← Акыда

Акыда · id 21506

درء تعارض العقل والنقل

ابن تيمية

Полный текст (4 031 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

وجعل الإمام أحمد حجة جهم من جنس حجة أولئك الذين يقولون بالحلول المقيد لأن هؤلاء يقولون إنه حل في بعض خلقه. وهؤلاء الجهمية فيهم من يقول: إن اللاهوت في الناسوت من غير حلول فيه. وهكذا الجهم وأتباعه جعلوا وجود الخالق في المخلوقات، من جنس اللاهوت في الناسوت، ويجمعون بين القولين المتناقضين كما جمعت النصارى. واحتجاج الجهم بهذا على السمنية، كاحتجاج نفاة الصفات بذلك على أهل الإثبات، فإن الرازي وأمثاله احتجوا على إمكان وجود موجود لا مباين للعالم ولا داخل فيه بالنفس الناطقة، على قول هؤلاء المتفلسفة، الذين يقولون: إنها لا داخلة في هذا العالم ولا خارجة من هذا العالم إنها تشبه الإله وإن الفلسفة التشبه بالإله على قدر الطاقة. ومقصود الجهم بهذه الحجة بيان إمكان وجود موجود لا سبيل إلى إحساسه، فاحتج عليهم بالنفس الناطقة، إذ لا سبيل إلى إحساسها وهذه حجة المشائين من المتفلسفة على الطبيعيين منهم. وهؤلاء يجعلون ما يثبتونه من الأمور المعقولة، حجة على إثبات موجود ليس بمحسوس، ثم يزعمون أن ما أخبرت به الرسل من الغيب، هو الوجود العقلي الذي يثبتونه. وهذا الموضع حارت فيه أحلام وضلت فيه أفهام، وهم

стр. 1717

مخطئون شرعاً وعقلاً. أما الشرع فإن الرسل أخبرت عما لم نشهده ولم نحسه في الدنيا وسمت ذلك غيباً لمغيبه عن الشهادة، كقوله ﴿الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة﴾ البقرة ٣، ومنه قوله تعالى ﴿عالم الغيب والشهادة﴾ الرعد ٩، فالغيب ما غاب من شهود العباد والشهادة ما شهدوها. وهذا الفرق لا يوجب أن الغيب ليس مما يمكن إحساسه بل من المعلوم بالاضطرار أن ما أخبرت به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، من الثواب والعقاب كله مما يمكن إحساسه، بل وكذلك ما أخبرت به الملائكة، والعرش والكرسي، والجنة والنار، وغير ذلك، لكنا نشهده الآن. ولهذا أعظم ما أخبرت به من الغيب هو الله ، مع إخبار الرسول لنا انا نراه كما نرى الشمس والقمر، فأي الإحساس أعظم من إحساسنا بالشمس والقمر؟ وما أخبرت به من الغيب كالجنة والنار والملائكة والعرش والكرسي وغير ذلك مما يمكن إحساسه فليس الفرق بين الغيب والشهادة هو الفرق بين المحسوس والمعقول. فهذا أصل ينبغي معرفته، فإنه بسبب هذا وقع من الخلل في كلام طوائف مالا يحصيه إلا الله تعالى، كصاحب الكتب المضنون بها وصاحب الملل والنحل وطوائف غيرهم.

стр. 1718

ولهذا وقع في كلام صاحب الكتب المضنون بها على غير أهلها وصاحب نهاية الإقدام ونحوهما من كلام هؤلاء الذين يجعلون الفرق بين الغيب والشهادة هو الفرق بين المحسوس وبين المعقول أنواع من جنس كلام الملاحدة الباطنية إما ملاحدة الشيعة، كما يوجد في كلام صاحب الملل والنحل ونهاية الإقدام وقد قيل إنه صنف تفسيره سورة يوسف على مذهب الإسماعيلية: ملاحدة الشيعة وإما ملاحدة الباطنية المنسوبين إلى الصوفية. ومن هنا دخل أهل وحدة الوجود وأمثالهم من ملاحدة النساك المنتسبين إلى التصوف وكل من هؤلاء هؤلاء يؤول به الأمر إلى مخالفة صريح العقل والنقل. لكن هذا يحيل على علم الإمام المعصوم، وهذا يحيل على معرفة الشيخ المحفوظ، حتى يدعي كل منهما فيمن يحيل عليه ما هو أعظم من مقام الأنبياء، مع أن الذي يحيل عليه لا بد أن يكون فيه من الكذب والجهل والظلم مالا يعلمه إلا الله وأحسن أحواله أن يكون كثير من كذبه جهلاً منه وضلالاً، لم يعتمد فيه خلاف ما يعلمه من الحق كضلال كثير من النصارى أهل الأهواء. والمقصود انه بهذا يتبين أن خطأهم في العقل، وما يسمونه معقولات، ودعواهم وجود أمور معقولات خارجة عن العاقل، لا

стр. 1719

يمكن الإشارة إليها ولا الإحساس بها بوجه من الوجوه، وليست داخل شيء من العالم ولا خارجة ولا مباينة له ولا حالة فيه فإنه من المعلوم أن المعقولات ما عقلها الإنسان، فهي معقولة العقل، وأظهر ذلك الكليات المجردة: كالإنسانية المطلقة، والحيوانية المطلقة، والجسم المطلق، والوجود المطلق، ونحو ذلك، فإن هذه من وجوده في العقل، وليس في الخارج شيء مطلق غير معين، بل لا يوجد إلا وهو معين مشخص، وهو المحسوس، وإنما يثبت العقليات المجردة في الخارج الغالطون من المتفلسفة كالفيثاغورية الذين يثبتون العدد المجرد، والأفلاطونية الذين يثبتون المثل الأفلاطونية، وهي الماهيات المجردة، والهيولى المجردة، والمدة المجردة، والخلاء المجرد. وأما أرسطو وأصحابه كالفارابي وابن سينا فأبطلوا قول سلفهم في إثبات مجردة عن الأعيان ولكن أثبتوها مقارنة للأعيان فجعلوا مع الأجسام المحسوسة جواهر معقولة كالمادة والصورة، وإذا حقق الأمر عليهم، لم يوجد في الخارج إلا الجسم وأعراضه، وأثبتوا في الخارج أيضاً الكليات مقارنة للأعيان، وإذا حقق الأمر عليهم لم يوجد في الخارج إلا الأعيان بصفاتها القائمة بها. وكذلك ما أثبتوه من العقول العشرة المفارقات، إذا الأمر عليهم لم يوجد لها وجود إلا في العقل لا في الخارج، كما قد بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع. فهذا الذي ذكره الإمام أحمد من احتجاج جهم على السمنية الطبيعية بإثبات موجود عقلي، هو كحجة المشائين على الطبيعية، وما في

