← Акыда

Акыда · id 21506

درء تعارض العقل والنقل

ابن تيمية

Полный текст (4 031 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

ثم قالوا في الفرق بين الماضي والمستقبل ما قاله أبو المعالي. قال: وضرب المحصلون لذلك مثالين في الوجهين. قالوا: مثال إثبات حوادث لا أول لها قبل كل حادث قول القائل لمن يخاطبه: لا أعطيك درهماً إلا وأعطيك قبله ديناراً، ولا أعطيك ديناراً إلا وأعطيك قبله درهماً، فلا يتصور أن يعطي على حكم شرطه ديناراً ولا درهماً. ومثال ما ألزمونا أن يقول القائل: لا أعطيك ديناراً إلا وأعطيك بعده درهماً، ولا أعطيك درهماً إلا وأعطيك بعده ديناراً، فيتصور منه أن يجري على حكم الشرط. فيقول المعترضون: هذا التمثيل ليس مطابقاً لمسألتنا، فإن قوله: لا أعطيك حتى أعطيك نفي للمضارع المستقبل إذا وجد قبله ماض، فحق القياس الصحيح والاعتبار المستقيم أن يقال: ما أعطيتك درهماً إلا أعطيتك قبله ديناراً، ولا أعطيتك ديناراً إلا أعطيتك قبله درهما فهذا إخبار أن كل ماض من الدراهم كان قبله دينار، وكل دينار كان قبله درهم، وهو نظير الحوادث الماضي التي قبل كل حادث منها حادث. كما أن قوله: لا أعطيك درهماً إلا أعطيك بعده ديناراً، أو لا ديناراً إلا وبعده درهم هو نظير الحوادث المستقبلة التي بعد كل حادث منها حادث، فإن أمكن أن يصدق في

стр. 3467

قوله في المستقبل، أمكن أن يصدق في قوله في الماضي، وإن امتنع صدقه في الماضي امتنع صدقه في المستقبل، إذ العقل لا يفرق بين هذا وهذا، ولكنه يفرق بين قوله: لا أعطيك حتى أعطيك وبين قوله: ما أعطيتك إلا وقد أعطيتك. فإذا كان منتهى النظار هو القياس العقلي والإعتبار، وهم في القياس الذي جعلون أصل أصول الدين يقيسون الشيء بما يبين مفارقته إياه في عين الحكم الذي سووا بينهما فيه، علم أن ذلك قياس باطل. وهذا من أعظم أصولهم، أو أعظم أصولهم الذي بنوا عليها نفيهم لما نفوه من أفعال الرب وصفاته، وعارضوا بذلك ما أرسل به رسله من أنبائه وآياته. وقوله: لا أعطيك حتى أعطيك مثل قول: ما أعطيتك حتى أعطيتك. فهنا نفي الماضي حتى يوجد الماضي، وهناك نفي المستقبل حتى يوجد المستقبل. وكلاهما ممتنع، فإنه نفي للشيء حتى يوجد الشيء. وحقيقته الجمع بين النقيضين، حتى يجعل الشيء موجوداً معدوماً، كما لو قيل: لا يوجد هذا حتى يوجد هو نفسه، فيقتضي أن يكون وجوده قبل وجوده، بل في حال عدمه، فيكون قد جعل موجوداً حال كونه معدوماً، وهذا ممتنع بين الامتناع. بخلاف قوله: ما أعطيتك إلا وقد أعطيتك قبله، ولا أعطيك إلا أعطيك بعده فإنه إثبات بعد كل عطاء عطاء، وقبل كل عطاء عطاء، فهذا يتضمن إثبات بعد كل حادث مستقبل حادث مستقبل، وقبل كل حادث ماض حادث ماض، فأين هذا من هذا؟

стр. 3468

وليتدبر العاقل القياس العقلي في هذا الباب، فإنهم قد سلموا أنه يجوز أن يكون بعد كل حادث مستقبل حادث مستقبل، كما إذا قال: لا أعطيك درهماً إلا وأعطيك بعده ديناراً. واتفقوا على أنه لا يجوز أن نقول لا أعطيك درهماً حتى أعطيك ديناراً وتنازعوا هل يجوز أن يكون قبل كل حادث ماض حادث ماض أم لا؟ فمنهم من منع ذلك، وقال: هذا مثل أن نقول: لا أعطيك درهماً حتى أعطيك ديناراً. ومنهم من جوز ذلك وقال: ليس هذا مثل هذا الممتنع، ولكن هذا نظير ذلك الجائز، وهو قوله: لا أعطيك درهماً إلا أعطيتك بعده ديناراً، فإن هذا معناه أن يكون بعد كل حادث حادث، وذاك معناه أن يكون قبل كل حادث حادث. وهذا المعنى هو هذا المعنى، لكن هذا قدم اللفظ بما بعد، وهناك قدم التلفظ بما قبل، وأما من جهة المعنى فلا فرق بينهما. قالوا: وأما الممتنع فنظيره أن نقول: ما أعطيتك إلا حتى أعطيتك فهذا نظير قوله: لا أعطيك حتى أعطيك، ليس نظيره: ما أعطيتك إلا وقد أعطيتك قبله. فهنا أصل متفق على جوازه، وأصل متفق على امتناعه، بل أصلان متفق على امتناعهما، وأصل متنازع فيه، هل هو نظير هذا الجائز، أو نظير الممتنعين؟ ولهذا كان الذين اتبعوا هؤلاء من المتأخرين، كالرازي والآمدي وغيرهما، قد يتبين لهم ضعف هذا الأصل الذي بنوا عليه حدوث الأجسام، ويترجح عندهم حجة من يقول بدوام فاعلية الباري تعالى، وهم يعلمون أن دين المسلمين واليهود والنصارى: أن الله خلق السموات

стр. 3469

والأرض في ستة أيام، وأن الله خالق كل شيء، لكن قد لا يجمعون بين ذلك وبين دوام فاعلية الباري، لكنهم لم يبنوا على ثبوت الأفعال القائمة به المقدورة المرادة له، فيبقون دائرين بين مذهب الفلاسفة الدهرية القائلين بقدم الأفلاك، معظمين لأرسطوا وأتباعه كابن سينا، وبين مذهب أهل الكلام القائلين بتناهي الحدوث، وربما رجحوا هذا تارة وهذا تارة، حتى قد يصير الأمر عندهم كأن دين المسلمين ودين الملاحدة عدلاً جهل، أو ربما مالوا أحياناً إلى دين الملاحدة، حتى قد يصنفون في الشرك والسحر، كعبادة الكواكب والأصنام. وأصل ذلك نفيهم لما يجب إثباته من فعل الرب تعالى، كما دل عليه المنقول والمعقول، فإن هؤلاء قد يثبتون أن الذين نفوا قيام الأمور الاختيارية بذات الله تعالى، وسموا ذلك نفي حلول الحوادث به، ليس لهم على ذلك حجة صحيحة: لا عقلية ولا سمعية، بل الذين نفوا ذلك من جميع الطوائف يلزمهم القول به. فإن كان هذا الأصل في المعقول، ولزومه للطوائف، ودلالة الشرع عليه، بهذه القوة، وبتقدير إبطاله يلزم ترجيح مذهب الملاحدة المبطلين شرعاً وعقلاً، على أقوال المرسلين الثابة شرعاً وعقلاً، أو تكافي المسلمين بين أهل الإيمان وأهل الإلحاد -تبين ما ترتب على إنكار ذلك من الضلال والفساد. ومصداق ذلك أن الرازي -مثلاً- إذا قرر في مثل نهاية العقول

стр. 3470

وأمثالها من كتبه الكلامية تناهي الحوادث، واستوعبت ما ذكره أهل الكلام في ذلك من الحجج، عارضه إخوانه المتكلمون فقدحوا فيها واحدة واحدة، ثم هو نفسه يقدح فيها في مواضع من كتبه، مثل المباحث المشرقية والمطالب العالية وغير ذلك، ويبين أن دوام فاعلية الرب مما يجب القول به، كما ذكره في المباحث المشرقية فإنه قال في بيان دوام فاعلية الباري: اعلم أنا بينا أن واجب الوجود لذاته، كما أنه واجب الوجود لذاته، فهو واجب الوجود من جميع جهاته. وإذا كان كذلك، وجب أن تدوم أفعاله بدوامه. وبينا أيضاً أن سبق العدم ليس بشرط في احتياج الفعل إلى الفاعل، وبينا في باب الزمان أن الزمان لا يمكن أن يكون له مبدأ زماني، وحللنا فيه الشكوك والشبه. قال: وأيضاً العالم غير ممتنع أن يكون دائم الوجود، وما لا يمتنع أن يكون دائم الوجود، يجب أن يكون دائم الوجود، فالعالم يجب أن يكون دائم الوجود. أما الصغرى فقد مضى تقريرها، وأما الكبرى فهي أن الذي لا يمتنع أن يكون موجوداً دائماً، لو كان جائز العدم لكان: إما أن يكون عدمه ممكناً دائماً، أو لا يكون دائماً، فإن لم يكن

