← Акыда

Акыда · id 21506

درء تعارض العقل والنقل

ابن تيمية

Полный текст (4 031 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

قدح في العقل والشرع جميعاً، وهو حال الذين قالوا: ﴿لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾ [الملك: ١٠] . وإذا قال القائل: نحن إنما قدحنا في القدر الذي خالف العقل من الشرع، لم نقدح في كل الشرع. قيل: ومن قدم الشرع إنما قدح في ذلك القدر مما يقال إنه عقل، لم يقدح في كل عقل، ولا في العقل الذي هو أصل يعلم به صحة الشرع. وإنما قلنا (مما يقال إنه عقل) لأنه ليس بمعقول صحيح، وإن سماه أصحابه معقولاً. فإن من خالف الرسل عليهم الصلاة والسلام، ليس معه لا عقل صريح ولا نقل صحيح، وإنما غايته أن يتمسك بشبهات عقلية أو نقليه، كما يتمسك المشركون والصابئون من الفلاسفة وغيرهم بشبهات عقلية فاسدة، وكما يتمسك أهل الكتاب المبدل المنسوخ بشبهات نقليه فاسدة. قال الله تعالى: ﴿والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات﴾ [الأنعام: ٣٩] ، وقال تعالى: ﴿أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا﴾ [الفرقان: ٤٤] . ولهذا كان من قدم العقل على الشرع لزمه بطلان العقل والشرع، ومن قدم الشرع لم يلزمه بطلان الشرع بل سلم له الشرع.

стр. 1822

ومعلوم أن سلامة الشرع للإنسان، خير له من أن يبطل عليه العقل والشرع جميعا. وذلك لأن القائل الذي قال: العقل أصل الشرع، بل علمت صحته، فلولا قدمنا عليه الشرع للزم القدم في أصل الشرع. يقال له: ليس المراد بكونه أصلاً له: إنه أصل في ثبوته في نفس الأمر، بل هو أصل في علمنا به، لكونه دليلاً لنا على صحة الشرع. ومعلوم أن الدليل مستلزم لصحة المدلول عليه، فإذا قدر بطلان المدلول عليه لزم بطلان الدليل، فإذا قدر عند التعارض أن يكون العقل راجحاً والشرع مرجوحاً، بحيث لا يكون خبره مطابقاً لمخبره، لزم أن يكون الشرع باطلاً، فيكون العقل الذي دل عليه باطلاً، لأن الدليل مستلزم للمدلول عليه، فإذا انتفى المدلول اللازم وجب انتفاء الدليل الملزوم قطعاً. ولهذا يمتنع أن يقوم دليل صحيح على باطل، بل حيث كان المدلول باطلاً لم يكن الدليل عليه إلا باطلا. أما إذا قدم الشرع، كان المقدم له قد ظفر بالشرع، ولو قدر مع ذلك بطلان الدليل العقلي، لكان غايته أن يكون الإنسان قد صدق بالشرع بلا دليل عقلي، وهذا مما ينتفع به الإنسان، بخلاف من لم يبق عنده لا عقل ولا شرع، فإن هذا قد خسر الدنيا والآخرة. فكيف والشرع يمتنع أن يناقض العقل المستلزم لصحته؟ وإنما يناقض شيئاً آخر ليس هو دليل صحته بل، ولا يكون صحيحا في نفس الأمر.

стр. 1823

وأيضاً فلو قدر أنه ناقض دليلاً خاصاً عقلياً يدل على صحته، فالأدلة العقلية الدالة على صحة الشرع متنوعة متعددة، فلا يلزم من بطلان واحد منها بطلان غيره، بخلاف الشرع المدلول عليه، فإن قد قدر بطلانه لزم بطلان جميع ما يدل عليه من المعقولات. وأيضاً فإن هؤلاء المعارضين للشرع بالعقل، يدعون في معقولات معينة أنه عرفوا بهذا الشرع كدعوى الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم أن الشرع إنما تعلم صحته بالدليل الدال على حدوث الأجسام، المبني على أن الأجسام مستلزمة للأعراض، والأعراض حادثة لامتناع حوادث لا أول لها. وهذا الدليل يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن العلم بصدق الرسول ليس موقوفاً عليه، لأن الذين أمنوا بالله ورسوله، وشهد لهم القرآن بالإيمان من السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، لم يستدلوا على صدق الرسول بهذا الدليل. وحينئذ فلو قدر أن هذا الدليل صحيح، لم يلزم من عدم الاستدلال به بطلان الإيمان بالرسول، بل يمكن الاستدلال على صدق الرسول بالأدلة الأخرى، كالأدلة التي استدل بها السلف وجماهير الأمة. وحينئذ فإذا قدر أن هذا المعقول المعين مناقض لخبر الرسول، لم يلزم من تقديم خبر الرسول عليه، القدح في أصل السمع الذي لا يعلم إلا به، فكيف إذا كان هذا الدليل باطلا؟ .

стр. 1824

فإنه حينئذ لا يجوز أن يعتمد عليه في إثبات شيء ولا نفيه، فثبت أنه على كل تقدير لا يجب تقديمه على الشرع. ومن زعم من أهل الكلام أنه لا طريف إلى معرفة الصانع وصدق رسوله إلا هذا، فإن من اجهل الناس شرعاً وعقلاً. أما الشرع فقد علم أن السابقين الأولين لم يستدلوا به. وأما العقل، فإن قول القائل: إنه لا دليل إلا هذا، قضية كلية سالبة، وشهادة على النفي العام، وإنه ليس لأحد من بني آدم علم يعلم به صدق الرسول إلا هذا، وهذا مما لم يقيموا عليه دليلاً، بل لا يمكن أحد العلم بهذا النفي لو كان حقاً، فكيف إذا كان باطلاً. وكذلك جميع ما يعارضون به الشرع من العقليات، فإنه لا تخلو من أمرين: إن كانت صحيحة فلم تصح الدلالة في ذلك المسلك العقلي، ولا يلزم من بطلانه بطلان دليل الشرع، إذ كان للشرع أدلة عقلية تدل عليه غير ذلك المعين العقلي، وإن كانت باطلة فهي من العقليات الباطلة، وليست أصلاً للشرع، فيجب أن يعرف معنى كون العقل أصلاً للشرع: أن المراد به أنه دليل. ونحن قد بينا أن كل ما عارض الشرع من العقليات فليس هو دليلاً صحيحا، فضلا عن أن يكون هو الدليل على صحة الشرع، ولكن قبل أن نبين ذلك نقول: معلوم انه لا ينحصر الدال على صحة الشرع

