← Акыда

Акыда · id 21506

درء تعارض العقل والنقل

ابن تيمية

Полный текст (4 031 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

هذا النقل حقاً لم ينفعك، لأنه لا حجة في إضراب من ليس بمعصوم. وأنت لو احتج عليك محتج بنصوص الأنبياء، وهو ممن يعتقد عصمتهم، وقد قام الدليل عنده على ذلك، لم تقبل حجته، فلأن لا يقبل منك قول قوم توافقه أنت على عدم عصمتهم أولى وأحرى. فكيف وهذا النقل ليس صحيحاً؟ بل كثير من القدماء ومن المتأخرين جوزوا أن تقوم بالأول أمور يشاؤها ويقدر عليها، بل صرحوا بأنه متحرك، وأنه تقوم به إرادات حادثة وعلوم حادثة وغير ذلك، كما تقدم. فإن لم يبطل قولهم بحجة عقلية لم يكن ما ذكرته حجة. الوجه الثالث أن يقال: ما تعني بالتغير؟ أتعني به استحالته كاستحالة الجسم من صورة إلى صورة؟ أو تعني به كونه يفعل ما لم يكن فاعلاً له؟ فإن عنيت الأول، منعت المقدمة الثانية. فإن المتحركات التي يخرج منها ما بالقوة إلى الفعل كالأفلاك، لا تستحيل صورتها بذلك. وإن عنيت الثاني، قيل لك: هذا لا يسمى تغيراً، أو لا نسميه تغيراً. وإذا سميته تغيراً، لم يكن في مجرد تسميتك له ولا تسميتنا له -إذا وافقناك على التسمية- ما يمنع جوازه. فإن مجرد الألفاظ لا تثبت بها المعاني العقلية، فلم قلت: إن هذا المعنى ممتنع؟ بل هذا هو نفس المتنازع فيه، لكن بدلت العبارة عنه. أفبأن

стр. 3572

بدلت العبارة عنه صادرت عليه وجعلته مقدمة في إثبات نفسه؟ ونحن لا نعني بالتغير إلا كونه يفعل ما لم يكن فاعلاً. الوجه الرابع أن يقال لك: نحن نشاهد حدوث الحوادث، وأنت تسمي ذلك إخراج ما بالقوة إلى الفعل، فلا بد حينئذ في حدوث الحوادث من إخراج ما بالقوة إلى الفعل، فمحدثها أخرج ما بالقوة إلى الفعل، والمحدث لإحداثه الذي جعله يخرج ما بالقوة إلى الفعل كذلك، وهلم جراً. فإن قدرت مع هذا محدثاً لفاعليته، غير مخرج ما بالقوة إلى الفعل، بطلت حجتك. وإن جعلت الأول أخرج ما بالقوة إلى الفعل، بطل أيضاً دليلك. وإن ادعيت أن بعض الفاعلين يخرج ما بالقوة إلى ما بالفعل دون الآخر، بطل دليلك، فهو باطل على كل تقدير. وذلك أنه يلزمه أحد أمرين، كلاهما يبطل قوله. فإنه إن أثبت فاعلاً يخرج ما بالقوة إلى الفعل، من غير سبب من خارج، أمكن أن يكون الأول كذلك، فبطل قوله. وإن لم يجوز أن يكون فاعلاً يخرج ما بالقوة إلى الفعل إلا بسبب من خارج، لزمه أن يكون كل فاعل للحوادث لم يحدث فاعليته إلا بسبب أخرج ما بالقوة إلى الفعل: فإن كان الأول كذلك، لزم التسلسل الممتنع. وإن لم يكن كذلك، كان الأول مخرجاً لما بالقوة إلى الفعل، من غير سبب من خارج، وذلك يبطل قوله.

