← Акыда

Акыда · id 21506

درء تعارض العقل والنقل

ابن تيمية

Полный текст (4 031 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

بحاصل في العلوم والأذهان، ليس بموجود في الأعيان فلا حقيقة له البتة ولكن الناطق بهذه العبارة يتصور في نفسه مالا حقيقة له، كتصور إنسان ليس بموجود في الخارج. فإذا قلت: الإنسان من حيث هو هو، مع قطع النظر عن ثبوته في العلم أوالعين. قلت لك: تقديره مطلقاً لا بشرط من حيث هو هو - هو أيضاً من تقديرات الأذهان فإذا كان مالا يوجد إلا مقدراً في الأذهان وفرضته غير مقدر في الأذهان جمعت بين النقيضين. فإن قلت: أنا يمكنني أن أتصور إنساناً مطلقاً، مع قطع النظر عن وجوده في الذهن والخارج. قلت: تصوره مطلقا غير مقيد بالذهن ولا بالخارج شيء، وتصوره مقيدا بسلب الذهن والخارج شيء آخر. فأما الأول فأنت لم تتصور معه سائر لوازمه، وتصور الملزوم دون لوازمه ممكن، كما تتصور إنساناً مع قطع النظر عن وجوده وعدمه، وإن كان لا يخلو عن واحد منهما، فهذا تصور للشيء دون لوازمه. وأما تصوره مقيداً بسلب الوجود الذهني والخارجي، فهو من باب تصور الجمع بين النقيضين أو رفع النقيضين وهو كتصور إنسانا مقيد بكونه لا موجوداً ولا معدوماً ومجرد فرض هذا ف بالذهن يوجب العلم بامتناعه. وأما الأول فلا يوجب تصور الملزوم بدون لازمة، إمكان وجوده في

стр. 1682

الخارج بدون لازمة، فكونه إما في الذهن وإما في الخارج هو من لوازمه، ويمكن تصور الملزوم فإن عدم العلم بالشيء ليس علماً بعدمه وهذا كما يمكنك تصور إنسان مع قطع النظر عن وجوده وعدمه، وإن كان لا بد له إما أن يكون موجوداً أو معدوماً لامتناع الخلو عن النقيضين. وهؤلاء يجعلون تقدير الذهن للممتنعات حجة على ثبوتها، ويشبهون الوجود الواجب بالوجود الممتنع. وهذا كما أن الإنسان يتصور علماً مطلقاً وقدرة مطلقة، مع علمه بان ذلك لا يكون إلا بذات حية عالمة قادرة. وكذلك يتصور الإنسان حيواناً مطلقاً، ولا يتصور مع ذلك انه ناطق أو بهيم، ولا يخلد ولا يموت، ولا يعلم ولا يجهل، ولا يعجز ولا يقدر، ولا يسكن ولا يتحرك، فهل يستدل بتصوره ذلك في عقلة على أنه يوجد؟ أو يمكن أن يوجد في الخارج حيوان مطلق يخلو عن هذه المتقابلات كلها، فلا يموت ولا يخلد، ولا يقدر ولا يعجز؟ ومن المعلوم أن مقدرات الأذهان ومتصورات العقول يحصل فيها مالا وجود له في الخارج، تارة بأن لا يوجد ما يطابقه وهو الوهم، وتارة مع وجود ما يطابقه، كمطابقة الاسم للمسمى، والعلم للمعلوم،

стр. 1683

وهو مطابقة ما في الذهن لما في الخارج، ومطابقة الصورة العلمية لمعلوماتها الخارجية. وإذا قيل في هذه الصورة إنها كلية فهو كقولنا في الاسم إنه عام. والمراد بذلك أنها مطابقة لأفرادها، مطابقة اللفظ العام والمعنى العام لأفراده ن وهي مطابقة معلومة متصورة لكل عاقل، لا تحتاج إلى نظير، وإذا شبهت بمطابقة الصورة التي في المرآة، أو مطابقة نقش الخاتم للشمع ونحو ذلك، كان ذلك تقريباً وتمثيلاً، وإلا فالحقيقة معلومة، وكل عاقل يعلم مثل هذا من نفسه. واعلم أنه بالكلام على هذه الحجة التي لهؤلاء المتفلسفة في التوحيد يتبين الكلام على حجتهم الثانية، وهي قولهم: لو كان واجبان لا يشتركان في مسمى الوجوب، وامتاز أحدهما عن الآخر بما يخصه فكان كل منهما مركباً مما به الاشتراك ومما به الامتياز والمركب مفتقر إلى جزئه فلا يكون واجباً. فإنه يقال لهم: إنما اشتركا في المطلق الذهني، لم يشارك أحدهما الآخر في شيء موجود في الخارج، حتى يكون في ذلك الموجود تركيب، وكل منهما يمتاز عن الآخر بالوجوب الذي يخصه، كما امتاز عنه بحقيقته التي تخصه والوجود الذي يخصه.

стр. 1684

ويقال لهم: هذا كاشتراك الموجود الواجب والموجود الممكن في مسمى الوجود مع امتياز هذا بما يخصه وهذا بما يخصه، فإن الوجوب المشترك الكلي ليس هو ثابتاً في الخارج، بل للواجب وجود يخصه، وللممكن وجود يخصه، كما أن لهذا حقيقة تخصه، ولهذا حقيقة تخصه. وكذلك إذا قيل لهذا ماهية تخصه ولهذا ماهية تخصه، فإنهما يشتركان في مسمى الماهية، ويمتاز أحدهما عن الآخر بما يختص به وإنما اشتركا في المسمى المطلق الكلي، وامتاز كل منهما عن الآخر بالوجود الذي في الخارج، وذلك لا يكون إلا في الذهن، وما امتازا به هو موجود في الخارج وقد يتصور في الذهن، فإن ما في الخارج يتصور في الذهن، وليس كل ما يتصور في الذهن يكون في الخارج، فلم يكن ما به الاشتراك مفتقراً إلى ما به الامتياز، ولا ما به الامتياز مفتقراً إلى ما به الاشتراك، بل لاشركة في الأعيان الموجودة الجزئيات، ولا امتياز في الكليات المطلقة بالمعقولات، أعني من حيث تناولها وشمولها لأفرادها بل تناولها لأفرادها تناول واحد وشمولها شمول واحد. وهذا المعنى الواحد الشامل هو كاللفظ الواحد الشامل العام، واشتراك الموجودين في الوجود أو الواجبين في الوجوب، مع ما بينهما ف بالخارج من الامتياز والاختصاص، كاشتراك اللونين في اللونية، مع أن هذا في الخارج سواد، وهذا بياض

