← Акыда

Акыда · id 21506

درء تعارض العقل والنقل

ابن تيمية

Полный текст (4 031 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

دليلاً يفرق به بين الحق والباطل، والهدى والضلال، بل يجعلون الفارق هو ما يختلف باختلاف الناس من أذواقهم وعقولهم. ومعلوم أن هذا نسبة للرسول إلى التلبيس وعدم البيان، بل إلى كتمان الحق وإضلال الخلق، بل إلى التكلم بكلام لا يعرف حقه من باطله، ولهذا كان حقيقة أمرهم الإعراض عن الكتاب والرسول، فلا يستفيدون من كتاب الله وسنة رسوله شيئاً من معرفة صفات الله تعالى، بل الرسول معزول عندهم عن الإخبار بصفات الله تعالى نفياً وإثباتاً، وإنما ولايته عندهم في العمليات - أو بعضها - مع أنهم متفقون على أن مقصوده العدل بين الناس وإصلاح دنياهم. ثم يقولون مع ذلك: إنه أخبرهم بكلام عن الله وعن اليوم الآخر: صار ذلك الكلام سبباً للشر بينهم والفتن والعداوة والبغضاء، مع ما فيه عندهم من فساد العقل والدين، فحقيقة أمرهم أنه أفسد دينهم ودنياهم. وهذا مناقض لقولهم: إنه أعقل الخلق وأكملهم، أو من أعقلهم وأكملهم، وأنه قصد العدل ومصلحة دنياهم. فهم مع قولهم المتضمن للكفر والإلحاد، يقولون قولاً مختلفا، يؤفك عنه من أفك، متناقض غاية التناقض، فاسد غاية الفساد. وهذا ينكشف:

стр. 1787

الوجه الثامن والعشرون وهو أن يقال: حقيقة قول هؤلاء الذين يجوزون أن تعارض النصوص الإلهية النبوية بما يناقضها من آراء الرجال، وأن لا يحتج بالقرآن والحديث على شيء من المسائل العلمية، بل ولا يستفاد التصديق بشيء من أخبار الله ورسوله، فإنه إذا جاز أن يكون فيما أخبر الله به ورسوله في الكتاب والسنة أخبار يعارضها صريح العقل، ويجب تقديمه عليها من غير بيان من الله ورسوله للحق الذي يطابق مدلول العقل، ولا لمعاني تلك الأخبار المناقضة لصريح العقل، فالإنسان لا يخلو من حالين، وذلك لأن الإنسان إذا سمع خطاب الله ورسوله الذي يخبر فيه عن الغيب: فإما أن يقدر أن له رأياً مخالفاً للنص، أو ليس له رأي يخالفه، فإن كان عنده مما يسميه معقولاً ما يناقض خبر الله ورسوله، وكان معقوله هو المقدم، قدم معقوله وألغى خبر الله ورسوله، وكان حينئذ كل من اقتضى عقله مناقضة خير من أخبار الله ورسوله قدم عقله على خبر الله ورسوله، ولم يكن مستدلا بما أخبر الله به ورسوله على ثبوت مخبره، بل ولم يستفد من خبر الله ورسوله فائدة علمية، بل غايته أن يستفيد إتعاب قلبه فيما يحتمله ذلك اللفظ من المعاني التي لا يدل عليها الخطاب إلا دلالة بعيدة ليصرف إليها اللفظ.

стр. 1788

ومعلوم أن المقصود بالخطاب والإفهام، وهذا لم يستفد من الخطاب والإفهام، فإن الحق لم يستفده من الخطاب بل من عقله، والمعنى الذي دل عليه الخطاب الدلالة المعروفة لم يكن المقصود بالخطاب إفهامه، وذلك المعنى البعيد الذي صرف الخطاب إليه، قد كان عالما بثبوته بدون الخطاب، ولم يدل عليه الخطاب الدلالة المعروفة، بل تعب تعباً عظيما حتى أمكنه احتمال الخطاب له، مع أنه لا يعلم أن المخاطب أفاده بالخطاب، فلم يكن له خطاب الله ورسوله على قول هؤلاء، لا إفهام ولا بيان، بل قولهم يقتضي أن خطاب الله ورسوله إنما أفاد تضليل الإنسان، وإتعاب الأذهان، والتفريق بين أهل الإيمان، وحصول العداوة بينهم والشنآن، وتمكين أهل الإلحاد والطغيان، من الطعن في القرآن والإيمان. وأما إن لم يكن عنده ما يعارض النص، مما يسمى رأياً ومعقولا وبرهاناً ونحو ذلك، فإنه لا يجزم بأنه ليس في عقول جميع الناس ما يناقض ذلك الخبر الذي أخبر الله به رسوله، ومن المعلوم أن الدلالات التي تسمى عقليات، ليس لها ضابط، ولا هي منحصرة في نوع معين، بل ما من أمة إلا ولهم ما يسمونه معقولات. واعتبر ذلك بأمتنا، فإنه ما من مده إلا وقد يبتدع بعض الناس بدعاً، يزعم أنها معقولات.

стр. 1789

ومعلوم أن عصر الصحابة وكبار التابعين لم يكن فيه من يعارض النصوص بالعقليات، فإن الخوارج والشيعة حدثوا في آخر خلافة علي المرجئة والقدرية حدثوا في أواخر عصر الصحابة، وهؤلاء كانوا ينتحلون النصوص ويستدلون بها على قولهم، لا يدعون أنهم عندهم عقليات تعارض النصوص. ولكن لما حدثت الجهمية في أواخر عصر التابعين، كانوا هم المعارضين للنصوص برأيهم ومع هذا فكانوا قليلين مقموعين في الأمة. وأولهم الجعد بن درهم، ضحى به خالد بن عبد الله القسري يوم الأضحى بواسط، وقال: أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، انه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً، تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيراً ثم نزل فذبحه. وإنما صار لهم ظهور شوكة في أوائل المائة الثالثة، لما قواهم من

стр. 1790

قواهم من الخلفاء، فامتحن الناس ودعاهم إلى قولهم، ونصر الله الإيمان والسنة بمن أقامه من أئمة الهدى، الذي جعلهم الله أئمة في الدين بما آتاهم الله من الصبر واليقين كما قال الله تعالى: ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾ [السجدة: ٢٤] . والمقصود هنا أن ما تذكره الجهمية نفاة الصفات العقلية المناقضة للنصوص لم يكن معروفا فيها عند الأمة إذ ذاك، ولما ابتدعوه لم يسمعه أكثر الأمة. ثم قد وضعت الجهمية من المعتزلة وغيرهم من ذلك في الكتب ما شاء الله وأكثر المؤمنين لا يعلمون ذلك، وما من أحد من النفاة إلا وقد يذكر على النفي من حججه العقلية ما لا يذكره الآخر، ولا تجد طائفتين يتفقان على طريقة واحدة عقلية، بل المعتزلة عمدتهم في النفي، أما الصفات أعراض، والأعراض لا تقوم إلا بجسم، وعمدتهم في نفي الجسم كونه لا ينفك من الحوادث، أو كونه مركباً من الأجزاء المفردة، فهم يستدلون بالأكوان الأربعة التي للجسم - وهي الاجتماع، والافتراق، والحركة والسكون - على حدوثه. وأما ابن كلاب وأتباعه فينازعونهم في أن الصفات لا تقوم إلا بمحدث، ويسلمون لهم أن الأفعال ونحوها من الأمور الاختيارية لا

