Полный текст (4 031 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.
стр. 3361
وجوابه أنه يتعلق به حين وجوده، بمعنى أنه هو الذي يجعله موجوداً، لا بمعنى أنه كان موجوداً بدونه، فجعله هو أيضاً موجوداً.
قال: فهذه الشكوك - كما ترى - ليس في قوة صناعة الجدل حلها، فإذاً يجب أن لا يجعل هذا مبدأً لمعرفة الله تعالى، وخاصة الجمهور، فإن طريقة معرفة الله تعالى أصح من هذا وأوضح، على ما سنبين بعد من قولنا.
قال: وأما المقدمة الثانية، وهي القائلة إن جميع الأعراض محدثة، فهي مقدمة مشكوك فيها، وخفاء هذا المعنى فيها كخفائه في الجسم.
وذلك أنا شاهدنا بعض الأجسام محدثة وكذلك بعض الأعراض، فلا فرق في النقلة من الشاهد في كليهما إلى الغائب، فإن كان واجباً في الأعراض أن ينقل حكم الشاهد منها إلى الغائب - أعني أن
стр. 3362
نحكم بالحدوث على ما لم نشاهده منها قياساً على ما شاهدنا - فقد يجب أن يفعل مثل ذلك في الأجسام، ونستغني عن الاستدلال بحدوث الأعراض على حدوث الأجسام.
وذلك أن الجسم السماوي - وهو المشكوك في إلحاقه بالشاهد - الشك في حدوث أعراضه كالشك في حدوثه نفسه، لأنه لم يحس حدوثه، لا هو ولا أعراضه.
ولذلك ينبغي أن نجعل الفحص عنه من أمر حركته، وهي الطريق التي تقضي بالسالكين إلى معرفة الله ﵎ بيقين.
قال: وهي طريق الخواص، وهي التي خص بها إبراهيم الخليل ﵇ في قوله تعالى ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين﴾ لأن الشك كله إنما هو في الأجرام السماوية، وأكثر النظار إنما انتهوا إليها، واعتقدوا أنها آلهة.
قلت: قول هذا وأمثاله: إن إبراهيم استدل بطريق الحركة، هو من جنس قول أهل الكلام الذين يذمهم أصحابه وسلف الأمة: إن إبراهيم استدل بطريق الحركة.
لكن هو يزعم أن طريقة الخواص:
стр. 3363
طريقة أرسطو وأصحابه، حيث استدلوا بالحركة على أن حركة الفلك اختيارية، وأنه يتحرك للتشبه بجوهر غير متحرك.
وأولئك المتكلمون يقولون: إن استدلال إبراهيم بالحركة لكون المتحرك يكون محدثاً، لامتناع وجود حركات لا نهائية لها.
وكل من الطائفتين تفسد طريقة الأخرى، وتبين تناقضها بالأدلة العقلية.
وحقيقة الأمر أن إبراهيم لم يسلك واحدة من الطريقين ولا احتج بالحركة، بل بالأفول الذي هو المغيب والاحتجاب، كما قد بسط في موضع آخر.
فالآفل لا يستحق أن يعبد.
ولهذا قال ﴿إنني براء مما تعبدون * إلا الذي فطرني﴾ وقال ﴿إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين﴾ وقومه كانوا مقرين بالرب تعالى، لكن كانوا مشركين به، فاستدل على ذم الشرك، لا على إثبات الصانع.
ولو كان المقصود إثبات الصانع، لكانت قصة إبراهيم حجة عليهم لا لهم، فإنه من حين بزغ الكوكب والشمس والقمر، إلى أن أفلت كانت
стр. 3364
متحركة، ولم ينف عنها المحبة، ولا تبرأ منها كما تبرأ مما يشركون لما أفلت، فدل ذلك على أن حركتها لم تكن منافية لمقصود إبراهيم، بل نافاه أفولها.
فصل. كلام ابن رشد في مناهج الأدلة وتعليق ابن تيمية عليه
فصل.
كلام ابن رشد في مناهج الأدلة وتعليق ابن تيمية عليه
قال ابن رشد: وأيضاً فإن الزمان من الأعراض، ويعسر تصور حدوثه، وذلك أن كل حادث فيجب أن يتقدمه العدم بالزمان، فإن تقدم عدم الشيء على الشيء لا يتصور إلا من قبل الزمان.
وأيضاً فالمكان الذي يكون فيه العالم، إذا كان كل متكون، فالمكان سابق له، يعسر تصور حدوثه، لأنه إن كان خلاء -على رأي من يرى أن الخلاء هو المكان - احتاج أن يتقدم حدوثه، إن فرض حادثاً خلاء آخر.
وإن كان المكان نهاية الجسم المحيط بالمتمكن - على الرأي الثاني - لزم أن يكون ذلك الجسم في مكان، فيحتاج ذلك الجسم إلى الجسم، ويمر الأمر إلى غير نهاية.
وهذه كلها شكوك عويصة.
وأدلتهم التي يرومون بها بيان إبطال
стр. 3365
قدم الأعراض إنما هي لازمة لمن يقول بقدم ما يحسن منها حادثاً.
أعني من يضع أن جميع الأعراض غير حادثة.
وذلك أنهم يقولون: إن الأعراض التي يظهر للحس أنها حادثة، إن لم تكن حادثة، فإما أن تكون منتقلة من محل إلى محل، وإما أن تكون كامنة في المحل الذي ظهرت فيه من قبل أن تظهر.
ثم يبطلون هذين القسمين فيظنون أنهم قد بينوا أن جميع الأعراض حدوثه، ولا ما يشك في أمره، مثل الأعراض الموجودة في الأجرام السماوية من حركاتها وأشكالها وغير ذلك، فتؤول أدلتهم على حدوث جميع الأعراض إلى قياس الشاهد على الغائب، وهو دليل خطابي، إلا حيث النقلة معقولة بنفسها، وذلك عند التيقن باستواء طبيعة الشاهد والغائب وأما المقدمة الثالثة: وهي القائلة: إن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، فهي مقدمة مشتركة الاسم.
وذلك أنها يمكن أن تفهم على معنيين: أحدهما ما لا يخلو من
стр. 3366
جنس الحوادث ويخلو من آحادها، والثاني: ما لا يخلو من واحد منها مخصوص مشار إليه.
كأنك قلت: ما لا يخلو من هذا السواد المشار إليه فهو مادي، فأما هذا المفهوم الثاني فهو صادق أعني ما لا يخلو من عرض ما يشار إليه.
وذلك أن العرض الحادث يجب بالضرورة أن يكون الموضوع له حادثاً، لأنه إن كان قديماً فقد خلا من ذلك العرض، وقد كنا فرضناه لا يخلو، وهذا خلف لا يمكن.
وأما المفهوم الأول، وهو الذي يريدونه فليس يلزم عنه حدوث المحل.
