Полный текст (4 031 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.
стр. 3501
لم يجز أن يكون صحيحاً، بطل قولهم بأن الحوادث تصدر بواسطة أو بغير واسطة عن ذات لم يقم بها فعل.
وإن عنيت الثاني، فالذات الموصوفة بقيام الفعل بها، إذا قيل: هي كافية في المفعولات لم يلزم قدم المفعولات، لأنها مشروطة بالفعل، ولا يلزم من ذلك افتقارها إلى غيرها، لأن فعلها الذي هو شرط في المفعولات من لوازم ذاتها، كما أن صفاتها من لوازم ذاتها.
لكن قد يكون اللازم نوعاً، كالفعل المتعاقب، وقد يكون عيناً كالحياة التي لم تزل ولا تزال.
وهذه الحجة هي التي يعتمد عليها أولوهم وآخروهم، لكن يصرفون ألفاظها ومعانيها.
كلام السهرودي المقتول في "التلويحات "
كلام السهرودي المقتول في التلويحات
وذلك كقول السهروري المقتول في تلويحاته، فإنه قال: واجب الوجود لا يصدر عنه شيء بعد أن لم يكن، فإنه إن كان المرجح هو نفسه، أو على ما أخذ من صفاته، وهو دائم، فيجب دوام الترجيح، ودوام وجود المعلول، وإن لم يفعل ثم فعل، فلا بد من حدوث ما ينبغي في فعله، أو عدم ما لا ينبغي، ويعود الكلام إليه ولا يقف.
فواجب الوجود لا تسنح له إرادة، وحال كل ما يتجدد حال ما لأجله التجدد في استدعاء مرجح حادث، وليس قبل جميع الوجود
стр. 3502
وقت يتوقف عليه الفعل، ولا يمتاز في العدم البحث حال يكون الأولى به أن يصدر عنه شيء، أو بالشيء أن يحصل عنه، فلو حصل فيه شيء بعد أن لم يكن لتغيرت ذاته، ولتسلسل الحوادث فيها إلى غير النهاية وهو محال، ففعله دائم.
الرد عليه من وجوه. الوجه الأول
الرد عليه من وجوه.
الوجه الأول
وجواب هذا من وجوه.
الوجه الأول
أن يقال له: ما تعني بقولك: لا يصدر عنه بعد أن لم يكن؟
إن عنيت له أنه لا يصدر عنه شيء من أعيان الحوادث بعد أن لم يكن ذلك المحدث، فهذا باطل لوجهين:
أحدهما: أن هذا خلاف قولكم وقول أهل الملل.
فإن الحوادث متجددة شيئاً بعد شيء، سواء صدرت عنه بواسطة أو بغير واسطة.
وإذا قلتم: الحركة هي السبب فيها، فكل جزء من أجزاء الحركة صادر عنه بعد أن لم يكن.
الثاني: أن ما ذكرته من الحجة لا ينفي ذلك، فإن كون ذاته تقتضي دوام الترجيح، لا يوجب أن تقتضي دوام ترجيح كل ممكن ولا كل مفعول، بل يكفي أن توجب دوام ترجيح أمر ما، كما تقولون أنتم: إن الذي رجحه هو الأفلاك والعناصر، دون أعيان الحوادث.
стр. 3503
وإن عنيت أنه لا يصدر عنه شيء بعد أن لم يكن شيء من الأشياء صادراً عنه، وهذا هو مراده.
فيقال: غاية ما في هذا دوام فعله.
وحينئذ فهذا لا يستلزم دوام المفعول المعين، لا الفلك ولا غيره بل يجوز تعاقب الأفعال القائمة به، وتعاقب المفعولات المحدثة شيئاً بعد شيء، على قولك، وتعاقبها جميعاً.
وعلى التقديرات الثلاثة، فحدوث الأفلاك ممكن، فيبطل استدلالك على قدمها.
الوجه الثاني
أن يقال: حدوث الحوادث المنفصلة عنه شيئاً بعد شيء من غير فعل يقوم به: إما أن يكون ممكناً، وإما ألا يكون.
فإن لم يكن ممكناً بطل قولكم، بأن سبب الحوادث هو حركات الفلك.
وإن كان ممكناً أمكن حدوث حوادث متعاقبة، الفلك واحد منها.
كما أخبرت بذلك الأنبياء، وهو قول قدماء الفلاسفة وأساطينهم.
الوجه الثالث
أن يقال: دوام حدوث الحوادث إما أن يكون ممتنعاً، أو ممكناً، كما ذكرت.
فإن كان ممتنعاً لزم حدوث الأجسام وحركاتها، ودخل في ذلك الفلك وغيره.
وإن كان ممكناً، لم يجب أن يكون الفلك دائماً، بل يجوز أن يكون حادثاً بعد حوادث قبله كما تقدم.
الوجه الرابع
أن يقال: قولكم: إما أن يكون المرجح نفسه، أو على ما أخذ من صفاته وهو دائم، فيجب دوام الترجيح، ودوام وجود المعلول.
وإن لم يفعل، ثم فعل، فلا بد من حدوث ما ينبغي.
لأهل الملل هنا جوابان:
стр. 3504
أحدهما: قول من يقول: إنه لم يزل يقوم به الفعل والكلام بقدرته ومشيئته، وعلى هذا فيمكن دوام الترجيح، ولا يجب قدم شيء من المفعولات، فضلاً عن قدم الأفلاك.
والجواب الثاني: قول من يقول: يمتنع وجود المفعول في الأزل.
وعلى هذا، فإذا قلت لهؤلاء: إذا قلتم: لم يفعل ثم فعل، فلا بد من حدوث ما ينبغي فعله، أو عدم ما لا ينبغي، ويعود الكلام إليه ولا يقف.
قالوا: فعل واجب الوجود لما فعله من المفعولات المختلفة الحادثة: إما أن يجوز صدوره عنه من غير فعل قائم به، وإما ألا يجوز.
فإن لم يجز ذلك بطل قولك.
وإن جاز ذلك فحاله حين حدوث الطوفان كحاله حين إرسال محمد ﷺ .
وقد وجد منه في أحد الزمانين من المفعولات ما لا يوجد في الزمان الآخر، مع تماثل حاله بالنسبة إلى الزمانين.
وإذا قيل: إن ذلك لأجل الحوادث المختلفة، كالحركات الفلكية، والاتصالات الكوكبية.
قيل: الكلام في الحوادث التي أوجبت حدوث الطوفان، كالقول في الحوادث حين المبعث وغيره من الحوادث المختلفة.
فإذا كان الفاعل حاله مماثل في جميع الأزمنة، واللوازم عنه كذلك، كان اختصاص أحد الزمانين بما يخالف الزمان الآخر ترجيحاً بلا مرجح.
فإن كان ذلك جائزاً، جاز أن تحدث عنه الحوادث بعد أن لم تكن.
стр. 3505
وإذا نسبت الحوادث إلى الحركة الفلكية.
قيل: إن كانت الحركة الدائمة متماثلة لزم تماثل الحوادث، وإن كان مختلفة كان قد اختص أحد الزمانين بما لم يوجد في الزمان الآخر.
بل قد يقال: الفاعل إن قيل: إنه يلزمه مفعولات مختلفة دائمة متعاقبة من غير فعل يقوم به، ولا صفة له، كان كذلك أبعد في العقل من أن يقال: إنه فعل مفعولات مختلفة في وقت دون وقت، فإن هذا بعض ذاك، فكان المحذور الذي هو في هذا هو في ذاك وزيادة.
الوجه الخامس
أن يقال: قولك: وإن لم يفعل ثم فعل فلا بد من حدوث ما ينبغي فعله، أو عدم ما لا ينبغي، ويعود الكلام إليه ولا يقف.
غايته أنه يستلزم امتناع كونه صار فاعلاً بعد أن لم يكن، وهذا لازم لك.
لكن نقول: لم قلت: إنه لم يزل يفعل شيئاً بعد شيء؟
فإن قلت: هذا يستلزم تسلسل الحوادث، وتسلسل الحوادث شيئاً بعد شيء جائز عندكم.
فبتقدير أنه لا يزال يفعل شيئاً بعد شيء كان كل ما سواه حادثاً مع التسلسل الجائز، وذلك جائز عندك.
وهو موجب دليلك.
فإن كان باطلاً بطل مذهبك.
وإن كان حقاً، فيقال: ما المانع أن يفعل ما لم يكن فاعلاً لحدوث حادث، وذلك موقوف على حادث آخر لا إلى نهاية، وتكون تلك الحوادث صادرة عنه؟
ثم يقال: إما أن يكون كل ما حدث يجوز حدوثه بلا فعل يقوم به، أو لا بد من فعل يقوم به.
وعلى التقديرين لا يلزم صحة قولك.