стр. 1791

تقوم إلا بمحدث. وكذلك الأشعري وأتباعه ينازعونهم في أن الصفات لا تقوم إلا بجسم، وتوافقهم على أن الأفعال لا تقوم إلا بجسم. ومن أتباعهم المتفلسفة من نازعهم في أن الأفعال لا تقوم إلا بجسم. وطوائف غير هؤلاء من الهاشمية والكرامية وغيرهم يسلمون لهم أن الصفات والأفعال لا تقوم إلا بجسم، وينازعونهم في كون الجسم لا يخلو من الحوادث، ويجوزون وجود جسم ينفك من قيام الحوادث به، ثم يحدث فتقوم به بعد ذلك. وقد ينازعونهم في كون كل جسم مركباً من الأجزاء المنفردة. وهذه الطوائف وأمثالها من طوائف أهل الكلام، من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم، كلهم متفقون على أن الممكن لا يكون إلا جسماً، أو قائماً بجسم، ومتنازعون في الواجب. والمتفلسفة المشاءون الذين يثبتون ممكناً ليس بجسم ولا قائم بجسم، يقولون: إن الجسم الممكن قد يكون قديماً أزلياً أبدياً تحله الحوادث والأعراض وأن الجسم الممكن لا ينفك من الحوادث، وليس هو عندهم بمحدث، وهو مركب كتركيب الأجسام، وهو عندهم قديم أزلي، فهذا عندهم لا ينافي القدم والأزلية، وإنما ينفون ذلك عن واجب الوجود بناءً على أن إثبات الصفات تركيب، وواجب الوجود ليس بمركب.

стр. 1792

والتركيب الذي يعنيه هؤلاء أعم من التركيب الذي يعنيه أولئك، فإن هؤلاء يزعمون أن هنا خمسة أنواع من التركيب يجب نفيها عن الواجب، فيقولون ليس له حقيقة سوى الوجود المطلق، إذ لو كان له حقيقة سوى ذلك لكان مركباً من تلك الحقيقة. والوجود يثبتونه وجوداً مطلق بشرط الإطلاق، أو بشرط النفي، أو لا بشرط، مع علم كل عاقل أن هذا لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان، ويقولون: ليس له صفة ثبوتية: لا علم، ولا قدرة، إذ لو كان كذلك لكان مركباً من ذات الصفات. ثم يقولون: هو عاقل ومعقول وعقل، وعاشق ومعشوق وعشق، وهو ملتذ ومبتهج، وملتذ به مبتهج به، وذلك كله شيء واحد، فيجعلون الصفة هي الموصوف، وهذه الصفة هي الأخرى. ومعلوم أن هذا أكثر تناقضاً من قول النصارى، ويقولون لا يدخل هو وغيره تحت عموم، لئلا يكون مركباً من صفة عامة وخاصة، كتركيب النوع من الجنس والفصل، أو من الخاصة والعرض العام، مع أنهم يقولون: الموجود ينقسم إلى واجب وممكن، والواجب يتميز عن الممكن بما يختص به، ويقولون ليس فوق العالم، لنه لو كان كذلك لكان له جانبان، فيكون جسماً مركباً من الأجزاء المفردة، أو المادة والصورة. ثم أتباع هذه الطوائف يحدثون من الحجج العقلية على قول متبوعهم

стр. 1793

ما لم تكن عند متبوعهم، فيكونون - بزعمهم - قد تبين لهم من العقليات النافية ما لم يتبين لمتبوعهم. واعتبر ذلك بما تجده من الحجج لأبي الحسين البصري وأمثاله مما لم يسبقه إليها شيوخه، وما تجده لأبي هاشم، ولأبي على الجبائي، وعبد الجبار بن أحمد مما لم يسبقهم إليها شيوخهم. بل أبو المعالي الجويني، ونحوه ممن انتسب إلى الأشعري، ذكروا في كتبهم من الحجج العقليات النافية للصفات الخبرية ما لم يذكره ابن كلاب والأشعري وأئمة أصحابهما، كالقاضي أبي بكر بن الطيب وأمثاله، فإن هؤلاء متفقون على إثبات الصفات الخبرية، كالوجه واليد والاستواء. وليس للأشعري في ذلك قولان، بل لم يتنازع الناقلون لنذهبه نفسه في أنه يثبت الصفات الخبرية التي في القرآن، وليس في كتبه المعروفة إلا إثبات هذه الصفات، وإبطال قول من نفاها وتأول النصوص. وقد رد في كتبه على المعتزلة - الذين ينفون صفة اليد والوجه والاستواء، ويتأولون ذلك بالاستيلاء - ما هو معروف في كتبه لمن يتبعه، ولم ينقل عنه أحد نقيض ذلك، ولا نقل أحد عنه في تأويل هذه الصفات قولين. ولكن لأتباعه فيها قولان: فأما هو وأئمة أصحابه فمذهبهم إثبات هذه الصفات الخبرية، وإبطال ما ينفيها من الحجج العقلية، وإبطال تأويل نصوصها.

стр. 1794

وأبو المعالي وأتباعه نفوا هذه الصفات موافقة للمعتزلة والجهمية. ثم لهم قولان: أحدهما تأويل نصوصها، وهو أول قولي أبي المعالي، كما ذكره في الإرشاد. والثاني تفويض معانيها إلى الرب، وهو آخر قولي أبي المعالي كما ذكره في الرسالة النظامية وذكر ما يدل على أن السلف كانوا مجمعين على أن التأويل ليس بسائغ ولا واجب. ثم هؤلاء منهم من ينفيها ويقول: إن العقل الصريح نفى هذه الصفات، ومنهم من يقف ويقول: ليس لنا دليل سمعي ولا عقلي لا على إثباتها ولا على نفيها، وهي طريقة الرازي والآمدي. وأبو حامد تارة يثبت الصفات العقلية، متابعة للأشعري وأصحابه، وتارة ينفيها أو يردها إلى العلم موافقة للمتفلسفة، وتارة يقف وهو آخر أحواله، ثم يعتصم بالسنة ويشتغل بالحديث، وعلى ذلك مات. وكذلك أبو محمد بن حزم، مع معرفته بالحديث، وانتصاره

стр. 1795

لطريقة داود وأمثاله من نفاة القياس أصحاب الظاهر، قد بالغ في نفي الصفات وردها إلى العلم، مع أنه لا يثبت علماً هو صفة، ويزعم أن أسماء الله، كالعليم والقدير ونحوهما، لا تدل على العلم والقدرة، وينتسب إلى الأمام أحمد وأمثاله من أئمة السنة، ويدعي أن قوله هو قول أهل السنة والحديث، ويذم الأشعري وأصحابه ذماً عظيما، ويدعي أنهم خرجوا عن مذهب السنة والحديث في الصفات. ومن المعلوم الذي لا يمكن مدافعته أن مذهب الأشعري وأصحابه في مسائل الصفات أقرب إلى مذهب أهل السنة والحديث من مذهب ابن حزم وأمثاله في ذلك. ثم المتفلسفة الدهرية، كالفارابي وابن سينا يزعمون أن العقل يحيل معاد الأبدان، فيجب تقديم العقليات على دلالة السمع، ويخاطبون من أقر بالمعاد من المعتزلة وموافقيهم في نفي ذلك، بما تخاطب به المعتزلة المثبتة الصفات، ويقولون لهم: قولنا في نصوص المعاد كقولكم في نصوص الصفات.