стр. 3573

قال: فينبغي أن يسلم لأرسطو طاليس أن العلة الأولى على غاية ما يمكن من التمام والكمال. الرد على كلام آخر لثابت بن قرة فيقال له: أولاً: أرسطو لم يثبت على أولى مبدعة للعالم، ولا فاعلة له، ولا علة فاعلة له. وإنما أثبت علة غائية له، ولم يقم على ذلك دليلاً. فهو مع أنه لم يذكر إلا جزء علة لم يقم عليه دليلاً. فأي تمام وكمال أثبته للعلة الأولى؟! وأما أهل الإثبات فيقولون: نحن نثبت للأول غاية ما يمكن من التمام والكمال، بما نثبته له من صفات الكمال وأفعاله ، فنحن أحق بوصفه بالكمال، من وجوه لا تحصر. وإذا قال القائل: فلم تأخر ما تأخر من مفعولاته؟ قلنا: هو لازم على القولين، فلا يختص بجوابه. ثم يقال: الموجب لذلك ما تقول أنت في نظيره في تأخر الحوادث، مثل استجماع الشروط التي بها يصلح كون الحادث مفعولاً، أو بها يمكن كونه مفعولاً، فإن عدمه قبل ذلك قد يكون لعدم الإمكان، وقد يكون لعدم الحكمة الموجبة تأخره، إذ لا بد في الفعل من القدرة التامة والإرادة التامة المستلزمة للحكمة. وأما قوله: كما أنه ليس يمكن أن تؤخر الطبيعة فعلها في المادة القابلة إلا لعائق، فكذلك الأمر في العالم إذا كان إمكانه لم يزل. والإمكان له بمنزلة المادة.

стр. 3574

فيقال: أولاً أنت لم تثبت له فعلاً ولا إبداعاً، بل الطبيعة عندك تفعل. والأول لم يثبت إلا كونه محبوباً للتشبه به، وأثبت ذلك بلا دليل. ويقال لك: ثانياً: إن كان مجرد الإمكان موجباً لكون الممكن مقارناً للواجب، لزم أن يكون كل ما يمكن وجوده أزلياً. وهذا مكابرة للحس والعقل. فإن قلت: إن بعض الممكنات توقف على شروط، أو يكون له مانع. قيل لك: فحينئذ ما المانع أن يكون إبداع الأول للعل متوقفاً على شروط، أو له مانع، مع كون الأول لم يزل يفعل أفعالاً قائمة بنفسه، أو مفعولات منفصلة عنه، كما يقوله أساطين أصحابك من الفلاسفة المتقدمين على أرسطو أو غيرهم؟ ويقال لك: ثالثاً: إن كان العالم واجباً لنفسه، فقد تأخر كثير من أفعاله، فيلزم أن يتأخر ما يتأخر من فعل الواجب بنفسه، وإن كان ممكناً بنفسه، ففاعله قد أخر كثيراً مما فيه من الأفعال. وعلى كل تقدير فقد تأخر عن الواجب بنفسه ما تأخر من مفعولاته، فعلم أنه لا يلزم مقارنة مفعولاته كلها له، وإذا جاز تأخر ما يتأخر من مفعولاته، فلم لا يجوز أن تكون الأفلاك من ذلك المتأخر؟ قال: إلا أن قوماً يرون أنه يجب من هذا -أعني من وجوب وجود العالم مع العلة الأولى- أن لا يكون صنع إرادي للعلة الأولى في وجود

стр. 3575

العالم، كما لا صنع لها في وجود جوهرها، إذ كان وجود العالم غير ممكن تأخره عن وجود جوهر العلة الأولى، فيكون وجوده لازماً اتباعه لوجود العلة الأولى، فتكون العلة الأولى علة طبيعية للعالم ومتممة له، فيكون القياس في ذلك كالقياس فيما يفعله الفلك ويؤثره بطبيعته، إذ وجود ذلك مع وجود جوهر الفلك، لا سيما وأرسطو طاليس يقول: إن المحرك الأول هو علة حركة كل ما في الكون بالتشوق. فالأولى على ظاهر الأمر أن يكون الشيء المتشوق إليه تشوق بجهة طبيعته لا بإرادته، لأنه قد يمكن أن يكون المعشوق المتشوق إليه نائماً أو غير ذي إرادة، وهو يحرك المشتاق إليه والعاشق له، إلا أنه ينبغي أن يترك أمر العلة الأولى في جوهرها وسائر أمورها، على أفضل ما يمكن أن يكون وجود شيء عليه. فإذن ليس يؤثر جوهر هذه العلة أثراً ولا يفعل فعلاً منقلباً عن قصدها وإرادتها، ولا دون إرادتها، إذ ليس في هذه الذات نقص يحتاج فيه إلى تمام من خارج، ولا فوق جوهرها أمر تقتبس منه ازدياد في شيء من حاله، ولا يعرض لها أمر تحتاج إلى استدفاعه. فجوهرها إذن ليس فيه شوق إلى شيء، ولا منافرة لشيء، ولا قبول لتغيير، ولا لحدوث شأن متجدد له. فليس يوجد إذن أمر يحدث هذه الذات بالطبع وبغير إرادة، وليس يوجد إذن أمر يدعو هذه الذات في حال أو شأن، ليس هي المبدأ الأول له، والعلة فيه. وبالجملة فكل ما كان له ما هو الطبع على الجهة الطبيعية التي