أعني الذي لا يخلو من جنس الحوادث، لأنه يمكن أن يتصور المحل الواحد- أعني الجسم -تتعاقب عليه أعراض غير متناهية: إما متضاده، وإما غير متضاده.
كأنك قلت: حركات لا نهاية لها، وحركات وسلوكيات لانهاية لها، كما يرى كثير من القدماء في
стр. 3367
العالم، أعني أنه يتكون واحد بعد واحد.
ولهذا لما شعر المتأخرون من المتكلمين بوهاء هذه المقدمة رامو شدها وتقويتها، بأن بينوا - في زعمهم - أنه لا يمكن أن تتعاقب على محل واحد أعراض لا نهاية لها.
وذلك أنهم زعموا أنه يجب على هذا الوضع أن لا يوجد في المحل منها عرض ما مشار إليه إلا وقد وجدت قبله أعراض لا نهاية لها، وذلك يؤدي إلى امتناع الموجود منها، أعني المشار إليه، لأنه يلزم ألا يوجد إلا بعد انقضاء ما لا نهاية له.
ولما كان ما لا نهاية له لا ينقضي، وجب ألا يوجد المشار إليه، أعني المفروض موجوداً.
مثال ذلك: أن الحركة الموجودة اليوم للجرم السماوي، إن كان قد وجد قبلها حركات لا نهاية لها، فقد كان يجب ألا يوجد ذلك.
ومثلوا ذلك برجل قال لرجل: لا أعطيك هذا الدينار حتى أعطيك قبله دنانير لانهاية لها.
قالوا: فليس يمكن أن يعطيه ذلك الدينار المشار إليه أبداً.
قال: وهذا التمثيل ليس بصحيح، لأن في هذا التمثيل وضع
стр. 3368
مبدأ ونهاية ووضع ما بينهما غير متناه.
لأن قوله وقع في زمان محدود، وإعطاءه إياه يقع في زمان محدود، فاشترط هو أن يعطيه الدينار في زمان يكون بينه وبين ذلك الزمان، الذي تكلم فيه، أزمنة لا نهاية لها، وهي التي يعطيه فيها دنانير لانهاية لها، وذلك مستحيل.
فهذا التمثيل بين أمره لا يشبه المسألة الممثل بها.
وأما قولهم: إن ما يوجد بعد وجود أشياء لا نهاية لها لا يمكن وجوده، فليس بصادق من جميع الوجوه.
وذلك أن الأشياء التي بعضها قبل بعض توجد على نحوين: إما على جهة الدور، وإما على جهة الاستقامة.
فالتي توجد على جهة الدور، الواجب فيها أن تكون غير متناهية، إلا أن يفرض فيها ما ينهيها.
مثال ذلك: أنه إن كان شروق فقد كان غروب، وإن كان غروب فقد كان شروق، فإن كان شروق فقد كان شروق.
وكذلك إن كان غيم فقد كان بخار صاعد من الأرض، وإن كان بخار
стр. 3369
صاعد من الأرض فقد ابتلت الأرض، وإن كان قد ابتلت الأرض فقد كان مطر، وإن كان مطر فقد كان غيم.
وأما التي تكون على استقامة، مثل كون الإنسان من الإنسان، وذلك الإنسان من إنسان آخر، فإن هذا إن كان بالذات لم يصح أن يمر إلى غير نهاية، لأنه إذا لم يوجد الأول من الأسباب لم يوجد الآخر، وإن كان ذلك بالعرض، مثل أن يكون الإنسان بالحقيقة عن فاعل آخر غير الإنسان، الذي هو الإله وهو المصور له، ويكون الأب إنما منزلته منزلة الآلة من الصانع، فليس يمتنع إن وجد ذلك الفاعل يفعل فعلاً لا نهاية له بآلات غير متناهية متبدلة، أن يكون فعله لأشخاص الناس على الدوام بأشخاص لا نهاية لها، أعني أنه يفعل الأبناء بالآباء، وإليه الإشارة في قوله تعالى ﴿أن اشكر لي ولوالديك﴾ .
قلت: مضمون هذا الكلام أن التسلسل في العلل ممتنع، لأن العلة يجب وجودها عند وجود المعلول.
وأما في الشروط والآثار - مثل كون
стр. 3370
الوالد شرطا في وجود الولد، ومثل كون الغيم شرطا في وجود المطر - فلا يمتنع.
وهذا فيه نزاع معروف، وقد ذكر في غير هذا الوضع.
وليس في هذا ما ينفع الفلاسفة في قولهم بقدم الأفلاك، وإنما غايته إبطال ما يقوله من يقول بوجوب تناهي الحوادث.
وقد تقدم غير مرة أن حجة الفلاسفة باطلة على تقدير النقيضين، فإنه إذا امتنع وجود ما لا يتناهى بطل قولهم، وإن جاز وجوده لم يمتنع أن يكون وجود الأفلاك متوقفاً على حوادث قبله، وكل حادث مشروط بما قبله، كما يقولون هم في الحوادث عن علة تامة مستلزمة لمعلولها، ويقتضي أنه يلزم من قولهم أن لا يكون للحوادث فاعل، إذا كان كل حادث مشروطاً بحادث قبله.
والعلة التامة المستلزمة لمعلولها يمتنع عندهم -وعند غيرهم - أن يحدث عنها شيء بوسط أو غير وسط، لأن ذلك يقتضي تأخر شيء من معلولاتها فلا تكون تامة، بل فيها إمكان ما بالقوة لم يخرج إلى الفعل، وهو نقيض قولهم.
قال ابن رشد: وأيضاً فإن قولهم: إن الحركة المشار إليها لا تخرج إلا وقد انقضت قبلها حركات لانهاية لها، قول لا يسلمه الخصوم، فإن الخصوم: إنه لا ينقضي إلا ما له ابتداء، وما لا مبدأ له - كما
стр. 3371
نضعه نحن - فلا انقضاء له وبهذا ينكرون قولهم: إن ما وقع في الماضي فقد دخل في الوجود، لأن معنى: دخل في الوجود، أنه تناهى وجوده وكمل، ولا يتناهى إلا ما له ابتداء، فأما ما لم يبتدي فلا يدخل في الوجود.
قلت: لفظ الانقضاء والقضاء قد يعنى به الكمال والتمام.
كما قال تعالى: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض﴾ ، ﴿فإذا قضيتم مناسككم﴾ ويقال: قد انقضت هذه السنة، والمضي والزوال.
فمعلوم أن الحوادث التي كانت قبلها قد انقضت ومضت وانتهت، بمعنى أنها لم يبق منها شيء.
وعلى هذا فقول القائل: كل حركة لا تكون حتى يكون قبلها حركات لا نهاية لها، معناه: حتى توجد قبلها حركات لا ابتداء لها.
ليس
стр. 3372
المراد: لا آخر لها، بل المراد: ليس لها ابتداء، وهذا صحيح، وهو أول المسألة.