стр. 1796

وهكذا خاطبت القدرية من المعتزلة والشيعة وغيرهما لمتكلمة الإثبات في مسألة القدر، وقالت: القول في النصوص المثبتة للقدر، وأن الله خالق أفعال العباد، كالقول في نصوص الصفات. وبهذا أجاب من أجاب من المعتزلة والشيعة لهؤلاء فقالوا في الجواب عما يحتج به هؤلاء من الحجج السمعية، على أن الله خالق أفعال العباد، من جهة الجملة ومن جهة التفصيل. أما من جهة الجملة فمن وجوه: أحدها: أنه إذا ثبت كونه تعالى عادلاً، لا يفعل قبيحا، ولا يخل بواجب في حكمته، وجب أن يكون للآيات التي يتعلقون بها وجوه لا تنافي ما ثبت من الدلالة، وإن لم تعلم الوجوه على سبيل التفصيل. وقالوا: هذا كما نقول نحن وهم في الآيات التي تتعلق بها المشبهة في كون الله تعالى جسما، نحو قوله تعالى: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ [المائدة: ٦٤] ، وما يجري مجرى ذلك من الآيات التي تفيد ظاهرها التشبيه، من أنه إذا ثبت أنه تعالى لا يشبه الأشياء وجب أن يكون لهذه الآيات وجوه تطابق أدلة العقول، وإن لم نعلمها على سبيل التفصيل. فهذه الطريق التي سلكها هؤلاء القدرية، هي الطريق التي سلكها من وافقهم على نفي الصفات أو بعضها، من الجهمية، كجهم بن

стр. 1797

صفوان، وحسين النجار، وضرار بن عمرو، وغيرهم، فإن هؤلاء يثبتون القدر، ويوافقون المعتزلة على نفي الصفات. ومن المعلوم أن الحجج العقلية التي يحتج بها المعتزلة والشيعة ليس لها ضابط بل، قد سلك أبو الحسين البصري مسلكاً خالف فيه شيوخه، وادعى أن العلم بإحداثها ضروري. فهذه وأضعافه مما يبين أنه ليس لما يدعى من العقليات التي يقال إنها تناقض النصوص ضابط، بل ذلك من باب الوساوس والخطرات التي لا تزال تحدث في النفوس. فإذا جوز المجوز أن يكون لبعض ما أخبر الله به ورسوله معقول صريح يناقضه ويقدم عليه، لم يأمن أن يكون كل ما يسمعه من أخبار الله ورسوله من هذا الباب غايته أن يقول: ليس عندي من العقليات ما يناقض ذلك، أو لم أسمع، أو لم أجد، ونحو ذلك. وهذا القدر لا ينفي أن يكون في نفس الأمر قضايا عقلية لم تصل إليه بعد، وإذا قال: العقل لا ينفي ما أقر به. قيل له: أتريد بذلك أنك لم تعلم معقولاً ينافي ذلك، أو تعلم أنه ليس يمكن أن يكون في المعقول ما ينافي ذلك، إذا جوزت أن يقول في المعقول ما يناقض أخبار الرسول؟ فإن قلت بالأول، لم ينفعك ذلك. وإن قلت بالثاني لم يكن كلامك صحيحا، لأنك جوزت أن يكون في المعقول ما يناقض أخبار الرسول.

стр. 1798

ومع هذا فالجزم ينفي كل معقول جزم بلا علم، بخلاف المؤمن بجميع ما أخبر الله به، الذي يجزم بأنه ليس في المعقول ما يناقض منصوص الرسول، فإن هذا قد علم ذلك علماً يقيناً عاماً مطلقاً. وإذا قال الذي يقر ببعض النصوص دون البعض، المضاهي لمن آمن ببعض الكتاب دون بعض: الذي نفيته يحيله العقل، والذي أقررته لا يحيله العقل، بل هو ممكن في العقل. قيل له: أتعني بقولك: لا يحيله العقل، وهو ممكن في العقل: الإمكان الذهني أو الخارجي؟ فإن عنيت الإمكان الذهني: بمعنى أنه لم يقم دليل عقلي يحيله، فهذا لا ينفي أن يكون في نفس الأمر ما يحيله ولم تعلمه. وإن عنيت به الإمكان الخارجي، وهو أنك علمت بعقلك أنه يمكن ذلك في الخارج، فهذا لا يتأتى لك في كثير من الأخبار. وهؤلاء الذين يدعون أنهم يقررون إمكان ذلك بالعقل، يقول أحدهم: هذا لو فرضناه لم يلزم منه محال، كما يقول ذلك الآمدي ونحوه، أو يقول: هذا لا يفضي إلى قلب الأجناس، ولا تجوير الرب، ولا كذا ولا كذا، فيعددون أنواعاً محصورة من الممتنعات. ومعلوم أن نفي محالات معدودة لا يستلزم نفي كل محال. وقول القائل: لو فرضناه لم يلزم منه محال: إن أراد به: لا أعلم انه يلزم منه محال، لم ينفعه.

стр. 1799

وإن قال: أعلم أنه لا يلزم منه محال، فهو لم يذكر دليلا على هذا العلم، فما الدليل على انه علم أنه لا يلزم منه محال؟ فتبين أن من جوز على خبر الله، أو خبر رسوله، أن يناقضه شيء من المعقول الصريح، لم يمكنه أن يصدق بعامة ما أخبر الله به ورسوله من الغيب، لا سيما والأمور الغائبة ليس للمخبرين بها خبرة يمكنهم أن يعلموا بعقولهم ثبوت ما أخبر به، أو انتفاء جميع ما تتخيله النفوس من المعارضات له. بل إذا كانت الأمور المشاهدة الحسية، وما يبنى عليها من المعلوم العقلية، قد وقع فيها شبهات كثيرة عقلية تعارض ما علم بالحس أو العقل، وكثير من هذه الشبه السوفسطائية يعسر على كثير من الناس - أو أكثرهم - حلها، وبيان وجه فسادها، وإنما يعتصمون في ردها بأن هذا قدح فيما فيما علم بالحس أو الضرورة فلا يستحق الجواب، فيكون جوابهم عنها أنها معارضة للأمر المعلوم الذي لا ريب فيه، فيعلم أنها باطلة من حيث الجملة، وإن لم يذكر بطلانها على وجه التفصيل. ولو قال قائل: هذه الأمور المعلومة لا تثبت إلا بالجواب عما يعارضها من الحجج السوفسطائية، لم يثبت لأحد علم بشيء من الأشياء، إذ لا نهاية لما يقوم بنفوس بعض الناس من الحجج السوفسطائية. فهكذا تصديق خبر الله ورسوله، قد علم علماً يقينياً أنه صدق

стр. 1800

مطابق لمخبره، وعلمنا بثبوت جميع ما أخبر به أعظم من علمنا بكل فرد من علومنا الحسية والعقلية، وإن كنا جازمين بجنس ذلك، فإن حسنا وعقلنا قد يعرض له من الغلط ما يقدح في بعض إدراكاته كالشبه السوفسطائية. وأما خبر الله ورسوله فهو صدق، موافق لما الأمر عليه في نفسه، لا يجوز أن يكون شيء من أخبار باطلاً، ولا مخالفاً لما هو الأمر عليه في نفسه، ويعلم من حيث الجملة أن كل ما عارض شيئاً من أخباره وناقضه، فإنه باطل من جنس حجج السوفسطائية، وإن كان العالم بذلك قد لا يعلم وجه بطلان تلك الحجج المعارضة لأخباره. وهذه حال المؤمنين للرسول، الذين علموا أنه رسول الله الصادق فيما يخبر به، يعلمون من حيث الجملة أن ما ناقض خبره فهو باطل، وأنه لا يجوز أن يعارض خبره دليل صحيح: لا عقلي ولا سمعي، وأن ما عارض أخباره من الأمور التي يحتج بها المعارضون ويسمونها عقليات، أو برهانيات، أو وجديات، أو ذوقيات، أو مخاطبات، أو مكاشفات، أو مشاهدات، أو نحو ذلك من الأمور الدهاشات، أو يسمون ذلك تحقيقاً، أو توحيداً، أو عرفاناً، أو حكمة حقيقية، أو فلسفة أو معارف يقينية، ونحو ذلك من الأسماء التي يسميها بها أصحابها، فنحن نعلم علماً يقينيا لا يحتمل النقيض أن تلك جهليات،