стр. 1720

قوله من الحلول الذي ضاهى به النصارى من جنس كلام الحلولية. والمقصود هنا أن نشير إلى جنس كلام السلف والأمة، مع جنس هؤلاء النفاة، وأن الجميع يشربون من عين واحدة، وأن كلام هؤلاء النفاة للصفات مع معطلة الصانع كلام قاصر، من جنس كلام جهم مع السمنية المشركين، وكلام المشائين الإلهيين من المتفلسفة مع الطبيعيين منهم. وذكر أحمد أن الجهم اعتمد من القرآن على ثلاث آيات تشتبه معانيها على من لا يفهمها: آية نفي الإدراك لينفي بها الرؤية والمباينة، وآية نفي المثل لينفي بها الصفات ويجعل من أثبتها مشبها، وقوله ﴿وهو الله في السماوات وفي الأرض﴾ الأنعام ٣، لينفي بها علوه على العرش، أو ليثبت بها مع ذلك الحلول والاتحاد وعدم مباينته للمخلوقات. وهذه أصول الجهمية من المعتزلة أصحاب عمرو بن عبيد ومن دخل ف بالتجهم، أو الاعتزال أو بعض فروع ذلك، من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي واحمد مع أن هؤلاء الأئمة من أبعد الناس عن أصول الجهمية والمعتزلة. تابع كلام الإمام أحمد قال الإمام أحمد عن الجهمية فإن سألهم الناس عن قوله

стр. 1721

تعالى ﴿ليس كمثله شيء﴾ الشورى: ١١، يقولون ليس كمثله شيء من الأشياء وهو تحت الأرضين السابعة كما هو فوق العرش لا يخلو منه مكان ولا يكون في مكان دون مكان ولم يتكلم ولا يتكلم ولا ينظر إليه أحد في الدنيا ولا في الآخرة ولا يوصف ولا يعرف بصفة ولا يعقل ولا غاية ولا له غاية ولا منتهى ولا يدرك بعقل هو وجه كله وهو علم كله وهو سمع كله وهو بصر كله وهو نور كله وهو قدرة كله ولا يكون شيئين مختلفين وفي نسخة ولا يوصف بوصفين مختلفين وليس له أعلى ولا أسفل ولا نواحي ولا جوانب ولا يمين ولا شمال ولا هو ثقيل ولا خفيف ولا له لون ولا له جسم وليس هو معقولاً وكل ما خطر على قلبك أنه

стр. 1722

شيء تعرفه فهو خلافه فقلنا هو شيء فقالوا هو شيء لا كالأشياء فقلنا إن الشيء الذي لا كالأشياء قد عرف أهل العقل أنه لا شيء فعند ذلك تبين للناس أنهم لا يأتون بشيء وفي نسخة لا يثبتون شيئاً ولكنهم يدفعون عن أنفسهم الشنعة فإذا قيل لهم من تعبدون قالوا نعبد من يدبر أمر هذا الخلق فقلنا هذا الذي يدبر أمر هذا الخلق هو مجهول لا يعرف بصفة قالوا نعم فقلنا قد عرف المسلمون أنكم لا تأتمون بشيء وإنما تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون فقلنا لهم هذا الذي يدبر هو الذي كلم موسى فقالوا لم يتكلم ولا يتكلم لأن الكلام لا يكون إلا بجارحة والجوارح على الله منتفية فإذا سمع الجاهل قولهم يظن أنهم من أشد الناس تعظيماً لله ولا يشعر أنهم إنما يقودون قولهم إلى فرية في الله.

стр. 1723

فهذا الذي وصفه الإمام أحمد وغيره من علماء السلف من كلام الجهمية هو كلام من وافقهم من القرامطة الباطنية والمتفلسفة المتبعين لأرسطو كابن سينا وأمثاله ممن يقول إنه الوجود المطلق أو المقيد بالقيود السلبية ونحو ذلك وهو حقيقة كلام القائلين بوحدة الوجود. ولهذا ذكر عنهم أنهم سلبوه كل ما يتميز به موجود عن موجود فسلبوه الصفات والأفعال وسائر ما يختص بموجود. ولما قالوا هو شيء لا كالأشياء علم الأئمة مقصودهم فإن الموجودين لا بد أن يتفقا في مسمى الشيء فإذا لم يكن هناك قدر اتفقا فيه اصلاً لزم أن لا يكونا جميعاً موجودين وهذا مما يعرف بالعقل. ولهذا قال الإمام أحمد فقلنا إن الشيء الذي كالأشياء قد عرف أهل العقل إنه لا شيء فبين أن هذا مما يعرف بالعقل وهذا مما يعلم بصريح المعقولات. ولهذا كان قول جهم المشهور عنه الذي نقله عنه عامة الناس أنه لا يسمى الله شيئاً لأن ذلك بزعمه يقتضي التشبيه لأن اسم الشيء إذا قيل على الخالق والمخلوق لزم اشتراكهما في مسمى الشيء وهذا تشبيه بزعمه.

стр. 1724

وقوله باطل فإنه سبحانه وإن كان لا يماثله شيء من الأشياء في شيء من الأشياء فمن المعلوم بالعقل أن كل شيئين فهما متفقان في مسمى الشيء وكل موجودين فيها متفقان في مسمى الوجود وكل ذاتين فهما متفقان في مسمى الذات فإنك تقول الشيء والموجود والذات ينقسم إلى قديم ومحدث وواجب وممكن وخالق ومخلوق ومورد التقسيم بين الأقسام. وقد بسطنا الكلام على هذه المسألة في غير هذا الموضع وبينا غلط من جعل اللفظ مشتركا اشتراكاً لفظياً. وهذا الذي نبه عليه الإمام أحمد من أن مسمى الشيء والوجود ونحو ذلك معنى عام كلي تشترك فيه الأشياء كلها والموجودات كلها هو المعلوم بصريح العقل الذي عليه عامة العقلاء. ومن نازع فيه فلا بد أن يقول به أيضاً فيتناقض كلامه في ذلك كما تناقض فيه كلام الشهر ستاني والرازي والآمدي وغيرهم إذ يجعلونه تارة عاماً مقسوماً مشتركاً اشتراكاً لفظيا ومعنوياً بين الأشياء الموجودات ويجعلونه تارة مشتركاً اشتراكاً لفظياً فقط كلفظ المشتري المشترك بين المبتاع والكوكب ولفظ سهيل المشترك بين الكوكب وبين الرجل المسمى بسهيل ولفظ الثريا المشترك بين الكوكب وبين المرأة المسماة ثريا. كما قيل: أيها المنكح الثريا سهيلاً ... عمرك الله كيف يلتقيان هي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يمان