والمنازع يقول: إذا كانت الحركات لا أول لها، فالمعنى أنه قد مضى في الماضي ما لا ابتداء له، كما يقال: إنه سيوجد في المستقبل ما لا انتهاء له.
وهذا هو قوله، فما الدليل على بطلان هذا؟
فهناك اشتراك واشتباه في الألفاظ والمعاني، إذا ميزت ظهر المعنى.
ولفظ الدخول في الوجود قد يتناول ما كمل وجوده وما لم يكمل وجوده، ويتناول ما وجد معاً وما وجد متعاقباً.
لكن قول القائل: إن الماضي دخل في الوجود دون المستقبل، عند منازعه فرق لا تأثير له.
فإن أدلته النافية لإمكان دوام ما لا يتناهى، كالمطابقة والشفع والوتر وغير ذلك، يتناول الأمرين، وهي باطلة في أحدهما، فيلزم بطلانها في الآخر، ومن اعتقد صحتها مطلقاً، ك أبي الهذيل والجهم، طردوها في الماضي والمستقبل، وهو خلاف دين المسلمين وغيرهم من أهل الملل.
وهذا الذي يذكره هؤلاء المتفلسفة إنما يتوجه فيما مضى ولم يبق كالحركات، فأما النفوس الإنسانية المجتمعة، إذا قالوا بأنه الآن في الوجود منها ما لا يتناهى وهو مجتمع، وأن ذلك لا يزال يزيد، لم يكن ما ذكروه في الحركات متناولاً لهذا.
ولهذا فر ابن رشد من ذلك إلى أن جعل النفوس واحدة بالذات، وشبهها بالضوء مع الشمس، والضوء عرض.
وفساد هذا القول معلوم، وليس هذا موضع بسطه.
стр. 3373
ولهذا قال ابن رشد هنا: وهذا كله ليس بيناً في هذا الموضع، وإنما سقناه ليعرف أن ما توهم القوم من هذه الأشياء أنه برهان فليس برهاناً، ولا هو من الأقاويل التي تليق بالجمهور، أعني التراهين البسيطة التي كلف الله تعالى بها الجميع من عباده الإيمان به.
قال: فقد تبين لك من هذا أن هذه الطريقة ليست برهانية صناعية ولا شرعية.
وأيضاً فإن خصماءهم لا يضعون قبل الدورة المشار إليها دورات لا
стр. 3374
نهاية لها، لأن من أصولهم أن ما لا نهاية له الجائز الوجود، هو الذي يوجد أبداً شيء خارج عنه، أعني أنه يمكن أن يزاد عليه دائماً، فهم إنما يضعون أن قبل هذه الدورة المشار إليها دورة، وقبل تلك الدورة دورة، وذلك إلى غير نهاية على التعاقب على محل واحد أي متى وجدت دورة وجدت قبلها في المحل دورة وبعدها دورة، وأن هذا المرور إلى غير نهاية، كالحال في المستقبل، فإنما نقول: إن بعد هذه الدورة دورة وبعدها دورة وذلك إلى غير نهاية، ولا نقول: إن بعد هذه الدورة دورات لا نهاية لها، فيلزم عن هذا أن يكون بعد الدورة التي كانت اليوم بمدة عشرة آلاف سنة دورات لا نهاية لها، وبعد الدورة المشار إليها الآن، فيكون ما لا نهاية لها أعظم مما لا نهاية له وذلك محال، وكذلك الحال في الأدوار الماضية.
وقولهم: إن الفرق بين ما مضى وبين ما يأتي: أن ما يأتي لم يدخل في
стр. 3375
الوجود بعد، وأن مضى قد أنصرم وانقضى، وما انصرم وانقضى فواجب أن يدخل في الوجود، فهو متناه - قول حق، إلا أن الوضع الذي يضعه خصماؤهم في الدورات ليس بهذه الصفة، وذلك أنه لم يكن هناك حركة، واجب أن تكون أولى يستحيل أن تكون قبلها حركة، فليس يجب أن يكون ها هنا جملة، هي أو لجملة دخلت في الوجود، ولا جزء منها هو أول جزء دخل في الوجود.
والذي دخل منها في الوجود إنما هو شخص واحد أو أشخاص متناهية، إن كانت من الأشياء التي يوجد منها أكثر من شخص واحد.
وذلك على جهة التعاقب على محل وحد.
فمن أين-يلزم ليت شعري-إن كان الداخل منها في الوجود إنما هو واحد، وقبله واحد، أن يكون هاهنا جملة غير متناهية دخلت في الوجود معا؟.
стр. 3376
والأصل في هذا كله أن لا يدخل في الوجود إلا ما انقضى وجوده، وما انقضى وجوده ولا ينقضي إلا ما ابتدى وجوده، وإنما كان يلزم أن يدخل في الوجود ما لا نهاية له الماضي في الوجود، لو كان دخوله معا، أعني ما لا نهاية له، وأما الداخل فيه شخص فشخص على محل واحد، وكأنك قلت على الجسم الدوري وليس هناك أول، فليس يجب أن يكون ما دخل منها في الوجود منحصرا أو متناهيا، لأن المتناهي هو الذي يمكن يزاد عليه شيء، وأي جملة فرضناها متناهية فإنه يمكن أن يكون فيها جملة قبلها جملة أخرى.
هذا هو حد ما لا نهاية له الجائز الوجود، أعنى أن يكون أبداً يوجد شيء خارج عنه، ويسألون: كما أن تقدير وجود الباري في الماضي غير متناه، وكما أن تقدير وجوده في المستقبل غير متناه ـوهذا معنى قولنا لم يزل ولا يزال: هل تقدر أفعاله في الماضي متناهية أو غير متناهية؟ .
стр. 3377
فإن قالوا: غير متناهية، كما هو في المستقبل، فقد اعترفوا بوجود ما لا نهاية له في الماضي، على الشرط الذي يوجد ما لا نهاية له، أعني أن لا يوجد معاً، وأن لا ينقطع المكان.
وإن قالوا غير ذلك فقد أحالوا على الوجود الأزلي أن تكون أفعاله أزلية، يلزمهم ذلك في علمه بالحادثات وإرادته لها، فتكون معلوماته بالفعل متناهية، وكذا إرادته وبالقوة غير متناهية.
أما في الماضي فمن قبل أنه لا يجوز عندهم أن تكون أفعال لا نهاية لها، وأما في المستقبل فمن قبل أن ما لا نهاية له إنما يوجد عنده بالقوة، وذلك شيء لا يقولونه.
فإن قالوا: إرادته ومعلوماته غير متناهية بالفعل فقد سلموا دخول ما لا نهاية له بالفعل في الوجود.
قال: وهذا كله تشويش لعقائد المتشرعين، وصد عن الغاية التي قصد بها تعريفهم هذه الأشياء، وهو أن يكونوا مصمين في هذه الأشياء أخياراً، فإن من ليس بمصمم العقيدة في هذه ليس بخير.