стр. 3471

له إمكان العدم دائماً، كان ذلك الإمكان محدوداً، وإذا تعدى ذلك الحد، وجب فيه وجوده وامتنع عدمه، مع أن الأحوال واحدة، وهذا محال، يبقى أنه إن كان عدمه ممكناً، فهو ممكن العدم دائماً، وكل ما كان ممكناً فإنه إذا فرض موجوداً، أمكن أن يعرض منه كذب، وأما المحال فلا يعرض البتة، إذا فرض معدوماً، لكن فرض هذا العدم يعرض منه محال، وبيانه هو: أنا نفرض أن أحد طرفي الممكن، وهو الوجود الدائم، وجد وهو مع ذلك يقوى على عدم الصورة دائماً، فلا يمتنع أن يقع ذلك الممكن، فإن استحالة وقوعه لم يكن ذلك ممكناً، لكنه يستحيل مع فرض وجوده دائماً عدمه دائماً، وإلا لكان الشيء، في زمان غير متناه، معدوماً وموجوداً معاً، وهو محال. نعم يمكن فرض عدمه بعد وجوده، ولكن ذلك العدم غير دائم، بل هو عدم متجدد. وإذا كان هذا محالاً بالوضع ليس بكذب غير محال بل هو محال، فالحكم على ما يمكن وجوده دائماً بأنه جائز العدم محال، فإذاً وجوده واجب، وهو المطلوب.

стр. 3472

تعليق ابن تيمية قلت: فهذه الحجة مضمونها أن الفعل يمكن أن يكون واجب الوجود، فيجب أن يكون دائم الوجود، لأنه لو لم يكن كذلك لكان ممكن الوجود والعدم. والمقصود هنا أنه يمكن دوام وجوده بغيره، فيجب دوام وجوده بغيره لا بنفسه، إذ لو لم يجب بنفسه ولا بغيره بل أمكن عدمه، لوجب أن يمكن عدمه دائماً، إذ إمكان عدمه في حال دون حال مع تساوي الأحوال محال، وإمكان عدمه دائماً ينافي وجوبه بنفسه أو بغيره في شيء من الأوقات، فإنه لو وجب موجوداً في حال بنفسه أو بغيره، لم يكن ممكن العدم في حال وجوبه، وهو إذا كان موجوداً كان بغيره فيكون واجباً بالغير، فإذا كان موجوداً امتنع -في حال وجوده- أن يمكن عدمه، فإذا قدر أنه ممكن العدم دائماً، بحيث لا يجب لا بنفسه ولا بغيره، امتنع أن يكون موجوداً في شيء من الأحوال. والتقدير أنه ممكن الوجود، بل ممكن دوام الوجود. وإمكان الوجود ينافي امتناع الوجود، فما أمكن وجوده دائماً امتنع عدمه. ونكته الحجة أن ما أمكن وجوده دائماً، يكون مع وجوده واجباً بغيره، فإن الممكن إن اقترن به ما يوجب وجوده، صار واجباً بغيره، وإن لم يقترن به ما يوجب وجوده، صار ممتنعاً لغيره، إذ الممكن لا يحصل إلا عند المرجح التام الذي يوجب وجوده، إذ لو لم يجب معه لكان ممكناً، وإذا كان ممكناً لم يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح. وهذا الموضع قد نازع فيه طوائف المعتزلة، وغيرهم من أهل الكلام. طائفة يقولون إن القادر يرجح أحد المقدورين المتماثلين بلا

стр. 3473

مرجح أصلاً، كما يقول ذلك طوائف من الجهمية والمعتزلة، ومن اتبعهم من أصناف المتكلمين. وهؤلاء يقولون: عند وجود القدرة والداعي لا يجب الفعل، بل يكون جائز الوجود والعدم. وطائفة من المعتزلة الكرامية يقولون: بل عند وجود المرجح يكون الوجود راجحاً على العدم من غير وجود. وهذا قول محمود الخوارزمي، وابن الهيصم الكرامي وغيرهما. والقول الثالث: هو قول طوائف من أهل السنة والمعتزلة كأبي الحسين: أنه عند وجود القدرة التامة والداعي التام يجب وجود المقدور. والقول الذي اختاره محمود يقول أصحابه: إنه عند وجود المرجح يكون الممكن أولى بالوجود منه بالعدم، وإن لم ينته الترجيح إلى حد الوجوب. وجعلوا فعل القادر المختار من هذا الوجه. وبهذا يناظرون الناس في مسألة القدر، ويناظرون الفلاسفة في مسألة حدوث العالم. لكن الناس بينوا فساد قولهم، وذلك أنه إذا حصل مرجح، وكان مع وجوده يمكن وجود الممكن ويمكن عدمه، فلا بد من ترجيح لأحدهما على الآخر. فإن قيل: جانب الوجود: أقوى أو أضعف؟ قيل: قول القائل: أقوى، يريد به أنه مع هذه القوة يمكن وجوده وعدمه، أو لا بد من وجوده. فإن قال بالثاني: ثبت وجوبه عند المرجح.

стр. 3474

وإن قال بالأول، قيل له: فإن كان مع القوة يمكن وجوده وعدمه، فلا بد من ترجيح، وإلا كان الممكن نوعين أو له حالان: حال يحصل فيها بغير مرجح، وحال لا يحصل فيها إلا بمرجح. والممكن ليس له من نفسه وجود أصلاً، بل وجوده ممكن، ولا يحصل إلا بغيره، فكل ما وصف بهذه الحقيقة، يمتنع أن يوجد إلا بغيره، فما دام ممكناً لا يوجد إلا بغيره. وذلك الغير إذا كان يمكن أن يفعل، ويمكن أن لا يفعل، كان فعله ممكناً. والممكن لا يحصل إلا بغيره. وإذا قيل: الغير هو القادر، أو القادر المريد، أو نحو ذلك. قيل: مجرد القادر المريد، إذا كان معه وجود الفعل تارة وعدمه الأخرى، كان ممكناً، فلا بد له من مرجح، وإلا فإذا قدر استوىء الحال من كل وجه فلا يترجح، وإذا لم يكن ترجيح، لزم حصول الممكن بلا ترجيح مرجح، وهو ممتنع. وهذا الموضع هو الذي أنكره من أنكره من أئمة السنة والحديث، ومن أئمة الفلاسفة أيضاً، على من صار إليه من أهل الكلام: المعتزلة، والكلابية كالأشعرية، وطائفة من أصحاب أحمد وغيره من الأئمة. وهو أصل قول ابن كلاب في مسألة القرآن، الذي أنكره عليه الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة. وهو أصل شبهة الفلاسفة في مناظرتهم لهؤلاء في قدم العالم، وقد بسط في موضعه. وإذا كان الممكن نفسه إما واجباً بغيره، وإما ممتنعاً لغيره، فما كان يمكن دوام وجوده كان مع وجوده واجب الدوام بغيره، فيمتنع أن

стр. 3475

يكون حينئذ ممكن العدم والحال هذه، مع كونه واجب الدوام بغيره، فيمتنع أن يكون حينئذ ممكن العدم والحال هذه، مع كونه واجب الدوام بغيره. فكل ما أمكن وجوده بغيره وأمكن دوامه، امتنع مع وجوده عدمه، وامتنع مع عدمه وجوده، فإنه إذا لم يدم وجوده، لزم أن لا يكون هناك ما يقتضي وجوده، أو ما يقتضي وجوده في حال دون حال، فإن ممكن الوجود إنما يعدم لعدم مقتضيه، فالعدم الدائم عدم فيه مقتضى الوجود على سبيل الدوام، والعدم الحادث عدم فيه مقتضى الوجود في تلك الحال. والمراد أنه عدم كمال المقتضى، لا أنه عدم كل شرط من شروط الاقتضاء، بل عدم بعض الشروط كاف في عدمه، وعدم المقتضى في حال دون حال، مع تماثل الأحوال، منتف، وعدمه دائماً يوجب أنه يمتنع وجوده دائماً، والتقدير أنه فرض إمكان وجوده دائماً. ومادة هذه الحجة مشاركة لمادة الحجة التي اعتمدوها في قدم العالم، وهي أن الحدوث بدون سبب الحدوث ممتنع، ووجود المقتضى التام في الأزل يستلزم وجود مقتضاه، فإن الأصل في ذلك أنه لا يتجدد شيء بدون سبب يقتضي التجدد. فالمنازع لهم من أهل الكلام، من المعتزلة والأشعرية ونحوهم، إما أن يقول: الفعل في الأزل ممتنع، كما قاله طوائف منهم. وإما أن يقول: هو ممكن لكن لم يحصل ما به يوجد، فكان عدمه لفوات شرط الاتحاد، إذ التقسيم العقلي يوجب أن يقال: الفعل في الأزل: إما ممكن وإما

