← Акыда

Акыда · id 21506

درء تعارض العقل والنقل

ابن تيمية

Полный текст (4 031 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

يثبت الجواز بل يقال وقع كذلك قديماً كما وقعت العلة القديمة بزعمهم. قال وليستمد الناظر في هذا الكتاب مما أوردناه لهم من توجيه السؤال في الإرادة القديمة وقلبنا ذلك عليهم في نقطة القطب وجهة حركة الفلك وتبين بهذا أن من لا يصدق بحدوث الأجسام فلا يقدر على إقامة الدليل على أن الأول ليس بجسم أصلاً. تعليق ابن تيمية فهذا أبو حامد هو وغيره يبينون فساد ما ذكروه من نفي كون الأول جسماً ويقولون لا طريق إلى ذلك إلا الاستدلال على حدوث الجسم وقد سبقهم الأشعري إلى بيان فساد ما احتجت به المعتزلة على حدوث الجسم.

стр. 1542

والرازي وأتباعه يبينون حدوث الجسم في كتبه الكلامية كالأربعين ونهاية العقول والمحصل وغير ذلك ثم يبينون فساد كل ما يحتج به على حدوث الأجسام في مواضع أخر مثل المباحث المشرقية وكذلك في المطالب العالية التي هي آخر كتبه بين فساد حجج من يقول بحدوثها وانه فعل بعد ان لم يكن فاعلاً ويذكر حججاً كثيرة على دوام الفاعلية ويورد عليها مع ذلك ما يدل على فسادها ويعترف بالحيرة في هذه المواضع العظيمة مسائل الصفات وحدوث العالم ونحو ذلك. وسبب ذلك أنهم يقولون أقوالاً تستلزم الجمع بين النقيضين تارة ورفع النقيضين تارة بل نستلزم كليهما والأصل العظيم الذي هو من أعظم أصول العلم والدين يذكرون فيه إلا أقوالاً ضعيفة. والقول الصواب الموافق للميزان والكتاب لا يعرفونه كما في مسألة حدوث العالم فإنهم لا يذكرون إلا قولين قول من يقول

стр. 1543

بقدم الأفلاك وإن كانت صادرة عن علة توجبها، فالمعلول مقارن ازلاً وقول من يقول بل تراخى المفعول عن المؤثر التام وأنه يمتنع انه لم يزل متكلماً إذا شاء ويفعل ما يشاء. والقول الصواب الذي هو قول السلف والأئمة لا يعرفونه وهو القول بأن الأثر يتعقب التأثير التام فهو سبحانه إذا كون شيئاً كان عقب تكوينه له كما قال تعالى ﴿إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون﴾ يس: ٨٢ وهذا هو المعقول كما يكون الطلاق والعتاق عقب التطليق والاعتاق والانكسار والانقطاع عقب الكسر والقطع فهو سبحانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ويذكرون في كونه موجباً بذاته وفاعلاً بمشيئته وقدرته قولين فاسدين أحدهما قول من يقول المتفلسفة وان معلوله يجب ان يكون مقارناً له في الزمان أزلاً وأبداً.

стр. 1544

وهذا القول من أفسد أقوال بني آدم فإنه يستلزم ان لا يحدث في العالم حادث فإنه إذا كانت علة تامة ازلية ومعلولها معها والعالم كله معلوله إما بواسطة وإما بغير واسط لزم ان لا يكون في العالم شيء إلا أزلياً فلا يكون في العالم شيء من الحوادث وهو خلاف المشاهدة. ثم إنهم لما أثبتوا الواجب بالممكن إنما استدلوا على الممكن بالحادث الذي يفتقر إلى محدث فإن لم يكن في العالم حادث بطل الإمكان الذي به أثبتوا الواجب ولزم إما أن لا يكون في العالم واجب الوجود ولا ممكن الوجود وهو إخلاء للوجود عن النقيضين وإما أن يكون جميعه واجب الوجود فيكون الحادث الذي كان بعد أن لم يكن واجب الوجود. وأيضاً فإذا كان المعلول لا يكون إلا مع علته التامة لزم أن لا يحدث شيء من الحوادث إلا مع تمام علته ولم يحدث حين حدوثه ما يوجب حدوث علة تامة له وغن قدر حدوث ذلك لزم حدوث تمام علل ومعلولات في آن واحد وهو تسلسل في العلل وذلك معلوم الفساد بصريح العقل واتفاق العقلاء بخلاف تسلسل الحوادث المتعاقبة وهو أنه لا يكون حادث إلا بعد حادث فهذا فيه نزاع مشهور.

стр. 1545

والناس فيه على أربعة أقوال قيل يمتنع في الماضي والمستقبل كقول جهم وابي الهذيل ولهذا قال الجهم بفناء الجنة والنار وقال أبو الهذيل بفناء حركاتهما. وقيل: يمتنع في الماضي دون المستقبل، وهو قول كثير من طوائف أهل الكلام، كأكثر المعتزلة والأشعرية والكرامية وغيرهم. وقيل: يجوز فيهما فيما هو مفتقر إلى غيره كالفلك، سواء قيل: إنه محتاج إلى مبدع، كقول أبن سينا وأتباعه، أو قيل: إنه محتاج إلى ما يتشبه به كقول أرسطو وأتباعه. وقيل: يجوز فيهما، لكن لا يجوز ذلك فيما سوى الرب، فإنه مخلوق مفعول، وحوادثه القائمة به لا تحصل إلا من غيره، فهو محتاج في نفسه وحوادثه إلى غيره، والمحتاج لا يكون إلا مربوبا، والمربوب لا يكون إلا مخلوقاً محدثاً، والمحدث لا يقوم به حوادث لا أول لها، فغن ما لم يسبق الحادث المعين والحوادث المحدودة فهو محدث مثلها باتفاق العقلاء، إذ لو كان لم يسبقها فإما أن يكون معها أو بعدها، وعلى التقديرين فهو حادث، بخلاف الرب القديم الأزلي الواجب بنفسه، فإنه إذا كان لم يزل متكلماً إذا شاء فعالاً لما يشاء، كان ذلك من كماله، وكان هذا كما قاله أئمة السنة والحديث.