стр. 3506
فإن قلت: مقصودي أنه لم يزل فاعلاً وقد حصل، قيل: لا يلزم أن يكون فاعلاً لمعقول معين.
بل ولا يلزم أن يكون هو الفاعل على قولك.
فإنك تجوز حدوث جميع الحوادث من غير أمر يحدث فيه ومنه، وعندك يحدث الحادث المخالف لما قبله كالطوفان وغيره، من غير أن يحدث منه ما لم يكن حدث قبل ذلك، فأنت تجوز حدوث جميع الحوادث من غير أن يحدث منه شيء يخص حادثاً من الحوادث.
الوجه السادس
أن يقال: قولك: لو حصل منه شيء بعد أن لم يكن لتغيرت ذاته، وتسلسل الحوادث فيها إلى غير نهاية وهو محال، ففعله دائم.
جوابه أن يقال: حصول الحوادث المنفصلة عنه إما أن يقف على حدوث شيء في ذاته، وإما أن لا يقف.
فإن لم يقف بطل قولك: لو حصل شيء بعد أن لم يحصل لتغيرت ذاته، وتسلسلت فيها الحوادث.
فإنك تجوز أن تحدث عنه جميع الحوادث من غير حدوث شيء في ذاته، فلا يكون حدوث الحوادث مستلزماً لحدوث شيء في ذاته.
وإن كان حدوث الحوادث المنفصلة متوقفاً على حدوث شيء في ذاته، لم يكن في ذلك بمحذور، فإن حدوث الحوادث مشهودة، وأنت لم تذكر حجة على امتناع هذا المعنى، ولكن أحدث امتناعه مسلماً.
وتسميتك لذلك تغيراً ليس بحجة عقلية، فإن لفظ التغير مشترك، وهنا لا يراد به الاستحالة، بل يراد به نفس الفعل أو التحول أو ما يشبه ذلك، وأنت لا دليل لك على انتفاء ذلك، بل أنت تجوز على القديم أن يكون متغيراً بهذا الاعتبار، وتجوز على القديم أن يكون محلاً للحوادث.
стр. 3507
وتحقيق الكلام في هذا الموضع أن التسلسل هنا يراد به شيئان:
أحدهما: التسلسل في الفعل مطلقاً.
والثاني: التسلسل في فعل شيء معين.
فالأول أن يراد به أنه لا يحدث شيئاً من الأشياء أصلاً حتى يحدث شيئاً، فتكون حقيقة الكلام أنه لا يخلق حتى يخلق، ولا يفعل حتى يفعل، ولا يحدث حتى يحدث، وهذا ممتنع بالضرورة.
وهذا في حقيقة دور وليس بتسلسل، فإن معناه أنه لا يكون الشيء حتى يكون الشيء، فيلزم الجمع بين النقيضين، فإنه إذا لم يوجد حتى يوجد، لزم أن يكون معدوماً موجوداً.
وأما إذا قيل: لا يفعل شيئاً إلا بشرط يقارنه، ولا يفعل ذلك الشرط إلا بشرط يقارنه، فهذا التسلسل في تمام التأثير، وليس بتسلسل أمور متعاقبة، وهذا هو التسلسل في تمام التأثير، والأول تسلسل في أصل التأثير، وكلاهما ممتنع.
والأول هو الذي ينبغي أن يراد بقول القائل: إذا لم يفعل ثم فعل، فلا بد من حدوث شيء: إما قدرة، وإما إرادة، وإما علم، وإما أمر من الأمور.
ثم القول في حدوث ذلك كالقول في حدوث الأول.
فإن هذا الثاني أيضاً لا يحدث إلا بحدوث شيء يكون حادثاً معه، فإن ما كان من تمام التأثير فلا بد أن يكون موجوداً حين التأثير، لا يكفي وجوده قبله.
وحينئذ فيمكن تصوير هذه الحجة على وجهين:
أحدهما: أن يقال لا يحدث شيئاً حتى يحدث شيئاً، ولا يفعل شيئاً
стр. 3508
حتى يفعل شيئاً.
فإن حدوث الحادث بلا سبب حادث ممتنع.
والثاني: أن يقال: لا يحدث مفعولاً إلا بحدوث قدرة، أو إرادة، أو علم أو نحو ذلك.
ولا يحدث ذلك إلا بحدوث ما يوجب حدوثه، فيلزم أن لا يحدث شيئاً، فإن هذا تسلسل في تمام التأثير.
والتسلسل في تمام التأثير كالتسلسل في المؤثرين، فكما أنه يمتنع أن لا يكون مؤثراً إلا عن مؤثر، ولا يؤثر إلا عن مؤثر، وأنه يمتنع وجود علل ومعلولات لا نهاية لها، فلذلك يمتنع أن لا يتم كون الشيء علة أو فاعلاً إلا بوجود أمر، ولا يتم وجود ذلك التمام إلا بوجود تمام آخر، إلى غير غاية.
فهذا أيضاً ممتنع باتفاق العقلاء.
وأما إذا قيل لا يوجد الشيء حتى يوجد قبله شيء آخر، ولا يوجد ذلك الثاني حتى يوجد قبله شيء آخر، فهذا فيه النزاع المشهور، وهو تسلسل الآثار المعينة، لا تسلسل في أصل التأثير، فيجب تصور الفرق بين الأمرين.
وقد صور السهروردي هذه الحجة في كتابه المسمى بـ حكمة الإشراق وهو الذي ذكر فيه خلاصة ما عنده، ولم يقلد فيه المشائين، بل بين فيه خطأهم في مواضع، وذكر فيه طريقة فلاسفة الفرس المجوس والهند.
كما أن ابن سينا في كتابه المسمى بـ الحكمة المشرقية ذكر فيه بيان ما تبرهن عنده، وكذلك الرازي في المباحث المشرقية.
كلام السهرودي المقتول في "حكمة الإشراق "
كلام السهرودي المقتول في حكمة الإشراق
فقال السهروردي: نور الأنوار والأنوار القاهرة يعني واجب
стр. 3509
الوجود والعقول: لا يحصل منهم شيء بعد أن لم يحصل، إلا على ما سنذكره، فإن كل ما لا يتوقف على غير شيء، إذا وجد ذلك الشيء، وجب أن يوجد، وإلا هو مما لا يتصور وجوده أو توقف على غيره، فما كان هو الذي يتوقف عليه، وقد فرض أن التوقف عليه، وهو محال.
وكل ما سوى نور الأنوار لما كان منه، فلا يتوقف على غيره، كما يتوقف شيء من أفعالنا على وقت، أو زوال مانع، أو وجود شرط، فإن لهذه مدخلاً في أفعالنا، ولا وقت مع نور الأنوار متقدم على جميع ما عدا نور الأنوار، فإن نفس الوقت أيضاً من الأشياء التي هي غير نور الأنوار، فلما كان نور الأنوار، وجميع ما يفرضه الصفاتية صفة دائمة، فيدوم بدوامه ما فيه، لعدم توقفه على أمر منتظر، ولا يمكن في العدم البحث قرض تجدد، مع أن كل ما تجدد يعود الكلام إليه.
فنور الأنوار والأنوار القاهرة: ظلالها وأضواؤها المجردة دائمة، وقد علمت أن الشعاع المحسوس هو من النير، لا النير من الشعاع، وكلما يدوم النير الأعظم يدوم الشعاع، مع أنه منه.
стр. 3510
ثم قال: كل هيئة أي عرض لا يتصور ثباتها هي الحركة، وكل ما لم يكن زماناً ثم حصل فهو حادث، وكل حادث إذا حدث شيء مما يتوقف عليه هو حادث، إذ لا يقتضي الحادث وجود نفسه، إذ لا بد من مرجح في جميع الممكنات، ثم مرجحه، إن دام مع جميع ما له مدخل في الترجيح، لدام الشيء، فلم يكن حادثاً، ولما كان حادثاً، فشيء مما يتوقف عليه هذا الحادث حادث.
ويعود الكلام إلى ذلك الشيء، فلا بد من التسلسل، والسلسلة الغير المتناهية مجتمعة وجودها محال، فلا بد من سلسلة غير متناهية لا تجمع آحادها ولا تنقطع، وإلا يعود الكلام إلى أول حادث بعد الانقطاع، فينبغي أن يكون الوجود حادث متجدد لا ينقطع، وما يجب فيه لماهيته التجدد إنما هو الحركة.
وذكر تمام الكلام في وجوب استمرار حركة دائمة، وأنها حركة الأفلاك.
الرد عليه من وجوه. الوجه الأول
الرد عليه من وجوه.
الوجه الأول
فيقال له عن هذا أجوبة:
стр. 3511
أن يقال: كل ما لا يتوقف على غير شيء إذا وجد ذلك الشيء وجب أن يوجد، إلى قوله: وما كان من نور الأنوار فلا يتوقف على غيره.
