← Акыда

Акыда · id 21506

درء تعارض العقل والنقل

ابن تيمية

Полный текст (4 031 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

ليس في أحدهما شيء مما في الآخر، وغن أراد بقوله أو اختلافهما من كل وجه أنهما لا يشتبهان في شيء ما ولا يشتركان في شيء ما، فليس في الوجود شيئان إلا بينهما اشتراك في شيء وتشابه في شيء ما، ولو انه مسمى الوجود وإن أراد امتياز أحدهما عن الآخر فكل منهما ممتاز عن الآخر من كل وجه وإن كانا مشتركين في أشياء بمعنى اشتباهما لا بمعنى أن في الخارج شيئاً بعينه اشتركا فيه كما يشترك الشركاء في العقار. وإذا عرف أن هذه الألفاظ مجملة فنقول هم مشتبهان مشتركان في وجوب الوجود كما أن كل متفقين في اسم متواطئ بالمعنى العام، سواء كان متماثلاً وهو التواطؤ الخاص، أو مشككا وهو المقابل للتواطؤ الخاص، كالموجودين والحيوانين، والإنسانين والسوادين اشتركا في مسمى اللفظ الشامل لهما مع أن كلا منهما متميز في الخارج عن الآخر من كل وجه فهما لم يشتركا في أمر يختص بأحدهما، بل وجود هذا يخصه ووجود هذا يخصه وإنما اشتركا في مطلق الوجود.

стр. 1507

والوجود المطلق المشترك الكلي لا يكون كلياً لا في هذا ولا في هذا، بل هو كلي في الأذهان، مختص في الأعيان. وإذا قيل: الكلي الطبيعي موجود فمعناه أن ما كان كلياً في الذهن يوجد ف بالخارج، لكن لا يتصور إذا وجد أن يكون كلياً، كما يقال العام موجود في الخارج ن وهو لا يوجد عاماً. وقوله: غما أن يختلفا من كل وجه أو يتفقا من كل وجه. قلنا: إذا أريد بالاختلاف ضد الاشتباه، فقد يقال: ليسا مختلفين من كل وجه. وإن أريد الامتياز فهما مختلفان من كل وجه. وقوله: إذا كانا متفقين من كل وجه زال الامتياز يصح إذا أريد بالاختلاف ضد الأمتياز، فإنهما إذا لم يتميز أحدهما عن الآخر بوجه بطل الامتياز. وأما إذا أريد بالاتفاق التشابه والتماثل فقد يكونان متماثلين من كل وجه كتماثل أجزاء الماء الواحد. والتماثل لا يوجب أن يكون أحد المثلين هو الآخر، بل لا بد أن يكون غيره.

стр. 1508

وحينئذ فقوله: ما به الاشتراك غير ما به الامتياز. قلنا: لم يشتركا في شيء خارجي حتى يحوجا أشتراكهما فيه إلى الامتياز، بل هما ممتازان بأنفسهما، وإنما تشابها. أو تماثلا في شيء والمتماثلان لا يحوجهما التماثل إلى مميز بين عينيهما، بل كل منهما ممتاز عن الأخر بنفسه. وقوله: ما به الاشتراك: إما وجوب الوجود أو غيره. قلنا: كل منهما مختص بوجوب وجوده الذي يخصه، كما هو مختص بسائر صفاته التي تخص نفسه، وهو أيضاً مشابه الآخر في وجوب الوجود، فما اشتركا فيه من الكلي لا يقبل الاختصاص، وما اختص به كل منهما عن الآخر لا يقبل الاشتراك، فضلا عن أن يكون ما اشتركا فيه محتاجاً إلى مخصص، وما اختص به كل منهما يقاربه فيه مشترك. وحينئذ فالاشتراك في وجوب الوجود المشترك والامتياز بوجوب الوجود المختص، والاشتراك أيضاً في كل مشترك، والامتياز بكل مختص. وقوله: إن كان الاشتراك بوجوب الوجود فهو ممتنع لوجهين: الوجه الأول: أن المشترك غما أن يتم بدون ما به الافتراق، وذلك محال، وإلا كان المطلق متحققاً في الأعيان من غير مخصص وإن لم يتم إلا بما به الافتراق كان وجوب الوجود ممكناً لافتقاره في تحققه إلى غيره. قلنا: أن أريد بالمشترك بينهما المعنى المطلق الكلي فذاك لا يفتقر إلى ما به الامتياز، وليس له ثبوت في الأعيان حتى يقال: إنه يلزم أن يكون

стр. 1509

المطلق في الأعيان من غير مخصص، وإن أريد به ما يقوم بكل منهما من المشترك، وهو ما يوجد في الأعيان من الكلي، فذاك لا اشتراك فيه الأعيان، فإن كل ما لأحدهما فهو مختص به لا اشتراك فيه. وحينئذ فالموجود من الوجوب هو مختص بأحدهما بنفسه، لا يفتقر إلى مخصص، فلا يكون الوجوب الذي لكل منهما في الخارج مفتقراً إلى مخصص. وإذا لم يكن ذلك بطل ما احتجوا به على كونه ممكناً. وأما المشترك الكلي المطلق من الوجوب فذاك ليس موجوداً لهذا ولا لهذا، ولا متحققاً في الأعيان. وحينئذ فلا يلزم أن الكلي يتحقق في الأعيان بلا مخصص. وأيضاً فيقال: هب أن المشترك لا يتحقق في الأعيان إلا بالمختص، فهذا لا يمنع وجوب وجوده، إذا الواجب هو مالا فاعل له، ليس هو مالا لازم ولا ملزوم له. وهذا الآمدي ذكر هذا فيما تقدم، وبين أن الوجود الواجب لا يمتنع توقفه على القابل، وإنما يمتنع توقفه على الفاعل. وبهذا يبطل الوجه الثاني وهو كون الوجود الواجب مركباً مما به

стр. 1510

الاشتراك وما به الامتياز، فإن ما به الاشتراك لم يوجد في الخارج، وما به الامتياز لم يقع فيه اشتراك، فليس في أحدهما ما به الاشتراك وما به الامتياز، ولكن كل منهما موصوف بصفة يشابهه بهذا الآخر وهو الوجوب، واتصاف الموصوف بصفة يشابهه بها غيره من وجه وأمر يختص به، إنما يوجب ثبوت معان تقوم به وأن ذاته مستلزمة لتلك المعاني، وهذا لا ينافي وجوب الوجود، بل لا يتم وجوب الوجود إلا به، ولو سلم أن مثل هذا تركيب فلا نسلم أن مثل هذا التركيب ممتنع، كما تقدم بيانه. فقد تبين بطلان الوجه الأول من وجهين، وبطلان الوجه الثاني من وجهين، غير ما ذكروه، والله اعلم. والوجه الأول من الوجهين هو الذي اعتمده ابن سينا في إشارته، وقد بسطنا الكلام عليه في جزء مفرد، شرحنا فيه أصول هذه الحجة التي دخل منها عليهم التلبيس في منطقهم وإلهياتهم، وعلى من أتبعهم كالرازي والسهرورودي والطوسي وغيرهم. وقد ذكرنا عنه هناك جوابين: الأول: أن هؤلاء عمدوا إلى الصفات المتلازمة في العموم والخصوص، ففرضوا بعضها مختصاً، وبعضها عاماً بمجرد التحكم، كالوجود والثبوت، والحقيقة والماهية ونحو ذلك.