стр. 1546

والثاني: قول من يقول: انه فاعل مختار، لكنه يفعل بوصف الجواز، فيرجح أحد المتماثلين على الآخر بلا مرجح، إما بمجرد كونه قادراً، أو لمجرد كونه قادراً عالماً، أو لمجرد إرادته القديمة التي ترجج مثلا على مثل بلا مرجح، ويقولون: إن الحوادث تحدث بعد أن لم تكن حادثة من غير سبب يوجب الحدوث، فيقولون بتراخي الأثر عن المؤثر التام. وهذا وإن كان خيراً من الذي قبله ولهذا ذهب إليه طوائف من أهل الكلام ففساده أيضاً بين فإنه إذا قيل: إن المؤثر التام حصل مع تراخي الأثر عنه، وعند حصول الأثر لم يحصل ما يوجب الحصول، كان حاله بعد حصول الأثر وقبله حالا واحدة متشابهة، ثم اختص أحد الحالين بالأثر من غير ترجيح مرجح، وحدوث الحادث بلا سبب حادث وهذا معلوم الفساد بصريح العقل. والقول الثالث: قول أئمة السنة: إنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فما شاء الله وجب بمشيئته وقدرته، وما لم يشأه امتنع

стр. 1547

لعدم مشيئته له، فهو موجب بمشيئته وقدرته، لا بذات خالية عن الصفات، وهو موجب له إذا شاءه، لا موجب له في الأزل، كما قال ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ يس ٨٢: وهذا الإيجاب مستلزم لمشيئته وقدرته، لا مناف لذلك، بل هو سبحانه يخلق ما يشاء ويختار، فهو فاعل لما يشاؤه إذا شاء، وهو موجب له بمشيئته وقدرته. والله تعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1548

الوجه العشرون متابعة الملاحدة للنفاة في إنكار النصوص وتأويلها أن نقول: ما سلكه هؤلاء نفاة الصفات من معارضة النصوص الإلهية بآرائهم هو بعينه الذي احتج به الملاحدة الدهرية عليهم في إنكار ما أخبر اله به عباده من أمور اليوم الآخر، حتى جعلوا ما أخبرت به الرسل عن الله وعن اليوم الآخر لا يستفاد منه علم، ثم نقلوا ذلك إلى ما أمروا به من الأعمال كالصلوات الخمس والزكاة والصيام والحج فجعلوها للعامة دون الخاصة فآل الأمر بهم إلى أن ألحدوا في الأصول الثلاثة التي اتفقت عليها الملل كما قال تعالى ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ البقرة ٦٢.

стр. 1549

فأفضى الأمر بمن سلك سبيل هؤلاء إلى الإلحاد في الإيمان بالله واليوم والآخر والعمل الصالح، وسرى ذلك في كثير من الخائضين في الحقائق، من أهل النظر والتأله من أهل الكلام والتصوف، حتى آل الأمر بملاحدة المتصوفة كابن عربي صاحب فصوص الحكم وأمثاله إلى أن جعلوا الوجود واحداً، وجعلوا وجود الخالق هو وجود المخلوق وهذا تعطيل للخالق. وحقيقة قولهم فيه مضاهاة لقول الدهرية الطبيعية الذين لا يقرون بواجب أبدع الممكن، وهو قول فرعون، ولهذا كانوا معظمين لفرعون. ثم إنهم جعلوا أهل النار يتنعمون فيها، كما يتنعم أهل الجنة في الجنة، فكفروا بحقيقة اليوم الآخر، ثم ادعوا أن الولاية أفضل من النبوة، وأن خاتم الأولياء وهو شيء لا حقيقة له زعموا أنه أفضل من خاتم الأنبياء، بل ومن جميع الأنبياء وأنهم كلهم يستفيدون من مشكاته العلم بالله، الذي حقيقته عندهم أن وجود المخلوق هو وجود الخالق. وكان قولهم كما يقال لمن قال: فخر عليهم السقف من تحتهم، لا عقل ولا قرآن، فإن المتأخر يستفيد من المتقدم دون العكس، والأنبياء أفضل من غيرهم، فخالفوا الحس والعقل مع كفرهم بالشرع. وآخر تحقيقهم استحلال المحرمات وترك الواجبات، كما كان يفعل أبرع محققيهم: التلمساني وأمثاله. هذا وشيوخ التصوف المشهورون من أبرأ الناس من هذا المذهب، وأبعدهم عنه، وأعظمهم نكيراً عليه وعلى أهله. وللشيوخ المشهورين بالخير، كالفضل بن عياض وأبي سليمان الداراني والجنيد بن محمد

стр. 1550

وسهل بن عبد الله التستري وعمر بن عثمان المكي وأبي عثمان النيسابوري وأبي عبد الله بن خفيف الشيرازي ويحيى بن معاذ الرازي وأمثالهم من الكلام في إثبات الصفات والذم للجهمية والحلولية مالا يتسع هذا الموضع لعشره. بل قد قيل للشيخ عبد القادر الجيلي قدس الله روحه هل كان لله ولي على غير اعتقاد أحمد بن حنبل؟ فقال: لا كان ولا يكون والاعتقاد إنما أضيف إلى أحمد لأنه أظهره وبينه عند ظهور البدع وإلا فهو كتاب الله وسنة ورسوله حظ أحمد منه كحظ غيره من السلف: معرفته والإيمان به وتبليغه والذب عنه كما قال بعض أكابر الشيوخ الاعتقاد لمالك والشافعي ونحوهما من الأئمة والظهور لأحمد ابن حنبل. وذلك لأنه كان بعد القرون الثلاثة، لما ظهرت بدعة الجهمية ومحنتهم المشهورة، وأرادوا إظهار مذهب النفاة وتعطيل حقائق الأسماء والصفات، ولبسوا على من لبسوا عليه من الخلفاء ثبت الله الإسلام والسنة بأحمد بن حنبل وغيره من أئمة الدين فظهرت بهم السنة وطفئت بهم نار المحنة، فصاروا علماً لأهل الإسلام، وأئمة لمن بعده من علماء المسلمين: أهل السنة والجماعة وصار كل منتسب إلى السنة لا بد أن يواليه وإياهم، ويوافقهم في جمل الاعتقاد، إذ كان ذلك اعتقاد أهل الهدى والرشاد، المعتصمين بالكتاب والسنة وإجماع السابقين الأولين، والتابعين لهم بإحسان. وأئمة السنة ليسوا مثل أئمة البدعة، فإن أئمة السنة تضاف السنة

