← Акыда

Акыда · id 21506

درء تعارض العقل والنقل

ابن تيمية

Полный текст (4 031 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

الشبه في ذلك. فإذا خطر لهم شيء من ذلك وجب عليهم النظر والاستدلال لدفعه، وأن لا يتمكثوا ولا يتثبطوا عن النظر حتى يصلوا إلى عين الحق الرافع للشبهة، فإن لم يصلوا إلى ذلك لم يؤدوا ما فرض عليهم من الإيمان علىحقه، وإن عجزوا عن ذلك لم يكن عجزهم عذراً عن الوصول إلى حقيقة الحق) . قال: (وقالت طائفة: لا يجب عليهم ذلك، ويحل لهم البقاء على ما هم عليه، وأن لا يعتقدوا في ذلك شيئاً، مع القيام على السنة) . قال: (والدلالة عليه أنا قد قدمنا الدليل على وجوب معرفة الله، وسائر المعارف الدينية: من التوحيد، وصحة النبوة، والدين. وبينا أن حقيقة المعرفة إنما تكون بالعلم وأبطلنا أن يكون التقليد طريقاً إلىالعلم. وإنما يصل إلى العلم به واليقين فيه إذا خرج عن الشبهة العارضة، الموجبة للشك، الناقلة عن الحق. وإذا ثبت ذلك بالأدلة المتقدمة، فمدعي المعرفة مع ترك النظر والاستدلال - المؤدي إلى الدليل القاطع المتوقف على حقيقة التوحيد والمعارف الدينية - مبطل وإذا كان مبطلاً في معرفته لم نحكم بإيمانه، لأن الإيمان ها هنا هو التصديق، وإنما يصدق بما يزول معه الشك، ويبرأ من عهدة الاشتباه) . وبسط الكلام في ذلك العادة المعروفة. وقد قال في كتابه الكبير الذي سماه منهاج الهدى: (فصل في معرفة الله وسائر معارف الدين: كسبية وليست حاصلة بطريق الضطرار) . قال: (وقال طوائف، منهم الجاحظ وصالح قبة وفضل

стр. 3327

الرقاشي والصوفية وكثير من الشيعة: معارف الدين كلها حاصلة بطريق الضرورة. ثم اختلفوا بعد ذلك، فقال طائفة، منهم صالح قبة: إن الله جعل معارف دينه ضرورة يبتديها ويخترعها في قلوب البالغين، من غير سبب متقدم، ولا بحث ولا نظر، وهو قول طائفة من الشيعة. وقالت طائفة من الشيعة: إن الله يخترعها في قلوب البالغين، لكن من المحال أن يفعلها فيهم إلا بعد فكر ونظر يتقدمها، ثم يهب الله المعرف لمن أحب، كما يهب الولد عند الوطء، وقد يجوز أن لا يهبها مع النظر، كما لا يهب الولد مع الوطء. وقالت طائفة من الشيعة: الخلق مضطرون إلى المعارف بالأسباب، فإذا حصلت عن الأسباب كانوا مختارين للمعرفة، مضطرين إليها في حال واحدة، فيكون مضطراً للسبب مختاراً للإرادة. وقال طائفة من المعتزلة القائلين بأن المعرفة ضرورة: إن الله لا يخترع شيئاً من أمور الدين والدنيا وعلومهمااختراعاً، ولكنها تحدث من بعد الإرادة وطباعاً، وأن الله خلق العباد وهيأهم لاكتساب الإرادة، وما يحدث بعدها من نظر وغيره فهو واقع بالطبع، وليس يضاف إلى الإنسان إلى على سبيل المجاز والاتساع) . قال: (وقالت طائفة من المعتزلة، منهم غيلان بن مروان: إن

стр. 3328

معرفة الإنسان لنفسه ومعرفة صانعه وأنه غيره، يضطر الإنسن إليها بالطبع، فأما باقي المعارف الدينية فكلها اكتساب) . قال: (وقالت طائفة، منهم أبو الهذيل العلاف: معرفة العلم والدليل الذي يدعو إلى معرفة الصانع إضطرار. فأما ما يحدث بعدها من علم فعام بالقياس، فذلك علم اختيار واكتساب) . قال: (وقالت: طائفة، منهم بشر بن المعتمر: معرفة الإنسان لنفسه ليست من فعله ولا من كسبه ولا اضطرار إليها، بل تخترع له وتخلق مخترعة في قلبه، وما يدرك بالحواس من علوم الديانات وغيرها اضطرار، وما يعلم بالقياس اكتساب، ويجوز فيهما جميعاً الاضطرار، ويجوز فيهما جميعاً أن يكونا اكتساباً) . قال: (وقالت طائفة منالمعتزلة: الناس مضطرون إلى ذلك على كل حال، وليس لهم في ذلك حيلة) . قال: (وقالت طائفة من المعتزلة، منهم الجاحظ: معرفة الله تقع ضرورة في طباع نامية عقب النظر والاستدلال) .

стр. 3329

قال: (وقالت الجبرية، ومتقدمهم جهم بن صفوان: معرفةالله تقع باختيار الله لا باختيار العبد، وبنوه عل مذهبهم في الخبر) . قال ابن الزاغوني: (وتفيد هذه المسألة فائدة حكيمة، وهو أن القائل بمعرفة الله واجبة بطريق الكسب يقول: إن الله يعاقب العبد على جهله بالله وجهله بالدين واعتقاد الباطل. وأمامن قال: إنها ضرورية، فإنه يقول: فائدة ذلك أنه لا يجوز أن يعذب الله الجاهل على جهله، وعل أنه لم يكتسب المعرفة، لأن ذلك ليس من مقدوراته، وإنما يعذبه على جحده وإنكاره لما عرفه إياه بطريق اضطراره له إليه) . فصل وما ذكرناه من أن الرسل، صلوات الله عليهم، بينوا للناس الطرق العقلية، ونبهوهم عليها، وهدوهم إليها، كما أنه معلوم لنا، فهو مما ذكره طوائف من أئمة الكلام والفلسفة. وأعظم المتكلمين المعظمين للطرق العقلية هم المعتزلة، فإنهم يقولون: كما أن المعرفة لا تحصل ابتداء إلا بالعقل، فإنهم يقولون بأنها واجبة بالعقل، بناءً على القول بأن العقل يعرف به الإيجاب والتحريم، والتحسين والتقبيح. وهذا الأصل تنازع فيه المتأخرون من عامة الطوائف. فلكل طائفة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد فيه قولان. وأما الحنفيه فالمعروف عنهم القول بتحسين العقول وتقبيحه، ونقلوا ذلك عن أبي حنيفة نفسه، وأنه كان يوجب بالعقل معرفة الله تعالى. ولأصحاب الحديث والصوفية وغيرهم في هذا الأصل نزاع. ومن

стр. 3330

القائلين بتحسين العقل وتقبيحه من أهل الحديث أبو نصر السجزي وأبو القاسم سعد بن علي الزنجاني وغيرهما، وذكروا أن إنكار ذلك من بدع الأشعري التي لم يسبق إليها. وممن قال ذلك من أصحاب أحمد أبو الحسن التميمي وأبو الخطاب وغيرهما. بل ذكروا أن هذا قول جمهور الناس، وذكروا مع ذلك أن الرسل أرشدت إلى الطرق العقلية كما أمرت بالواجبات العقلية. فهم مع قولهم بتحسين العقل وتقبيحه يقولون: إن الرسل بينت ذلك ووكدته، وهكذا، مع قولهم بأن المعرفة تحصل بالأدلة العقلية، يقولون: إن الرسل بينت ذلك ووكدته، فما يعلم بالعقل من الدين هو عندهم جزء من الشرع، والكتاب - والسنة - يأتي على المعقولات الدينية عندهم. كلام الكلوذاني في تمهيده وتعليق ابن تيمية قال أبو الخطاب في تمهيده: (اختلف أصحابنا: هل في قضاء العقل حظر وإباحة وإيجاب وتحسين وتقبيح أم لا؟ فقال أبو الحسن التميمي: في قضايا العقل ذلك، حتى لا يجوز أن يرد الشرع بحظر ما كان في العقل واجاباً، كشكر المنعم، والعدل، والإنصاف، وأداء الأمانة، ونحو ذلك. ولا يجوز أن يرد بإباحة ما كان في العقل محظوراً، نحو الظلم، والكذب، وكفر النعمة، والخيانة، وما أشبه ذلك) .