стр. 3476

ممتنع، وإذا كان ممكناً، فإما أن يحصل مجموع ما به يوجد، وإما أن لا يحصل. فالتقدير الأول أنه ممتنع، لاستلزام تسلسل الحوادث. والثاني أنه وإن قدر إمكانه، لكن لم تتعلق به مشيئة الرب تعالى، أو قدرته، أو لم يحصل تعلق العلم بوجوده قبل ذلك الزمن، أو نحو ذلك مما لا يوجد الفعل إلا به. فمن قال: إن دوام الفعل ممتنع، فقد أبطلوا قوله، كما ذكر. ومن قال: إنه ممكن، لكن لم يوجد تمام شرطه. قالوا له: فهو قبل ذلك كان ممتنعاً، ثم صار ممكناً، بل موجوداً مع تساوي الحالين، فيلزم الترجيح بلا مرجح. وإذا قال: إنه ممكن وما به يحصل موجود. قالوا: فيلزم وجوده. ولما ذكر الرازي هذه الحجة قال: عمدة المنكرين لهذا امتناع حوادث لا أول لها، وقد مضى القول فيه في باب الزمان، فلا نطول بذكره تطويلاتهم الخارجة عن الأصول. كلام الرازي في "المباحث المشرقية" عن مسألة حدوث العالم وتعليق ابن تيمية كلام الرازي في المباحث المشرقية عن مسألة حدوث العالم وتعليق ابن تيمية والموضع الذي أحال فيه ذكر فيه الحجج التي احتج بها هو وغيره على حدوث الزمان، ولوازم ذلك من حدوث الحركة والجسم، وأبطل ذلك كله، فذكر ما احتج به المعتزلة والأشعرية، وما ذكره هو في الأربعين ونهاية العقول في مسألة حدوث العالم، وأبطل ذلك كله فركب لهم

стр. 3477

سبع حجج: أولها: الحوادث الماضية تتطرق إليها الزيادة والنقصان، وما كان كذلك فبه بداية، فللحوادث الماضية بداية. بيان الأولى بأربعة أوجه. أحدها أن الحوادث الماضية إلى زمن الطوفان أقل من الحوادث إلى زماننا بمقدار ما بين الطوفان وزماننا. الثانية: أن الدورات الماضية إما أن تكون شفعاً أو وتراً، وكيفما كان فهو ناقص عن العدد الذي فوقه. الثالث: أن عودات القمر لا شك أنها أقل من عودات زحل والمشتري. الرابع: أن الدورات الماضية لو كانت غير متناهية لكانت الأبدان البشرية الماضية غير متناهية، فكانت النفوس البشرية غير متناهية، لامتناع التناسخ، فكانت النفوس البشرية الموجودة في زماننا غير متناهية، لوجوب بقاء الأنفس البشرية، لكن عدد النفوس الموجودة في زماننا غير متناهية، لوجوب بقاء الأنفس البشرية، لكن عدد النفوس الموجودة في زماننا قابل للزيادة

стр. 3478

والنقصان، فهو متناه. فالنفوس التي كانت موجودة في زمان الطوفان لا شك أنها أقل عدداً من عدد النفوس إلى زماننا، وكل عدد يقبل الزيادة والنقصان فهو متناه، فالنفوس الموجودة البشرية متناهية، ثم يستدل بتناهيها على تناهي الأبدان وتناهي الأبدان على تناهي الحركات والمتحركات، وتناهي كل العالم. قال: وأما بيان أن كل عدد يقبل الزيادة والنقصان فهو متناه، فقد زعموا أن العلم بذلك بديهي. قال: والحجة الثانية: لو كانت الحوادث الماضية غير متناهية، لتوقف حدوث الحادث اليومي على انقضاء ما لا نهاية له، وما يتوقف على انقضاء ما لا نهاية له استحال وجوده، وكان يلزم أن لا يوجد الحادث اليومي، فلما وجد علمنا أن الحوادث الماضية متناهية. قلت: وهذه هي التي ذكرها من ذكرها من شيوخ المعتزلة والشيعة، وقد ذكرها أبو المعالي وأمثاله من أئمة الكلام.

стр. 3479

والثالثة: أن كل واحد واحد من الحوادث: إذا كان له أول، وجب أن يكون للكل أول، كما أن كل واحد واحد من الزنج لما كان أسود، وجب أن يكون الكل سوداً. قلت: وهذه حدة أبي الحسين البصري وأمثاله من المعتزلة. والرابعة: أن الحوادث الماضية قد انتهت إلينا، فلو كانت الحوادث الماضية بلا نهاية، لكان ما لا نهاية له متناهياً، وذلك محال. وأمثاله من المعتزلة. والرابعة: أن الحوادث الماضية قد انتهت إلينا، فلو كانت الحوادث الماضية بلا نهاية، لكان ما لا نهاية له متناهياً، وذلك محال. وهذا من جنس الثاني. والخامسة: أن الأزل إما أن يكون قد وجد فيه حادث أو لم يوجد. والأول محال، لأن ذلك الحادث يكون مسبوقاً بالعدم، والأزل لا يكون مسبوقاً بالعدم، وإن لم يوجد شيء من الحوادث في الأزل، فقد أشرنا إلى حالة ما كان شيء من الحوادث هناك موجوداً، فإذاً كل من الحوادث مسبوق بالعدم. السادسة: أن الأمور الماضية قد دخلت في الوجود، وما دخل في الوجود فقد حصره الوجود، وما حصره الوجود كان متناهياً، فالحوادث الماضية يجب أن تكون متناهية.

стр. 3480

السابعة: أن كل واحد من الحوادث مسبوق بعدم لا أول له، فإذا فرضنا جسماً قديماً، وفرضنا حوادث لا أول لها، لزم أن لا يكون ذلك الجسم متقدماً، لا على وجود تلك الحوادث ولا على عدمها، ومحال أن يكون الشيء لا يتقدم أموراً، ولا يتقدم ما هو سابق على كل واحد واحد من تلك الأمور، فيصير حكم السابق والمسبوق في السبق والتقدم حكماً واحداً. ثم قال: قالت الفلاسفة: الجواب عما ذكروه أولاً من وجوه ثلاثة. الأول: المحكوم عليه بالزيادة والنقصان: إما كل الحوادث، وإما كل واحد واحد منهما، والأول محال، لأن الكل من حيث هو كل غير موجود لا في الخارج ولا في الذهن على ما بيناه في باب اللانهاية، وما لا يكون موجوداً امتنع أن يكون موصوفاً بالأوصاف الثبوتية، من الزيادة والنقصان وغيرهما، لما بينا في باب الوجود: أن ما لا يكون ثابتاً في نفسه، لا يمكن أن يكون موصوفاً بالأوصاف الثبوتية.