стр. 3378
قلت: قول القائل: هذا متناه أو غير متناه لفظ مجمل، يراد به ما لا يتناهى من أوله ولا من آخره، فلا يمكن أن يزال عليه، وهذا هو مراد ابن رشد بما لا يتناهى من أوله فقط، أو من آخرهس فقط، كالحوادث الماضية إذا قيل: لا تتناهى، فإنه لا نهاية له من جهة الابتداء، بمعنى أنه لا ابتداء لها، ولكن إذا قدر أنها انقضت اليوم فقد تناهت من هذا الطرف.
قال ابن رشد: فخصماء هؤلاء المتكلمين لا يقولون: قيل هذه الدورة المعنية دورات لا نهاية لها بالمعنى الأول، أي ليس لها أول ولا آخر، بل يعترفون أنه حينئذ يكون للدورات آخر.
وهذا عندهم هو الذي لا يتناهى بالمعنى الآخر وهو جائز عندهم.
قال: لأن من أصولهم أن ما لا نهاية له الجائز الوجود، هو الذي يوجد أبداً شيء خارج عنه، أعني أنه يمكن أن يزاد عليه دائماً.
قال: فهم إنما يضعون أن قبل هذه الدورة المشار إليها دورة،
стр. 3379
وقبل تلك الدورة دورة، إلى غير نهاية على التعاقب على محل واحد، كالحال في المستقبل، فإنا نقول: إن بعد هذه الدورة دورات لا نهاية لها، فيلزم أن يكون بعد هذه الدورة بمدة عشرة آلاف سنه دورات لانهاية لها، وبعد هذه الدورة دورات لا نهاية لها، فيكون ما لا نهاية له أعظم مما لا نهاية له، وذلك محال.
فمعنى ما لا نهاية له الذي جعل مقتضاه محالاً، هو الذي لا يقبل أن يزاد عليه، وهو ما لا أول له ولا آخر.
وأما إذا قيل: وجد قبل هذه الدورة دورة، وقبلها دورة إلى غير نهاية، فهنا إنما نفيت النهاية عن الجانب الماضي دون المستقبل، فلا يطلق على الجملة أنها لا تتناهى، لأنها تناهت من أحد الجانبين، وإن كانت غير متناهنة من الجانب الآخر.
فهو يسلم امتناع انقضاء وجود ما لا يتناهى في الماضي، إذا أريد به ما لا يتناهى من الجانبين.
وما قدر متناهياً من أحدهما فلا يسلم امتناع أنقضائه، ولا يطلق عليه أنه لا يتناهى، بل هو عنده قد تناهى لأنه انقضى، والتناهي
стр. 3380
والانقضاء واحد.
ولكن يقال فيه: إنه وجد شيئاً قبل شيء إلى غير نهاية، فتكون النهاية مسلوبة عن ابتدائه، لا عن الجانب الذي انتهى إليه.
ويقال: لا يتناهى مقيداً لا مطلقاً كما قال: لأن من أصولهم أن ما لا نهاية له الجائز وجودة، هو الذي يوجد أبداً شيء خارج عنه، أي يمكن أن يزاد عليه دائماً، فهذا يسميه ما لا نهاية له الجائز وجوده، وهو أن يكون خارجاً عنه شيء يمكن أن يزاد عليه دائماً، هو إنما يقبل الزيادة من الجهة التي تناهى منها، فهو متناه من احد الطرفين، غير متناه من الطرف الآخر.
فلهذا جاز أن يقال: ليس هو مما لا يتناهى لتناهيه من جانب، ويجوز أن يقال: هو لا يتناهى لعدم تناهيه من الجانب الآخر.
ولهذا نقول: إنه لا يدخل في الوجود إلا ما انقضى وجوده.
وما انقضى _ ولا ينقضي إلا ما ابتدأ وجوده - لأنه إذا قدر أن الحوادث دائمة لم تزل ولا تزال فلم تنقض، وإنما يفرض الإنسان انقضاء الماضي فرضاً، وإنما المنقضي ما لم يبق فيه شيء.
والحوادث إذا كانت مستمرة فما انقضت ولا انتهت، فما دخلت في
стр. 3381
الوجود.
والذي وجد في الماضي فهو متناه ليس هو مما لا يتناهى، وإنما يكون قد دخل ما لا يتناهى إذا كان ممتنعا في الوجود، فيكون قد انقضى، مع كونه غير متناه، وهذا ممتنع.
فأما ما يوجد شيئاً بعد شيء، وهو لم يزل ولا يزال، فهذا ليس يجب أن يكون ما دخل منه في الوجود منحصراً أو متناهياً لأنه لم ينقض، بل هو متواصل الوجود، والمنقضي عنده ما انقطع وجوده ولم يبق منه شيء، وليست الحوادث المستمرة كذلك.
فلفظ انقضى وانتهى وانصرم ونحو ذلك معناها متقارب.
فإذا قال المتكلم: الحوادث الماضية قد انقضت، فلو لم تكن متناهية للزم انقضاء ما لا نهاية له، كان هذا تلبيساً، فإنها إذا جعلت منقضية، فإنما انقضت من جهتنا لا من البداية، ومن هذه الجهة هي متناهية، وأما من جهة الابتداء فلا انتهاء لها ولا انقضاء، وما لا يتناهى هو ما لا ينقضي ولا ينصرم.
فإذا قيل: انصرم وانقضى ما لا يتناهى، كان هذا تناقضياً بيناً.
والحوادث الماضية ليس لها أول، فإذا قدر أنها انقضت فقد انتهت وانصرمت، فلا يطلق عليها أنها لا تتناهى، مع تقدير أنها منقضية، بل إذا قدر تناهيها فقد انقضت، وإن قدر استمرارها فلم تنقض.
وما ذكره ابن رشد، كما أنه مبطل لقول من يقول بامتناع وجود ما لا
стр. 3382
يتناهى في الماضي والمستقبل -كما يقوله من يقوله من المتكلمين - فهو مبطل أيضاً لقول إخوانه من الفلاسفة، الذين يقولون بوجود ما لا يتناهى، ولا له أول ولا آخر في قديميين مختلفين، كما يقولونه: إن حركات كل واحد من الأفلاك لا تتناهى ولا لها بداية ولا نهاية، مع أن إحدى الحركات أكثر وأعظم من الأخرى.
كما يقولون: إن القمر يتحرك في كل شهر مرة، والشمس في كل سنة مرة، والفلك المحيط في كل يوم مرة، فهو أعظم مقداراً وأسرع حركة من فلك الشمس القمر وغيرهما، فإنه محيط بالجميع، فهو أعظم، وهو يتحرك كل يوم الحركة الشرقية التي تحرك بها جميع الأفلاك، وليس في الأفلاك ما يتحرك كل يوم غيره، فتكون حركته أكبر وأكثر من حركة سائر الأفلاك: فلك الشمس والقمر وغيرهما، فإن الأيام أكثر عدداً من الشهور، والشهور أكثر عدداً من الأعوام.