стр. 1685

فإذا قلت: السواد مركب من اللونية والسوادية، كما تقول: الموجود مركب من الحيوانية والناطقية. قيل لك أتعني أنه مركب من لونية مطلقة لا تخصه، ومن السوادية التي تخصه، ومن الوجود المطلق الذي لا يخصه والوجوب الذي يخصه ومن الحيوانية المطلقة التي لا تخصه والناطقية التي تخصه؟ أم مركب من نفس لونيته الخاصة وسواديته ومن نفس وجوده الخاص ووجوبه ومن الحيوانية التي تخصه وناطقيته؟ فأما الأول فباطل، فإنه ليس فيه شيء مطلق: لا لونية مطلقة ولا حيوانية مطلقة، ولا وجودية مطلقة. وإن عنيت الثاني فلونيته الخاصة وسودايته متلازمان، وكذلك حيوانيته الخاصة وناطقيته وكذلك وجوده الخاص ووجوبه فكما لا يمكن تقدير هذا اللون المعين الذي هو سواد بدون السواد فلا يمكن تقدير هذا الحيوان المعين الذي هو ناطق بدون النطق ولا يمكن تقدير هذا الموجود المعين الذي هو واجب بدون الوجود، فإن هذا الحيوان هو الحيوان المعين والواجب هو الموجود المعين، ولا يتميز في الخارج سواد من لون، كما لا يتميز ناطق عن حيوان، ولا

стр. 1686

وجود عن وجوب، بل الذهن يعقل ما بين هذا السواد وسائر الألوان من المشابهة في اللونية، ويميز بين ذلك ما يعقله ما بين هذا السواد وسائر الألوان من المشابهة في اللونية، ويميز بين ذلك ما يعقله بينه وبين سائر السوادات من المشابهة، ويضم هذا إلى هذا، وهو تركيب عقلي اعتباري، وكذلك يعقل ما بين هذا الإنسان وغيره من الحيوان من المشابهة في الحيوانية وما بينه وما بين سائر الإناسي من المشابهة في الإنسانية، ويضم هذا إلى هذا، وهو تركيب عقلي اعتباري. ومن قال: إن الإنسان مركب من الحيوان والناطق، وهو يعقل ما يقول، فإنما يعني هذا التركيب ونحوه، وليس ذلك تركيباً في الوجود الخارجي، ولا في الوجود الخارجي جزء لهذا المركب متميز عن كله، ولا جزء سابق لكل، بل هذه الأمور إنما توجد في الأذهان لا في الأعيان، فهذه التركيبات مركبة من تلك الكليات. والكليات الخمسة: الجنس والنوع والفصل، والخاصة والعرض العام، إنما توجد كليات في الأذهان لا في الأعيان. كذلك التركيب الذي يوجد في بعض هذه مع بعض، فإن أجزاء المركب، التي هي الكليات، لا تكون إلا في الذهن فالمركب من الكليات الذهنية أولى أن لا يكون إلا ذهنياً. وهؤلاء المتفلسفة المنطقيون نفوا حقيقة واجب الوجود وصفاته معتقدين أنهم موحدون لذاته وقالوا هو منزه عن التركيب لافتقار المركب إلى جزئية.

стр. 1687

والتركيب يقع عندهم كما ذكره ابن سينا وغيره، وذكره الغزالي عنهم في تهافت الفلاسفة وغيره على خمسة أنواع أحدها: تركيب الموجود من الوجود والماهية. والثاني: تركب الحقيقة من الأمور العامة والخاصة: كالوجود العم، والوجوب الخاص. والثالث: تركب الذات الموصوفة من الذات والصفات. والرابع: تركب الذات القائة بنفسها، المباينة لغيرها المشار إليها: من الجواهر المنفردة التي يقال إنها مركبة منها. والخامس: تركبها من المادة والصورة التي يقال أنها مركبة منها. وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع، وبينا أنه يمتنع وجود موجود قائم بنفسه: سواء كان واجباً أو ممكناً بدون ثبوت هذه المعاني التي سموها تركيبا وإن تسميتهم لذلك تركيباً غلط منهم. وإن قالوا: هو أصطلاح اصطلحنا عليه فلا ترتفع بسب غلط الغالطين وأوضاعهم اللفظية الحقائق الموجودة والمعاني العقلية. وأنه ليس في العقل ما يمنع ذلك بل العقل يصدق السمع الدال على إثبات صفات الله تعالى ومباينته لمخلوقاته، وأن العقل أثبت موجوداً واجباً بنفسه غنياً عما سواه وأما كون ذلك الموجود لا يكون إلا حياً عالماً قادراً، أو لا يكون إلا

стр. 1688

موصوفاً بصفات لازمة لذاته، ولا يكون إلا مبايناً لمخلوقاته فالعقل يوجب ذلك الوجود، لا نحيله عليه، وأن ما ذكروه من إثبات وجود مطلق بشرط الإطلاق، أو بسلب الأمور الثبوتية عنه، ليس له حقيقة ولا ماهية، سواء مطلق الوجود، أو الوجود المسلوب عنه الأمور الثبوتية، وهو أمر يمتنع تحققه في الخارج. وإنما يكون في الأذهان لا في الأعيان. وهذا هو الواحد الذي قالوا: لا يصدر عنه إلا واحد. فإنه يمتنع تحققه في الخارج. وكذلك الواحد البسيط الذي يتركب منه الأنواع هو أيضاً مما لا يتحقق إلا في الأذهان. ومتكلموا أهل الإثبات إذا قالوا: وجوده عين حقيقته أو ماهيته أو ليس وجوده زائداً على ماهيته، فليس مرادهم بذلك مراد المتفلسف الجهمي، الذي يقول إنه وجود مطلق، فإن الوجود المطلق لا حقيقة له في الخارج. ولكن مرادهم بذلك ما يريدونه بقولهم: إن حقيقة الإنسان هي وجوده الموجود في الخارج وحقيقة السواد هو السواد الوجود في الخارج ونحو ذلك ومرادهم بذلك أن الشيء الموجود في الخارج الذي له حقيقة تخصه وجوده الثابت في الخارج هو تلك الحقيقة الخاصة فوجوده المختص به هو حقيقته المختصة كما أن الوجود المطلق كلي عام، والحقيقة المطلقة كلية عامة، ونفس حقيقة الإنسان والجسم وغيرهما، ليست

стр. 1689

هي وجوداً مطلقاً وإن كانت حقيقته نفس وجوده فكيف يكون رب العالمين حقيقته وجود مطلق لا يتصور إلا في الذهن؟ بل هو مختص بحقيقته التي لا يشركه فيها غيره ولا يعلم كنهها إلا هو وتلك هي وجوده الذي لا يشركه فيه غيره ولا يعلم كنهه إلا هو. والناس إذا علموا وجوداً مطلقاً أو حقيقة مطلقة، فذلك هو الكلي العام الشامل، ليس هو نفس الحقيقة الموجودة في الخارج. وكذلك تركب الحقيقة من الصفات العامة والخاصة، إنما هو تركيب في الذهن تركيب ذهني عقلي اعتباري. وكذلك تركب الموصوف من الذات ولاصفات إنما يكون تركيباً لو كان هناك ذات مجردة عن تلك الصفات، أو لو أمكن وجود ذلك فأما الذات التي لا تكون إلا حية عالمة فلا يتصور أنفكاكها عن الحياة والعلم، حتى نقول إن الذات تركيب مع الصفات. وكذلك أيضاً الماهية المشار إليها القائمة بنفسها المباينة لغيرها، إنما يقال هي مركبة من الأجزاء المنفردة، أو من المادة والصورة، ولو كان لهذا التركيب حقيقة، فأما إذا كان الجوهر الفرد باطلاً، وتركب الجسم من الجوهرين: المادة والصورة باطلاً، والأمور المشار إليها المباينة لغيرها من المخلوقات: كالشمس والقمر ليس هو مركباً من أجزاء منفردة، ولا من جوهرين: مادة وصورة فكيف يظن برب العالمين أنه مركب من ذلك؟