стр. 1551

إليهم لأنهم مظاهر بهم ظهرت، وأئمة البدعة تضاف إليهم لأنهم مصادر عنهم صدرت. ولهذا كان جمل الاعتقاد الذي يذكره أهل المقالات عن أهل السنة والجماعة هو قول أحمد وأمثاله من أئمة السنة كلام الأشعري في الإبانة عن متابعته للإمام أحمد ولهذا قال أبو الحسن الأشعري في كتابه الإبانة فإن قال قائل: قد أنكرتم قول الجهمية والقدرية والحرورية والرافضة والمرجئة فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي بها ندين: التمسك بكتاب ربنا، وسنة نبينا، وبما روي عن الصحابة والتابعين، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد أحمد بن حنبل قائلون، ولما خالف قوله مجانبون، فإنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان

стр. 1552

الله به الحق، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام معظم، وكبير مفهم وعلى جميع أئمة المسلمين. والمقصود هنا ان صفوة أولياء الله تعالى الذين لهم في الأمة لسان صدق، من سلف الأمة وخلفها، هو على مذهب أهل السنة والجماعة، أهل الإثبات للأسماء والصفات، وهم من أبعد الناس عن مذهب أهل الإلحاد، من أهل الحلول والوحدة والاتحاد، وإن كان كثير من متأخري الصوفية دخلوا في مذهب الإباحة والحلولية، وخلطوا التصرف بالفلسفة اليونانية، كما خلطه بعضهم بشيء من أقوال أهل الكلام الجهمية. ومبدأ هذا من أقوال الذين يعارضون النصوص بآرائهم، كما ذكر الشهرستاني في أول كتابه في الملل والنحل أن مبدأ انواع كل الضلالات هو من تقديم الرأي على النص واختيار الهوى على الشرع، فسرى في المنتسبين إلى لا علم والدين، من أهل الفقه والكلام والتصوف من أقوال الملاحدة بسبب هذا الأصل مالا

стр. 1553

يعلمه إلا الله. وأما ملاحدة الشيعة من القرامطة الباطنية والإسماعيلية والنصيرية ونحوهم فأولئك أمرهم أظهر من أن يخفى على من عرف حالهم ممن فيه نوع إيمان بالله ورسوله ولهذا كثر الكاشفون لأسرارهم، الهاتكون لأستارهم، من جميع أصناف أهل القبلة، حتى الشيعة والمعتزلة ونحوهم فإنهم متفقون على تكفيرهم، كما اتفق على تكفيرهم أئمة السنة، ومن انتسب إليهم من متكلمة الإثبات وغيرهم. وصنف القاضي أبو بكر كتابه المشهور فيهم، ووصف فضائحهم القاضي عبد الجبار والقاضي أبو يعلي وأبو الوفا بن عقيل، وأبو حامد الغزالي والشهرستاني، والخبوشاني وغير واحد من العلماء وتكلموا في العبيديين الذين كانوا بالمغرب ومصر الذين ادعوا النسب العلوي، وأضمروا مذهبهم تكلموا فيهم بما بينوا فيه

стр. 1554

بطلان نسبهم، كما عرفوا بطلان مذهبهم، وأن باطن مذهبهم أعظم كفراً من أقوال كفار أهل الكتاب، ومن أقوال الغالية الذين يدعون نبوة علي أو إلهيته ونحوهم إذ كان مضمون مذهبهم: تعطيل الخالق، وتكذيب رسله والتكذيب باليوم الآخر وإبطال دينه. وقد ذكروا منتهى دعوتهم في البلاغ الأكبر والناموس الأعظم الذي لهم، وأن أقرب الطوائف إليهم الفلاسفة مع أنهم خالفوا الفلاسفة في إثبات واجب الوجود فإن الفلاسفة الإلهيين يثبتونه وهؤلاء أصحاب البلاغ الأكبر والناموس الأعظم أنكروه، كما فعلت الدهرية الطبيعية. وقول الاتحادية كصاحب الفصوص وأمثاله يؤول إلى قول هؤلاء وهو القول الذي أزهره فرعون وأما المشاؤون أرسطو وأتباعه ومن اتبعهم من المتأخرين: كالفارابي وابن سينا وأمثالهم فهم يقرون بالعلة الأولى المغايرة لوجود الأفلاك لكن دليلهم الذي احتجوا به على الطبيعيين منهم هو دليل الحركة الذي احتج به أرسطو وقدماؤهم، أو دليل الوجود الذي احتج به أبن سينا ومتأخروهم، وهو منهم دليل ضعيف، إذ مبناه على حجة التركيب وهي حجة ضعيفة كما قد بين في غير هذا الموضع.