стр. 3576

ينحوها، فإنه يلزم أن يوجد في جوهره شوق بالطبع إلى حال لا تملكها إرادته، والمشتاق معلول من جهة شوقه للشيء المشوق له، والشيء المشوق له مبدأ له في ذلك الشوق، ومن جهة أنه هو له علة تمامية من جهة من الجهات. وليس يليق هذا الأمر البتة بالمبدأ الأول، ولكنه مبدأ لكل طبيعة ولكل شوق ولكل حركة. فساد كلام آخر له من وجوه. الوجه الأول فساد كلام آخر له من وجوه. الوجه الأول هذا كلامه ولقائل أن يقول: هذا الكلام قد كشف فيه قوله ومذهبه، وقد تبين في ذلك من التناقض والفساد ما يطول ذكره بالوصف والتعداد. وذلك من وجوه: قول أرسطو: إن المحرك الأول هو علة كل ما في الكون بالتشوق، والمتشوق إليه إنما تشوق بجهة طبيعته لا إرادته، ولأنه قد يكون المعشوق المتشوق إليه نائما أو غير ذي إرادة، وهو يحرك المشتاق إليه والعاشق له، إلا أنه ينبغي أن يترك أمر العلة الأولى في جوهرها وسائر أمورها، على أفضل ما يمكن أن يوجد شيء عليه، فإذن ليس يؤثر أثراً، ولا يفعل فعلاً، لا عن إرادتها، ولا بدون إرادتها إلى آخر كلامه. فيقال له: قد صرحتم في كلامكم بأن الأول ليس له فعل بإرادة، ولا بدون إرادة، ولا تأثير في العالم أصلاً إلا من جهة كونه معشوقاً متشوقاً إليه، والمعشوق المتشوق إليه لا يجب أن يكون شاعراً بالعاشق، ولا مريداً له، ولا قادراً على فعل يفعله به، بل الجمادات تحب ويشتاق إليه، كما

стр. 3577

يشتاق الجائع إلى الطعام، والعطشان إلى الشراب، والبردان إلى الثياب، والضاحي في الشمس إلى الظلال. ثم إنكم مع هذا لم تذكروا على ذلك دليلاً صحيحاً، ولكن نحن نخاطبكم بما أقررتم به. فيقال: إذا كان بهذه المثابة، لم يكن علة للعالم، ولا مبدأ له، ولا فاعلاً له، ولا مؤثراً فيه أثراً، فبطل قولكم: إنه علة العلل، وإنه المبدأ الأول. قولكم: إنه علة طبيعية للعالم ومتممة له. غاية ما في الباب أن العالم يكون محتاجاً إليه، من كونه مشتاقاً إليه، والشيء المشتاق إليه لا يجب أن يكون هو المبدع المشتاق ولا الفاعل له، ولا يكون مؤثراً فيه، كما اعترفتم به، وكما هو معلوم لكل عاقل. فإن كون الشيء علة غائية، لا يستلزم أن يكون على فاعلية، لا سيما وإنما هو علية من جهة أن الفلك يحب التشبه به، فهذا مع ما فيه من جحد وجود واجب الوجود المبدع للعالم، فيه من تناقض قولكم ما قد تبين. وسنبين إن شاء الله فرقهم بين العلة الأولى وبين العالم القديم بأنه جسم، وأن الجسم لا تكون فيه قوة غير متناهية، وما ذكروه في ذلك. الوجه الثاني أن يقال: هذا القول الذي قلتموه يبطل حجتكم على قدم العالم أيضاً، فإنه إذا لم يكن مؤثراً في العالم وعلة له، ومبدأ ومحركاً له، إلا من جهة كونه محبوباً شائقاً معشوقاً، أمكن تأخر وجود العالم عن وجوده، فإن الشيء المشتاق إليه قد يتأخر عنه ما يشتاقه، والشيء