стр. 1725

ولما كان هذا مما يعرف بالعقل قال أحمد فعند ذلك تبين للناس أنهم لا يأتمون بشيء أي لا يقصدون شيئاً فإن المؤتم بالشيء يؤمه ويقصده والإمام الطريق لأن السالك يأتم به وهو أيضاً الكتاب الذي يأتم به القارىء وهو الإمام الذي يأتم به المصلي. والأمة القدوة الذي يؤتم به أي يقتدى والأمة أيضاً الدين يقال فلان لا أمة له أي لا دين له ولا نحلة له. قال الشاعر: وهل يستوي ذو أمة وكفور وقول النابغة: حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع فقول أحمد لا يأتمون بشيء أي لا يدينون بدين ومن روي أنه قال إنكم لا تثبتون شيئاً فقوله ظاهر فإن قول الجهمية يتضمن أنهم لا يثبتون في الخارج رباً خالقاً للعالم. ثم قال فإذا قيل للجهمية من تعبدون قالوا نعبد من يدبر

стр. 1726

أمر هذا الخلق فقلنا هذا الذي يدبر أمر هذا الخلق هو مجهول لا يعرف بصفة قالوا نعم فقلنا قد عرف المسلمون أنكم لا تأتمون بشيء. فقال أحمد في هذا الموضع قد عرف المسلمون وقال هناك قد عرف الناس لأنه هنا تكلم في كونه معبوداً وأنهم يعبدون وهناك تكلم في كونه موجوداً، فلما وصفوه بالسلب المحض، أخبر أن أهل العقل يعلمون أن الموصوف بالسلب المحض هو العدم، فعرف الناس أنهم لا يثبتون شيئاً. وهنا لما سألهم: من يعبدون؟ فأخبروا انهم يعبدون مدبر الخلق، وقالوا: إنه مجهول لا يعرف بصفة عرف المسلمون أنهم لا يعبدون شيئاً، لأن العبادة أصلها قصد المعبود وإرادته والقصد والإرادة مستلزمة للعلم بالمراد المقصود. فما يكون مجهولا لا يعرف بصفة يمتنع ان يكون مقصوداً فيمتنع أن يكون معبوداً والعبادة هي أمر ديني أمر الله بها ورسوله، وهي أصل دين المسلمين. فلهذا قال هنا: قد عرف المسلمون أنكم لا تأتمون بشيء، وإنما تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون فبين أن الناس يعلمون

стр. 1727

بعقلهم أنهم لا يثبتون شيئاً، وأن المسلمين يعرفون أنهم لا يعبدون شيئاً، وبين أن الجاهل إذا سمع قولهم يظن أنهم من أشد الناس تعظيماً لله، ولا يشعر أنهم إنما يقودون قولهم إلى فرية في الله. وهذا الذي ذكره الإمام أحمد أصل قول هؤلاء النفاة الجهمية، وسر مذهبهم، وكلما كان الرجل أعقل وأعرف، وأعلم وأفضل، وأخبر بحقيقة الأمر في نفسه، وبقول هؤلاء النفاة أزداد في ذلك بصيرة وإيماناً ويقيناً وعرفانا. وقد ذكر ابن جرير في تاريخه نسخة الكتاب الذي أرسل في المحنة المشهورة لما كان المأمور قد ذهب إلى ناحية طرسوس، وأرسل كتاباً إلى الناس ببغداد، وأمر نائبه إسحاق بن إبراهيم أن يقرأه على الناس، ويدعوهم إلى موافقته، فامتنع العلماء عن الإجابة، حتى أرسل كتاباً يهدد بن الناس، وأمر بقتل القاضيين إذا لم يجيبا: قاضي الشرقية والغربية، وهما: بشر بن الوليد وعبد الرحمن بن إسحاق فأجاب الناس كرها، واعترفوا بذلك، وامتنع عن الإجابة سبعة فقيدوهم فأجاب منهم خمسة، وبقي أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح النيسابوري، فأرسلوهما مقيدين، فمات محمد بن نوح في الطريق، فبقي أحمد بن حنبل، ومات المأمون قبل أن يصير إليه أحمد

стр. 1728

والمقصود أنه ذكر في كتابه لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوه فوافقه من لم يعرف حقيقة هذه الكلمة وذكر عن أحمد أنه قال: لا يشبه الأشياء وليس كمثله شيء ونحو ذلك أو كما قال. وأما قوله: بوجه من الوجوه فامتنع منها وذلك لأنه عرف أن مضمون ذلك التعطيل المحض، فإنه يقتضي أنه ليس بموجود، ولا شيء ولا حي ولا عليم ولا قدير، ويقتضي إبطال جميع أسمائه الحسنى. وهذا النفي حقيقة قول القرامطة، والله تعالى: ليس كمثله شيء بوجه من الوجوه، بل هو سبحانه في كل ما هو موصوف به مختص بما لا يماثله فيه غيره، وله المثل الأعلى. ولكن لفظ الشبه فيه إجمال وإبهام، فما من شيئين إلا وهما متفقان في أمر من الأمور، ولو كونهما موجودين، وذلك الذي اتفقا فيه لا يمكن نفيه إلا بنفي كل منهما. فإذا قيل: هذا لا يوافق هذا بوجه من الوجوه ولا يواطئه بوجه من الوجوه كان هذا ممتنعاً. وكذلك إذا أريد بقول القائل لا يشبهه بوجه من الوجوه هذا المعنى بخلاف ما إذا أراد بذلك المماثلة والمساواة والمكافاة أو أراد ذلك بلفظ المشاركة والموافقة والمواطأة، فإنه سبحانه لا يماثل شيء بوجه من الوجوه ولا شريك له بوجه من الوجوه لا سيما والكليات التي يتفق فيها الشيئان إنما هي في الأذهان لا في الأعيان، فليس في

стр. 1729

الموجودات الخارجية اثنان اشتركا في شيء، فضلا عن أن يكون الخالق تعالى مشاركا لغيره في شيء من الأشياء . والقرامطة الباطنية كالجهمية الذين ينفون أن يسمى الله بشيء من الأسماء التي يسمى بها مخلوق، لبسوا على الناس بلفظ التشبيه والتركيب ولهذا أنكر جماهير الطوائف عليهم من المعتزلة والنجارية والضرارية ومتكلمة الصفاتية، وغيرهم بل أنكر عليهم من أنكر من الفلاسفة مع تناقض كثير من الناس معهم. ولهذا زعم أبو العباس الناشيء أن الأسماء التي يسمى بها الله، ويسمى بعض عباده بها هي حقيقة في الله مجاز في عباده نقيض قول القرامطة الباطنية والجهمية.