стр. 3331

قال: (وإلى هذا ذهب عامة أهل العلم من الفقهاء والمتكلمين وعامة الفلاسفة) . قال: (وقل شيخنا - يعني القاضي أبي يعلى -: (ليس قضايا العقل ذلك، وإنما يعلم ذلك من جهة الشرع، وتعلق بقول أحمد في رواية عبدوس بن مالك العطار: ليس في السنة قياس، ولا يضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول، وإنما هو الاتباع) . قال أبو الخطاب: (وهذه الرواية - إن صحت عنه - فالمراد به الأحكام الشرعية التي سنها رسول الله ﷺ وشرعها) . قلت: قول أحمد: (لا تدركها العقول) أي أن عقول الناس لا تدرك كل ما سنه رسول لله ﷺ ، فإنها لو أدركت ذلك، لكان علم الناس كعلم الرسول. ولم يرد بذلك أن العقول لا تعرف شيئاً أمر به ونهي عنه. ففي هذا الكلام الرد ابتداء على من جعل عقول الناس معياراً على السنة، ليس فيه رد على من يجعل القول موافقة للسنة) . قال أبوالخطاب: (ولهذه القول قالت الأشعرية وطائفة من المجبرة، وهم الجهمية) . قال: (وعلى هذا يخرج وجوب معرفة الله: هل هي واجبة بالشرع، حتى لو لم يرد ما يلزم أحداً أن يؤمن بالله وأن يعترف بوحدانيته ويوجب شكره أم لا؟ فمن قال: يجب بالشرع، يقول: لا يلزم شيء من ذلك لو لم يرد الشرع. ومن قال بالأول: قال: يجب على كل عاقل الإيمان بالله والشكر له.

стр. 3332

ووجه ذلك أنه لو لم يكن في العقل إيجاب وحظر، لم يتمكن المفكر أن يستدل على أن الله سبحانه لا يكذب خبره، ولا يؤيد الكذاب بالمعجزة، إذ لا وجه في العقل لاستقباحه وخروجه عن الحكمة قبل الخبر عندهم. وإذا كان كذلك لم يؤمن العاقل كون كل خبر ورد عنه أنه كذب، وكل معجزة رآها أن يكون قد أيد بهذا الكذاب المتخرص، وفي ذلك ما يمنع الأخذ بخبر السماء، والانقياد لمعجزات النبوة الدالة على صدقها. ولما وجب اطراح هذا القول، والاعتقاد بأن الله جلت عظمته منزه عن الكذب، متعال عن تأييد المتخرص بالمعجزة، ثبت أن ذلك إنما قبح وحظر في العقل وامتنع في الحكمة) . قلت هذه طريقة معروفة للقائلين بالتحسين والتقبيح العقليين. ويقولون إنهم يعلمون بتلك أن الله منزه عن أن يفعل القبيح، كالكذب وتصديق الكاذب المدعي للنبوة بالمعجزة الدالة على صدقه، وإن كان ذلك ممكناً مقدوراً له، لكن لا يفعله لقبحه وخروجه عن الحكمة. وهم يقولون: إنه بهذه الطريقة يعلم صدق الأنبياء. والذين ينازعونهم - كالأشعري وأصحابه، وابن حامد، والقاضي أبي يعلى، وابن عقيل، وابن الزاغوني وغيرهم - يسلكون في المعرفة بتصديق الأنبياء غير هذه الطريق. وإما طريقة القدرة - كما سلكها الأشعري في أحد قوليه، والقاضيان أبو بكر وأبو يعلى وغيرهما - وهو أنه لا طريق إلى تصديق النبي غير المعجزة، فلو لم تكن دالة على التصديق للزم عجز الباري عن تصديق الرسل.

стр. 3333

وإما طريقة الضرورة - كما سلكها الأشعري في قوله الآخر، وأبو المعالي وطوائف أخر - وإما غير ذلك من الطرق التي بسط الكلام عليها في غير هذا الموضع. وليس المقصود هنا بسط الكلام في هذه المسائل. بل المقصود أن جميع الطوائف - حتى أئمة الكلام والفلسفة - معترفون باشتمال ما جاءت به الرسل على الأدلة الدالة على معرفة الله وتصديق رسله، كما سيأتي ذكره في كلام القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين، والفلاسفة وغيرهم. قال أبوالخطاب: (دليل آخر: أنه غير ممتنع أن يخطر للعاقل أنه لم يخلق نفسه ولا خلقه من هو مثله من أبيه وأمه، إذ لو كانا قادرين على ذلك، لكان هو أيضاً قادراً، وكانا يقدران على خلق غيره. وهو يعلم أنهما لا يقدران، فيعلم أن له خالقاً من غير جنسه خلقه وخلق أبويه، ثم يرى إنعامه عليه بإكماله وتسخير ما سخر له من المأكول والمشروب والأنعام وغير ذلك، كإقداره عليهم، ويخطر له أنه لم يعترف له بذلك ويشكره أنه يعاقبه، وإذا جوز ذلك وجب عليه في عقله دفع الضرر والعقاب بالتزام الشكر. فإن قيل: كما يجوز أن يخطر له ما ذكرتم، يجوز أن يخطر له أن له خالقاً أنعم عليه، وأنه غني عن شكره وجميع ما يتقرب به إليه. ويخاف من تكلف له ذلك أن يسخط عليه ويقول: من أنت حتى تقابلني بالشكر، وتعتقد أنه جزاء نعمتي؟ وما أصنع بشكر مثلك؟ ونحو ذلك. وفي هذا ما يمنعه من التزام شيء من جهة عقله) .

стр. 3334

قال: (والجواب: أن العاقل، مع اعترافه بحكمة خالقه، لا يتوهم أنه يسخط على من شكره وتذلل له وتضرع إليه، وإن كان غنياً عن ذلك، لأن الذي بعثه على الشكر ليس هو اعتقاد حاجة خالقه إلى الشكر، ولا أن شكره يقومن بإزاء النعمة عليه، فيمتنع، لعلمه بغناه عن ذلك. وإنما الباعث له حسن الشكر والتذلل. والتعظيم للمنعم من بدائه العقول. والحكيم لايسخط ما هذا سبيله. فإذاً قد أمن عاقبة الإقدام على الشكر، ولم يأمن عاقبة العقاب على تركه، فيجب في عقله توخي ذلك. وصار مثال ذلك أن يقال للعاقل: في الطريق مفسدون، يأخذون المال ويقتلون النفس، أو سباع تفترس الآدمي. ويقال له: أنت ما معك قليل نذر، والمفسدون قد استغنوا بما قد أخذوا، فلعلهم لا يعرضن لك أنفة من قلة مالك. والسباع قد افترست جماعة فقد شبعوا، فلعلهم لا يعرضون لك. فإن في العقل يجب عليه التوقف عن سلوك ذلك الطريق لا الإقدام عليه، كذلك ها هنا) . قلت: مضمون ذلك أن العقل يوجب سلوك الأمن دون طريق الخوف. قال: (دليل ثالث: أنه لو لم يكن في قضاء العقول: إلزام وحظر، لأمكن العاقل أن لا يلزمه شيء أصلاً، لأنه متى قصد بالخطاب سد سمعه فلم يسمع الخطاب.