стр. 1555

وكان أهل بيت ابن سينا من أتباع هؤلاء القرامطة، من المستجيبين للحاكم الذي كان بمصر. قال ابن سينا: وبسبب ذلك دخلت في الفلسفة. كما كان أصحاب رسائل إخوان الصفا من الموافقين لهم، وصنف الرسائل على طريقتهم في الزمان الذي بنيت فيه القاهرة في أثناء المائة الرابعة، وكان أمر المسلمين قد اضطرب ف يتلك المدة اضطراباً عظيماً. كلام ابن سينا في الرسالة الأضحوية والمقصود هنا أن هؤلاء الملاحدة يحتجون على النفاة بما وافقوهم عليه من نفي الصفات والإعراض عن دلالة الآيات، كما ذكر ذلك أبن سينا في الرسالة الأضحوية التي صنفها في المعاد لبعض الرؤساء الذين طلب تقربه إليهم ليعطوه مطلوبة منهم من الجاه والمال، وصرح بذلك في أول هذه الرسالة. قال فيها لما ذكر حجة من أثبت معاد البدن، وان الداعي لهم إلى ذلك ما ورد به الشرع من بعث الأموات فقال: وأما أمر الشرع فينبغي أن يعلم فيه قانون واحد: وهو أن

стр. 1556

الشرع والملة الآتية على نبي من الأنبياء يرام بها خطاب الجمهور كافة ثم من المعلوم الواضح أن التحقيق الذي ينبغي أن يرجع إليه في صحة التوحيد: من الإقرار بالصانع: موحداً مقدساً عن الكم، والكيف والأين، ومتى، والوضع، والتغير، حتى يصير الاعتقاد به أنه ذات واحدة، لا يمكن أن يكون لها شريك في النوع ولا داخلة فيه، ولا حيث تصح الإشارة إليه أنه هنا أو هناك: ممتنع إلقاؤه إلى الجمهور، ولو ألقي هذا على هذه الصورة إلى العرب العاربة أو العبرانيين الأجلاف، لتسارعوا إلى العناد، واتفقوا على أن الإيمان المدعو إليه إيمان بمعدوم أصلاً. ولهذا ورد ما في التوراة تشبيهاً كله، ثم إنه لم يرد في الفرقان من الإشارة إلى

стр. 1557

هذا الأمر الأهم شيء، ولا إلى صريح ما يحتاج إليه في التوحيد بيان مفصل، بل إلى بعضه على سبيل التشبيه في الظاهر، وبعضه جاء تنزيها مطلقاً عاماً جداً، لا تخصيص ولا تفسير له. وأما الأخبار التشبيهية فأكثر من أن تحصى، ولكن لقوم أن لا يقبلوه، فإذا كان الأمر في التوحيد هذا، فكيف فيما هو بعده من الأمور الاعتقادية؟ ولبعض الناس أن يقولون: إن للعرب توسعاً في الكلام ومجازاً، وان الألفاظ التشبيهية مثل: اليد والوجه والإتيان في ظلل من الغمام والمجيء، والذهاب، والضحك، والحياء، والغضب صحيحة ولكن نحو الاستعمال وجهة العبارة يدل على استعمالها مستعارة مجازاً. قال ويدل على استعمالها غير مجازية ولا مستعارة بل

стр. 1558

محققة أن المواضع التي يوردونها حجة في أن العرب تستعمل هذه المعاني بالاستعارة والمجاز على غير معانيها الظاهرة، مواضع في مثلها يصلح أن تستعمل على غير هذا الوجه ولا يقع فيها تلبيس ولا تدليس وأما قوله ﴿في ظلل من الغمام﴾ البقرة ٢١٠ وقوله ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك﴾ الأنعام ١٥٨ على القسمة المذكورة، وما جرى مجراه، فليس تذهب الأوهام فيه البتة إلى أن العبارة مستعارة أو مجازية. فإن كان أريد فيها ذلك إضماراً فقد رضي بوقوع الغلط والشبهة والاعتقاد المعوج بالإيمان بظاهرها تصريحا وأما قوله ﴿يد الله فوق أيديهم﴾ الفتح ١٠ وقوله ﴿ما

стр. 1559

فرطت في جنب الله﴾ الزمر ٥٦ فهو موضع الاستعارة والمجاز والتوسع في الكلام، ولا يشك في ذلك اثنان من فصحاء العرب ولا يلتبس على ذي معرفة في لغتهم كما يلتبس في تلك الأمثلة فإن هذه الأمثلة لا يقع شبهة في أنها مستعارة مجازية كذلك في تلك لا يقع شبهة في أنها ليست استعارية ولا مراداً فيها شيء غير الظاهر. ثم ذهب أن هذه كلها موجودة على الاستعارة، فأين التوحيد؟ والعبارة المشيرة بالتصريح إلى التوحيد المحض الذي تدعو إليه حقيقة هذا الدين القيم المعترف بجلالته على لسان حكماء العالم قاطبة؟ وقد قال في ضمن كلامه إن الشريعة الجائية على لسان نبينا

стр. 1560

محمد ﷺ جاءت أفضل ما يمكن أن تجئ عليه الشرائع وأكمله، ولهذا صلح أن تكون خاتمة الشرائع وآخر الملل. قال: وأين الإشارة إلى الدقيق من المعاني المشيرة إلى علم التوحيد: مثل أنه عالم بالذات أو عالم بعلم قادر بالذات أو قادر بقدرة واحد الذات على كثرة الأوصاف أو قابل لكثرة تعالى عنها بوجه من الوجوه، متحيز الذات، أو منزهها عن الجهات؟ فإنه لا يخلو: إما أن تكون هذه المعاني واجباً والروية فيها فإن كان البحث عنها معفوا عنه، وغلط الاعتقاد الواقع فيها غير مؤاخذ به، فجل مذهب هؤلاء القوم المخاطبين بهذه الجملة تكلف، وعنه غنية وإن كان فرضاً محكما فواجب أن يكون مما صرح به في الشريعة وليس التصريح المعمى أو الملبس أو المقتصر