إلى آخره.
ما تعني بقولك: ما كان من نور الأنوار؟ تعني: الله، فلا يتوقف على غيره؟ أتعني به: أنه لا يتوقف على شيء منفصل عن الله؟ أم تعني به: لا يتوقف على فعل قائم بذات الرب يفعله بمشيئته وقدرته؟
أما الأول: فلا ينفعك، لأنه لا يلزم من كونه لا يتوقف على شيء منفصل عن الله، أن لا يتوقف على فعله الواقع بمشيئته وقدرته، وحينئذ فلا يلزم قدمه، بل إذا كان الفعل المراد المقدور حادثاً، فالمعلق به أولى أن يكون حادثاً، فإنه لا يكون قبله، وما لا يسبق الحوادث يجب أن يكون حادثاً.
وإن قلت: إنه لا يتوقف على فعل الرب القائم بنفسه، فهذا محل النزاع.
وأنت لم تذكر دليلاً على أن وجود الممكنات لا يتوقف على فعل الرب القائم بنفسه، بل الدليل يوجب توقف المعقولات على فعل الفاعل، وتوقف المعلول على اقتضاء العلة، والعلة شيء، واقتضاؤها المعلول شيء.
وإذا كانت العلة مشروطة بما يقوم بها بالمشيئة والقدرة، لم يحصل المشروط قبل الشرط، وأنت لم تقم دليلاً إلى ثبوت علة مجردة خالية عن شرط، بل الدليل ينفي ذلك لأنه يلزم من قدم هذه العلة قدم معلولها، ومعلول معلولها، فإن العلة التامة لا يتأخر عنها شيء من معلولها، وحينئذ فلا يكون للحوادث فاعل أصلاً، وهذا من أبين الأمور المعلوم فسادها بالضرورة.
стр. 3512
الوجه الثاني
أن يقال: ما سوى الله هل يتوقف شيء منه على غيره، أم لا؟
فإن قلت بالثاني، لزم قدم جميع الممكنات الموجودة، حتى الحوادث، وهو مكابرة.
وإن توقف منه شيء على غيره بطل قولك: ما سوى نور الأنوار لا يتوقف على غيره.
وإيضاح ذلك:
الوجه الثالث
وهو أن يقال: إذا قدر الغير الذي هو شرط، هو من الله أيضاً، وتوقف أحد الفعلين على الآخر لم يكن في ذلك محذور.
فإن الله جعل بعض الأشياء شرطاً في وجود بعض، غاية ما في هذا أن يقال: هذا يقتضي التسلسل.
فيقال: وهذا عندك جائز، فلا يتعين قدم شيء من الأفلاك ولا غيرها.
الوجه الرابع
أن يقال: إن كان التسلسل باطلاً بطل مذهبك، وإن كان جائزاً بطلت حجتك.
الوجه الخامس
أن يقال أنت وقد أوجبت التسلسل في الحوادث بإيجاب حركة دائمة لا تنقطع، وقلت أيضاً: فلما كان نور الأنوار وجميع ما يفرضه الصفاتية صفة دائمة، فيدوم بدوامه ما منه لعدم توقفه على أمر منتظر.
وإذا كان قولك وقول إخوانك يتضمن هذا وهذا، فيقال لكم: الحركة الدائمة إما أن تكون منه بواسطة أو بغير واسطة، وإما أن لا تكون منه، فإن لم تكن منه لزم حدوث الحوادث بدون واجب الوجود، وهذا هو القول بحدوث الحوادث بلا محدث، وإن كانت الحركة منه بواسطة أو بغير واسطة، وهو قولهم.
стр. 3513
فيقال: فحينئذ قد كان منه ما لا يدوم بدوامه، فإن كل جزء من أجزاء الحركة حادث، وعندكم أنه حدث عن تصور حادث وشوق حادث، فهذه أمور من واجب الوجود وليست دائمة بدوامه، فهذا ينقض قولكم: إن كل ما منه يدوم بدوامه.
ثم أيضاً من المعلوم أن كل واحد من الحوادث منه بواسطة أو غير واسطة، وهو كان بعد أن لم يكن، ويعدم بعد أن كان فهو منه، وليس مقارناً له، ولا دائماً بدوامه.
فعلم بذلك أنه لا يجب في كل ما كان منه أن يدوم بدوامه، فلا يجب في الفلك وغيره من الأعيان المشهودة أن تدوم بدوامه، وهو المطلوب.
وإذا قال: الذي يدوم بدوامه هو جنس الأفعال والمفعولات أو جنس الحوادث شيء بعينه.
قيل: فهذا يبطل حجتك على قدم شيء بعينه، ويناقض مذهبك في قدم شيء بعينه.
كلام ابن سينا في الإشارات
وقال ابن سينا: في إشاراته في ذكر هذه الحجة: تنبيه: وجود المعلول يتعلق بالعلة، من حيث هي على الحال التي بها تكون علة، من طبيعة أو إرادة أو غير ذلك أيضاً، من أمور يحتاج أن تكون من الخارج، ولها مدخل في تتميم كون العلة بالفعل، مثل الآلة:
стр. 3514
كحاجة النجار إلى القدوم، أو المادة: كحاجة النجار إلى الخشب، أو المعادن: كحاجة النشار إلى نشار آخر، أو وقت: كحاجة الآدمي إلى الصيف، أو الداعي: كحاجة الآكل إلى الجوع، أو زوال مانع: كحاجة الغسال إلى زوال الدجن.
وعدم المعلول يتعلق بعدم كون العلة على الحالة التي هي بها علة بالفعل، سواء كان ذاتها موجوداً على غير تلك الحالة أو لم يكن موجوداً أصلاً، فإذا لم يكن شيء معوق من خارج، وكان الفاعل بذاته موجوداً، ولكن ليس لذاته علة، توقف وجود المعلول على وجود الحالة المذكورة، التي إذا وجدت كانت طبيعة، أو إرادة جازمة، أو غير ذلك -وجب وجود المعلول.
وإن لم توجد وجب
стр. 3515
عدمه، وأيهما فرض أبداً كان ما بإزائه أبداً، أو وقتاً ما، كان وقتاً ما.
وإذا جاز أن يكون شيء متشابه الحال في كل شيء، وله معلول، لم يبعد أن يجب عنه سروراً، فإن لم يسم هذا مفعولاً، بسبب أن لم يتقدمه عدم، فلا مضايقة في الأسماء بعد ظهور المعنى.
تعليق ابن تيمية
فيقال له: هذا كلام مقدر على شيء مضمونه: أن العلة التامة التي لا يقف اقتضاؤها على أمر منفصل عنها، يلزم من وجودها وجود معلولها بجلاء، بخلاف ما يتوقف اقتضاؤها على أمور منفصلة، كالآلة والمادة والداعي وغير ذلك، وأنه إذا فرض شيء متشابه الحال في كل شيء وله معلول، لم يبعد عنه سرمداً.
لكن الشأن في تحقيق هذا المقدر، فإنه يقال لك: هذا غايته أن يكون إبطالاً لقول من يجعل الرب خالقاً للعالم، من غير حدوث سبب أصلاً.
وهذا قول طائفة من أهل الكلام المنتسبين إلى الملل، وليس هذا قول أئمة أهل الملل وجمهورهم القائلين بأن الله خالق كل شيء، وأنه خلق السموات والأرض في ستة أيام.
وإذا كان كذلك فهؤلاء يلزموك ويقولون: هذه العلة الموصوفة هل يجوز أن يصدر عنها -بوسط أو بغير وسط- أمور مختلفة حادثة أو لا يجوز؟
فإن لم تجوز ذلك بطل قولك، ولزم أن لا يكون للحوادث فاعل، وهو معدوم الفساد بالضرورة.
وإن جوزت ذلك، قيل لك: فإذا كان الفاعل واحداً بسيطاً
стр. 3516
موجوداً، لا يتوقف فعله على شيء خارج عنه، فلم وجدت عنه المختلفات؟ ولم تأخرت عنه الحوادث؟ فما كان جوابك عن هذا، كان جواباً لهم عن الحوادث، وأولى.
وأما من قال: إن الواجب بنفسه تقوم به الأفعال المتعلقة بقدرته ومشيئته.
فيقولون: حدوث ما حدث يتوقف على تلك الأفعال موقوفة على ما قبلها، فإن التسلسل جائز عندك.
ثم يقال: إما أن يكون التسلسل جائزاً، وإما أن لا يكون.
فإن كان جائزاً، أمكن أن تتسلسل الأفعال التي يقف عليها وجود تلك المفعولات.