стр. 1825

وفي دليل عقلي خاص، بل غيره من الأدلة العقلية يدل على الشرع، وحينئذ فلا يلزم من بطلان ذلك الدليل العقلي بطلان أصل الشرع، فكيف إذا كان ذلك الدليل باطلا؟ . فإن قيل: نحن إذا قدمنا العقل لم يبطل الشرع، بل نفوضه أو نتأوله. قيل: إن لم يكن الشرع دال على نقيض ما سميتموه معقولاً، فليس هو محال النزاع، وإن كان الشرع دالاً فتفويضه تعطيل لدلالة الشرع، وذلك إبطال له، وإذا دل الشرع على شيء، فالأعراض عن دلالته كالأعراض عن دلالة العقل. فلو قال القائل: أنا قد علمت مراد الشارع، وأما المعقول فأفوضه لأني لم أفهم صحته ولا بطلاته، فما أنا جازم بمخالفته لما دل عليه الشرع، وقد رأيت المدعين للمعقولات مختلفين، فما أنا واثق بهذا المعقول المناقض للشرع - كان هذا أقرب من قول من يقول: إن الله ورسوله لم يبين الحق، بل تكلم بباطل يدل على الكفر، ولم يبين مراده فإن المقدم للمعقول عند التعارض لا بد أن يقول: إن الشرع يدل على خلاف العقل: إما نصاً وإما ظاهرا. وإلا فإذا لم يكن له دلالة بحال تخالف العقل امتنعت المعارضة وحينئذ فحقيقة قوله: إن الله - ورسوله- أظهر ما هو باطل وضلال

стр. 1826

وكفر ومحال، ولم يبين الحق ولا هدى الخلق، وإنما الخلق عرفوا الحق بعقولهم. والمقدم للشرع يقول: إن الله - ورسوله- بين المراد، وهدى العباد، وأظهر سبيل الرشاد، ولكن هؤلاء المخالفون له ضلوا وأضلوا، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد﴾ [البقرة: ١٧٦] ، فأنا أطعن فيما خالفوا به الرسول، ونبذوا به كتاب الله وراء ظهورهم، وخالفوا به الكتاب والسنة والإجماع، لا اطعن في العقليات الصحيحة الصريحة، الدالة على أن الرسول صادق بلغ البلاغ المبين، فإن هذه المعقولات يمتنع معها أن يكون الرسول هو الرسول الذي وصفوه. فهذا القائل قد صدق بالمعقول الصريح والمنقول الصحيح وصدق بموجب الأدلة العقلية والنقلية. وأما ذاك القائل فإنه لم يتقبل بموجب الدليل العقلي الدال على صدق الرسول وتبليغه وبيانه وهداه للخلق، ولا قام بموجب الدليل الشرعي الذي دل عليه ما دل عليه نصاً أو ظاهراً، بل طعن في دلالة الشرع وفي دلالة العقل، الذي يدل على صحة الشرع. فتبين أن ذلك المقدم للشرع هو المتبع للشرع وللعقل الصحيح دون هذا الذي ليس معه لا سمع ولا عقل. ومما يوضح هذا: أن ما به عرف صدق الرسول ﷺ فيما يبلغه عن الله تعالى، وأنه لا يكون فيه كذب ولا خطأ يدل على

стр. 1827

ثبوت ذلك كله، لا يميز بين خبر وخبر، بل الدليل الدال على صدقه يقتضي ثبوت جميع ما أخبر به. وإذا كان ذلك الدليل عقلياً، فهذا الدليل العقلي يمنع ثبوت بعض أخباره دون بعض، فمن أقر ببعض ما أخبر به الرسول دون بعض، فقد أبطل الدليل العقلي الدال على صدق الرسول وقد أبطل الشرع، فلم يبق معه لا عقل ولا شرع. وهذا الحال من آمن ببعض الكتاب دون بعض. قال تعالى: ﴿إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا * أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا﴾ [النساء: ١٥٠-١٥١] . ولا ريب من أن قدم على كلام الله ورسوله وما يعارضه من معقول أو غيره، وترك ما يلزمه من الإيمان به، كما آمن بما يناقضه، فقد آمن ببعض وكفر ببعض. وهذا حقيقة حال أهل البدع، كما في كتاب الرد على الزنادقة والجهمية، لأحمد بن حنبل وغيره من وصفهم بأنهم: (مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب) . وقوله: (مختلفون في الكتاب) يتضمن الاختلاف المذموم

стр. 1828

المذكور في قوله تعالى: ﴿إن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد﴾ [البقرة ١٧٦] . وأما الاختلاف في قوله تعالى: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد﴾ [البقرة: ٢٥٣] ، فهذا الاختلاف يحمد فيه المؤمنون ويذم فيه الكافرون. وأما الاختلاف في الكتاب الذي يذم فيه المختلفون كلهم، فمثل أن يؤمن هؤلاء ببعض دون بعض، وهؤلاء ببعض دون بعض، كاختلاف اليهود والنصارى، كاختلاف الثنتين وسبعين فرقة. وهذا هو الاختلاف المذكور في قوله تعالى: ﴿ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك﴾ [هود: ١١٨-١١٩] ، وفي قوله تعالى: ﴿ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء﴾ [المائدة: ١٤] ، فأغرى بينهم العداوة والبغض، بسبب ما تركوه من الإيمان بما أنزل عليهم.

стр. 1829

وهذا هو الوصف الثاني فيما تقدم من قول أحمد: (مخالفون للكتاب) فإن كلاً منهم يخالف الكتاب. وأما قوله بأنهم (متفقون على مخالفة الكتاب) فهذا إشارة إلى تقديم غير الكتاب على الكتاب، كتقديم معقولهم وأذواقهم وآرائهم ونحو ذلك على الكتاب، فإن هذا اتفاق منهم على مخالفة الكتاب. ومتى تركوا الإعتصام بالكتاب والسنة فلا بد أن يختلفوا، فإن الناس لا يفصل بينهم إلا كتاب منزل من السماء، كما قال تعالى: ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾ [البقرة: ٢١٣] . وكما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ [النساء: ٥٩] . وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون * واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها﴾ [آل عمران: ١٠٢، ١٠٣] .

стр. 1830

ومن العجائب أنك تجد أكثر الغلاة في عصمة الرسول ﷺ أبعد الطوائف عن تصديق خبره وطاعة أمره، ذلك مثل الرافضة والجهمية ونحوهم، ممن يغلون في عصمتهم، وهم مع ذلك يردون أخباره، وقد اجتمع كل من آمن بالرسول على أنه معصوم فيما يبلغه عن الله، فلا يستقر في خبره خطأ، كما لا يكون فيه كذب، فإن وجود هذا وهذا في خبره يناقض مقصود الرسالة، ويناقض الدليل الدال على أنه رسول. وأما ما لا يتعلق بالتبليغ عن الله من أفعاله، فللناس في العصمة منه نزاع وتفصيل، ليس هذا موضعه، ومتنازعون في أن العصمة من ذلك: هل تعلم بالعقل أو السمع؟ بخلاف العصمة في التبليغ، فإنه متفق عليه، معلوم بالسمع والعقل، ومقصود التبليغ تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر، فمن كان من أصله أن الدلالة السمعية لا تفيد اليقين، أو أنه يقدم رأيه وذوقه على خبر الرسول، لم ينتفع بإثبات عصمته المتفق عليها، فضلا عن موارد النزاع من العصمة، بل هم، معظمون للرسول في غير مقصود الرسالة، وأما مقصود الرسالة فلم يأخذوه عنه، وصاروا في ذلك كالنصارى مع المسيح ﵇ الذي أرسل إليهم، فلم يتلقوا عنه الدين الذي بعث به، بل غلوا فيه غلواً صاروا مشركين به لا مؤمنين به. وكذلك الغالية في الأنبياء وأهل البيت والمشايخ، تجدهم مشركين بهم، لا متبعين لهم في خبرهم وأمرهم، فخرجوا عن حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.