ونفس المتحرك كل يوم حركته أعظم مقداراً مما يتحرك في الشهر والعام، مع أن كلاً من هذه الحركات ليس لها أول ولا آخر عندهم، فيلزم من ذلك أن يكون ما لا يتناهى وليس له أول ولا آخر، كحركة فلك القمر والشمس، يقبل أن يزاد عليه أضعافاً مضاعفة، بل وجد ما هو بقدره أضعافاً مضاعفة، وهو حركة الفلك المحيط، فيكون ما لا يتناهى من
стр. 3383
الجانبين وليس له أول ولا آخر، أعظم مما لا يتناهى وليس له أول ولا آخر وأكبر منه، وهذا هو الذي بين ابن رشد وغيره من النظار أنه ممتنع.
ولايلزم هذا أئمة أهل الملل قالوا: إن الرب يفعل أفعالاً، أو يقول كلمات لا نهاية لها، ليس لها أول ولا آخر.
فإن هؤلاء يقولون: لا قديم إلا الله وحده، وما سواه محدث مخلوق، فلم يقم بغيرة ولا يصدرعن غيره ما لا يتناهى، وإنما ذلك له وحده، فلم يكن لغيره ما لا يتناهى من الطرفين، لا أقل مما له ولا أكثر.
وذلك أن ابن رشد عنده ما لا يتناهى هو ما لا أول له ولا آخر، فما كان له منتهى ينتهي إليه محدود، فلا بد أن يكون له مبدأ محدود، فلا يتناهى شيء في النهاية إلا وله مبدأ محدود.
ولهذا قال: وأيضاً فإن خصماءهم لا يضعون قبل الدورة المشار إليها دورات لا نهاية لها، لأن من أصولهم أن ما لا نهاية له الجائز الوجود هو الذي يوجد أبداً شيء خارج عنه، أعني أنه يمكن أن يزاد عليه دائماً إلى قوله: (إن الفرق بين ما مضى وبين ما يأتي: أن ما يأتي لم يدخل في الوجود بعد، وأن ما مضى قد انقضى وانصرم، وما انقضى ونصرم فواجب أن يدخل في الوجود فهو متناه، فهو قول حق ومراده
стр. 3384
بذلك أن الذي ينقضي وينصرم هو ما له مبتدأ.
وأما ما لا ابتداء له فلا انتهاء له ولا ينقضي ولا ينصرم
ولهذا قال: إلا أن الوضع الذي يضعه خصماؤهم في الدورات ليس بهذه الصفة، وذلك أنه لم يكن هناك حركة، واجب أن تكون أولى بحيث يستحيل أن تكون قبلها حركة، فليس يجب أن يكون ها هنا جملة دخلت في الوجود، ولا جزء منها هو أول جزء دخل في الوجود.
والذي دخل منها في الوجود إنما هو شخص واحد أو أشخاص متناهيه، إن كانت من الاشياء التي يوجد منها أكثر من شخص واحد.
إلى قوله: فمن أين يلزم - ليت شعري - إن كان الداخل منها في الوجود إنما هو واحد وقبله واحد، أن يكون ها هنا جملة غير متناهية دخلت في الوجود معا.
قال: والأصل في هذا كله ألا يدخل في الوجود إلا ما انقضى وجوده، وما انقضى، ولا ينقضي إلا ما ابتدأ وجوده.
إلى قوله: لأن المتناهي هو الذي يمكن أن يزاد عليه شيء.
وأي جمله فرضناها متناهية فإنه يمكن قبلها جملة أخرى.
وهذا هو حد مالا يتناهى الجائز الوجود.
стр. 3385
وقد قال قبل ذلك: لأن من أصولهم أن ما لا نهاية له الجائز الوجود هو الذي يوجد أبدا شيء خارج عنه، أعني أنه يمكن أن يزاد عليه دائما.
إلى قوله: ولا نقول: إن بعد هذه الدورة دورات لا نهاية لها، فيلزم من هذا أن يكون بغد الدورة التي كانت اليوم بمدة عشرة آلاف سنة دورات لا نهاية لها وبعد الدورة المشار إليها دورات لا نهاية لها فمن تدبر كلامه تبين له ما قلناه.
قلت: فأما الكلام على إحاطة علم الله تعالى بالكليات والجزئيات وإرادته، فمذكور في غير هذا الموضع.
وهذا الرجل قد أورد على هؤلاء هذا السؤال المعروف، وهو الذي أوقع أبا المعالي في قوله بالارسترسال، وأن العلم يحيط بأعيان الجواهر وأنواع الأعراض، ويسترسل على أعيان الأعراض.
هذا ليس هو قول من يقول بأنه يتعلق بالكليات فإن ذلك لا يفرق بين الجواهر وأنواع أعراض وأعيانها.
ومن علم أن الكليات لا تكون إلا كلية في الذهن، وأن كل موجود فإنه معين، والأفلاك معينة، والعقول والنفوس عندهم معينة، ونفسه المقدسة معينة، تبين له أن قول من يقول: يعلم الكليات، وأنه إنما يعلم الجزئيات
стр. 3386
على وجه كلي، مضمون كلامه أنه لا يعلم نفسه ولا شيئا من الموجودات.
وهذا وهم يقولون: إنه مبدع لها وسبب في وجودها، وأنا العلم بالسبب يقتضي العلم بالمسبب.
فقولهم هذا يوجب علمه بنفسه وبكل موجود، وذلك يناقض هذا.
وهذا مبسوط في موضعه.
وهذا الرجل -أعني ابن رشد - أراد أن يجمع بين قولهم هذا وبين علمه بالجزئيات، فقال قولا فيه من الحيرة والتناقض ما هو مذكور في موضعه.
والمقصود هنا ذكر ما ناقض به قول هؤلاء المتكلمين الذين يزعمون أن عقلياتهم تعارض الكتاب والسنة، وله أيضا من عقلياته، التي يزعم أنها تناقض ذلك في الباطن، ما هو مردود عليه بالعقل الصريح أيضا.
لكن من عرف كلام بعض هؤلاء مع بعض، تبين له فساد كل ما يعارض به كل طائفة للنصوص النبوية، وأنه ما من معقول يدعى معارضته لذلك إلا وقد نقضه أهل المعقول بما يتبين فساده، ﴿سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين * والحمد لله رب العالمين﴾ الصافات: ١٨٠ -١٨٢.
قال ابن رشد: والأولى أن يقال لمن وصل من الجمهور إلى هذا
стр. 3387
القدر من التشكك: إن العالم ليس هو موجودا واحدا، وإنما هو أفعال لله متجددة ومتعاقبة، فيمكن في العقل أن تكون هذه الأفعال أزلية، ويمكن أن تكون محدثة، إلا أن الشرائع كلها قد وردت بأنها محدثة، فيجب التصديق بأحد الجائزين الذي ورد به الشرع، وأن يقال في علمه وإرادته: إنهما غير مكيفين ولا حادثين، ولا يلزم في العلم المكيف الحادث.