وإن لم يكن جائزاً لزم حدوث جنس المحدثات، ويبطل القول بحوادث لا أول لها، وهو نقيض قولكم.
وأيضاً قوله: إذا جاز أن يكون شيء متشابه الحال لا يخلو: إما أن يجوز أن تصدر عنه الأمور المختلفة الحادثة بوسط أو بغير وسط، وإما أن لا يجوز.
فإن لم يجز ذلك لزم أن لا تكون هذه الحوادث صادرة عن علة بسيطة، لا بوسط ولا بغير وسط.
وهذا يبطل قولهم.
وحينئذ فإما أن يقال: إن هذه الحوادث لا محدث لها، وهو معلوم الفساد بالضرورة.
وإما أن يقال: ليس المحدث مجرداً عن الصفات والأفعال، بل له صفات وأفعال، كما يقوله المسلمون، وهو الحق.
وإن جاز أن تصدر المختلفات والمحدثات عن بسيط، أمكن أن يحدث عنه ما لم يكن حادثاً عنه، وحينئذ فلا يلزم أن يكون معلولاً له لازماً له.
كلام الرازي في شرح الإشارات
قال الرازي في شرح هذا الكلام.
اعلم أن الغرض من هذا
стр. 3517
الفصل التنبيه على الحجة لا يزال القائلون بالقدم يتمسكون بها ويعولون عليها، وهي أن الأمور التي تتم بها مؤثرية الباري تعالى في العالم، إما أن تكون بأسرها أزلية، وإما أن لا تكون، والثاني باطل، إذ لو كان شيء منها حادثاً لافتقر حدوثه إلى المؤثر.
والكلام في كونه مؤثراً في ذلك الآخر، كالكلام في الأول، فيلزم التسلسل وهو محال.
فإذاً كل الأمور المعتبرة في مؤثرية الله تعالى في العالم أزلية.
وأيضاً فمن الظاهر أن المؤثر متى حصل مستجمعاً جميع الأمور المعتبرة في المؤثرية، وجب أن يترتب الأثر عليه، لأنه إن جاز تخلف الأثر عنه، كان صدور الأثر عن العلة المستجمعة لجميع تلك الأمور المعتبرة في المؤثرية، ولا صدور عنها على السواء.
ولو كان كذلك لما ترجح الصدور على أن لا صدور إلا بمرجح آخر.
فلم تكن جميع الأمور المعتبرة في المؤثرية حاصلاً قبل حصول هذا الزائد، وكنا قد قد فرضنا أن الأمر كذلك، هذا خلف.
قال: وإذا ثبتت المقدمتان لزم من قدم الباري قد أفعاله، هذا تحرير هذه الحجة.
стр. 3518
قال: ولقائل أن يقول: هذا الكلام إنما يلزم في الموجب بالذات، أما الفاعل المختار فلا، لاحتمال أنه يقال: إنه كان في الأزل مريداً لإحداث العالم في وقت دون وقت، فإذا قالوا: فلم أراد إحداثه في ذلك الوقت دون ما قبله وما بعده؟ كان الكلام فيه طويلاً، وهو مذكور في سائر كتبنا على الاستقصاء.
تعليق ابن تيمية
قلت: هذا الجواب الذي أجاب به هو جواب كثير من أهل الكلام، من المعتزلة والكرامية والأشعرية، ومن وافقهم من الفقهاء أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم.
وقد عرف الطعن في هذا الجواب، وأنه يستلزم الترجيح بلا مرجح، وأن ما ذكر في القسم الأول هو حصول الموثرية التامة في الأزل مع تأخر الأثر، وأن مضمونه تخلف الشيء عن موجبه التام، كما قد بسط في موضعه.
الجواب عن هذه الحجة بوجوه. الوجه الأول
الجواب عن هذه الحجة بوجوه.
الوجه الأول
قوله: يلزم التسلسل وهو محال ليس كذلك، فإن التسلسل جائز عند من يقول بموجب هذه الحجة، فإن ذلك تسلسل في الآثار لا في المؤثرات، ولا يصح القول بموجبها إلا بذلك، فقولهم: التسلسل محال، باطل على أصلهم.
وهذا الموضع مما يشتبه على كثير من الناس، فإن التسلسل في الآثار: تارة يعني به التسلسل في أعيان الآثار، مثل كونه فاعلاً لهذا بعد هذا، ولهذا بعد هذا، وأنه لا يفعل هذا إلا بعد هذا، ولا هذا إلا بعد هذا، وهلم جراً.
فهذا التسلسل جائز عند الفلاسفة، وعند أئمة أهل الملل، أهل السنة والحديث.
стр. 3519
وعلى هذا التقدير، فقول القائل، فقول القائل: الأمور التي تتم بها مؤثرية الباري في العالم: إما أن تكون بأسرها أزلية، وإما أن لا تكون.
أتريد به التي يتم بها مؤثريته في كل واحد واحد من آحاد العالم؟ أو في جملة العالم؟
إن إردت الأول، لم تكن بأسرها أزلية، وكان حدوث كل واحد منها مفتقراً إلى حادث قبله.
وهذا التسلسل جائز عندهم.
وإن أردت الثاني، قيل لك: ليس جملة العالم متوقفاً على أمور معينة، حتى يرد عليها هذا التقسيم، بل بعض العالم يتوقف على أمور، وبعض آخر يتوقف على أمور أخرى، وكل بعض يتوقف على أمور حادثة، وتلك الأمور تتوقف على أمور أخرى، ويلزم من ذلك التسلسل في نوع الحادث، وهو جائز عندكم.
وأما أن أريد بالتسلسل في الآثار، التسلسل في جنس التأثير، وهو أن يكون جنس التأثير متوقفاً على جنس التأثير، بحيث لا يحدث شيئاً حتى يحدث شيئاً، فهذا باطل لا ريب فيه، وهو تسلسل في تمام كون المؤثر مؤثراً، وهو من جنس التسلسل في المؤثر.
لكن بطلان هذا يستلزم أنه لم يفعل بعد أن لم يكن فاعلاً لشيء، فيلزم دوام نوع الفاعلية لا دوام مفعول معين، وحينئذ فلا يدل على قدم شيء من العالم، وهذا بين لمن تدبره.
ويراد بالتسلسل معنى ثالث، وهو أن فاعليته للحادث المعين، لا تحصل حتى يحصل تمام المؤثر لهذا الحادث المعين، فيلزم تسلسل الحوادث في الواحد، وهذا ممتنع أيضاً باتفاق العقلاء.
стр. 3520
فهذا تسلسل في تمام تأثر المعنى، وذاك في أصل التأثير وكلاهما ممتنع باتفاق العقلاء.
فتبين أن حججهم الهائلة، التي أرعبت قلوب النظار، ليس فيها ما يدل على قدم شيء من العالم البتة.
فقولهم بقدم شيء من العالم: الأفلاك أو غيرها، قول بلا حجة أصلاً، بل هو قول باطل، كما بين في موضع آخر.
نعم هذه الحجج إنما أرعبت قلوب أهل الكلام المبتدع المحدث في الإسلام، الذي هو كلام الجهمية والقدرية، ومن سلك سبيلهم من الأشعرية والكرامية، ومن تبعهم أو قلدهم من المتفقه وغيرهم، فما ذكره الفلاسفة إنما يبطل قول هؤلاء، الذي زعموا أن الرب لم يزل معطلاً عن أن يفعل بمشيئته أو يتكلم بمشيئته ثم يفعل أو يتكلم بمشيئته من غير حدوث شيء.
وهذا القول مما اتفق سلف الأمة وأئمتها على بطلانه.
فإذاً ليس معهم حجة عقلية تناقض نصوص الكتب والسنة، بل ولا مذهب السلف والأئمة، وهو المطلوب.
وبما ذكرناه من الفرق بين التسلسل في أصل التأثير وتمامه، وبين التسلسل في الآثار، يظهر صحة الدليل، الذي احتج به غير واحد من أئمة السنة، على أن كلام الله غير مخلوق، مثل سفيان بن عيينة.
وبيان ذلك: أنه إذا دل على أن الله لم يخلق شيئاً إلا بكن، فلو كانت كن مخلوقة، لزم أن يخلق بكن أخرى، وتلك الثانية بثالثة،
стр. 3521
وذلك هو من التسلسل الممتنع باتفاق العقلاء، فإنه تسلسل في أصل التأثير، فإنه لا يخلق شيئاً إلا بكن، فإذا لم يخلق كن لم يخلق شيئاً، ولو خلق كن لكان قد خلق بعض المخلوقات بغير كن، فيلزم الدور الممتنع، وهو المستلزم للجمع بين النقيضين، وهو أن تكون موجودة معدومة.
