Полный текст (4 031 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
وقد يكون في المجسمة من يقول إنه جسم مركب من الجواهر المنفردة وينازعهم في امتناع مثل هذا التركيب عليه ويقول لا حجة لكم على نفي ذلك إلا ما اقمتموه من الأدلة على كون الأجسام محدثة أو ممكنة وكلها أدلة باطلة، كما بسط في موضعه.
وبينهم نزاع في أمور أخرى ينازعهم فيها من لا يقول هو جسم مثل كونه فوق العالم أو كونه ذا قدر أو كونه متصفاً بصفات قائمة به.
فالنفاة يقولون هذه لا تقوم إلا بجسم، وأولئك قد ينازعونهم في هذا أو بعضه، وينازعونهم في إتنفاء هذا المعنى الذي سموه جسماً فهم ينازعون إما في التلازم وإما في انتفاء اللازم.
إذا تبين أن هذه الأمور كلها ترجع إلى هذه الأمور الثلاثة فإن الحجج الثمانية التي ذكرها الآمدي على نفي الجوهر، وأربعة مختصة بالجسم.
ذكر الآمدي أربعة حجج على نفي الجوهر مختصة بالجسم
الحجة الأولى
قوله لو كان جوهراً كالجواهر فإما أن يكون واجباً لذاته وإما أن لا يكون فإن كان واجباً لذاته لزم اشتراك جميع الجواهر في وجوب الوجود لذاتها ضرورة اشتراكها في معنى
стр. 1402
الجوهرية وإن كان ممكناً لزم أن لا يكون واجباً لذاته وإن كان لا كالجواهر فهو تسليم للمطلوب.
الرد عليه
فيقال لا نسلم انه إذا كان واجبا لذاته لزم اشتراك جميع الجواهر في وجوب الوجود ولا يلزم أن الاشتراك في الجوهرية يقتضي الاشتراك في جميع الصفات التي تجب لكل منها وتمتنع عليه وتجوز له.
وكذلك سيقال لا نسلم أنه إذا لم يكن كالجواهر كان تسليماً للمطلوب وذلك انه إذا قيل لا كالأحياء وعالم لا كالعلماء وقادر لا كالقادرين لا يلزم من ذلك نفي هذه الصفات ولا إثبات خصائص المخلوقات.
فمن قال هو جوهر وفسره إما بالمتحيز وغما بالقائم بذاته وغما بما هو موجود في موضوع لم يسلم أن الجواهر متماثلة بل يقول تنقسم إلى واجب وممكن كما ينقسم الحي والعليم إلى هذا وهذا.
стр. 1403
فإن قال إذا كان متحيزاً فالمتحيزات مماثلة له كان هذا مصادرة على المطلوب، لأنه نفي كونه جسماً بناءً على نفي الجوهر ونفي الجوهر بناء على نفي على نفي المتحيز.
والمتحيز هو الجسم أو الجوهر والجسم فيكون قد جعل الشيء مقدمة في إثبات نفسه وهذه هي المصادرة.
الحجة الثانية
قال الآمدي انه إما أن يكون قابلاً للتحيزية أو لا يكون فإن كان الأول لزم أن يكون جسماً مركباً وهو محال كما يأتي وغن كان الثاني لزم أن يكون بمنزلة الجوهر الفرد.
ولقائل أن يقول إن عنيت بالتحيزية تفرقته بعد الاجتماع أو اجتماعه بعد الافتراق فلا نسلم أن ما لا يكون كذلك يلزم أن يكون حقيراً.
وإن عنيت به ما يشار إليه أو يتميز منه شيء عن شيء لم نسلم أن مثل هذا ممتنع بل نقول إن كل موجود قائم بنفسه فإنه كذلك،
стр. 1404
وأن ما لا يكون كذلك فلا يكون إلا عرضاً قائماً وانه لا يعقل موجود إلا ما يشار إليه أو ما يقوم بما يشار إليه كما قد بسط في موضعه وسيأتي الكلام على نفي حجته.
الحجة الثالثة
قال لا يخلو غما ان يكون لذاته قابلاً لحلول الأعراض المتعاقبة أولاً فإن كان الأول فيلزم ان يكون محلاً للحوادث وهو محال كما يأتي وإن كان الثاني فيلزم امتناع ذلك على كل الجواهر ضرورة الاشتراك بينها في المعنى وهو محال خلاف المحسوس.
الرد عليه من وجوه
ولقائل أن يقول الجواب من وجوه
الأول أنا لا نسلم حلول الأعراض المتعاقبة وأنت قد اعتمدت في هذا الوجه الذي ذكرته من تناقض أهل هذا القول على نفي الجسم والجوهر فلو جعلت هذا حجة في ذلك لزم المصادرة على المطلوب إذ كنت في كل من المسألتين تعتمد على الأخرى وإن اعتمدت على نفيه بالوجوه الأخر فقد عرف فساد كلامك وكلام غيرك.
стр. 1405
الوجه الثاني
الثانية أن يقال ولم قلت إنه إذا امتنع حلول الحوادث على بعض الجواهر بعض وبعض القائمين بأنفسهم دون بعض وبعض الموصوفات دون بعض فلو قال لك قائل الاشتراك في كون كل من الشيئين ذاتاً قائمة بنفسها موصوفة بالصفات يوجب اشتراكهما في حلول الحوادث لكان هذا القول إما أن يلزمك وإما أن لا يلزمك فإن لزمك كان هذا لازماً لك ولمنازعك فليس لك أن تنفيه وإن لم يلزمك فما كان جوابك عن إلزام من يلزمك به هو جواب منازعك.
فإن قلت الاشتراك في الجوهرية اشتراك في المعنى الذي لآجله جاز قيام الحوادث به.
قال لك كل من الخصمين والاشتراك في الذاتية والموصوفية والقيام بالنفس اشتراك في المعنى الذي لجله جاز قيام الحوادث به وأنت إذا أنصفت علمت أن البابين واحد.
الحجة الثالثة
الثالثة أن يقال ما تعنى بقولك الأعراض المتعاقبة أتعني به أحواله التي دلت النصوص على قيامها به أم غير ذلك؟
الأول مسلم لكن لا نسلم مساواة المخلوقات له في خصائصه والثاني ممنوع.