стр. 1511

فإذا قيل: الواجب والممكن كل منهما يشارك الآخر في الوجود، ويفارقه بحقيقته أو ماهيته. قيل لهم: معنى الوجود يعمهما ومعنى الحقيقة يعمهما، وكل منهما يمتاز عن الآخر بوجوده المختص به، كما يمتاز عنه بحقيقته التي تختص به، فليس جعل هذا مشتركا وهذا مختصاً باولى من العكس. وهكذا إذا قدر واجبان لكل منهما حقيقة فهمما مشتركان في مطلق الوجوب ومطلق الحقيقة، وكل منهما يمتاز عن الآخر بما يخصه من الوجوب والحقيقة. فما قلتم به الامتياز متلازم، وما قلتم به الاشتراك متلازم، ولا يفتقر ما جعلتم به الاشتراك إلى ما جعلتم به الامتياز، ولا ما جعلتم به الامتياز إلى به الاشتراك، بل كل منها موصوف بما به الامتياز، وهو ما يخصه. وتلك الخصائص تشابه خصائص الآخر من بعض الوجوه، فذلك القدر المشترك الذي لا يختص بأحدهما هو ما به الاشتراك. فإذا قيل هذا لون وهذا لون، كانت لونية كل منهما مختصة به، واللونية العامة مشتركة بينهما. وكذلك إذا قيل: هذا حيوان وهذا حيوان، وهذا إنسان وهذا إنسان، وهذا أسود وهذا أسود، وأمثاله ذلك فليس شيء من

стр. 1512

الموجودات في الخارج مركباً من نفس ما ب الاشتراك وما به الامتياز، بل هو مختص بوصف، وذلك الوصف يشابه غيره، لكن هو مشتمل على صفات، بعضها اعم عن بعض، أي بعضها يوجد نظيره في غيره أكثر مما يوجد نظير الآخر وأما هو نفسه فلا يوجد في غيره. وأما الجواب الثاني: فلا ريب أن كلا منهما فيه وجوب، وفيه معنى آخر غير الوجوب، بل نفس الواجب الواحد فيه الوجوب وفيه ذاته، وهذا هو النقض الذي عارضهم به الآمدي. لكن قول القائل: وجوب الوجود حينئذ يكون ممكناً لافتقاره في تحققه إلى غيره، فالموصوف به أولى أن يكون ممكناً، كلام مجمل. فإنه يقال: ما تعني بكون الوجوب مفتقراً إلى غيره: أتعني به انه مفتقر إلى مؤثر أم مستلزم لغيره؟ فإن عنيت الأول فهو باطل، فإنه لا يحتاج الوجوب سواء فرض مختصاً أو مشتركاً إلى فاعل، ولكن لا بد له من محل يتصف به. فإن الوجوب لا يكون إلا لواجب، وافتقار الوجوب إلى محله الموصوف به لا يمنع المحل أن يكون واجباً، بل ذلك يستلزم كونه واجبا. وقول القائل: إن الوجوب يكون ممكناً إن أراد به افتقاره إلى

стр. 1513

محل، فهذا حق لكن هذا لا يستلزم كونه مفتقراً إلى فاعل، ولا كون المحل مفتقراً إلى فاعل. فقوله وإن كان الثاني كان الوجوب ممكناً، فالموصوف به أولى مغلطة. فإن الإمكان الذي يوصف به الوجوب إنما هو افتقاره إلى محل لا إلى فاعل. ومعلوم أنه إذا كانت صفة الموصوف تفتقر إليه لكونه محلاً لها لا فاعلاً، لم يلزم أن يكون الموصوف أولى بان يكون محلا، ولو قدر أن الوجوب يفتقر إلى مميز غير المحل، فهو من افتقار الشرط إلى المشروط، واللازم إلى الملازم، ليس هو من باب افتقار المعلول إلى العلة الفاعلة. ومثل هذا لا يمتنع على وجوب الوجود، بل لا بد لوجوب الوجود من تلك، إذ وجوب الوجود ليس هو الواجب الوجود، بل هو صفة له، مع أن الواجب الوجود له لوازم وملزومات، وذلك لا يوجب افتقاره إلى المؤثر، فالوجوب أولى أن لا يفتقر إلى مؤثر لأجل ما له من اللوازم والملزومات. فهذان وجهان غير ما ذكره هو وأمثاله هنا.

стр. 1514

الوجه الرابع: أن يقال: لم لا يجوز أن يكون بعض تلك الأجزاء واجباً وبعضها ممكناً؟ قوله الموقوف على الممكن أولى بالإمكان. قيل: متى إذ كان الجزء الممكن من مقتضيات الجزء الواجب أو بالعكس. وهذا كما أن مجموع الوجود: بعضه واجب لنفسه، وبعضه ممكن. والممكن منه من مفعولات الواجب لنفسه، ولا يلزم من ذلك أن يكون مجموع الموجودات أولى بالإمكان من الموجودات الممكنة. وهذا الجواب يقوله من يقوله في مواضع أحدها في الذات مع الصفات. فإذا قيل له: الذات والصفات مجموع مركب من أجزاء، فغما أن تكون واجبة كلها، أو بعضها واجب وبعضها ممكن أمكنه أن يقول: الذات الجبة والصفات ممكنة بنفسها وهي واجبة بالذات كما يجيب بمثل ذلك طائفة من الناس.