стр. 1561

فيه بالإشارة والإيماء. بل التصريح المستقصي فيه، والمنبه عليه: والموفي حق البيان والإيضاح والتفهيم والتعريف على معانيه، فإن المبرزين المنفقين أيامهم ولياليهم وساعات عمرهم على تمرين أذهانهم وتذكية أفهامهم، وترشيح نفوسهم، لسرعة الوقوف على المعاني الغامضة، يحتاجون في تفهم هذه ولعمري لو كلف الله رسولاً من الرسل أن يلقي حقائق هذه الأمور إلى الجمهور من العامة الغليظة طباعهم المتعلقة بالمحسوسات الصرفة أوهامهم، ثم سامه أن يتنجز منهم الإيمان والإجابة غير مهمل فيه، ثم سامه أن يتولى رياضة نفوس الناس قاطبة، حتى تستعد للوقوف عليها، لكلفه شططاً وأن يفعل ما ليس في قوة البشر اللهم إلا أن تدركهم خاصة إلهية، وقوة علوية وإلهام سماوي، فتكون

стр. 1562

حينئذ وساطة الرسول مستغى عنها، وتبليغه غير محتاد إليه. ثم هبك الكتاب العزيز جائياً على لغة العرب وعادة لسانهم في الاستعارة والمجاز، فما قولهم في الكتاب العبراني، وكله من أوله إلى آخره تشبيه صرف؟ وليس لقائل أن يقول: إن ذلك الكتاب محرف كله وأنى يحرف كلية كتاب منتشر في أمم لا يطاق تعديدهم، وبلادهم متنائية وأوهامهم متباينة منهم يهود ونصارى وهم أمتان متعاديتان؟ فظاهر من هذا كله أن الشرائع واردة بخطاب الجمهور بما يفهمون مقرباً مالا يفهمون إلى أوهامهم بالتمثيل والتشبيه ولو كان غير ذلك لما أغنت الشرائع البتة. قال فكيف يكون ظاهر الشرائع حجة في هذا الباب يعني أمر المعاد واو فرضنا الأمور الأخروية روحانية غير مجسمة،

стр. 1563

بعيدة عن إدراك بدائة الأذهان لحقيقتها. لم يكن سبيل الشرائع في الدعوة إليها والتحذير عنها منبهاً بالدلالة عليها. بل بالتعبير عنها بوجوه من التمثيلات المقربة إلى الإفهام. فكيف يكون وجود شيء حجة على وجود شيء آخر. لو لم يكن الشيء الآخر على الحالة المفروضة لكان الشيء الأول على حالته فهذا كله هو الكلام على تعريف من طلب أن يكون خاصا من الناس لا عاماً أن ظاهر الشرائع غير محتج به في مثل هذه الأبواب. قلت فهذا كلام ابن سينا وهو ونحوه كلام أمثاله من القرامطة الباطنية مثل صاحب الأقاليد الملكوتية وأمثاله من الملاحدة والكلام على هذا من فنين: أحدهما: بيان لزوم ما ألزمه لنفاة الصفاة الذين سموا نفيها توحيداً من الجهمية المعتزلة وغيرهم.

стр. 1564

والثاني بيان بطلان كلامه وكلامهم الذي وافقوهم عليه. أما الأول فإن هؤلاء وافقوه على نفي الصفات وأن التوحيد الحق هو توحيد الجهمية المتضمن أن الله لا علم له ولا قدرة ولا كلام ولا رحمة ولا يرى في الآخرة ولا هو فوق العالم فليس فوق العرش إله، ولا على السماوات رب ومحمد لم يعرج به إلى ربه. والقرآن أحسن أحواله عندهم أن يكون مخلوقاً خلقه في غيره أن لم يكن فيضاً فاض على نفس الرسول، وأنه سبحانه لا ترفع اليدي إليه بالدعاء، ولم يعرج شيء إليه ولم ينزل شيء منه: لاملك ولا غيره ولا يقرب أحد إليه ولا يدنو منه شيء، ولا يتقرب هو من أحد، ولا يتجلى لشيء، وليس بينه وبين خلقه حجاب وأنه لا يحب ولا يبغض ولا يرض ولا يغضب، وأنه ليس داخل العالم ولا خارجه ولا مبايناً للعالم ولا حالاً فيه، وإنه لا يختص شيء من المخلوقات بكونه عنده، بل كل الخلق عنده بخلاف قوله تعالى ﴿وله من في السماوات والأرض ومن عنده﴾ الأنبياء ١٩. وأنه إذا سمي حياً عالماً قادراً سميعاً بصيراً فهو حي بلا حياة عالم بلا علم، قادر بلا قدرة سميع بلا سمع بصير بلا بصر إلى أمثال هذه الأمور التي يسمي نفيها الجهمية توحيداً ويلقبون أنفسهم بأهل التوحيد، كما يلقب الجهمية من المعتزلة وغيرهم أنفسهم بذلك وكما لقب ابن

стр. 1565

التومرت أصحابه بذلك إذ كان قوله في التوحيد قول نفاة الصفات جهم وابن سينا وأمثالهما. ويقال إنه تلقى ذلك عن من يوجد في كلامه موافقة الفلاسفة تارة ومخالفتهم أخرى. ولهذا رأيت لابن التومرت كتاباً ف بالتوحيد صرح فيه بنفي الصفات ولهذا لم يذكر في مرشدته شيئاً من إثبات الصفات، ولا أثبت الرؤية ولا قال إن القرآن كلام الله غير مخلوق ونحو ذلك من المسائل التي جرت عادة مثبتة الصفات بذكرها في عقائدهم المختصرة، ولهذا كان حقيقة قوله موافقاً لحقيقة قول ابن سبعين وأمثاله من القائلين بالوجود المطلق، موافقة لابن سينا وأمثاله من أهل الإلحاد، كما يقال إن أن التومرت ذكره في فوائده المشرقية إن الوجود مشترك بين الخالق والمخلوق فوجود الخالق يكون مجرداً ووجود المخلوق يكون مقيداً.