стр. 1406
الحجة الرابعة
قال أنه لا يخلو إما ان تكون ذاته قابلة لأن يشار إليها انها هنا أو هناك او لا تكون قابلة لذلك فإن كان الأول فيكون متحيزاً إذ لا معنى للتحيز إلا هذا و التحيز على الله محال لوجهين
التحيز على الله محال لوجهين
الأول أنه إما ان يكون منتقلاً عن حيزه أو لا يكون منتقلاً عنه فيكون متحركاًوإن لم يكن منتقلاً عنه فيكون ساكناً والحركة والسكون حادثان على ما يأتي وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث
الثاني
أن اختصاصه بحيزه إما ان يكون لذاته او لمخص من خارج فإن كان الأول فليس هو أولى من تخصيص غيره من الجواهر به ضرورة المساواة في المعنى وإن كان لغيره وجب أن يكون الرب مفتقراً إلى غيره في وجوده فلا يكون واجب
стр. 1407
الوجود وإن كان غير متحيز لزم في كل جوهر ان يكون غير متحيز ضرورة المساواة في المعنى وهو محال.
وأنه لا معنى للجوهر غير المتحيز بذاته فما لا يكون كذلك لا يكون جوهراً.
تعليق ابن تيمية
قلت: ولقائل أن يقول: لا نسلم أنه إذا كان قابلاً للإشارة كان متحيزاً.
وقوله: لا معنى للمتحيز إلا هذا: إن أراد به أن المفهوم من كونه مشاراً إليه هو المفهوم من كونه متحيزاً كان قوله فاسداً بالضرورة.
وإن أراد أن ما صدق عليه هذا صدق عليه هذا.
قيل له: من الناس من ينازعك في هذا ويقول: إنه سبحانه فوق العالم ويشار إليه وليس بمتحيز.
فإن قال: هذا فساده معلوم بالضرورة.
قيل له: ليس هذا بأبعد من قولك إنه موجود قائم بنفسه، متصف بالصفات مرئي بالأبصار، وهو مع هذا لا يشار إليه، وليس بداخل العالم ولا خارجه ولا مباين له ولا مداخل له.
فإن قلت: إحالة هذا من حكم الوهم.
قيل لك: وإحالة موجود قائم بنفسه يشار إليه ولا يكون متحيزاً من حكم الوهم.
بل تصديق العقول بموجود يشار إليه ولا يكون متحيزاً
стр. 1408
أعظم من تصديقها بموجود قائم بنفسه متصف بالصفات لا يشار إليه وليس بداخل العالم ولا خارجه.
ثم يقال ثانياً: لم قلتم: أنه يمتنع أن يكون متحيزاً؟ قولك: إما أن يكون متحركاً أو ساكناً يقال لك فلم لا يجوز أن لا يكون قابلاً للحركة والسكون، وثبوت أحدهما فرع قبوله له؟
فإن قلت كل متحيز فهو قابل لهما.
قيل لك: علمنا بهذا كعلمنا بأن كل موجود قائم بنفسه موصوف بالصفات إما مباين لغيره، وإما محايث فإن جوزت موجوداً قائماً بنفسه، لا مباين ولا محايث، فجوز وجود موجود متحيز ليس يمتحرك ولا ساكن.
فإن قلت: المتحيز إما أن يكون منتقلاً عن حيزه أو لا يكون منتقلاً عنه.
والأول هو الحركة والثاني هو السكون.
قيل لك: ليس كل متحيز أمراً وجودياً فإن العالم متحيز وليس له حيز وجودي ومن قال إن الباري وحده فوق العالم أو سلم لك إنه متحيز لم يقل إنه في حيز وجودي.
وحينئذ فالحيز أمر عدمي، فقولك إما أن يكون منتقلاً عنه أو لا كقولك: إما أن يكون منتقلاً بنفسه أولا وهو معنى قولك إما أن يكون متحركاً أو ساكناً وهذا إثبات الشيء بنفسه.
стр. 1409
فإن قلت: هذا بين مستقر في الفطرة والعلم به بديهي.
قيل لك: ليس هذا بأبين من قول القائل: إما أن يكون صانع العالم حيث العالم وإما أن لا يكون حيث العالم والأول هو المحايثة والدخول فيه، والثاني هو المباينة والخروج عنه.
فإن قلت: يمكن أن لا يكون داخلاً فيه ولا خارجاً عنه.
قيل لك: ويمكن أن لا يكون المتحيز منتقلاً ولا يكون ساكناً، كما تقوله أنت فيما تقول إنه قائم بنفسه لا منتقل ولا ساكن فإن قلت: أنا أعقل هذا فيما ليس بمتحيز ولا أعقله في المتحيز.
قيل: وكيف عقلت اولاً ثبوت ما ليس بمتحيز بهذا التفسير؟
والمنازع يقول أنا لا أعقل إلا ما هو داخل أو خارج.
فإذا قلت أنت: هذا فرع قبول ذلك وقابل ذلك هو المتحيز فما لا يكون كذلك لا يكون قابلاً للمباينة والمحاديثة والدخول والخروج.
قال لك: نحن لا نعقل موجوداً إلا هذا.
فإن قلت بل هذا ممكن في العقل وثابت أيضاً.
قال لك: وكذلك متحيز لا يقبل الحركة والسكون هو أيضاً ممكن في العقل وثابت.
стр. 1410
فإن قلت الفطرة تدفع هذا.
قيل لك: وهي لدفع ذاك أعظم.
فإن قلت ذاك حكم الوهم.
قيل وهذا حكم الوهم.
فإن قلت العقل أثبت موجوداً ليس بمتحيز.
قيل لك: إنما أثبت ذاك بمثل هذه الأدلة التي تتكلم على على مقدماتها.
فإن أثبت مقدمات النتيجة بالنتيجة، كنت مصادراً على المطلوب فأنت لا يمكنك إثبات موجود ليس بمتحيز إلا بمثل هذا الدليل وهذا الدليل لا يثبت إلا ببيان إن مكان وجود موجود ليس بمتحيز فلا يجوز أن تجعله مقدمة حجة في إثبات نفسه.
ويقول له الخصم: ثالثاً هب أنك تقول: لا بد له إذا كان متحيزاً من الحركة والسكون فنحن نقول: إن كل قائم بنفسه لا يخلو عن الحركة والسكون فإنه إما أن يكون منتقلاً أو لا يكون منتقلاً فإن كان منتقلاً فهو متحرك وإلا فهو ساكن.
فإن قلت: ثبوت الانتقال وسلبه فرع قبوله.
стр. 1411
قيل لك: هذا التقسيم معلوم بالضرورة في كل قائم بنفسه، كما ذكرت أنه معلوم بالضرورة في كل ما سميته متحيزاً، وحيزه عدم محض فإنه إذا لم يكن إلا الانتقال وعدم الانتقال فالانتقال هو الحركة وعدمه هو السكون.
وإذا قلت: هذان متقابلان تقابل العدم والملكة فلا بد من ثبوت القبول.
كان الجواب من وجوه:
الأول: أن يقال مثل هذا فيما سميته متحيزاً.