стр. 1690

وقد بسط هذا في غير هذا الموضع وبين أن الأعيان القائمة بأنفسها خلقها الله تعالى كذلك ليس فيها أجزاء تركبت منها لكن يمكن أن يفرقها الله ويجزئها إلى أن يتصاغر جداً ثم يستحيل إلى نوع آخر من أن ذلك الجزء الصغير يتميز منه شيء عن شيء وليس في الوجود عين قائمة لا يتميز منها شيء عن شيء. والصورة إما صورة عرضية كشكل فالمادة هنا هو الجسم نفسه وغما الصورة التي هي المصور كالإنسان نفسه والمادة فيها ليس لها جوهر يحملها بل مادتها ما منه خلقت وتلك استحالت إلى صورة أخرى وفني الأول وعدم كما يفنى المني إذا صار إنساناً وليس بين ما استحال منه واستحال إليه شيء باق بعينه وإنما يشتركان في أمور نوعيه كالمقدار ونحوه. والمركب المعقول هو ما كان مفترقاً فركبه غيره كما تركب المصنوعات من الأطعمة والثياب والأبنية ونحو من أجزائها المفترقة. والله تعالى أجل وأعظم من أن يوصف بذلك بل من مخلوقاته ما لا يوصف بذلك ومن قال ذلك فكفره وبطلان قوله واضح. وقد يقال المركب على ما له أبعاض مختلفة كأعضاء الإنسان

стр. 1691

وأخلاطه وإن كان خلق كذلك مجتمعاً لكنه يقبل التفريق والانفصال والانقسام والله مقدس عن ذلك. وقد يقال المركب على ما يقبل التفريق والانفصال وإن كان شيئاً بسيطاً كالماء والله مقدس عن ذلك. فهذا هو التركيب المعقول في اللغة والاصطلاح فأما المركب في اللغة فهو الأول خاصة ولكن هذا المعنى لم يريدوه لفظ المركب. والثاني والثالث قد يسميه طائفة من أهل العلم مركباً فأما الذات المتصفة بصفات لازمة لها التي لها حقيقة تمتاز بها عن سائر الحقائق وتباين غيرها من الموجودات من غير أن يجوز عليها تفريق وتبعيض وتجزئة وتقسيم فهذه لو قدر أنها مخلوقة لم تكن مما يسمى مركباً في اللغة المعروفة والاصطلاح. وإذا سمى مسم هذه مركباً كان إما غالطاً في عقله لاعتقاده اشتمالها على حقيقتين وجودها وحقيقتها المغايرة لوجودها أو على حقيقتين ذات قائمة بنفسها معقولة مستغنية عن صفاتها وصفات زائدة عليها قائمة بها أو على جواهر منفردة أو معقولة أو نحو ذلك من الأمور التي يثبتها طائفة من الناس ويسمونها تركيباً.

стр. 1692

وجمهور العقلاء يخالفونهم في إثبات ذلك فضلاً عن تسميته تركيباً ولو سلم لهم ثبوت ما يدعونه لم تكن تسميته مركباً من اللغة المعروفة بل هو واضح اصطلحوا عليه فإن الجسم الذي له صفات كالتفاحة التي لها لون وطعم وريح لا يعرف في اللغة المعروفة إطلاق كونها مركبة من لونها وطعمها وريحها ولا تسمية ذلك أجزاء لها ولا يعرف في اللغة أن يقال إن الإنسان مركب من الطول والعرض والعمق بل ولا أنه مركب من حياته ونطقه إلى أمثال ذلك من الأمور التي يسميها من يسميها من أهل الفلسفة والكلام تركيباً إما غلطاً في المعقولات وإما اصطلاحاً انفردوا به عن أهل اللغات. فليس لهؤلاء أن ينفوا ما علم ثبوته بالشرع والدعاء ومضاهاة للمشركين والنصارى والصابئين الذين ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾ التوبة: ٣١. وهذه الشفاعة التي أثبتها المشركون وأبطلها القرآن رأيت من هؤلاء المتفلسفة نفاة الصفات كابن سينا ومن ضاهاهم في بعض الأمور

стр. 1693

التي يجعلونها علوماً مضنوناً بها على غير أهلها قد أثبتوا هذه الشفاعة الشركية وهذه الوسائط الإفكية مع أن القرآن العزيز مملوء من ذم أهلها قال تعالى ﴿أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أو لو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون * قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون﴾ الزمر: ٤٣- ٤٤. وقال تعالى ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ يونس: ١٨. وقال تعالى ﴿ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون﴾ الأنعام: ٩٤. وقال تعالى ﴿ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون﴾ آل عمران: ٨٠. وقال تعالى ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا * أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم

стр. 1694

الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا﴾ الإسراء: ٥٦ و٥٧. وقال تعالى ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير * ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾ سبأ: ٢٢، ٢٣. فنفي أن يكون لغيره معه ملك أو شريك في الملك أو مظاهرة له ولم يثبت من الشفاعة النافعة إلا ما كان بإذنه وهذه الشفاعة التي يؤمن بها المؤمنين كشفاعة نبينا محمد ﷺ يوم القيامة فإنه بإتفاق أهل السنة والجماعة له شفاعات في القيامة حتى يشفع في أهل الكبائر من أمته كما استفاضت بذلك الأحاديث الصحيحة كما كان يدعو ويشفع لهم في حياته. وكذلك يشفع غيره ممن يأذن الله له في الشفاعة لكن ليست هي الشفاعة التي يثبتها أصناف المشركين من غير أهل الكتاب والصابئين ومن ضاهاهم من أهل الكتاب كالنصارى ومن ضاهاهم من هذه الأمة كالمتفلسفة والملاحدة والإسماعلية وكأهال المضنون به وغيرهم فإنهم جعلوا الشفاعة تنفع بدون دعاء الشافع لله وبدون إذن الرب له في الشفاعة كما تقدم.