стр. 3481

قلت: هذا كقولهم: الحركة غير موجودة، والصوت غير موجود. والكلام غير موجود. وهذا لفظ مجمل، فإن أريد بالموجود ما تقترن أجزاؤه في زمن واحد، فهذا غير موجود. وأما إن أريد ما هو أعم من ذلك، بحيث يدخل فيه ما يوجد شيئاً بعد شيء، فهذا كله موجود، وهو من حيث هو موجود شيئاً بعد شيء، لا موجود على سبيل الاقتران. الثاني: أنا بينا في باب تناهي الأجسام أن الشيء إذا كان متناهياً من جانب، وغير متناه من جانب آخر، فإذا انضم إلى الجانب المتناهي شيء، حتى ازداد هذا الجانب، فالزيادة إنما حصلت في الجانب المتناهي لا في الجانب الآخر، فلا يلزم أن يصير الجانب الآخر متناهياً، إلا أن يقال: إنا نفرض في الذهن انطباق الجانب المتناهي من الزائد على الجانب المتناهي من الناقص، فلا بد وأن يظهر التفاوت من الجانب الآخر. ولكن إذا سلمنا لهم صحة هذا التطبيق، فإنه لا يصح تطبيق طرف الزائد على طرف الناقص، إلا بوقوع فضلة عددية من الزائد، ومع ذلك فمن المحتمل أن يمتد الزائد مع الناقص أبداً، من غير أن ينقطع الناقص، بل يبقى أبداً مع الزائد بتلك الفضلة العددية. الثالث: معارضة ذلك بأمور أربعة: أولها: صحة حدوث

стр. 3482

الحوادث من الأزل إلى الطوفان، أقل من صحتها من الأزل إلى زماننا هذا، مع أنه لا يلزم تناهي الصحة. وثانيها: صحة حدوث الحوادث من الطوفان إلى الأبد، أكثر من صحة حدوثها من الآن إلى الأبد، مع أنه لا يلزم تناهي هذه الصحة في جانب الأبد. وثالثهما: تضعيف الألف مراراً غير متناهية، أقل من تضعيف الألفين مراراً غير متناهية. ورابعها: معلومات الله أكثر من مقدوراته مع أن تلك غير متناهية. قال: والجواب عما ذكروه ثانياً-يعني الحجة الثانية- أنه إما أن يعني بالتوقف المذكور أن يكون أمران معدومان في وقت، وشرط وجود أحدهما في المستقبل أن يوجد المعدوم الآخر قبله، فإن كان الأمر على هذا، فقد وجدنا أمراً معدوماً، ومن شرط وجوده أن توجد أمور بغير نهاية في ترتيبها وكلها معدومة، فيبتدي في الوجود من وقت

стр. 3483

ما اعتبر هذا الاشتراط، فالذي يكون كذلك كان ممتنع الحدوث في الوجود، وأما أن يعني بهذا التوقف أنه لا يوجد هذا الحادث إلا وقد وجد قبله ما لا نهاية له، ثم ادعى أن التوقف بهذا المعنى محال، فهذا هو نفس المطلوب، فإن النزاع ما وقع إلا فيه. والجواب عما ذكروه ثالثاً أنه لا يلزم من ثبوت الأول لكل واحد، ثبوت الأول للكل، لأن من الجائز أن يكون حكم الكل مخالفاً لحكم الآحاد، لأن كل واحد من آحاد العشرة ليس بعشرة والكل عشرة، وكل واحد من الأجزاء ليس بكل، مع أن كلها كل، وكل واحد من الحوادث اليومية غير مستغرق لكل اليوم، مع أن مجموعها مستغرق لكل اليوم، بل نقول: إن الكل من حيث هو كل يستحيل أن يكون مساوياً لجزئه من حيث هو جزء، وإلا لم يكن أحدهما كلاً والآخر جزءاً. وأما المثال الواحد فلا يكفي، لأنا لا ندعي أن حكم الكلية يجب أن يكون مخالفاً لحكم الآحاد، حتى يضرنا المثال الواحد، بل نقول: إن ذلك التساوي قد يكون وقد لا يكون، والأمر فيه موقوف على البرهان. قال: والجواب عما ذكروه رابعاً أن انتهاء الحوادث إلينا يقتضي ثبوت النهاية لها من الجانب الذي يلينا، وثبوت النهاية من أحد

стр. 3484

الجانبين لا ينافي أن لا نهاية لها من الجانب الآخر، والدليل عليه الصحة، فإنه لا بداية لها، مع أنها قد تناهت إلينا، وكذلك حركات أهل الجنة لا نهاية لها، مع أنها في جانب البداية لها نهاية. قال: والجواب عما ما ذكروه خامساً وهو قولهم: الأزل هل وجد فيه حادث أم لا؟ فنقول الأزل ليس حالة معينة، بل هو عبارة عن نفي الأولية، فالحادث بالزمان الذي هو عبارة عن الشيء المسبوق بالعدم، يمتنع وقوعه في الأزل، فأما قولهم: لما لم يقع شيء من الحوادث في الأزل، فقد أشرنا إلى حالة لم يكن شيء من الحوادث هناك موجوداً، فنقول: قد بينا أن الأزل ليس وقتاً مخصوصاً، حتى يقال بأن ذلك الوقت قد خلا عن الحوادث بل الأزل عبارة عن نفي الأولية، فقولنا: الأزل لم يوجد فيه شيء من الحوادث، معناه: أن نفي الأولية لم يوجد فيه شيء من الحوادث، أي كل واحد من الحوادث مسبوق بالعدم، فلم قلتم: إنه لما كان واحد منها مسبوقاً بالعدم، وجب أن يكون الكل كذلك، فإن النزاع ما وقع إلا فيه. والذي يحسم مادة هذا الوهم معارضته بالصحة، فنقول: صحة

стр. 3485

حدوث الحوادث: هل كانت حاصلة في الأزل أم لا؟ فإن كانت حاصلة في الأزل أمكن حدوث حادث أزلي، وذلك محال، وإن لم تكن فللصحة مبدأ أول، وهو محال. ولما لم يكن هذا الكلام قادحاً في أن الصحة لا بداية لها، لم يكن قادحاً في هذه المسألة. قال: والجواب عما ذكروه سادساً، وهو أن ما دخل في الوجود فقد حصره الوجود، فهو أن المراد بالحصر أن يكون للشيء طرف، ونحن نسلم أن الحوادث محصورة من الجانب الذي يلينا، أما لم قلتم: إنه يلزم من ذلك أن تكون محصورة من الطرف الذي لا يلينا، ثم نعارض ذلك بصحة حدوث الحوادث؟ والجواب عما ذكره سابعاً من أنه لا يلزم أن لا ينفك الجسم عن حدوث الحوادث وعدمها، فنقول: إن عنيتم به أنه يكون موصوفاً بوجود كل الحوادث، ويكون موصوفاً بعدمها معاً، فذلك باطل، لأن الحوادث ليس لكلها وجود، حتى يكون الجسم موصوفاً بعدمها معاً، فذلك باطل، لأن الحوادث ليس لكلها وجود، حتى يكون الجسم موصوفاً به وإن عنيتم به أنه في كل واحد من الأزمان يكون موصوفاً بواحد من تلك

стр. 3486

الحوادث، فهو في ذلك الوقت لا يكون موصوفاً بعدم ذلك الحادث، حتى يلزم التناقض، بل يكون موصوفاً بعدم سائر الحوادث، والتناقض إنما يلزم إذا كان الشيء موصوفاً بالحادث المعين، وبعدم ذلك الحادث معاً، فأما أن يكون في ذلك الوقت موصوفاً بوجوده وبعدم غيره، فأي تناقض فيه؟. قال: هذا جملة ما قيل في هذه المسألة. قلت: فهذا كلام الرازي في هذا، مع أنه من عادته في الكتاب المذكور الذي صنفه في الفلسفة، وهو أكبر كتبه في ذلك، إذا تمكن من القدح فيما يورده الفلاسفة، قدح فيه، كما قدح في قولهم: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، والشيء الواحد لا يكون قابلاً وفاعلاً، ونحو ذلك مما يتوجه له القدح فيه، وكما تقرر ما ذكره بزيادات وتكميلات لم يذكروها هم، إذا توجه له تقرير ذلك، فإنه بحسب ما يتوجه له من البحث والنظر. ولهذا كان تارة يعارض ما ذكره الفلاسفة بما يناقضه من كلام المتكلمين، كما يعارض من الكتب الكلامية ما يذكره المتكلمون بما يذكره في مناقضة الفلاسفة، ويرجح ما يترجح له في تلك الحال. وهو مع هذا ذكر هذه الحجج التي هي عمد القائلين بأن الحوادث لا تدوم، وعليها