الثاني: أن يقال هذا اصطلاح اصطلحته وإلا فكل ما ليس بمتحرك وهو قائم بنفسه فهو ساكن كما أن كل ما ليس بحي فهو ميت.
الثالث أن يقال هب أن الأمر كذلك ولكن إذا اعتبرنا الموجودات فما يقبل الحركة أكمل مما لا يقبلها فإذا كان عدم الحركة عما من شأنه أن يقبلها صفة نقص فكونه لا يقبل الحركة أعظم نقصاً كما ذكرنا مثل ذلك في الصفات.
стр. 1412
ونقول رابعاً الحركة الاختيارية للشيء كمال له، كالحياة ونحوها، فإذا قدرنا ذاتين إحداهما تتحرك باختيارها والأخرى لا تتحرك أصلاً كانت الأولى أكمل.
ويقول الخصم: رأبعاً قوله لم لا يجوز أن يكون متحركاً قولك: الحركة حادثة.
قلت: حادثة النوع او الشخص؟ الأول ممنوع والثاني مسلم وقولك مالا يخلو عن الحوادث فهو حادث إن أريد به ما لا يخلو عن نوعها فممنوع والثاني لا يضر وانت لم تذكر حجة على حدوث نوع الحركة إلا حجة واحدة وهو قولك الحادث لا يكون أزلياً وهي ضعيفة كما عرف.
إذ لفظ الحادث يراد به النوع ويراد به الشخص فاللفظ مجمل كما أن قول القائل الفاني لا يكون باقياً لفظ مجمل فإن أراد به أن القائم بنفسه لا يكون باقياً فهو حق وإن أراد به أن ما كان فاني الأعيان لا يكون نوعه باقياً فهو باطل فإن نعيم الجنة دائم باق مع أن كل أكل وشرب ونكاح وغير ذلك من الحركات تفنى شيئاً بعد شيء وإن كان نوعه لا يفنى.
وأما قوله في الوجه الثاني: إن اختصاصه بحيزه: إما أن يكون لذاته أو لمخصص من خارج.
стр. 1413
فيقال أتعني بالحيز شيئاً موجوداً أو شيئاً معيناً سواء كان موجوداً أو معدوماً أو شيئاً مطلقاً، فإن عنيت الأول فالرب سبحانه لا يجب أن يكون متحيزاً بهذا الاعتبار عند المنازع بل ولا عند طائفة معروفة.
وإن عنيت الثاني لم يسلم المنازع كونه متحيزاً بهذا الاعتبار وإن عنيت الثالث، فيقال لك حينئذ فليس اختصاصه بحيز معين من لوازم ذاته، بل هو باختياره.
وإذا كان يخصص بعض الأحياز بما شاء من مخلوقاته فتصرفه بنفسه أعظم من تصرفه بمخلوقاته.
وأما قولك ليس هو أولى من تخصيص غيره من الجواهر به ضرورة المساواة في المعنى.
فكلام ساقط لوجوده:
الأولى: أن الله يخص ما شاء من الأحياز بما شاء من الجواهر ولا يقال ليس هذا أولى من هذا فكيف يقال إنه ليس أولى من بعض مخلوقاته بما هو قادر عليه مختار له؟
والثاني إن يقال فما من جوهر إلا وله حيز يختص به دون غيره من الجواهر سواء قيل إنه حيزه الطبيعي أو لا فعلم أن مجرد الاشتراك في كل حيز.
стр. 1414
الثالث: أن كل جوهر مختص من غيره بصفة تقوم به ومقدار يخصه مع اشتراكها في الجواهرية فكيف لا يختص بحيزه؟
الرابع: أن الحيز ليس أمراً وجودياً، وإنما هو أمر عدمي والجواهر الموجودة لا بد أن يكون لبعضها نسبة إلى بعض بالعلو والسفول والتيامن والتياسر والملاقاة والمباينة ونحو ذلك وكل منها مختص من ذلك بما هو مختص به لا تشاركه فيه سائر الجواهر فكيف يجب أن يشارك المخلوق لخالقه؟
الخامس: أن هذا مبني على تماثل الجواهر وهو ممنوع بل هو مخالف للحس وسيأتي كلامه في إبطاله.
السادس: أنا لو فرضنا الجواهر متماثلة فالمخصص لكل منها بما يختص به هو مشيئة الرب وقدرته وإذا كان بقدرته ومشيئته يصرف مخلوقاته فكيف لا يتصرف هو بقدرته ومشيئته، كما أخبرت عنه رسله وكما انزل بذلك كتبه حيث أخبر أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم أستوى على العرش، وأمثال ذلك من النصوص.
وأما قوله إن كان غير متحيز لزم ان يكون كل جوهر غير متحيز فعنه جوابان:
الأول: أن يقال له ولأمثاله كالرازي والشهر ستاني ونحوهما من
стр. 1415
المتأخرين الذين أثبتوا جواهر معقولة غير متحيزة موافقة للفلاسفة الدهرية أو قالوا: إنه دليل على نفي ذلك: أنتم إذا ناظرتم الملاحدة المكذبين فادعوا إثبات جواهر غير متحيزة عجزتم عن دفعهم أو فرطتم، فقلتم: لا نعلم دليلا على نفيها، أو قلتم بإثباتها وإذا ناظرتم إخوانكم المسلمين الذين قالوا بمقتضى النصوص الإلهية والطريقة السلفية وفطرة الله التي فطر عباده عليها، والدلائل العقلية السليمة عن المعارض، وقالوا: إن الخالق تعالى فوق خلقه، سعيتم في نفي هذا القول لوازم هذا القول وموجباته، وقلتم: لا معنى للجوهر إلا المتحيز بذاته، فإن كان هذا القول حقا فادفعوا به الفلاسفة الملاحدة، وإن كان باطلا فلا تعارضوا به المسلمين.
أما كونه يكون حقا إذا دفعتم ما يقوله إخوانكم المسلمون، ويكون باطلا إذا عجزتم عن دفع الملاحدة في الدين فهذا طريق من بخس حظه من العقل والدين، وحسن النظر والمناظرة عقلا ًوشرعا.
والجواب الثاني: أنك قلت في أول هذا الوجه: إما أن تكون ذاته قابلة لأن يشار إليها أنها ههنا أو هناك، أو لا تكون قابلة.
ثم قلت: فإن كان الأول فيكون متحيزاً.
فكان حقك أن تقول: وإن لم تكن ذاته قابلة
стр. 1416
للإشارة إليه لزم في كل جوهر أن لا يكون مشاراً إليه وأن لا يكون متحيزاً.