стр. 1801

وضلالات، وخيالات وشبهات مكذوبات، وحجج سوفسطائية، وأوهام فاسدة، وأن تلك الأسماء ليست مطابقة لمسماها، بل هي من جنس تسمية الأوثان آلهة وأرباباً، وتسمية مسيلمة الكذاب وأمثاله أنبياء: ﴿إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى﴾ [النجم: ٢٣] . والمقصود أنه من جوز أن يكون فيما علمه بحسه وعقله حجج صحيحة تعارض ذلك، لم يثق بشيء من علمه، ولم يبقى له طريق إلى التصديق بشيء من ذلك. فهكذا من جوز أن يكون فيما أخبر الله به ورسوله حجج صحيحة تعارض ذلك لم يثق بشيء من خبر الله ورسوله ولم يبق له طريق إلى التصديق بشيء من أخبار الله ورسوله. ولهذا كان هؤلاء المعرضين عن الكتاب، المعارضين له، سوفسطائية منتهاهم السفسطة في العقليات، والقرمطة في السمعيات، يتأولون كلام الله وكلام رسوله بتأويلات يعلم بالاضطرار أن كلام الله ورسوله لم يردها بكلام، وينتهون في أدلتهم العقلية إلى ما يعلم فساده بالحس والضرورة العقلية. ثم إن فضلاءهم يتفطنون لما بهم من ذلك فيصيرون في الشك والحيرة والارتياب، وهذا منتهى كل من عارض نصوص الكتاب.

стр. 1802

وإذا كان قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن التصديق الجازم بما أخبر به الرسول حق واجب، وطريق هؤلاء تناقضه علم بالضرورة من دين الإسلام إن طريق هؤلاء فاسدة في دين الإسلام، وهذه هي طريقة أهل الإلحاد في أسماء الله وآياته. وإذا كان ما أوجب الشك والريب ليس بدليل صحيح، وإنما الدليل ما أفاد العلم واليقين، وطريق هؤلاء لا يفيد العلم واليقين، بل يفيد الشك والحيرة، علم أنها فاسدة في العقل، كما أنها إلحاد ونفاق في الشرع. وهذا كله بين لمن تدبره، والأمر فوق ما أصفه وأبينه، وهذا الموضع لا يحتمل البسط والإطناب، ولا ريب أن موجب الشرع أن من سلك هذه السبيل فإنه بعد قيام الحجة عليه كافر بما جاء به الرسول. ولهذا كان السلف والأئمة يتكلمون في تكفير الجهمية النفاة بما لا يتكلمون به في تكفير غيرهم من أهل الأهواء والبدع، وذلك لأن الإيمان إيمان بالله وإيمان للرسول، فإن الرسول أخبر عن الله بما أخبر به عن أسماء الله وصفاته، ففي الإيمان خبر ومخبر به فالإيمان للرسول تصديق خبره، والإيمان بما أخبر به والإقرار بذلك والتصديق به. ولهذا كان من الناس من يجعل الكفر بإزاء المخبر به كجحد الخالق وصفاته، ومنهم من يجعله بإزاء الخبر، وهو تكذيب الرسول. وكلا الأمرين حق، فإن الإيمان والكفر يتعلق بهذا وبهذا، وكلام

стр. 1803

الجهمية نفاة الصفات مناقض لخبر الرسول الصادق، ونفي لما هو ثابت لله من صفات كماله. ومما يوضح الأمر في ذلك أنك لا تجد من سلك هذه السبيل وجوز على الأدلة السمعية أن يعارضها معقول صريح ينافيها إلا وعنده ريب في جنس خبر الله ورسوله، وليس لكلام الله ورسوله في قلبه من الحرمة ما يوجب تحقيق مضمون ذلك، فعلم أن هذا طريق إلحاد ونفاق، لا طريق علم وإيمان. ونحن نبين فساد طريق هؤلاء بالطرق الإيمانية والقرآنية تارة، وبالأدلة التي يمكن أن يعقلها من لا يستدل بالقرآن والإيمان. وذلك لأنا في مقام الخاطبة لمن يقر بأن ما أخبر به الرسول حق، ولكن قد يعارض ما جاء عنه عقليات يجب تقديمها عليه، وإذا كنا في مقام بيان فساد ما يعارضون به من العقليات على وجه التفصيل، فذلك- ولله الحمد- هو علينا من أيسر الأمور. ونحن-ولله الحمد- قد تبين لنا بياناً لا يحتمل النقيض، فساد الحجج المعروفة للفلاسفة والجهمية والقدرية ونحوهم، التي يعارضون بها كتاب الله، وعلمنا بالعقل الصريح فساد أعظم ما يعتمدون عليه من ذلك، وهذا- ولله الحمد - مما زادنا الله به هدى وإيمانا، فإن فساد المعارض مما يؤيد معرفة الحق ويقويه، وكل من كان أعرف بفساد الباطل كان أعرف بصحة الحق.

стр. 1804

ويروي عن عمر بن الخطاب ﵁ انه قال: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية. وهذا حال كثير ممن نشأ في عافية الإسلام وما عرف ما يعارضه ليتبين له فساده، فإن لا يكون في قلبه من تعظيم الإسلام مثل ما في قلب من عرف الضدين. ومن الكلام السائر: (الضد يظهر حسنه الضد) ، (وبضدها تتبين الأشياء) . والاعتبار والقياس نوعان: قياس الطرد وقياس العكس. فقياس الطرد اعتبار الشيء بنظيره، حتى يجعل حكمه مثل حكمه. وقياس العكس اعتبار الشيء بنقيضه، حتى يعلم أن حكمه نقيض حكمه. وقوله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ [الحشر: ٢] ، يتناول الأمرين، فيعتبر العاقل بتعذيب الله لمن كذب رسله، كما فعل ببني النضير، حتى يرغب في نقيض ذلك، ويرهب من نظير ذلك، فيستعمل قياس الطرد في الرهبة، وقياس العكس في الرغبة. ومن أمثلة قياس العكس: قياس من يحتج على أن الوتر ليس بواجب، «فإنه يفعل على الراحلة بسنة النبي ﷺ » .

стр. 1805

والواجبات لا تفعل على الراحلة، والنوافل تفعل على الراحلة، فلما كان مفعولاً على الراحلة، كان حكمه عكس حكم الفرائض، ونقيض حكم الفرائض، ومثل حكم النوافل، فيقاس بالواجبات قياس العكس، وبالنوافل قياس الطرد. وكذلك إذا قيل: دم السمك طاهر، لأنه لو كان نجساً لوجب سفحه بالتذكية، لأن الدماء النجسة يجب سفحها بالتذكية، فلما لم يجب سفحه، كان حكمه نقيض حكمها، وكان ملحقاً بالرطوبات الطاهرة التي لا تسفح. وفي الحقيقة فكل قياس يجتمع في قياس الطرد والعكس، فقياس الطرد هو الجمع والتسوية بينه وبين نظيره، وقياس العكس هو الفرق والمخالفة بينه وبين مخالفه. فالقايس المعتبر ينظر في الشيء فيلحقه بما يماثله لا بما يخالفه، ويبين له حكمه في اعتباره بهذا وهذا. والمقصود هنا أن معرفة ما يعارض الكتاب والمرسلين، كنبوة مسيلمة ونحوه من الكذابين، وأقاويل أهل الإلحاد الذين يعارضون بعقولهم وذوقهم ما جاء به الرسول، كلما ازداد العارف معرفة بها وبما جاء به الرسول، تبين له صدق ما جاء به الرسول وبيانه وبرهانه، وبطلان هذه وفسادها وكذبها، كما إذا قدر مفتيان أو قاضيان أو محدثان أحدهما يتكلم بعلم وعدل، والآخر بجهل وظلم، فإنه كلما اعتبرت أحدهما بالآخر ظهرت