وأيضاً فإذا قدر أنه خلق الأولى بالثانية، والثانية بالثالثة، وهلم جراً، فلا بد من وجود جميعها في آن واحد، فإن كل واحد منها شرط في الثانية، وهي من الأمور الوجودية المشروطة في التأثير، فلا بد أن تكون موجودة عند وجود الأثر، كالاستطاعة والقدرة، وحياة الفاعل، وعلمه، وسائر شروط الفعل، فإنها كلها لا بد من وجودها عند وجود الفعل.
ولهذا اتفق أهل السنة المثبتون للقدر، على أن الاستطاعة لا بد أن تكون مع الفعل وتنازعوا في جواز وجودها قبله، ودوام وجودها إلى حين الفعل في حق المخلوق، على قولين.
وأما في حق الخالق، فاتفقوا على بقائها ودوامها إلى حين الفعل.
والصحيح الذي عليه السلف وأئمة الفقهاء، أنها تكون موجودة قبل الفعل، وتبقى إلى حين الفعل.
ولهذا يجوز عندهم وجود الاستطاعة بدون الفعل، كما في حق العصاة، ولولا هذا لم يكن أحد ممن كفر وعصى الله، إلا غير مستطيع لطاعة الله، وهو خلاف الكتاب والسنة.
قال تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] .
وقال: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦] .
стр. 3522
وقال: ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين﴾ [النساء: ٩١] .
ومعلوم أنه ليس المنفي هنا استطاعة لا تكون إلا مع الفعل، فإنه قد يكون حينئذ معنى الكلام، فمن لم يفعل فعليه صيام شهرين متتابعين.
وكذلك يكون الأمر بالتقوى لمن اتقى لا لمن لم يتق، وإيجاب الحج على من حج دون من لم يحج، وهذا باطل.
فعلم أن المراد استطاعة توجد بدون الفعل، وما كانت موجودة بدون الفعل أمكن وجودها قبله بطريق الأولى.
وقد بين في غير هذا الموضع أن تسلسل العلل والمعلولات ممتنع بصريح الفعل واتفاق العقلاء، وكذلك تسلسل الفعل والفاعلين، والخلق والخالقين، فيمتنع أن يكون للخالق خالق، وللخالق خالق إلى غير نهاية.
ولهذا بين النبي ﷺ أن هذا من وسوسة الشيطان، فقال في الحديث الصحيح: «يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق الله؟ فإذا وجد ذلك أحدكم فليستعذ بالله ولينته» .. وفي رواية أخرى: «لا يزال الناس يتساءلون حتى يقولوا: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟ فإذا وجد ذلك أحدكم فليتعوذ بالله ولينته» .
وكذلك إذا قيل: لا يخلق شيئاً إن لم يخلق كذا، ولا يخلق كذا إن لم
стр. 3523
يخلق كذا، كان هذا ممتنعاً، لأنه منع وجود الخالق بالكلية، حتى يوجد تمام كونه مؤثراً، وتمام كونه مؤثراً موقوف على تمام آخر، فيلزم ألا يوجد تمام كونه خالقاً، فيلزم ألا يخلق شيئاً قط.
فإذا علم أنه لا يخلق شيئاً إلا بكن فلو كان كن مخلوقاً بكن أخرى وهلم جراً، كان كل واحدة من ذلك بها يصير خالقاً، ولم يوجد شيء من ذلك، فيمتنع أن يصير خالقاً.
وهذا بخلاف ما إذا قيل: يخلق هذا بكن، وهذا قبله أو بعده بكن وهلم جراً، فإن هذا يقتضي أنه لا يوجد الثاني إلا بعد وجود الأول.
والتوقف ها هنا على الشرط، هو فعله لهذا المعين، لا أصل الفعل، فلهذا كان في هذا نزاع مشهور، بخلاف الأول.
ومعلوم أن الأدلة العقلية لا تدل على قدم شيء من العالم، وإنما غايتها أن تدل على دوام الفاعلية، وامتناع كونه فاعلاً بعد أن لم يكن.
فإذا قالوا: التسلسل باطل، فإن عنوا به تسلسل الآثار، ووجود شيء بعد شيء فهذا خلاف قولهم، ولم يقيموا دليلاً على بطلانه.
وإن أرادوا به التسلسل الخاص، وهو التسلسل في تمام كون الفاعل فاعلاً، فهذا مسلم أنه ممتنع، لكن امتناع لا يدل على فعله لشيء معين، بل على أصل الفعل، وهذا لا ينفعهم بل يضرهم.
الوجه الثاني
أن يقال: أما التسلسل في أصل الفاعلية فلا ينفعهم.
وإنما فيه إبطال قول الجهمية والقدرية.
وأما التسلسل في الأفعال المعينة، فإن كان جائزاً لم يصح احتجاجهم به، بل تبطل الحجة، وإن كان ممتنعاً
стр. 3524
لزم أن يكون للحوادث أول، فيبطل قول القائلين بقدم العالم.
وإذا بطل هذا القول، بطلت حجته بالضرورة، فيلزم بطلان هذه الحجة على التقديرين، وذلك يقتضي أنها فاسدة في نفس الآمر.
الوجه الثالث
أن يقال: كل حادث من الحوادث المشهودة إما أن تكون مؤثريته حاصلة في الأزل، وإما ألا تكون.
فإن كان الأول، لزم حصول الحوادث عن الموثر القديم، من غير تجدد شيء، وبطلت الحجة.
وإن كان الثاني فحصول كمال المؤثرية فيه بعد أن لم تكن أمر حادث، فيقف كمال مؤثريته في هذا الكمال.
وحينئذ فحال الفاعل إما أن يكون عند كمال التأثير في الحادث الثاني، كحاله عند كمال التأثير في الأول، وإما ألا يكون، فإن قدر الأول، لزم أن يحدث هذا الحادث الثاني، والذي بعده، والذي بعده، من غير حدوث سبب أوجب هذا الحدوث، لأن الذات الفاعلة حالها عند الأول كحالها عند الثاني والثالث، وحينئذ فإذا كانت عند الأول لا تفعل الثاني، فعند الثاني لا تفعل الثالث، لأنه لم يتجدد ما يوجب حدوثه.
وأيضاً فالذات نفسها ليست موجباً تاماً في الأزل لشيء من الحوادث، وهي لم تزل على ما كانت عليه، فيلزم ألا تكون موجبة لشيء من الحوادث في الأبد، وإلا لزم الإحداث بلا سبب حادث.
стр. 3525
وهؤلاء فروا من حدوث الحوادث بعد أن لم تكن بلا سبب، وادعوا دوام حدوثها بلا سبب، فكان الذي فروا إليه شراً من الذي فروا منه، كالمستجير من الرمضاء بالنار.
وأما إن قيل: إن الفاعل نفسه تقوم به إرادات وأفعال توجب تخصيص كل وقت بما أحدثه فيه، كان هذا مبطلاً لحجتهم، إذ يمكن والحال هذه أن يحدث شيئاً بعد شيء مع دوام فاعليته، بل هذا مبطل لمذهبهم.
فإن من تصور هذا الفاعل علم يقيناً امتناع مقارنة شيء من أفعاله ومفعولاته له، وعلم أن كل واحد من أفعاله ومفعولاته لا يكون إلا حادثاً، لا مساوقاً له أزلاً وأبداً.
وإن كان هذا معلوماً في كل ما يقدر أنه فاعل، فهو فيما يقدر أنه فاعل بمشيئته وقدرته وأفعاله تقوم به، أظهر وأظهر.
ثم يقال: إما أن يكون تسلسل كمال المؤثرات ممكناً، وإما أن يكون ممتنعاً، فإن كان ممتنعاً لزم حدوث كل ما سوى الله، وأنه لم يكن فاعلاً ثم صار فاعلاً، وهو مبطل لقولهم.
وإن كان ممكناً لم يلزم إلا دوام كونه مؤثراً في شيء بعد شيء، وهذا لا حجة لهم فيه، بل هو مبطل لحجتهم ومذهبهم كما تقدم.
والقول في الثاني كالقول في الأول، فيلزم التسلسل في الآثار.
وإذا كان ذلك لازماً كان جائزاً بطريق الأولى، وإذا كان جائزاً بطل القول بأنه محال، فبطلت الحجة.
стр. 3526
الوجه الرابع
أن يقال: حدوث الحوادث من المؤثر القديم من غير تجدد شيء إما أن يكون جائزاً، وإما أن يكون ممتنعاً.
فإن كان جائزاً بطلت المقدمة الثانية من الحجة.
وإن كان ممتنعاً لزم حدوث ما به يتم التأثير في هذه الحوادث، إذ لو لم يحدث ما به يتم التأثير، لكانت قد حدثت عن المؤثر القديم من غير تجدد شيء، والتقدير أنه ممتنع.