стр. 3578

المشتاق إليه هو مستلزم لوجود المشتاق، بل الأمر بالعكس فالمشتاق إليه غني عن المشتاق، والمشتاق محتاج إلى المشتاق إليه. وحينئذ فيكم وجود الأول المشتاق إليه، بدون وجود العالم المشتاق، ثم بعد هذا يوجد العالم المشتاق، ولا يقدح ذلك في كمال المشتاق إليه. فإن قلتم: فما الموجب لوجود العالم بعد هذا؟ قيل لكم: هو الموجب لوجوده قبل هذا على أصلكم، فإنكم لم تثبتوا للعالم مبدعاً فاعلاً، وحينئذ فلا فرق بين تقدم وجوده وبين تأخره، إلا أن تقولوا، إنه واجب الوجود بنفسه. وإذا قلتم: إن العالم مع احتياجه إلى المعشوق الغني عنه واجب الوجود بنفسه، كان قولكم أعظم تناقضاً. الوجه الثالث ونحن نبي ذلك بالوجه الثالث: فنقول: إذا أثبتم للعالم وعلته المعشوقة له، التي يجب التشبه بها، وتتحرك لاستخراج ما فيه من الأيون والأوضاع، لأن ذلك غاية التشبه بها. فإما أن تقولوا: هذا واجب الوجود بنفسه، أو تقولوا: إن أحدهما ممكن بنفسه، لا يوجد إلا بالواجب بنفسه. فإن قلتم بالأول، ثبت أن العالم المحتاج إلى محبوبه واجب الوجود بنفسه، مع كونه معلولاً من هذه الجهة، وكونه ذي إرادة وشوق، وكونه يؤثر آثاراً ويفعل أفعالاً بالإرادة.

стр. 3579

وقد قلتم: إن هذا لو كان في الأول لكان نقصاً يحتاج فيه إلى تمام من خارج، فقد أثبتم في الواجب بنفسه نقصاً يحتاج فيه إلى تمام من الخارج، فإن كان هذا جائزاً في الواجب بنفسه، لم يمتنع هذا في الأول المعشوق، بل جاز مع وجوبه بنفسه أن يكون أيضاً عاشقاً مريداً مؤثراً فاعلاً، فيه على أصلكم نقص يحتاج فيه إلى تمام من خارج. وإذا كان هذا غير ممتنع في الواجب بنفسه، بطل ما ذكرتموه من امتناع ذلك عليه. وأيضاً فإذا جاز ذلك عليه، لم يكن أحدهما بكونه عاشقاً والآخر معشوقاً أولى من العكس، بل يمكن أن يكون كلاهما محباً للآخر مشتاقاً إليه. وبتقدير أن يكون هو المحب للعالم المريد له، يكون هو المحدث لما فيه من الحركات. ثم على هذا التقدير لا يجب أن تكون الأفلاك هي الواجبة بنفسها، بل يمكن أن يقال هناك واجب بنفسه غيرها، ثم إن أحد الواجبين أحدث الأفلاك لما حدث له من الشوق، كما تقولون فيما يحدث بحركة الفلك. وفي الجملة إذا قالوا: إن العالم واجب الوجود بنفسه، نقضوا كل ما ذكره في المبدأ الأول، ولم يكن لهم حجة على الطبيعية الذين ينكرون الأول. والطبيعة الذين يقولون: العالم واجب بنفسه، قولهم أفسد من قول هؤلاء الإلهيين منهم كلهم، كما قد بين فساد قولهم في غير هذا الموضع.