стр. 3335

كما أخبر الله عن قوم نوح: ﴿وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا﴾ ، فلما علمنا أنه يجوز بعقله أن يكون في الخبر الذي خوطب به نجاته وسلامته من الهلاك، وفي الإعراض عنه بسد أذنه هلاكه ودماره، ثبت أن في عقله وجوب الإصغاء إلى الخبر، وحظر الإعراض عنه، وذلك وصية العقل لا السمع) . قال: (دليل رابع: أن العقلاء أجمعوا على قبح الكذب والظلم والخيانة وكفران النعمة، وحسن العدل والإنصاف والصدق وشكر المنعم: من أقر منهم بالنبوة ومن جحدها. ولهذا يرى الدهرية وأهل الطبائع في ذلك كأهل الأديان، بل أكثر. فدل على أنهم استفادوا ذلك من العقل لا من الأنبياء. وإذا ثبت أن فيها تحسيناً وتقبيحاً، ثبت أن فيها حظراً وإباحة. وقد صرح ﵇ بذلك لما عرض نفسه على القبائل. دليل خامس: أنا نجد الحمد على الجميل والذم على القبيح يلزمان مع وجود العقل، ويسقطان مع عدمه، فلولا أنه مقتض للحسن والقبح لم يكن لتخصيص العاقل بالذم على القبيح والمدح على الحسن معنىً. وإذا قد وجدنا ذلك، دل على أن في العقل حظراً أو إلزاماً. دليل سادس: أن التكليف محال إلا مع العقل، ولهذا لا يكلف الشرع شيئاً إلا بعد كمال عقولنا. فدل على أن السمع يعلم بالعقول. وإذا كان معلوماً به، والعقل متقدم عليه، ولا تقف معرفته على الشرع - استحال أن يقال: طريق معرفة الله السمع. وكيف يتصور ذلك ونحن لا نعلم وجوب النظر بقول الرسول حتى نعلم أنه رسول؟ ولا نعلم أنه رسول

стр. 3336

حتى نعلم أنه مؤيد بالمعجزة؟ ولا نعلم أنه مؤيد بالمعجزة حتى نعلم أن التأييد من الله سبحانه؟ ولا نعرف التأييد من الله حتى نعرفه ونعلم أنه لا يؤيد الكذاب بالمعجزة؟ ولا نعرف ذلك إلا بفهم العقل، الذي هو نوع من العلوم الضرورية؟ فدل على أن معرفته سبحانه بالعقل. دليل سابع: لو لم تجب معرفته بالعقل لوجب أن يجوز على الله أن ينهي عن معرفته، وأن يأمر بكفره وعصيانه والجور والكذب، كما يجوز أن ينسخ ما شاء من السمعيات، ويوجب ما كان قد نهى عنه. فلما لم يكن ذلك، دل على أن ذلك غير ثابت بالسمع، وإنما يثبت بالعقل الذي لا يتغير، ولا يجوز نكثه ونسخه. دليل آخر: أن الله وهب العقل وجعله كمالاً للآدمي. وإذا أغفل النظر وضيع العقل إذا لم يقتبس منه خيراً، وإذا كان لا يقبح شيئاً ولا يحسنه، فوجوده وعدمه سيان، وهذا لا يقوله عاقل. وأيضاً يدل على ذلك عبارة ملخصة: أن من وجد نفسه مؤثراً بآثار الصنعة، مستغرقاً في أنواع النعمة، لم يستبعد أن يكون له صانع صنعه، وتولى تدبيره، وأنعم عليه، وأنه إن لم ينظر في حقيقة ذلك ليتوصل إلى الاعتراف له وإلتزام شكره، عوقب على ما أغفل من النظر، وضيع من الاعتراف والشكر، فإن العقل سيلزمه النظر لا محاله، إذ لا شيء أقرب إلى الإنسان من النظر، فدل على وجوبه بالعقل) . قلت: هذه الأدلة فيها للمنازعين كلام يحتاج معه إلى فصل الخطاب، كما ذكر في موضعه. وهذه الطريقة التي سلكها أبو الخطاب، وغيره من أهل النظر: من المعتزلة وغيرهم، بنوها على أن معرفة الله تحصل

стр. 3337

بالاستدلال بنفس الإنسان، ولا يحتاج مع ذلك إلى إثبات حدوث الإجسام، كما سلك الأشعري أيضاً هذه الطريقة. قال أبو الخطاب: (احتج الخصم بظواهر الآية، كقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ ، ولم يقل: حتى نجعل عقولاً. وقوله تعالى: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾ ، ولم يقل: بعد العقل. وقوله: ﴿ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى﴾ ، وغير ذلك من الآيات، فجعل الحجة والعذاب يتعلق بالرسل. فثبت أنه لا بالمعقول حجة ولا عذاب) . وقال: (والجواب أن الله بعث الرسل يأمرون بالشرائع والأحكام، وينذرونهم قرب الساعة ووقوع الجزاء على الأعمال، ويبشرونهم على الطاعة وشكر النعمة بدوام النعمة ومزيدها في دار الخلود، ويخوفونهم على المعصية بالعذاب الشديد، ويكونوا شهوداً على أعمالهم. وقد قال تعالى: ﴿إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا﴾ . وقال: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا﴾ . وهذا بعد أن يعرفوا الله بعقولهم، ويردون الشبهات المؤدية إلى التعطيل

стр. 3338

والتشبه، بالحكمة التي جعلها الله فيهم، والنور العقلي المفرق بين الحق والباطل، وإلا فنحن نعلم أن المفكر إذا خطر بباله أن الكتاب لعله مخترع مختلق من جهة مخلوق، والرسول لعله متخرص متمترق، لم يخرج ذلك من قلبه الرجوع إلى الآيات والسنة، وهو يتوهم فيها ما ذكرنا. إنما يرجع إليه بعد ما ثبت عنده حقيقة التوحيد وصدق الرسول، وأن القرآن كلام الله الذي لا يجوز عليه الكذب، وعرف محكم الكتاب من متشابه، وعرف طرق الأخبار وما يجب فيها، فإنه يستغني حينئذ عن النظر بعقله) . قال: (فإن قيل: هذا توهين لأمر الرسل، وجعلهم لا يغنون في التوحيد شيئاً، وإنما يفيد بعثهم في الفروع، وأنه لا فائدة من الآيات التي ذكر فيها التوحيد والدعوة إليه) . ثم قال: (والجواب: أنا نقول: بل لهم في الأصول أعظم فائدة، لأنهم ينبهون العقول الغافلة، ويدلون على المواضع المحتاج إليها في النظر، ليسهل سبيل الوقوف عليها. كما يسهل من يقرأ عليه الكتاب على المتعلم بأن يدله على الرموز، ويبين له مواضع الحجة والفائدة، وإن كان ذلك لا يغنيه عن النظر في الكتاب وقراءته. وأيضاً فإنه بعثهم لتأكيد الحجة، فيؤكدون الحجة على العباد كيلا يقولوا: خلقت لنا الشهوات، وشغلتنا بالملاذ عن التفكر والتدبر فغفلنا. فقطع الله سبحانه حجتهم