стр. 1806

الحقيقة الفارقة بينهما، وكذلك الصانعان اللذان أحدهما قادر ناصح، والآخر عاجز غاش، وكذلك التاجران اللذان أحدهما صادق أمين، والآخر كاذب خؤون، وكذلك المتوليان اللذان أحدهما قوى أمين، والآخر عاجز خائن، وأمثاله ذلك. فنحن - ولله الحمد - قد تبين لنا من فساد الأقاويل المعارضة لقول الرسول ما ليس هذا المقام مقام تفصيله، فإنه يحتاج أن نتكلم في كل مسألة من مسائل الدين، ونستوفي حجج المبطلين فيها، ونتبين فسادها، وليس هذا الموضع استيفاء ذلك. وإنما المقصود بيان فساد القانون الزائغ الذي يقدمون به مذاهبهم المبتدعة على النصوص من كلام الله ورسوله، وهم قد وضعوا عبارات مجملة مشتبهة، لبسوا بها على كثير ممن عنده إيمان بالله ورسوله، من كبار أهل العلم والدين، وأولئك لم يعرفوا حقيقة ما في تلك الأقوال من الإلحاد، فقبلوها ممن ابتدعها من أهل النفاق. كما قاتل الله تعالى عن المنافقين: ﴿لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم﴾ [التوبة: ٤٧] بين سبحانه أن المنافقين لو خرجوا في غزوة ما زادوا المؤمنين إلا خبالا، ولأوضعوا - أي أسرعوا- خلالهم، أي بينهم، يطلبون لهم الفتنة، وفي المؤمنين من يقبل منهم- وهم السماعون لهم - أي يستجيبون لهم، ليس المراد من ينقل الأخبار إليهم، كما يظنه بعض الناس. بل هذا نظير قوله: ﴿سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم

стр. 1807

يأتوك﴾ [المائدة: ٤١] ، أي يسمعون الكذب فيقبلونه ويصدقونه، ويسمعون لقوم آخرين لم يأتوك فيستجيبون لهم، فبين أنهم يصدقون الكذب، ويستجيبون لمن يخالف الرسول. وأما من ظن أن المراد بقوله: ﴿سماعون لهم﴾ أنهم جواسيس لمن غاب وأخذ حكم الجاسوس من هذه الآية، فقد غلط، فإن ما كان يظهره النبي ﷺ حتى يسمعه المنافقون واليهود لم يكن مما يكتمه حتى يكون نقله جساً عليه، وإنما المراد انهم سماعون الكذب، أي يصدقون به، سماعون: أي مستجيبون لقوم آخرين مخالفين للرسول، وهذه حال كل من خرج عن الكتاب والسنة، فإن لا بد أن يصدق الكذب، فيكون من السماعين للكذب، ولا بد أي يستجيب لغير الله والرسول، فيكون سماعاً لقوم آخرين لم يتبعوا الرسول. وهؤلاء لهم نصيب من قوله تعالى: ﴿ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا﴾ [الفرقان: ٢٧-٢٩] ، وقوله: ﴿يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا * وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا * ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا﴾ [الأحزاب: ٦٦-٦٨] . فتبين أن أصل طريق من يعارض النصوص النبوية برأيه

стр. 1808

وعقله، هي طريق أهل النفاق والإلحاد وطريق أهل الجهل والارتياب، لا طريق ذي عقل ولا ذي دين. كما قال تعالى: ﴿ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير﴾ [الحج: ٨] . وقال تعالى: ﴿ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد * كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير﴾ [الحج: ٣-٤] . فإنه قد يقال: هذه حال كل من عارض آيات الله بمعقوله، فإنه لا علم عنده، إذ ذلك المعارض، وإن سماه معقولا، فإنه جهل وضلال، فليس بعلم ولا عقل ولا هدى، إذ لا إيمان عنده ليكون مهتدياً، فإن المهتدين الذين على هدى من ربهم هم مؤمنون بما جاء به الرسول، ولا كتاب منير، فإن الكتاب المنير لا يناقض كتاب الله. وهؤلاء المعارضون ليس عندهم لا علم ولا إيمان ولا قرآن فهم يجادلون في آيات الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. واسم (العلم) يتناول هذا وهذا، ولكن هو من باب عطف الخاص على العام، ولهذا ذكر تارة وحذف أخرى. وذلك أنه قد يقال: إنه سبحانه ذكر ثلاثة أصناف: صنف يجادل

стр. 1809

في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد، مكتوب عليه إضلال من تولاه. وهذه حال المتبع لمن يضله. وصنف يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله، وهذه حال المتبوع المستكبر الضال عن سبيل الله. ثم ذكر حال من يعبد الله على حرف، وهذه حال المتبع لهواه، الذي إن حصل له ما يهواه من الدنيا عبد الله، وإن أصابه ما يمتحن به في دنياه ارتد عن دينه، فهذه حال من كان مريضاً في إرادته وقصده، وهي حال أهل الشهوات والأهواء. ولهذه ذكر الله ذلك في العبادة التي أصلها القصد والإرادة، وأما الأولان: فحال الضال والمضل، وذلك مرض في العلم والمعرفة، وهي حال أهل الشبهات والنظر الفاسد والجدال بالباطل. فإنه تعالى يحب البصر الناقد عند ورود الشبهات ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات، ولا بد للعبد من معرفة الحق وقصده. كما قال: ﴿اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ [الفاتحة: ٦-٧] فمن لم يعرفه كان ضالاً، ومن علم ولم يتبعه كان مغضوباً عليه. كما أن أول الخير الهدى، ومنتهاه الرحمة والرضوان، فذكر سبحانه ما

стр. 1810

يعرض في العلم من الضلال والإضلال، وما يعرض في الإرادة من اتباع الشهوات، كما جمع بينهما في قوله: ﴿إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى﴾ [النجم: ٢٣] . فقال أولا: ﴿ومن الناس من يجادل في الله بغير علم﴾ [الحج: ٣] ، وكل من جادل في الله بغير هدى ولا كتاب منير، فقد جادل بغير علم أيضا، فنفي العلم يقتضي نفي كل ما يكون علماً بأي طريق حصل، وذلك ينفي أن يكون مجادلاً بهدىً أو كتاب منير، ولكن هذه حال الضال المتبع لمن يضله، فلم يحتج إلى تفصيل، فبين أنه يجادل بغير علم ويتبع كل شيطان مريد، كتب على ذلك الشيطان أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير. وهذه حال مقلد أئمة الضلال بين أهل الكتاب وأهل البدع، فإنهم يجادلون في الله بغير علم، ويتبعون من شياطين الجن والإنس من يضلهم. ثم ذكر حال المتبوع الذي يثنى عطفيه تكبراً كما قال: ﴿وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها﴾ [لقمان: ٧] . وقال: ﴿فلا صدق ولا صلى * ولكن كذب وتولى * ثم ذهب إلى أهله يتمطى﴾ [القيامة: ٣١ -٣٣] . وهذا النوع يجادل ليضل عن سبيل الله، وجداله بغير علم أيضا، ولكن فصل حاله، فبين أنه لا يجادل بهدىً كأيمان المؤمن، ولا بكتاب