وإذا قلت ذلك، قيل لك، إثبات جوهراً لا يشار إليه هو قول المتفلسفة الذين يثبتون جواهر لا يشار إليها، وقول النصارى الذين ينفون العلو.
وحينئذ فيقولون: لا نسلم أن كل جوهر فإنه يجب ان يكون مشاراً إليه وأنت قد اعترفت في بحثك مع الفلاسفة بهذا وهذا القول وإن كان باطلاً لكن المقصود تبيين ضعف حجج هؤلاء النفاة نفياً يستلزم نفي الصفات.
ويقال لك: إثبات جوهر لا يشار إليه كإثبات قائم بنفسه لا يشار إليه.
وإن قال: أنا ذكرت هذا لنفي كونه جوهراً كالجواهر.
فيقال: من قال هذا يقول: هو جوهر كالجواهر التي يدعي إثباتها من يقول بإثبات الجواهر العقلية المجردة فإنه هو جوهر كالجواهر العقلية المجردة، فمن نفي هذه الجواهر أبطل قولهم وإلا فلا
стр. 1417
الحجة الخامسة
قال الآمدي أنه لو كان جوهراً كالجواهر لما كان مفيداً لوجود غيره من الجواهر فإنه لا أولوية لبعض الجواهر بالعلية دون بعض، ويلزم من ذلك أن لا يكون شيء من الجواهر معلولاً، او ان يكون كل جوهر معلولاً للآخر، والكل محال.
فإن قيل: الجواهر، وإن تماثلت في الجوهرية ألا أنها متمايزة بأمور موجبة لتعين كل واحد منها عن الآخر، وعند ذلك فلا مانع من اختصاص بأمور وأحكام لا وجود لها في البعض الأخر، ويكون ذلك باعتبار ما به التعين، لا باعتبار ما به الاشتراك، فنقول، والكلام في اختصاص كل واحد بما به التعين كالكلام في الأول فهو تسلسل ممتنع فلم يبق إلا أن يكون اختصاص كل واحد من المتماثلات بما اختص به لمخصص من خارج وذلك على الله محال.
стр. 1418
تعليق ابن تيمية
قلت: ولقائل أن يقول: قوله: لو كان جوهراً كالجواهر إن عني به أنه لو كان جوهراً مماثلا للجواهر فيما يجب ويجوز ويمتنع لم ينفعه هذا لوجوه:
الأول أن إذا لا يقوله عاقل يتصور، لمافيه من الجمع بين النقيضين كما تقدم
الثاني انه إذا كان يقتضي هذا أنه يماثل كل جوهر فيما يجب ويجوز ويمتنع لم يلزم انتفاء مشابهته له من بعض الوجوه، فغن نفي التماثل في مجموع هذه الأمور، يكون بانتفاء التماثل في واحد من أفرادها فإذا قدر انه خالف غيره في فرد هذه الأمور لم يكن مثله في مجموها ولكن ذلك لا ينفي مماثلة في فرد آخر وحينئذ فلا يكون قول القائل: هو جوهر لا كالجواهر صحيحاً، ولا يكون النزاع معه في اللفظ بل لا بد ان ينفي عنه مماثلة المخلوقات في كل ما هو من خصائصها.
الثالث: انه على هذا التقدير يكون مشابهاً لها من وجه مخالفاً من وجه وليس في كلامه ما يبطل ذلك بل قد صرح في غير هذا الموضع بأن هذا هو الحق
ذكر الآمدي حجة من حجج القائلين بالقدم
فقال في مسألة حدوث الأجسام لما ذكر حجة القائلين
стр. 1419
بالقدم، قال: الوجه العاشر أنه لو كان العالم محدثا فمحدثه إما ان يكون مساوياً له من كل وجه، او مخالفاً له من كل وجه، فإن كان الأول فهو حادث، والكلام فيه كالكلام في الأول، ويلزم التسلسل الممتنع، وإن كان الثاني فالمحدث ليس بموجود، وإلا لما كان مخالفاً له من كل وجه وهو خلاف الفرض، وإذا لم يكن موجوداً امتنع ان يكون موجباً للموجود كما سبق، وإن كان الثالث فمن وجهة ما هو مماثل للحادث يجب أن يكون حادثاً، والكلام فيه كالأول وهو تسلسل محال وهذه المحاولات إنما لزمت من القول بحدوث بالعالم فلا حدوث.
رده عليها
ثم قال في الجواب: وأما الشبهة العاشرة فالمختار من أقسامها
стр. 1420
إنما هو القسم الأخير، ولا يلزم من كون القديم مماثلا للحوادث من وجه أن يكون مماثلاً للحادث من جهة كونه حادثاً، بل لا مانع من الاختلافات بينهما في صفة القدم والحدوث وإن تماثلاً بأمر آخر، وهذا كما أن السواد والبياض مختلفان من وجه دون وجه لاستحالة اختلافهما من كل وجه وإلا لما اشتركا في العرضية واللونية والحدوث، واستحالة تماثلها من كل وجه وإلا كان السواد بياضاً ومع ذلك فما لزم من مماثلة السواد للبياض من وجه أن يكون مماثلاً له في صفة البياضية.
وإن عني به انه لو كان جوهراً مماثلاً في مسمى الجوهرية، فهذا مثل أن يقال: لو كان حياً مماثلاً للأحياء في مسمى الحيية أو عالماً مماثلاً للعلماء في مسمى العالمية أو قادراً مماثلاً للقادرين في مسمى القادرية أو موجوداً مماثلاً للموجودات في مسمى الموجودية، وحينئذ فموافقته في ذلك لا تستلزم أن يكون مماثلاً لها فيما يجب ويجوز ويمتنع إلا أن تكن الجواهر كلها كذلك.
ومعلوم أن من يقول هو جوهر لا يقول إن الجواهر متماثلة بل يقول إنه مخالف لغيره بل جمهور العقلاء يقولون إن
стр. 1421
الجواهر مختلفة في الحقائق وحينئذ فتبقى هذه الوجوه موقوفة على القول بتماثل الجواهر والمنازع يمنع ذلك بل ربما قال العلم باختلافها ضروري.
ودعوى تماثلها مخالف للحس والعلم الضروري فإنا نعلم أن حقيقة الماء مخالفة لحقيقة النار، وأن حقيقة الذهب مخالفة لحقيقة الخبز وأن حقيقة الدم مخالفة لحقيقة التراب، وأمثال ذلك وأن اشتراكهما في كونهما جوهرين هو اشتراكهما في كونهما قائمين بأنفسهما او متحيزين أو قابلين للصفات وهذا اشتراك في بعض صفاتها لا في الحقيقة الموصوفة بتلك الصفات.