стр. 3487

بنوا حدوث الجسم، وأبطلها كلها، وذكر أدلة أولئك في دوام فاعلية الرب تعالى ولم يبطلها. وقد ذكر أيضاً حجج هؤلاء في دوام الزمان بكلام طويل ليس هذا موضع بسطه. والمقصود هنا أن من يريد هذا وأمثاله من كلام هؤلاء، تبين له أن ما ذكره أئمتهم الأشعرية وشيوخ أئمتهم المعتزلة في هذا الباب، كان مما تبين لهم فساده، ثم مع هذا لا يمكنهم القدح في أدلة الفلاسفة، إن لم يقروا بما أنكروه من مدلول الكتاب والسنة الموافق لصريح المعقول، فحينئذ يمكنهم القول بالمعقولات الصريحة، ويتبين لهم أنها موافقة للمنقولات الصحيحة، وليس مما أمر الله به ورسوله، ولا مما يرتضيه عاقل، أن تقابل الحجج القوية بالمعاندة والجحد، بل قول الصدق والتزام العدل لازم عند جميع العقلاء. وأهل الإسلام والملل أحق بذلك من غيرهم، إذ هم -ولله الحمد- أكمل الناس عقلاً وأتمهم إدراكاً وأصحهم ديناً، وأشرفهم كتاباً، وأفضلهم نبياً، وأحسنهم شريعة. ومن المعلوم في دين الإسلام أن اليهود والنصارى خير من الفلاسفة الخارجين عن الملل، وأصح عقلاً وديناً، ولهذا كان خيار الصابئة من انتسب إلى ملة من الملل. وقد اتفق أئمة الدين على إقرار اليهود والنصارى بالجزية، وعلى حل ذبائحهم ونسائهم، وإن خالف في ذلك أهل البدع. وأما الفلاسفة فإما أن يكونوا من المشركين، وإما أن يكونوا من المجوس، وإما يكونوا من الصابئين، وإما أن يكونوا منتسبين إلى أهل الملل الثلاث. فمن كان من المشركين، كما يذكر عن الفلاسفة اليونان ونحوهم، أو من المجوس، كفلاسفة الفرس ونحوهم، فاليهود والنصارى

стр. 3488

خير منه، ولذلك هم خير من فلاسفة الصابئين والصابئون للعلماء فيهم طريقتان: إحداهما: أنهم هل يقرون بالجزية أم لا؟ على قولين. والثانية: إنه يفصل الأمر فيهم، فمن تدين بدين أهل الكتاب ألحق بهم، وإلا فلا، وهاتان الطريقتان في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما. والنزاع في إقرارهم الجزية هو على قول من لا يقبل الجزية إلا من المجوس وأهل الكتاب، كقول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين. وأما من يقر مشركي العجم بالجزية ك أبي حنيفة ومالك وأحمد في الرواية الأخرى، فهؤلاء يتنازعون في حل ذبائحهم ونسائهم، ولذلك ينتازع في ذلك من يفرق بين الكتابي الذي دخل سلفه قبل النسخ والتبديل، وبين الذين دخلوا بعد النسخ والتبديل، كما هو قول الشافعي وطائفة من أصحاب أحمد، بناءً على أن أهل الكتاب الاعتبار فيهم بنسبتهم، وهم من كان سلفهم مستمسكين به قبل النسخ والتبديل. لكن جمهور العلماء، ك مالك وأبي حنيفة وأحمد في المنصوص عنه، على أن الاعتبار بنفس الرجل لا ينسبه، كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع الصحابة. والمقصود هنا أنه من رجح بعض أقوال الفلاسفة، التي يخالفون فيها أقوال أهل الملل، كان شراً ممن رجح بعض أقوال اليهود والنصارى على أقوال المسلمين. وإذا كانت الطريق التي سلكها أهل طريقة الأعراض والتركيب

стр. 3489

والاختصاص من أهل الكلام، يوجب أن يصلوا إلى حد يرجحون فيه طريقة الفلاسفة على طريقة سلفهم من أهل الكلام، علم بذلك أنهم جعلوا دين سلفهم المتكلمين أنقص من دين اليهود والنصارى بدرجتين إن كانوا مسلمين، وإن لم يكونوا مسلمين جعلوا قول الفلاسفة الملحدين خيراً من قول الأنبياء والمرسلين، فإنهم رجحوا كلام الفلاسفة على كلام سلفهم المتكلمين، مع اعتقادهم أن أقوال الفلاسفة المناقضة لقول الرسول ﷺ باطلة، وأن اليهود والنصارى خير من الفلاسفة، لزم الأول. وإن اعتقدوا أن قول الفلاسفة خير من قول سلفهم، وقول سلفهم هو قول الأنبياء، لزمهم أن يجعلوا قول الفلاسفة خيراً من قول الأنبياء، فإن طرودا قولهم لزمهم ترجيح اليهود والنصارى على سلفهم، أو ترجيح الفلاسفة على الأنبياء. وممن كان أقل علماً وإيماناً منهم مال إلى القول الثاني، ومن كان أعظم علماً وإيماناً كان ميله إلى الأول أهون عليه، فإن كفر لا حيلة فيه، اللهم إلا أن يسلكوا مسلك القرامطة الباطنية، فيدعون أن ما أظهرته الأنبياء من الأقوال والأفعال إنما هو للجهال والعامة دون الخاصة، وأن لهذه الأقوال والأعمال بواطن تخالف ما أظهروه. وحينئذ فهؤلاء شر الطوائف. هم شر من اليهود والنصارى، ومن الفلاسفة المشركين القدماء الذين لم تقم عليهم حجة بكتاب منزل ونبي مرسل، فإن أولئك، وإن كانوا ضالين، فهؤلاء شركوهم في الضلال، ولكن هؤلاء حصل من حجة الله عليهم بكتابه ورسوله، ومن كفرهم

стр. 3490

الذين يستحقون العقوبة عليه، ما لم نعلمه من حال أولئك. وإن كان أولئك قد بلغهم نبوة بعض الأنبياء، وأرسل إليهم رسول، فليس هو مثل محمد ﷺ ، بل نعلم قطعاً أنهم لم يأتهم كتاب مثل القرآن، ولا رسول مثل محمد ﷺ ، ولا شريعة كشريعته. وكل من علم حاله يعلم بالاضرار من دينه أنه أخبر أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، وأنه خالق كل شيء، وأن هذه الأفلاك ليست قديمة أزلية، فالقائل بذلك مناقض لأخباره وأخبار موسى وغيرهما من المرسلين، مناقضة لا يتمارى فيها من له معرفة بذلك، وأي هذين الوجهين اختاره السالك فما فيه مختار. وأصل هذا الضلال جهلهم بحقيقة ما جاء به الرسول ﷺ ، ونصرهم لما يظنونه جاء به بما يظنونه من المعقول، ومعارضتهم لما يعلم أنه جاء به بما يظنونه من المعقول، وتوهمهم تعارض صحيح المنقول وصريح المعقول، وهذا هو الكلام الذي عابه السلف والأئمة. وأما أهل المعرفة العالمون بالمعقول والمنقول، فلا يقولون في سلفهم ما هو من لوازم قولهم، كما أنهم لا يقولون في الأنبياء ذلك، بل يعلمون قطعاً أن كلام الأنبياء هو الحق وكل ما ناقضه من قول متفلسف أو متكلم أو غيرهما فباطل، وأنه لا يجوز أن يكون في العقل ما يناقض قول الأنبياء، ولا يجوز تعارض الأدلة العلمية السمعية والعقلية أبداً، ويعلمون أن جنس

стр. 3491

المتكلمين أقرب إلى المعقول والمنقول من جنس كلام الفلاسفة، وإن كان الفلاسفة قد يصيبون أحياناً. كما أن جنس المسلمين خير من جنس أهل الكتابين، وإن كان قد يوجد في أهل الكتاب من له عقل وصدق وأمانة لا توجد في كثير من المنتسبين إلى الإسلام. كما قال تعالى: ﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما﴾ [آل عمران: ٧٥] . وهم يعلمون مع هذا أن كل من كان مؤمناً بنبوة محمد ﷺ باطناً وظاهراً، على الوجه الذي يرضاه الله، فهو خير من كل كتابي. لكن من المظهرين للإسلام، من المنافقين، من يكون في الآخرة أشد عذاباً من بعض اليهود والنصارى، فإن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، والإسلام الظاهر يتناول المؤمن والمنافق، والسعداء في الآخرة هم المؤمنون دون المنافقين، والمنافقون، وإن أجريت عليهم في الدنيا أحكام الإسلام، فما لهم في الآخرة من خلاق. فصل. أهل الكلام أقرب إلى الإسلام من الفلاسفة فصل. أهل الكلام أقرب إلى الإسلام من الفلاسفة ونحن نبين هنا ما ننصر به أهل الكلام، الذين هم أقرب إلى الإسلام والسنة من هؤلاء الفلاسفة، وإن كانوا ضالين فيما خالفوا به السنة. وذلك من وجوه. الوجه الأول أن يقولوا لهؤلاء المتفلسفة: أنتم ادعيتم قدم العالم، بناءً على ما ذكرتموه من قدم الزمان، ووجود دوام فاعلية الله تعالى، ونحو ذلك،