стр. 1515

فإذا قيل: المجموع متوقف على الممكن. قال: إن ذلك الممكن من مقتضيات الواجب بنفسه. وهذا يقوله هؤلاء إذا فسر إمكان الصفات بأنها تفتقر إلى محل. فالذات لا تفتقر إلى محل، فالذات لا تفتقر إلى فاعل ولا محل، والصفات لا بد لها من محل. وإن فسر الواجب بما لا يفتقر إلى موجب فالصفات أيضاً لا تفتقر إلى موجب. لكنه قد يسلم لهم هؤلاء أن الصفات لها موجب، وهو الذات. وقولهم: إن الشيء الواحد لا يكون فاعلا وقابلاً من أفسد الكلام كما قد بسط في موضعه فيقول هؤلاء الذات موجبة للصفات ومحل لها، والذات واجبة بنفسها، والصفات واجبة بها، والمجموع واجب، وإن توقف على الممكن بنفسه الواجب بغيره لأن الواجب بنفسه مستلزم للصفات، ولا اجتماع المجموع. وأيضاً فيقوله من يقول: إنه يقوم بذاته أمور متعلقة بمشيئة وقدرته، فإن تلم أيضاً ممكنة بنفسها، وقد تدخل في مسمى أسمائه. ففي الجملة ليس معهم حجة تمنع كون الجموع فيه ما هو واجب موجب لغيره. وإذا قيل: المحتاج إلى الغير أولى بالاحتياج.

стр. 1516

قيل: هب أن الأمر كذلك، لكن إذا كان الغير من لوازم الجزء الواجب بنفسه، كان المجموع من لوازم الجزء بنفسه. وحاصلة أن في الأمور المجتمعة ما هو مستلزم لسائرها. وإذا قيل فحينئذ لا يكون الواجب بنفسه إلا ذلك الملزوم. قيل: هذا نزاع لفظي فإن الممكنات لا بد لها من فاعل عن الفاعل والدليل دل على هذا، وليس فيما ذكرتموه ما ينفي أن تكون ذاته مستلزمة لأمور لازمة له، واسمه يتناول الملزوم واللازم جميعاً، وغن سمى الملزوم واجباً بنفسه، واللازم واجباً بغيره، كما قاله من قاله في الذات والصفات. فيقول المنازع له فهذه مجموع الأدلة التي ذكرها هو وغيره على نفي كون الواجب بنفسه جسماً أو جوهراً، قد تبين انه لا دلالة في شيء منها، بل هي على نقيض مطلوبهم أدل منها على المطلوب. وهذا ذكرناه لما أحال عليه قوله إن الحروف إذا قام كل منها بمحل غير محل الآخر يلزم التركيب وقد أبطلناه في إبطال التجسيم. ثم قال الوجه الثاني انه قال ليس اختصاص بعض الأجزاء ببعض الحروف دون البعض أولى من العكس.

стр. 1517

ولقائل أن يقول هذا الوجه في غاية الضعف وذلك انه إذا كانت الحروف مقدورة له. حادثة بمشيئته، كما ذكرته عن منازعيك فتخصيص كل منها بمحله، كتخصيص جميع الحوادث بما اختصت به من الصفات والمقادير والأمكنة والأزمنة. وهذا إما أن يرد إلى محض المشيئة وإما إلى حكمة جلية أو خفية وقد تنازع الناس في الحروف التي في كلام الآدميين هل بينها وبين المعاني مناسبة تقتضي الاختصاص على قولين مشهورين. وأما اختصاصها بمحالها في حق الأدميين بسبب يقتضي الاختصاص فهذا لا نزاع فيه. فعلم أن الاختصاص منه بالمحل أولى منه بالمعنى. واما قوله إن قالوا باجتماع الحروف بذاته مع اتحاد الذات فيلزم منه اجتماع المتضادات في شيء واحد فهذا قد تقدم أن للناس فيه قولين وان القائلين باجتماع ذلك إن كان قولهم فاسداً فقول من يقول باجتماع المعاني المتعاقبة وأنها شيء واحد وأن الصفات المتنوعة شيء واحد أعظم فساداً. وأما قوله وغن لم يقولوا باجتماع حروف القول في ذاته فيلزم منه مناقضة أصلهم في أن ما اتصف به الرب يستحيل عروه عنه فكلام صحيح ولكن تناقضهم لا يستلزم صحة قول منازعيهم إذا كان ثم قول ثالث وهذا اللازم فيه نزاع معروف وقد حكي النزاع عنهم أنفسهم.

стр. 1518

فمن قال إن ما اتصف به من الأصوات والأفعال ونحو ذلك يجوز عروه، لم يكن مناقضاً. والذين قالوا منهم إنه لا يجوز عروه عما اتصف به عمدتهم أنه لو جاز عروه عنه لم يكن ذلك إلا بحدوث ضد ثم ذلك الضد الحادث لا يزول إلا بضد حادث فيلزم تسلسل الحوادث بذاته وهذا يجيب عنه بعضهم بأنه يجوز عدمه بدون حدوث ضد ويجيب عنه بعضهم بالتزام التسلسل في مثل ذلك في المستقبل. عود إلى كلام الآمدي في الرد على الكرامية: السابع قال الآمدي في تناقض الكرامية أنهم جوزوا اجتماع الإرادة الحادثة مع الإرادة القديمة ومنعوا ذلك في العلم والقدرة ولو سئلوا عن الفرق لكان متعذراً. تعليق ابن تيمية قلت ولقائل أن يقول إن كانوا هم فرقوا فغيرهم لم يفرق بل جوز تجدد علوم وقدر. وحينئذ فهم في الفرق على ما اعتمدت عليه المعتزلة في الفرق بين كونه عالماً قادراً وبين كونه متكلماً مريداً

стр. 1519

حيث قالوا العلم والقدرة عام في كل معلوم ومقدور فإنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير، وإلإرادة والكلام ليسا عامين في كل مراد ومقول بل لا يقول إلا الصدق ولا يأمر إلا بالخير، ولا يريد إلا ما وجد، ولا يريد إرادة محبة إلا لما أمر. فهذا مما احتجوا به على حدوث كونه مريداً متكلماً دون كونه عالماً قادراً قالوا لأن الاختصاص يتعلق بالمحدثات، بخلاف العموم فإنه يكون للقديم. فصل ومما يبين الأمر في ذلك، وان الأدلة التي يحتج بها هؤلاء على نفي لوازم علو الله على خلقه، هم يقدحون فيها، ويبينون فسادها في موضع آخر أن عامة هذه الحجج التي احتج بها الآمدي وغيره على نفي كونه جسماً، هم أنفسهم أبطلوها في موضع آخر. تابع كلام الآمدي في نفي الجسمية عن الله تعالى والمقصود هنا ذكر ما قاله الآمدي وذلك انه لما ذكر مسالك الناس في إثبات حدوث الأجسام أبطل عامتها ن واختار الطريقة المبنية على أن الجسم لا يخلو من الأعراض، وان العرض لا يبقى زمانين فتكون الأعراض حادثة، ويمتنع حدوث ما لا نهاية له، وما لا يخلو عن الحوادث التي لها أول فله أول وذكر أن هذه الطريقة هي المسلك

стр. 1520

المشهور للأشعرية وعليه اعتماده. والرازي وامثاله لم يعتمدوا على هذا المسلك لأنه مبني على أن الأعراض ممتنعة البقاء وهذه مقدمة خالف فيها جمهور العقلاء وقالوا إن قائليها للحس ولضرورة العقل فرأي أن الاعتماد عليها في حدوث الأجسام في غاية الضعف. والآمدي قدح في الطرق التي اعتمد عليها الرازي كلها والمقصود هنا ذكر طعن الآمدي في حجج نفسه التي احتج بها على نفي كونه جسماً ونفي قيام الحوادث به وقد تقدم ان حججه المبنية على تماثل الجواهر والأجسام قد قدح فيها، وبين أنه لا دليل لمن أثبت ذلك وحجته المبنية على التركيب قد قدح هو فيها في غير موضع كما ذكر بعضه.