الثالث: أنه إن أراد بقوله: إنه جوهر كالجواهر أنه مماثل لكل جوهر في حقيقته ويجوز عليه ما يجوز على كل جوهر، فهذا لا يقوله عاقل.
وأنما أراد المنازع انه إما قائم بنفسه وإما متحيز وإما نحو ذلك من المعاني التي يقول إن الاشتراك فيه كاشتراك في كون كل منهما حياً قائماً بنفسه ونحو ذلك، فيبقى النزاع في أن مسمى الجوهر عند هؤلاء يقتضي تماثل أفراده.
وهؤلاء يقولون: لا بل هو اسم لما تختلف أفراده وفي أن هؤلاء يقولون: الاشتراك في التحيز الاصطلاحي يقتضي التماثل في الحقيقة وهؤلاء ينفون ذلك.
стр. 1422
ومعلوم عند التحقيق أن قول النفاة للتماثل هو الحق كما قد بسط في موضعه.
وهؤلاء يقولون: قولنا جوهر كقولكم ذات قائمة بنفسها ونحو ذلك.
فتبين أن ما ذكره من الدليل على نفي الجوهر هو دليل على نفي ما اتفقت الطوائف على نفيه فإن أحداً من العقلاء لا يقول إنه جوهر بمعنى مماثلته لكل قائم بنفسه فيما يجب ويجوز ويمتنع وما قاله المثبتة منه ما سلم لهم معناه ومنه مالا حجة له على نفيه إلا حجته على نفي الجسم، وحينئذ فيكون الكلام في نفي الجوهر مفرعاً على الكلام في نفي الجسم.
وقوله: إن الوجوه الأربعة التي نفي بها الجوهر ينفي بها الجسم لا يستقيم فإنه إنما نفي بها الجوهر بمعنى انه مماثل لغيره فيما يجب ويجوز ويمتنع وهذا مما يسلمه له من يقول إنه جوهر وجسم فإقامة الدليل عليه نصب للدليل في غير محل النزاع لم ينف بها الجوهر بالمعنى الذي يثبته من قال.
وحرف المسألة أن كلامه مبني على تماثل الجواهر ومن يقول ذلك لا يقول إنه جوهر ولا جسم فالكلام في هذا الباب فرع
стр. 1423
على تلك المسألة ولو هذا صحيحاً لكان العلم بحدوث الأجسام وإمكانها من اسهل الأمور فإن بعضها محدث بالمشاهدة والمحدث ممكن فإذا كانت متماثلة جاز على كل واحد منها ما جاز على الآخر فيلزم إما حدوثها وإما إمكان حدوثها وعلى التقديرين يحصل المقصود.
والنافي لتماثلها لا يقول السؤال الذي أورده إنها متماثلة في الجوهرية لكنها متمايزة ومتغايرة بأمور موجبة للتعين هو الموجب للاختصاص بل تقول أنها مختلفة بحقائقها وأنفسها لكنها تشابهت في كونها قائمة بأنفسها أو كونها متحيزة قابلة للصفات وهذا معنى اتفاقها في الجوهرية كما ذكرة هو في الاعتراض على دليل القائلين بتماثلها.
ويقول أيضا إن الأمور المتماثلة من كل وجه لا يجوز تخصيص أحدها بما يتميز به عن الآخر إلا لمخصص وإلا لزم ترجيح أحد المثلين على الآخر بلا مرجح ومشيئة الله تعالى ترجح أحد الأمرين لحكمة تقتضي ذلك، وتلك الحكمة مقصودة لنفسها، وإلا فنسبة الإرادة إلى المتماثلين سواء وتلك الحكمة المرادة تنتهي إلى حكمة تراد لنفسها كما بسط في موضعه.
стр. 1424
وأيضاً فإن القائل: إن هذه الجواهر المشهودة متماثلة في الحقيقة، ولكن الفاعل المختار خص كلا منها بصفات تخالف بها الآخر، يقتضي أن لها حقيقة مجردة عن جميع الصفات التي اختلفت فيها، فيكون الماء المشهود له حقيقة غير هذا الماء المشهود، والنار المشهودة لها حقيقة غير هذه النار المشهودة ويكون ما خالف به هذا لهذا في الماء والنار أمراً عارضاً لتلك الحقيقة لا صفة ذاتية لها ولا لازمة.
وهذا مكابرة للحس، وأيضاً فعلى هذا القول لا يكن لشيء من الموجودات صفة ذاتية ولا صفة لازمة لذاته أصلاً بل كل صفة يوصف بها عارضة له يمكن زوالها مع بقاء حقيقته لأن كل ما اختلفت به الأعيان أمر عارض لها ليس بداخل في حقيقتها عند من يقول بتماثل الجواهر والأجسام.
وحينئذ فيكون الإنسان الذي هو حيوان ناطق يمكن زوال كونه حيواناً وكونه ناطقاً، مع بقاء حقيقته وذاته وكذلك الفرس يمكن زوال حيوانيته وصاهليته مع بقاء حقيقته وذاته وهكذا كل الأعيان.
ثم يقال: إذا قدرنا عدم هذه الصفات التي هي لازمة للأنواع وذاتية لها، لم يبق هناك ما يعقل كونه جوهراً لا مماثلاً ولا مخالفاً فإنا إذا نظرنا إلى هذا الإنسان وقدرنا أنه ليس بحي ولا ناطق ولا ضاحك
стр. 1425
ولا حساس ولا متحرك بالإرادة لم يعقل هنالك جوهر قائم بنفسه غيره تعرض له هذه الصفات، بل إثبات ذلك نوع من الخيال الذي لا حقيقة له وهذا الخيال في الجواهر المحسوسة نظير خيال من أثبت الجواهر المعقولة لكن تلك محلها العقل، وهذه محلها الخيال، فإنا يمكننا تقدير هذا الشكل مع عدم كونه حيواناً ناطقاً، لكن حينئذ يكون المقدور شكلاً مجرداً هو عرض ن الأعراض وهو الذي يسمى الجسم التعليمي كما نقدر أعداداً مجردة عن المعدات، وهذه المقادير المجردة والأعداد المجردة لا وجود لها إلا في الأذهان واللسان، وكل جسم موجود له قدر يخصه وهذه هي الجسمية والجوهرية التي يثبتها من يقول بعدم تماثل الجواهر، وهي نظير الصورة فدعوى أولئك أن الصورة الجسمية جوهر، وأن المادة جوهر آخر هو نظير دعوى هؤلاء أن الصورة الجسمية جواهر متماثلة وليس هنا إلا هذه الأعيان القائمة بأنفسها وما قام بها من الصفات والمقادير التي هي أشكالها وصورها.