стр. 1811

منير كالجدال بكتاب منزل من السماء، فليس معه علم من هذا الطريق ولا من غيرها. كما قال تعالى: ﴿فلا صدق ولا صلى﴾ [القيامة: ٣١] وكل من لم يصدق لم يصل. وقال تعالى: ﴿لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخائضين * وكنا نكذب بيوم الدين﴾ [المدثر: ٤٣-٤٦] . وقال تعالى: ﴿إنه كان لا يؤمن بالله العظيم * ولا يحض على طعام المسكين﴾ [الحاقة: ٣٣-٣٤] . ومثل هذا كثير، قد ينفي الشيء الذي نفيه يستلزم نفي غيره، لكن تذكر تلك اللوازم على سبيل التصريح للفرق بين دلالة اللوازم ودلالة المطابقة، كما قد ذكرنا نحو ذلك في قوله تعالى: ﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق﴾ [البقرة: ٤٢] ، وأن كل من لبس بالباطل فلا بد أن يكتم بعض الحق، وبينا أن هذا ليس من باب النهي عن المجموع المقتضي لجواز أحدهما، ولا من باب النهي عن فعلين متباينين، حتى لا يعاد فيه حرف النفي، بل هو من باب النهي عن المتلازمات. كما يقال لا تكفر وتكذب بالرسول، ولا تجادل في الله بغير علم ولا هدىً ولا كتاب منير. والمقصود أن كل من عارض كتاب الله بمعقوله أو وجده، أو ذوقه،

стр. 1812

وناظر على ذلك، فقد جادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، ليضل عن سبيل الله، فإن كتاب الله هو سبيل الله. ولهذا فسر النبي ﷺ الصراط المستقيم بكتاب الله، وفسره بالإسلام، كلاهما مأثور عن النبي ﷺ ، ففي حديث النواس بن سمعان، النبي ﷺ ، قال: «ضرب الله مثلاً صراطا مستقيما، وعلى جنبتي الصراط سوران، وفي السورين أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وداع من فوق الصراط، وداع على رأس الصراط. فالصراط المستقيم هو الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، والداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم، فإذا أراد العبد أن يفتح باباً من تلك الأبواب دعاه الداعي،: يا عبد الله لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه» رواه الإمام أحمد، والترمذي وصححه. ومن المعلوم أن من أعظم المحارم معارضة كتاب الله بما يناقضه ويقدم ذلك عليه. وفي حديث علي ﵁ الذي رواه الترمذي، وأبو نعيم من عدة

стр. 1813

طرق: قال رسول الله ﷺ : «إنها ستكون فتن. قلت فما المخرج منها يا رسول الله؟ فقال: كتاب الله: فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تختلف به الآراء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، ولا تشبع منه العلماء، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم» . وبسط الكلام على مثل هذا يطول جدا، وإنما نبهنا هنا على أصله. الوجه التاسع والعشرون أن يقال: العقل ملزوم لعلمنا بالشرع ولازم له. ومعلوم أنه إذا كان اللزوم من أحد الطرفين، لزم من وجود الملزوم وجود اللازم، ومن نفي اللازم نفي الملزوم، فكيف إذا كان التلازم من الجانبين؟

стр. 1814

فإن هذا التلازم يستلزم أربع نتائج: فيلزم من ثبوت هذا اللازم ثبوت هذا، ومن نفيه نفيه، ومن ثبوت الملازم الآخر ثبوت ذلك، ومن نفيه نفيه. وهذا هو الذي يسميه المنطقيون: الشرطي المتصل، ويقولون: استثناء عين المقدم ينتج عين التالي، واستثناء نقيض التالي ينتج نقيض المقدم، فإذا كان التلازم من الجانبين كان استثناء عين كل من المتلازمين ينتج عين الآخر، واستثناء نقيض كل منهما ينتج نقيض الآخر. وبيان ذلك ها هنا: أنه إذا كان العقل هو الأصل الذي به عرف صحة الشرع، كما قد ذكروا هم ذلك، وقد تقدم أنه ليس المراد بكونه أصلاً له أنه أصل في ثبوته في نفسه، وصدقه في ذاته، بل هو أصل في علمنا به، أي دليل لنا على صحته. فإذا كان كذلك فمن المعلوم أن الدليل يجب طرده، وهو ملزوم للمدلول عليه، فيلزم من ثبوت الدليل ثبوت المدلول عليه، ولا يجب عكسه، فلا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول عليه. وهذا كالمخلوقات فإنها آيه للخالق، فيلزم من ثبوتها ثبوت الخالق، ولا يلزم من وجود الخالق وجودها.

стр. 1815

وكذلك الآيات الدالات على نبوة النبي، وكذلك كثير من الأخبار والأقيسة الدالة على بعض الأحكام: يلزم من ثبوتها ثبوت الحكم، ولا يلزم من عدمها عدمه، إذ قد يكون الحكم معلوماً بدليل آخر، اللهم إلا أن يكون الدليل لازماً للمدلول عليه، فيلزم من عدم اللازم عدم الملزوم، وإذا كان لازماً له أمكن أن يكون مدلولاً له، إذ المتلازمان يمكن أن يستدل بكل منهما على الآخر، مثل الحكم الشرعي الذي لا يثبت إلا بدليل شرعي، فإنه يلزم من عدم دليله عدمه. وكذلك ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، إذا لم ينقل لزم من عدم نقله عدمه، ونقله دليل عليه، وإذا كان من المعقول ما هو دليل على صحة الشرع، لزم من ثبوت ذلك المعقول ثبوت الشرع، ولم يلزم من ثبوت الشرع ثبوته في نفس الأمر. لكن نحن إذا لم يكن لنا طريق إلى العلم بصحة الشرع علمنا بدليله العقلي الدال عليه، ولزم من علمنا بذلك الدليل العقلي علمنا به، فإن العلم بالدليل يستلزم العلم بالمدلول عليه. وهذا هو معنى كون النظر يفيد العلم. وهذا التلازم فيه قولان: قيل: إنه بطريق العادة التي يمكن خرقها. وقيل: بطريق اللزوم الذاتي الذي لا يمكن انفصاله، كاستلزام العلم للحياة، والصفة لموصوف ما، وكاستلزام جنس العرض لجنس الجوهر، لامتناع ثبوت صفة وعرض، بدون موصوف وجوهر. والمقصود هنا أنه إذا كان صحة الشرع لا تعلم إلا بدليل عقلي، فإنه

стр. 1816

يلزم من علمنا بصحة الشرع، علمنا بالدليل العقلي الدال عليه، ويلزم من علمنا بذلك الدليل العقلي، علمنا بصحة الشرع. وهكذا الأمر في كل ما لا يعلم إلا بالدليل، ويلزم أيضا من ثبوت ذلك الدليل المعقول في نفس الأمر ثبوت الشرع، ولا يلزم من ثبوت الشرع ثبوت ذلك الدليل. وإذا كان العلم بصحة الشرع لازماً للعلم بالمعقول الدال عليه، وملزوماً له، ولازما لثبوت ذلك المعقول في نفس الأمر، كما أن ثبوت ذلك المعقول في نفس الأمر، مستلزم لثبوت الشرع في نفس الأمر، فمن الممتنع تناقض اللازم والملزوم، فضلاً عن تعارض المتلازمين. فإن المتعارضين هما المتنافيان اللذان يلزم من ثبوت أحدهما انتفاء الآخر، كالضدين والنقيضين. والمتلازمان يلزم من ثبوت كل منهما ثبوت الآخر، ومن انتفائه انتفاؤه، فكيف يمكن أن يكون المتلازمان متعارضين متنافيين متناقضين، أو متضادين؟ ولفظ التنافي والتضاد والتناقض والتعارض ألفاظ (متقاربة) في أصل اللغة، وإن كانت تختلف فيها الاصطلاحات، فكل مضاد فهو مستلزم للتناقض اللغوي. ولهذا يسمي أهل اللغة أحد الضدين نقيض الآخر، وكل تعارض فهو

