← Акыда

Акыда · id 21506

درء تعارض العقل والنقل

ابن تيمية

Полный текст (4 031 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» وفيها من ذكر أسماء الله وصفاته أعظم مما فيها من ذكر المعاد. وقد ثبت في الصحيح عنه ﷺ من غير وجه أن «: ﴿قل هو الله أحد﴾ تعدل ثلثي القرآن» .

стр. 1857

وثبت في الصحيح «أنه بشر الذي كان يقرأها ويقول: إني لأحبها لأنها صفة الرحمن: بأن الله يحبه» فبين أن الله يحب من يحب ذكر صفاته ، وهذا باب واسع. الوجه السابع أن يبين أن الفطرة التي فطر الله عليها عباده، والعلوم الضرورية التي جعلها في قلوبهم، توافق ما أخبر به الرسول من علو الله على خلقه ونحو ذلك، فالمعقول الضروري الذي هو أصل العلوم النظرية، موافق للأدلة الشرعية مصدق لها، لا مناقض معارض لها. الوجه الثامن أن يقال: الإرادات والقصود الضرورية التي تضطر العباد عندما يضطرون إلى أن يطلبوا من الله قضاء الحاجات وتفريج الكربات، موافقة لما أخبر به الرسول، لا معارضة لذلك. الوجه التاسع أن يقال: الأدلة العقلية البرهانية المؤلفة من المقدمات اليقينية، هي موافقة لخبر الرسول لا معارضة له، ومن كان له خبرة بالأدلة العقلية وتأليفها، وتأمل أدلة المثبتة والنفاة، رأى بينهما من الفرق أعظم مما بين القدم والفرق، فإن أدلة الإثبات أدلة صحيحة، مبنية على مقدمات يقينية خالصة من الشبهة، وأما حجج

стр. 1858

النفاة فجميعها مبناها على ألفاظ مجملة متشابهة، ومعان متشابهة. ولهذا متى وقع الاستفسار والتفصيل لمجمل كلامهم، ووقع البيان والتفصيل لمشتبه معانيهم، تبين لكل عاقل فاهم أن النفاة جمعوا بين المختلفات، وفرقوا بين المتماثلات، وسووا بين الشيئين اللذين هما في غاية التباين، لاشتراكهما في بعض الصفات. ولهذا كان مآل أمرهم إلى أن جعلوا الوجود واحداً، فجعلوا وجود الخالق رب العالمين- الذي لا يماثله شيء من الموجودات بوجه من الوجوه، ومباينته لكل موجود أعظم من مباينة كل موجود لكل موجود - هو وجود أحقر المخلوقات وأصغر المخلوقات، أو مماثلا له لاتفاقهما في مسمى الوجود أو مسمى الذات أو الحقيقة، وصار أئمتهم النظار في هذه المسألة التي هي أول ما ينبغي لذي النظر أن يعرفه في حيرة عظيمة، فهذا يقول: الوجود واحد لاشتراك الموجودات في مسمى الوجود، ولا يميز بين الواحد بالعين، والواحد بالنوع أو الجنس اللغوي. وهذا يقول: وجوده وجود مطلق: إما بشرط الاطلاق، وإما مطلقاً لا بشرط، وإما بشرط سلب جميع الأمور الثبوتية عنه، وهذا يمتنع ثبوته عنه، وهذا يمتنع ثبوته في الموجودات، وإنما يكون مثل هذا فيما تقدره الأذهان، لا فيما يوجد في الأعيان. وغاية من يجعل ذلك ثابتاً في الخارج، أن يجعل وجود الخالق هو وجود المخلوقات، أو جزءاً منها، فيجعل افتقاره إلى المخلوقات كافتقار المخلوقات إليه، كما يقول من يفرق بين الوجود والثبوت.

стр. 1859

وهذا يقول لفظ (الوجود) و (الذات) وغيرهما، مقول عليه وعلى الموجودات بالاشتراك اللفظي المجرد كاشتراك (المشتري) و (سهيل) فتخرج الأسماء العامة الكلية كاسم (الوجود) و (الذات) و (النفس) و (الحقيقة) و (الحي) و (العالم) و (القادر) ونحو ذلك من مسمياتها، وتسلبه العقول ما جعله الله فيها من المعاني والقضايا العامة الكلية، وهذه خاصة العقل التي تميز بها عن الحس، إلى أمثال هذه المقولات التي هي عند من فهمها وعرف حقيقة قول أصحابها، ضحكة للعاقل من وجه، وأعجوبة له من وجه، ومسخطة له من وجه. ومثل هذه المعقولات لو تصرف بها في تجارة أو صناعة من الصناعات لأفسدت التجارة والصناعة، فكيف يتصرف بها في الأمور الإلهية وفي صفات رب البرية، ثم يعارض بها كلام الله الذي بعث به رسله وأنزل بها كتبه؟ . فمن تبحر في المعقولات، وميز بين البينات والشبهات، تبين له أن العقل الصريح أعظم الأشياء موافقة لما جاء به الرسول، وكلما عظمت بمعرفة الرجل بذلك، عظمت موافقة الرسول. ولكن دخلت الشبهة في ذلك بأن قوماً كان لهم ذكاء تميزوا به في أنواع العلوم: إما طبيعية كالحساب والطب، وإما شرعية كالفقه مثلا. وأما الأمور الإلهية فلم يكن لهم بها خبرة كخبرتهم بذلك، وهي أعظم المطالب، وأجل المقاصد، فخاضوا فيها بحسب أحوالهم، وقالوا

стр. 1860

فيها مقالات بعبارات طويلة مشتبهة، لعل كثيراً من أئمة المتكلمين بها لا يحصلون حقائق تلك الكلمات، ولو طالبتهم بتحقيقها لم يكن عندهم إلا الرجوع إلى تقليد أسلافهم. وهذا موجود في منطق اليونان وإلهياتهم، وكلام أهل الكلام من هذه الأمة وغيرهم، يتكلم رأس الطائفة كأرسطو مثلا بكلام، وأمثاله من اليونان بكلام، وأبي الهذيل والنظام وأمثالهما من متكلمة أهل الإسلام بكلام، ويبقى ذلك الكلام دائراً في الأتباع، يدرسونه كما يدرس المؤمنون كلام الله، وأكثر من يتكلم به لا يفهمه. وكلما كانت العبارة أبعد عن الفهم كانوا لها أشد تعظيماً، وهذا حال الأمم الضالة، كلما كان الشيء مجهولاً كانوا أشد له تعظيما، كما يعظم الرافضة المنتظر، الذي ليس لهم منه حس ولا خبر ولا وقعوا له على عين ولا أثر. وكذلك تعظيم الجهال من المتصوفة ونحوهم للغوث وخاتم الأولياء، ونحو ذلك مما لا يعرفون له حقيقة.