стр. 3580

لكن فساد أقوالهم يظهر من وجه آخر، من غير التزام صحة قول الإلهيين بل قول كلا الطائفتين باطل متناقض، يعلم بطلانه وتناقضه بصريح العقل. وإن قال هؤلاء الإلهيون: إن العالم ممكن الوجود بنفسه، فلا بد أن يكون هناك واجب، هو علة فاعلة له، لا يكفي في وجوده ما هو مشتاق إليه، فإن ما لا وجود له من نفسه، ليس له من نفسه لا صفة ولا شوق ولا حركة ولا شيء من الأشياء، فلا بد لكم من إثبات مبدع للممكن، قبل إثبات شوقه إلى غيره، ثم يبقى النظر بعد ذلك في قدمه وحدوثه نظراً ثانياً. الوجه الرابع أن يقال: قولهم أولاً: إن قوماً يرون أنه يجب من هذا، أي من وجوب وجود العالم مع العلة الأولى، ألا يكون صنع إرادي للعلة الأولى في وجود العالم، كما لا صنع لها في وجود جوهرها، إذا كان وجود العالم غير ممكن تأخره عن وجود العلة الأولى.... إلى آخره. فيقال لكم: إرادة العلة الأولى إما أن يستلزم تأخر فعلها للعالم أو يجوز مع ذلك تقدم فعلها للعالم، فإن كانت الإرادة تستلزم تأخر المراد، لزم تأخر العالم المشتاق صاحب الإرادة والشوق، فإن العالم عندكم قديم له إرادة وشوق قديم، فإن كان القديم لا يكون له شوق وإرادة بطل قولكم بقدم العالم، مع القول بشوقه.

стр. 3581

وإن كان القديم يمكن أن يكون له إرادة وشوق، أمكن أن يكون الأول له إرادة وشوق مع قدمه، وأن يكون صانعاً للعالم صنعاً إرادياً، وهذا أيضاً يبطل قولكم. الوجه الخامس أن يقال: القديم: إما أن يجوز أن يكون له إرادة، وإما ألا يجوز. فإن لم يجز، امتنع كون العالم قديماً مريداً. وحينئذ فلا يبقى لكم حجة على إثبات المبدأ الأول، فإنكم إنما أثبتموه بأنه، معشوق للعالم المتحرك بالإرادة مع قدم العالم. فإذا امتنع كون القديم مريداً، لم يلزم أن يكون هناك معشوق قديم، فلا يبقى دليل على ثبوته. وإن جاز أن يكون القديم مريداً، جاز كون الأول مريداً، وبطل قولكم: إنه لا صنع إرادي للعلة الأولى. فأنتم بين أمرين: إما سلب الإرادة عن العالم القديم، وإما إثباتها للأول القديم. وأيهما قلتم بطل قولكم ببطل قولكم، وسنتكم إن شاء الله على فرقهم. الوجه السادس بل يقال في الوجه السادس: إنكم لو أثبتم الإرادة للأول القديم، وسلبتموها عن الفلك، كما يقول ذلك من يقوله من أهل الملل، كان أقرب إلى المعقول من إثباتها للفلك، ونفيها عن العلة الأولى، فإن صريح العقل يعلم أن العلة والمبدأ الأول أولى أن يكون مريداً من المعلول الثاني، فإن الفعل إن لم يستلزم إرادة، لم تستلزم حركة الفلك إرادة، وإن استلزم إرادة، فالعلة الفاعلة أولى بالإرادة من المعلول المفعول. ألا ترى أن المعلولات قد تكون جامدة، كالعناصر والنباتات التي لا إرادة لها؟.