стр. 1521

وأما حجته المبنية على نفي المقدار والشكل، وانه لا بد له من مخصص وكل ما له مخصص فهو محدث فإنه قال المقدمة الأولى وغن كانت مسلمة غير أن الثانية وهي أن كل مفتقر إلى المخصص محدث، وما ذكر في تقريرها باطل بما سبق في في المسلك الأول. قال وبتقدير تسليم حدوث ما أشير إليه من الصفات فلا يلزم أن تكون الأجسام حادثة لجواز أن تكون هذه الصفات المتعاقبة عليها إلى غير النهاية إلا بالالتفات إلى ما سبق من بيان امتناع حوادث متعاقبة لا أول لها تنتهي إليه فقد ذكر هنا وغن كان لا بد للمختص من مخصص فلا يلزم أن يكون حادثاً بل جاز ان يكون قديماً في ذاته وصفاته أو قديماً في الذات مع تعاقب الصفات المحدثة من المقادير وغيرها عليه إلا إذا قيل ببطلان حوادث لا تتناهى. وحينئذ فيقال القديم إما واجب بنفسه وإما واجب بغيره فإن كان واجباً بنفسه بطلت حجته وغن كان واجباً بغيره لزم من كون المعلول مختصاً أن تكون علته مختصة أيضاً وإلا فبتقدير أن تكون العلة الموجبة وجوداً مطلقاً لا تختص بشيء من الأشياء كما يقوله من يقول هو وجود مطلق تكون نسبته إلى جميع أجناس الموجودات ومقاديرها وصفاتها نسبة واحدة وحينئذ فلا يخص مقداراً دون مقدار بالاقتضاء والإيجاب إلا أن يقال لا يمكن غير ذلك المقدار

стр. 1522

وإذا قيل ذلك لزم أن يكون من المقادير ما هو واجب لا يمكن غيره فإذا قيل هذا في الممكن ففي الواجب بنفسه أولى فإن تطرق الجواز إلى الممكن بنفسه أولى من تطرقه إلى الواجب بنفسه فإذا قدر في الممكن مقدار لا يمكن وجود ما هو أكبر منه فتقدير ذلك في الواجب بنفسه أولى. ونكته الجواب أن الموجب الذي يسمونه علة إن كان له مقدار بطل أصل قولهم، وإن لم يكن له مقدار فإما أن تكون جميع المقادير ممكنة بالنسبة إليه وإما أن لا يكون كذلك فإن كان الأول لم يخص بعضها دون بعض بلا مخصص لما في ذلك من ترجيح أحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح وإن لم يمكن إلا بعضها كما يقوله من يقوله من المتفلسفة فحينئذ لزم أم يكون من المقادير ما هو ممتنع لنفسه ن بل منها ما هو متعين لا يمكن وجود غيره. وإذا جاز أن يمتنع بعضها لنفسه، فوجوب بعضها لنفسه أولى وأحرى وإذا جاز أن يتعين ممكن من المقادير دون غيره لنفسه، فتعين مقدار واجب لنفسه أولى وأحرى. وهذا كلام لا محيص لهم عنه فإن العالم إن كان واجباً بنفسه فقد ثبت أن الواجب بنفسه يختص بمقدار، وإن كان ممكناً فوجد ما هو أكبر منه أو أصغر إما أن يكون في نفسه ممكناً وغما أن لا يكون ,. فإن

стр. 1523

لم يكن ممكناً ثبت امتناع بعض المقادير لنفسه دون بعض في الممكنات في الواجب اولى. وحينئذ فبطل قول القائل: إنه ما من مقدار إلا ويمكن ما هو أكبر منه وأصغر، وإن كان غير هذا المقدار ممكنا فتخصيص أحد الممكنين بالوجود يفتقر إلى مخصص. والوجود المطلق لا اختصاص له بممكن دون ممكن، فلا بد أن يكون المخصص أمرا فيه اختصاص، وذلك الاختصاص واجب بنفسه، وإذا كان الواجب لنفسه فيه اختصاص واجب لم يمكن أن يقال: كل اخصاص فلا بد له من مخصص، إذ الاختصاص ينقسم إلى: واجب بنفسه وممكن. يوضح هذا أن المتفلسف إذا قال إن الموجب لتخصيص الفلك بمقدار دون مقدار كون الهيولى لا تقبل إلا ذلك المقدار مثلاً أو امتناع بعد وراء العالم أو ما قيل من الأسباب. قيل له ما ذكرته من الهيولى وامتناع وجود موجود وراء العالم وإن كان باطلاً فيقال ما الموجب لكون الهيولى لا تكون على غير تلك الصفة ولم لا كانت الهيولى غير هذه بحيث تقبل شكلاً أكبر من هذا ثم إذا زعمت ان الممكن له مقدار لا يمكن ان يكون أكبر منه لعدم القابل مع انه لا يعلم وجود مخصص لمقدار دون مقدار ولا

стр. 1524

لكون حيز هذا المقدار يقبل الوجود دون الحيز الذي يجاوره فإن الأحياز المجردة المحضة متشابهة أبلغ من تشابه المقادير. فإذا ادعيت التخصيص في هذا ففي الواجب بنفسه اولى وأحرى ثم بتقدير ان تكون المقادير والصفات حادثة فالحجة المبنية على نفي حوادث لا تناهي قد عرف ضعفها وقد أبطل هو جميع أدلة الناس التي ذكرها إلا حجة واحدة اختارها وهي أضعف من غيرها كما قد ذكر غير مرة. وإذا كانت هذه الحجة لا تمنع جواز تعاقب الحوادث على القديم لم يمتنع كون القديم محلاً للحوادث فبطل استدلالهم على نفي ذلك بمثل هذه الحجة٠ فهذه الحجج الثلاث قد قدح هو فيها واما الرابعة وهي تعدد الصفات فالقدح فيها تبع للقدح في هذه الثلاث فإنها مبنية عليها إذ عمدة النفاة هي هذه الثلاث وكلامهم كله يدور عليها حجة التركيب وحجة الأعراض بأن مالا يخلو عن الحادث فهو حادث وحجة الاختصاص. وحججه الأولى على نفي الجوهر مبنية على نفي تماثل الجواهر وهو قد بين ان جميع ما ذكروه فإنه يرجع إلى ما قاله وقال إنه لا دليل فيه على نفي تماثلها.