стр. 1730

ولهذا كان السلف يجعلون الجهمية زنادقة ولم يكن إذا ذاك ظهرت ملاحدة الشيعة، بل في عصر محنة الجهمية، في خلافة المأمون والمعتصم ونحوهما، شرعت طوائف الملاحدة الباطنية تظهر مع ظهور الجهمية كما ظهرت الخرمية أصحاب بابك الخرمي وهذا احد ألقاب الباطنية. ويقال إنه سنة عشرين، وهي السنة التي ضرب فهذا فيها أحمد، ظهرت أوائل القرامطة الذين ظهروا بالعراق، ثم صارت لهم شوكة بهجر مع الجناني وأتباعه، ثم ظهرت دعوتهم الكبرى بأرض المغرب ثم مصر، إلى أن فتحها أهل السنة بعد ذلك وبقاياهم في الأرض متفرقون. وهؤلاء لهم أنواع من الإلحاد في غير الأسماء والصفات وإنما

стр. 1731

المقصود هنا بيان إلحاد الجهمية: نفاة الأسماء والصفات، فهؤلاء الذين ينفون حقائق أسماء الله الحسنى، ويقولون: إنما يسمى بها مجازاً، أو المقصود بها غيره، أو لا يعرف معناها أصل تلبيسهم هو ما في إطلاق هذه الأسماء مما يظنونه من التشبيه الذي يجب نفيه ولهذا عظم كلام المسلمين في هذا الباب، وقد بسط في غير هذا الموضع. كلام الجويني عن صفات الله تعالى وتحقيق هذا الموضع من أعظم أصول الدين كما قال أبو المعالي الجويني في الإرشاد من صفات القديم مخالفته للحوادث فالرب لا يشبه شيئاً من الحوادث ولا يشبهه شيء منها. قال: والكلام في هذا الباب من أعظم أركان الدين، فقد غلت طائفة في النفي فعطلت وغلت طائفة في الإثبات، فاما الغلاة في النفي فقالوا: الاشتراك في صفة من صفات الإثبات يوجب الاشتباه وقالوا على هذا القديم سبحانه لا يوصف بالوجود بل

стр. 1732

يقال: ليس بمعدوم وكذلك لا يوصف بانه قادر عالم حي بل يقال: ليس بعاجز ولا جاهل ولا ميت. قال وهذا مذهب الفلاسفة والباطنية وأما الغلاة في الإثبات فاعتقدوا ما يلزمهم القول بمماثلة القديم الحوادث. تعليق ابن تيمية قلت: وهذا الذي قاله أبو المعالي من الاعتناء بهذا الأصل متفق عليه بين الطوائف، والذي ذكره عن النفاة هو قول الجهمية الذي ذكره الإمام أحمد ولهذا نقلوا عن جهم أنه لا يسمى الله بشيء ونقلوا عنه أنه لا يسميه باسم من الأسماء التي يسمي بها الخلق: كالحي والعالم والسميع والبصير بل يسميه قادراً خالقاً لأن العبد عنده ليس بقادر إذ كان هو رأس الجهمية الجبرية. ولما كان كل موجودين لا بد أن يكون بينهما اتفاق من بعض

стр. 1733

الوجوه واختلاف من بعض الوجوه، وقد أنكر طائفة من الناس ذلك وقالوا المتماثلان لا يختلفان بحال، والمختلفان لا يشتبهان في شيء البتة. واضطرب من خالف شيئاً من السنة في الأصل الذي يضبطه في نفي التشبيه إذ جعل مسمى التشبيه والتمثيل واحداً فقالت الباطنية وبعض الفلاسفة إن الاشتراك في صفة من صفات الإثبات يوجب الاشتباه والتماثل. وقال النجار والقلانسي: المثلان هما المجتمعان في صفة من صفات الإثبات إذا لم يكن أحدهما بالثاني لحترز بهذا القيد عن القديم والحادث. تابع كلام الجويني قال أبو المعالي فأما الرد على الفلاسفة فمن أوجه أحدها: الاتفاق على أن السواد يشارك البياض في بعض صفات الإثبات: من الوجود، والعرضية، واللونية. ثم هما مختلفان. وكذلك الجوهر والعرض، والقديم والحادث، لا يمتنع اشتراكهما في صفة واحدة، مع اختلافهما في سائر الصفات. ويقال لهم: أثبتوا الصانع المدبر، أم لا

стр. 1734

تثبتونه؟ فإن أثبتوه لزمهم من الحكم بإثباته ما حاذروه، فإن الحادث ثابت، فاستويا في الثبوت، ولا واسطة بين الإثبات والنفي فإن قالوا: ليس بمنفي قيل لهم: نفي النفي إثبات، كما أن نفي الإثبات نفي وإذا لزم الثبوت من نفي النفي، حصلت المماثلة. فإن قالوا: نحن لا نطلق الإثبات على صفاته، ولا ننطق به قلنا: قد نطقتم في صفات الرب بالإثبات أو بصيغة تتضمنه والمقصود من العبارات معناها، ثم نقول أتعتقدون ثبوت الإله سبحانه؟ فإن قالوا: لا نعتقده قطع الكلام عنهم فيما هو فرع له، على أنهم راغموا البديهة لعلمنا بأن نفي النفي إثبات وإن قالوا: نعتقد الثبوت ولا ننطق به. قلنا كلامنا في الحقائق لا في الإطلاقات فإن قالوا فصفوا الإله بالثبوت والوجود ولا تنطقوا به، واعتقدوا وجود الحادث ولا تنطقوا به، لتنفي المماثلة لفظاً، فغن المماثلة لفظاً مما يتوقى في العقائد. قلنا: يتوقى اللفظ لأدائه إلى الحدوث أو إلى النقص فكل مالا يؤدي إلى الحدوث وإلى النقص لا نكثرت به، ثم محاذرة التعطيل أولى من محاذرة التشبيه

стр. 1735

قال: ومما يتمسك به أن نقول هلا قلتم: الاشتراك في صفة النفي يوجب الاشتباه؟ وما الفرق بين صفة الإثبات والنفي في هذا الباب؟ ثم نقول: الرب سبحانه معقول ومذكور كالحادث وهو سبحانه مخالف للحادث ولا مخالفة إلا بين اثنين. قال فأما ما قيد النجار به كلامه فليس بعاصم، فإن التماثل يتلقى من الاجتماع في الصفة فأما كون أحدهما بالثاني أو المصير إلى أنه ليس به فلا أثر له في التشابه والتماثل.