ثم القول في حدوث ذلك التمام، كالقول في حدوث أثره، ويلزم التسلسل في الآثار، وذلك يبطل القول بامتناع التسلسل مطلقاً.
فإن كان هذا هو المراد في المقدمة، كما يريده طائفة ممن يصوغ هذه الحجة فهو ممتنع.
وإن كان المراد به ما ينبغي أن يراد، وهو التسلسل في تمام أصل التأثير، فهذا إذا امتنع إنما يستلزم دوام كونه فاعلاً، لا فاعلاً لشيء معين، وذلك لا ينفعهم بل يضرهم، فيلزم فساد إحدى المقدمتين على تقدير أحد النقيضين، وفساد الأخرى على تقدير النقيض الآخر.
ولا بد من ثبوت أحد النقيضين، فيلزم فساد إحدى المقدمتين قطعاً.
فتفسد الحجة.
الوجه الخامس
أن نقول: قوله: وإذا ثبتت المقدمتان لزم من قدم الباري تعالى قدم أفعاله أتعني به جميع أفعاله، أو فعلاً ما من أفعاله، أم قدم نوع أفعاله؟.
أما الأول فباطل قطعاً، لأنه خلاف المشاهدة.
وأما الثاني فلا دليل في الحجة عليه، فإنها لا تدل على قدم شيء معين، لا فعل ولا مفعول.
стр. 3527
وأما الثالث فلا يفيد قدم السموات لجواز أن يكون هناك فعل قائم بالذات بعده فعل، أو مفعول بعد مفعول، أو كلاهما.
وهذه الحجة قد ذكرها الآمدي، والأبهري، وغيرهما، وأجابوا عنها بالمعارضة بالحوادث اليومية.
كلام الآمدي في "دقائق الحقائق "
كلام الآمدي في دقائق الحقائق
فقال الآمدي في دقائق الحقائق في الاحتجاج لهم: لو كان ما وجد عن الواجب بذاته محدثاً موجوداً بعد العدم، فهو لذاته: إما أن يكون واجباً، أو ممتنعاً، أو ممكناً.
القول بالوجوب ممتنع، وإلا لما كان معدوماً.
والقول بالامتناع ممتنع.
وإلا لما وجد.
فلم يبق إلا أن يكون ممكناً لذاته.
وعند ذلك فحدوثه إن كان لا لمحدث ومرجح فقد ترجح أحد طرفي الممكن لا لمرجح، وهو محال.
وإن كان لمحدث ومرجح فالمرجح إما قديم، أو حادث.
فإن كان حادثاً فالكلام فيه كالكلام في الأول، والتسلسل والدور محال.
فلم يبق إلا أن يكون المرجح قديماً أو منتهياً إلى مرجح قديم، والمرجح القديم إما أن يكون قد تحقق معه في القدم كل ما لا بد منه في الإيجاد، أو بقي شيء منتظر.
فإن بقي شيء منتظر، فالكلام في حدوثه كالكلام في الأول، ويلزم في التسلسل أو الدور وهو ممتنع.
وإن كان القسم الأول فيلزم من قدم العلة قدم المعلول.
وكذلك الحكم فيما وجب عن الواجب بالواجب لذاته.
وقال الآمدي في الجواب: إنه يلزم منها وجود شيء من الحوادث.
إذ
стр. 3528
الكلام في كل حادث يفرض بالنسبة إلى علته، كالكلام في معلول واجب الوجود، وهو خلاف المعقول والمحسوس، وما هو الجواب فيما اعترف به من الحوادث فهو الجواب فيما نحن فيه، ولا بد من التفاتهم في ذلك إلى الإرادة النفسانية، وبيان انتفائها عن واجب الوجود.
وقد عرف ما فيه.
تعليق ابن تيمية
قلت: قد يظنون أنهم يجيبون عن هذه المعارضة بأن الحوادث اليومية مشروطة بحدث بعد حادث، وهذا يقتضي التسلسل في الآثار، والتسلسل في الآثار عندهم ليس بمحال.
وحقيقة قولهم: إن المرجح القديم هو دائم الترجيح، والحوادث المنفصلة عنه تحدث شيئاً بعد شيء.
ثم قد يعينون ذلك بحركة الفلك، فيقولون: هي الحادثة شيئاً بعد شيء.
ومن حذق منهم كابن سينا علم أن هذا جواب باطل، وأن حدوث حادث بعد حادث عن القديم من غير تجدد شيء ممتنع.
فادعى ما هو أفسد من ذلك فقال: إن الحركة لا توجد شيئاً بعد شيء، وإنما هي شيء موجود دائماً، وأن ما يوجد شيئاً بعد شيء لا وجود له في الخارج، بل في الذهن.
وهذه مكابرة بينة، قد بسط الكلام عليها في شرح الأصبهانية.
وقد اعترف حذاقهم بأن حدوث الحوادث شيئاً بعد شيء عن ذات لا يقوم بها حادث مما تنكره العقول.
وأما من اعترف منهم بقيام الأمور الاختيارية بذاته، فيقال لهم: هذا أدل على حدوث المفعولات.
ويقال للطائفتين: إذا جوزتم ذلك، لم يكن لكم دليل على قدم شيء من العالم.
فظهر بطلان حجتكم.
стр. 3529
لكن هذا الجواب الذي عارض به هؤلاء لأولئك، لا يمكن أن يقال في أول الحوادث، لأنه ليس قبل أول الحوادث حادث يشترط في الحوادث المستقبلة.
فهذا فرق هؤلاء الفلاسفة بين ما يثبتونه من الحوادث اليومية التي تشاهد، وما ينفونه من أن للحوادث أولاً ابتدأت منه، وبهذا يتبين بطلان قول الطائفتين: هؤلاء وهؤلاء، وأن كل طائفة أقامت برهاناً على بطلان قول الأخرى، لا على صحة قولها، إذ لا يلزم من بطلان أحد القولين صحة الآخر، إلا إذا انحصر الحق فيهما، وليس الأمر كذلك.
كلام الآمدي في أبكار الأفكار
وذكرها الآمدي أيضاً في كتابه أبكار الأفكار قال: وجوابها: أنها باطلة من جهة أن الحس والعيان والبرهان شاهد بوجود حوادث كائنة بعد ما لم تكن.
وما ذكروه من الشبهة يلزم منه امتناع وجود الحوادث، والقول بامتناع وجود الحوادث ممتنع، وكل دليل لزم عنه الممتنع فهو باطل في نفسه.
وبيان الملازمة هو أن ما ذكروه من الترديد والتقسيم في حدوث العالم بعينه لازم في حدوث كل حادث، وكل ما هو جواب لهم في حدوث الحوادث بعينه يكون جواباً في القول بحدوث العالم بجملته.
стр. 3530
وهذا الذي ذكره يجيبون عنه بما تقدم، وهو أن هذه الحجة إنما كانت حجة على من يقول ببطلان التسلسل في الآثار من أهل الكلام، وأما نحن فنجوز التسلسل في الآثار، فتكون الحوادث موقوفة على حوادث قبلها لا إلى أول.
وهذا الجواب منتف في جملة العالم، لأنه ليس قبله حادث نقف عليه عند الطائفتين.
وحقيقة جوابهم أن التسلسل الذي نفوه في هذه الحجة، ليس هو التسلسل في الحوادث التي تحدث شيئاً بعد شيء، فإنها لا تدل على بطلان هذا، وهم لا يقولون ببطلانه، وإنما دلت على بطلان التسلسل في تمام كون الفاعل فاعلاً.
ومن قال بكونه فاعلاً، لا يقول بتوقف فاعليته على غيره: لا حادث ولا غير حادث، فلا يلزمهم هذا.
الجواب عن حجتهم من وجوه. الوجه الأول
الجواب عن حجتهم من وجوه.
الوجه الأول
ونحن قد ذكرنا الأجوبة القاطعة لهذه الحجة في غير موضع من وجوه:
أن يقال: إن كان التسلسل في الآثار ممتنعاً، لزم القول بأن للحوادث أولاً، وبطل المذهب فبطلت حجته، وإن كان ممكناً بطلت الحجة، لإمكان دوام كونه فاعلاً ليس بعد شيء، مع أن كل ما سواه مخلوق حادث.
هذا إذا أريد بالتسلسل الممتنع تسلسل أصل الفاعلية، وأما إذا أريد تسلسل الآثار، فإنه يظهر بطلانها.
الوجه الثاني
أن يقال: غاية الحجة أنه لا بد لكل حادث أن يكون قبله حادث.
وحينئذ فقد أخبرت الرسل أن الله خلق السموات والأرض وما
стр. 3531
بينهما في ستة أيام، وكان عرشه على الماء.