стр. 1861

وكذلك النصارى تعظم ما هو من هذا الباب وهكذا الفلاسفة تجد أحدهم إذا سمع أئمته يقولون: الصفات الذاتية والعرضية والمقوم والمقسم والمادة والهيولى، والتركيب من الكم والكيف، وأنواع ذلك من العبارات، عظمها قبل أن يتصور معانيها، ثم إذا طلب معرفتها لم يكن عنه في كثير منها إلا التقليد لهم. ولهذا كان فيها من الكلام الباطل المقرون بالحق ما شاء الله، ويسمونها عقليات، وإنما هي عندهم تقليديات، قلدوا فيها ناساً يعلمون أنهم ليسوا معصومين، إذا بين لأحدهم فسادها لم يكن عنده ما يدفع ذلك، بل ينفي تعظيمه المطلق لرؤوس تلك المقالة، ثم يعارض ما تبين لعقله فيقول: كيف يظن بأرسطو وابن سينا وأبي الهذيل، أو أبي علي الجبائي ونحو هؤلاء أن يخفي عليه مثل هذا؟ أو أن يقول مثل هذا؟ . وهو مع هذا يرى أن الذين قلدوا المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى: ﴿إن هو إلا وحي يوحى﴾ [النجم: ٤] ، قد بخسوا أنفسهم حظها من العقل والمعرفة والتمييز، ورضوا بقبول قول لا يعلمون

стр. 1862

حقيقته، وهو مع هذا يقبل أقوالاً لا يعلم حقيقتها، وقائلين يعلم أنهم يخطئون ويصيبون. وهذا القدر قد تبينته من الطوائف المخالفين للكتاب والسنة-ولو في أدنى شيء ممن رأيت كتبهم، وممن خاطبتهم، وممن بلغني أخبارهم -إذا أقيمت على أحدهم الحجة العقلية التي يجب على طريقته قبولها، ولم يجد له ما يدفعها به، فر إلى التقليد، ولجأ إلى قول شيوخه، وقد كان في أول الأمر يدعوا إلى النظر والمناظرة والاعتصام بالعقليات، والإعراض عن الشرعيات. ثم إنه في آخر الأمر لا حصل له علم من الشرعيات ولا من العقليات، بل هو كما قال الله تعالى: ﴿ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد﴾ [الحج: ٣] . وكما قال تعالى: ﴿ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير﴾ [الحج: ٨] . وكما قال تعالى: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون﴾ [الأنعام: ١١٠] . وكما قال: ﴿أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا﴾ [الفرقان: ٤٤] . وكما قال تعالى: ﴿ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني

стр. 1863

اتخذت مع الرسول سبيلا * يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا﴾ [الفرقان: ٢٧-٢٩] . وكما قال: ﴿يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا * وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا * ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا﴾ [الأحزاب: ٦٦-٦٨] . وهذه النصوص فيها نصيب لكل من اتبع أحداً من الرؤوس فيما يخالف الكتاب والسنة، سواء كانوا من رؤوس أهل النظر والكلام والمعقول والفلسفة، أو رؤوس أهل الفقه والكلام في الأحكام الشرعية، أو من رؤوس أهل العبادة والزهادة والتأله والتصوف، أو من رؤوس أهل الملك والإمارة والحكم والولاية والقضاء. ولست تجد أحداً من هؤلاء إلا متناقضاً، وهو نفسه يخالف قول ذلك المتبوع الذي عظمه في موضع آخر، إذ لا يصلح أمر دنياه ودينه، بموافقة ذلك المتبوع، لتناقض أوامره. بخلاف ما جاء من عند الله، فإنه متفق مؤتلف، فيه صلاح أحوال العباد، في المعاش والمعاد. قال تعالى: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ [النساء: ٨٢] ، وهذه الجمل مبسوطة في مواضع غير هذا.

стр. 1864

والمقصود هنا أن ننبه المسلم على أن العقل الصريح كلما أمعن في تحقيقه لا يكون إلا موافقاً للشرع الذي جاءت به الرسل، حتى تتبين لك صحة ما جاء به بالأدلة العقلية، التي لا يحتاج فيها إلى خبر مخبر ولو كان معصوماً، لكن تتعاضد الأدلة السمعية والعقلية، الخبرية والنظرية. كما قال تعالى: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد﴾ [فصلت: ٥٣] . ولكن الناس متفاوتون في هذا بحسب ما يؤتيهم الله من العقل والمعرفة، والنظر والاستدلال والتمييز، فكل من كان أكمل في معرفة الصواب من هذا، كان أكمل في معرفة الموافقة والمطابقة. وهذا أمر يخبر به من خبره، فقد يكون الرجل قبل أن يستيقن ما جاءت به السنة عنده شبهة ووهم، لظنه أنه قد عارضها ما يعارضها به المعارض: إما من عقلياته، وإما من ذوقياته، وإما من سياساته، فإذا هداه الله وأرشده تبين له في آخر الأمر أن ما وافق الشرع هو المعقول الصريح، وهو الذوق الصحيح، وهو السياسة الكاملة، وأن ما خالف ذلك هو من أمور أهل الجهل والظلم. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل: ﴿ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾ [يونس: ٢٥] . الوجه العاشر أنه ما من قول موافق للسنة إلا وتجد العقلاء الذين يقرون به أكثر وأعظم من العقلاء الذين ينكرونه، بل تجد الموافقين له

стр. 1865

من العقلاء قد اتفقوا على ذلك بغير مواطأة من بعضهم البعض، وذلك يبين أنه موجب العقل الصريح، بخلاف الأقوال المخالفة، فإنك لا تجد من يقولها من طوائف العقلاء، إلا من تواطأ على تلك المقالة التي تلقاها بعضهم عن بعض، وما تواطأ عليه الناس يجوز فيه الغلط والكذب ما لا يجوز فيما اتفق عليه العقلاء، من غير مواطأة ولا تشاعر، والله أعلم. الوجه الثاني والثلاثون أن يقال القول بتقديم غير النصوص النبوية عليها، من عقل أو كشف أو غير ذلك، يوجب أن لا يستدل بكلام الله ورسوله على شيء من المسائل العلمية، ولا يصدق بشيء من أخبار الرسول لكون الرسول أخبر به، ولا يستفاد من أخبار الله. ورسوله هدىً ولا معرفة بشيء من الحقائق، بل ذلك مستلزم لعدم الإيمان بالله ورسوله، وذلك متضمن للكفر والنفاق والزندقة والإلحاد، وهو معلوم الفساد بالضرورة من دين الإسلام، كما أنه في نفسه قول فاسد متناقض في صريح العقل. وهذا لازم لكل من سلك هذه الطريق، كما يجد ذلك أو اعتبره، وذلك لأنه إذا جوز أن يكون ما أخبر الله به ورسوله، وبلغه الرسول ﷺ إلى أمته من القرآن والحديث، وما فيه من ذكر صفات الله تعالى، وصفات ملائكته وعرشه، والجنة والنار والأنبياء وأممهم، وغير ذلك مما قصه الله في كتابه، أو أمر به من التوحيد