стр. 3339

ألا ترى أنه تعالى قال: ﴿أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير﴾ ، فجعل الحجة عليهم طول العمر للتفكر والتذكر، ثم التدبر للتنبيه) . قلت: فهؤلاء الذين يقولون بوجوب المعرفة بالعقل، وأنها لا تحصل إلا بالعقل، ذكروا أن الرسل بينوا الأدلة العقلية التي يستدل بها الناظر، كما نبهوا الغافل ووكدوا الحجة، إذ كانوا ليسوا بدون من يتعلم الحساب والطب والنجوم والفقه، من كتب المصنفين، لا تقليداً لهم فيما ذكروه، لكن لأنهم يذكرون من الكلام ما يدله على الأدلة التي يستدل بها بعقله. فهداية الله لعباده بما أنزله من الكتب، وإرشاده لهم إلى الأدلة المرشدة، والطرق الموصلة، التي يعمل الناظر فيها بعقله ما يؤدي إليه من المعرفة، أعظم من كلام كل متكلم، فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ . وأبو الخطاب يختار ما يختاره كثير من الحنفية - أو أكثرهم - مع من يقول ذلك من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم - من أن الواجبات العقلية لا يشترط فيها البلوغ، بل تجب قبل البلوغ، بخلاف الواجبات الشرعية. قال: (واحتج بأنه لو كان في العقل إلزام وحظر، لوجب أن يكون لمعرفة الحسن والقبح أصل في أوائل العقول يترتب عليه ما سواه. ألا ترى أن للقدم والحدث فيها أصلاً؟ ولو كان ذلك كذلك، لكان من أنكر الحسن والقبح مكابراً لعقله مغالطاً لنفسه، لأن جاحد ما يثبت في البدائه مكابر) .

стр. 3340

قال: (والجواب أن للحسن والقبح أصلاً في بدائه العقول، وهو علمنا بحسن شكر المنعم، والإنصاف، والعدل، وقبح الكذب، والجور، والظلم. ومنكر ذلك مكابر لكافة العقلاء. إلا أن من العقلاء من قال: لا أعرف ذلك بضرورة العقل، وإنما أعرفه بالنظر والخبر. فذلك مقر بالحسن والقبح، ومدع غير طريق الجماعة فيه، فنتكلم في ذلك ونبين له أن الجاهلية وعبدة الأصنام ومن لم تبلغه الدعوة يعلم ذلك، كما يعلمه أهل الأديان، فسقط أن يكون طريقه إلا العقل. وعلى أن القدم والحدوث لهما أصل في بدائه العقول ثم الخلف في ذلك واقع. ولا يقال: إن مخالفنا مكابر عقله. واحتج بأنه أجمع القائلون بأن في العقل إلزاماً وحظراً، على أنه لا يلزم ولا يحظر إلا بتنبيه يرد عليه، فإذا ثبت هذا، قلنا: يجب أن يكون ذلك التنبيه بخبر الشرع لا الخواطر، لأن الخواطر يجوز أن تكون من الملك ومن الشيطان ومن ثوران المرة، وما أشبه ذلك. وإذا جاز ذلك فيها لم نلتفت إلى تنبيهها، والتفتنا إلى ما تؤثر به، وهو خبر الشرع. فإذا عدم خبر الشرع ثبت أنه لا إلزام ولا حظر في ذلك) . وقال: (والجواب أنه لا بد أن ينبه على معرفة حسن الشكر بخطور النعمة بباله من منعم قصد الإحسان إليه، فإنه إذا خطر له نعمه عليه - على ما ذكرنا - ألزمه عقله الشكر لا محالة، سواء نبه على ذلك وسوسة إو إلهام. ولذلك مهما خطر بباله كفران النعمة عرف قبحة. ومهما خطر بباله أن القبيح لا يبعد أن يكون سبباً لهلاكه وعقابه، وأن يكون ضده سبباً

стр. 3341

لنجاته، فإنه يلزمه النظر في ذلك، سواء كانت الخطرة من الملك أو من الشيطان. فثبت أن التنبيه لا يقف على خبر السماء، ثم يلزم أن الحدوث والقدم لا يكون إلا بتنبيه، ثم ذلك خاطر عقلي، ولا يقال: يقف على تنبيه الشرع) . قال: (واحتج بأن الأمة أجمعت أن التكليف يقف على البلوغ، وليس العقل موصوفاً بذلك، من قبل أن الغلام إذا احتلم فليس يستحدث عقلاً، وإنما ذلك عقل قبل بلوغه، فبان أن العقل لا يوجب شيئاً ولا يحظره. وقال: (الجواب: أن الموقوف من التكليف على البلوغ هو تكليف الشرعيات خاصة. فأما الأحكام المتستفادة بالعقل، فإنها تلزم الإنسان إذا استفاد من العقل ما يمكنه أن يفعل به بين الحسن والقبيح، فلا نسلم ما ذكروه) . قلت: هذا الذي قاله هو قول كثير من الحنفية وأهل الكلام - المعتزلة وغيرهم - من القائلين بتحسين العقل وتقبيحه. فإن هؤلاء لهم في الوجوب قبل البلوغ قولان: وكثير ممن يقول بتحسين العقل وتقبيحه هم ونفاة ذلك من الطوائف الأربعة ينفون الوجوب قبل البلوغ. وقد ذكر طائفة من مصنفي الحنفية في كتبهم، قالوا: وجوب الإيمان بالعقل مروي عن أبي حنيفة. وقد ذكر الحاكم الشهيد في المنتقى

стр. 3342

عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، أنه لا عذر لأحد بالجهل بخالقه لما يرى من خلق السماوات والأرض، وخلق نفسه، وسائر خلق ربه. قالوا: ويروى عنه أنه قال: لو لم يبعث الله رسولاً لوجب على الخلق معرفته بعقولهم. قالوا: وعليه مشايخنا من أهل السنة والجماعة، حتى قال أبو منصور الماتريدي في صبي عاقل: إنه يجب عليه معرفة الله، وإن لم يبلغ الحنث. قالوا: وهو قول كثير من مشايخ العراق. ومنهم من قال: لا يجب على الصبي شيء من قبل البلوغ، كما لا تجب عليه العبادات البدنية بالاتفاق) . قلت: هذا الثاني قول أكثر العلماء، وإن كان القول بالتحسين والتقبيح يقول به طوائف كثيرون من أصحاب مالك والشافعي وأحمد، كما يقول به هؤلاء الحنفية، وتنازع هولاء الطوائف في مسألة الحظر والإباحة، وأن الأعيان قبل ورود الشرع، هل هي على الحظر أو الإباحة؟ لا يصح إلا على قول من يقول: إنه بالعقل يعلم الحظر إو الإباحة. وأما من قال: إن العقل لا يعلم به ذلك، ثم قال بأن هذه الأعيان قبل ورود الشرع حظراً أوإباحة، فقد تناقض في ذلك. وقد رام منهم من تفطن لتناقضه أن يجمع بي قوليه فلم يتأت. كقول طائفة: إنه بعد الشرع علمنا به أن الأعيان كانت محظورة أومباحة، ونحو ذلك من الأقوال الضعيفة، وليس هذا موضع بسط ذلك. لكن المقصود هنا أن الأكثرين على انتفاء التكليف قبل البلوغ، لقوله ﷺ : «رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق» . وهو معروف في السنن وغيرها، متلقى عند الفقهاء بالقبول، من