стр. 1525

وأما الثانية وهي قوله إما أن يكون مركباً فيكون جسماً أو لا يكون على نفي الجسم وقد عرف كلامه وقدحه في حجج نفي ذلك. واما حجته الثالثة فإنها مبنية على تماثل الجواهر أيضاً وهو قد أبطل أدلة ذلك، ومبنية على امتناع حلول الحوادث به أيضاً وقد أبطل هو أيضاً جميع حجج ذلك واستدل بحجة الكمال والنقصان كما احتج بها الرازي وهو أيضاً قد أبطل هذه الحجة لما استدل بها الفلاسفة على قدم العالم كما ذكر عنه. وأما حجته الرابعة على نفي الجوهر فبناها علي نفي التحيز وبنى نفي التحيز على حجتين على حجة الحركة والسكون وعلى تماثل الجواهر. وهو قد بين انه لا دليل على تماثل الجواهر، وأبطل أيضاً حجة الحركة والسكون لما أحتج بها من احتج على حدوث الأجسام، فإنه قال المسلك السادس لبعض المتأخرين من أصحابنا يعني به الرازي وهذا المسلك آخذ الرازي عن المعتزلة، ذكره أبو الحسين وغيره: أنه لو كانت الأجسام أزلية لكانت في الأزل إما أن

стр. 1526

تكون متحركة او ساكنة، والقسمان باطلان، فالقول بأزليتها باطل. ثم اعترض عليه بوجوه متعددة: قال ولقائل أن يقول إما أن تكون الحركة عبارة عن الحصول في الحيز بعد الحصول في حيز آخر، والسكون عبارة عن الحصول في الحيز بعد أن كان في ذلك الحيز، أو لا يكون كذلك، فإن كان الأول فقد بطل الحصر بالجسم في أول زمان حدوثه، فإنه ليس متحركاً لعدم حصوله في الحيز بعد أن كان فيه، وإن كان الثاني فقد بطل ما ذكره في تقرير كون السكون أمراً وجودياً، ولا مخلص عنه. قلت: هذه مسألة نزاع بين أهل النظر: أن الجسم في أوقات حدوثه: هل يوصف بأحدهما أو يخلو عنهما؟ والذي قاله الرازي هو قول

стр. 1527

أبي هاشم وغيره من المعتزلة، ومضمونه: أنه في أوقات حدوثه ليس متحركاً ولا ساكنا. واعترض عليه بتقسيم حاصر فقال: إن كانت الحركة عبارة عن الانتقال من حيز إلى حيز، والسكون البقاء في حيز بعد حيز، فالجسم في أوقات حدوثه: لا متحرك ولا ساكن، وإن لم يكن الأمر كذلك، فقد بطل ما ذكره من كون السكون أمراً وجودياً، فإنه اعتمد في ذلك على أن السكون عبارة عن الحصول في الحيز، بعد ان كان في ذلك الحيز. تابع كلام الآمدي قال الآمدي فإن قيل: الكلام إنما هو في الجسم ف يالزمان الثاني، والجسم في الزمان الثاني لا يخلو عن الحركة والسكون، بالتفسير المذكور، فهذا قول ظاهر الإحالة، فإنه إذا كان الكلام ف يالجسم إنما هو الزمان الثاني، فوجود الجسم بالزمان الثاني ليس هو حالة الأولية، وعند ذلك فلا يلزم أن

стр. 1528

يكون الجسم أزلا لا يخلو عن الحركة والسكون. تعليق ابن تيمية قلت: بل بتقدير قدمه لا يخلو عن الحركة والسكون، لأنه حينئذ إما أن يبقى في حيز او ينتقل عنه والأول: السكون والثاني الحركة. وما ذكره الآمدي من جواز خلوه عنهما على أحد التقديرين فإنما هو بتقدير حدوثه ومعلوم انه إذا كان بتقدير قدمه لا يهخلو عنهما، وكلاهما ممتنع كان بتقدير قدمه مستلزما لأمر ممتنع وهو الجمع بين النقيضين فإنه إذا صحت المقدمتان لزم أن يكون حادثاً بتقدير قدمه وهو انه لو كان قديماً لم يخل من حادث وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث. وما ذكره الأمدي إنما يتوجه إذاقيل الجسم مطلقاً لا يخلو عن الحركة والسكون وحينئذ فإما أن يخلو عنهما أو لا يخلو، فإن خلا عنهما لم يكن ذلك إلا حال حدوثه، فيكون حادثاً. وإن لم يخل عنهما لزم ان يكون حادثاً، فيلزم حدوثه على كل تقدير. ونحن نذكر ما يقدح به الآمدي وأمثاله في حججهم التي احتجوا بها في موضع آخر، وإن كان بعض ذلك القدح ليس بحق، ولكن يعطي كل ذي حق حقه قولاً بالحق واتباعاً للعدل.

стр. 1529

وقد ذكرنا كلام الآمدي على سائر ما ذكره ف يامتناع كن الحركة أزلية، مثل قوله: لم قلتم بامتناع كون الحركة أزلية؟ وما ذكروه من الوجه الأول فإنما يلزم أن لو قيل بأن الحركة الواحدة بالشخص أزلية وليس كذلك، بل المعنى بكون الحركة أزلية أن أعداد أشخاصها المتعاقبة لا أول لها، وعند ذلك فلا منافاة بين كون كل واحدة من آحاد الحركات الشخصية حادثة ومسبوقة بالغير وبين كون جملة آحادها أزلية، بمعنى انها متعاقبة إلى غير نهاية إلى آخر كلامه. والمقصود هنا التنبيه على أنه نقص في موضع آخر عامة ما احتج به هنا. فصل ومما ينبغي معرفته في هذا الباب أن القائلين بنفي علو الله على خلقه، الذين يستدلون على ذلك أو عليه وعلى غيره بنفي التجسيم فإنهم ينقضون الحجج التي يحتجون بها، فتارة ينقض أحدهم الحجج التي يحتج ... كما ذكرناه عن الرازي والآمدي