стр. 1866

والعبادات والأخلاق، ونهى عنه من الشرك والظلم والفواحش وغير ذلك، إذا جوز المجوز أن يكون في الأدلة العقلية القطعية، التي يجب اتباعها وتقديمها عليه عند التعارض، ما يناقض مدلول ذلك ومفهومه ومقتضاه، لم يمكنه أن يعرف ثبوت شيء مما أخبر به الرسول، إن لم يعلم انتفاء المعارض المذكور، وهو لا يمكنه العلم بانتفاء هذا المعارض إن لم يعلم بدليل آخر عقلي ثبوت ما أخبر به الرسول، وإلا فإذا لم يعلم بدليل عقلي ثبوته، وليس معه ما يدل على ثبوته إلا أخبار الله ورسوله- وهذا عنده مما يجوز أن يعارضه عقلي تقدم عليه- فلا طريق له إلى العلم بانتفاء المعارضات العقلية، إلا أن يحيط علماً بكل ما يخطر ببال بني آدم، مما يظن انه دليل عقلي. وهذا أمر لا ينضبط، وليس له حد، فإنه لا يزال يخطر لبني آدم من الخواطر، ويقع لهم من الآراء والاعتقادات، ما يظنونه دلائل عقلية، وهذه تتولد مع بني آدم كما يتولد الوسواس وحديث النفس، فإذا جوز أن يكون فيها ما هو قاطع عقلي معارض للنصوص مستحق للتقديم عليها، لم يمكنه الجزم بانتفاء هذا المعارض أبداً، فلا يمكنه الجزم بشيء مما أخبر به الرسول - بمجرد إخباره- أبداً، فلا يؤمن بشيء مما أخبر به الرسول، لكون الرسول أخبر به أبداً، ولا يستفيد من خبر الله ورسوله علماً ولا هدىً، بل ولا يؤمن بشيء من الغيب الذي أخبر به الرسول إذا لم يعلم ثبوته بعقله أبداً. وحقيقة هذا سلب الإيمان برسالة الرسول وعدم تصديقه. ثم إن لم يقم عنده المعارض المقدم بقي لا مصدقاً بما جاء به الرسول ولا مكذباً به

стр. 1867

وهذا كفر باتفاق أهل الملل، وبالاضطرار من دين الإسلام. وإن قام عنده المعارض المقدم كان مكذباً للرسول، فهذا في الكفر الذي هو جهل مركب، وذلك في الكفر الذي هو جهل بسيط. ويتناول كلاً منهما قوله تعالى: ﴿ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا * وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا * وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا﴾ [الفرقان: ٢٧ ٣١] . وقال تعالى: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون * ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون﴾ [الأنعام: ١١٢-١١٣] وأمثال ذلك. ولهذا كان الأصل الفاسد مستلزماً للزندقة والإلحاد في آيات الله وأسمائه، فمن طرده أداه إلى الكفر والنفاق والإلحاد، ومن لم يطرده تناقض وفارق المعقول الصريح، وظهر ما في قوله من التناقض والفساد. ومن هذا الباب دخلت الملاحدة والقرامطة الباطنية على كل فرقة من

стр. 1868

الطوائف الذين وافقوهم على بعض هذا الأصل، حتى صار من استجاب لهم إلى بعضه دعوه إلى الباقي إن أمكنت الدعوة، وإلا رضوا منه بما أدخلوه فيه من الإلحاد، فإن هذا الأصل متناقض معارض لدين جميع الرسل صلوات الله عليهم وسلامه. وقد رأيت كتاباً لبعض أئمة الباطنية سماه الأقاليد الملكوتية سلك فيه هذا السبيل، وصار يناظر كل فريق بنحو من هذا الدليل، فإنهم وافقوه على تأويل السمعيات، ووافقوه على نفي ما يسمى تشبيهاً بوجه من الوجوه فصار من أثبت شيئاً من الأسماء والصفات، كاسم (الموجود) و (الحي) و (العليم) و (القدير) ونحو ذلك يقول له: هذا فيه تشبيه، لأن الحي ينقسم إلى: قديم ومحدث، والموجود ينقسم: إلى قديم ومحدث، ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام، فيلزم التركيب وهو التجسيم ويلزم التشبيه، فإنه إذا كان هذا موجوداً وهذا موجوداً اشتبها واشتركا في مسمى الوجود، وهذا تشبيه، وإذا كان أحد الموجودين واجباً بنفسه، صار مشاركاً لغيره في مسمى الوجود ومتميزاً عنه بالوجوب، وما به الامتياز غير ما به الاشترك، فيكون الواجب بنفسه مركباً مما به الاشتراك وما به الامتياز، والمركب محدث أو ممكن لأنه مفتقر إلى جزئه، وجزؤه غيره، والمفتقر إلا غيره لا يكون واجباً بنفسه، فساق من سلم له الأصول الفاسدة إلى نفي الوجود الواجب الذي يعلم ثبوته بضرورة عقل كل عاقل، فأورد على

стр. 1869

نفسه أنك إذا قلت: ليس بموجود ولا حي ولا ميت كان هذا تشبيهاً بالمعدوم أيضاً، فقال: لا أقول لا هذا ولا هذا، فأورد على نفسه أنك قد قررت في المنطق أنه إذا اختلفت قضيتان بالسلب والإيجاب، لزم من صدق إحداهما كذب الأخرى، فإن صدق أنه موجود، كذب أنه ليس بموجود، وإن صدق أنه ليس بموجود، كذب أنه موجود، ولا بد لك بذلك من إحداهما، فأجاب بأني لا أقول لا هذا ولا هذا، فلا أقول: موجود ولا ليس بموجود، ولا معدوم ولا ليس بمعدوم. فهذا منتهى كلام الملاحدة، وقد حكوا مثل هذا عن الحلاج، وأشباهه من أهل الحلول والاتحاد، وأنهم لا يثبتونه ولا ينفونه، ولا يحبونه ولا يبغضونه. فيقال لهذا الضال: كما أن الجمع بين النقيضين ممتنع، فرفع النقيضين أيضاً ممتنع، فإذا امتنع أن يكون موجوداً ليس بموجود، امتنع أن لا يكون موجوداً ولا غير موجود فقد وقعت في شر مما فررت منه. وأما التشبيه فإنك فررت من تشبيه بموجود أو معدوم، فشبهته بالممتنع الذي لا حقيقة له، فإن ما ليس بموجود ولا معدوم لا حقيقة له أصلاً، وهذا شر مما يقال فيه: إنه موجود أو معدوم. وقد رام طائفة من المتأخرين، كالشهرستاني، والآمدي، والرازي- في بعض كلامه - ونحوهم، أن يجيبوا هؤلاء عن هذا بأن لفظ (الموجود) و (الحي) و (العليم) و (القدير) ونحوها من الأسماء تقال على الواجب والممكن بطريق الاشتراك اللفظي، كما يقال لفظ

стр. 1870

(المشتري) على الكوكب والمبتاع، وكما يقال لفظ (سهيل) على الكوكب والرجل المسى بسهيل، وكذلك لفظ (الثريا) على النجم والمرأة المسمات بالثريا، ومن هنا قال الشاعر: أيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان هي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يمان وهؤلاء متناقضون في هذا الجواب، فإنهم وسائر العقلاء يقسمون الوجود إلى واجب وممكن، وقديم ومحدث، وأمثال ذلك، مع علمهم بأن التقسيم لا يكون في الألفاظ المشتركة، إن لم يكن المعنى مشتركاً، سواء كان متماثلاً أو متفاضلاً، ومنهم من يخص المتفاضل بتسميته مشككاً فالتقسيم لا يكون إلا في الألفاظ المتواطئة التواطؤ العام الذي يدخل فيه المشككة أو في المتواطئة التواطؤ الخاص، وفي المشككة أيضاً. فأما مثل (سهيل) فلا يقال سهيل ينقسم إلى الكوكب والرجل، إلا أن يراد أن لفظ (سهيل) يطلق على هذا وهذا. ومعلوم أن مثل هذا التقسيم لا يراد به الإخبار عن الإطلاق في اللغة، وإنما يراد به تقسيم المعنى المدلول عليه باللفظ. ولهذا كان تقسيم المعاني العامة صحيحاً، ولو عبر عن تلك المعاني بعبارات متنوعة في اللغات، فإن المقسم هو المعنى الذي لا يختلف باختلاف اللغات.