ثم من العجيب أن هؤلاء المتكلمين المتأخرين، كأبي حامد
стр. 1426
والشهرستاني والرازي والآمدي وأمثالهم، ممن يوافق أهل المنطق يوافقون أهل المنطق فيما يدعونه من انقسام صفات الجواهر والأجسام إلى ذاتي وعرضي وانقسام العرض إلى لازم للماهية وعارض لها وانقسام العارض إلى لازم ومفارق، مع ما في هذا الكلام من الخطأ فإن الصفات في الحقيقة إنما تنقسم إلى لازم للماهية وعارض لها.
وأما تقسيم اللازم إلى ذاتي وعرضي وإثبات شيئين في هذه الأعيان أحدهما الذات، والثاني هذا الموجود المشاهد فكلام باطل كما قد بسط في موضعه.
ثم إنهم في قولهم بتماثل الجواهر والأجسام يدعون ان جميع صفات الأجسام التي تختلف بها إنما هي عارضة لها قابلة لزوالها ليس منها شيء لازم للحقيقة ولا هو من موجبات الذات ومقتضياتها فيا سبحان الله أين ذلك التلازم الذي غلوتم فيه حتى تجعلون الحقيقة مؤلفة من صفاتها الذاتية وتقولون إن الذات هي المقتضية للوازم ولوازم اللوازم؟
وهنا يقولون ليس لهذه الأعيان حقيقة قائمة بنفسها إلا ما تشترك كلها فيه وليس لشيء منها لازم يخصه ولا لازم يفارق
стр. 1427
به غيره بل ليست اللوازم إلا ما لزم جميع ما يسمى جوهراً وجسماً.
وهذا المعنى قد رأيت منه عجائب لهؤلاء النظار، يتكلم كل منهم مع كل قوم على طريقتهم بكلام يناقض ما تلكم به على طريقة أولئك، مع تناقض كل من القولين في نفس الأمر وهذا إما ان يكون لكونه لم يفهم أن هذا المعنى الذي أثبته بهذه العبارة هو الذي نفاه بتلك فلا يكون قد تصور حقيقة ما يقول، بل تصور ما يتقيد باللفظ بحيث إذا خرج المعنى عن ذلك اللفظ لم يعرف أنه هو، وهذا قبيح بمن يدعى النظر في العقليات المحضة التي لا تتقيد بلغة ولا لفظ، وإما أن يكون مع نسيانه وذهوله في كل مقام لما قاله في المقام الآخر، وهذا أشبه أن يظن بم له عقل وتصور صحيح لكنه يدل على ان له في المسألة قولين، وأنه يقول في كل مقام ما ترجح عنده في ذلك المقام ولا يمشي مع الدليل مطلقاً بل يتناقض وإما أن يكون مع فهمه التناقض وحينئذ فإما ان لا يبالي بتناقض كلامه وإما ان يرجح هذا في هذا الموطن وهذا في هذا الموطن.
стр. 1428
فصل
ومن العجب أنكلامه وكلام أمثاله يدور في هذا الباب على تماثل الأجسام وقد ذكر النزاع في تماثل الأجسام وأن القائلين بتماثلها من المتكلمين بنوا ذلك على انها مركبة من الجواهر المنفردة وأن الجواهر متماثلة.
ثم أنه في مسألة تماثل الجواهر ذكر انه لا دليل على تماثلها، فصار أصل كلامهم الذي ترجع إليه هذه الأمور كلاماً بلا علم، بل بخلاف الحق مع انه في الله تعالى
وقد قال تعالى ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ الاعراف ٣٣ وقال تعالى عن الشيطان ﴿إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ البقرة ١٦٩.
كلام الآمدي في أن الجواهر متجانسة غير متحدة
قال في كتابه هذا الكبير الفصل الرابع في أن الجواهر متجانسة غير متحدة: اتفقت الأشاعرة وأكثر المعتزلة على أن الجواهر متماثلة متجانسة وذهب النظام والنجار من المعتزلة بناء على قولهما
стр. 1429
بتركب الجواهر من الأعراض إلى أن الجواهر إن تركبت من الأعراض المختلفة فهي مختلفة ولهذا فإنا ندرك الاختلاف بين بعض الجواهر كالاختلاف الواقع بين النار والهواء والماء والتراب ضرورة كما يدرك الاختلاف بين السواد والبياض والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة وسائر الأعراض المختلفة.
قال وهو باطل اما كون الجواهر مركبة من الأعراض فيما سبق وأما ما ندركه من الاختلاف بين الجواهر كالأمثلة المضروبة فلا نسلم أنه عائد إلى اختلاف الجواهر في أنفسها بل هو عائد إلى الأعراض القائمة، واختلاف الاعراض لا يدل على اختلاف المعروض له في نفسه.
تعليق ابن تيمية
قلت: النجار ليس هو من المعتزلة بل هو رأس مقالة وهو يخالف المعتزلة في القدر فيثبته وفي غير ذلك من أصول المعتزلة لكنه
стр. 1430
يوافقهم على نفي الصفات ويخالفهم أيضاً في تماثل الأسماء والأحكام والوعيد.
وجمهور الناس على ان الأجسام مختلفة من الفلاسفة والمتكلمين وغيرهم وقد ذكر الأشعري في مقالاته النزاع في ذلك.
تابع كلام الآمدي
والمقصود هنا اعترافه بأنه لا حجة للقائلين بالتماثل فإنه قيل ما ذكرتموه وإن دل على إبطال مأخذ القائلين بالاختلاف فما دليلكم في التماثل والتجانس فلئن قلتم: دليل التماثل اشتراك جميع الجواهر في صفات نفس الجوهر وهي التحيز وقبول الأعراض والقيام بنفسه فنقول وما المانع من كون الجواهر مختلفة بذواتها، وإن اشتركت فيما ذكرتموه من الصفات؟ فإنه لا مانع من اشتراك المختلفات في عوارض عامة لها، وإنما يثبت كون ما ذكرتموه صفات نفس الجوهر أن لو لم يكن الجواهر مختلفة، وهذه أعراض عامة لها، وإنما يمتنع كون الجواهر مختلفة وأن هذه أعراض
стр. 1431
عامة لها أن لو كانت هذه الصفات صفات نفس الجوهر وهو دور ممتنع.
قال واعلم أن طرق أهل الحق في إثبات المجانسة، وإن اختلفت عباراتها فكلها آيلة إلى ما ذكر وما قيل عليه من الإشكال فلازم لا مخلص منه إلا بان يقال: نحن لا نعنى بتجانس الجواهر غير كونها مشتركة فيما ذكرناه من الصفات وعند ذلك فحاصل النزاع يرجع إلى التسمية لا إلى نفس المعنى.