стр. 1817

مستلزم للتناقض اللغوي، لأن أحد الضدين ينقض الآخر، أي يلزم من ثبوته عدم الآخر، كما يلزم من ثبوت السواد انتفاء البياض. والنقيضان في اصطلاح كثير من أهل النظر هما اللذان لا يجتمعان ولا يرتفعان والضدان لا يجتمعان لكن قد يرتفعان. وفي اصطلاح آخرين منهم هما: النفي والإثبات فقط، كقولك، إما أن يكون، وإما أن لا يكون. ولهذا يقولون: التناقض اختلاف قضيتين بالسلب والإيجاب، على وجه يلزم من صدق إحداهما كذب الأخرى، فالتناقض في عرف أولئك أعم منه في عرف هؤلاء، فإن ما لا يجتمعان ولا يرتفعان قد يكونان ثبوتيين، وقد يكونان عدميين، وقد يكونان ثبوتاً وانتفاءً، ولو كان أحدهما وجوداً والآخر عدماً، فقد يعبر عنهما بصيغة الإثبات التي لا تدل بنفسها على التناقض الخاص، كما إذا قيل للموجود: إما أن يكون قائماً بنفسه، وإما أن يكون قائماً بغيره، وإما أن يكون واجباً بنفسه، وإما أن يكون ممكناً بنفسه، وإما أن يكون قديماً، وإما أن يكون محدثاً، ونحو ذلك. فمن المعلوم أن تقسم الموجود إلى قائم بنفسه وغيره، وواجب وممكن، وقديم ومحدث، تقسيم حاصر كتقسيم المعلوم إلى الثابت والمنفي. وهذان القسمان لا يجتمعان ولا يرتفعان كما أن الوجود والعدم لا يجتمعان ولا يرتفعان.

стр. 1818

وأما أهل اللغة فالنقيضان عندهم أعم من هذا كله، كالمتنافيين، فكل ما نفى أحدهما الآخر فقد نقضه وأزاله وأبطله، فيسمونه نقيضه. وللمتفلسفة المشائين اصطلاح آخر في المتقابلين بالسلب والإيجاب، يسمونه تقابل العدم والملكة، وهو نفي الشيء عما من شأنه أن يكون قابلاً له، كنفي السمع والبصر والكلام عن الحيوان، فإنه يسمى عمىً وصمماً وبكماً، لأن الحيوان يقبل هذا وهذا، بخلاف نفي ذلك عن الجماد كالجدار، فإنه لا يسمى في اصطلاحهم عمىً ولا صمماً ولا بكماً، لأن الجدار لا يقبل ذلك. ثم إنهم تذرعوا بذلك إلى سلب النقيضين عن الخالق تعالى، فاحتج السلف والأئمة وأهل الإثبات بأن الخالق سبحانه لو لم يوصف بالسمع والبصر والكلام، ونحو ذلك من صفات الكمال، لوجب أن يوصف بما يقابل ذلك من الصمم والعمى والبكم ونحو ذلك من صفات النقص. فقال لهم هؤلاء: العمى والبصر والبكم والكلام متقابلان تقابل العدم والملكه، وهو سلب الشيء عما من شأنه أن يكون قابلاً له كالحيوان، فأما ما لا يقبل ذلك كالجماد، فلا يوصف بعمى ولا بصر ولا كلام ولا بكم ولا سمع ولا صمم، ولا حياة ولا موت. والجواب عن هذا من وجوه:

стр. 1819

أحدها: أن يقال: هذا اصطلاح لكم، وإلا فما ليس بحي يسمى ميتا، كما قال تعالى: ﴿والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون * أموات غير أحياء﴾ [النحل: ٢٠-٢١] ، وقال تعالى: ﴿وآية لهم الأرض الميتة أحييناها﴾ [يس: ٣٣] ، وقال: ﴿اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها﴾ [الحديد: ١٧] . والثاني: أن ما لا يقبل صفات الكمال أنقص مما يقبلها ولم يتصف بها، فإن الجماد أنقص من الحيوان الأعمى والأصم والأبكم، فإذا كان اتصافه بصفات النقص، مع إمكان اتصافه بصفات الكمال، نقصاً وعيباً يجب تنزيهه عنه، فعدم قبوله لصفات الكمال أعظم نقصاً وعيباً. ولهذا كان منتهى أمر هؤلاء تشبيهه بالجمادات ثم بالمعدومات، ثم بالممتنعات. الثالث: أن نفس عدم الحياة والعلم والقدرة نقص لكل ما عدم عنه ذلك، سواء فرض قابلاً أو غير قابل، بل ما لا يقبل ذلك أنقص مما يقبله، كما أن نفس الحياة والعلم والقدرة صفات كمال. فنفس وجود هذه الصفات كمال، ونفس عدمها نقص، سواء سمي موتاً وجهلاً وعجزاً أو لم يسم، وكذلك السمع والبصر والكلام كمال، وعدم ذلك نقص. وقد بسط الكلام على ذلك في مواضع بسيطاً لا يليق بهذا الموضوع.

стр. 1820

وإذا تبين أن الدليل العقلي الذي به يعلم صحة الشرع مستلزم للعلم بصحة الشرع، ومستلزم لثبوت الشرع في نفس الأمر، وعلمنا بالشرع يستلزم العلم بالدليل العقلي الذي قيل: أنه أصل للشرع، وإن العلم بصحة الشرع موقوف عليه، وليس ثبوت الشرع في نفسه مستلزماً لثبوت ذلك الدليل العقلي في نفس الأمر - علم أن ثبوت الشرع في نفس الأمر أقوى من ثبوت دليله العقلي في نفس الأمر، وأن ثبوت الشرع علمنا أقوى من ثبوت دليله العقلي، إن قيل: إنه ممكن أن تعلم صحته بغير ذلك الدليل، إلا كان العلم بهذا والعلم بهذا متلازمين. وإذا كان كذلك، كان القدح في الشرع قدحاً في دليله العقلي الدال على صحته بخلاف العكس، فكان القدح في الشرع قدحاً في هذا العقل، وليس القدح في هذا العقل مستلزماً للقدح في الشرع مطلقاً. وأما ما سوى المعقول الدال على صحة الشرع، فكذلك لا يلزم من بطلانه بطلان الشرع، كما لا يلزم من صحته صحة الشرع. فتبين أنه ليس في المعقولات ما يجب تقديمه على الشرع لكونه أصلاً للشرع، لأن المقدم عليه إن لم يكن هو المعقول الدال عليه، فليس هو أصلاً له، فلا يجب تقديمه عليه بهذا الاعتبار، وغن كان هو المعقول الدال عليه، امتنع أن يكون صحيحاً مع بطلان الشرع، لأن صحته مستلزمة لصحة الشرع، وإلا لم يكن دليلاً عليه. وثبوت الملزوم بدون الإلزام محال، فمن قدم العقل على الشرع، فقد

стр. 1821

قدح في العقل والشرع جميعاً، وهو حال الذين قالوا: ﴿لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾ [الملك: ١٠] . وإذا قال القائل: نحن إنما قدحنا في القدر الذي خالف العقل من الشرع، لم نقدح في كل الشرع. قيل: ومن قدم الشرع إنما قدح في ذلك القدر مما يقال إنه عقل، لم يقدح في كل عقل، ولا في العقل الذي هو أصل يعلم به صحة الشرع. وإنما قلنا (مما يقال إنه عقل) لأنه ليس بمعقول صحيح، وإن سماه أصحابه معقولاً. فإن من خالف الرسل عليهم الصلاة والسلام، ليس معه لا عقل صريح ولا نقل صحيح، وإنما غايته أن يتمسك بشبهات عقلية أو نقليه، كما يتمسك المشركون والصابئون من الفلاسفة وغيرهم بشبهات عقلية فاسدة، وكما يتمسك أهل الكتاب المبدل المنسوخ بشبهات نقليه فاسدة. قال الله تعالى: ﴿والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات﴾ [الأنعام: ٣٩] ، وقال تعالى: ﴿أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا﴾ [الفرقان: ٤٤] . ولهذا كان من قدم العقل على الشرع لزمه بطلان العقل والشرع، ومن قدم الشرع لم يلزمه بطلان الشرع بل سلم له الشرع.