стр. 1871

وأيضاً فلو لم تكن هذه الأسماء متواطئة، لكان لا يفهم منها عند الإطلاق الثاني معنى، حتى يعرف معناها في ذلك الإطلاق الثاني، كما في الألفاظ المشتركة، فإنه إذا أطلقه في موضع ما يدل على معناه، ثم أطلقه مرة ثانية وأراد به المعنى الآخر، فإنه لا يفهم ذلك المعنى إلا بدليل يدل عليه. ثم هم مع هذا التناقض موافقون في المعنى للملاحدة، فإنهم إذا جعلوا أسماء الله تعالى كالحي والعليم والقدير والموجود ونحو ذلك مشتركة اشتراكاً لفظياً، لم يفهم منها شيء إذا سمي بها الله، إلا أن يعرف ما هو ذلك المعنى الذي يدل عليه إذا سمي بها الله، لا سيما إذا كان المعنى المفهوم منها عند الإطلاق ليس هو المراد إذا سمي بها الله. ومعلوم أن اللفظ المفرد إذا سمي به مسمىً لم يعرف معناه حتى يتصور المعنى أولاً، ثم يعلم أن اللفظ دال عليه، فإذا كان اللفظ مشتركاً، فالمعنى الذي وضع له في حق الله لم نعرفه بوجه من الوجوه، فلا يفهم من أسماء الله الحسنى معنى أصلاً، ولا يكون فرق بين قولنا: حي وبين قولنا ميت ولا بين قولنا موجود وبين قولنا معدوم، ولا بين قولنا عليم وبين قولنا جهول، أو (ديز) أو (كجز) بل يكون بمنزلة ألفاظ أعجمية سمعناها ولا نعلم مسماها، أو ألفاظ مهملة لا تدل على معنى، كديز وكجز ونحو ذلك. ومعلوم أن الملاحدة يكفيهم هذا، فإنهم لا يمنعون إطلاق اللفظ إذا تظاهروا بالشرع، وإنما يمنعون منه أن نفهم معنى.

стр. 1872

وسبب هذا الضلال أن لفظ (التشبيه) و (التركيب) لفظ فيه إجمال. وهؤلاء أنفسهم - هم وجماهير العقلاء - يعلمون أن ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك، ونفي ذلك القدر المشترك ليس هو نفس التمثيل والتشبيه الذي قام الدليل العقلي والسمعي على نفيه، وإنما التشبيه الذي قام الدليل على نفيه ما يستلزم ثبوت شيء من خصائص المخلوقين لله ، إذ هو سبحانه: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى: ١١] ، ولا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. ولهذا اتفق جميع طوائف المسلمين وغيرهم على الرد على هؤلاء الملاحدة، وبيان أنه ليس كل ما اتفق شيئان في شيء من الأشياء، يجب أن يكون أحدهما مثلاً للآخر، ولا يجوز أن ينفي عن الخالق سبحانه كل ما يكون فيه موافقة لغيره في معنىً ما، فإنه يلزمه عدمه بالكلية، كما فعله هؤلاء الملاحدة، بل يلزم نفي وجوده ونفي عدمه، وهو غاية التناقض والإلحاد والكفر والجهل. وكذلك لفظ (التركيب) فإن ثبوت معاني لله تعالى ليس هو مما ينفيه الدليل، وكون تلك المعاني من لوازم ذاته، وأنه لا يكون إلا متصفاً بها، ليس هو تركيباً ينفيه عقل ولا شرع، بل مثل هذا لا بد منه، كما قد بسط ذلك في مواضع كثيرة. فهذا وأمثاله هي العقليات الفاسدة التي تطرق بها أهل الإلحاد، وكذلك ردهم للدلالة السمعية إذا عارضها عندهم ما هو عندهم

стр. 1873

عقلي، يوجب أن لا يستدل بشيء من كلام الله ورسوله كما تقدم فلا يبقى عندهم لا عقل ولا سمع. وهذا الذي ذكرناه من أن هذا الأصل يوجب عدم الاستدلال بكلام الله ورسوله على المسائل العلمية، قد اعترف حذاقهم به، بل التزمه من التزمه من متأخري أهل الكلام كالرازي، كما التزمته الملاحدة الفلاسفة. وأما المعتزلة فلا يقولون: الأدلة السمعية لا تفيد اليقين، بل يقولون، لا يحتج بالسمع على مسائل التوحيد والعدل، لأن ذلك -بزعمهم- يتوقف العلم بصدق الرسول عليه. وكذلك متأخرو الأشعرية يجعلون القول في الصفات من الأصول العقلية. وأما الأشعري وأئمة أصحابه فيحتج عليهم عندهم بالسمع كما يحتج بالعقل. كلام الرازي في نهاية المعقول عن الأدلة السمعية ولهذا لما ذكر أبو عبد الله الرازي أصول الأدلة التي يحتج بها في أصول الدين أصحابه وغيرهم، ذكر هذا الأصل واعترض عليه، فقال في نهاية المعقول: (الفصل السابع في تزييف الطرق الضعيفة وهي أربع) فذكر نفي الشيء لانتفاء دليله، وذكر القياس، وذكر الإلزامات. ثم قال: (والرابع هو التمسك بالسمعيات، فنقول: المطالب على أقسام ثلاثة: منها ما يستحيل حصول العلم بها بواسطة

стр. 1874

السمع، ومنها ما يستحيل العلم بها إلا من السمع، ومنها ما يصح حصول العلم بها من السمع تارة ومن العقل أخرى) . قال: (أما القسم الأول فكل ما يتوقف العلم بصحة السمع على العلم بصحته استحال تصحيحه بالسمع، مثل العلم بوجود الصانع، وكونه مختاراً وعالماً بكل المعلومات، وصدق الرسل) . قال: (وأما القسم الثاني، وهو ترجح أحد طرفي الممكن على الآخر، إذا لم يجده الإنسان من نفسه، ولا يدركه بشيء من حواسه، فإن حصول غراب على قلة جبل قاف إذا كان جائز الوجود والعدم مطلقاً، وليس هناك ما يقتضي وجوب أحد طرفيه أصلاً، وهو غائب عن النفس والحس، استحال العلم بوجوده إلا من قول الصادق. وأما القسم الثالث. وهو معرفة وجوب الواجبات، وإمكان الممكنات، واستحالة المستحيلات، التي لا يتوقف العلم بصحة السمع على العلم بوجوبها وإمكانها واستحالتها، مثل مسألة الرؤية والصفات والوحدانية وغيرها) .