فصل
قال ابن رشد: وأما الطريقة الثانية فهي الطريقة التي استنبطها أبو المعالي في رسالته المعرفة بالنظامية ومبناها على مقدمتين: إحداهما أن العالم بجميع ما فيه جائر أن يكون على مقابل ما هو عليه حتى يكون من الجائز مثلاً أن يكون أصغر مما هو وأكبر مما هو عليه،
стр. 3388
أو يكون حركة كل متحرك منها إلى جهة ضد الجهة التي يتحرك إليها، حتى يمكن في الحجر أن يتحرك إلى فوق، وفي النار أن تتحرك إلى أسفل، وفي الحركة الشرقية أن تكون غربية، وفي الغربية أن تكون شرقية.
والمقدمة الثانية أن الجائز محدث وله محدث، أي فاعل محدث صيره بأحد الجائزين أولى منه بالجائز الآخر.
قال: فأما المقدمة الأولى فهي خطابية في بادئ الرأي، وهي في بعض أجزاء العالم فظاهر كذبها بنفسها، مثل كون الإنسان موجوداً على خلقه غير هذه الخلقة التي هو عليها، وفي بعضه الأمر فيه مشكوك، مثل كون الحركة الشرقية غربية، والغربية شرقية
، إذ كان ذلك ليس معروفاً بنفسه، إذ كان يمكن أن يكون ذلك لعلة غير بينة الوجود بنفسها، أو تكون من العلل الخفية على الإنسان.
стр. 3389
ويشبه أن يكون ما يعرض للإنسان في أول الأمر عند النظر في هذه الأشياء، شبيهاً بما يعرض لمن ينظر في أجزاء المصنوعات، من غير أن يكون من أهل تلك الصنايع.
وذلك أن هذا الذي شأنه قد يسبق إلى ظنه أن كل ما في تلك المصنوعات - أو جلها - ممكن أن يكون على خلاف ما هي عليه ويوجد على ذلك المصنوع ذلك الفعل بعينه الذي صنع من أجله، أعني غايته، فلا يكون في ذلك المصنوع عند هذا موضع حكمة.
وأما الصانع الذي يشارك الصانع في شيء من علم ذلك، فقد يرى أن الأمر بضد ذلك، وأنه ليس في المصنوع شيء إلا واجب ضروري، أو ليكون به المصنوع أتم وأفضل إن لم يكن ضرورياً فيه، وهذا هو معنى الصناعة.
والظاهر أن المخلوقات شبيهة في هذا المعنى بالمصنوع، فسبحان الخلاق العظيم!.
وهذه المقدمة من جهة أنها خطابية قد تصلح لإقناع الجميع، ومن جهة أنها كاذبة ومبطلة لحكمة الصانع، فلا تصلح لهم.
وإنما صارت مبطلة للحكمة - لأن الحكمة ليست شيئاً أكثر من معرفة
стр. 3390
أسباب الشيء، وإذا لم يكن للشيء أسباب ضرورية تقتضي وجوده -على الصفة التي هو بها ذلك النوع موجوداً، فليس هنا معرفة يختص بها الحكيم
الخالق دون غيرة، كما أنه لو لم تكن أسباب ضرورية في وجود الأمور المصنوعة، لم يكن هنالك صناعة أصلاً، ولا حكمة تنسب إلى الصانع دون من ليس بصانع.
وأي حكمة كانت تكون في الإنسان، لو كانت جميع أفعاله وأعماله يمكن أن تتأتى بأي عضو اتفق، أو بغير عضو، حتى يكون الإبصار مثلاً يتأتى بالآذان كما بالعين، والشم بالعين كما يتأتى بالأنف.
وهذا كله إبطال للحكمة وإبطال للمعنى الذي سمى به نفسه حكيماً تعالى وتقدست أسماؤه عن ذلك.
قلت: مضمون هذا الكلام إثبات ما في الموجودات من الحكمة والغاية المناسبة
لاختصاص كل منها بما خص به، وأن ارتباط بعض الأمور ببعض قد يكون شرطاً في الوجود، وقد يكون شرطاً في الكمال.
وبإثبات هذا أخذ يطعن في حجة أبي المعالي وأمثاله، ممن لايثبت إلا مجرد المشيئة المحضة التي تخصص كلاً من المخلوقات بصفته وقدره.
فإن هذا قول من أهل الكلام، كالأشعرية والظاهرية، وطائفة من الفقهاء من أصحاب الأئمة الأربعة.
وأما الجمهور من المسلمين
стр. 3391
وغيرهم، فإنهم - مع أنهم يثبتون مشيئة الله وإرادته - يثبتون أيضاً حكمته ورحمته.
وهؤلاء المتفلسفة أنكروا على الأشعرية نفي الحكمة الغائية، وهم يلزمهم من التناقص ما هو أعظم من ذلك، فإنهم إذا أثبتوا الحكمة الغائية، كما هو قول جمهور المسلمين، فإنه يلزمهم أن يثبتوا المشيئة بطريق الأولى والأحرى، فإن من فعل المفعول لغاية يريدها كان مريداً للمفعول بطريق الأولى والأحرى.
فإذا كانوا مع هذا ينكرون الفاعل المختار، ويقولون: إنه علة موجبة للمعلول بلا إردة، كان هذا في غاية التناقص.
ما هو أعظم من ذلك، فإنهم إذا أثبتوا الحكمة الغائية، كما هو قول جمهور المسلمين، فإنه يلزمهم أن يثبتوا المشيئة بطريق الأولى والأحرى، فإن من فعل المفعول لغاية يريدها كان مريداً للمفعول بطريق الأولى والأحرى فإذا كانوا مع هذا ينكرون الفاعل المختار، ويقولون: إنه على موجبة للمعلول بلا إرادة، كان هذا في غاية التناقص.
ومن سلك طريقة أبي المعالي في هذا الدليل، لايحتاج إلى أن ينفي الحكمة، بل يمكنه إذا أثبت الحكمة المرادة أن يثبت الإرادة بطريق الأولى.
وحينئذ فالعالم بما فيه من تخصيصه ببعض الوجوه دون بعض، دال على مشيئة فاعله، وعلى حكمته أيضاً ورحمته المتضمنة لنفعه وإحسانه إلى خلقه.
وإذا كان كذلك فقولنا: إن ما سوى هذا الوجه جائز يراد به أنه جائز ممكن من نفسه، وأن الرب قادر على غير هذا الوجه، كما هو قادر عليه.
وذلك لا ينافي أن تكون المشيئة والحكمة خصصت بعض الممكنات المقدرات دون بعض.