تعليق ابن تيمية
قلت: فهذا قوله مع اطلاعه على طرق القائلين بالتجانس ورغبته في نصرهم لو أمكنه، فذكر أن جميع ما ذكروه من الطرق يرجع إلى ما ذكره وهو مما يعلم بالاضطرار أنه لا يدل على تماثلها، بل يدل على اشتراكها في معنى من المعاني، وليس جعل ما به الاشتراك هو الذات وما به الاختلاف من الصفات باولى من العكس، وهذا على سبيل التنزل وإلا فنحن نعلم بالضرورة والحس اختلاف الأجسام المختلفة، كما نعلم اختلاف الاعراض المختلفة، وما ذكره من أن الاختلاف عائد إلى الاعراض، لا إلى المعروض، فمخالفة للحس، فإن نفس النار مخالفة للماء ليس مجرد حرارة النار هي المخالفة لبرودة الماء، بل
стр. 1432
نحن نعلم أن النار تخالف الماء أعظم مما نعلم أن الحرارة تخالف عرضاً قائماً بغيره، وهو صفة محسوسة بالمس، وكذلك بين السواد والبياض من الاشتراك في العرضية واللونية، والقيام بالغير، والرؤية بالبصر، وغير ذلك من الصفات أعظم من الاشتراك بين الماء والنار ن فإن الاشتراك بينهما هو في القدر ونحو ذلك من الكميات، والاشتراك في الكيفية أعظم من الاشتراك ف يالكمية فإذا كان ذلك لا يوجب التماثل فذاك بطريق الأولى.
وأيضاً فالحرارة قد تنكسر بالبرودة في مثل الفاتر، فإنه لا يبقى حاراً كحرارة النار ولا بارداً برودة الماء المحض، واما نفس الماء والنار فلا يجتمعان.
وأيضاً فالأعراض المختلفة تشترك في محل واحد واما نفس الأقسام فلا تشترك في محل واحد وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا بيان اعتراف هؤلاء بفساد الأصول التي بنوا عليها ما خالفوه من النصوص، وبيان تناقضهم في ذلك، وأنهم يقولون إذا تكلموا في المنطق وغيره بما يناقض كلامهم هنا ويبعد أو يمتنع في العادة ان يكون هذا لمجرد اختلاف الاجتهاد، مع الفهم التام في الموضعين، بل يكون لنقص كمال الفهم والتصور وخوفاً أن لا يكون القولان متنافيين فلا يهجم بإثبات التناقض أو لنوع من الهوى
стр. 1433
والغرض ولو لم يكن إلا مراعاة الطائفة التي يتكلم باصطلاحها أن لا يخالفها فيما هو مشهورات أقوالها ولعل كلا الأمرين موجود في مثل هذه المعاني التي تعبر عنها العبارات الهائلة ولها عند أصحابها هيبة ووهم عظيم والكلام على هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا نوع تنبيه على أن ما يدعونه من العقليات المخالفة للنصوص لا حقيقة لها عند الاعتبار الصحيح، وإنما هي من باب القعقعة بالشنان لمن بفزعه ذلك من الصبيان، ومن هو شبيه بالصبيان وإذا أعطي النظر في المعقولات حقه من التمام، وجدها براهين ناطقة بصدق ما أخبر به الرسول، وأن لوازم ما أخبر به لازم صحيح، وأن من نفاه لجهله بحقيقة الأمر، وفزعاً باطناً وظاهراً كالذي يفزع من الآلهة المعبودة من دون الله أن تضره ويفزع من عدو الإسلام لما عنده من ضعف الإيمان.
قال تعالى عن الخليل صلوات الله عليه ﴿وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون * وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون﴾ الأنعام ٨٠ - ٨١،
стр. 1434
قال الله تعالى ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ الأنعام ٨٢.
ومن خالف الرسل لا يلم من الشرك والإفك ﴿سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين * والحمد لله رب العالمين﴾ الصافات ١٨٠ - ١٨٢ ﴿إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين﴾ الاعراف ١٥٢ قال أبو قلابة هي لكل مفتر من هذه الأمة إلى يوم القيامة.
وما أشبه هؤلاء في رعبهم من الألفاظ الهائلة التي لم يعلموا حقيقتها بمن راى العدو المخذول، فلما رأى لباسهم رعب منهم قبل تحقق حالهم ن، ومن كشف حالهم وجدهم في غاية الضعف والعجز.
ولكن قال تعالى ﴿سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا﴾ آل عمران ١٥١.
وبسط هذا يطول والمقصود التنبيه فهذا ما ذكره في الجوهر وأما الجسم فإنه اعتمد في نفيه على هذه الوجوه الأربعة وقد عرف حالها.
كلا الآمدي في الجسم
وقال ويختص بأربعة أوجه:
الوجه الأول: أنه إذا ثبت ان
стр. 1435
الرب غير متصف بكونه جوهراً امتنع أن يكون متصفاً بكونه جسماً، لأن الجسم مركب من الجواهر ومفتقر إليها، ويلزم من انتفاء ما لا بد منه في كونه جسما أن لا يكون جسما.
تعليق ابن تيمية
قلت: هذا الوجه بين الضعف وذلك أنه لو قدر انتفاء كون الشيء جوهراً منفرداً لم يلزم أن لا يكون جسماً مؤلفاً من الجواهر فإن الأجسام جميعها كل منها عنده ليس جوهراً منفرداً، مع كونها مؤلفة من الجواهر، وهو لم يقم دليلا على نفي كونه جوهراً ولا نفى ما يستلزم الجوهر.
وهذا كما لو أقام دليلاً على أنه ليس بعلم أو قدرة أو كلام أو مشيئة لم يستلزم ذلك أن لا تكون هذه من لوازمه فنفى كون الشيء أمراً من الأمور غير نفي كونه ملزوماً لذلك الأمر.
وأيضاً فيقال: أنت لم تقم دليلاً على كون الجواهر متماثلة، بل صرحت بأنه لا دليل على ذلك، فبطل ما ذكرته في نفي الجوهر.
وأيضاً فيقال لفظ الجوهر فيه إجمال وله عدة معان
стр. 1436
أحدها الجوهر الفرد وعلى هذا فالجسم ليس بجوهر، وفي كونه مركباً منه نزاع.
الوجه الثاني: المتحيز، وعلى هذا فالجسم جوهر، ومن نفى الجوهر الفرد قال كل جسم جوهر، وكل جوهر جسم، ومن أثبته قال: الجوهر أعم من الجسم.
والوجه الثالث: الجواهر العقلية عند من يثبت جوهراً ليس بمتحيز كالعقول والنفوس والمادة والصور فإن هؤلاء المتفلسفة المشائين يدعون ان الجوهر خمسة أقسام.