وجمهور المسلمين وغيرهم على أن المخلوق ليس هو الخلق، بل الخلق قائم بذات الله فتكون السموات والأرض وما بينهما محدثة بحوادث قبلها، والحوادث محدثة بما يقوم بذات الله من مقدوراته ومراداته .
الوجه الثالث
أن يقال: إما أن تقولوا بأن كل ما صدر عن الواجب بذاته لازم لذاته، أو لازم للازم بذاته، أو منه ما ليس بلازم بذاته.
فإن قلتم بالأول كان مكابرة للحس.
ولم يقل بذلك أحد من الناس، وهو الذي أنكره المعارضون لهم، وجعلوه لازم حجتهم.
وإن قالوا: إن منه ما ليس بلازم لواجب الوجود، ولا لازم للازمه، بل هو متأخر عنه.
فيقال: فالسموات والأرض وما بينهما، الذي أخبرت به الرسل عن الله، أنه خلق ذلك في ستة أيام: لم لا يجوز أن تكون من الحوادث المتأخرة كغير ذلك من الحوادث؟
الوجه الرابع
أن يقال: إذا كان العالم صادراً عن علة مستلزمة له، لا يتأخر عنها موجبها، لزم ألا يكون لشيء من الحوادث فاعل، لأن العلة التامة لا يتأخر عنها شيء من معلولها، فلا يكون شيء من الحوادث معلولاً لها، ولا لشيء من معلولاتها.
فلزم أن تكون الحوادث لا فاعل لها، أو يكون فاعلها ليس هو، بل يكون فاعل كل محدث محدثاً، وهلم جراً، ويلزم تسلسل الفاعلين.
وهذا مع اتفاق العقلاء على فساده، ففساده معلوم بالضرورة من وجوه كثيرة، كما بين في غير هذا الموضع.
стр. 3532
فصل
ومنشأ ضلال هاتين الطائفتين هو نفي صفات الله وأفعاله القائمة بنفسه.
فإنهم لما نفوا ذلك، ثم أرادوا إثبات صدور الممكنات عنه، مع ما يشاهدون من حدوثها، لم يبق هناك ما يصلح أن يكون هو المرجح لوجود الممكنات -إلا لما شوهد حدوثه منها- ولا لغير ذلك.
وصارت المتفلسفة تحتج على هؤلاء المتكلمة بالحجج التي توجب تناقض قولهم، فيجيبوهم بما يتضمن الترجيح بلا مرجح، مثل إسنادهم الترجيح إلى القدرة أو الإرادة القديمة، التي لا اختصاص لها بوقت دون وقت.
فيقول لهم أولئك: إسناد التخصيص والترجيح إلى مرجح، لا فرق بالنسبة إليه بين وقت دون وقت، وبين مفعول ومفعول، كإسناد التخصيص والترجيح إلى ترجح الذات المجردة عن الصفات.
لكن كل ما تحتج به المتفلسفة يلزمهم نظيره، وما هو أشد فساداً منه، فإن قولهم أعظم تناقضاً من قول هؤلاء المتكلمين، وما من محذور يلزم أولئك، إلا ويلزم المتفلسفة ما هو مثله أو أعظم منه.
فإنهم يسندون وجود الممكنات المختلفات، كالأفلاك والعناصر وما يسمونه العقول والنفوس، مع ما يتعاقب على ذلك من الحوادث المختلفات أيضاً، إلى ذات مجردة بسيطة لا صفة لها ولا فعل، ويقولون: إنها لم تزل ولا تزال مجردة عن الصفات والأفعال، وهي مع ذلك لا تزال تصدر عنها الأمور المختلفة والمحدثات المختلفة المتعاقبة.
стр. 3533
وهذا مما يظهر فيه من الفساد والتناقض أعظم مما يظهر في قول أولئك.
وإذا دفعوا ذلك بما يجعلونه صادراً عن الأول من اللازم لذاته، كالعقل الأول ولوازمه، لم يكن هذا دافعاً لما يلزم قولهم من الفساد.
فإن ما كان لازماً لذاته مع وحدته، يقال فيه ما يقال فيه من امتناع صدور الأمور المختلفة والحوادث الدائمة عنه، ولهذا ينتهون إلى إثبات العقل الفعال، ويقولون: إنه صدر عنه فلك القمر ونفسه، والعناصر التي تحته، مع اختلاف أنواعها وصفاتها وأقدارها، وهو في نفسه بسيط، ثم يقولون: إنه بسبب حركات الأفلاك حصلت استعدادات مختلفة لما يفيض منه.
والكلام في تلك الحركات المختلفة كالكلام في غيرها، فلا بد لهم من إسناد الأمور المختلفة الأنواع والأقدار والصفات، والحوادث المختلفة الأنواع والأقدار والصفات، إلى ذات بسيطة مجردة عن كل صفة وفعل يقوم بها، مستلزمة لكل ما يصدر عنها، وهذا فيه من التناقض والفساد أضعاف ما في قول أولئك.
ومن سلم من الفلاسفة أن الرب تقوم به الصفات والأفعال الاختيارية، فهؤلاء حدوث كل ما سوى الله على قولهم أظهر، وقدم شيء من العالم على قولهم أبعد.
ولهذا كان القائلون بهذا الأصل من الأساطين لا يعرف عنهم القول بقدم صورة الأفلاك، إذ أول من عرف عنه القول بقدم صورة الأفلاك هو
стр. 3534
أرسطو، لكن يحكى عن بعضهم القول بقدم المادة، وقد يريدون قدم جنسه لا قدم شيء معين، ومنهم من يقول بقدم شيء معين.
وأما أبو البركات فإنه من المثبتين للصفات والأفعال القائمة بذاته، وهو لم يقم حجة على قدم شيء من العالم، وإنما أبطل قول من قال بأنه فعل بعد أن لم يفعل.
والذي تقتضيه حججه العقلية الصحيحة وحجج سائر العقلاء، إنما هو موافق لما أخبرت به الرسل لا مخالف لها.
وكأن القول الوسط لم يعرفه، كما لم يعرفه الرازي وأمثاله.
ولو عرفوه لكان هو المتصور عندهم دون غيره، وإنما استطال ابن سينا، وأمثاله من الفلاسفة الدهرية، على أولئك بما وافقوهم عليه من نفي الصفات.
ولهاذ تجد ابن سينا يذكر قول إخوانه وقول أولئك المتكلمين فقط.
ومعلوم أن فساد أحد القولين لا يستلزم صحة القول الآخر، إلا أن تنحصر القسمة فيهما.
فأما إذا أمكن أن يكون هناك قول ثالث هو الحق، لم يلزم من فساد أحد القولين صحة القول الآخر.
وهذا مضمون ما ذكره في كتبه كلها، وما ذكره سائر هؤلاء الفلاسفة.
كلام ابن سينا في الإشارات وتعليق ابن تيمية عليه
وملخص ذلك ما ذكره في الإشارات، التي هي مصحف هؤلاء الفلاسفة.
قال: أوهام وتنبيهات.
قال قوم: إن هذا الشيء المحسوس موجود لذاته واجب لنفسه، لكن إذا تذكرت ما قيل في
стр. 3535
شرط واجب الوجود، لم تجد هذا المحسوس واجباً، وتلوت قوله تعالى: ﴿لا أحب الأفلين﴾ [الأنعام: ٧٦] .
فإن الهوى في حظيرة الإمكان أفول ما.
قلت: هذا القول هو قول الدهرية المحضة من الفلاسفة وغيرهم، الذين ينكرون صدور العالم عن فاعل أو علة مستلزمة له، وهو الذي أظهر فرعون وغيره.
وإليه يرجع عند التحقيق قول القائلين بوحدة الوجود من قدماء الفلاسفة.
ومن هؤلاء الفلاسفة الذين يدعون التحقيق والتوحيد والمعرفة، كابن عربي وابن سبعين ونحوهما، فإن هؤلاء لا يثبتون موجودين متباينين أحدهما أبدع الآخر، بل كل وجود في الوجود فهو الوجود الواجب عندهم.
ثم لما رأوا أن الموجودات فيها اختلاف وتفرق، وفيها ما حدث بعد وجوده، احتاجوا إلى أن يجمعوا بين كون الوجود واحداً بالعين، وبين ما يوجد فيه من التفرق والاختلاف، فتارة يقولون: الأعيان ثابتة في العدم، ووجود الحق فاض عليها، فيجمعون بين كون المعدوم شيئاً ثابتاً في العدم غنياً عن الله تعالى، كما قال ذلك من قاله من المعتزلة والشيعة، ويضمون إلى ذلك أن وجوده وجود الخالق تعالى.
وهذا لم يقله أحد من أهل الملل، بل ولا من الفلاسفة الإلهيين.
وهذا حقيقة قول ابن عربي.