стр. 3582

يبين ذلك أن الحركات ثلاثة: الطبيعية والقسرية والإرادية. فالقسرية تابعة للقاسر، والطبيعية لا تكون إلا إذا خرج الجسم عن مركزه، فيميل بطبعه إلى مركزه، فكلاهما عارضة، وإنما الحركة الأصلية هي الإرادية. وإذا كان كذلك فالمعلول المفعول يحتاج إلى إرادة فاعلة، أعظم من حاجته إلى كونه هو مريداً، فإنه إذا كانت جميع الحركات مستندة إلى الإرادة، فمن المعلوم أن احتياجها إلى إرادة الفاعل، أعظم من احتياجها إلى إرادة المفعول. فإن قالوا: الفلك عندنا ليس بمعلول عن واجب مبدع، بل هو قديم واجب بنفسه. كان ما يلزمهم على هذا التقدير، مثل جعل الواجب بنفسه جسماً متحيزاً تحله الحوادث، مفتقراً إلى علة يتشبه بها، وسائر اللوازم أعظم مما فروا منه. الوجه السابع أن يقال: الممكن لا يوجد إلا بفاعل، ويمكن وجوده بدون كونه مشتاقاً، فوجوده مشروط بالفاعل له، ليس مشروطاً بكونه مشتاقاً، فكيف يجوز إثبات ما لا يحتاج الممكن في وجوده إليه، وإلغاء ما لا يكون موجوداً إلا بوجوده؟. الوجه الثامن أن يقال: قولكم: فتكون العلة الأولى علة طبيعية للعالم ومتممة له، ويكون القياس في ذلك كالقياس فيما يفعله الفلك، ويؤثره بطبيعته، أو وجود ذلك مع وجود جوهر الفلك، لا سيما

стр. 3583

وأرسطو يقول: إن المتحرك الأول إنما يحرك كل ما في الكون بالشوق، وهو شوق المتحرك إليه إلى آخره. فيقال: هذا كلام متهافت متناقض، وذلك أن ما يفعله الفلك ويؤثره بطبيعته، هو عندكم مريد له، مع أن وجوده مع وجود الفلك، وقد شبهتم فعل الأول بفعل الفلك، ثم قلتم إن الأول ليس له إرادة ولا تأثير، فهذا التمثيل يناقض هذا التفريق. الوجه التاسع أن يقال: الفلك إما أن يكون فاعلاً بالإرادة، وإما ألا يكون. فإن كان الأول، وهو قولكم: ووجود فعله مع وجوده، لزم أن يكون الفعل الإرادي يجوز مساوقته للفاعل، وألا يتأخر عنه. وهذا يبطل قلوكم: إنه يجب من وجوب الفلك مع العلة الأولى أن يكون لا صنع إرادي للعلة الأولى في وجود العالم فإنكم حينئذ أثبتم فاعلاً فعلاً إرادياً، مع كون فعله موجوداً معه. وأما قولكم: كما لا صنع لها في وجود جوهرها فهذا تمثيل ساقط إلى غاية، فإن الواجب بنفسه لا يكون فاعلاً لنفسه، وأما معلوله فلا بد أن يكون فاعلاً له. فكيف يقال: لا يفعل معلوله، كما لا يفعل نفسه؟ وإن لم يكن الفلك فاعلاً بالإرادة، بطل كونه مشتاقاً عاشقاً، وبطل ثبوت المبدأ الأول، وحينئذ فيبطل ما بنيتم عليه ثبوت الأول وقدم العالم. الوجه العاشر قولكم: ينبغي أن ينزل أمر العلة الأولى في جوهرها

стр. 3584

وسائر أمورها على أفضل ما يمكن أن يكون وجود شيء عليه كلام حق، لكن أنتم من أبعد الناس عنه، فإنكم جعلتم أمر العلة الأولى من أنقص ما يمكن أن يكون وجود شيء عليه، بل جعلتموه أنقص من كل موجود شبيهاً بالمعدوم، فإن الموجودات أقسام: أعلاها الذي يفعل غيره ولا ينفعل عن غيره. وهذا هو الذي يجب أن يكون عليه المبدأ الأول. والقسم الثاني: الذي يفعل وينفعل، كالإنسان. وثالثها: الذي ينفعل ولا يفعل كالجماد. وأما ما لا يفعل وال ينفعل فهذا لا يكون إلا معدوماً. وأنتم جعلتم الأول لا يفعل شيئاً ولا ينفعل، فإنكم قد قلتم: إنه لا يؤثر أثراً ولا يفعل فعلاً، لا عن إرادة ولا دون الإرادة، وقلتم أيضاً، إنه لا ينفعل عن غيره، وهذا حال المعدوم. ووصفهم له بأنه معشوق لا يفيد، فإن المحبوب المعشوق من الموجودات لا بد أن يكون فاعلاً أو منفعلاً. وأما ما لا يفعل ولا ينفعل فلا يحب ولا يحب، ولا حقيقة له. فوصفتم الواجب الوجود المبدع لكل ما سواه بما هو أنقص من صفات سائر الموجودات، ولا يتصف به إلا المعدومات. الوجه الحادي عشر أنكم قلتم: إن المحرك الأول إنما يحرك الفلك، لكون الفلك مشتاقاً إليه أي إلى التشبه به. وقلتم: إن المشتاق إليه إنما تحرك بجهة طبعية لا إرادية، لأنه قد يمكن أن يكون المعشوق المتشوق إليه نائماً أو غير ذي إرادة، وهو يحرك المشتاق إليه