وجمهور العقلاء يدفعون هذا ويقولون: هذه الأمور التي سميتوها جواهر عقلية إنما وجودها في الأذهان لا في الأعيان.
وقد يراد بالجواهر ما هو قائم بنفسه، فمن كان الجوهر أعم عنده من الجسم، فإذا انتفى الأعم انتفى الأخص وكذلك من كان الجوهر عنده مرادفاً للجسم، وأما من كان الجوهر عنده لا يتناول معنى الجسم، مثل أن يقدر أنه لا يستعمل لفظ الجوهر إلا في الفرد، فهذا لا يلزم من نفي كونه جوهراً نفي كونه جسماً، إلا بالحجة التي ذكرها، وهو ان يقال: الجسم مركب من الجواهر، فالحجة لا تستقيم إلا على تقدير ثبوت هذا الاصطلاح، مع أني لا أعرفه اصطلاحاً لأحد مطلقاً،
стр. 1437
ولكن بعض الناس قد يخص به الفرد مع أنه هو وغيره دائما يسمون الجسم جوهراً.
ولهذا قال هذا الآمدي وغيره ف ينفي كونه جوهراً: إما أن يكون قابلاً للتجزية فيكون جسماً مركباً، وإما ان لا يكون قابلاً للتجزية فيكون في غاية الصغر والحقارة، وكثيراً ما يقع في كلامهم لفظ الجوهر متناولاً للجسم وكثيراً ما يقع مختصاً بالفرد فما ذكره اولا في نفي الجوهر بالمعنى العام فالجسم يدخل فيه فإن صح ما ذكره صح نفي الجسم لكن قد عرف ضعفه.
وأما إذا كان المنفي هو الجوهر الفرد فقط، فيحتاج ان يقول إن الجسم مركب منه لينفي الجسم.
لكن هذا فيه نزاع معروف وأكثر الناس على انه ليس بمركب من الجواهر المنفردة وهو الصواب كما قد بسط في موضعه.
فمن الناس من يقول: إنه مركب من جواهر متناهية لا تقبل القسمة بوجه من الوجوه حتى ولا بالوهم ومنهم من يقول: هو مركب من جواهر غير متناهية كذلك، ومنهم من يقول هو مركب من الهيولي والصورة لكنه يقبل القسمة إلى غير نهاية، ومنهم من يقول ليس بمركب لكنه يقبل التقسيم إلى الجواهر المنفردة التي لا تتجزأ.
стр. 1438
ومنهم من يقول: بل كل موجود فلا بد أن يتميز منه شيء عن شيء، فلا يتصور وجود جوهر لا يتميز منه شيء عن شيء، لكن إذا تصغرت الأجزاء استحالت، وقد لا تقبل القسمة الفعلية، بل إذا قسمت استحالت، كما في أجزاء الماء إذا تصغرت فإنها تصير هواء، فهي وإن كان يتميز منها شيء عن شيء، لكن ليس لها من القوة ما يحتمل الانقسام الفعلي، بل تستحيل إذا أريد بها ذلك.
وعلى هذا القول فلا نثبت شيئاً لا يتميز منه جانب عن جانب، ولا يثبت ما لا نهاية له في ضمن مالا يتناهى، ولا انقسام إلى غير نهاية، بل كل موجود فإنه يتميز منه شيء عن شيء، وهو قد يستحيل قبل وجود الانقسامات التي لا تتناهى.
فتزول بهذا القول الإشكالات الواردة على غيره، مع انه مطابق للواقع، فتبين ضعف هذا الوجه.
تابع كلام الآمدي الوجه الثاني في نفي الجسمية عن الله تعالى
الوجه الثاني
قال الآمدي أنه قد ثبت ان الرب متصف بالعلم والقدرة وغيرهما من الصفات، فلو كان جسما كالأجسام لزم من اتصافه بهذه الصفات المحال، وذلك من وجهين:
الوجه الأول: أنه لو
стр. 1439
اتصف بهذه الصفات فإما أن يكون كل جزء من اجزائه متصفاً بجميع الصفات وإما ان يكون المتصف بجملتها بعض الأجزاء وإما أن يكون كل جزء مختصاً بصفة، وإما أن تقوم كل صفة من هذه الصفات مع اتحادها بجملة الأجزاء فإن كان الأول يلزم منه تعدد الآلهة وأما الثاني فهو ممتنع لأنه لا أولوية لبعض تلك الأجزاء بان يكون هو المتصف دون الباقي ولأنه يلزم ان يكون الإله هو ذلك الجزء دون غيره لأن حكم العلة لا يتعدى محلها وإن كان الثالث فل أولولية أيضاً وإن كان الرابع فهو محال لما فيه من قيام المتحد بالمعتدد.
ولقائل أن يقول الاعتراض على هذا من وجوه.
الرد عليه من وجه
الأول
قولك: لو اتصف بكل واحدة من هذه الصفات فإما ان يكون كل جزء من أجزائه متصفاً بجميع هذه الصفات.
إلى آخره فرع على ثبوت الأجزاء وذلك ممنوع فلم قلت إن كل كا هو جسم فهو مركب من الأجزاء؟ فإن هذا مبني على ان الاجسام مركبة من الجواهر المنفردة وهذا ممنوع.
стр. 1440
وجمهور العقلاء على خلافة، وهو لم يثبته هنا بالدليل، فيكفي مجرد المنع وبسط ذلك في موضعه.
وكل من أمعن في معرفة هذا المقام علم أن ما ذكروه من أن الجسم مركب من جواهر منفردة متشابهة عرض لها التركيب، او من مادة وصورة، وهما جوهران، من أفسد الكلام.
وإذا كان كذلك أمكن أن يكون كل من الصفات القائمة بجميع المحل شائعة في جميع الموصوف، ولا يلزم أن يكون الواحد قام بأجزاء بل القول في الصفة الحالة كالقول في المحل الذي هو الموصوف.
الثاني
أن يقال: القول في وحدة الصفة وتعددها وانقسامها وعدم انقسامها كالقول في الموصوف وسواء في ذلك الصفات المشروطة بالحياة كالقدرة والحس ـ بل والحياة نفسها أو التي لا تشترط بالحياة كالطعم واللون والريح، فإن طعم التفاحة مثلا شائع فيها كلها، فإذا بعضت تبعض ولا يقال إنها قام طعم واحد بجملة التفاحة، بل إن قيل: إن التفاحة أجزاء كثيرة، قيل: أم بها طعوم كثيرة، وإن قيل: هي شيء واحد قيل: قام بها طعم واحد.
فإن
следующие страницы →