стр. 3343

حديث عائشة وغيرهما. وأيضاً فإن قتل الصبي من أهل الحرب لا يجوز - باتفاق العلماء. وأيضاً فالناس مع تنازعهم في أولاد الكفار: هل يدخلون الجنة أو النار، أو يتوقف فيهم؟ لم يفرق أحد - علمناه - بين المميز وغيره، بل المنصوص عن أحمد ويغره من أئمة السنة - وهو المشهور عنهم - الوقف فيهم. وذهب طائفة إلى أنهم في النار، كما اختاره القاضي أبو يعلى وغيره. وذكروا أن أحمد نص على ذلك، وهو غلط عن أحمد. فإن المنصوص عنه أنه أجاب فيهم بجواب النبي ﷺ : «الله أعلم بما كانوا عاملين» . وهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وفي الصحيح أيضاً من حديث ابن عباس. لكن هذا الحديث روي أيضاً في حديث يروى «أن خديجة سألته عن أولادها من غيره، فقال: هم في النار. فقالت: بلا عمل؟ فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين» . فظن هؤلاء أن أحمد أفتى بما في حديث

стр. 3344

خديجة، كم ذكر ذلك القاضي في المعتمد. وهذا غلط على أحمد. فإن هذا الحديث ضعيف، بل موضوع. وأحمد أجل من أن يعتمد على مثل هذا الحديث، والحديث متناقض، ينقض آخره أوله. وذهبت طائفة إلى أنهم في الجنة، كأبي الفرج بن الجوزي وغيره. والذين قالوا بالوقف فسره بعضهم بأنه يدخل فريق منهم الجنة وفريق النار بحسب تكليفهم يوم القيامة، كما جاء في ذلك عدة آثار. وهذا هو الذي حكاه الأشعري عن أهل السنة والحديث، وقد بسطنا هذا فيما تقدم. والمقصود هنا أنا لم نعلم من السلف من قال إنه فرق فيمن لم يبلغ بين صنف وصنف في القتل أو في عقاب الآخرة، بل الفقهاء متفقون على أن العقوبات التي فيها إتلاف، كالقتل والقطع، لا تكون إلا لبالغ. لكن قد يجمع بين هذا وهذا بأن يقال: الإثم الموجب لعقاب الآخرة مرفوع عمن لم يبلغ. وكذلك العقوبات الدنيوية التي فيها إتلاف. فأما التعزير بالضرب ونحوه فلم يرفع عن المميز من الصبيان. بل قد قال النبي ﷺ : «مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» ، فأمر بضربهم على ترك الواجب الشرعي الذي هو الصلاة، فضربهم على الكذب والظلم أولى. وهذا مما لا يعلم بين العلماء فيه نزاع: أن الصبي يؤذى على ما يفعله من القبائح وما يتركه من الأمور التي يحتاج إليها في مصلحته.

стр. 3345

وهذا النزاع من لوازم الواجبات العقلية للميزين عند من يقول بالإيجاب العقلي، نظير النزاع في الواجبات الشرعية، فإن أحد القولين في مذهب أحمد، وهو اختيار أبي بكر عبد العزيز: أن الصلاة تجب على ابن عشر. وكذلك الصوم يجب عليه إذا أطاقه. وحينئذ فإيجاب أبي الخطاب وموافقيه للتوحيد أولى من هذا. بل يقال: لولم يقل بالوجوب العقلي فإنه يجب أن يقال: إن الصبي يجب عليه الإقرار بالشهادتين قبل وجوب الصلاة عليه، فإن وجوبهما متقدم على وجوب الصلاة بالاتفاق. وأما ما يجب في مال الصبي من النفقات وقضاء الديون وغيره، والعشور والزكوات عند الجمهور الذين يوجبون الزكاة في ماله، فذلك لا يشترط فيه التمييز باتفاق المسلمين، بل يجب ذلك في مال المجنون أيضاً، وفي مال الطفل. وللفقهاء في إسلام الصبي وردته وإحرامه، وغير ذلك من أقواله وأفعاله، كلام معروف، ليس هذاموضع بسطه. وفي ذلك من تناقض أقوال بعضهم، ورجحان بعض الأقوال على بعض ما ليس هذا موضعه، وإنما المقصود هنا أن أعظم الناس تعظيماً للعقل هم القائلون بأنه يوجب ويحظر، ويحسن ويقبح، كالمعتزلة والكرامية والشيعة القائلين بذلك، ومن وافقهم من طوائف الفقهاء والعلماء. وأما الفلاسفة فالنقل عنهم مختلف لتناقض كلامهم، فالمشهور عنهم أن العقل يحسن ويقبح، كما نقله أبو الخطاب عنهم. ولكن كلامهم في مبادىء المنطق وقولهم: إن هذه القضايا من المشهورات لا من البرهانيات، لما رأى الناس أنه يناقض ذلك، صاروا

стр. 3346

يحكون عنهم أنهم لا يقولون بتحسين العقل وتقبيحه، كما نقله الرازي وغيره. فإذا كان المتكلمون القائلون بتحسين العقل وتقبيحه، وأنه لا طريق إلى المعرفة إلا به، وأنه يوجبها، يعني على المميزين، يقولون مع ذلك: إن الشرع بين هذه الطرق العقلية وأرشد إليها، ودل الناس عليها، ووكدها وقررها، حتى تمت الحجة به على الخلق، فجعلوا ما جاء به الشرع متضمناً للمقصود بالعقل من غير عكس، حتى صارت العقليات النافعة جزءاً من الشرع، فكيف غيرهم من طوائف أهل النظر؟ وكذلك الفلاسفة ذكروا ذلك، كما ذكره أبو الوليد بن رشد الحفيد، لما قسم الناس إلى أربعة أصناف، كما سيأتي. فصل. كلام ابن رشد في مناهج الأدلة وتعليق ابن تيمية عليه فصل. كلام ابن رشد في مناهج الأدلة وتعليق ابن تيمية عليه فقد ذكرنا ما تيسر من طرق الناس في المعرفة بالله، ليعرف أن الأمر في ذلك واسع، وأن ما يحتاج الناس إلى معرفته، مثل الإيمان بالله ورسوله، فإن الله يوسع طرقه وييسرها، وإن كان الناس متفاضلين في ذلك تفاضلاً عظيماً. وليس الأمر كما يظنه كثير من أهل الكلام من أن الإيمان بالله ورسوله لا يحصل إلا بطريق يعينونها، وقد يكون الخطأ الحاصل بها يناقض حقيقة الإيمان، كما أن كثيراً منهم يذكر أقوالاً متعددة، والقول

стр. 3347

الذي جاءت به الرسل، وكان عليه سلف الأمة لا يذكره ولا يعرفه. وهذا موجود في عامة الكتب المصنفة في المقالات والملل والنحل، مثل كتاب أبي عيسى الورق، والنوبختي، وأبي الحسن الأشعري، والشهر ستاني: تجدهم يذكرون من أقوال اليهود والنصارى والفلاسفة وغيرهم من الكفار، ومن أقوال الخوارج والشيعة والمعتزلة والمرجئه والكلابية والكرامية والمجسمة والحشوية أنواعاً من المقالات. والقول الذي جاء به الرسول، وكان عليه الصحابة والتابعون وأئمة المسلمين، لا يعرفونه ولا يذكرونه. بل وكذلك في كتب الأدلة والحجج التي يحتج بها المصنف للقول الذي يقول إنه الحق، تجدهم يذكرون في الأصل العظيم قولين أو ثلاثة أو أربعة أو أكثر من ذلك وينصرون أحدهما، ويكون كل ما ذكروه أقوالا فاسدة مخالفة للشرع والعقل. والقول الذي جاء به الرسول، وهو الموافق لصحيح المنقول وصريح العقول لا يعرفونه ولا يذكرونه، فيبقى الناظر في كتبهم حائراً ليس فيما ذكروه ما يهديه ويشفيه، ولكن قد يستفيد من رد بعضهم على علمه ببطلان تلك المقالات كلها. وهذا موجد في عامة كتب أهل الكلام والفلسفة: متقدميهم