стр. 3492

مما غايتكم فيه إثبات دوام الحوادث، إذ ليس في حججكم هذه وأمثالها، ما يدل على قدم شيء من العالم: لا السموات التي أخبر الله أنه خلقها والأرض وما بينهما في ستة أيام، ولا غير ذلك. فيقولون لهم: الحوادث إما أن تكون لها بداية كما قلنا، وإما أنه لا يجب ذلك كما قلتم. فإن كان الأول بطل قولكم، ولزم أن يكون للحوادث ابتداء، فبطل قولكم بأن حركات الأفلاك أزلية، وهو المطلوب. وإن كان الثاني، أمكن أ، يكون حدوث الفلك حركاته موقوفاً على حوادث قبل ذلك كالحوادث اليومية، وتلك الحوادث على حوادث أخرى. وهذا مطابق لما أخبرت به الرسل من أن الله سبحانه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، وكان عرشه على الماء، ومطابق للأخبار المتضمنة أنها خلقها من الدخان والبخار الذي حصل من الماء، وذلك كله أسباب حادثة، ومطابق لما أخبر به الله من أنه خالق كل شيء، وليس في حججكم ما يناقض هذا. الوجه الثاني أن يقال: دوام فاعلية الرب تعالى ودوام الحوادث، يمكن معه أن تدوم الأفعال التي تقوم بالرب بمشيئته وقدرته، وتحدث شيئاً بعد شيء، وأن تحدث حوادث منفصلة شيئاً بعد شيء. وعلى كل من التقديرين فلا يكون شيء من العالم قديماً، فلم قلتم: إن الأمر ليس كذلك، وإن كان ما ذكرتموه صحيحاً؟ وإن كان باطلاً فهو أبعد وأبعد. فإن اعتذروا بأن واجب الوجود لا تقوم به الصفات والأفعال، كان الجواب من وجوه:

стр. 3493

أحدها: أن قولكم في هذا أفسد من قولكم بدوام الحوادث، وحجتكم على ذلك في غاية الفساد. فإن قلتم: هؤلاء المنازعون لنا من المعتزلة والأشعرية وغيرهم يسلمون لنا هذا. قيل لهم: هؤلاء إنما سلموا لكم امتناع قيام الأفعال المرادة المقدورة بذاته، بناءً على امتناع قيام الحوادث به، وإنما منعوا ذلك، لأن ذلك يفضي إلى تعاقبها عليه، وإنما منعوا تعاقب الحوادث على القديم، لاعتقادهم امتناع حوادث لا أول لها. فإن كان هذا القول فاسداً، لم يكن لهم دليل على نفي ذلك. فيقولون لكم: هذا الدليل إن كان صحيحاً بطل قولكم، ولزم أن الحوادث لها ابتداء، وإن كان باطلاً بطل قولنا الذي بنينا عليه نفي الأفعال، وليس لكم على هذا التقدير أن تلزمونا بأن القديم لا تقوم به الحوادث بأنا إنما بنيناه على أصل يعتقدون فساده. غاية ما في هذا الباب أنكم تلزمونا التناقض، وتقولون: يلزمكم: إما القول بدوام الحوادث، وإما القول بجواز قيامها بالقديم. فنقول: إن كان القول بدوامها هو الحق قبلناه وتركنا ذلك، وكان في ذلك لنا مصلحتان: إحداهما: موافقة الأدلة العقلية التي ذكرتموها على ذلك. والثانية: موافقة النصوص الإلهية التي بدعنا بمخالفتها إخواننا المؤمنين.

стр. 3494

والقول الذي يجمع لنا موافقة العقل والنقل خير من أن نوافقكم على قدم الأفلاك ونفي صفات الله تعالى، فإن في هذا من الكفر المخالف للشرع، والفساد المخالف للعقل ما يتبين لمن نظر فيه، لا سيما والفلاسفة لا يمنعون قيام الحوادث والصفات بالقديم الأزلي، ولا كون الجسم قديماً أزلياً، بل يوجبون ذلك كله، ولا دليل لهم على قدم جسم معين كالأفلاك ونحوها. الوجه الثالث أن يقال للفلاسفة: ما ذكرتموه من الأدلة العقلية الموجبة لدوام فاعلية الرب ودوام الحدوث يدل على نقيض قولكم لا على وفقه. فإن هذا يقتضى أن واجب الوجود لم يزل يفعل ويحدث الحوادث، وأنتم على قولكم يلزم ألا يكون أحدث شيئاً من الحوادث، وذلك لأن الموجب لهذه الحوادث المتعاقبة، إما أن يكون ثابتاً في الأزل أو لا. فإن كان الأول لزم وجود كل من الحوادث في الأزل، وهو محال، لأن الموجب التام لا يتخلف عنه موجبه ومقتضاه. وهم يقولون: إن واجب الوجود علة تامة لا يتخلف عنه شيء من معلوله، فإذا كانت هذه الحوادث المتعاقبة معلولة بوسط أو بغير وسط لزم مقارنتها له، لأن العلة التامة يقارنها معلولها، لا يتخلف عنها، وإذا امتنع أن يتخلف عنها معلولها، فما تأخر عنها فليس معلولاً لها، فيلزم أنه لم يحدث شيئاً من الحوادث: لا بوسط ولا بغير وسط. وقولهم بتسلسل الحوادث لا ينفعهم، والحال هذه، إذا جعلوه علة تامة مستلزمة لمعلولها، لأن التقدير على قولهم: إنه ليس له فعل قائم بذاته متجدد أصلاً: لا خلق ولا استواء ولا غير ذلك.

стр. 3495

ومعلوم أن الحوادث الحادثة هي مختلفة الأجناس، متعاقبة في الوجود، فالأجناس الحادثة المختلفة، إذا قدر أن حال الفاعل لها لم يزل على حال واحدة، لا يقوم به فعل ولا وصف، بل هو واحد بسيط، امتنع أن يختلف حاله في الإحداث، وأن يحدث شيئاً بعد أن لم يكن أحدثه، كما يقولون هم ذلك، ويجعلونه عمدتهم في قدم العالم، وامتناع أن تحدث عنه الأنواع المختلفة الحادثة شيئاً بعد شيء، وهو في نفسه لم يتجدد له حال ولا فعل، ولا حكم ولا وصف، ولا شيء من الأشياء؟ وهم أنكروا على المتكلمين نفاة الفعل الاختياري القائم به أن يحدث عنه شيء بلا سبب حادث، وقالوا: إن هذا مخالف لصريح العقل. فيقال لهم: الباطل بعض قولكم، وإذا كان حدوث بعض الحوادث عن هذا ممتنعاً، فحدوث الحوادث المختلفة دائماً عن علة تامة، لم يحدث فيها ولا منها شيء، أعظم امتناعاً من قول هؤلاء. وأيضاً فالحادث لا يحدث حتى يحصل الفعل التام المحدث له، والممكن لا يحصل حتى يحصل الموجب التام المرجح له، والموجب التام يستلزم موجبه ومقتضاه، فكل من الحوادث الممكنات ما حدث ووجد حتى حصل له الموجب التام، وذلك الموجب التام لا بد له من موجب تام، وهلم جراً. فيلزم أ، يحصل لكل من الحوادث موجبات تامة لا نهاية لها في آن واحد. وذلك تسلسل في العلل والمؤثرات، وهو باطل باتفاق العقلاء.