стр. 1566

والمقصود أن هؤلاء لما سموا هذا النفي توحيداصوهي تسمية ابتدعها الجهمية النفاة لم ينطق بها كتاب ولا سنة ولا أحد من السلف والأئمة بل أهل الإثبات قد بينوا أن التوحيد لا يتم إلا بإثبات الصفات وعبادة الله وحده لا شريك له، كما ذكر الله ذلك في سورتي الإخلاص وعامة آيات القرآن فلما وافقه هؤلاء الجهمية من المعتزلة وغيرهم على نفي الصفات وأن هذا هو التوحيد الحق احتج عليهم بهذه المقدمة الدلية على أن الرسل لم يبينوا ما هو الحق في نفسه من معرفة توحيد الله تعالى ومعرفة اليوم الآخر ولم يذكروا ما هو الذي يصلح أو يجب على خاصة بني آدم وأولو الألباب منهم أن يفهموه ويعقلوه ويعلموه من هذا الباب، وأن الكتاب والسنة والإجماع لا يحتج بها في باب الإيمان بالله واليوم الآخر، لا في الخلق ولا البعث لا المبدأ ولا المعاد، وأن الكتب الإلهية غنما أفادت تخييلاً تنفع به العامة، لا تحقيقاً يفيد العلم والمعرفة وأن أعظم العلوم وأجلها وأشرفها وهو العلم بالله لم تبينه الرسل أصلاً ولم تنطق به ولم تهد إليه الخلق بل ما بينت لا معرفة الله ولا معرفة المعاد، لا ما هو الحق في الإيمان بالله، ولا ما هو الحق في الإيمان باليوم الآخر، بل ليس عندهم في كلام الله ورسوله من هذا الباب علم ينتفع به أولو الألباب، وإنما فيه تخييل وإبهام ينتفع به جهال العوام. ولما كان هذا حقيقة قول الملاحدة القرامطة الباطنية صاروا يجعلون أحد رؤوسهم مثل الرسول أو أعظم من الرسول ويسوغون له نسخ

стр. 1567

شريعة محمد ﷺ ، كما زعموا أن محمد ابن إسماعيل بن جعفر نسخ شريعته. وصار كل من هؤلاء يدعي النبوة والرسالة أو يريد أن يفصح بذلك لولا السيف كما فعل السهروردي المقتول فإنه كان يقول لا أموت حتى يقال لي: قم فأنذر وكان ابن سبعين يقول: لقد زرب أبن آمنة حيث قال: لا نبي بعدي ويقال إنه كان يتحرى غار حراء لينزل عليه فيه الوحي. وابن عربي ادعى ما هو أعظم من النبوة عنده، وهو ختم الولاية.

стр. 1568

وخاتم الأولياء عنده أفضل من خاتم الأنبياء في العلم بالله، وهو يقول إن جميع الأنبياء والرسل يستفيدون من مشكاة هذا الخاتم المدعي بمعرفة الله التي حقيقتها وحدة الوجود، وهي تعطيل الصانع سبحانه التي هي سر قول فرعون. وأما أئمة القرامطة والإسماعلية كابن الصباح الذين تلقوا أركان الدعوة عن المستنصر أطول خلفائهم مدة، وفي زمنه كانت فتنة البساسيري وأمثاله، وأما سنان وأمثاله من الملاحدة فتظاهروا بإظهار الكفر بين أصحابهم وقالوا قد أبحنا لكم كل ما تشتهونه من فرج وشراب عنكم ونسخنا عنكم العبادات، فلا صوم ولا صلاة ولا حج ولا زكاة.

стр. 1569

وهذه الحجة التي احتج بها هؤلاء الملاحدة على نفاة الصفات لإثبات إلحادهم هي من حجج أهل الإثبات عليهم لإثبات إيمانهم فإن الله سبحانه أخبر أنه ﴿أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله﴾ التوبة: ٣٣ وقال تعالى ﴿كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم﴾ إبراهيم: ١. وقال تعالى ﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم﴾ المائدة: ١٥ -١٦، وقال تعالى ﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض﴾ الشورى: ٥٢ - ٥٣، وقال تعالى ﴿الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين﴾ البقرة: ١-٢ وقال تعالى ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء﴾ النحل: ٨٩ وقال تعالى ﴿ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء﴾ يوسف: ١١١ وقال تعالى ﴿قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا﴾ النساء: ١٧٤ وقال تعالى ﴿فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون﴾

стр. 1570

الأعراف: ١٥٧، وقال تعالى ﴿وما على الرسول إلا البلاغ المبين﴾ العنكبوت: ١٨، وقال تعالى ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ النحل: ٤٤، وقال تعالى ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ المائدة: ٣، وقال تعالى ﴿وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون﴾ التوبة: ١١٥. وأمثال هذه النصوص التي تبين أن الرسول هدى الخلق وبين لهم، وانه أخرجهم من الظلمات إلى النور، لا أنه لبس عليهم وخيل، وكتم الحق فلم يبينه ولم يهد إليه، لا للخاصة ولا للعامة فإنه من المعلوم أن الرسول ﷺ لم يتكلم مع أحد بما يناقض ما أظهره للناس، ولا كان خواص أصحابه يعتقدون فيه نقيض ما أظهره للناس بل كل من كان به أخص وبحاله أعرف كان اعظم موافقة له وتصديقاً له على ما أظهره وبينه فلو كان الحق في الباطن خلاف ما أظهره للزم إما أن يكون جاهلاً به أو كاتماً له عن الخاصة والعامة، ومظهراً خلافه للخاصة والعامة. وكل من كان عارفاً بسنته وسيرته علم أن ما يروى خلاف هذا فهو مختلق كذب مثل ما يذكره بعض الرافضة عن علي انه كان عنده علم خاص باطن يخالف هذا الظاهر.