стр. 1831

وهؤلاء يعزلون الأنبياء والرسل في أنفسهم عن الولاية التي ولاهم الله إياها باتفاق المسلمين، ويعتقدون أنه ولاهم ولاية لو كانت حقاً لم ينفعهم ذلك، فكيف إذا كانوا كاذبين مشركين؟ ولهذا تجد فيهم من تحريف نصوص الأنبياء التي أخبروا بها عن الله وملائكته وكتبه ورسله ما يناقض مقصود أخبارهم. الوجه الثلاثون أن هذا الذي ذكرناه يفيد أن الشرع لا يمكن أن يخالفه العقل الدال على صحته، بل هما متلازمان في الصحة، وهذا القدر لا يمكن مؤمن بالله ورسوله أن ينازع فيه، بل لا ينازع مؤمن بالله ورسوله أن العقل لا يناقض في نفس الأمر، لكن الذي تقوله الجهمية والقدرية وغيرهم من أهل البدع أن تصديق الرسول ﷺ مبنى على الأدلة النافية للصفات والقدر، كما يقولونه من أن صدق الرسول موقوف على قيام المعجزة الدالة على صدقه، وقيام المعجزة موقوف على أن الله لا يؤيد الكذاب بالمعجزة، وذلك موقوف على أن فعل الله قبيح، والله لا يفعل القبيح، وتنزيهه من فعل القبيح موقوف على أنه غني عنه العالم بقبحه، والغني عن القبيح العالم بقبحه لا يفعله،

стр. 1832

وغناه عنه موقوف على أنه ليس بجسم، وكونه ليس بجسم موقوف على نفي صفاته وأفعاله، لأن الموصوف بالصفات والأفعال جسم، ونفي ذلك موقوف على ما دل عليه حدوث الجسم، فلو بطل الدال على حدوث الجسم بطل ما دل على صدق الرسول. وأيضا فالدال على حدوث الجسم هو الدال على حدوث العالم وإثبات الصانع تعالى، فإذا بطل ذلك بطل الدليل الدال على إثبات الصانع، فصار العلم بإثبات الصانع وتصديق الرسول موقوفاً على نفي الصفات والأفعال، فإذا جاء في الشرع ما يدل على إثبات الصفات والأفعال، لم يمكن القول بموجبه، لأن ذلك ينافي دليل الصدق، بل يعلم من حيث الجملة أن الرسول لم يرد به إثبات الصفات والأفعال، إما لكذب الناقل عنه أو لعدم دلالة اللفظ عن الإثبات، أو لعدم قصده الإثبات. ثم إما أن نقدر احتمالات يمكن حمل اللفظ عليها وإن لم يعين المراد، وإما أن نعرض عن هذا ونقول: لا نعلم المراد. فهذا أصل قولهم، ومن وافقهم في نفي بعض الصفات أو الأفعال قال بما يناسب مطلوبه من هذا الكلام فحقيقة قولهم إنه لا يمكن التصديق بكل ما في الشرع، بل لا يمكن تصديق البعض إلا بعدم تصديق البعض الآخر. وحينئذ فدليلهم العقلي ليس دالاً على صدق الرسول إلا على هذا الوجه، فلا يمكنهم قبول ما يناقضه من نصوص الكتاب والسنة.

стр. 1833

وحينئذ فيقال لهم: لا نسلم أن مثل هذا هو الأصل الذي به علم صدق الرسول ﷺ ، بل هذا معارضة لقول الرسول بما لا يدل على صدقه، فبطل قول من يقول: إنا إذا قدمنا الشرع كان ذلك طعنا في أصله. وهذه المقدمات التي ذكروها عامتها ممنوعه ويتبين فسادها بما هو مبسوط في موضع أخر. وإذا قال أحدهم: نحن لا نعلم صدق الرسول إلا بهذا، أو لا نعلم دليلا يدل على صدق الرسول إلا هذا. قيل: لا نسلم صحة هذا النفي، وعدم العلم ليس علماً بالمعدوم، وأنتم مكذبون لبعض ما جاء به الشرع، وتدعون أنه لا دليل على صدق الرسول سوى طريقكم، فقد جمعتم بين تكذيب ببعض الشرع، وبين نفي لا دليل عليه، فخالفتم الشرع بغير حجة عقلية أصلا. وإذا قال أحدهم: فما الدليل على صدق الرسول غير هذا؟ . قيل: في هذا المقام لا يجب بيانه، وإن كنا نبينه في موضع آخر، بل يكفينا رد المنع، ونحن نعلن بالاضطرار أن سلف الأمة وأئمتها كانوا مصدقين للرسول بدون هذا الطريق. يوضح هذا أن المعارضين الذين يقولون بتقديم العقل على الشرع، قد اعترف حذاقهم بما يبين أن الشرع ليس مبنياً على معقول يعارض شيئاً منه، وبيان ذلك في:

стр. 1834

الوجه الواحد والثلاثون وهو أن نقول: قد ذكر أبو عبد الله الرازي في أجل كتبه نهاية المعقول ما ذكره غيره من أهل الكلام، فقال الرازي: (المطالب على ثلاثة أقسام: منها ما يستحيل العلم بها بواسطة السمع، ومنها ما يستحيل العلم بها إلا من السمع، ومنها ما يصح حصول العلم بها من السمع تارة ومن العقل أخرى. أما القسم الأول: فكل ما يتوقف العلم بصحة السمع على العلم بصحته استحال تصحيحه بالسمع، مثل العلم بوجود الصانع، وكونه مختاراً وعالماً بكل المعلومات وصدق الرسول.