стр. 1875

تعليق ابن تيمية قلت: ليس المقصود هنا استيفاء الكلام فيما ذكره من الأمثال، فإن فيما ذكر أنه لا يعلم إلا بالسمع ما يمكن علمه بدون السمع، إذ علم الإنسان بوجود بعض الممكنات له طرق متعددة غير إخبار الرسول، وكذلك ما ذكر أنه لا يعلم بالسمع، فيه كلام ليس هذا موضعه. ولكن المقصود ذكر قوله بعد ذلك، فإنه قال: (إذا عرفت ذلك فنقول: أما أن الأدلة السمعية لا يجوز استعمالها في الأصول في القسم الأول فهو ظاهر، وإلا لو وقع الدور، وأما أنه يجب استعمالها في القسم الثاني فهو ظاهر كما سلف، وأما القسم الثالث ففي جواز استعمال الأدلة السمعية فيه إشكال. وذلك لأنا لو قدرنا قيام الدليل القاطع العقلي على خلاف ما أشعر به ظاهر الدليل السمعي، فلا خلاف بين أهل التحقيق بأنه يجب تأويل الدليل السمعي، لأنه إذا لم يمكن الجمع بين ظاهر

стр. 1876

النقل وبين مقتضى الدليل العقلي، فإما أن نكذب بالعقل وإما نأول النقل، فإن كذبنا العقل، مع أن النقل لا يمكن إثباته إلا بالعقل، فإن الطريق إلى إثبات الصانع ومعرفة النبوة ليس إلا العقل، فحينئذ تكون صحة النقل متفرعة على ما يجوز فساده وبطلانه، فإذن لا يكون النقل مقطوع الصحة، فإذن تصحيح النقل برد العقل يتضمن القدح في النقل، وما أدى ثبوته إلى انتفائه كان باطلاً، فتعين تأويل النقل. فإذن الدليل السمعي لا يفيد اليقين بوجود مدلوله، إلا بشرط أن لا يوجد دليل عقلي على خلاف ظاهره، فحينئذ لا يكون الدليل النقلي مفيداً للمطلوب، إلا إذا بينا أنه ليس في العقل ما يقتضي خلاف ظاهره، ولا طريق لنا إلى إثبات ذلك الأمر إلا من وجهين: إما

стр. 1877

أن نقيم دلالة عقلية على صحة ما أشعر به ظاهر الدليل النقلي، وحينئذ يصير الاستدلال بالنقل فضلاً غير محتاج إليه، وإما بأن نزيف أدلة المنكرين لما دل عليه ظاهر النقل، وذلك ضعيف لما بينا من أنه لا يلزم من فساد ما ذكروه أن لا يكون هناك معارض أصلاً، اللهم إلا أن نقول: إنه لا دليل على هذه المعارضات فوجب نفيه، ولكنا زيفنا هذه الطريقة، أو نقيم دلالة قاطعة على أن المقدمة الفلانية غير معارضة لهذا النص، ولا المقدمة الفلانية الأخرى، وحينئذ يحتاج إلى إقامة الدلالة على أن كل واحدة من هذه المقدمات التي لا نهاية لها غير معارضة لهذا الظاهر، فثبت أنه لا يمكن حصول اليقين، بعدم ما يقتضي خلاف الدليل النقلي، وثبت أن الدليل النقلي يتوقف إفادته اليقين على ذلك، فإذاً الدليل النقلي تتوقف إفادته على مقدمة غير يقينية، وهي عدم دليل

стр. 1878

عقلي، فوجب تأول ذلك النقل، وكل ما تبنى صحته على ما لا يكون يقينياً، لا يكون هو أيضاً يقينياً، فثبت أن ذلك الدليل النقلي من هذا القسم لا يكون مفيداً لليقين) . قال: (وهذا بخلاف الأدلة العقلية، فإنها مركبة من مقدمات لا يكتفى منها بأن لا يعلم فسادها، بل لا بد وأن يعلم بالبديهية صحتها، ويعلم بالبديهية لزومها مما علم صحته بالبديهية ومتى كان كذلك استحال أن يوجد ما يعارضه لاستحال التعارض في العلوم البديهية) . قال: (فإن قيل: إن الله لما أسمع المكلف الكلام الذي يشعر ظاهره بشيء فلو كان في العقل ما يدل على بطلان ذلك الشيء، وجب عليه تعالى أن يخطر ببال المكلف ذلك الدليل، وإلا كان ذلك

стр. 1879

تلبيساً من الله تعالى، وأنه غير جائز. قلنا: هذا بناءً على قاعدة الحسن والقبح، وأنه يجب على الله شيء، ونحن لا نقول بذلك. سلمنا ذلك، فلم قلتم: إنه يجب على الله أن يخطر ببال المكلف ذلك الدليل العقلي، وبيانه أن الله تعالى إنما يكون ملبساً على المكلف، لو أسمعه كلاماً يمتنع عقلاً أن يريد به إلا ما أشعر به ظاهره، وليس الأمر كذلك، لأن المكلف إذا سمع ذلك الظاهر، ثم إنه يجوز أن يكون هناك دليل على خلاف ذلك الظاهر، فبتقدير أن يكون الأمر كذلك، لم يكن مراد الله من ذلك الكلام ما أشعر به الظاهر، فعلى هذا إذا أسمع الله المكلف ذلك الكلام، فلو قطع المكلف بحمله على ظاهره، مع قيام الاحتمال الذي ذكرنا، كان ذلك التقصير واقعاً من المكلف لا من قبل الله تعالى، حيث قطع لا في موضع القطع، فثبت إنه لا يلزم من عدم إخطار الله تعالى ببال المكلف

стр. 1880

ذلك الدليل العقلي المعارض للدليل السمعي أن يكون ملبساً) . قال: (فخرج مما ذكرناه أن الأدلة النقلية لا يجوز التمسك بها في المسائل العلمية، ولعله يمكن أن يجاب عن هذا السؤال بما به يجاب عن تجويز ظهور المعجزات على الكاذبين، نعم يجوز التمسك بها في المسائل النقلية تارة لإفادة اليقين، كما في مسألة الإجماع وخبر الواحد، وتارة لإفادة الظن، كما في الأحكام الشرعية) . قلت فليتدبر المؤمن العاقل على هذا الكلام، مع أنه قد ينزل فيه درجة، ولم يجعل عدم إفادته اليقين إلا لتجويز المعارض العقلي، لكونه موقوفاً على مقدمات ظنية، كنقل اللغة والنحو، والتصريف وعدم المجاز، والاشتراك والنقل والإضمار، والتخصيص وعدم المعارض السمعي أيضاً مع العقلي. وبهذا دفع الآمدي وغيره الاستدلال بالأدلة السمعية في هذا الباب، ونحن قد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع، وبينا إمكان دلالة الأدلة السمعية على اليقين، وبينا فساد ما ذكره هؤلاء الذين أسسوا قواعد الإلحاد.