стр. 1571

وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة التي لا يتنازع أهل المعرفة في صحتها عن علي ﵁ أنه لما قيل له هل عندكم من رسول الله ﷺ كتاب؟ فقال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما أسر إلينا رسول الله ﷺ شيئاً كتمه عن غيرنا إلا فهماً يؤتيه الله لعبد في كتابه وما في هذه الصحيفة وفيها عقول الديات وفكاك الأسير أن لا يقتل مسلم بكافر وفي لفظ في الصحيح هل عهد إليك رسول الله ﷺ شيئاً لم يعهده إلى الناس؟ فقال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة الحديث. وقد اجمع أهل المعرفة بالمنقول على أن ما يروى عن علي وعن جعفر الصادق من هذه الأمور التي يدعيها الباطنية كذب مختلق ولهذا كانت ملاحدة الشيعة والصوفية يسبون إلحادهم إلى علي وهو بريء من ذلك فأهل البطاقة من أهل الإلحاد ينسبون ذلك إلى علي وكذلك باطنية الشيعة من الإسماعلية والنصيرية وكذلك جعفر الصادق نسبوا إليه من الكلام في المجوم واختلاج الأعضاء والتفاسير المحرفة وأنواع الباطل ما برأه الله منه، حتى رسائل إخوان الصفا زعم بعض رؤوسهم أنها كلامه وهذه إنما

стр. 1572

فيها من حوادث الإسلام التي حدثت بعد المائة الثالثة مثل دخول النصارى بلاد الإسلام ونحو ذلك ما يبين إنها صنفت بعد جعفر بنحو مائتي سنة. ومن هذا الباب ما ينقله آخرون عن عمر ﵁ أنه قال كان النبي ﷺ وأبو بكر يتحدثان كالزنجي بينهم، فهذا وأمثاله من الكذب المختلق باتفاق أهل المعرفة. وملاحدة الزهاد والعباد وجهالهم يرون من هذه الأمور فنوناً مثل روايتهم أن أهل الصفة قاتلوا مع الكفار النبي ﷺ لما لم يكن النصر معه ليحتجوا بذلك على أن العارف يكون مع من غلب وإن كان كافراً ويروون أن أهل الصفة عرفهم الله تعالى بالسر الذي اوحاه إلى نبيه ﷺ صبيحة المعراج الأباطيل لم يكونوا خبيرين بالكذب فإن الصفة إنما كانت بالمدينة والمعراج كان بمكة بالنص والإجماع وقد علم كل عالم يعلم سيرة النبي

стр. 1573

صلى الله عليه وسلم بالاضطرار أن أهل الصفة كانوا كسائر المؤمنين مع النبي ﷺ وانه لم يكن لأحد من الصحابة إلى الله طريق إلا متابعة رسوله وان أفضل الصحابة كان أقومهم بالمتابعة كأبي بكر وعمر وأبو بكر أفضل من عمر ﵄ وهو أفضل الصديقين. وقد ثبت في الصحيحين انه قال إنه قد كان في الأمم قبلك محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر. فعمر وإن كان محدثاً فالصديق الذي يأخذ من مشكاة النبوة أفضل منه واكمل منه لأن ما استقر مجيء الرسول به فهو معصوم لا يتطرق إليه الخطأ وما يلقي إلى المحدث يقع فيه خطأ يحتاج إلى تقويمه بنور النبوة ولهذا كان أبو بكر يقوم عمر يرى أشياء ثم يتبين له الحق بخلافها كما جرى له هذا في عدة مواطن.

стр. 1574

وهذا وأمثاله مما يبين حاجة أفضل الخلق بعد الرسول واكملهم إلى الاهتداء بالرسول والتعلم منه ومعرفة الحق مما جاء به فكيف بمن يقول ليس في كلامه في معرفة الله واليوم الآخر علم ولا هدى ولا معرفة ينتفع بها أولو اللباب الذين هم دون عمر وأمثال عمر؟ وقد قال الله تعالى ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه﴾ النساء: ٥٩. وكيف يحكم بين الناس في مواطن الخلاف والنزاع كلام وخطاب ليس فيه علم ولا هدى ينتفع به أولو الألباب؟ كما زعم هؤلاء الملاحدة من الفلاسفة المشائين المتأخرين وأتباعهم أن الشرائع لا يحتج بها في مثل هذه الأبواب فما لا يحتج به كيف يحتج به الناس فيما اختلفوا فيه؟ وأي اختلاف أعظم من اختلافهم في اعظم الأمور وهي معرفة الله تعالى واليوم الآخر لا سيما ومن المعلوم أن الخلاف الحقيقي إنما يكون في الأمور العلمية والقضايا الخيرية التي لا تقبل النسخ والتغيير فأما العمليات التي تقبل النسخ والتغيير فأما العمليات التي تقبل النسخ فتلك تتنوع في الشريعة الواحدة فكيف بالشرائع المتنوعة؟

стр. 1575

وما جاز تنوعه لم يكن الخلاف فيه له حقيقة فإنه إن كانا مشروعين في وقتين أو رسولين فكلاهما حق وإن كان الخلاف في المشروع منهما أيهما هو فهذا يعلم بالخبر المنقول عن الكتاب المنزل والكتاب المنزل هو نفس الأمر والنهي والخبر وفيه الشرع الذي لا يكون خلافه شرعا. وحينئذ فما ذكره ابن سينا وأمثاله من أنه لم يرد في القرآن من الإشارة إلى توحيدهم شيء فكلام صحيح، وهذا دليل على أنه باطل لا حقيقة له، وأن من وافقهم عليه فهو جاهل ضال. وكذلك ما ذكره من أن من المواضع ما لا يحتمل اللفظ فيها إلا معنى واحداً لا يحتمل ما يدعونه من الاستعارة والمجاز كما ذكر في قوله تعالى ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾ البقرة: ٢١، وقال تعالى ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك﴾ الأنعام: ١٥٨ على القسمة المذكورة وانه ليس تذهب الأوهام فيه البتة إلى أن العبارة مستعارة أو مجازية فإن كان أريد بها ذلك إضماراً فقد رضي بوقوع الغلط والشبهة فهذا حجة على من نفى مضمون ذلك من نفاة الصفات وهو حجة عليه وعليهم جميعاً وموافقتهم له لا