стр. 3496

وإنما لزم ذلك لأن الحوادث يمتنع حدوثها عن العلة التامة القديمة، فإن العلة التامة القديمة لا يتخلف عنها معلولها، والمحدث يجب أن تكون علته تامة عند حدوثه. وهم يقولون بكلا القولين، فلزم من هذين القولين أن واجب الوجود لم يحدث شيئاً من الحوادث، وأن الحوادث لا محدث لها. ويلزم أيضاً وجود علل ومعلولات لا نهاية لها، وفاعلين لا نهاية لهم، وكل ذلك مما يعلمون هم وسائر العقلاء فساده، ولا مخلص لهم عن هذا إلا بأن يقولوا بأن واجب الوجود تقوم به الأفعال الاختيارية المقدورة له، وتقوم به الصفات. وإذا قالوا ذلك بطل قولهم بنفي الصفات ووجوب قدم الأفلاك. فعلم أن ما ذكروه من الحجج الصحيحة الدالة على دوام فاعلية الرب، ودوام الحدوث، يدل على نقيض قولهم في أفعال الرب تعالى وصفاته، وعلى ضد قولهم في قدم العالم، وتوحيد واجب الوجود، وهذا هو المطلوب، وقد بسط ما يتعلق بهذا الكلام في موضع آخر. والمقصود هنا التنبيه على أن كل ما تقيمه كل طائفة من الناس من الحجج العقلية التي لا مطعن فيها، فإنها إنما تدل على موافقة الكتب والسنة، وإبطال ما خالف ذلك من أقوال أهل البدع، متكلمهم ومتفلسفهم، والله سبحانه أعلم. ومما يوضح هذا أن عمدة الحجة المتقدمة في دوام فاعليته من جنس الحجة المتقدمة لمن منع حدوث الأفعال القائمة به، حيث قالوا: إن كل صفة تفرض لواجب الوجود فإن ذاته كافية في حصولها أو لا حصولها،

стр. 3497

وإلا لزم افتقاره إلى سبب منفصل، وذلك يقتضي إمكانه، فيلزم من دوام حقيقته دوام تلك الصفة. وهكذا قال القائلون بقدم الفعل قالوا: ذاته إما أن تكون كافية فيه، وإما أن تكون متوقفة على غيره. فإن كانت كافية فيه، لزم قدم الفعل لوجود موجبه التام في الأزل، وإن لم تكن كافية فيه، لزم افتقاره إلى سبب منفصل، وذلك يقتضي إمكانه، وهذا هو الذي يعتمدون عليه. والجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن يقال: هذا يبطل قولكم ويرد عليكم في جميع الحوادث، فإن ذاته إن كانت كافية في حدوث الحوادث، لزم قدمها، وهو ممتنع. وإن لم تكن كافية، لزم توقف الحوادث على غير ذاته. ثم ذلك الشرط في حدوث الحوادث: إن كانت ذاته كافية فيه، لزم قدمه، وإلا فالقول فيه كالقول في الحادث المشروط. ومهما قدر من الممكنات أمكن أن يقال: حدوثه موقوف على حادث قبله، كما علم حدوثه من المحدثات. وإذا قالوا: مبدأ الحدوث هو حركة الفلك، والحركة لذاتها تتجدد شيئاً بعد شيء، وسبب ذلك تجدد التصورات والإرادات. قيل: هذا بعينه يبطل حجتكم، فإن هذا الذي هو كذاته يتجدد شيئاً بعد شيء، لو كان ذات واجب الوجود وحده كافية في وجوده، لزم مقارنته له في الأزل، وهو ممتنع. فعلم أن ذاته لا تكفي في وجود شيء منه، بل كل منه مشروط بما قبله، وذاته لا توجب شيئاً من الشروط.

стр. 3498

وإذا قيل: الذات أوجبت وجوده متعاقباً دائماً، لزم أن يكون الواحد البسيط القديم، الذي لا صفة له ولا فعل، يوجب لذاته أموراً منفصلة عنه متعاقبة مختلفة، سواء كان بواسطة لازمة له أو بغير واسطة. وهذا مع أنه باطل في ضرورة العقل، فإنه ينقض أصولهم في تناسب الموجب والموجب، ولزوم المعلول للعلة التامة، وأن الواجب علة تامة. ومن المعلوم بصريح العقل أن المعلول الموجب إذا كان حادثاً شيئاً فشيئاً، فلا بد من حدوث أمر في علته الموجبة اقتضت ذلك، وإلا فالعلة موجبة إذا كانت عند الحادث الثاني كما كانت عند الحادث الأول، كان تخصيصها للأول بالتقدم تخصيصاً بلا مخصص، وكان ترجيح الأول ترجيحاً الأول ترجيحاً بلا مرجح. وأيضاً فيمتنع أن تكون الحركات الحادثة شيئاً بعد شيء معلول علة تامة قديمة أزلية يقارنها معلولها، فإن العلة الأزلية التامة يقارنها معلولها، والحركات الحادثة شيئاً فشيئاً ليس شيء منها مقارناً للعلة، فامتنع أن يكون معلولاً لها. وهذا بخلاف ما إذا كان الفاعل يحدث أفعاله القائمة به شيئاً بعد شيء، فإن ذاته واجبة الوجود بنفسها، فلا يمتنع أن تكون مستلزمة لدوام الفعل. وأما المفعولات فكلها ممكنة، ليس فيها واجب بنفسه، فامتنع أن يكون فيها ما يوجب الفعل الدائم، بل ذلك مستند إلى الواجب بنفسه. الثاني: أن يقال: هذا إنما يصح فيما كان لازماً لنفسه في النفي والإثبات. أما ما كان موقوفاً على مشيئته وقدرته كأفعاله، فإنه يكون إذا شاءه الله، ولا يكون إذا لم يشأه. وهم لا يمكنهم إقامة الدليل على أنه

стр. 3499

لا يتعلق بمشيئته وقدرته إلا ببيان أنه لازم لذاته، ولا يمكنهم بيان أنه لازم لذاته إلا بنفي مشيئته وقدرته، فلا تصح حجتهم. فإن قالوا: فتلك الأمور التي يقف عليها الفعل إن كانت قديمة لزم قدمه، وإلا فلا بد لحدوثها من سبب. قيل: هذا غايته أنه يجب التسلسل في الشروط والآثار، وذلك جائز عندكم. ثم نقول إن كان التسلسل في الشروط جائزاً بطل هذا السؤال، لجواز تسلسل الشروط، وإن كان ممتنعاً، بطل أيضاً، لوجوب كون جنس الحوادث مسبوقاً بالعدم. والثالث: أن يقال: أتعني بقولك: ذاته كافية: أنها مستلزمة لوجود اللازم في الأزل، أم هي كافية فيه وإن تأخر وجوده؟ فإنه عنيت الأول انتفض عليك بالمفعولات الحادثة، فإنه يلزمك إما قدمها وإما افتقاره إلى سبب منفصل، إذا كان ما لا تكفي فيه الذات مفتقراً إلى سبب منفصل. وإن عنيت الثاني كان حجة عليك إذا كان ما تكفي فيه الذات يمكن تأخره. الرابع: أن يقال: قولك: يفتقر إلى سبب منفصل: أتعني به سبباً يكون من فعل الله، أو سبباً لا يكون من فعله؟ أما الأول فلا يلزم افتقاره إلى غيره، فإنه إذا كان هو فاعل الأسباب، وفاعلها يحدث بها، فهو فاعل الجميع وليس مفتقراً في فعل إلى غيره، إلا أن يعنى به أنه لا يحصل أحد فعليه إلا بشرط فعله الآخر. وهذا ليس فيه

стр. 3500

افتقار إلى غيره. ومن سمى هذا افتقاراً إلى غيره، فهو بمنزلة من قال: إنه يفتقر إلى صفته. وقد ذكر غير مرة أن هذا بمنزلة قول القائل: إنه مفتقر إلى نفسه. وهذا إذا أطلق لا ينافي ما وجب له من الغنى بل هذا الغنى الذي لا يتصور غيره. وإن عنيت بالسبب ما لا يكون من فعله، لزمك أن كل ما لا تكفي الذات فيه، ولا هو لازم لها في الأزل، لا يوجد إلا بشريك مع الله ليس من مفعولاته. وهذا مع أنه باطل بالإجماع الذي توافقون عليه أهل الملل، فبطلانه معلوم بصريح العقل، كما تقدم بيان بطلانه. الخامس: أن يقال ما تعني بقولك: ذاته كافية في ذلك؟ أتعني به بالذات المجردة عن فعل يقوم بها؟ أم تعني به الذات الموصوفة بقيام الفعل بها؟ وأيهما عنيت بطل قولك. فإن عنيت الأول لزم أن تكون الذات المجردة عن الفعل القائم بها تفعل أموراً مختلفة متعاقبة، مع أن حالها مع فعل الشيء هو حالها مع فعل خلافه، ومع أن حالها بالنسبة إلى وجود المفعول وعدمه سواء، وهذا باطل. ثم يقال: إن جاز أن يكون هذا صحيحاً، جاز أن يكون حالها قبل الفعل وحين الفعل سواء. فيمكن قول القائل بأن الحوادث لها أول، وإن