стр. 1530

وأمثالهما من حذاق النظار الذين جمعوا خلاصة ما ذكره النفاة من أهل الفلسفة والكلام بل يعارضون ما يجب تصديقه بما يعلم بصريح العقل موافق لها بما يعلم الصريح انه باطل وتارة كل طائفة تبطل الطريقة العقلية التي اعتمدت عليها الأخرى ن بما يظهر به بطلانها بالعقل الصريح وليسوا متفقين على طريقة واحدة. وهذا يبين خطأهم كلهم من وجهين: من جهة العقل الصريح الذي بين به كل قوم فساد ما قاله الآخرون ومن جهة انه ليس معهم معقول اشتركوا فيه فضلاً عن أن يكون من صريح المعقول. بل المقدمة التي تدعى طائفة النظار النظار صحتها، تقول الآخرى هي باطلة، وهذا بخلاف مقدمات أهل الإثبات الموافقة لما جاء به الرسول ﷺ ، فإنها من العقليات التي اتفقت عليها فطر العقلاء السليمي الفطرة، التي لا ينازع فيها إلا من تلقى النزاع تعليماً من غيره، لا من موجب فطرته فإنما يقدح فيها بمقدمة تقليدية أو نظرية،

стр. 1531

لا ترجع إلى العقل الصريح، وهو يدعى أنها عقلية فطرية. ومن كان له خبرة بحقيقة هذا الباب تبين له أن جميع المقدمات العقلية التي ترجع إليها براهين المعارضين للنصوص النبوية، إنما ترجع إلى تقليد منهم لأسلافهم، لا إلى ما يعلم بضرورة العقل ولا إلى فطرة، فهم يعارضون ما قامت الأدلة العقلية على وجوب تصديقه وسلامته من الخطأ، بما قامت الأدلة العقلية على أنه لا يجب تصديقه بل قد علم جواز الخطأ عليه، وعلم وقوع الخطأ منه فيما هو دون الإلهيات، فضلا عن الإلهيات التي يتيقن خطأ من خالف الرسل فيها بادلألة المجلة والمفصلة. والمقصود هنا التنبيه على جوامع قدح كل طائفة في طريق الطائفة الأخرى من نفاة العلو، أو العلو وغيره من الصفات، بناء على نفي التجسيم، ففحول أهل الكلام كأبي علي وأبي هاشم والقاضي

стр. 1532

عبد الجبار وأبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر وأبي الحسين البصري ومحمد بن الهيثم وأبي المعالي الجويني وأبي الوفاء بن عقيل وأبي حامد الغزالي وغيرهم يبطلون طرق الفلاسفة التي بنوا عليها النفي منهم من يبطل أصولهم المنطقية وتقسيم الصفات إلى ذاتي وعرضي، وتقسيم العرضي إلى لازم للماهية وعارض لها، ودعواهم ان الصفات اللازمة للموصوف منها ما هو ذاتي داخل في الماهية ومنها ما هو عرضي خارج عن الماهية، وبناءهم توحيد واجب الوجود الذي مضمونه نفي الصفات على هذه الأصول وهم في هذا التقسيم جعلوا الماهيات النوعية زائداً في الخارج على الموجودات العينية، وليس هذا قول من قال: المعدوم شيء، فإن أولئك يثبتون ذواتاً ثابتة في العدم تقبل الوجود المعين، وهؤلاء يثبتون ماهيات كلية لا معينة. وأرسطو وأتباعه غنما يثبتونها مقارنة للموجودات المعينة لا مفارقة لها، وأما شيعة أفلاطون فيثبتونها مفارقة ويدعون أنها أزلية أبدية، وشيعة فيثاغورس تثبت أعداداً مجردة. وما يثبته هؤلاء إنما هو في الأذهان، ظنوا ثبوته في الخارج، وتقسيمهم الحد إلى حقيقي ذاتي، ورسمي أو لفظي، أو تقسيم المعرف إلى حد ورسم، هو بناء على هذا التقسيم. وعامة نظار أهل الإسلام وغيرهم ردوا ذلك عليهم وبينوا فساد

стр. 1533

كلامهم، وأن الحد إنما يراد به التمييز بين المحدود وغيره، وأنه يحصل بالخواص التي هي لازمة ملزومة، لا يحتاج إلى ذكر الصفات العامة، بل منعوا أن يذكر في الحد الصفات المشتركة بينه وبين غيره، بل وأكثرهم منعوا بتركيب الحد، كما هو مبسوط في موضعه، وقد صنف في ذلك متكلمو الطوائف، كأبي هاشم وغيره من المعتزلة، وأبن النوبخت وغيره من الشيعة، والقاضي أبي بكر وغيره من مثبتة الصفات. واما أبو حامد الغزالي فإنه وإن وافقهم على صحة الأصول المنطقية، وخالف بذلك فحول النظار الذين هم أقعد بتحقيق النظر في الإلهيات ونحوها من أهل المنطق، وأتبعه على ذلك من سلك سبيله كالرازي وذويه وأبي محمد بن البغدادي صاحب ابن المثنى وذويه فقد بين في كتابه تهافت الفلاسفة وغيره من كتبه فساد قولهم في الإلهيات، مع وزنه لهم بموازينهم المنطقية، حتى انه بين انه لا حجة لهم على نفي التجسيم بمقتضى أصولهم المنطقية، فضلا عن أن يكون لهم حجة على نفي الصفات مطلقاً، وإن كان أبو حامد قد يوجد كلامه ما يوافقهم عليه تارة أخرى، وبهذا

стр. 1534

تسلط عليه طوائف من علماء الإسلام، ومن الفلاسفة أيضاً كابن رشد وغيره، حتى أنشد فيه يوماً يمان إذا ما جئت ذا يمن ... وإن لقيت معدياً فعدناني فالاعتبار من كلامه وكلام غيره بما يقوم عليه الدليل، وليس ذلك إلا فيما وافق فيع الرسول ﷺ فلا يقوم دليل صحيح على مخالفة الرسول البتة. وهذا كما أن ابن عقيل يوجد في كرمه ما يوافق المعتزلة والجهمية تارة، وما يوافق به المثبتة للصفات بل للصفات الخبرية أخرى فالاعتبار من كلامه وكلام غيره بما يوافق الدليل وهو الموافق لما جاء به الرسول. والمقصود هنا أن نبين ان فحول النظار بينوا فساد طرق من نفي الصفات أو لاعلو بناء على نفي التجسيم وكذلك فحول الفلاسفة كابن سينا وأبي البركات وابن رشد وغيرهم بينوا فساد أهل الكلام من الجهمية والمعتزلة والأشعرية التي نفوا بها التجسيم حتى أن ابن رشد في تهافت التهافت بين فساد ما أعتمد هؤلاء كما بين أبو حامد في التهافت فساد ما اعتمد عليه الفلاسفة.