стр. 1822

ومعلوم أن سلامة الشرع للإنسان، خير له من أن يبطل عليه العقل والشرع جميعا. وذلك لأن القائل الذي قال: العقل أصل الشرع، بل علمت صحته، فلولا قدمنا عليه الشرع للزم القدم في أصل الشرع. يقال له: ليس المراد بكونه أصلاً له: إنه أصل في ثبوته في نفس الأمر، بل هو أصل في علمنا به، لكونه دليلاً لنا على صحة الشرع. ومعلوم أن الدليل مستلزم لصحة المدلول عليه، فإذا قدر بطلان المدلول عليه لزم بطلان الدليل، فإذا قدر عند التعارض أن يكون العقل راجحاً والشرع مرجوحاً، بحيث لا يكون خبره مطابقاً لمخبره، لزم أن يكون الشرع باطلاً، فيكون العقل الذي دل عليه باطلاً، لأن الدليل مستلزم للمدلول عليه، فإذا انتفى المدلول اللازم وجب انتفاء الدليل الملزوم قطعاً. ولهذا يمتنع أن يقوم دليل صحيح على باطل، بل حيث كان المدلول باطلاً لم يكن الدليل عليه إلا باطلا. أما إذا قدم الشرع، كان المقدم له قد ظفر بالشرع، ولو قدر مع ذلك بطلان الدليل العقلي، لكان غايته أن يكون الإنسان قد صدق بالشرع بلا دليل عقلي، وهذا مما ينتفع به الإنسان، بخلاف من لم يبق عنده لا عقل ولا شرع، فإن هذا قد خسر الدنيا والآخرة. فكيف والشرع يمتنع أن يناقض العقل المستلزم لصحته؟ وإنما يناقض شيئاً آخر ليس هو دليل صحته بل، ولا يكون صحيحا في نفس الأمر.

стр. 1823

وأيضاً فلو قدر أنه ناقض دليلاً خاصاً عقلياً يدل على صحته، فالأدلة العقلية الدالة على صحة الشرع متنوعة متعددة، فلا يلزم من بطلان واحد منها بطلان غيره، بخلاف الشرع المدلول عليه، فإن قد قدر بطلانه لزم بطلان جميع ما يدل عليه من المعقولات. وأيضاً فإن هؤلاء المعارضين للشرع بالعقل، يدعون في معقولات معينة أنه عرفوا بهذا الشرع كدعوى الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم أن الشرع إنما تعلم صحته بالدليل الدال على حدوث الأجسام، المبني على أن الأجسام مستلزمة للأعراض، والأعراض حادثة لامتناع حوادث لا أول لها. وهذا الدليل يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن العلم بصدق الرسول ليس موقوفاً عليه، لأن الذين أمنوا بالله ورسوله، وشهد لهم القرآن بالإيمان من السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، لم يستدلوا على صدق الرسول بهذا الدليل. وحينئذ فلو قدر أن هذا الدليل صحيح، لم يلزم من عدم الاستدلال به بطلان الإيمان بالرسول، بل يمكن الاستدلال على صدق الرسول بالأدلة الأخرى، كالأدلة التي استدل بها السلف وجماهير الأمة. وحينئذ فإذا قدر أن هذا المعقول المعين مناقض لخبر الرسول، لم يلزم من تقديم خبر الرسول عليه، القدح في أصل السمع الذي لا يعلم إلا به، فكيف إذا كان هذا الدليل باطلا؟ .

стр. 1824

فإنه حينئذ لا يجوز أن يعتمد عليه في إثبات شيء ولا نفيه، فثبت أنه على كل تقدير لا يجب تقديمه على الشرع. ومن زعم من أهل الكلام أنه لا طريف إلى معرفة الصانع وصدق رسوله إلا هذا، فإن من اجهل الناس شرعاً وعقلاً. أما الشرع فقد علم أن السابقين الأولين لم يستدلوا به. وأما العقل، فإن قول القائل: إنه لا دليل إلا هذا، قضية كلية سالبة، وشهادة على النفي العام، وإنه ليس لأحد من بني آدم علم يعلم به صدق الرسول إلا هذا، وهذا مما لم يقيموا عليه دليلاً، بل لا يمكن أحد العلم بهذا النفي لو كان حقاً، فكيف إذا كان باطلاً. وكذلك جميع ما يعارضون به الشرع من العقليات، فإنه لا تخلو من أمرين: إن كانت صحيحة فلم تصح الدلالة في ذلك المسلك العقلي، ولا يلزم من بطلانه بطلان دليل الشرع، إذ كان للشرع أدلة عقلية تدل عليه غير ذلك المعين العقلي، وإن كانت باطلة فهي من العقليات الباطلة، وليست أصلاً للشرع، فيجب أن يعرف معنى كون العقل أصلاً للشرع: أن المراد به أنه دليل. ونحن قد بينا أن كل ما عارض الشرع من العقليات فليس هو دليلاً صحيحا، فضلا عن أن يكون هو الدليل على صحة الشرع، ولكن قبل أن نبين ذلك نقول: معلوم انه لا ينحصر الدال على صحة الشرع

стр. 1825

وفي دليل عقلي خاص، بل غيره من الأدلة العقلية يدل على الشرع، وحينئذ فلا يلزم من بطلان ذلك الدليل العقلي بطلان أصل الشرع، فكيف إذا كان ذلك الدليل باطلا؟ . فإن قيل: نحن إذا قدمنا العقل لم يبطل الشرع، بل نفوضه أو نتأوله. قيل: إن لم يكن الشرع دال على نقيض ما سميتموه معقولاً، فليس هو محال النزاع، وإن كان الشرع دالاً فتفويضه تعطيل لدلالة الشرع، وذلك إبطال له، وإذا دل الشرع على شيء، فالأعراض عن دلالته كالأعراض عن دلالة العقل. فلو قال القائل: أنا قد علمت مراد الشارع، وأما المعقول فأفوضه لأني لم أفهم صحته ولا بطلاته، فما أنا جازم بمخالفته لما دل عليه الشرع، وقد رأيت المدعين للمعقولات مختلفين، فما أنا واثق بهذا المعقول المناقض للشرع - كان هذا أقرب من قول من يقول: إن الله ورسوله لم يبين الحق، بل تكلم بباطل يدل على الكفر، ولم يبين مراده فإن المقدم للمعقول عند التعارض لا بد أن يقول: إن الشرع يدل على خلاف العقل: إما نصاً وإما ظاهرا. وإلا فإذا لم يكن له دلالة بحال تخالف العقل امتنعت المعارضة وحينئذ فحقيقة قوله: إن الله - ورسوله- أظهر ما هو باطل وضلال
следующие страницы →