стр. 1736

واختار أبو المعالي ما اختاره القاضي أبو بكر وأمثاله ويشاركهم في ذلك طوائف من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم كالقاضي أبي يعلي وقالوا: إن المثلين كل موجودين ثبت لكل واحد منهما من صفات النفس ما ثبت للآخر ولا يجوز أن ينفرد أحد المثلين عن الآخر بصفة نفس، ويجوز أن ينفرد بصفة معنى وقوعاً يجوز مثلها على مماثلة وبيان ذلك أن الجواهر متماثلة لتساويها في صفات الأنفس. إذ لا يستبد جوهر عن جوهر بالتحيز وقبول العرض والقيام بالنفس، وقد يختص بعض الجواهر بضروب من الأعراض، يجوز أمثالها في سائر الجواهر، ويجوز أن يشارك الشيء ما يخالفه في الوجود، مثل كونهما عرضين لونين خلافا للباطنية قالوا: ولا يجوز ان يتماثل الشيئان من وجه، ويختلفا من وجه لأنه إذا قلنا: المثلان

стр. 1737

هما المتساويان في جميع صفات النفس، فإذا اختلف الشيئان من وجه فليسا متماثلين من كل وجه إذ يستحيل التماثل في جميع الوجوه مع الاختلاف في وجه من الوجوه. تعليق ابن تيمية قلت: هذا بناء على أصل تلقوه من المعتزلة، وهو أن الجواهر والأجسام متماثلة، بخلاف الأعراض، فإنها قد تختلف وقد تتماثل. وحقيقة هذا القول أن الأجسام متماثلة من كل وجه، لا تختلف من وجه دون وجه، بل الثلج مماثل للنار من كل وجه، والتراب مماثل للذهب من كل وجه، والخبز مماثل للحديد من كل وجه، إذ كانا متماثلين في صفات النفس عندهم. وهذا القول فيه من مخالفة الحس والعقل ما يستغنى به عن بسط الرد على صاحبه، بل أصل دعوى تماثل الأجسام من أفسد الأقوال، بل القول في تماثلها واختلافها كالقول في تماثل الأعراض واختلافها، فإنها تتماثل تارة وتختلف أخرى. وتفريقهم بين الصفات النفسية والمعنوية اللازمة للمعين، يشبه تفريق أهل المنطق بين الصفات الذاتية واللازمة للماهية، وكلاهما قول فاسد لا حقيقة له، بل قول هؤلاء أفسد من قول أهل المنطق. وإذا وقع الكلام في جسم مطلق، وجوهر مطلق، فهذا لا وجود له في الخارج، وإن وقع في الوجود من الأجسام: كالنار والماء

стр. 1738

والتراب والإنسان والفرس والذهب، والبر والتمر، فكل جسم من هذه الأجسام له صفات نفسية لازمة له، لا تزول إلا باستحالة نفسه. فدعوى المدعي أنه ليس له من الصفات النفسية إلا التحيز، وقبول العرض، والقيام بالنفس، أفسد من قول أهل المنطق فإن أولئك جعلوا مثلا كون الحيوان حساساً متحركا بالإرادة من الصفات الذاتية، وهؤلاء لم يجعلوا له صفة نفسية إلا كونه جسماً. والتحيز وقبول العرض والقيام بالنفس أمر تشترك فيه الأجسام كلها، والأمور المختلفة تشترك في لوازم كثيرة، كاشتراك الألوان المختلفة في اللونية والعرضية، ليس حقيقة النار مجرد كونها متحيزة، قابلة للعرض، قائمة بالنفس بل هذا من لوازمها. وأيضاً فقد يسلم هؤلاء القائلون بامتناع التشابه من وجه دون وجه، كأبي المعالي وغيره، أن الأعراض المختلفة تشترك في أمور وقد صرحوا بأن القديم والحادث يستويان في الثبوت، وأنه يشارك المحدث في أمور. والاشتراك في بعض صفات الإثبات لا يكون تماثلاً، وهذا تصريح بأن المختلفين يستويان ويشتركان في بعض الصفات، فكيف يمكن أن يقال مع هذا إن المختلفين لا يشتبهان من بعض الوجوه، وقد صرح بتساويهما في بعض الأشياء؟ وغاية هذا أن يقال إنهما لا يختلفان بوجه من الوجوه في الصفات النفسية وإن اشتبها في الصفات المعنوية. وهذا مع أن اللفظ لا يدل، فيعود إلى ما ذكر. وقد أخبر الله

стр. 1739

تعالى في كتابه بنفي تساوي بعض الأجسام وتماثلها، كما أخبر بنفي ذلك عن بعض الأعراض فقال الله تعالى: ﴿وما يستوي الأعمى والبصير * ولا الظلمات ولا النور * ولا الظل ولا الحرور * وما يستوي الأحياء ولا الأموات﴾ فاطر ١٩ - ٢٢. وقال تعالى ﴿هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ الزمر ٩. وقال تعالى ﴿ليسوا سواء﴾ آل عمران ١١٣. وقال تعالى: ﴿لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة﴾ الحشر ٢٠ وقال تعالى ﴿وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم﴾ محمد ٣٨، فنفى أن يكون بعض الأجسام مثلا أو مساوياً لغيره. وإذا قيل: إن الأجسام اختلفت بما عرض لها من الأعراض. قيل: من الأعراض ما يكون لازماً لنوع الجسم، أو للجسم المعين، كما يلزم الحيوان أنه حساس متحرك بالإرادة، ويلزم الإنسان انه ناطق، وكما يلزم الإنسان المعين ما يخصه من إحساسه وقوة تحركه بالإرادة ونطقه، وغير ذلك من الأمور المعينة التي لا يشركه في عينها غيره، فهذا لا يجوز أن يكون عارضاً له، إذ هو لازم له. وما يعقل جسم مجرد عن جميع هذه الصفات عرضت له بعد

стр. 1740

ذلك، فإذا كانت الأجسام تختلف بالأعراض وهي لازمة لها، كان من لوازمها أن تكون مختلفة. وتمام هذا أن الأشياء تتماثل وتختلف بذواتها، لا نحتاج أن نقول: تتماثل في ذواتها، والذات تختلف بصفاتها. ولهذا كان الصواب أن الرب سبحانه غير مماثل لخلقه، بل هو مخالف لهم بذاته، لا نقول: إنه مساو لهم بذاته، وإنما خالفهم بصفاته. ودعوى من ادعى: أن الأجسام مركبة من جواهر لا تنقسم، قائمة بأنفسها، ليس لها شيء من هذه الأعراض ولكن لما تركبت صارت متصفة بهذه الصفات، كاتصاف النار بالحرارة، والماء بالرطوبة دعوى باطلة بالعقل والحس، فإن الجسم المعين كهذه النار، لم تكن أجزاؤه قط عارية عن كونها ناراً بل النار لازمة لها. وإذا قيل: قد كان هواء فصار ناراً. قيل: نعم وتلك الأجزاء الهوائية لم تكن قط إلا هواء. واستحالة الجسم إلى جسم آخر مشهود معروف عند العامة والخاصة، كما يقول الفقهاء: إذا استحال الخمر خلا، أو العذرة رماداً، والخنزير ملحاً، ونحو ذلك وكما يكون الإنسان منياً ثم يصير علقة، ثم مضغة. فإما أن يقال: إن أجزاء العذرة تفرقت، وهي بعينها باقية حين صارت رماداً، وإنما تغيرت صفاتها، كما يتغير اللون والشكل، بمنزلة