стр. 1695

والله تعالى يقول ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ البقرة: ٢٥٥. وقال تعالى ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ الأنبياء: ٢٨، وأمثال ذلك في كتاب الله . وهنا جواب آخر عن أصل الحجة وهو أن يقال هب أن الشيئين يشركان في شيء موجود في الخارج ويمتاز أحدهما عن الآخر بما يخصه وأن الكلي المشترك بينهما ثابت في الخارج، وأن أحدهما إما أن يكون لازماً للآخر أو ملزوماً، أو عارضاً، أو معروضاً، فلم لا يجوز أن يكون المشترك لازماً للمعين بل وملزوماً له بحيث يكون كل من المشترك والمختص مشروطاً بالآخر والشرط لا يجب تقدمه على المشروط؟ وهذا كما أن الحيوانية مع الناطقية والصاهلية كل منهما مشروط بالآخر فلا يوجد المختص الذي هو الناطقية والصاهلية إلا مع الحيوانية ولا توجد حيوانية إلا مع بعض ذلك. وليس المراد بكون المشترك مشروطاً بالمختص أنه بهذا المعين بل مشروط إما بهذا وإما بهذا فالمشترك من حيث مشروط بأحدهما لا بعينه ومن حيث تشخصه وتعينه مشروط بما لقترن به من التعين.

стр. 1696

وهذا ثابت في كل شيئين اتفقا في شيء وافترقا في شيء ولا حيلة لهم فيه وذلك أن كون الشيء لازماً للآخرين أعم من كونه علة أو معلولاً أو لا علة ولا معلولاً فليس كل لازم معلولاً فإذا كان كل من الوجوبين لازماً لمعينه لم يجب أن يكون الواجب معلولاً ولا يكون الملزوم علة. وبهذا يتبين فساد مقدمته الثانية التي قال فيها يجوز أن تكون ماهية الشيء سبباً لصفة من صفاته وأن تكون الصفة سبباً لصفة أخرى ولكن لا يجوز أن يكون الوجود بسبب ماهيته التي ليست من الوجود أو بسبب صفة أخرى لأن السبب يتقدم في الوجود ولا يتقدم بالوجود قبل الوجود. فإنه يقال له لفظ السبب قد تعني به العلة الموجبة وقد تعني به الشرط فإن عنيت به الأول لم يجعل مسبباً عن غيره لئلا يلزم تقدم غير الوجود الواجب عليه. وإن عنيت بالسبب الشرط فالشرط لا يجب تقدمه على مشروط بل يجوز مقارنته للمشروط فالأمور المتلازمة كالمتضايقات كل منها لا يوجد إلا مع الآخر فوجوده مشروط به من غير تقدم أحدهما على الآخر. وكذلك أنتم تقولون إن المادة مع الصورة كل منهما شرط في

стр. 1697

الآخر من غير تقدمه عليه والمسلمون يقولون إن العلم والقدرة مشروط بالحياة وكلاهما صفة لازمة لله تعالى لا يجوز تقدمها على الأخرى بالوجود. وإذا كان كذلك وقدر أن للواجب حقيقة مغايرة للوجوب فلم لا يجوز أن يكون وجوده الواجب مشروطاً بتلك الحقيقة التي هي أيضاً مشروطة به من غبر أن يكون الوجود الواجب مسبوقاً بوجود غيره، كما يقولون في وجود الممكن إذا قلتم إنه زائد على ماهيته إن ماهيته لا تنفك عن وجوده كما لا ينفك وجوده عن ماهيته. وهذا جواب لا حيلة لهم فيه وهو جواب عن تلازم الذات مع الصفات إذا قدر أحدهما مغايراً للآخر. عدم فصل الرازي العلة من الشرط وأبو عبد الله الرازي اجاب بجواب لم يفصل فيه العلة من الشرط فقال قولكم لو كانت الماهية علة لوجود نفسها لكانت متقدمة بالوجود على نفسها فإن العلة متقدمة بالوجود على المعلول ممنوع فإنا لا نسلم وجوب تقدم العلة على المعلول بالوجود وقول القائل هي متقدمة عليه بالذات إن أريد به كونها مؤثرة فمسلم وإن أريد به أنها لا تؤثر فيه إلا بعد وجودها فهذا ممنوع ونحن أن المؤثر في وجود الله تعالى هو نفس ماهيته لا باعتبار وجود سابق وإن أريد بالتقدم أمر وراء التأثير فذلك غير متصور.

стр. 1698

ثم منع عموم الدعوى فقال نزلنا عن هذا المقام فلم قلتم إن كل علة فهي متقدمة بالوجود على المعلول ألا ترى أن ماهيات الممكنات قابلة لوجود ذاتها فماهياتها علل قابلية لوجود ذاتها ففي هذا الموضع العلل القابلية لا يجب تقدمها على المعلول بالوجود وإذا كان كذلك فلم لا يجوز مثله في العلة الفاعلية. وقال لا نقول المؤثر هو الماهية المعدومة بل الماهية من حيث هي هي مغايرة لوجودها وعدمها ونحن إنما نجعل المؤثر في الوجود تلك الماهية فقط. قال فإن قيل كما جوزتم أن تؤثر ماهيته قبل الوجود في وجود نفسها فلم لا يجوز ان تؤثر تلك الماهية قبل وجودها في وجود العالم وحينئذ لا يمكن الاستدلال بوجود الأفعال على وجود الفاعل قلنا البديهية فرقت بين الموضعين فإنا بالبديهية نعلم أن الشيء ما لم يوجد لا يكون شيئاً لوجود غيره ونعلم أن لا استبعاد في أن يكون الشيء موجوداً

стр. 1699

من ذاته والمعلوم من قولنا إنه موجود لذاته أن تقتضي وجود نفسه وإذا جزمت بالبديهية بالفرق صح كلامنا في هذه المسألة. وقد مانعه بعض أصحابه في هذا الموضع وقال العلم بأن العلة لو كانت موجبة للوجود لكانت موجودة علم ضروري لأن المفيد للوجود لا بد أن يكون له وجود بخلاف القابل فإنه مستفيد للوجود يمتنع أن يكون موجودا تعليق ابن تيمية قلت هذا الاضطراب إما نشأ من قولهم كون ذات فاعلة لوجوده أو علة مقتضية لوجوده إذا قدر أن وجوده مغاير لذاته وهذا لا يحتاج إليه بل إذا قيل ذاته مشروطة بوجوده كما أن وجوده مشروط بذاته وقيل إنهما متلازمان من غير أن يكون أحدهما هو الموجب للآخر كما قالوا مثل ذلك في ذات الممكن ووجوده زالت هذه الشبهة. وهؤلاء كثيراً ما تشتبه عليهم العلل بالشروط في مسائل الدور والتسلسل وغير ذلك ويجعلون الملزوم علة كما يقولون إن ماهية الثلاثة والأربعة علة للفردية والزوجية، فيجعلون ذات الشيء علة لصفته اللازمة له، وأن فاعل الذات فاعل صفتها، فإن الدور في الشروط بمعنى توقف كل من الأمرين على وجود الآخر معه ممكن واقع وهو الدور المعي الاقتراني. وأما الدور في العلل، وهو أن يكون كل من الأمرين علة للآخر ومبدعاً له. فهذا ممتنع باتفاق العقلاء.