стр. 1835

أما العلم بحدوث العالم فذلك ما لا يتوقف العلم بصحة السمع على العلم بصحته، لأنه يمكننا أن نثبت الصانع المختار بواسطة حدوث الأعراض، أو بواسطة إمكان الأعراض، على ما سيأتي تفصيل القول فيه، ثم نثبت كونه عاما بكل المعلومات ومرسلاً للرسل، ثم نثبت بأخبار الرسول حدوث العالم) . قال: (وبهذا يتبين خطأ قول من زعم أن أول الواجبات القصد إلى النظر الصحيح المفضى إلى العلم بحدوث العالم) . قلت: هذا القول الذي خطأه الرازي هو الذي ذكره أبو المعالي في أول الإرشاد كما ذكره طوائف من أهل الكلام: المعتزلة وغيرهم، وهو قول من وافقه على هذا من المنتسبين إلى الأشعري، وقالوا: إن العلم بحدوث العالم لا يمكن إلا بالعلم بحدوث الأجسام، ولا يمكن ذلك إلا بحدوث الأعراض، وليس هذا قول الأشعري وأئمة أصحابه، فإن

стр. 1836

إثبات الصانع عندهم لا يتوقف على هذه الطريق، بل قد صرح الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر هو وغيره، بأن هذا الطريق ليس هو طريق الأنبياء وأتباع الأنبياء، بل هي محرمة في دينهم، ولكن الأشعري لا يبطل هذه الطريق، بل يقول: هي مذمومة في الشرع، وإن كانت صحيحة في العقل، وسلك هو طريق مختصرة من هذا، وهو إثبات حدوث الإنسان بأنه مستلزم للحوادث، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، ووافقهم على أن المعلوم حدوثه هو الأعراض: كالاجتماع والافتراق، وأن ما يخلق من الحيوان والنبات والمعادن إنما تحدث أعراضه لا جواهره. وكذلك الخطابي وطائفة معه، ممن يذم هذه الطريقة الكلامية التي ذمها الأشعري، يوافقون على صحتها مع ذمهم لها. وأما جمهور الأئمة والعقلاء، فهي عندهم باطلة، وهذا مما يعلم معناه كل من له نظر واستدلال، إذا تأمل حال سلف الأمة وأئمتها وجمهورها، فإنهم كلهم مؤمنون بالله ورسوله، ولم يكونوا يبنون الإيمان على إثبات حدوث الأجسام، بل كل من له أدنى علم بأحوال الرسول وأصحابه، يعلم انهم له يجعلوا العلم بتصديقه مبنيا على القول بحدوث الأجسام، بل ليس في الكتاب ولا السنة، ولا قول أحد من السلف والأئمة، ذكر القول بحدوث الأجسام ولا إمكانها، فضلاً عن أن يكون فيها أن الإيمان بالله ورسوله لا يحصل إلا بذلك، وقد بسط الكلام على هذا في مواضع. والمقصود هنا أن القول بأن أول الواجبات هو سلوك النظر في

стр. 1837

هذه الطريقة- هو في الأصل قول الجهمية والمعتزلة، وإن وافقهم عليه طائفة غيرهم. وهذه طريقة المعتزلة: كأبي علي، وأبي هاشم، وأبي الحسين البصيري، وأمثالهم. وهم متنازعون في أن أول الواجبات النظر المفضى إلى العلم بحدوث العالم، أو القصد إلى النظر، أو الشك السابق على القصد، على ثلاثة أقوال لهم معروفة. وقد اعترف الجمهور الذين خالفوا هؤلاء بأن إثبات الصانع لا يتوقف على هذه الطريق، بل ولا حدوث العالم. وقد ذكر الرازي أن الطرق التي بها يثبت العلم بالصانع خمس طرق: الأول: الاستدلال بحدوث الذوات، كالاستدلال بحدوث الأجسام، المبني على حدوث الأعراض، كالحركة والسكون وامتناع ما لا نهاية له. وهذا طريق أكثر المعتزلة، ومن وافقهم من الأشعرية كأبي المعالي وأمثاله. الثاني: الاستدلال بإمكان الأجسام، وهذه عمدة الفلاسفة، وهو مبني على أن الأجسام ممكنة لكونها مركبة.

стр. 1838

قلت: وهذا مبني على توحيد ابن سينا ومن وافقه من الفلاسفة، المتضمن نفي الصفات. وجماهير العقلاء من المسلمين واليهود والنصارى، والفلاسفة القدماء والمتأخرين، يقدحون في موجب هذا الدليل. وليس هو طريق أرسطو وقدماء الفلاسفة، ولا طريقة ابن رشد وأمثاله من المتأخرين. بل هذا المسلك عند جمهور العالم من أعظم الأقوال فساداً في الشرع والعقل. وأما المسلك الأول فهو أيضاً عند جمهور أهل الملل وجمهور الفلاسفة باطل مخالف للشرع والعقل. والمسلك الثالث: الاستدلال بإمكان الصفات على وجود الصانع سواء كانت الأجسام واجبة أو قديمة أو ممكنة وحادثه، وهو مبني على تماثل الأجسام، وهو باطل عند أكثر العقلاء، وهو مبني على مقدمتين: إحداهما: أن اختصاص كل جسم بما له من الصفات لا يكون إلا لسبب منفصل. والثانية: أن ذلك السبب لا يكون إلا مخصصا ليس بجسم. قلت: وهاتان المقدمتان قد عرف نزاع العقلاء فيها، وما يرد عليهما من النقض والفساد، ومخالفة أكثر الناس لموجبهما.

стр. 1839

قال: (المسلك الرابع: الاستدلال بحدوث الصفات، والأعراض عن وجود الصانع، كصيرورة النطفة إنسانا، فهذا حادث، والعبد غير قادر عليه، فلا بد له من فاعل آخر لافتقار المحدث إلى المحدث: إما لأن ذلك معلوم بالضرورة، كما يقول جمهور لعقلاء، وإما لإثبات ذلك بالإمكان، وما لإثباته بالقياس على ما يحدثه العباد) . قال: (والفرق بين الاستدلال بإمكان الصفات وبين الاستدلال بحدوثها أن الأول يقتضي أن لا يكون الفاعل جسماً، والثاني لا يقتضي ذلك) . قال: (والطريق الخامسة: وهي عائدة إلى الأربعة: الاستدلال بما في العالم من الإحكام والإتقان على علم الفاعل، والذي يدل على علمه هو بالدلالة على ذاته أولى) . قلت: طريقة الاستدلال بما يشاهد حدوثه جاء بها القرآن، واتفق عليه السلف والأئمة، وقد اعترفوا بأن هذه الطريق تفضي إلى العلم

стр. 1840

بإثبات الفاعل، ولا تقتضي كون الفاعل ليس بجسم، وكذلك طريقة العلم لا تقتضي ذلك، بخلاف الطرق الثلاثة المتقدمة. وإذا تبين ذلك فيقول القائل: إذا علمنا بإثبات الصانع بهذه الطريق التي اعترفتم بأنه يمكن العلم بإثبات الصانع وصدق رسله بها، وليس فيها ما يقتضي أن الفاعل ليس بجسم، لم يكن في الأدلة الشرعية المثبتة لصفات الله تعالى وأفعاله ما يناقض هذه الطريق، لأن غاية ما يقوله النفاة أن إثبات الأفعال والصفات، أو بعض ذلك، يقتضي كون الموصوف الفاعل جسماً، وإثبات الصانع مبني على الدليل النافي لكونه جسماً، فلو قلنا بموجب النصوص تقديماً لها على الدليل العقلي النافي للجسم، لكنا قد قدمنا الشرع على أصله العقلي. فإذا كان قد تبين أن إثبات الشرع المبني على إثبات الصانع وصدق الرسول لا يتوقف على نفي الجسم، علم بالضرورة أن الشرع المثبت للصفات والأفعال لا ينافي الدليل العقلي الذي به عرف إثبات ذلك، فبطل قول من يدعي أنه قد يتعارض الدليل الشرعي المثبت لذلك وأصله العقلي النافي لذلك، وهذا بين واضح ولله الحمد. اعتراض: إن عارضت الدليل العقلي الذي يعرف صحة الشرع فإن قالوا: هب أن هذا الدليل العقلي الذي به يعرف صحة الشرع لا يعارضه الدليل الشرعي المثبت للصفات والأفعال، لكن غيره من الأدلة العقلية ينافي ذلك- كان الجواب عنه من وجوه:

стр. 1841

الجواب عنه من وجوه: الوجه الأول أن المقصود بيان أن الشرع يمكن معرفة صدقه بدليل عقلي لا يعارض موجب الشرع، وأما ما سوى ذلك من الأدلة فليس على الرجل أن يستدل بها، والشيء إذا علمت صحته بدليل عقلي لم يجب أن تعلم صحته بكل دليل، فقد تبين أنه يمكن الرجل أن يصدق بما أخبر به الشارع من أسماء الله وصفاته وأفعاله، كإثبات العلو لله، والصفات الخبرية، من غير أن يعارض ذلك ما يكون أصلاً للعلم بصحة السمع من الأدلة العقلية، فتكون المعارضة بتلك الطريق التي يقال إنها عقلية معارضة بطرق لا يتوقف العلم بصحة السمع عليها، فلا يلزم من تقديم الشرع عليها القدح في الأصل الذي به عرفت صحة الشرع، وهذا هو المطلوب. الوجه الثاني أن يقال: تلك الطرق التي لم تدل على صحة الشرع مطلقاً، وإنما دلت على صدق الشارع فيما يخبر عنه من غير الصفات والأفعال التي تنفيها تلك الطرق، وحينئذ فلا تكون دالةً على صدق الرسول مطلقا. ومعلوم أن دليل الإيمان لا بد أن يدل على أن الرسول صادق في كل ما يخبر به مطلقاً من غير تقييد بقيد، فمتى كان الدليل إنما دل على صدقه بشرط أن لا يعارضه موجب ذلك الدليل، صار مضمونه أن الرسول مصدق فيما لا يخالفني فيه، وليس مصدقاً فيما يخالفني فيه. ومعلوم أن هذا ليس إقراراً بصحة الرسالة، فإن الرسول لا يجوز عليه أن يخالف شيئا من الحق ولا يخبر بما تخيله العقول وتنفيه،

стр. 1842

ولكن يخبر بما تعجز العقول عن معرفته فيخبر بمحارات العقول لا بمحالات العقول. ولهذا قال الإمام أحمد في رسالته في السنة التي رواها عبدوس ابن مالك العطار قال: ليس في السنة قياس، ولا يضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول. هذا قوله وقول سائر أئمة المسلمين، فإنهم متفقون على أن ما جاء به الرسول ﷺ لا تدركه كل الناس بعقولهم، ولو أدركوه بعقولهم لاستغنوا عن الرسول، ولا يجوز أن يعارض بالأمثال المضروبة له، فلا يجوز أن يعارضه الناس بعقولهم، ولا يدركونه بعقولهم، فمن قال للرسول: أنا أصدقك إذا لم تخالف عقلي، أو أنت صادق فيما لم تخالف فيه الدليل العقلي، فإن كان يجوز على الرسول أن يخالف دليلاً عقلياً صحيحاً لم يكن مؤمناً به وإن قدم على كلامه دليلاً عقلياً ليس

стр. 1843

بصحيح لم يكن مؤمناً به، فامتنع أن يصح الإيمان بالرسول ﷺ مع هذا الشرط. الوجه الثالث أن تلك الطرق إذا أمكن العلم بصدق الرسول بدونها، لم يكن العلم بالشرع محتاجاً إليها، وحينئذ فإذا عارضت الشرع كان المعارض له دليلاً أجنبياً، كما لو عارضه من كذبه واحتج على أنه كاذب. ولا ريب أن هذا من باب المعارضة للرسول فيما جاء به. كمعارضة المكذبين للرسل، وحينئذ فيكون جوابه بما يجاب به أمثاله من الكفار الملحدين الطاعنين فيما جاء به الرسول أو في بعضه، لا يكون جوابه ما يجاب به المؤمنون بالرسول الذي يقرون أنه لا يقول على الله إلا الحق. الوجه الرابع أنا لا نسلم صحة شيء من تلك الطرق، حتى تكون دليلا يصلح أن يعارض به شيء من الأدلة: لا العلمية ولا الظنية ولا العقلية ولا غيرها، فضلا عن أن يعارض بها كلام المعصوم الذي لا يقول إلا حقاً، وبيان فساد تلك الوجوه العقلية النافية للصفات والأفعال، أو بعض ذلك، مذكور بتفصيله في غير هذا الموضع. الوجه الخامس أن يقال: لا ريب أن النصوص دلت على إثبات الصفات والأفعال لله تعالى، ولم تتعرض للجسم بنفي ولا إثبات، والنفاة إنما ينفون ما ينفونه بناءً على أن الإثبات يستلزم كون الموصوف جسماً، والعقل ينفي أن يكون جسما، وأدلتهم على نفي الجسم إما دليل الإمكان، وإما دليل الحدوث، فليس لهم ما يخرج عن هذا.

стр. 1844

وحينئذ فيقال: إما أن يقال: وهذا إثبات ما أثبته الدليل الشرعي من الصفات والأفعال، موجب لكون الموصوف بذلك ممكناً وحادثاً، وأن استلزم ذلك للحدوث أو الإمكان معلوم بالأدلة العقلية كما يقول النفاة - وإما أن لا يقال ذلك. فإن لم يقل ذاك، أو قيل: ليس في الأدلة العقلية ما يدل على ذلك، لم يكن معارضاً. وإن قيل: بل ذلك يدل في العقل على أن الموصوف ممكن أو حادث، فحينئذ إما أن نفسد ذلك الدليل المعارض على وجه التفصيل، وإما أن يقال: قد علم بالعقل صدق الرسول، وعلم أنه أثبت هذه الصفات والأفعال، فالنافي لها لا يجوز أن يكون دليلاً صحيحا، لأن تعارض الأدلة الصحيحة ممتنع، وحينئذ فكل من كان أعلم بدلالة الشرع على الإثبات وبضعف أدلة النفاة كان أعلم بهذا الكلام، فيكون العلم بفساد هذه المعارضات، تارة بطريق إجمالي، وتارة بطريق تفصيلي، كما يعلم فساد الحجج السوفسطائية، فإن من علم الشيء علماً يقينياً علم قطعاً فساد ما يناقضه، وإن لم يعلم تفصيل فساد تلك الحجج، فمن علم صدق الرسول وأنه أخبر بأمر، علم قطعاً أنه لا يقوم دليل قطعي على نفيه. الوجه السادس أن هؤلاء الذين يرون تقديم عقولهم على كلام الله ورسوله، عادتهم يذكرون ذلك في مسائل العلو والصفات الخبرية ونحو ذلك مما جاء به الكتاب والسنة.