стр. 1535

ولهذا كان في عامة طوائف النظار من يوافق أهل الإثبات على إثبات الصفات، بل وعلى قيام الأمور الاختيارة في ذاته وعلى العلو، كما يوجد فيهم من يوافقهم على أن الله خالق افعال العباد، فأخذق متأخري المعتزلة هو أبو الحسين البصري، ومن عرف حقيقة كلامه علم انه يوافق على إثبات كونه حياً عالما قادراً، وعلى أن كونه حيا ليس هو كونه عالما، وكونه عالما ليس كونه قادرا لكنه ينازع مثبتة الأحوال الذين يقولون: ليست موجودة ولا معدومة. وهذا الذي اختاره هو قول أكثر مثبتة الصفات، فنزاعه معهم نزاع لفظي، كما انه يوافق على أن الله يخلق الداعي في العبد، وعند وجود الداعي والقدرة يجب وجود المقدور. وهذا قول أئمة أهل الإثبات وحذاقهم الذين يقولون: إن الله خالق أفعال العباد. وهو أيضاً يقول: إنه سبحانه مع علمه بما سيكون فإنه إذا كان يعلمه كائناً فعالميته متجددة. وابن عقيل يوافق على ذلك، وكذلك الرازي وغيره، وهذا موافق لقول من يقول بقيام الحوادث به. وبعض حذاق المعتزلة نصر القول بعلو الله ومباينته لخلقه بالأدلة العقلية، وأظنه من أصحاب أبي الحسين.

стр. 1536

وقد حكى ابن رشد ذلك عن أئمة الفلاسفة. أبو البركات وغيره من الفلاسفة يختارون قيام الحوادث به كإرادات وعلوم متعاقبة، وقد ذكروا ذلك وما هو أبلغ منه عن متقدمي الفلاسفة، كما ذكرت أقوالهم في غير هذا الموضع، وتقدم بعضها. والمقصود هنا أن جميع ما احتج به النفاة قدح فيه بعض النفاة قدحاً يبين بطلانه، كما بين غير واحد فساد طرق الفلاسفة. كلام الغزالي في تهافت الفلاسفة في تعجيزهم عن إقامة الدليل على أن الأول ليس بجسم قال أبو حامد مسالة في تعجيزهم عن إقامة الدليل على أن الأول ليس بجسم فنقول هذا إنما يستقيم لمن يرى أن الجسم حادث، من حيث إنه لا يخلو عن الحوادث، وكل حادث فيفتقر إلى محدث فأما أنتم إذا عقلتم جسماً قديماً لا أول لوجوده، مع أنه لا يخلو عن الحوادث فلم يمتنع أن يكون الأول جسماً إما الشمس وإما الفلك الأقصى وإما غيره فإن قيل لأن الجسم لا يكون إلا مركباً منقسماً إلى جزأين بالكمية وإلى الهيولى والصورة بالقسمة المعنوية وإلى أوصاف يختص بها لا محالة حتى يباين سائر

стр. 1537

الأجسام وإلا فالأجسام متساوية في أنها أجسام، وواجب الوجود واحد لا يقيل القسمة بهذه الوجوه. قلنا وقد أبطلنا هذا عليكم، وبينا أنه لا دليل لكم عليه سوى أن المجتمع إذا افتقر بعض أجزائه إلى البعض كان معلولاً وقد تكلمنا عليه وبينا أنه إذا لم يبعد تقدير موجود لا موجود له لم يبعد تقدير مركب له وتقدير موجودات لا موجد لها إذ نفي العدد والتثنية بنيتموه على نفي التركيب ونفي التركيب على نفي الماهية سوى الوجود وما هو الأساس الأخير فقد استأصلناه وبينا تحكمكم فيه. فإن قيل الجسم إن لم يكن له نفس لا يكون فاعلاً وإن كان له نفس فنفسه علة له فلا يكون الجسم أولاً. قلنا أنفسنا ليست علة لوجود أجسامنا ولا نفس الفلك بمجردها علة لوجود جسمه عندكم بل هما يوجدان بعلة سواهما فإذا جاز وجودهما قديماً جاز أن لا يكون لهما علة.

стр. 1538

فإن قيل كيف اتفق اجتماع النفس والجسم؟ قلنا هو كقول القائل كيف اتفق وجود الأول فيقال هذا سؤال عن حادث فأما ما لم يزل موجوداً فلا يقال كيف اتفق فكذلك الجسم ونفسه إذا لم يزل كل واحد منهما موجوداً لم يبعد أن يكون صانعاً. فإن قيل لأن الجسم من حيث إنه جسم لا يخلق غيره والنفس المتعلقة بالجسم لا تفعل إلا بواسطة الجسم ولا يكون الجسم واسطة للنفس في خلق الأجسام ولا في إبداع النفوس والأشياء لا تناسب الأجسام. قلنا ولم لا يجوز أن يكون في النفوس نفس تختص بخاصية تتهيأ بها لن توجد الأجسام وغير الأجسام منها فاستحالة ذلك لا تعرف ضرورة ولا برهان يدل عليه إلا أنه لم يشاهد من هذه الأجسام المشاهدة وعدم المشاهدة لا يدل على الاستحالة فقد

стр. 1539

أضافوا إلى الموجود الأول مالا يضاف إلى موجود أصلاً ولم يشاهد من غيره وعدم المشاهدة من غيره لا يدل على استحالته منه فكذا في نفس الجسم والجسم. فإن قيل الفلك الأقصى أو الشمس أو ما قدر من الأجسام فهو متقدر بمقدار يجوز أن يزيد عليه وينقص منه فيفتقر اختصاصه بذلك المقدار الجائز إلى مخصص فلا يكون أولاً. قلنا بم تنكرون على من يقول إن ذلك الجسم يكون على مقدار يجب أن يكون عليه لنظام الكل ولو كان أصغر منه أو اكبر لم يجز، كما أنكم قلتم إن المعلول الأول يفيض الجرم الأقصى منه متقدراً بمقدار وسائر المقادير بالنسبة إلى ذات المعلول الأول متساوية ولكن يعين بعض المقادير ليكون النظام متعلقاً به فيوجب المقدار الذي وقع ولم يجز خلافه فكذلك إذا قدر غير معلول بل لو أثبتوا في المعلول فيوجب المقدار الذي وقع ولم يجز خلافه فكذلك إذا قدر غير معلول بل لو أثبتوا في المعلول الأول الذي هو علة الجرم الأقصى عندهم