стр. 1700

وكذلك التقدم، فإن تقدم الشرط على المشروط غير واجب، وأما تقدم الموجب على الموجب، والفاعل على المفعول، والعلة على المعلول، فلا ريب فيه عند جماهير العقلاء. ومعارضة الرازي لهم بالماهية الممكنة القابلة لوجودها، إذا قيل بتعددهما معارضة صحيحة وأما فرق المعارض له بأن الماهية في الواجب فاعلة للوجود فغلط فإن ماهية الواجب إذا قيل بمغايرتها لوجوده، ليست فاعلة لوجوده بل هي أيضاً قابلة لوجوده كالممكن لكن وجوده واجب مع هذا القبول. والقابل والمقبول كلاهما واجب بنفسه يمتنع عدمه، بخلاف الممكن، كما تقوله الصفاتية في الذات والصفات، وكما تقوله الفلاسفة فيما يدعون قدم ذاته ووجوده من الممكنات كالفلك، فإن ابن سينا وأتباعه يقولون: إن ماهيته محل لوجوده، وكلاهما قديم يمتنع عدمه، لكن وجوده بغيره، فإذا عقل هذا في الواجب بغيره، ففي الواجب بنفسه أولى إذا قيل إن نفسه محل لوجوده، وكلاهما واجب بماهيته ووجوده، يمتنع نفي واحد منهما. وبهذا يظهر الجواب عن النظم الذي حرره الآمدي فإن قوله إذا لم يتم تحقق مسمى واجب الوجود في كل من الشيئين إلا بما به التخصيص والامتياز وجب افتقار مسمى واجب الوجود إلى أمر خارج عن المفهوم من اسمه، فلا يكون واجباً بذاته.

стр. 1701

جوابه على تقدير كون الوجود مغايراً للذات أن يقال لفظ الافتقار يراد به افتقار المعلول إلى العلة، ويراد به: افتقار المشروط إلى الشرط وإن قيل: يراد به معنى ثالث له، فإن قلت: يجب افتقار مسماه إلى علة فاعلة، لم يسلم لك ذلك، فإن تحقق المشترك في المميز لا يستلزم كون المميز هو الفاعل المبدع المشترك، وإن أردت بانه لا يوجد إلا بما هو شرط في وجوده فلم قلت إن هذا محال؟ وقوله لا يكون واجباً بذاته باطل حينئذ لأنه إذا قدر أن الذات غير الوجود فلا يد في قوله واجب بذاته من تحقق الوجود والذات معاً فلا يتقدم أحدهما على الآخر، ولا يستغني أحدهما عن الآخر فصار معنى وجوب الوجود بالذات، إذا قدر أن الذات عين الوجود أمراً متضمناً لتلازم الوجود الواجب والذات الموصوفة بذلك، فلا يكون موجود بذاته إلا كذلك وهذا كله بتقدير ثبوت شيئين. ثم على هذا التقدير فيها قولان إما أن يقال الوجود الملازم للماهية هو أيضاً مختص كما أن الماهية مختصة به وهذا هو القول المأثور عن أبي هاشم ونحوه. وقد تقوله طائفة من أهل الإثبات، كما يوجد في كلام أبي حامد ووابن الزاغوني. وإما إن يقال الوجود مشترك في الخارج، ولكن الماهية هي المختصة التي تميز وجوداً عن غيره. وهذا هو الذي يحكيه الرازي عن أبي هاشم وغيره، وهو غلط عليهم، كما غلط على الأشعري وأبي الحسين

стр. 1702

حيث حكى عنهم ان لفظ الوجود مقول بالاشتراك اللفظي وهذا لغلط منه حيث ظن أن الكلي الذي هو مورد التقسيم يكون ثابتاً مشتركا في الخارج وهذا أصل للمنطقيين يخالفهم فيه أئمة الكلام بحسب ما فهمه من كلام أهل المنطق فغلط. والمقصود هنا أن قول أبي هاشم وأتباعه خير من قول ابن سينا وأما إذا كان الوجود هو الماهية ولا مشترك في الخارج، كما هو قول الأشعري وعامة المثبتة للصفات، وهو الصواب، فلا يحتاج إلى هذا الجواب. وليس المراد أن ماهيته وجود مطلق مجرد كما يقوله ابن سينا وابن التومرت وغيرهما من الجهمية ولكن المراد أن حقيقته المختصة به، هي وجوده المختص به وليس ذلك وجوداً مطلقاً ولا مجرداً وكذلك يقول في كل موجود إن حقيقته المختصة به هي وجوده المختص به وقد ذكرنا هذا الجواب على تقدير مغايرة وجوده لماهيته لنه نافع في عامة ما يوردونه لنفي الصفات. كلام الإمام أحمد عن تعلق الصفات بذت الله تعالى قال الإمام أحمد باب بيان ما أنكرت الجهمية من أن يكون الله كلم موسى فقلنا لم أنكرتم ذلك؟ قالوا إن الله لم

стр. 1703

يتكلم ولا يتكلم إنما كون شيئاً يعبر عن الله وخلق صوتا فأسمع وزعموا أن الكلام لا يكون إلا من جوف وشفتين ولسان. فقلنا: هل يجوز لمكون أو غير الله أن يقول ﴿يا موسى * إني أنا ربك﴾ طه ١١- ١٢ أو يقول ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني﴾ طه ١٤ فمن قال ذلك زعم ان غير الله ادعى الربوبية ولو كان كما زعم الجهمي أن الله كون شيئاً كان يقول ذلك المكون يا موسى إن الله رب العالمين. إلى أن قال فكيف يصنعون بحديث الأعمش عن خيثمة عن عدي بن حاتم قال رسول الله ﷺ ما منكم من احد إلا سيكلمه ربه.. الحديث وأما

стр. 1704

قوله إن الكلام لا يكون إلا من جوف وشفتين ولسان أليس الله قد قال للسماوات والأرض ﴿ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين﴾ فصلت ١١ اتراها قالت بجوف وفم وشفتين وأدوات؟ وقال تعالى ﴿وسخرنا مع داود الجبال يسبحن﴾ الأنبياء ٧٩ أتراها أنها تسبحن بجوف وفم وشفتين ولسان؟ والجوارح إذا شهدت على الكفار فقالوا: ﴿لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء﴾ فصلت ٢١، أتراها نطقت بجوف وفم وشفتين؟ ولكن الله أنطقها كيف شاء. إلى أن قال فلما خنقته الحجج قال: ان الله كلم موسى، إلا أن كلامه غيره فقلنا وغيره مخلوق؟ نعم فقلنا هذا مثل قولكم الأول إلا أنكم تدفعون عن أنفسكم الشنعة وحديث