стр. 1845

وهؤلاء يقولون: علمنا بأن الرسول أخبر بالعلو وبهذه الصفات علم ضروري من دينه، أبلغ من علمنا بثبوت اللعان والشفعة وحد القذف وسجود التلاوة والسهو ونحو ذلك. وإذا كان ذلك معلوماً بالاضطرار من دين الإسلام، لم يكن أن يقال: إن الرسول لم يخبر به، بل لا يمكن إلا أحد أمرين: إما تكذيب الرسول، وإما رد هذه المعارضات المبتدعة. قالوا وعلمنا بصدق الرسول علم يقيني لا ريب يتخلله، فالشبه القادحة في ذلك كالشبه القادحة في العلوم العقلية اليقينية، وهذه من جنس شبه السوفسطائية، فنحن نعلم فسادها من حيث الجملة من غير خوض في التفصيل. ولا ريب أن هذا الأصل مستقر في قلب كل مؤمن بالله ورسوله، فإن أهل الإلحاد قد يذكرون له شبهات ويقدحون بها فيما جاء به الرسول في مواضع كثيرة، وقد لا يكون للمؤمن خبرة بالمناظرة في ذلك، لعدم العلم بعباراتهم ومقاصدهم في كلامهم، كمن يتكلم بلفظ (الجسم) ، (والجوهر) ، (والحيز) ، (الهيولى) ، (المادة) ، (والصورة) ، (الكلي) ، (والجزئي) ، (الماهية) ، ونحو ذلك عند من ليس له خبره بهذه الأوضاع والاصطلاحات، ويؤلفها تأليفا يتضمن القدح فيما أخبر الله به ورسوله، فإن المؤمن يعلم فساد ذلك مجملاً، وإن لم يعرف وجه فسادها، لا سيما إذا لم يكن خبيراً بطرق

стр. 1846

المناظرة وترتيب الأدلة، وكيف يفسد المتعارض بالممانعة في موضعها، ولمعارضة في موضعها، ونحو ذلك ما يبين به فساد الأقوال الباطلة المعارضة للحق. وقول هؤلاء لنفاة الصفات نظير قول كل من آمن باليوم الآخر للملاحدة النفاة، إذا قالوا: قد قام الدليل العقلي على نفي المعاد مطلقا، أو نفي الأكل والشرب والنكاح ونحو ذلك في الجنة، أو على نفي معاد البدن، والنصوص المعارضة لذلك إما أن تأول وأما أن تفوض، فإن المؤمنين بالآخرة من أهل الكلام وغيرهم قالوا لهم: نحن نعلم ثبوت المعاد بالاضطرار من دين الإسلام، فلا يمكن دفع العلوم الضرورية، فلو لم يكن المعاد حقاً لزم: إما جحد كون الرسول أخبر به، وإما جحد صدقه فيما أخبر، وكلاهما ممتنع، وإلا فمن علم أن الرسول أخبر به، وعلم أنه لا يخبر إلا بحق- علم بالضرورة أن المعاد حق. وهنا بعينه يقوله مثبتو الصفات والأفعال للنفاة حذو القذة بالقذة، فإن هؤلاء النفاة للصفات المثبتين للمعاد هم بين المؤمنين بالجميع كالسلف والأئمة، وبين الملاحدة المنكرين للصفات والمعاد، فالملاحدة تقول لهم: قولنا في نفي المعاد كقولكم في نفي الصفات، فلا يستل بالشرع على هذا ولا على هذا لمعارضة العقل له، والمؤمنون بالله ورسوله يقولون لهم: قولنا لكم في الصفات كقولكم للملاحدة في المعاد.

стр. 1847

فإذا قلتم للملاحدة: إثبات المعاد معلوم بالاضطرار من دين الرسول. قلنا لكم: وإثبات الصفات والعلو والأفعال معلوم بالاضطرار من دين الرسول. وقد تقدم من كلام الملاحدة، كابن سينا ونحوه، ما يبين ذلك، وكل من تدبر كلام السلف والأئمة في هذا الباب، علم أن الجهمية النفاة للصفات كانوا عند السلف والأئمة من جملة الملاحدة الزنادقة. ولهذا لما صنف الإمام أحمد ما صنفه في ذلك سماه الرد على الزنادقة والجهمية وكذلك ترجم البخاري آخر كتاب الصحيح بكتاب التوحيد والرد على الزنادقة والجهمية. وقال عبد الله بن المبارك: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية. وقال يوسف بن أسباط، وابن المبارك: أصول البدع أربعة: الشيعة والخوارج والمرجئة والقدرية. قيل: والجهمية فقالا: ليست الجهمية من أمة محمد. ونقل مثل ذلك عن الزهري أنه قال: ليس الجعدي من أمة محمد ﷺ . كلام الدارمي في كتاب الرد على الجهمية وقال عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب الرد على الجهمية:

стр. 1848

(ما الجهمية عندنا من أهل القبلة، بل هؤلاء الجهمية أفحش زندقة، وأظهر كفراً، وأقبح تأويلاً لكتاب الله ورد صفاته، من الزنادقة الذين قتلهم علي وحرقهم بالنار) . قال: (والزنادقة والجهمية أمرهما واحد، ويرجعان إلى معنى واحد، ومراد واحد، وليس قوم أشبه بقوم منهم بعضهم ببعض) . قال: (ولو كان جهم وأصحابه في زمن الرسول ﷺ وكبار التابعين لقتلوهم، كما قتل علي الزنادقة التي ظهرت في عصره، ولقتلوا كما قتل أهل الردة. ألا ترى أن الجعد بن درهم أظهر بعض رأيه في زمن خالد بن عبد الله القسري، فزعم أن الله لم يكلم موسى تكليما، ولم يتخذ إبراهيم خليلا فذبحه خالد بواسط

стр. 1849

يوم عيد الأضحى على رؤوس من حضره من المسلمين لم يعبه به عائب، ولم يطعن عليه طاعن، بل استحسنوا ذلك من فعله وصوبوه. وكذلك لو ظهر هؤلاء في زمن أصحاب الرسول ﷺ ما كان سبيلهم عند القوم إلا القتل كسبيل أهل الردة، وكما قتل علي من ظهر منهم في عصره وأحرقه، وظهر بعضهم بالمدينة في عهد سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، فأشار على وإلى المدينة يومئذ بقتله) . قال: (ويكفي العاقل من الحجج في إكفارهم ما تأولنا فيه من كتاب الله، وروينا فيه عن علي وابن عباس، وما فسرنا من واضح كفرهم، وفاحش مذهبهم، وسنروي عن بعض من ظهر ذلك بين أظهرهم من العلماء. ثنا محمد بن المعتمر السجستاني، كان من أوثق أهل

стр. 1850

سجستان وأصدقهم، عن زهير بن نعيم البابي، أنه سمع سلام بن أبي مطيع يقول: الجهمية كفار. وسمعت محمد بن المعتمر يقول: سمعت زهير بن نعيم يقول: سئل حماد بن زيد - وأنا معه في سوق البصرة - عن بشر المريسي فقال: ذلك كافر. قال عثمان بن سعيد: وبلغني عن يزيد بن هارون أنه قال: الجهمية كفار، وقال: حرضت أهل بغداد غير مرة على قتل المريسي. ثنا يحيى الحماني: ثنا الحسن بن الربيع: سمعت ابن المبارك يقول: من زعم أن قوله: ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا﴾ [طه: ١٤] مخلوق فهو كافر. سمعت محبوب بن موسى الأنطاكي، يذكر أنه سمع وكيعا يكفر الجهمية. قال: وحدث عن سفيان الثوري، عن حماد بن أبي سليمان أنه أكفر من زعم أن القرآن مخلوق، وسمعت الربيع بن نافع أبا توبة يكفر الجهمية.