стр. 1576

تنفعه فإن ذلك حجة جدلية لا علمية إذ تسليمهم له ذلك لا يوجب على غيرهم أن يسلم ذلك له فإذا بين بالعقل الصريح ما يوافق النقل الصحيح دل ذلك على فساد قوله وقولهم جميعاً. وكذلك قوله ثم هب أن هذه كلها موجودة على الاستعارة فأين التوحيد والدلالة بالتصريح على التوحيد المحض الذي تدعو إليه حقيقة هذا الدين القيم المعترف بجلالته على لسان الحكماء قاطبة؟ كلام صحيح لو كان ما قاله النفاة حقاً فإنه حينئذ على قولهم لا يكون التوحيد الحق قد يبين أصلاً وهذا التوحيد لينقاد لهم الجمهور في صلاح دنياهم. وقد بينا في غير موضع توحيد ابن سينا وأمثاله وبينا أنه من أفسد الأقوال التي بصريح العقل فساده ولنا في ذلك مفرد مكتوب في غير هذا الموضع.

стр. 1577

وأما قوله وأين الإشارة إلى الدقيق من المعاني المشيرة إلى علم التوحيد مثل انه عالم بالذات أو عالم بعلم أو قادر بالذات أو قادر بقدرة إلى آخره فهو خطاب لمن وافقه على ضلاله وإلحاده حيث ظن أن التعطيل هو التوحيد وان الباري تعالى لا علم له ولا قدرة ولا صفات. فأما من لم يوافقه على خطئه فإنه يعلم أن الكتاب بين دقائق التوحيد الحق الذي جاءت به السل ونزلت به الكتب على احسن وجه. فإن الله تعالى أخبر عن صفاته وأسمائه بما لا يكاد يعد من آياته وذكر علمه في غير موضع. كقوله تعالى ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء﴾ البقرة: ٢٥٥. وقوله تعالى ﴿أنزله بعلمه﴾ النساء: ١٦٦. وقوله تعالى ﴿وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه﴾ فصلت: ٤٧ وغير ذلك.

стр. 1578

وقد قال تعالى ﴿إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين﴾ الذاريات: ٥٨. وقال تعالى ﴿والسماء بنيناها بأيد﴾ الذاريات: ٤٧، أي بقوة وقال تعالى: ﴿أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة﴾ فصلت: ١٥ وفي الحديث الصحيح حديث الاستخارة اللهم إني استخيرك بعلمك واستقدرك بقدرتك، فأي بيان لعلم الله وقدرته أبين من هذا؟ وأما قول القائل هنا هو عالم بالذات أو عالم بعلم فغن كان يظن أن الذات التي تكون إلا عالمة قادرة يمكن وجودها مجردة عن العلم والقدرة كما يقوله النفاة فهو كلام ضال متناقض فغن إثبات عالم بلا علم وقادر بلا قدرة، وحي بلا حياة وسميع بلا سمع وبصير بلا بصر مما يعلم فساده بالضرورة عقلاً وسمعاً.

стр. 1579

وهذا بمنزلة متكلم بلا كلام ومريد بلا إرادة ومتحرك بلا حركة ومحب بلا محبة ومصل بلا صلاة وصائم بلا صيام وحاج بلا حج، وأبيض بلا بياض، وأسود بلا سواد، وحلو بلا حلاوة، ومر بلا مرارة، وطويل بلا طول، وقصير بلا قصر، ونحو ذلك من الألفاظ المشتقة: كاسم الفاعل، واسم الفعول، والصفة المعدولة عنهما. فإن لم يكن هذا باطلاً في بدائه العقول عقلاً وسمعاً لم يكن لنا طريق إلى معرفة الحق من الباطل، ولهذا كان هؤلاء النفاة يعودون في آخر الأمر إلى السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات. وغن كان معنى قوله هل هو عالم بالذات أو بعلم ان هنا ذاتاً مجردة موجودة بدون العلم وان العلم زائد عليها ن فهذا تصور فاسد فإن الذات المجردة عن العلم اللازم لها غنما تقدر في الأذهان، لا حقيقة لها في الأعيان. ولفظ الذات يراد به الذات الموصوفة بالعلم وحينئذ فقولنا هل هو عالم بالذات أو بالعلم كلام واحد لأن لفظ الذات متضمن للعلم على هذا التفسير، فلا يكون قولنا أو بالعلم قسماً آخر. ويراد بالذات المجردة عن العلم فهذه لا حقيقة لها إذا كانت الذات لاتكون إلا عالمة، كما أن ما لا يكون إلا حياً لا يمكن وجوده

стр. 1580

منفكاً عن كونه حياً وما لا يكون إلا متحيزاً لا يمكن وجوده منفكاً عن التحيز فما لا يمكن وجوده إلا عالماً وقادراً ويمتنع وجوده غير عالم قادر كيف يكون تقديره غير عالم ولا قادر ممكناً في الخارج؟ ونفس العلم والقدرة هو نفس كونه عالماً قادراً على قول الجمهور، الذين ينفون أن تكون الأحوال زائدة في الخارج على الصفات ومن أثبت الأحوال زائدة على الصفات كالقاضي أبي بكر وأبي يعلى وأبي المعالى في أول قوليه فهؤلاء يقولون ثبوت الصفات يستلزم ثبوت الأحوال وإثبات الملزوم مع أن الصواب أن الأحوال كالكليات، لها وجود في الأذهان في الأعيان. ومما يبين ذلك أن النزاع في كون الرب تعالى عالماً لذاته أو بالعلم أو قادراً لذاته أو بالقدرة كثير منه نزاع لفظي بل عامة المتنازعين فيه إذا حرر عليهم الكلام لم يتلخص بينهم نزاع وإنما يحصل النزاع بين مثبتة الأحوال ونفاتها فإن أهل الإثبات متفقون على أن علمه وقدرته من لوازم ذاته وانه لا يمكن وجوده غير عالم ولا قادر وينكرون وجود
следующие страницы →