стр. 1705

الزهري قال لما سمع موسى كلام ربه قال يا رب هذا الذي سمعته هو كلامك قال نعم يا موسى هو كلامي وإنما كلمتك بقوة عشر آلاف لسان ولي قوة الألسن كلها، وأنا أقوى من ذلك وإنما كلمتك على قدر ما يطيق بدنك، ولو كلمتك بأكثر من ذلك لمت. قال فلما رجع موسى إلى قومه، قالوا له صف لنا كلام ربك. فقال سبحان الله وهل أسطتيع أن أصفه لكم قالوا فشبهه قال هل سمعتم أصوات الصواعق التي تقبل في أحلى حلاوة سمعتموها فكأنه مثله. وقلنا للجهمية من القائل للناس يوم القيامة ﴿يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين﴾ المائدة ١١٦، أليس الله هو القائل؟ قالوا: يكون الله شيئاً فيعبر عن الله كما كون شيئاً فعبر لموسى قلنا فمن القائل ﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم﴾ الآية الأعراف ٦. أليس هو الله تعالى؟ قالوا هذا كله إنما يكون شيء فيعبر عن الله فقلنا قد أعظمتم

стр. 1706

على الله الفرية حين زعمتم انه لا يتكلم فشبهتموه بالأصنام لأن الأصنام لا تتكلم ولا تتحرك ولا تزول من مكان إلى مكان. فلما ظهرت عليه الحجة قال إن الله قد يتكلم ولكن كلامه مخلوق قلنا وكذلك بنو آدم كلامهم مخلوق فقد شبهتم الله تعالى بخلقه، حين زعمتم ان كلامه مخلوق ففي مذهبكم كان في وقت من الأوقات لا يتكلم حتى خلق الكلام. وكذلك بنو آدم كانوا لا يتكلمون حتى خلق لهم كلاماً فقد جمعتم بين كفر وتشبيه فتعالى الله عن هذه الصفة بل نقول إن اله لم يزل متكلماً إذا شاء ولا نقول إنه كان ولا يتكلم حتى خلق الكلام ولا نقول إنه كان لا يعلم حتى خلق علماً فعلم.

стр. 1707

قال الإمام احمد قالت الجهمية إن زعمتم ان الله ونوره والله وقدرته والله وعظمته فقد قلتم بقول النصارى حين زعمتم ان الله لم يزل ونوره، ولم يزل وقدرته قلنا لا نقول إن اله لم يزل وقدرته ولم يزل ونوره بل نقول لم يزل بقدرته ونوره، لا متى قدر ولا كيف قدر فقالوا لا تكونون موحدين أبداً حتى تقولوا قد كان الله ولا شيء ولكن إذا قلنا إن الله لم يزل بصفاته كلها، أليس إنما نصف إلاهاً واحداً بجميع صفاته وضربنا لهم في ذلك مثلا فقلنا أخبرونا عن هذه النخلة أليس لها جذع وكرب وليف وسعف وخوض وجمار واسمها اسم شيء واحد وسميت نخلة بجميع صفاتها فكذلك الله وله المثل الأعلى بجميع صفاته إله واحد. إلى أن قال وقد سمى الله رجلاً كافراً اسمه الوليد فقال ﴿ذرني ومن خلقت وحيداً﴾ المدثر ١١ وكان له

стр. 1708

عينان وأذنان ولسان وجوارح فسماه وحيداً بجميع صفاته. تعليق ابن تيمية قلت: فلا يوجد في كلام الله ورسوله واللغة اسم الواحد على ما لا صفة له، فإن لا صفة له لا وجود له في الوجود. وما ذكره أحمد عن الجهمية أنهم يتأولون كلام الله لموسى بأنه خلق من عبر عنه تأوله جماعة من أتباعه في هذا أو في قوله تعالى كل ليلة من يدعوني فأستجيب له ولو كان كذلك لكان الملك يقول إن الله رب العالمين كما في الصحيحين إن الله إذا أحب عبداً نادى جبريل إني أحب فلاناً فأحبه فيحيه جبريل ثم ينادي في السماء إن الله يحب فلانا فاحبوه فيحبه فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء الحديث. وقد مثلوا ذلك بأن السلطان يأمر منادياً فيقول نادى السلطان وهذا حجة عليهم فإن المنادي يقول امر السلطان أو ان المرسوم ونحو ذلك من الألفاظ التي تبين أن القائل غيره لا هو ولو قال المنادي قد أمرتكم فغن لم تقبلوا وإلا عاقبتكم ونحو ذلك لم يكن منادياً عن السلطان ولو قال ذلك عاقبه السلطان. فصل أخبر الله تعالى في كتابه بإثبات مفصل ونفي مجمل والمعطلة الجهمية متكلمهم ومتفلسفهم أخبروا بإثبات مجمل ونفي مفصل

стр. 1709

فأخبر في كتابه بأنه حي قيوم عليم قدير سميع بصير عزيز حكيم ونحو ذلك يرضى ويغضب ويحب ويسخط وخلق واستوى على العرش ونحو ذلك وقال ف يالنفي ﴿ليس كمثله شيء﴾ سورة الشورى ١١، ﴿ولم يكن له كفوا أحد﴾ الإخلاص ٣، ﴿هل تعلم له سميا﴾ مريم ٦٥، فلهذا مذهب السلف والأئمة إثبات صفاته بلا تمثيل لا ينفون عنه الصفات ولا يمثلونها بصفات المخلوقات. تابع كلام الإمام أحمد قال الإمام أحمد الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل، بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكلم من قتيل لإبليس قد أحيوه؟ وكم من ضال تائه قد هدوه؟ فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل

стр. 1710

الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عنان الفتنة فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على مفارقة الكتاب يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم فنعوذ بالله من فتنة المضلين. فالمتشابه من الكلام يتكلمون به ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم هو كقولهم: مقدس عن الكم والكيف والأين والوضع ومن مقصودهم بذلك أنه لا علم له ولا قدرة ولا رحمة ولا غير ذلك من الصفات وأنه ليس فوق السماوات رب ولا على العرش إله ولا هو مباين لمخلوقاته ولا منفصل عنهم. وكذلك قولهم: ليس بداخل العالم ولاخارجه وأمثال هذه العبارات السالبة. وكذلك وصف الإمام احمد وأمثاله قول الجهمية النفاة قال أحمد وكذلك الجهم وشيعته دعوا الناس إلى المتشابه من القرآن والحديث وأضلوا بكلامهم بشراً كثيراً فكان مما بلغنا

стр. 1711

من أمر الجهم عدو الله انه كان من أهل خراسان من أهل الترمذ، وكان صاحب خصومات وكلام، وكان أكثر كلامه في الله فلقي أناسا من المشركين يقال لهم السمنية، فعرفوا الجهم فقالوا نكلمك فإن ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا إن ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك فكان مما كلموا به الجهم أن قالوا ألست تزعم أن لك إلهاً قال الجهم نعم فقالوا له فهل رأيت إلهك قال لا قالوا فهل سمعت كلامه قال لا قالوا فشممت له رائحة قال لا قالوا فوجدت له حساً قال لا قالوا فوجدت له مجساً قال لا قالوا فما يدريك أنه إلاه قال فتحير الجهم فلم يدر من يعبد أربعين يوماً ثم إنه استدرك حجة مثل حجة زنادقة النصارى وذلك أن زنادقة النصارى يزعمون أن الروح الذي في عيسى هو روح الله من ذات الله فإذا أراد أن يحدث أمراً دخل في بعض خلقه فتكلم على لسان خلقه فيأمر بما شاء وينهي عما شاء وهو روح غائبة عن الأبصار