стр. 3392
فهذه المقدمة التي ذكرها أبو المعالي مقدمة صحيحة لا ريب فيها، وإنما الشأن في تقرير المقدمة الثانية، وقد ذكر الكلام عليها في غير هذا الموضع، وهو أن التخصص للممكنات ببعض الوجوه دون بعض: هل يستلزم حدوثها أم لا؟
قال ابن رشد: وقد نجد ابن سينا يذعن إلى هذه المقدمة بوجه ما.
وذلك أنه يرى أن كل موجود ما سوى الفاعل فهو إذا اعتبر بذاته ممكن وجائز، وأن هذه الجائزات صنفان: صنف هو جائز باعتبار فاعله.
وصنف هو واجب باعتبار فاعله ممكن باعتبار ذاته، وأن الواجب بجميع الجهات هو الفاعل الأول.
قال: وهذا قول في غاية السقوط، وذلك أن الممكن في ذابه وفي جوهره، ليس يمكن أن يكون ضرورياً من جهة فاعله، وإلا انقلبت طبيعة الممكن إلى طبيعة الضروري فإن قيل: إنما نعني بكونه ممكناً باعتبار ذاته أنه متى توهم فاعله وتفعاً ارتفع هو.
قلنا: هذا الارتفاع مستحيل لازم عن مستحيل وهو ارتفاع السبب الفاعل، وليس هذا موضع الكلام في هذا الرجل، ولكن
стр. 3393
للحرص على الكلام معه في الأشياء التي اخترعها هذا الرجل استجزنا القول هنا معه.
قلت: مراد ابن رشد أن المفعول لا يكون قديماً أزلياً فإن الضروري عنده وعند عامة العقلاء، حتى أرسطو وأتباعه، وحتى ابن سينا وأتباعه -وإن تناقصوا- هو القديم الأزلي الذي يمتنع عدمه في الماضي والمستقبل.
وهذا يمتنع أن يكون ممكناً يقبل الوجود والعدم، بل هذا لا يكون إلا محدثاً، يمتنع أن ينقلب قديماً، فلهذا قال: الممكن يمتنع أن يكون ضرورياً.
أما كون الممكن الذي يمكن وجوده وعدمه، وهو المحدث، يصير واجب الوجود بغيره، فهذا لا ريب فيه، وما أظن ابن رشد ينازع في هذا ولكن من المتكلمين من ينازع في هذا.
وهذا حق، وإن قاله ابن سينا، فليس كل ما يقوله ابن سينا هو باطلاً.
بل هو مذهب أهل السنة أنه م شاء الله كان فوجب وجوده، وما لم يشأ لم يكن فامتنع وجوده.
وهذا يوافق عليه جماهير الخلق، فإن هؤلاء يقولون: كل ما سوى الله ليس له من نفسه وجود.
وهذا يعنون بكونه ممكناً، لا يعنون بذلك أنه يمكن أن لا يوجد، فهو واجب بغيره، غير واجب بنفسه.
стр. 3394
ولهم نزاع فيما إذا عدم.
هل يقولون: عدم لعدم موجبه أولا يعلل عدمه؟ بل ليس له من نفسه وجود، وإنما وجوده بفاعله.
فإذا لم يفعله فاعل بقي على العدم المستمر.
هذا فيه نزاع لفظي اعتباري.
وتحقيق الأمر أن عدم علته مستلزم لعدمه، لا أن عدم علته فعل عدمه وأوجب عدمه، ولكن يلزم من عدم علته عدمه.
فإن أريد بالعلة في عدمه، المؤثر في عدمه، فعدمه المستمر لا يحتاج إلى مؤثر.
وإن أريد به المستلزم لعدمه، فلا ريب أن عدم علته مستلزم لعدمه.
وهؤلاء يقولون: إن الجائزات صنفان: صنف هو جائز باعتبار فاعله، وصنف هو واجب باعتبار فاعله.
بل الجائزات الموجوده كلها واجبة باعتبار فاعلها، وما لم يوجد من الجائزات، فهو جائز باعتبار يفسه، وهو ممتنع لغيره.
فكما أن ما وجد من الممكنات فهو واجب لغيره لا لنفسه، فما لم يوجد منها، فهو ممتنع لغيره لا لنفسه، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فما شاء أن يكون، فلا بد أن يكون، وليس هو واجباً بنفسه، ولا له من نفسه وجوده، بل الله مبدعه.
стр. 3395
وما لم يشأ لم يكن، فإنه يمتنع وجود شيء بدون مشيئة الله تعالى، وإن كان الله قادراً عليه، وهو ممكن في نفسه، أي يمكن أن يخلقه الله، لوشاء الله خلقه.
فهذا الباب كثير من النزاع فيه لفظي.
وهم لا يعنون بكونه ممكناً باعتبار ذاته، أنه متى توهم فاعله مرتفعاً ارتفع هو.
ولكن ابن سينا وأتباعه الذين يقولون: إن الفلك قديم أزلي، وهو مع هذا ممكن، يعنون ذلك.
وأما عامة العقلاء فيعنون بذلك أنه لا يوجد بنفسه، وأنه باعتبار نفسه يمكن أن يوجد ويمكن ألا يوجد.
وما كان كذلك فهو محدث.
ولا ريب أنه مع هذا واجب بغيره حين وجوده لا قبل وجوده يمتنع ارتفاعه حين وجوده، لا متناع ارتفاع فاعله، ولا يمتنع ارتفاعه مطلقاً، إذا كان معدوماً فوجد، فارتفاعه مستحيل حين وجوده، لازم عن مستحيل.
والذي ينكره جمهور العقلاء - ابن رشد وغيره - على ابن سينا ومن وافقه من المتأخرين، قولهم بأن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم قد يكون قديماً أزلياً واجباً بغيره، فهذا مما ينكره الجمهور
وقد ذكر ابن رشد أنه مخالف لقول أرسطو ومتقدمي الفلاسفة.
ولهذا
стр. 3396
لزم ابن سينا وموافقيه من التناقض ما ذكر بعضه الرازي.
وهم إذا حقق الكلام عليهم في الممكن فروا إلى إثبات الإمكان الاستقبالي، وهو أنه يمكن في هذا الموجود أن يعدم في المستقبل، وفي المعدوم العين أن يوجد في المستقبل، فيكون الممكن وجوده وعدمه لا يكون إلا محدثاً.
وهذا قول جمهور العقلاء.
وكلامهم في الإلهيات وفي هذا الممكن القديم الأزلي مضطرب غاية الاضطراب، كما ذكره ابن رشد وغيره.
وأما كلامهم فيه، في المنطق وغيره، فوافقوا فيه سلفهم،
أرسطو واتباعه وسائر العقلاء، وصرحوا بأن الممكن الذي يمكن وجوده ويمكن عدمه لا يكون إلا محدثاً مسبوقاً بعدم نفسه، وقسموا الممكن إلى أقسام كلها محدثة، وجعلوا قسيم الممكن العامي، هو الضروري الواجب وجوده، وهو القديم الأزلي، وصرحوا بأن ما كان قديماً أزلياً يمتنع أن يقال: إنه ممكن يقبل الوجود والعدم.