стр. 3348

ومتأخريهم إلى كتب الرازي والآمدي ونحوها، وليس فيها من أمهات الأصول الكلية والالهية القول الذي هو الحق، بل تجد كل ما يذكرونه من المسائل وأقوال الناس فيها، إما أن يكون الكل خطأ، وإما أن يذكروا القول الصواب من حيث الجملة، مثل إطلاق القول بإثبات الصانع، وأنه لا إله إلا هو وأن محمداً رسول الله، لكن لا يعطون هذا القول حقه: لا تصوراً ولا تصديقاً فلا يحققون المعنى الثابت في نفس الأمر من ذلك، ولا يذكرون الأدلة الدالة على الحق، وربما بسطوا الكلام في بعض المسائل الجزئية التي لا ينتفع بها وحدها، بل قد لا يحتاج إليها. وأما المطالب العالية والمقاصد السامية، من معرفة الله تعالى والإيمان به وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فلا يعرفونه كما يجب، وكما أخبر به الرسول ﷺ ولايذكرون من ذلك ما يطابق صحيح المنقول ولا صريح المعقول. وابن رشد الحفيد واحد من هؤلاء. ولهذا لما ذكر أصناف الأمة، وجعلهم أربعة أقسام: باطنية، وحشوية، ومعتزلة، وأشعرية: جرى

стр. 3349

في ذلك على طريق أمثاله من أهل الكلام والفلسفة. وهو قد نبه على كثير مما جاء به القرآن، كما سنذكره عنه. لكن المقصود أنه في تقسيم الأمة لم يذكر القسم الذي كان عليه السلف والأئمة، وعليه خيارها إلى يوم القيامة. لكنه صدق في وصفه من ذكره بالتقصير عن مقصود الشرع فإنه كما قال. قال: وذلك أنه يظهر من غير ما آية من كتاب الله تعالى أنه دعا الناس فيها إلى التصديق بوجود الباري تعالى بأدلة عقلية منصوص عليها فيها، مثل قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم﴾ ومثل قوله ﴿أفي الله شك فاطر السماوات والأرض﴾ ، إلى غير ذلك من الآيات الواردة في هذا المعنى. قال: وليس لقائل أن يقول: إنه لو كان واجباً على كل من آمن بالله أن لا يصح إيمانه إلا من قبل وقوفه على هذه الأدلة،

стр. 3350

لكان النبي ﷺ لا يدعو أحداً إلى الإسلام إلا عرض عليه هذه الأدلة، فإن العبر كلها كانت تعترف بوجود الباري . ولذلك قال تعالى ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله﴾ ، ولا يمتنع أن يوجد من الناس من يبلغ منه فدامة الطبع وبلادة القريحة إلى أن لا يفهم شيئاً من الأدلة الشرعية التي نصبها الشارع للجمهور. وهذا فهو أقل الوجود، فإذا وجد ففرضه الإيمان بالله من جهة السماع. قال: فهذه حال الحشوية مع ظاهر الشرع. قال: وأما الأشعرية فإنهم رأوا أن التصديق بوجود الباري تعالى لا يكون إلا بالعقل. لكن سلكوا في ذلك طرقاً ليست هي الطرق الشرعية التي نبه الله عليها ودعا الناس إلى الإيمان به من قبلها، وذلك أن طريقهم المشهورة انبنت على بيان أن العالم محدث، وانبنى عندهم

стр. 3351

حدوث العالم على القول بتركيب الأجسام من أجزاء لا تتجزأ، وأن الجزء الذي لا يتجزأ محدث بحدوثه. وطريقتهم التي سلكوا في بيان حدوث الجزء الذي لا يتجزأ، وهو الذي يسمونه الجوهر الفرد _ وبالجملة حدوث الأجسام - طريقة معتاصة تذهب على كثير من أهل الرياضة في صناعة الجدل، فضلاً عن الجمهور، ومع ذلك فهي غير برهانية ولا مفضية بيقين إلى وجود الباري تعالى. وذلك أنه إذا فرضنا أن العالم محدث لزم - كما يقولون - أن يكون له - ولا بد - فاعل محدث، وذلك أن هذا المحدث لسنا نقدر أن نجعله أزلياً ولا محدثاً، أما كونه محدثاً فلأنه يفتقر إلى محدث، وذلك المحدث إلى محدث، ويمر الأمر إلى غير نهاية، وذلك مستحيل. وأما كونه أزلياً فإنه يجب أن يكون فعله المتعلق بالمفعولات أزلياً فتكون المفعولات أزلية، والحادث يحب أن يكون وجوده متعلقاً بفعل حادث، اللهم إلا لو سلموا أنه يوجد فعل حادث عن فاعل قديم.

стр. 3352

فإن المفعول لا بد أن يتعلق به الفاعل، وهم لا يسلمون ذلك، فإن من أصولهم أن المقارن للحادث حادث. قلت: من أصولهم التي تلقوها عن المعتزلة أن ما لا يسبق الحوادث فهو حادث، وهذا متفق عليه بين العقلاء إلا إذا أريد به الحادث بالشخص، فإن ما لا يسبق الحادث المعين يجب أن يكون حادثاً، وأما ما لا يسبق نوع الحادث فهو محل النزاع بين الناس وعليه ينبني هذا الدليل. وكثير من الناس لايميز في هذا المقام بين ما هو بعينه حادث، وما تكون آحاد نوعه حادثة والنوع لم يزل، حتى أن كثيراً من أهل الكلام إذا رأوا أن الحركات حادثة، أو غيرها من الأعراض، اعتقدوا أن ما لا يسبق ذلك فهو حادث، ولم يميزوا بين ما لا يسبق الحادث المعين، وما لا يسبق النوع الدائم الذي آحاده حادثة، فهو لا يسبق النوع وإن سبق كل واحد واحد من آحاده. ولما تفطن كثير من أهل الكلام للفرق، أرادوا أن يثبتوا امتناع حوادث لا تتناهى بطريق التطبيق وما يشبهه، كما قد ذكر ذلك في موضعه. فهم لايسلمون وجود حوادث لا أول لها عن فاعل قديم، ويسلمون وجود فعل حادث العين عن فاعل قديم. وهو يقول: الحادث يجب أن يكون وجوده متعلقاً بفعل حادث، ثم ذلك الحادث متعلق بفعل حادث، فيكون فعل حادث الأفراد دائم النوع عن فاعل قديم. فهو يقول: لا يمكن وجود

стр. 3353

حادث عن فاعل أزلي إلا بفعل حادث الأفراد دائم النوع، وهم لايسلمون ذلك. قال: وأيضاً إن كان الفاعل حيناً يفعل وحيناً لا يفعل، وجب أن يكون هنالك علة صيرته بإحدى الحالتين أولى منه بالأخرى، فلنسأل أيضاً في تلك العلة مثل هذا السؤال وفي علة العلة، فيمر الأمر إلى غير نهاية. قال: وما يقوله المتكلمون في جواب هذا من أن الفعل الحادث كان بإرادة قديمة ليس بمنج ولا مخلص من هذا الشك، لأن الإرادة غير الفعل المتعلق بإيجاده حادثاً، سواء فرضنا الإرادة قديمة أو حادثة، متقدمة على الفعل أو معه. فكيفما كان فقد يلزمهم أن يجوزوا على القديم أحد ثلاثة أمور: إما إرادة حادثة وفعل حادث، وإما فعل حادث وإرادة قديمة، وإما فعل قديم وإرادة قديمة. والحادث ليس يمكن أن يكون عن فعل قديم بلا وسطة، إن سلمنا