стр. 1851

وحدثنا الزهراني أبو الربيع قال: كان من هؤلاء الجهمية رجل، وكان الذي يظهر من حاله الترفض وانتحال حب علي بن أبي طالب ﵁، فقال رجل ممن خالطه ويعرف مذهبه: قد علمت أنكم لا ترجعون إلى دين الإسلام ولا تعتقدونه فما الذي حملكم على الترفض وانتحال حب علي؟ قال: إذاً أصدقك. إنا إن ظهرنا رأينا الذي نعتقده رميناه بالكفر والزندقة، وقد وجدنا أقواماً ينتحلون حب علي ويظهرونه، ثم يقعون بمن شاءوا ويعتقدون ما شاءوا فيقولون ما شاءوا، فنسبوا بذاك إلى الترفض والتشيع، فلم نر لمذهبنا أمراً ألطف من انتحال حب هذا الرجل، ثم نقول ما شئنا، ونعتقد ما شئنا، ونقع بمن شئنا، فلأن يقال: إنا رافضه وشيعة أحب إلينا من أن يقال: زنادقة وكفار، وما علي عندنا بأحسن حالاً من غيره ممن نقع بهم. قال أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي: وصدق هذا الرجل فيما

стр. 1852

عبر عن نفسه ولم يراوغ، وقد استبان لي ذلك في بعض كبرائهم ونظرائهم أنهم يستترون بالتشيع: يجعلونه تسبيبا لكلامهم وخطائهم، وسلما وذريعة لاصطياد الضعفاء وأهل الغفلة، ثم يبذرون بين ظهراني خطئهم بذر كفرهم وزندقتهم، ليكون أنجع في قلوب الجهال وأبلغ فيهم، ولئن كان أهل الجهل في شك من أمرهم، إن أهل العلم منهم على يقين) . تعليق ابن تيمية قلت: قد قال عبد الرحمن بن مهدي وغيره من أئمة السنة: هما صنفان فاحذروهما: الجهمية والرافضة. وهذا الذي حكاه عثمان بن سعيد عن هذا الرجل هو لسان حال أئمة الجهمية المتشيعة، كالقرامطة الباطنية، من الإسماعيلية والنصيرية ونحوهم، وهم رؤوس الملاحدة وأئمتهم، وقد دخل كثير من إلحادهم على كثير من الشيعة والمتكلمين، من المعتزلة، والنجارية، والضرارية، والأشعرية، والكرامية، ومن أهل التصوف والفقه والحديث والتفسير والعامة. لكن عامة هؤلاء لا يعتقدون الزندقة، بل يقرون بنبوة الرسول صلى الله

стр. 1853

عليه وسلم، لكن دخل فيهم نوع من الإلحاد، وشعبة من شعب النفاق والزندقة أضعف إيمانهم، وحصل في قلوبهم نوع شك وشبهة في كثير مما جاء به الرسول، مع تصديقهم للرسول. وتجدهم في هذا الباب في حيرة واضطراب، وشك وارتياب، لم يحققوا ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون﴾ [الحجرات: ١٥] ، ولكن ليس كل من دخل عليه شعبة من شعب النفاق والزندقة، فقبلها جهلاً أو ظلماً، يكون كافر منافق في الباطن، بل قد يكون معه من الإيمان بالله ورسوله ما يجزيه الله عليه، ولا يظلم ربك أحداً. تابع كلام الدارمي قال: أبو سعيد عثمان بن سعيد: (والزندقة أكبر في نفوس أهل العلم من الارتداد، ومن كفر اليهود والنصارى ولذلك قال ابن المبارك: لأن أحكي كلام اليهود والنصارى أحب ألي من أن أحكي كلام الجهمية. حدثناه الحسن بن الصباح البغدادي، عن علي بن شقيق، عن ابن المبارك قال أبو سعيد: وصدق ابن المبارك إن في كلامهم ما هو أوحش من كلام اليهود والنصارى) .

стр. 1854

(وقال أبو سعيد: وذهبت يوما أحكي ليحيى بن يحيى كلام الجهمية، لأستخرج منه نقضاً عليهم، وفي مجلسه يومئذ الحسين بن عيسى البسطامي، وأحمد بن حريش القاضي، ومحمد بن رافع، وأبو قدامه السرخسي- فيما أحسب - وغيرهم من المشايخ، فزبرني بغضب وقال، اسكت، وأنكر علي المشايخ الذين في مجلسه، استعظاماً أن أحكي كلام الجهمية، وتشنيعاً عليهم، فكيف بمن يحكى كلامهم ديانة! ثم قال يحيى: القرآن كلام الله، فمن شك فيه أو زعم انه مخلوق فهو كافر) . تعليق ابن تيمية قلت: وكلام السلف والأئمة في تكفير الجهمية، وبيان أن قولهم يتضمن التعطيل والإلحاد كثير ليس هذا موضع بسطه. وقد سئل عبد الله ابن المبارك ويوسف بن أسباط فأجابا بما تقدم. وقد تبين أن الجهمية عندهم من نوع الملاحدة الذين يعلم بالاضطرار أن قولهم مخالف لما جاءت به الرسل، بل إنكار صفات الله أعظم إلحاداً في دين الرسل من إنكار معاد الأبدان، فإن إثبات الصفات لله أخبرت به الرسل أعظم مما أخبرت بمعاد الأبدان.

стр. 1855

ولهذا كانت التوراة مملوءة من إثبات صفات الله، وأما ذكر المعاد فليس هو فيها كذلك، حتى قد قيل: إنه ليس فيها ذكر المعاد. والقرآن فيه من ذكر أسماء الله وصفاته وأفعاله أكثر مما فيه من ذكر الأكل والشرب والنكاح في الجنة، والآيات المتضمنة لذكر أسماء الله وصفاته، أعظم قدراً من آيات المعاد، فأعظم آية في القرآن آية الكرسي المتضمنة لذلك. كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم «عن النبي ﷺ أنه قال: لأبي بن كعب: أتدري أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ [البقرة: ٢٥٥] ، فضرب بيده في صدره، وقال ليهنك العلم أبا المنذر» . وأفضل سورة سورة أم القرآن، كما ثبت ذلك في «حديث أبي سعيد بن المعلى في الصحيح، قال له النبي ﷺ إنه لم ينزل في التوراة ولا الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها،

стр. 1856

وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» وفيها من ذكر أسماء الله وصفاته أعظم مما فيها من ذكر المعاد. وقد ثبت في الصحيح عنه ﷺ من غير وجه أن «: ﴿قل هو الله أحد﴾ تعدل ثلثي القرآن» .