وتارة يجعلون الواجب هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، والأعيان هي الممكنات، كما يقوله صاحبه القونوي.
وابن سينا وأتباعه يقولون الوجود الواجب هو المطلق بشرط الإطلاق عن كل أمر ثبوتي، وهذا أفسد من ذاك، فإن المطلق بشرط إطلاقه لا
стр. 3536
وجود له في الخارج، وبتقدير وجوده فهو يعم ما تحته عموم الجنس والعرض العام، والعالم بشرط سلبه عن كل أمر ثبوتي هو وجود مقيد بالعدم وسلب الوجود، هذا أبعد عن الوجود من المقيد بسلب الوجود والعدم، فإن ما قيد بانتفاء الوجود والعدم، أقرب إلى العدم والامتناع مما قيد بسلب الوجود والعدم.
ومع هذا فهذا المطلق لا يوجد إلا بوجود الأعيان، لا يتصور أن يكون مبدعاً لها ولا علة لها، بل غايته أن يكون صفة لها أو جزءاً منها، فيكون الوجود الواجب صفة للمكنات أو جزءاً منها، وما كان جزءاً من الممكن أو صفة له أولى أن يكون ممكناً، فإما أن ينفوه أو يجعلوه محتاجاً إلى المخلوقات، والمخلوقات مستغنية عنه.
وتارة يجعلونه مع الممكنات كالمادة في الصورة، أو الصورة في المادة، نحو ذلك مما يقوله ابن سبعين ونحوه.
وتارة لا يثبتون شيئاً آخر، بل هو عين الموجودات، وهي أجزاء له وأبعاض، كما قد يقوله التلمساني وأمثاله، وهذا محض قول الدهرية المحضة، الذين يجعلون هذا المحسوس واجباً بنفسه.
لكن طريقة ابن سينا وأتباعه في الرد عليه مبينة على أصله في توحيد واجب الوجود ونفي صفاته، وهي طريقة ضعيفة كما بين فسادها في غير هذا الموضع.
فلا يمكن هؤلاء الذين يسمون أنفسهم بالفلاسفة الإلهية الرد على
стр. 3537
أولئك الدهرية الطبيعية بمثل هذه الطريق، بل بيان كون المشاهدات ليس واجبة بنفسها، بل مفتقرة غلى غيرها، يمكن بوجوه كثيرة، كما قد بسط في موضعه، إذ المقصود هنا ذكر كلامه في أفعال الرب تعالى، وما ذكره في قدم العالم.
قال: وقال آخرون: بل هذا الوجود المحسوس معلول، ثم افترقوا.
فمنهم من زعم أن أصله وطينته غير معلولين، لكن صنعته معلولة.
وهؤلاء فقد جعلوا في الوجود واجبين، وأنت خبير باستحالة ذلك.
ومنهم من جعل واجب الوجود لضدين أو لعدة أشياء، وجعل غير ذلك من ذلك، هؤلاء في حكم الذي قبلهم.
قلت: هؤلاء كالمجوس القائلين بأن له أصلان: النور والظلمة، وهما قديمان، فإن هذا أحد قوليهم، والآخر أن الظلمة محدثة.
والقائلون بالقدماء الخمسة كديمقراطيس ومن اتبعه، كابن زكريا الطبيب الملحد، يقولون بقدم الباري والنفس والمادة والدهر والخلاء.
فهؤلاء يجعلون الواجب أكثر من واحد، وهم مع هذا يقولون بأن أصله غير معلول، وطينته معلولة.
وأما من جعل المبدع أكثر من اثنين فهذا لا يعرف.
فقوله: منهم من زعم أن أصله وطينته معلولة يتناول هذا القول،
стр. 3538
كما يتناوله قول من جعل وجوب الوجود لعدة أشياء، وجعل غير ذلك من ذلك، وقد يحكى عن طائفة من القدماء أنهم قالوا: كانت أجزاء العالم مبثوثة، ثم إن الباري ألفها، لكن هؤلاء قد يقولون: إنها معلولة عن الواجب بنفسه، فإن هذا القول الذي قاله أئمة الفلاسفة وقدماؤهم وأساطينهم، وهو أن المادة العالم قديمة، وصنعته محدثة، لم يذكره ابن سينا، فإن هؤلاء لا يقولون: إن المادة غير معلولة، بل يقولون: هي مبدعة مفعولة للباري.
وهذا القول الذي هو قول أئمة الفلاسفة وأساطينهم لم يتعرض لحكايته، ولا لرده وإبطاله، وليس في كلامه ما يبطله.
وقد قالوا: إن أول من قال بقدم صنعة العالم من هؤلاء الفلاسفة هو أرسطو، فهذا كلامه في حكاية مذاهبهم.
وأما رده الأقوال التي حكاها بامتناع وجود واجبين فهو بناء على نفي الصفات، وهو توحيده الذي قد علم فساده، وبين ذلك في غير هذا الموضع.
ثم أخذ بعد ذلك في ذكر مقالة من قال بحدوث العالم من نفاة الأفعال القائمة به، ومن قال بقدمه، فلم يذكر إلا هذين القولين مع تلك الأقوال الثلاثة، فكان مجموع ما ذكره خمسة أقوال.
كلام الرازي في شرح الإشارات
قال الرازي في شرح ذلك: المسألة العاشرة في مذاهب أهل العلم في إمكان العالم وحدوثه ثم ذكر كلام ابن سينا، وقال في شرحه: أقول: أهل العالم فريقان: منهم من أثبت أكثر من واجب
стр. 3539
وجود واحد، ومنهم من لم يقل إلا بالواجب الواحد.
أما الفريق الأول فقد تحزبوا إلى ثلاث فرق: أحدها: الذين زعموا أن هذا العالم المحسوس واجب لذاته، على ما هو عليه من الشكل والمقدار والهيئة.
قال الشيخ: لكنك إذا تذكرت ما قيل في شرط واجب الوجود لم تجد هذا المحسوس واجباً.
ثم استدل الرازي بما يدل على أن الأجسام ممكنة، وقد ذكرت هذه الأدلة وضعفها في غير هذا الموضع.
ولهذا قال الرازي لما ذكرها: هذا مجموع ما يدل على أن الأجسام ممكنة، وقد عرفت ما في كل واحد منها.
المقالة الثانية: أن العالم له ذات وصفات، فأما الذات فهي للأجسام، وهي واجبة لذواتها.
ومنهم من قال: الذات هي الهيولى التي هي محل الجسمية، وهي واجبة لذاتها.
فأما الصفات وهي الشكل والمقدار والتحيز والحركة والسكون، فكل ذلك من الممكنات.
قال: وهذه المقالة أيضاً باطلة بالأدلة المذكورة على فساد المقدمة الأولى.
قال: والمقالة الثالثة: أن هذا العالم ممكن الوجود بذاته وصفاته، لكن واجب الوجود مع ذلك أكثر من واحد.
ثم هؤلاء أيضاً فرق: منهم من أثبت إلهين واجبين لذاتيهما، أحدهما خير، والآخر
стр. 3540
شرير.
ومنهم من قال: خمسة أشياء واجبة لذواتها: الباري، والنفس، والهيولى، والدهر، والخلاء.
قال: وفساد هذه الأقاويل وأشباهها إنما يظهر بالأدلة المذكورة على أن واجب الوجود يستحيل أن يكون أكثر من واحد.
تعليق ابن تيمية
قلت: فقد تداخلت المقالتان في كلامه، كما تداخل في كلام الآخر، وذلك أن من قال: الأجسام أو الهيولى التي هي محل الجسمية واجبة لذاتها وصفاتها ممكنة، فهو من جنس من قال بخمسة أشياء واجبة، إذ كلاهما يقول: إن الباري أحدث التأليف والصنعة، بخلاف من قال بإلهين: الخير والشر: فإنه يقول: كلاهما فاعل، وليس في هذه الأقوال قول من يجعل وجوب الوجود لعدة أشياء، وجعل ما سواها مفعولاً لها، كما يقوله القائلون بالأصلين: النور والظلمة من المجوس.
لكن القائلون بقدم النفس يقولون: إنها أحبت الهيولى، ولم يمكن تخليصها منها إلا بإحداث العالم.
والقائلون بقدم المادة فقط لا يقولون بذلك.
والقائلون بقدم الهيولى أو بعض الأجسام أو نحو ذلك، لا يلزمهم أن يقولوا: إنها واجبة الوجود بنفسها، بل قد يقولون: إنها مبدعة مفعولة للواجب بنفسه.
وهذا المشهور عن قدماء الفلاسفة.
والرازي قد ذكر في شرح الإشارات من كتبه: أن هؤلاء يقولون إن الباري هو الواجب بذاته، وأن النفس وغيرها معلولة له.
وذكر هنا
следующие страницы →