стр. 3585

والعاشق له، إلا أنه ينبغي أن يترك أمر العلة الأولى في جوهرها وسائر أمورها على أفضل ما يمكن أن يكون وجود شيء عليه. وأردتم تنزيهه أن يشبه بالنائم ونحوه، وأنتم وصفتموه بدون صفة النائم. فإن المحبوب الذي لم يشعر بمحبه لنومه يمكن أن يتنبه فيشعر به، ويمكن أن يحب محبه. ومن المعلوم أن المحبوب الذي يمكن أن يعلم بمحبه، وأن يحبه، أكمل من النائم الذي لا يعلم به ولا يحبه. وأنتم قد قلتم: إنه لا يمكن أن يكون منه محبة لمحبه، ولا أثر، ولا فعل من الأفعال. وقال أرسطو وأكثركم: إنه لا شعور له بمحبة، بل قد يقولون: إنه لا شعور له بنفسه أيضاً. فهل هذا إلا وصف له بدون صفة النائم ونحوه من الناقصين؟! الوجه الثاني عشر أن يقال: إذا نزل أمر الأول على أفضل ما يمكن أن يكون وجود شيء عليه، فمن المعلوم أن الموجود إذا انقسم إلى حي وميت، فالحي أكمل من الميت، وإذا قسم إلى ما يقبل الاتصاف بالحياة والموت وما لا يقبل، فالذي يمكن اتصافه بذلك كالحيوان، أكمل ممن لا يمكن اتصافه بذلك كالجماد. وإذا قسم إلى عالم وجاهل، وما لا يقبل لا هذا ولا هذا، وقادر وعاجز، وما لا يقبل لا هذا ولا هذا، كان ما يقبل واحداً منهما، أكمل مما لا يقبل، وما كان عالماً قادراً أكمل مما كان جاهلاً عاجزاً.

стр. 3586

وإذا قسم إلى ما يكون فاعلاً بالإرادة، وما يفعل إرادة، وما لا يفعل لا بهذا ولا بهذا، كان ما يفعل بالإرادة أكمل مما يفعل بدون إرادة، وما يفعل بدون إرادة أكمل ممن لا فعل له، وأنتم جعلتموه لا يفعل لا بإرادة ولا بدون إرادة. الوجه الثالث عشر قولكم: فإذن لا يؤثر هذه العلة أثراً، ولا يفعل فعلاً منقلباً عن إرادتها وقصدها، ولا دون إرادتها، إذ ليس في هذه الذات نقص يحتاج فيه إلى تمام من خارج، ولا فوق جوهرها أمر يقتبس منه ازدياداً في شيء من حاله إلى آخره. فيقال لكم: إذا قدر ذات لها فعل وتأثير بالإرادة، وذات ليس لها فعل ولا تأثير، لا بإرادة ولا بدونها، شهد صريح العقل بأن الأول أكمل. ولهذا كان الحيوان أكمل من الجماد. وقلتم أنتم: إن حركة الفلك إرادية، وإن ذلك أكمل من أن تكون حركته غير إرادية. وإذا قدر مع هذا أن المتحرك بالإرادة محتاج إلى تمام من خارج، وهو متحرك لطلب ذلك التمام، فهو أكمل من الذي لا يقبل التمام كالجماد، فإذا كان الأول عندكم لا شعور له ولا إرادة ولا فعل بالإرادة ولا يمكن أن يكون له شيء من ذلك، كان المتحرك بالإرادة لطلب تمامه أكمل من هذا الناقص المسلوب صفات الكمال، الذي لا يمكن اتصافه به، فالعميان والعرجان والصم والبكم العمي أكمل من هذا الأول الذي فرضتموه، والفلك أكمل منه بكثير، وفيما ذكرتموه من التناقض وغاية الفساد، ما لا يحصيه إلا رب العباد. الوجه الرابع عشر أن يقال: العالم: إما أن يكون واجباً بنفسه