стр. 1712

فاستدرك الجهم حجة مثل هذه الحجة فقال للسمني ألست تزعم أن فيك روحاً قال نعم قال فهل رأيت روحك قال لا قال فسمعت كلامه قال لا قال فشممت له ريحاً قال لا قال فوجدت له حساً أو مجساً قال لا قال فكذلك الله لا يرى له وجه ولا يسمع له صوت ولا تشم له رائحة وهو غائب عن الأبصار ولا يكون في مكان دون مكان. ووجد ثلاث آيات في القرآن من المتشابه قوله ﴿ليس كمثله شيء﴾ الشورى: ١١، ﴿وهو الله في السموات وفي الأرض﴾ الأنعام: ٣، ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾ ، الأنعام ك ١٠٣، فبنى أصل كلامه على هؤلاء الآيات وتأول القرآن على غير تأويله وكذب بأحاديث رسول الله ﷺ وزعم أن من وصف من الله شيئاً مما يصف به نفسه في كتابه أو حدث عنه رسوله كان كافراً وكان من المشبهة،

стр. 1713

فأضل بكلامه بشراً كثيراً وأتبعه على قوله رجال من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب عمرو بن عبيد بالبصرة ووضع دين الجهمية. تعليق ابن تيمية قلت: فهذا الذي ذكره الإمام أحمد من مناظرة جهم لأولئك السمينة، هم الذين يحكى أهل المقالات عنهم أنهم أنكروا من العلم ما سوى الحسيات، ولهذا سألوا جهماً: هل عرفه بشيء من الحواس الخمس؟ فقال: لا. قالوا: فما يدريك أنه إلاه؟ فإنهم لا يعرفون إلا المحسوس، وليس مرادهم أن الرجل لا يعلم إلا ما أحسه، بل لا يثبتون إلا ما هو محسوس للناس في الدنيا. وهؤلاء كالمعطلة الدهرية الطبائعية من فلاسفة اليونان ونحوهم، الذين ينكرون سوى هذا الوجود الذي يشاهده الناس ويحسونه، وهو وجود الأفلاك وما فيها. هؤلاء الذين ذكر ابن سينا قولهم في إشاراته حيث قال قال: إن هذا الشيء المحسوس موجود لذاته واجب لنفسه لكنك إذا تذكرت ما قيل في شرط واجب الوجود لم تجد هذا المحسوس واجباً. وهذا هو القول الذي أظهره فرعون، وإليه يعود عند التحقيق قول أهل الوحدة. لكن هؤلاء يعتقدون أنهم يثبتون الخالق، وأن وجوده

стр. 1714

وجود المخلوق، فهم متناقضون. ثم إن جهم بن صفوان رد عليهم كرد أرسطو وابن سينا وأمثالهم من المشائين على الطبيعيين منهم، وهؤلاء يثبتون وجوداً عقلياً غير الوجود المحسوس، ويعتقدون أنهم بهذا الرد أبطلوا قول أولئك، كما تقدم حكاية قول ابن سينا لما تكلم على الوجود وعلله، وقال: قد يغلب على أوهام الناس أن الموجود هو المحسوس وأبطل هذا القول بإثبات الكليات وقد تقدم التنبيه على فساد هذه الحجة، وأن الكليات تكون في الأذهان لا في الأعيان. ومن لم يقر إلا بالمحسوس إنما نازع في الموجودات الخارجية، لم ينازع في المعقولات الذهنية، وإن نازع في ذلك حصلت الحجة عليه بإثبات المعقولات الذهنية فتبقى الوجودات الخارجية وهي الأصل. والحجة التي ذكرها أحمد عن الجهم انه احتج بها على السمنية، هي من أعظم حجج هؤلاء الثقاة الحلولية منهم ونفاة الحلول والمباينة جميعاً فإن النفاة تارة يقولون بالحلول والاتحاد أو نحو ذلك وتارة يقولون لا مباين للعالم ولا داخل فيه. والشخص الواحد منهم يقول هذا تارة، وهذا تارة فإنهم في حيرة، والغالب على متكلميهم نفي الأمرين، والغالب على عبادهم وفقهائهم وصوفيتهم وعامتهم الحلول، فمتكلموهم لا يعبدون شيئاً ومتصوفتهم يعبدون كل شيء.

стр. 1715

والحلول نوعان: حلول مقيد وحلول مطلق. فالحلول المقيد هو قول النصارى ونحوهم من غلاة الرافضة وغلاء العبادة، وغيرهم يقولون إنه حل في المسيح أو اتحد به وحل بعلي أو أتحد به وأنه يتحد بالعارفين حتى يصير الموحد هو الموحد، ويقولون: ما وحد الواحد من واحد ... إذ كل من وجده جاحد توحيد من يخبر عن نعته ... عارية أبطلها الواحد توحيده إياه توحيد ... ونعت من ينفعه لاحد وهؤلاء الذين حكى أحمد قولهم أنهم: إذا أراد الله أن يحدث أمر دخل فيه بعض خلقه، فتكلم على لسانه وقد رأيت من هؤلاء غير واحد ممن خاطبني وتكلم معي في هذا المذهب وبينت له فساده. وأما أهل الحلول المطلق الذين يقولون إنه حال في كل شيء أو متحد بكل شيء أو الوجود واحد، كأصحاب فصوص الحكم وأمثالهم فهؤلاء يقولون: أخطأ النصارى من جهة أنهم خصصوا وكذلك يقولون في عباد الأصنام خطؤهم من جهة انهم خصصوا بعض الأشياء فعبدوها. وقد رأيت من هؤلاء أيضاً غير واحد وجرت بيننا وبينهم محنة معروفة.

стр. 1716

وجعل الإمام أحمد حجة جهم من جنس حجة أولئك الذين يقولون بالحلول المقيد لأن هؤلاء يقولون إنه حل في بعض خلقه. وهؤلاء الجهمية فيهم من يقول: إن اللاهوت في الناسوت من غير حلول فيه. وهكذا الجهم وأتباعه جعلوا وجود الخالق في المخلوقات، من جنس اللاهوت في الناسوت، ويجمعون بين القولين المتناقضين كما جمعت النصارى. واحتجاج الجهم بهذا على السمنية، كاحتجاج نفاة الصفات بذلك على أهل الإثبات، فإن الرازي وأمثاله احتجوا على إمكان وجود موجود لا مباين للعالم ولا داخل فيه بالنفس الناطقة، على قول هؤلاء المتفلسفة، الذين يقولون: إنها لا داخلة في هذا العالم ولا خارجة من هذا العالم إنها تشبه الإله وإن الفلسفة التشبه بالإله على قدر الطاقة. ومقصود الجهم بهذه الحجة بيان إمكان وجود موجود لا سبيل إلى إحساسه، فاحتج عليهم بالنفس الناطقة، إذ لا سبيل إلى إحساسها وهذه حجة المشائين من المتفلسفة على الطبيعيين منهم. وهؤلاء يجعلون ما يثبتونه من الأمور المعقولة، حجة على إثبات موجود ليس بمحسوس، ثم يزعمون أن ما أخبرت به الرسل من الغيب، هو الوجود العقلي الذي يثبتونه. وهذا الموضع حارت فيه أحلام وضلت فيه أفهام، وهم