стр. 1741

الثوب المصبوغ، وبمنزلة الخاتم إذا عمل درهماً فهذا مكابرة للحس، لأن الفضة التي كانت خاتماً هي بعينها التي جعلت درهماً أو سواراً، وإنما تغير شكلها كالشمعة إذا غير شكلها. وكذلك إذا صبغ الجسم أو تحرك، فهنا اختلفت صفاته التي هي أعراضه. وأما المني إذا صار آدميا، والهواء إذا صار ناراً، والنار إذا طفئت صارت هواء، فهنا نفس حقيقة الشيء استحالت. فخلق من الأولى ما هو مخالف لها، وفنيت الأولى ولم يبق من نفس حقيقتها شيء، ولكن بقي ما خلق منها، كما يبقى الإنسان الذي خلق من أبيه بعد موت أبيه ولا يقول عاقل: إنه عبارة عن أجزاء كانت في أبيه فتفرقت فيه. وهذا قد بسطناه في غير هذا الموضع، وبينا فساد قول من يقول: الأجسام مركبة من الجواهر التي لا تنقسم أو مركبة من جوهرين قائمين بأنفسهما مادة وصورة. ومن عرف هذا زاحت عنه شبهات كثيرة في الإيمان بالله تعالى. وباليوم الآخر في الخلق، وفي البعث، وفي إحياء الأموات، وإعادة الأبدان، وغير ذلك مما هو مذكور في غير هذا الموضع. فهذا الموضع يحتاج إلى تحقيقه كل من نظر في هذه الأمور، فإنه بمعرفته تزول كثير من الشبهات المتعلقة بالله واليوم الآخر، ويعرف من

стр. 1742

الكلام الذي ذمه السلف، والمعقول الذي يقال إنه معارض للرسول، وما يتبين به أن هؤلاء خالفوا الحس والعقل. وذلك أنا نشهد هذه الأعيان المرئية تتحول من حال إلى حال، كما نشهد أن الشمس والقمر والكواكب تتحرك وتبزغ تارة وتأفل أخرى، ونشهد أيضاً أن السحاب والرياح تتحرك، لكن السحاب نشهد اجتماعه وتفرقه وخروج الودق من خلاله، ونشهد الماء يتحرك ويجتمع ويفترق، ونشهد النبات والحيوان ينمي ويعتدي ومثل هذا منتف في الماء والهواء والأفلاك، وحركته بالنمو والاغتذاء ليست من جنس حركة الماء والهواء والنجوم، فإن هذه توجب من تغير النامي المغتذي واستحالته مالا توجبه تلك، فإن الكواكب هي في نفسها لم تستحل وتغير بالحركة، بخلاف الطفل إذا كبر بعد صغره والزرع إذا استغلظ واستوى على سوقه. ونشهد مع ذلك أن الحطب يصير رماداً ودخاناً، وكذلك الدهن يصير دخاناً، والماء يصير بخاراً، وليس هذا مثل كبر الصغير، بل هذا فيه من الاستحالة والانقلاب من حقيقة إلى حقيقة، ما ليس في نبات الزرع والحيوان. ونشهد إخراج الله من الأرض والشجر: الزرع والثمر، وإخراج الحيوان من الحيوان.

стр. 1743

كما قال تعالى ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود * ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ فاطر ٢٧-٢٨، وقال تعالى ﴿يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي﴾ الروم ١٩. وقال تعالى ﴿وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا﴾ الآية الأنعام ٩٩. وقال ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي﴾ الأنبياء ٣٠، وقال ﴿الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار * وسخر لكم الشمس والقمر﴾ إبراهيم ٣٢- ٣٣، فنحن نشهد الثمر يخرج من الخشب، ليست حقيقة الخشب حقيقة الرطب والعنب والرمان، ثم إذا أخرج الثمرة تكون خضراء ثم تصير صفراء ثم تصير حمراء فتختلف ألوانها وتكبر بعد صغرها. ونرى الألوان المختلفة التي يخلقها الله للحيوان والنبات وغير ذلك من أسود وأحمر وأصفر وأبيض، ونفرق بين اختلافها ألوانها وحركاتها وطعومها بالحلاوة والحموضة وغير ذلك، وبين اختلافها بالنمو والاغتذاء، وكبرها بعد الصغر، وبين خروج السنبلة من الحبة،

стр. 1744

والشجرة من النواة، وخروج الثمرة من الشجرة، فاختلافها بالحركة والسكون، والاجتماع والافتراق، كتفريق الماء وجمعه، وتفريق التراب وجمعه، ليس يوجب اختلاف شيء من حقيقة الجسم، وبعد ذلك اختلاف ألوانه وطعومه فإن كونه أحمر وأخضر وأصفر وحلواً وحامضاً، هو اختلاف يزيد على مجرد الحركة كحركة الكواكب والرياح. ثم اختلافه بالنمو والاعتداء مثل كبر الصغير من الحيوان والنبات اختلاف آخر فيه من التغير والزيادة وغير ذلك ما ليس في مجرد تغير اللون والحركة. ثم يصير الماء بخاراً والحطب دخاناً أو رماداً نوع آخر فيه انقلاب الحقيقة واستحالتها ما ليس في ذلك. ثم إخراج الثمرات من الشجر والإنسان من المني والزرع من النبات أمر آخر غير هذا كله فإن الشجرة لم تنقص بخروج الثمرة منها ولا استحالت حقيقتها وكذلك الأرض لم تنقص بخروج الزرع منها ولا استحالت حقيقتها. وكذلك خروج الإنسان من أمه وخروج البيضة من الدجاجة ولكن خلق الفروج من البيضة من جنس خلق الإنسان من المني.