стр. 3354

لهم أنه يوجد عن إرادة قديمة. ووضع الإرادة نفسها هي الفعل المتعلق بالمفعول شيء لا يعقل، وهو كفرض مفعول بلا فاعل، فإن الفعل غير الفاعل وغير المفعول وغير الإرادة. والإرادة هي شرط الفعل لا الفعل. وأيضاً فهذه الإرادة القديمة يجب أن تتعلق بعدم الحادث دهراً لانهاية له، إذا كان الحادث معدوماً دهراً لانهاية له فهي لا تتعلق بالمراد في الوقت الذي اقتضت إيجاده، إلا بعد انقضاء دهر لا نهاية له، وما لانهاية له لا ينقضي، فيجب أن لا يخرج هذا المراد إلى الفعل، أو ينقضي دهر لا نهاية له، وذلك ممتنع. وهذا هو بعينه برهان المتكلمين الذي اعتمدوه في حدوث دورات الفلك. وأيضاً فإن الإرادة التي تتقدم المراد وتتعلق به بوقت مخصوص دون وقت، لا بد أن يحدث فيها في وقت إيجاد المراد عزم على الإيجاد لم يكن قبل ذلك الوقت، لأنه إن لم يكن في المريد في وقت الفعل قدر زائد على ما كانت عليه في الوقت الذي اقتضت الإرادة عدم الفعل، وإلا لم يكن وجود ذلك الفعل عنه في ذلك الوقت أولى من عدمه. وأيضاً كيف يتعين وقت للحادث من غير أن يتقدمه زمان ماض محدود الطرف، إلى ما في هذا كله من التشغيب والشكوك العويصة التي

стр. 3355

لا يخلص منها العلماء المهرة بعلم الكلام والحكمة، فضلاً عن العامة، ولو كلف الجمهور العلم من هذه الطرق لكان من باب تكليف ما لا يطاق. وأيضاً فإن الطرق التي سلك هؤلاء القوم في حدوث العالم قد جمعت هذين الوصفين معاً، أغني أن الجمهور ليس في طباعهم قبولها، ولا هي مع هذا برهانية، فليست تصلح لا للعلماء ولا للجمهور. ونحن ننبه ها هنا على ذلك بعض التنبيه، فنقول إن الطرق التي سلكوا في ذلك طريقان: أحدهما: وهو الأشهر الذي اعتمد عليها عامتهم ـ ينبني على ثلاث مقدمات هي بمنزلة الاصول لما يرومونه من إثبات حدوث العالم. إحداهما: أن الجواهر لا تنفك عن الأعراض، أي لا تخلو منها والثانية: أن الأعراض حادثة

стр. 3356

والثالثة: أن ما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث، أعني ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث. فأما المقدمة الأولى، وهي القائلة: إن الجوهر لا يعرى من الأعراض، فإن عنوا الأجسام المشار إليها القائمة بذاتها فهي مقدمة صحيحة، وإن عنوا بالجوهر الجزء الذي لا يتجزأ وهو الذي يريدونه بالجوهر الفرد، ففيها شك ليس باليسير، وذلك أن وجود جوهر غير منقسم ليس معروفاً بنفسه، وفي وجوده أقاويل متضادة شديدة التعاند، وليس في قوة صنا عة الكلام تلخيص الحق منها، وإنما ذلك صناعة البرهان، وأهل هذه الصناعة قليل جداً، والدلائل التي يستعملها الأشعرية في إثباته خطا بية في الأكثر. وذلك أن استدلالهم المشهور في ذلك هو انهم يقولون: إن من المعلومات الأولى أن الفيل مثلاً إنما يقولون فيه: إنه أعظم من النملة من قبل زيادة أجزائه على أجزاء النملة وإذا كان ذلك كذلك

стр. 3357

فهو مؤلف من تلك الأجزاء، وليس هو واحداً بسيطاً، فإذا فسد الجسم فإليها ينحل، وإذا تركب فمنها يتركب. وهذا الغلط إنما دخل عليهم من شبه الكمية المنفصلة بالمتصلة، فظنوا أن ما يلزم في المنفصلة يلزم في المتصلة، وذلك إنما يصدق هذا في العدد، أعني أن نقول: إن عدداً أكثر من عدد من قبل كثرة الأجزاء الموجودة فيه، أعني الوحدات. وأما الكم المتصل فليس يصدق ذلك فيه. ولذلك نقول في الكم المتصل: أنه أعظم وأكبر، ولا نقول: اكثر. ونقول في العدد: إنه أكثر ولانقول: إنه أكبر. وعلى هذا القول فتكون الأشياء كلها أعداد، ولا يكون هناك عظم متصل أصلاً فتكون صناعة الهندسة هي صناعة العدد بعينها. ومن المعروف بنفسه أن كل عظم فإنه ينقسم بنصفين: أعني الأعظام الثلاثة، التي هي: الخط، والسطح، والجسم. وأيضاً فإن الكم المتصل هو الذي يمكن أن يفرض عليه في وسطه نهاية يلتقي عندها طرفا القسمين جميعاً، وليس يمكن ذلك في العدد. ولكن يعارض هذا أيضاً أن الجسم، وسائر أجزاء الكم المتصل، يقبل

стр. 3358

الانقسام، وكل منقسم فإما أن ينقسم إلى شيء منقسم، أو إلى شيء غير منقسم فإن انقسم إلى غير منقسم، فقد وجدنا الجزء الذي لا ينقسم، وإن انقسم إلى منقسم عاد السؤال في ذلك المنقسم: هل ينقسم إلى منقسم أو إلى غير منقسم؟ فإن انقسم إلى منقسم إلى غير النهاية، كانت في الشيء المتناهي أجزاء لا نهاية لها، ومن المعلومات الأولى أن أجزاء المتناهي متناهية. قلت: هذا الموضع هو الذي أوجب قول النظام ونحوه بالطفرة، وقول طائفة من المتفلسفة والمتكلمين بقبول انقسام إلى غيى نهاية بالقوة لا بالفعل. وقد أجاب عن هذا طائفة من نفاة الجزء بأن كل ما يوجد فهو يقبل القسمة، بمعنى امتياز شيء منه عن شيء، وهي القسمة العقلية المفروضة، لكن لا يلزم وجود ما لا يتناهى من الأجزاء، لأن الموجود إن قيل: إنه لا يقبل القسمة بالفعل لم تكن فيه أجزاء لا تتناهى، وإن قيل: إنه يقبلها بالفعل، فإذا صغرت أجزاؤه فإنها تستحيل وتفسد وتفني، كما تستحيل أجزاء الماء الصغار هواء، وإذا استحالت عند تناهي صغرها لم يلزم أن تكون باقية قاتلة لانقسامات لا تتناهى، ولا يلزم وجود أجزاء لا تتناهى.