стр. 1881

والمقصود هنا أن نبين اعترافهم بما ألزمناهم به. وإذا كان كذلك فيقال: نحن نعلم بالاضطرار من دين الرسول أن النبي ﷺ إذا اخبر أمته بما أخبرهم به من الغيب من أسماء الله وصفاته وغير ذلك، فإنه لم يرد منهم إلا يقروا بثبوت شيء مما أخبر به إلا بدليل منفصل غير خبره، فإذا كان القول مستلزماً لكون الرسول أراد أن لا يثبت شيء بمجرد خبره، وهذا مما يعلم بالاضطرار أنه كذب على الرسول، علم أن هذا القول معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام. وهؤلاء الذين سماهم أهل التحقيق هم أهل التحقيق عنده، سماهم كذلك بناءً على ظنه، كما يسمي الاتحادية والحلولية أنفسهم أهل التحقيق، ويسمي كل شخص طائفته أهل الحق بناء على ظنه واعتقاده. ومثل هذا لا يكون مدحهم زيناً، ولا ذمهم شيئاً، إلا إذا كان قولاً بحق. والذي مدحه زين وذمه شين هو الله ورسوله، والذين جعلهم أهل الحق هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون * الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * أولئك هم المؤمنون حقا﴾ [الأنفال: ٢-٤] ، فوصف المؤمنين حقاً بأنهم إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا. وهؤلاء المعارضون لآياته إذا تليت عليهم آياته لم تزدهم إيماناً، بل ريباً ونفاقاً.

стр. 1882

وقال تعالى: ﴿ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم﴾ [محمد: ٣] ، فوصف المؤمنين بأنهم اتبعوا الحق من ربهم، ومن اتبع الحق كان محقاً. والمؤمنون اتبعوا الحق من ربهم، فهم أحق الناس بالتحقيق، وإذا كان المؤمنون هم المحققين، ومن نعتهم أنهم إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً، كان الموصوفون بنقيض ذلك ليسوا من المحققين عند الله وعند رسوله، بل من المحققين عند إخوانهم، كما أن اليهود والنصارى والمشركين، وكل طائفة من المحققين عند من وافقهم على أن ما يقولونه بحق. وقد وصف المؤمنين بما ذكره في قوله تعالى: ﴿وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون * وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون﴾ [التوبة: ١٢٤-١٢٥] . ومن المعلوم أن من ناقض الآيات المنزلة باعتقاده وهواه لم تزده إيماناً، ولم يستبشر بنزولها، بل تزيده رجساً إلى رجسه. وقال تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون﴾ [الحجرات: ١٥] فالصادق في قوله: آمنوا هو الذي لم

стр. 1883

يحصل له ريب فيما جاء به الرسول، ومن جوز أن يكون فيما أخبر به ما يعارضه صريح المعقول لم يزل في ريب من ثبوت ما أخبر به، ولكن غايته أن يعلم أن الرسول صادق فيما أخبر به على طريق الجملة، فإذا نظر فيما أخبر به لم يعلم ثبوت شيء مما أخبر به. ومن المعلوم أن العلم بأنه صادق، مقصوده تصديق أخباره، والمقصود بتصديق الأخبار التصديق بمضمونها، فإذا كان لم يصدق بمضمون أخبار الرسول ﷺ ، كان بمنزلة من آمن بالوسيلة، ولم يحصل له المقصود. ولو قال الحاكم: إن هؤلاء الشهود صادقون في كل ما يشهدون به، وهو لا يثبت بشهادة أحد منهم حقاً، لم يكن في تعديلهم فائدة، ومن تدبر هذا الباب علم حقيقته، والله أعلم. الوجه الثالث والثلاثون أن يقال: نحن نعلم بالاضطرار من دين الرسول أنه أوجب على الخلق تصديقه فيما أخبر به، وقطعهم بثبوت ما أخبرهم به، وأنه من لم يكن كذلك لم يكن مؤمناً به، بل إذا أقر أنه رسول الله، وأنه صادق فيما أخبر، ولم يقر بما أخبر به من أنباء الغيب-لجواز أن يكون ذلك متيقناً في نفس الأمر بدليل لم يعلمه المستمع، ولا يمكن إثبات ما أثبته الرسول بخبره إلا بعد العلم بذلك-فإن هذا ليس مؤمناً بالرسول.

стр. 1884

وإذا كان هذا معلوم بالاضطرار، كان قول هؤلاء المعارضين لخبره بآرائهم معلوم الفساد بالضرورة من دينه. وحينئذ فإما أن يكون الرجل مؤمناً بالله ورسوله فيصدقه في كل ما أخبر به، ويعلم أنه يمتنع أن يكون ذلك منتفياً في نفس الأمر، وأنه لا دليل يدل على انتفائه، وإما أن يكون الرجل غير مصدق للرسول في شيء مما أخبر به، إلا أن يعلم ذلك بدليل منفصل غير خبر الرسول، ومن لم يقر بما أخبر به الرسول إلا بدليل منفصل لم يكن مؤمناً به، بل كان مع الرسول كالفقهاء بعضهم مع بعض: إن قام دليل على قوله وافقه، وإلا لم يوافقه. ومعلوم أن هذا حال الكفار بالرسل، لا المؤمنين بهم، ورؤوس هؤلاء الذين قال الله فيهم: ﴿وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ [الأنعام: ١٢٤] . وهذا الذي ذكره هذا في العقل ذكره طائفة أخرى في الكشف، كما ذكره أبو حامد في كتابه الإحياء في الفرق بين ما يتأول وما لا يتأول، وذكر أنه لا يستدل بالسمع على شيء من العلم الخبري، وإنما الإنسان يعرف الحق بنور إلهي يقذف في قلبه، ثم يعرض الوارد في

стр. 1885

السمع عليه، فما وافق ما شاهدوه بنور اليقين قرروه، وما خالف أولوه) . ومن هنا زادت طائفة أخرى على ذلك، فادعوا أنهم يعلمون -إما بالكشف وإما بالعقل - الحقائق التي أخبر بها الرسول أكمل من علمه بها، بل ادعى بعضهم أن الأنبياء والرسل يستفيدون معرفة تلك الحقائق من مشكاة أحدهم، كما ادعاه صاحب الفصوص أن الأنبياء والرسل يستفيدون العلم بالله من مشكاة المسمى عنده بخاتم الأولياء، وادعى انه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الموحي به إلى الرسول. ومعلوم أن هذه الأقوال من شر أقوال الكافرين بالرسول، لا المؤمنين به. الوجه الرابع والثلاثون أن الذين يعارضون الشرع بالعقل، ويقدمون رأيهم على ما أخبر به الرسول، ويقولون: إن العقل أصل للشرع، فلو قدمناه عليه للزم