стр. 1745

والذي يعقل من اجتماع الأجزاء وافتراقها أن تفترق مع بقاء حقيقتها مثل الماء تفرق حتى تصير أجزاؤه في غاية الصغر وهو ماء وكذلك الزئبق ونحوه فإذا استحالت بعد هواء لم يبق ماء ولا زئبق ومن قال إنه بعد انقلابه بقيت الأجزاء كما تبقى إذا تصغرت أجزاؤه فقد خالف الحس والعقل ولا يعقل الماء ونحوه جزءاً إلا وهو ماء فإذا صار هواء لم يكن في الهواء جزء هو ماء بل جزء الهواء هواء. وكذلك الحطب تكسر أجزاؤه إلى أن تتصاغر فإذا صار رماداً فأجزاء الرماد مخالفة لأجزاء الحطب ليست هذه الأجزاء تلك فبقاء الشيء مع تغير أعراضه شيء وانقلاب حقيقته شيء آخر. ولهذا تفرق اللغة والشرع بين هذا وهذا وتجعل هذا جنساً مخالفاً لهذا في جميع الأحكام بخلاف ما إذا كانت حقيقته باقية وقد تبدلت أعراضها فالحكم المعلق بالذهب والفضة إذا تعلق بعينه كالربا مثلاً هو ثابت فيه وإن تغيرت صورة وأشكاله فسواء كان مجتمعاً

стр. 1746

مضروباً أو مصوغاً على أي صورة كان أو مفترقاً بالإنكسار بخلاف حكمه لما كان تراباً في المعدن قبل أن يصير ذهباً وفضة. وكذلك النوى حكمه وحقيقته غير حكم النخلة وحقيقتها وأما الشجر والثمر فأبعد من هذا كله لأنه لا نشهد هناك من انقلاب أجزاء الشجرة واستحالتها ما نشهد من هذه المنقلبات وإنما نشهد خروج ثمرة لها طعم ولون وريح من خشبة مخالفة لها غاية المخالفة مع أن تلك الخشبة قد تزيد وتنمي مع خروج الثمرة منها وإن كان في ذلك استحالة لطينتها من الماء والهواء والتراب لكن خلق الحيوان والنبات والمعدن من العناصر ليس هو من جنس استحالة هذه المولدات بعضها إلى بعض لا سيما إذا كان بأفعالنا بل كلما بعد التسبب بأفعالنا يكون خلقه أعجب والإبداع للأعيان فيه أعظم. وما كان أقرب إلى مفعولاتنا يكون أبعد من إبداع الأعيان بل وعن انقلاب الحقائق إلى تغير الصفات إلى أن تنتهي إلى مطلق الحركة التي ليس فيها من تغير الذات شيء كحركة أحدنا بالمشي والقيام والقعود وحركة الكواكب فإن جنس الحركة هو المقدور للآدميين ابتداء وهو أبعد الأعراض والأحوال عن تغير الأعيان والحقائق ولهذا لا يسمى هذا في اللغة المعروفة تغيراً أصلاً ولا يقول أحد عند الإطلاق للكواكب إذا كانت سائرة وللإنسان إذا كان ماشياً متغيراً اللهم إلا مع قرينة تبين المراد بخلاف ما إذا تغير لونه بحمرة أو

стр. 1747

صفرة فإنهم قد يقولون قد تغير ويقولون تغير الهواء إذا برد بعد السخونة ولا يكادون يسمون مجرد هبوبه تغيراً وإن سمي بذلك فهم يفرقون بين هذا وهذا. والمقصود أن قول من يقول إن هذه المخلوقات التي يخلقها الله بعضها من بعض، ليس خلقه لها إلا تغيير صفاتها وأن حقيقة كل شيء جواهر أصلية متماثلة باقية لا تتغير حقيقتها أصلاً ولكن تكثر تلك الأجزاء وتقل كلام لا حقيقة له وهو متضمن أموراً باطلة إثبات جواهر قائمة بأنفسها مخلوقة وراء هذه الأعيان المشهودة وذاك باطل لا حقيقة له. وإثبات هؤلاء لهذه الجواهر الحسية من جنس إثبات آخرين لجواهر عقلية قائمة بأنفسها وراء هذه الأعيان المشهودة يسمونها المادة والصورة وإثبات أن هذه الجواهر متماثلة والأعيان المشهودة متماثلة وهو أمر لا حقيقة له. فدعوى أن خلق الله لمخلوقاته من الحيوان والنبات والمعدن ليس إلا إحداث أعراض وصفات ليس فيه خلق قائمة بنفسها ولا إحداث لأجسام وجواهر قائمة بنفسها كما تحرك الرياح والمياه وتفرق الماء في مجاريه وهو أيضاً من أبطل الباطل. وهذا من أعظم ضلال هؤلاء حيث عمدوا إلى ما هو من أعظم آيات الرب الدالة الشاهدة بوجوده وقدرته ومشيئته وعلمه

стр. 1748

وحكمته ورحمته أنكروا وجودها بالكلية وادعوا أنه ليس في ذلك إبداع عين ولا خلق شيء قائم بنفسه وإنما هو إحداث أعراض والواحد منا يقدر على إحداث بعض الأعراض ثم اقتصروا في ذلك على مجرد إحداث أعراض وصفات. ثم أرادوا أن يثبتوا إبداعه لجميع الأعيان بان ادعوا وجود جواهر منفردة لا حقيقة لها وادعوا في الأعيان المختلفات تماثلا لا حقيقة له. ثم أرادوا أن يثبتوا حدوث هذه الجواهر بمجرد قيام الأعراض أو الحركات بها وذلك من أبعد الأشياء عن الدلالة على المطلوب فاحتاجوا إلى تلك المقدمات الباطلة التي ناقضوا بها عقول العقلاء وكذبوا بها ما جاءت به الرسل من الأنباء واحتاجوا أن ينفوا حقيقة الرب بعد أن نفوا حقيقة مخلوقاته وآل الأمر بهم إما إلى نفي صفاته أيضاً وإما إلى إثبات صفات لا موصوف لها كما لم يثبتوا من آياته إلا ما يحدث من صفات الأشياء. ومن تدبر هذا كله وتأمله وتبين له أن ما جاء به القرآن من بيان آيات الرب ودلائل توحيده وصفاته هو الحق المعلوم بصريح المعقول وأن هؤلاء خالفوا القرآن في أصول الدين في دلائل المسائل وفي نفس المسائل خلافاً خالفوا به القرآن والإيمان وخالفوا به صريح عقل الإنسان وكانوا في قضاياهم التي يذكرونها في خلاف ذلك أهل كذب وبهتان وإن لم يكونوا متعمدين الكذب بل التبس عليهم ما ابتدعوه من الهذيان.

стр. 1749

الوجه الحادي والعشرون أن يقال: معارضة أقوال الأنبياء بآراء الرجال، وتقديم ذلك عليها، هو من فعل المكذبين للرسل، بل هو جماع كل كفر، كما قال الشهرستاني في أول كتابه المعروف بالملل والنحل ما معناه: أصل كل شر هو من معرضة النص بالرأي، وتقديم الهوى على الشرع. وهو كما قال، فإن الله أرسل رسله، وأنزل كتبه، وبين أن المتبعين لما أنزل هم أهل الهدى والفلاح، والمعرضين عن ذلك هم أهل الشقاء والضلال. كما قال تعالى: ﴿قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى﴾ [طه: ١٢٣-١٢٦] . وقال تعالى: ﴿يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون * والذين

стр. 1750

كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ [الأعراف ٣٥-٣٦] . وقد أخبر عن أهل النار أنهم إنما دخلوها لمخالفة الرسل، قال تعالى: ﴿ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس﴾ [الأنعام: ١٢٨] ، إلى قوله: ﴿يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين﴾ [الأنعام: ١٣٠] . وقال تعالى: ﴿وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين﴾ [الزمر: ٧١] . وقال تعالى: ﴿كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير * قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير﴾ [الملك: ٨، ٩] . ومعلوم أن الكلام الذي جاءت به الرسل عن الله نوعان: إما إنشاء وإما خبر. والإنشاء يتضمن الأمر والنهي والإباحة، فأصل السعادة تصديق خبره، وطاعة أمره وأصل الشقاوة معارضة خبره وأمره بالرأي والهوى، وهذا هو معرضة النص بالرأي، وتقديم الهوى على الشرع.