стр. 1540

مبدأ للتخصيص مثل إرادة مثلاً لم ينقطع السؤال إذ يقال ولم أراد هذا المقدار دون غيره كما ألزموه على المسلمين في إضافتهم الأشياء إلى الإرادة القديمة وقد قلبنا عليهم ذلك في تعين جهة حركة السماء وفي تعيين نقطتي القطبين فإذا ظهر انهم مضطرون إلى تجويز تمييز الشيء عن مثله في الوقوع بعلة فتجويزه بغير علة كتجويزه بعلة إذ لا فرق بين إن يتوجه السؤال في نفس الشيء فيقال لم اختص بهذا القدر وبين أن يتوجه في العلة فيقال ولم خصص هذا القدر عن مثله فإن أمكن دفع السؤال عن العلة بان هذا المقدار ليس مثل غيره إذ النظام مرتبط به دون غيره أمكن دفع السؤال عن نفس الشيء ولم يفتقر إلى علة وهذا لا مخرج عنه فإن هذا المقدار المعين الواقع إن كان مثل الذي لم يقع فالسؤال متوجه أنه كيف ميز الشيء عن مثله خصوصاً على أصلهم وهم ينكرن الإرادة المميزة وإن لم تكن مثلاً له فلا

стр. 1541

يثبت الجواز بل يقال وقع كذلك قديماً كما وقعت العلة القديمة بزعمهم. قال وليستمد الناظر في هذا الكتاب مما أوردناه لهم من توجيه السؤال في الإرادة القديمة وقلبنا ذلك عليهم في نقطة القطب وجهة حركة الفلك وتبين بهذا أن من لا يصدق بحدوث الأجسام فلا يقدر على إقامة الدليل على أن الأول ليس بجسم أصلاً. تعليق ابن تيمية فهذا أبو حامد هو وغيره يبينون فساد ما ذكروه من نفي كون الأول جسماً ويقولون لا طريق إلى ذلك إلا الاستدلال على حدوث الجسم وقد سبقهم الأشعري إلى بيان فساد ما احتجت به المعتزلة على حدوث الجسم.

стр. 1542

والرازي وأتباعه يبينون حدوث الجسم في كتبه الكلامية كالأربعين ونهاية العقول والمحصل وغير ذلك ثم يبينون فساد كل ما يحتج به على حدوث الأجسام في مواضع أخر مثل المباحث المشرقية وكذلك في المطالب العالية التي هي آخر كتبه بين فساد حجج من يقول بحدوثها وانه فعل بعد ان لم يكن فاعلاً ويذكر حججاً كثيرة على دوام الفاعلية ويورد عليها مع ذلك ما يدل على فسادها ويعترف بالحيرة في هذه المواضع العظيمة مسائل الصفات وحدوث العالم ونحو ذلك. وسبب ذلك أنهم يقولون أقوالاً تستلزم الجمع بين النقيضين تارة ورفع النقيضين تارة بل نستلزم كليهما والأصل العظيم الذي هو من أعظم أصول العلم والدين يذكرون فيه إلا أقوالاً ضعيفة. والقول الصواب الموافق للميزان والكتاب لا يعرفونه كما في مسألة حدوث العالم فإنهم لا يذكرون إلا قولين قول من يقول

стр. 1543

بقدم الأفلاك وإن كانت صادرة عن علة توجبها، فالمعلول مقارن ازلاً وقول من يقول بل تراخى المفعول عن المؤثر التام وأنه يمتنع انه لم يزل متكلماً إذا شاء ويفعل ما يشاء. والقول الصواب الذي هو قول السلف والأئمة لا يعرفونه وهو القول بأن الأثر يتعقب التأثير التام فهو سبحانه إذا كون شيئاً كان عقب تكوينه له كما قال تعالى ﴿إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون﴾ يس: ٨٢ وهذا هو المعقول كما يكون الطلاق والعتاق عقب التطليق والاعتاق والانكسار والانقطاع عقب الكسر والقطع فهو سبحانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ويذكرون في كونه موجباً بذاته وفاعلاً بمشيئته وقدرته قولين فاسدين أحدهما قول من يقول المتفلسفة وان معلوله يجب ان يكون مقارناً له في الزمان أزلاً وأبداً.

стр. 1544

وهذا القول من أفسد أقوال بني آدم فإنه يستلزم ان لا يحدث في العالم حادث فإنه إذا كانت علة تامة ازلية ومعلولها معها والعالم كله معلوله إما بواسطة وإما بغير واسط لزم ان لا يكون في العالم شيء إلا أزلياً فلا يكون في العالم شيء من الحوادث وهو خلاف المشاهدة. ثم إنهم لما أثبتوا الواجب بالممكن إنما استدلوا على الممكن بالحادث الذي يفتقر إلى محدث فإن لم يكن في العالم حادث بطل الإمكان الذي به أثبتوا الواجب ولزم إما أن لا يكون في العالم واجب الوجود ولا ممكن الوجود وهو إخلاء للوجود عن النقيضين وإما أن يكون جميعه واجب الوجود فيكون الحادث الذي كان بعد أن لم يكن واجب الوجود. وأيضاً فإذا كان المعلول لا يكون إلا مع علته التامة لزم أن لا يحدث شيء من الحوادث إلا مع تمام علته ولم يحدث حين حدوثه ما يوجب حدوث علة تامة له وغن قدر حدوث ذلك لزم حدوث تمام علل ومعلولات في آن واحد وهو تسلسل في العلل وذلك معلوم الفساد بصريح العقل واتفاق العقلاء بخلاف تسلسل الحوادث المتعاقبة وهو أنه لا يكون حادث إلا بعد حادث فهذا فيه نزاع مشهور.

стр. 1545

والناس فيه على أربعة أقوال قيل يمتنع في الماضي والمستقبل كقول جهم وابي الهذيل ولهذا قال الجهم بفناء الجنة والنار وقال أبو الهذيل بفناء حركاتهما. وقيل: يمتنع في الماضي دون المستقبل، وهو قول كثير من طوائف أهل الكلام، كأكثر المعتزلة والأشعرية والكرامية وغيرهم. وقيل: يجوز فيهما فيما هو مفتقر إلى غيره كالفلك، سواء قيل: إنه محتاج إلى مبدع، كقول أبن سينا وأتباعه، أو قيل: إنه محتاج إلى ما يتشبه به كقول أرسطو وأتباعه. وقيل: يجوز فيهما، لكن لا يجوز ذلك فيما سوى الرب، فإنه مخلوق مفعول، وحوادثه القائمة به لا تحصل إلا من غيره، فهو محتاج في نفسه وحوادثه إلى غيره، والمحتاج لا يكون إلا مربوبا، والمربوب لا يكون إلا مخلوقاً محدثاً، والمحدث لا يقوم به حوادث لا أول لها، فغن ما لم يسبق الحادث المعين والحوادث المحدودة فهو محدث مثلها باتفاق العقلاء، إذ لو كان لم يسبقها فإما أن يكون معها أو بعدها، وعلى التقديرين فهو حادث، بخلاف الرب القديم الأزلي الواجب بنفسه، فإنه إذا كان لم يزل متكلماً إذا شاء فعالاً لما يشاء، كان ذلك من كماله، وكان هذا كما قاله أئمة السنة والحديث.
следующие страницы →