стр. 1886

القدح في أصل الشرع - إنما يصح منهم هذا الكلام إذا أقروا بصحة الشرع بدون المعارض، وذلك بأن يقروا بنبوة الرسول، وبأنه قال هذا الكلام، وبأنه أراد به كذا، وإلا فمع الشك في واحدة من هذه المقدمات، لا يكون معهم عن الرسول من الخبر ما يعلمون به تلك القضية المتنازع فيها بدون معارضة العقل، فكيف مع معارضة العقل، أما النبوة: فمن لم يعلم أن الرسول عالم بهذه القضية التي أخبر بها، وأنه معصوم أن يقول فيها غير الحق، لم يمكن أن يعلم حكمها بخبره، فمتى جوز أن يكون غير عالم مع خبره بها، يجوز عليه أن يخطئ فيما يخبر به عن الله واليوم الآخر أو أن يكذب، لم يستفد بخبره علماً، ومن كانت النبوة عنده مكتسبة، من جني نبي الفلاسفة، وأن خاصة النبي قوة ينال بها العلم، وقوة بتصرف بها في العلم، وقوة تجعل من المعقولات في نفسه خيالات ترى وتسمع، فتكون تلك الخيالات ملائكة الله وكلامه، كما يقول ابن سينا وأتباعه من المتفلسفة - لم يمكنه أن يجزم بأن الرسول عالم بما يقوله، معصوم أن يقول غير الحق، فكيف إذا كان يقول: إن الرسول قد يقول ما يعلم خلاف. فهؤلاء يمتنع أن يستفيدوا بخبر الرسول علماً، فكيف يتكلمون في المعارضة؟ وكذلك من لم يعلم ثبوت الأخبار لم يتكلم في حصول العلم بموجبها،

стр. 1887

وكذلك من قال: إن الدليل السمعي لا يعلم به مراد المتكلم، كما يقول الرازي ومتبعوه الذين يزعمون أن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين بمراد المتكلم، فهؤلاء ليس عندهم دليل شرعي يفيد العلم بما أخبر به الرسول، فكيف يعارضون ذلك المعقول. وكذلك أيضا من عرف أن معقولاتهم التي يعارضون بها الشرع باطلة، امتنع أن يعارض بها دليلاً ظنياً عنده، فضلاً عن أن يعارض بها دليلا يقينياً عنده، ولهذا كان الذين صرحوا بتقديم الأدلة العقلية على الشرعية مطلقاً، كأبي حامد والرازي ومن تبعهم، ليس فيهم من يستفيد من الأنبياء علماً بما أخبروا به، إذا لم يكونوا مقرين بأن الرسول بلغ البلاغ المبين المعصوم، بل إيمانهم بالنبوة فيه ريب: إما لتجويز أن يقول خلاف ما يعلم، كما يقول ابن سينا وأمثاله، وإما لتجويز أن يكون لا عالماً بذلك، كما تقوله طائفة أخرى، وإما لأنه جائز في النبوة - لم يجزم بعد بأن النبي معصوم فيما يقوله، وأنه بلغ البلاغ المبين، فلا تجد أحداً ممن يقدم المعقول مطلقاً على خبر الرسول إلا وفي قلبه مرض في إيمانه بالرسول، فهذا محتاج أولاً إلى أن يعلم أن محمداً رسول الله الصادق المصدوق، الذي لا يقول على الله إلا الحق، وأنه بلغ البلاغ المبين، وأنه معصوم عن أن يقره الله على خطأ فيما بلغه وأخبر

стр. 1888

به عنه، ومن ثبت هذا الإيمان في قلبه امتنع مع هذا أن يجعل ما يناقض خبر الرسول مقدماً عليه. الوجه الخامس والثلاثون أن يقال: قول هؤلاء متناقض، والقول المتناقض فاسد. وذلك أن هؤلاء يوجبون التأويل في بعض السمعيات دون البعض، وليس في المنتسبين إلى القبلة، بل ولا في غيرهم، من يمكنه تأويل جميع السمعيات. وإذا كان كذلك قيل لهم: ما الفرق بين ما جوزتم تأويله، فصرفتموه عن مفهومه الظاهر ومعناه البين وبين ما أقررتموه؟ . فهم بين أمرين: إما أن يقولوا ما يقوله جمهورهم: إن ما عارضه عقلي قاطع تأولناه، وما لم يعارضه عقلي قاطع أقررناه. فيقال لهم: فحينئذ لا يمكنكم نفي التأويل عن شيء، فإن لا يمكنكم نفي جميع المعارضات العقلية، كما تقدم بيانه. وأيضا فعدم المعارض العقلي القاطع لا يوجب الجزم بمدلول الدليل السمعي، فإنه -على قولكم-: إذا جوزتم على الشارع أن يقول قولاً لا معنى مفهوم، وهو لا يريد ذلك، لأن في العقليات الدقيقة التي لا تخطر ببال أكثر الناس، أو لا تخطر للخلق في قرون كثيرة ما يخالف ذلك- جاز أن يريد بكلامه ما يخالف مقتضاه بدون ذلك، لجواز أن يظهر في الآخرة ما يخلف ذلك، أو لكون ذلك ليس معلوماً بدليل

стр. 1889

عقلي ونحو ذلك، فإنه إذا جاز أن يكون تصديق الناس له فيما أخبر به موقوفاً على مثل ذلك الشرط، جاز أن يكون موقوفاً على أمثاله من الشروط، إذ الجميع يشترك في أن الوقف على مثل هذا الشرط، يوجب أن لا يستدل بشيء من أخباره على العلم بما أخبر به. وإن قالوا بتأول كل شيء إلا ما علم بالاضطرار أنه أراده، كان ذلك أبلغ فإنه ما من نص وارد إلا ويمكن الدافع له أن يقول: ما يعلم بالاضطرار أنه أراد هذا. فإن كان للمثبت أن يقول: أنا أعلم بالاضطرار أنه أراده. كان لمن أثبت ما ينازعه فيه هذا المثبت إن يقول أيضا مثل ذلك. ولا ريب أن المثبتين للعلو والصفات عندهم أن هذا معلوم بالاضطرار من دين الرسول ﷺ ، فهم لا يتناقضون، ومن نازعهم يتناقض، فإنه لا يمكنه أن يقول لغيره من النفاة شيئاً، إلا أمكن أهل الإثبات للعلو أن يقولوا له: فإما أن تقبل مثل هذا، وإلا كان متناقضاً لا يستقيم له قول عند واحد من الطوائف، وهذا يبين فساد قوله وهو المطلوب. وهذا الذي ذكرناه بين في كلام كل طائفة، حتى في كلام المثبتين لبعض الصفات دون البعض، فإنك إذا تأملت كلامهم لم تجد لهم قانوناً فيما يتأول وما لا يتأول، بل لازم قولهم إمكان تأويل الجميع، فلا يقرون إلا بما يعلم ثبوته بدليل منفصل عن السمع، وهم لا يجوزون مثل ذلك، ولا يمكنهم أن يقولوا مثل ذلك.