وممن صرح بذلك ابن سينا وأتباعه لما تكلموا في الإلهيات
стр. 3397
وأحدثوا مذهباً ركبوه من مذهب سلفهم- أرسطو وأتباعه-ومن مذهب أهل الكلام المعتزلة ونحوهم، وقسموا الوجود إلى واجب ممكن، كما قسمه المتكلمون إلى قديم وحادث ٠
وهذا التقسيم ابتدعوه، لم يذهب إليه قدماء الفلاسفة، بل قدماؤهم قسموه إلى جوهر وتسعة أعراض، كما هو معروف في كتاب قاطبغورياس، وجعلوا العلة الأولى من مقولة الجوهر ٠
وهؤلاء جعلوا هذه القسمة للممكن، وقالوا: الوجود إما واجب، وإما ممكن، والممكن لا بد له من واجب ٠ فيلزم ثبوت الواجب على التقديرين ٠
وظنوا أن هذه الطريقة التي ابتدعوها في إثبات رب العالمين طريقة عظيمة، وأنها غاية عقول العقلاء، وهي من أفسد الطرق، لا تدل على إثبات مبدع للعالم البتة، فإنهم يحتاجون إلى حصر الوجود في القسمين
، ثم إلى بيان أن الممكن الذي جعلوه قسيم الواجب يستلزم ثبوت الواجب الذي ادعوه، وهذا ممتنع على طريقهم.
فإنهم إذا قالوا: الموجود إما أن يقبل العدم، وإما أن لا يقبله، وما قبل العدم فهو الممكن، ولا بد له من واجب.
قيل لهم: إن عنيتم بما يقبل العدم المحدث، كان مقتضى الحجة إثبات قديم محدث للمحدثات. وهذا حق، ولكن القديم عندكم قد يكون واجباً وقد يكون
стр. 3398
ممكناً، فليس في هذا ما يدل على إثبات واجب.
وإن قلتم: إن الممكن لا بد له من واجب.
قيل لكم: فمعلوم أن المحدث لا بد له من فاعل. وأما ما جعلتموه قديماً أزلياً، وسميتموه ممكناً، فهذا لا يعلم أنه يفتقر إلى فاعل، بل عامة العقلاء يقولون: إنه يمتنع أن يكون لهذا فاعل.
ولو قدر أن له فاعلاً، لكان هذا يعلم بنظر دقيق خفي، فلا يمكن أن يكون إثبات واجب الوجود موقوفاً على مثل هذه المقدمة.
فإن قالوا: نحن قد قررنا أنه ممكن، ولا بد للمكن من واجب.
قيل: أنتم جعلتموه ممكناً قديماً أزلياً، وهذا عند جمهور العقلاء جمع بين النقيضين، وهو ممتنع. والممتنع قد يلزمه حكم ممتنع. وإنما موجب دليلكم ثبوت قديم أزلي، وهذا حق٠
والقديم الأزلي عندكم يمكن أن يكون واجباً، ويمكن أن يكون ممكناً.
وهذا الممكن لم نعلم أنه يفتقر إلى واجب، فلا يلزم ثبوت الواجب الذي ادعيتموه، كما لم يلزم ثبوت الممكن الذي ادعيتموه.
وإن قلتم: إذا قدر عدم هذا الممكن لزم ثبوت القسم الآخر، وهو الواجب، لانحصار الموجود في الواجب والممكن، كما بيناه.
قيل لكم: كما لم يلزم ثبوت هذا الممكن، فلم يثبت نفيه، بل الشك حاصل وإن قدر انتفاؤه.
стр. 3399
فإذا لم يثبت وجود ممكن بل واجب، لم يكن في هذا ما يدل على أن في الوجود ما هو ممكن، وأمكن أن يقال الوجود كله واجب، كما يقوله من يقول بوحدة الوجود ويقول: عين وجود ما يسمى ممكناً ومحدثاً هو عين وجود الواجب، فصار حقيقة قولكم إن الوجود كله إما واجب وإما ممكن، هو نوعان: قديم ومحدث.
وهذا الكلام لا فائدة فيه، بل ليس فيه إلا ذكر التقسيم، والشك في وجود الواجب، أو إثبات واجب يعم المحدث والقديم، وهو باطل قطعاً، فليس فيه إلا الجزم بالباطل، أو الشك في الحق، أو يقولوا: إن الموجود يمكن أن يكون كله واجباً، ويمكن أن يكون ليس فيه واجب، بل هو إما محدث وإما قديم ممكن.
ومعلوم أن كل القولين معلوم الفساد بالضرورة، وأن الوجود فيه حوادث كانت معدومة فوجدت، وهذه ممكنات، وأنه لا بد لها من قديم أزلي، والقديم الأزلي يجب وجوده، ويمتنع أن يكون ممكناً.
وهذا يبين أن كل ما سوى الواجب المبدع فهو محدث كائن بعد أن لم يكن، وهذا كله يناقض ما قالوه.
ولهذا يوجد في بحوث من سلك طريقهم، ك الرازي والآمدي، من البحوث المضطربة، في الواجب والممكن والعلة والمعلول، ما ليس هذا موضع بسطه، وقد تكلم عليه في غير هذا الموضع.
стр. 3400
فصل
فإن قالوا: نحن إذ قلنا: الوجود: إما واجب، ذاته لا تقبل العدم، وإما ممكن يقبل العدم، وما كان قابلاً للعدم فلا بد له من واجب، لزم ثبوت الواجب على التقديرين، مع قطع النظر عن الممكن: هل يكون قديماً أم لا؟
بل نفس تصور هذه الحقيقة، وهو كونه يقبل العدم، فيلزم افتقاره إلى فاعل.
قيل صحيح.
لكن هذا التقسيم لا يستلزم ثبوت القسمين في الخارج، إن لم يبين ثبوت الممكن، ولكن يلزم ثبوت موجود لا يقبل العدم على التقديرين.
وهذا لا يناقض قول القائل بأن الموجود واحد لا يقبل العدم، وإنما يبطل قول هؤلاء إذا بين أن في الوجود ما هو ممكن يقبل العدم.
وليس في مجرد التقسيم ثبوت القسمين، وإنما يثبت القسمان إذا ثبت أن في الوجود ممكناً يقبل العدم، وهذا الممكن لا بد له من واجب.
وحينئذ فيكون استدلالاً بوجود الممكن المعلوم إمكانه على القديم، وهذا استدلال بالمحدثات على القديم، لا استدلال بالوجود من حيث هو جود الواجب، كما ظن ابن سينا وأتباعه بأن الوجود من حيث هو
следующие страницы →