стр. 1751

ولهذا كان ضلال من ضل من أهل الكلام والنظر في النوع الخبري، بمعارضة خبر الله عن نفسه وعن خلقه بعقلهم ورأيهم، وضلال من ضل من أهل العبادة والفقه في النوع الطلبي، بمعارضة أمر الله الذي هو شرعه بأهوائهم وآرائهم. والمقصود هنا أن معارضة أقوال الرسل بأقوال غيرهم من فعل الكفار، كما قال تعالى: ﴿ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد﴾ [غافر: ٤] ، إلى قوله: ﴿وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب﴾ [غافر: ٥] . وقوله تعالى: ﴿وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق﴾ [الكهف: ٥٦] . وقوله تعالى: ﴿ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا﴾ [غافر ٤] ، مصدق لقول النبي ﷺ : «مراء في القرآن كفر» . ومن المعلوم أن كل من عارض القرآن، وجادل في ذلك بعقله ورأيه، فهو داخل في ذلك، وإن لم يزعم تقديم كلامه على كلام الله ورسوله، بل إذا قال ما يوجب المرية والشك في كلام الله، فقد دخل في ذلك، فكيف بمن يزعم أن ما يقوله بعقله ورأيه مقدم على نصوص الكتاب والسنة.

стр. 1752

وقال تعالى: ﴿إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه﴾ الآية [غافر: ٥٦] . وقال: ﴿الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار﴾ [غافر: ٣٥] . والسلطان هو الكتاب المنزل من السماء، كما ذكر ذلك غير واحد من المفسرين. وشواهده كثيرة كقوله تعالى: ﴿أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون﴾ [الروم: ٣٥] . وقوله: ﴿إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان﴾ [النجم: ٢٣] في سورة الأعراف ويوسف

стр. 1753

والنجم، فمن عارض آيات الله المنزلة برأيه وعقله من غير سلطان أتاه، دخل في معنى هذه الآية. وهذا مما يبين أنه لا يجوز معارضة كتاب الله إلا بكتاب الله، ولا يجوز معارضته بغير ذلك. وكتاب الله نوعان: خبر وأمر، كما تقدم. أما الخبر فلا يجوز أن يتناقض، ولكن قد يفسر أحد الخبرين الآخر ويبين معناه. وأما الأمر فيدخله النسخ، ولا ينسخ ما أنزل الله إلا بما أنزل الله فمن أراد أن ينسخ شرع الله، الذي أنزله برأيه وهواه كان ملحداً، وكذلك من دفع خبر الله برأيه ونظره كان ملحداً. والقرامطة جمعوا هذا وهذا، وزعموا أن محمد بن إسماعيل هو السابع الذي نسخ دين محمد ﷺ ، وكذلك تعرض لدعوى النبوة غير واحد من الملاحدة. وآخرون يدعون ما هو عندهم أعلى من النبوة: إما ختم الولاية عند من يزعم أن الولاية أفضل من النبوة، كمذهب صاحب الفصوص ابن عربي وأمثاله، وإما دعوى الفلسفة والحكمة التي هي في زعم كثير منهم أعلى من النبوة. وهؤلاء الملاحدة نوعان: نوع يزعم أنه نزل عليه، كما يدعي ذلك من يدعيه من ملاحدة أهل النسك والتصوف. ثم من هؤلاء من يقول: إن الله أنزل عليه ذلك. ومنهم من يقول: ألقي إلي، أوحي إلي، ولا يسمي الموحي.

стр. 1754

وقوم يزعمون أنهم يقولون ذلك بعقلهم ورأيهم. وقد جمع الله هؤلاء بقوله: ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله﴾ [الأنعام: ٩٣] . فذكر سبحانه من يفترى الكذب على الله، ومن يقول أنه يوحى إليه، ومن زعم أنه يقول كلاماً مثل الكلام الذي أنزله الله. وهذا الأصل هو مما يعلم بالضرورة من دين الرسل من حيث الجملة: يعلم أن الله إذا أرسل رسولاً، فإنما يقول من يناقض كلامه ويعارضه من هو كافر، فكيف بمن يقدم كلامه على كلام الرسول؟ وأما المؤمنون بما جاء به فلا يتصور أن يقدموا أقوالهم على قوله، بل قد أدبهم الله بقوله: ﴿لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾ [الحجرات: ١] . ولكن البدع مشتقة من الكفر، فلهذا كانت معارضة النصوص الثابتة عن الأنبياء بآراء الرجال هي من شعب الكفر، وإن كان المعارض لهذا بهذا يكون مؤمناً بما جاء به الرسول في غير محل التعارض. وإذا كان أصل معارضة الكتب الإلهية بقول فلان وفلان من أصول الكفر، علم أن ذلك كله باطل. وهذا مما ينبغي للمؤمن تدبره، فإنه إذا حاسب نفسه على ذلك، علم تصديق ذلك. ومما بين هذا:

стр. 1755

الوجه الثاني والعشرون وهو أن يقال: إن الله سبحانه ذم من ذمه من أهل الكفر على أنهم يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا. كما قال تعالى: ﴿قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون * قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون﴾ [آل عمران: ٩٨-٩٩] . وقال تعالى: ﴿ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم﴾ [الأعراف: ٨٦] . وقال: ﴿ألا لعنة الله على الظالمين * الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا﴾ [هود: ١٨-١٩] . وقال: ﴿وويل للكافرين من عذاب شديد * الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله﴾ [إبراهيم: ٢] . ومعلوم أن سبيل الله هو ما بعث الله به رسله مما أمر به وأخبر عنه، فمن نهى الناس نهياً مجرداً عن تصديق رسل الله وطاعتهم، فقد صدهم عن سبيل الله، فكيف إذا نهاهم عن التصديق بما أخبرت به الرسل، وبين أن العقل يناقض ذلك، وأنه يجب تقديمه على ما أخبرت به الرسل؟ .
следующие страницы →