стр. 3501

لم يجز أن يكون صحيحاً، بطل قولهم بأن الحوادث تصدر بواسطة أو بغير واسطة عن ذات لم يقم بها فعل. وإن عنيت الثاني، فالذات الموصوفة بقيام الفعل بها، إذا قيل: هي كافية في المفعولات لم يلزم قدم المفعولات، لأنها مشروطة بالفعل، ولا يلزم من ذلك افتقارها إلى غيرها، لأن فعلها الذي هو شرط في المفعولات من لوازم ذاتها، كما أن صفاتها من لوازم ذاتها. لكن قد يكون اللازم نوعاً، كالفعل المتعاقب، وقد يكون عيناً كالحياة التي لم تزل ولا تزال. وهذه الحجة هي التي يعتمد عليها أولوهم وآخروهم، لكن يصرفون ألفاظها ومعانيها. كلام السهرودي المقتول في "التلويحات " كلام السهرودي المقتول في التلويحات وذلك كقول السهروري المقتول في تلويحاته، فإنه قال: واجب الوجود لا يصدر عنه شيء بعد أن لم يكن، فإنه إن كان المرجح هو نفسه، أو على ما أخذ من صفاته، وهو دائم، فيجب دوام الترجيح، ودوام وجود المعلول، وإن لم يفعل ثم فعل، فلا بد من حدوث ما ينبغي في فعله، أو عدم ما لا ينبغي، ويعود الكلام إليه ولا يقف. فواجب الوجود لا تسنح له إرادة، وحال كل ما يتجدد حال ما لأجله التجدد في استدعاء مرجح حادث، وليس قبل جميع الوجود

стр. 3502

وقت يتوقف عليه الفعل، ولا يمتاز في العدم البحث حال يكون الأولى به أن يصدر عنه شيء، أو بالشيء أن يحصل عنه، فلو حصل فيه شيء بعد أن لم يكن لتغيرت ذاته، ولتسلسل الحوادث فيها إلى غير النهاية وهو محال، ففعله دائم. الرد عليه من وجوه. الوجه الأول الرد عليه من وجوه. الوجه الأول وجواب هذا من وجوه. الوجه الأول أن يقال له: ما تعني بقولك: لا يصدر عنه بعد أن لم يكن؟ إن عنيت له أنه لا يصدر عنه شيء من أعيان الحوادث بعد أن لم يكن ذلك المحدث، فهذا باطل لوجهين: أحدهما: أن هذا خلاف قولكم وقول أهل الملل. فإن الحوادث متجددة شيئاً بعد شيء، سواء صدرت عنه بواسطة أو بغير واسطة. وإذا قلتم: الحركة هي السبب فيها، فكل جزء من أجزاء الحركة صادر عنه بعد أن لم يكن. الثاني: أن ما ذكرته من الحجة لا ينفي ذلك، فإن كون ذاته تقتضي دوام الترجيح، لا يوجب أن تقتضي دوام ترجيح كل ممكن ولا كل مفعول، بل يكفي أن توجب دوام ترجيح أمر ما، كما تقولون أنتم: إن الذي رجحه هو الأفلاك والعناصر، دون أعيان الحوادث.

стр. 3503

وإن عنيت أنه لا يصدر عنه شيء بعد أن لم يكن شيء من الأشياء صادراً عنه، وهذا هو مراده. فيقال: غاية ما في هذا دوام فعله. وحينئذ فهذا لا يستلزم دوام المفعول المعين، لا الفلك ولا غيره بل يجوز تعاقب الأفعال القائمة به، وتعاقب المفعولات المحدثة شيئاً بعد شيء، على قولك، وتعاقبها جميعاً. وعلى التقديرات الثلاثة، فحدوث الأفلاك ممكن، فيبطل استدلالك على قدمها. الوجه الثاني أن يقال: حدوث الحوادث المنفصلة عنه شيئاً بعد شيء من غير فعل يقوم به: إما أن يكون ممكناً، وإما ألا يكون. فإن لم يكن ممكناً بطل قولكم، بأن سبب الحوادث هو حركات الفلك. وإن كان ممكناً أمكن حدوث حوادث متعاقبة، الفلك واحد منها. كما أخبرت بذلك الأنبياء، وهو قول قدماء الفلاسفة وأساطينهم. الوجه الثالث أن يقال: دوام حدوث الحوادث إما أن يكون ممتنعاً، أو ممكناً، كما ذكرت. فإن كان ممتنعاً لزم حدوث الأجسام وحركاتها، ودخل في ذلك الفلك وغيره. وإن كان ممكناً، لم يجب أن يكون الفلك دائماً، بل يجوز أن يكون حادثاً بعد حوادث قبله كما تقدم. الوجه الرابع أن يقال: قولكم: إما أن يكون المرجح نفسه، أو على ما أخذ من صفاته وهو دائم، فيجب دوام الترجيح، ودوام وجود المعلول. وإن لم يفعل، ثم فعل، فلا بد من حدوث ما ينبغي. لأهل الملل هنا جوابان:

стр. 3504

أحدهما: قول من يقول: إنه لم يزل يقوم به الفعل والكلام بقدرته ومشيئته، وعلى هذا فيمكن دوام الترجيح، ولا يجب قدم شيء من المفعولات، فضلاً عن قدم الأفلاك. والجواب الثاني: قول من يقول: يمتنع وجود المفعول في الأزل. وعلى هذا، فإذا قلت لهؤلاء: إذا قلتم: لم يفعل ثم فعل، فلا بد من حدوث ما ينبغي فعله، أو عدم ما لا ينبغي، ويعود الكلام إليه ولا يقف. قالوا: فعل واجب الوجود لما فعله من المفعولات المختلفة الحادثة: إما أن يجوز صدوره عنه من غير فعل قائم به، وإما ألا يجوز. فإن لم يجز ذلك بطل قولك. وإن جاز ذلك فحاله حين حدوث الطوفان كحاله حين إرسال محمد ﷺ . وقد وجد منه في أحد الزمانين من المفعولات ما لا يوجد في الزمان الآخر، مع تماثل حاله بالنسبة إلى الزمانين. وإذا قيل: إن ذلك لأجل الحوادث المختلفة، كالحركات الفلكية، والاتصالات الكوكبية. قيل: الكلام في الحوادث التي أوجبت حدوث الطوفان، كالقول في الحوادث حين المبعث وغيره من الحوادث المختلفة. فإذا كان الفاعل حاله مماثل في جميع الأزمنة، واللوازم عنه كذلك، كان اختصاص أحد الزمانين بما يخالف الزمان الآخر ترجيحاً بلا مرجح. فإن كان ذلك جائزاً، جاز أن تحدث عنه الحوادث بعد أن لم تكن.

стр. 3505

وإذا نسبت الحوادث إلى الحركة الفلكية. قيل: إن كانت الحركة الدائمة متماثلة لزم تماثل الحوادث، وإن كان مختلفة كان قد اختص أحد الزمانين بما لم يوجد في الزمان الآخر. بل قد يقال: الفاعل إن قيل: إنه يلزمه مفعولات مختلفة دائمة متعاقبة من غير فعل يقوم به، ولا صفة له، كان كذلك أبعد في العقل من أن يقال: إنه فعل مفعولات مختلفة في وقت دون وقت، فإن هذا بعض ذاك، فكان المحذور الذي هو في هذا هو في ذاك وزيادة. الوجه الخامس أن يقال: قولك: وإن لم يفعل ثم فعل فلا بد من حدوث ما ينبغي فعله، أو عدم ما لا ينبغي، ويعود الكلام إليه ولا يقف. غايته أنه يستلزم امتناع كونه صار فاعلاً بعد أن لم يكن، وهذا لازم لك. لكن نقول: لم قلت: إنه لم يزل يفعل شيئاً بعد شيء؟ فإن قلت: هذا يستلزم تسلسل الحوادث، وتسلسل الحوادث شيئاً بعد شيء جائز عندكم. فبتقدير أنه لا يزال يفعل شيئاً بعد شيء كان كل ما سواه حادثاً مع التسلسل الجائز، وذلك جائز عندك. وهو موجب دليلك. فإن كان باطلاً بطل مذهبك. وإن كان حقاً، فيقال: ما المانع أن يفعل ما لم يكن فاعلاً لحدوث حادث، وذلك موقوف على حادث آخر لا إلى نهاية، وتكون تلك الحوادث صادرة عنه؟ ثم يقال: إما أن يكون كل ما حدث يجوز حدوثه بلا فعل يقوم به، أو لا بد من فعل يقوم به. وعلى التقديرين لا يلزم صحة قولك.
следующие страницы →