائمة بنفسها وهي الأجزاء لا مجرد الصفة التي هي نسبة بين الأجزاء وإذا لم يكن هذا هو نفس الذات الواجبة بنفسها وإنما هو صفة لها فالقول فيه كالقول في غيره مما سميتموه أنتم أجزاء وغايته أن تكون بعض الأجزاء
следующие страницы →