стр. 3359

قال: ومن الشكوك المعتاصة التي تلزمهم أن يسألوا إذا حدث الجزء الذي لا يتجزأ: ما القابل لنفس الحدوث؟ فإن الحوادث عرض من الأعراض، وإذا وجد الحادث فقد ارتفع الحدوث، فإن من أصولهم أن الأعراض لا تفارق الجواهر فيضطرهم الأمر إلى أن يضعوا الحدوث في موجود ما وبوجود ما. قلت من يقول: إن الإحداث هو نفس المحدث، والمخلوق هو نفس الخلق، والمفعول هو نفس الفعل، كما هو قول الأشعرية لا يسلم أن لحدوث عرض، ولا أن له محلاً، فضلاً عن أن يكون وجودياً، لكنه قد قدم إفساد هذا، وأنه لا بد للمفعول من فعل. وحينئذ فيقال: الإحداث قائم بالفاعل المحدث، وحدوث الحادث ليس عرضاً موجوداً قائماً بشيء غير إحداث المحدث. ويقال أيضاً: إن هذا ينبني على أن المعدوم شيء وأن الماهيات في الخارج زائد على وجودها، وكلاهما باطل. وبتقدير صحته فيكون الجواب: أن القابل للحدوث هو تلك الذوات والماهيات. لكن هذا الذي ذكره يتقرر بطريقة أصحابه المشهورة: أن الحادث

стр. 3360

مسبوق بالإمكان لا بد له من محل، فلا بد للمحدث من محل. قال: وأيضاً فقد يسألون إن كان الموجود يكون عن عدم، فبم يتعلق فعل الفاعل ولا يتعلق عندهم بما وجد وفرغ من وجوده فقد ينبغي أن يتعلق بذات متوسطة بين العدم والوجود، وهذا الذي اضطر المعتزلة إلى أن قالت: أن في القدم ذاتاً ما. وهؤلاء أيضاً - يعني المعتزلة - يلزمهم أن يوجد ما ليس بموجود بالفعل. وكلتا الطائفتين يلزمهم أن يقولوا بوجود الخلاء. قلت هذا هو الشبهة المشهورة من أن فعل الفاعل وإحداث المحدث ونحو ذلك: إن قيل: يتعلق بالشيء وقت عدمه، لزم كونه موجوداً معدوماً. وإن قيل يتعلق به وقت وجوده، لزم تحصيل الحاصل ووجوده مرتين.

стр. 3361

وجوابه أنه يتعلق به حين وجوده، بمعنى أنه هو الذي يجعله موجوداً، لا بمعنى أنه كان موجوداً بدونه، فجعله هو أيضاً موجوداً. قال: فهذه الشكوك - كما ترى - ليس في قوة صناعة الجدل حلها، فإذاً يجب أن لا يجعل هذا مبدأً لمعرفة الله تعالى، وخاصة الجمهور، فإن طريقة معرفة الله تعالى أصح من هذا وأوضح، على ما سنبين بعد من قولنا. قال: وأما المقدمة الثانية، وهي القائلة إن جميع الأعراض محدثة، فهي مقدمة مشكوك فيها، وخفاء هذا المعنى فيها كخفائه في الجسم. وذلك أنا شاهدنا بعض الأجسام محدثة وكذلك بعض الأعراض، فلا فرق في النقلة من الشاهد في كليهما إلى الغائب، فإن كان واجباً في الأعراض أن ينقل حكم الشاهد منها إلى الغائب - أعني أن

стр. 3362

نحكم بالحدوث على ما لم نشاهده منها قياساً على ما شاهدنا - فقد يجب أن يفعل مثل ذلك في الأجسام، ونستغني عن الاستدلال بحدوث الأعراض على حدوث الأجسام. وذلك أن الجسم السماوي - وهو المشكوك في إلحاقه بالشاهد - الشك في حدوث أعراضه كالشك في حدوثه نفسه، لأنه لم يحس حدوثه، لا هو ولا أعراضه. ولذلك ينبغي أن نجعل الفحص عنه من أمر حركته، وهي الطريق التي تقضي بالسالكين إلى معرفة الله ﵎ بيقين. قال: وهي طريق الخواص، وهي التي خص بها إبراهيم الخليل ﵇ في قوله تعالى ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين﴾ لأن الشك كله إنما هو في الأجرام السماوية، وأكثر النظار إنما انتهوا إليها، واعتقدوا أنها آلهة. قلت: قول هذا وأمثاله: إن إبراهيم استدل بطريق الحركة، هو من جنس قول أهل الكلام الذين يذمهم أصحابه وسلف الأمة: إن إبراهيم استدل بطريق الحركة. لكن هو يزعم أن طريقة الخواص:

стр. 3363

طريقة أرسطو وأصحابه، حيث استدلوا بالحركة على أن حركة الفلك اختيارية، وأنه يتحرك للتشبه بجوهر غير متحرك. وأولئك المتكلمون يقولون: إن استدلال إبراهيم بالحركة لكون المتحرك يكون محدثاً، لامتناع وجود حركات لا نهائية لها. وكل من الطائفتين تفسد طريقة الأخرى، وتبين تناقضها بالأدلة العقلية. وحقيقة الأمر أن إبراهيم لم يسلك واحدة من الطريقين ولا احتج بالحركة، بل بالأفول الذي هو المغيب والاحتجاب، كما قد بسط في موضع آخر. فالآفل لا يستحق أن يعبد. ولهذا قال ﴿إنني براء مما تعبدون * إلا الذي فطرني﴾ وقال ﴿إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين﴾ وقومه كانوا مقرين بالرب تعالى، لكن كانوا مشركين به، فاستدل على ذم الشرك، لا على إثبات الصانع. ولو كان المقصود إثبات الصانع، لكانت قصة إبراهيم حجة عليهم لا لهم، فإنه من حين بزغ الكوكب والشمس والقمر، إلى أن أفلت كانت

стр. 3364

متحركة، ولم ينف عنها المحبة، ولا تبرأ منها كما تبرأ مما يشركون لما أفلت، فدل ذلك على أن حركتها لم تكن منافية لمقصود إبراهيم، بل نافاه أفولها. فصل. كلام ابن رشد في مناهج الأدلة وتعليق ابن تيمية عليه فصل. كلام ابن رشد في مناهج الأدلة وتعليق ابن تيمية عليه قال ابن رشد: وأيضاً فإن الزمان من الأعراض، ويعسر تصور حدوثه، وذلك أن كل حادث فيجب أن يتقدمه العدم بالزمان، فإن تقدم عدم الشيء على الشيء لا يتصور إلا من قبل الزمان. وأيضاً فالمكان الذي يكون فيه العالم، إذا كان كل متكون، فالمكان سابق له، يعسر تصور حدوثه، لأنه إن كان خلاء -على رأي من يرى أن الخلاء هو المكان - احتاج أن يتقدم حدوثه، إن فرض حادثاً خلاء آخر. وإن كان المكان نهاية الجسم المحيط بالمتمكن - على الرأي الثاني - لزم أن يكون ذلك الجسم في مكان، فيحتاج ذلك الجسم إلى الجسم، ويمر الأمر إلى غير نهاية. وهذه كلها شكوك عويصة. وأدلتهم التي يرومون بها بيان إبطال

стр. 3365

قدم الأعراض إنما هي لازمة لمن يقول بقدم ما يحسن منها حادثاً. أعني من يضع أن جميع الأعراض غير حادثة. وذلك أنهم يقولون: إن الأعراض التي يظهر للحس أنها حادثة، إن لم تكن حادثة، فإما أن تكون منتقلة من محل إلى محل، وإما أن تكون كامنة في المحل الذي ظهرت فيه من قبل أن تظهر. ثم يبطلون هذين القسمين فيظنون أنهم قد بينوا أن جميع الأعراض حدوثه، ولا ما يشك في أمره، مثل الأعراض الموجودة في الأجرام السماوية من حركاتها وأشكالها وغير ذلك، فتؤول أدلتهم على حدوث جميع الأعراض إلى قياس الشاهد على الغائب، وهو دليل خطابي، إلا حيث النقلة معقولة بنفسها، وذلك عند التيقن باستواء طبيعة الشاهد والغائب وأما المقدمة الثالثة: وهي القائلة: إن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، فهي مقدمة مشتركة الاسم. وذلك أنها يمكن أن تفهم على معنيين: أحدهما ما لا يخلو من
следующие страницы →