стр. 1857

وثبت في الصحيح «أنه بشر الذي كان يقرأها ويقول: إني لأحبها لأنها صفة الرحمن: بأن الله يحبه» فبين أن الله يحب من يحب ذكر صفاته ، وهذا باب واسع. الوجه السابع أن يبين أن الفطرة التي فطر الله عليها عباده، والعلوم الضرورية التي جعلها في قلوبهم، توافق ما أخبر به الرسول من علو الله على خلقه ونحو ذلك، فالمعقول الضروري الذي هو أصل العلوم النظرية، موافق للأدلة الشرعية مصدق لها، لا مناقض معارض لها. الوجه الثامن أن يقال: الإرادات والقصود الضرورية التي تضطر العباد عندما يضطرون إلى أن يطلبوا من الله قضاء الحاجات وتفريج الكربات، موافقة لما أخبر به الرسول، لا معارضة لذلك. الوجه التاسع أن يقال: الأدلة العقلية البرهانية المؤلفة من المقدمات اليقينية، هي موافقة لخبر الرسول لا معارضة له، ومن كان له خبرة بالأدلة العقلية وتأليفها، وتأمل أدلة المثبتة والنفاة، رأى بينهما من الفرق أعظم مما بين القدم والفرق، فإن أدلة الإثبات أدلة صحيحة، مبنية على مقدمات يقينية خالصة من الشبهة، وأما حجج

стр. 1858

النفاة فجميعها مبناها على ألفاظ مجملة متشابهة، ومعان متشابهة. ولهذا متى وقع الاستفسار والتفصيل لمجمل كلامهم، ووقع البيان والتفصيل لمشتبه معانيهم، تبين لكل عاقل فاهم أن النفاة جمعوا بين المختلفات، وفرقوا بين المتماثلات، وسووا بين الشيئين اللذين هما في غاية التباين، لاشتراكهما في بعض الصفات. ولهذا كان مآل أمرهم إلى أن جعلوا الوجود واحداً، فجعلوا وجود الخالق رب العالمين- الذي لا يماثله شيء من الموجودات بوجه من الوجوه، ومباينته لكل موجود أعظم من مباينة كل موجود لكل موجود - هو وجود أحقر المخلوقات وأصغر المخلوقات، أو مماثلا له لاتفاقهما في مسمى الوجود أو مسمى الذات أو الحقيقة، وصار أئمتهم النظار في هذه المسألة التي هي أول ما ينبغي لذي النظر أن يعرفه في حيرة عظيمة، فهذا يقول: الوجود واحد لاشتراك الموجودات في مسمى الوجود، ولا يميز بين الواحد بالعين، والواحد بالنوع أو الجنس اللغوي. وهذا يقول: وجوده وجود مطلق: إما بشرط الاطلاق، وإما مطلقاً لا بشرط، وإما بشرط سلب جميع الأمور الثبوتية عنه، وهذا يمتنع ثبوته عنه، وهذا يمتنع ثبوته في الموجودات، وإنما يكون مثل هذا فيما تقدره الأذهان، لا فيما يوجد في الأعيان. وغاية من يجعل ذلك ثابتاً في الخارج، أن يجعل وجود الخالق هو وجود المخلوقات، أو جزءاً منها، فيجعل افتقاره إلى المخلوقات كافتقار المخلوقات إليه، كما يقول من يفرق بين الوجود والثبوت.

стр. 1859

وهذا يقول لفظ (الوجود) و (الذات) وغيرهما، مقول عليه وعلى الموجودات بالاشتراك اللفظي المجرد كاشتراك (المشتري) و (سهيل) فتخرج الأسماء العامة الكلية كاسم (الوجود) و (الذات) و (النفس) و (الحقيقة) و (الحي) و (العالم) و (القادر) ونحو ذلك من مسمياتها، وتسلبه العقول ما جعله الله فيها من المعاني والقضايا العامة الكلية، وهذه خاصة العقل التي تميز بها عن الحس، إلى أمثال هذه المقولات التي هي عند من فهمها وعرف حقيقة قول أصحابها، ضحكة للعاقل من وجه، وأعجوبة له من وجه، ومسخطة له من وجه. ومثل هذه المعقولات لو تصرف بها في تجارة أو صناعة من الصناعات لأفسدت التجارة والصناعة، فكيف يتصرف بها في الأمور الإلهية وفي صفات رب البرية، ثم يعارض بها كلام الله الذي بعث به رسله وأنزل بها كتبه؟ . فمن تبحر في المعقولات، وميز بين البينات والشبهات، تبين له أن العقل الصريح أعظم الأشياء موافقة لما جاء به الرسول، وكلما عظمت بمعرفة الرجل بذلك، عظمت موافقة الرسول. ولكن دخلت الشبهة في ذلك بأن قوماً كان لهم ذكاء تميزوا به في أنواع العلوم: إما طبيعية كالحساب والطب، وإما شرعية كالفقه مثلا. وأما الأمور الإلهية فلم يكن لهم بها خبرة كخبرتهم بذلك، وهي أعظم المطالب، وأجل المقاصد، فخاضوا فيها بحسب أحوالهم، وقالوا

стр. 1860

فيها مقالات بعبارات طويلة مشتبهة، لعل كثيراً من أئمة المتكلمين بها لا يحصلون حقائق تلك الكلمات، ولو طالبتهم بتحقيقها لم يكن عندهم إلا الرجوع إلى تقليد أسلافهم. وهذا موجود في منطق اليونان وإلهياتهم، وكلام أهل الكلام من هذه الأمة وغيرهم، يتكلم رأس الطائفة كأرسطو مثلا بكلام، وأمثاله من اليونان بكلام، وأبي الهذيل والنظام وأمثالهما من متكلمة أهل الإسلام بكلام، ويبقى ذلك الكلام دائراً في الأتباع، يدرسونه كما يدرس المؤمنون كلام الله، وأكثر من يتكلم به لا يفهمه. وكلما كانت العبارة أبعد عن الفهم كانوا لها أشد تعظيماً، وهذا حال الأمم الضالة، كلما كان الشيء مجهولاً كانوا أشد له تعظيما، كما يعظم الرافضة المنتظر، الذي ليس لهم منه حس ولا خبر ولا وقعوا له على عين ولا أثر. وكذلك تعظيم الجهال من المتصوفة ونحوهم للغوث وخاتم الأولياء، ونحو ذلك مما لا يعرفون له حقيقة.
следующие страницы →