стр. 1890

فعلم أن قولهم باطل، وأن قولهم: لا نتأول إلا ما عارضه القطعي - قول باطل، ومع بطلان قولهم قد يصرحون بلازمه، وأنه لا يستفاد من السمعيات علم، كما ذكره الرازي وغيره، مع انهم يستفيدون منها علماً، فيتناقضون، ومن لم يتناقض منهم فعليه أن يقول: أخبار الرسول ثلاثة أقسام: ما علم ثبوته بدليل منفصل صدق به، وما علم أنه عارضه العقل القاطع كان مأولا، وما لا يعلم بدليل منفصل لا يمكن ثبوته ولا انتفاؤه، وكان مشكوكاً فيه موقوفاً. وهذه حقيقة قولهم الذي ذكرناه أولا، وهو ما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه مناقض لما أوجبه الرسول من الإيمان بأخباره، وانه في الحقيقة عزل للرسول عن موجب رسالته، وجعل له كأبي حنيفة مع الشافعي، وأحمد بن حنبل مع مالك، ونحو ذلك. الوجه السادس والثلاثون أن يقال: هم إذا أعرضوا عن الأدلة الشرعية لم يبقى معهم إلا طريقان: إما طريق النظار: وهي الأدلة القياسية العقلية، وإما طريق الصوفية: وهي الطريقة العبادية الكشفية، وكل من جرب هاتين

стр. 1891

الطريقتين علم أن مالا يوافق الكتاب والسنة منهما فيه من التناقض والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد، ولهذا كان من سلك إحداهما إنما يؤول به الأمر إلى الحيرة والشك، إن كان له نوع عقل وتمييز، وإن كان جاهلاً دخل في الشطح والطامات التي لا يصدق بها إلا أجهل الخلق. فغاية هؤلاء الشك، وهو عدم التصديق بالحق، وغاية هؤلاء الشطح وهو التصديق بالباطل، والأول يشبه حال اليهود، والثاني يشبه حال النصارى، فحذاق أهل الكلام والنظر يعترفون بالحيرة والشك كما هو معروف عن غير واحد منهم، كالذي كان يتكلم على المنبر فأخذ ينكر العلو على العرش، ويقول: كان الله ولا عرش، وهو لم يتحول عما كان عليه: فقام إليه الشيخ أبو الفضل جعفر الهمذاني وقال: دعنا يا أستاذ من ذكر العرش واستواء الله عليه، يعني أن هذا يعلم بالسمع، وأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، ما قال: عارف قط: يا الله، إلا ويجد قبل أن يتحرك لسانه في نفسه معنى يطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فهل عندك من جواب على هذا.

стр. 1892

فصل: كلام الغزالي عن التأويل وتعليق ابن تيمية عليه ذكر أبو حامد في كتاب الإحياء كلاماً طويلا في علم الظاهر والباطن، قال: (وذهبت طائفة إلى التأويل فيما يتعلق بصفات الله تعالى، وتركوا ما يتعلق بالآخرة على ظواهره، ومنعوا التأويل وهم الأشعرية) - أي متأخروهم الموافقون لصاحب الإرشاد، قال: (وزاد المعتزلة عليهم حتى أولوا كونه سميعاً بصيراً، والرؤية والمعراج وإن لم يكن بالجسد، وأولوا عذاب القبر والميزان، والسراط، وجملة من أحكام الآخرة، ولكن أقروا بحشر الأجساد وبالجنة واشتمالها على المأكولات) .

стр. 1893

قلت: تأويل الميزان، والصراط وعذاب القبر، والسمع والبصر، إنما هو قول البغداديين من المعتزلة دون البصرية. قال أبو حامد: (وبترقيهم إلى هذا الحد زاد الفلاسفة فأولوا كل ما ورد في الآخرة إلى أمور عقلية روحانية ولذات عقلية) . إلى أن قال: (وهؤلاء هم المسرفون في التأويل. وحد الاقتصاد بين هذا وهذا دقيق غامض لا يطلع عليه إلا الموفقون الذين يدركون الأمور بنور إلهي، لا بالسماع. ثم إن انكشفت لهم أسرار الأمور على ما هم عليه، ونظروا إلى السمع والألفاظ الواردة فيه، فما وافق ما شاهدوه بنور اليقين قرروه، وما خالف أولوه. فأما من يأخذ هذه الأمور كلها من السمع فلا يستقر له قدم) . قلت: هذا الكلام مضمونه أنه لا يستفاد من خبر الرسول ﷺ شيء من الأمور العلمية، بل إنما يدرك ذلك كل إنسان بما حصل له من المشاهدة والنور والمكاشفة. وهذان أصلان للإلحاد، فإن كل ذي مكاشفة إن لم يزنها بالكتاب والسنة، وإلا دخل في الضلالات.

стр. 1894

وأفضل أولياء الله من هذه الأمة أبو بكر وعمر ﵄، وأفضل من كان محدثاً من هذه الأمة عمر، للحديث وللحديث الآخر: «إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه» ، ومع هذا فالصديق أفضل منه، لأن الصديق إنما يأخذ من مشكاة الرسالة لا من مكاشفته ومخاطبته، وما جاء به الرسول معصوم لا يستقر فيه الخطأ، وأما ما يقع لأهل القلوب من جنس المخاطبة والمشاهدة ففيه صواب وخطأ، وإنما يفرق بين صوابه وخطائه بنور النبوة، كما كان عمر يزن ما يرد عليه بالرسالة، فما وافق ذلك قبله، وما خالفه رده. قال بعض الشيوخ ما معناه: قد ضمنت لنا العصمة فيما جاء به الكتاب والسنة، ولم تضمن لنا العصمة في الكشوف. وقال أبو سليمان الداراني: إنه لتمر بقلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين اثنين: الكتاب والسنة. وقال أبو عمرو إسماعيل بن نجيد: كل ذواق أوكل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل. وقال الجنيد بن محمد: علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن وبكتب الحديث لا يصلح له أن يتكلم في علمنا. وقال سهل أيضاً: يا معشر المريدين لا تفارقوا السواد على البياض، فما فارق أحد السواد على البياض إلا تزندق.

стр. 1895

وهذا وأمثاله كثير في كلام الشيوخ العارفين، يعلمون أنه لا تحصل لهم حقيقة التوحيد والمعرفة واليقين، إلا بمتابعة المرسلين، وقد يحصل لهم من الدلائل العقلية القياسية البرهانية، ومن المخاطبات والمكاشفات العيانية، ما يصدق ما أخبر به الرسول ﷺ . كما قال تعالى: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد﴾ [فصلت: ٥٣] . وقال تعالى: ﴿ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط﴾ [سبأ: ٦] . وقال تعالى: ﴿أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى﴾ [الرعد: ١٩] . وتجد كثيراً من السالكين طريق العلم والنظر والاستدلال، الذين اشتبهت عليهم الأمور، وتعارضت عندهم الأدلة والأقيسة، يحسنون الظن بطريق أهل الإرادة والعبادة والمجاهدة، ظانين أنه ينكشف بها الحقائق. وكثير من السالكين طريق العبادة والإرادة والزهد والرياضة،
следующие страницы →