стр. 1717

مخطئون شرعاً وعقلاً. أما الشرع فإن الرسل أخبرت عما لم نشهده ولم نحسه في الدنيا وسمت ذلك غيباً لمغيبه عن الشهادة، كقوله ﴿الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة﴾ البقرة ٣، ومنه قوله تعالى ﴿عالم الغيب والشهادة﴾ الرعد ٩، فالغيب ما غاب من شهود العباد والشهادة ما شهدوها. وهذا الفرق لا يوجب أن الغيب ليس مما يمكن إحساسه بل من المعلوم بالاضطرار أن ما أخبرت به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، من الثواب والعقاب كله مما يمكن إحساسه، بل وكذلك ما أخبرت به الملائكة، والعرش والكرسي، والجنة والنار، وغير ذلك، لكنا نشهده الآن. ولهذا أعظم ما أخبرت به من الغيب هو الله ، مع إخبار الرسول لنا انا نراه كما نرى الشمس والقمر، فأي الإحساس أعظم من إحساسنا بالشمس والقمر؟ وما أخبرت به من الغيب كالجنة والنار والملائكة والعرش والكرسي وغير ذلك مما يمكن إحساسه فليس الفرق بين الغيب والشهادة هو الفرق بين المحسوس والمعقول. فهذا أصل ينبغي معرفته، فإنه بسبب هذا وقع من الخلل في كلام طوائف مالا يحصيه إلا الله تعالى، كصاحب الكتب المضنون بها وصاحب الملل والنحل وطوائف غيرهم.

стр. 1718

ولهذا وقع في كلام صاحب الكتب المضنون بها على غير أهلها وصاحب نهاية الإقدام ونحوهما من كلام هؤلاء الذين يجعلون الفرق بين الغيب والشهادة هو الفرق بين المحسوس وبين المعقول أنواع من جنس كلام الملاحدة الباطنية إما ملاحدة الشيعة، كما يوجد في كلام صاحب الملل والنحل ونهاية الإقدام وقد قيل إنه صنف تفسيره سورة يوسف على مذهب الإسماعيلية: ملاحدة الشيعة وإما ملاحدة الباطنية المنسوبين إلى الصوفية. ومن هنا دخل أهل وحدة الوجود وأمثالهم من ملاحدة النساك المنتسبين إلى التصوف وكل من هؤلاء هؤلاء يؤول به الأمر إلى مخالفة صريح العقل والنقل. لكن هذا يحيل على علم الإمام المعصوم، وهذا يحيل على معرفة الشيخ المحفوظ، حتى يدعي كل منهما فيمن يحيل عليه ما هو أعظم من مقام الأنبياء، مع أن الذي يحيل عليه لا بد أن يكون فيه من الكذب والجهل والظلم مالا يعلمه إلا الله وأحسن أحواله أن يكون كثير من كذبه جهلاً منه وضلالاً، لم يعتمد فيه خلاف ما يعلمه من الحق كضلال كثير من النصارى أهل الأهواء. والمقصود انه بهذا يتبين أن خطأهم في العقل، وما يسمونه معقولات، ودعواهم وجود أمور معقولات خارجة عن العاقل، لا

стр. 1719

يمكن الإشارة إليها ولا الإحساس بها بوجه من الوجوه، وليست داخل شيء من العالم ولا خارجة ولا مباينة له ولا حالة فيه فإنه من المعلوم أن المعقولات ما عقلها الإنسان، فهي معقولة العقل، وأظهر ذلك الكليات المجردة: كالإنسانية المطلقة، والحيوانية المطلقة، والجسم المطلق، والوجود المطلق، ونحو ذلك، فإن هذه من وجوده في العقل، وليس في الخارج شيء مطلق غير معين، بل لا يوجد إلا وهو معين مشخص، وهو المحسوس، وإنما يثبت العقليات المجردة في الخارج الغالطون من المتفلسفة كالفيثاغورية الذين يثبتون العدد المجرد، والأفلاطونية الذين يثبتون المثل الأفلاطونية، وهي الماهيات المجردة، والهيولى المجردة، والمدة المجردة، والخلاء المجرد. وأما أرسطو وأصحابه كالفارابي وابن سينا فأبطلوا قول سلفهم في إثبات مجردة عن الأعيان ولكن أثبتوها مقارنة للأعيان فجعلوا مع الأجسام المحسوسة جواهر معقولة كالمادة والصورة، وإذا حقق الأمر عليهم، لم يوجد في الخارج إلا الجسم وأعراضه، وأثبتوا في الخارج أيضاً الكليات مقارنة للأعيان، وإذا حقق الأمر عليهم لم يوجد في الخارج إلا الأعيان بصفاتها القائمة بها. وكذلك ما أثبتوه من العقول العشرة المفارقات، إذا الأمر عليهم لم يوجد لها وجود إلا في العقل لا في الخارج، كما قد بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع. فهذا الذي ذكره الإمام أحمد من احتجاج جهم على السمنية الطبيعية بإثبات موجود عقلي، هو كحجة المشائين على الطبيعية، وما في

стр. 1720

قوله من الحلول الذي ضاهى به النصارى من جنس كلام الحلولية. والمقصود هنا أن نشير إلى جنس كلام السلف والأمة، مع جنس هؤلاء النفاة، وأن الجميع يشربون من عين واحدة، وأن كلام هؤلاء النفاة للصفات مع معطلة الصانع كلام قاصر، من جنس كلام جهم مع السمنية المشركين، وكلام المشائين الإلهيين من المتفلسفة مع الطبيعيين منهم. وذكر أحمد أن الجهم اعتمد من القرآن على ثلاث آيات تشتبه معانيها على من لا يفهمها: آية نفي الإدراك لينفي بها الرؤية والمباينة، وآية نفي المثل لينفي بها الصفات ويجعل من أثبتها مشبها، وقوله ﴿وهو الله في السماوات وفي الأرض﴾ الأنعام ٣، لينفي بها علوه على العرش، أو ليثبت بها مع ذلك الحلول والاتحاد وعدم مباينته للمخلوقات. وهذه أصول الجهمية من المعتزلة أصحاب عمرو بن عبيد ومن دخل ف بالتجهم، أو الاعتزال أو بعض فروع ذلك، من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي واحمد مع أن هؤلاء الأئمة من أبعد الناس عن أصول الجهمية والمعتزلة. تابع كلام الإمام أحمد قال الإمام أحمد عن الجهمية فإن سألهم الناس عن قوله
следующие страницы →