стр. 3587

وإما أن يكون ممكناً. فإن كان ممكناً، لم يوجد إلا بواجب يبدعه ويفعله، فيلزم أن يكون للأول فعل وتأثير، وذلك مناقض ما ذكرتموه. ثم إذا قدر من يفعل بإرادة ومن يفعل بلا إرادة، فالفاعل بالإرادة أكمل، فيلزم أن يكون فاعلاً له بالإرادة، حيث سلمتم أنه يجب أن ينزل أمره في جوهره وسائر أموره، على أفضل ما يمكن أن يكون وجود شيء عليه، وإن كان العالم واجب بنفسه، مع كونه عندكم مفتقراً إلى الأول، افتقار الشيء إلى من يتشبه به، ويحركه بالإرادة حركه يحصل بها تمامه -أمكن أن يكون واجب الوجود يتحرك حركة إرادية، يحتاج فيها إلى تمام من خارج. فثبت أنه على تقدير إمكان العالم بنفسه، ووجوبه بنفسه، يلزم أن يكون الواجب بنفسه له فعل وتأثير، وذلك ينقض ما ذكرتموه، وإن وصفه بذلك أولى من وصفه بكونه لا فعل له ولا إرادة ولا تأثير، ولا يمكن اتصافه بشيء من صفات الكمال. الوجه الخامس عشر أن يقال: أنتم فررتم من إثبات نوع من النقص له، فأثبتم له من النقائص ما يكون أنقص به من جميع الموجودات. فإنكم فررتم من كونه يفعل بإرادة وبغير إرادة، لأن ذلك بزعمكم يستلزم نقصاً يحتاج فيه إلى تمام من خارج. فيقال: إذا قدر أنه لا علم له ولا قدرة ولا حياة ولا إرادة، ولا فعل لا بإرادة ولا غير إرادة، ولا يؤثر شيئاً أصلاً، ولا يتأثر عن شيء -كان ما في الموجود أكمل منه، فهذا منتهى كل نقص، ومن كان فيه نقص يمكنه إتمامه من خارج، كان خيراً من العدم، ومن لا يمكنه إتمام نقصه.

стр. 3588

الوجه السادس عشر أن يقال: ما هو النقص الذي نزهتموه عنه؟ فإن النقص لا يعقل إلا عدم كمال، أو وجود مناف لكمال. فعدم العلم والحياة والقدرة يسمى نقصاً، ووجود الصم والبكم والخرس المنافي لهذه الصفات يسمى نقصاً، ثم ما كان قابلاً للاتصاف بصفات الكمال، أكمل ممن لا يقبلها. فإذا كان عندكم لا متصفاً بها ولا قابلاً للاتصاف بها، كان هذا غاية ما يعقل من النقص، فما النقص الذي نزهتموه عنه؟ فإن قالوا: نزهنا عن طلب تمامه من خارج، فإن كون تمامه لا يحصل إلا بسبب من خارج نقص. فيقال لهم: هذا باطل من وجوه: أحدها: أن هذا إن كان نقصاً، فما وصفتموه به من النقائص أعظم من هذا وأكثر. الثاني: أن يقال: فكون تمامه ممكناً وهو طالب له، أكمل من كونه لا يقبل التمام ولا يطلبه. الثالث: ولم قلتم: إن هذا نقص؟ فإن النقص إنما يكون نقصاً إذا عدم ما ينبغي وجوده أو ما يمكن وجوده، فإذا قدر أمر لا يمكن وجوده في الأزل، أو لا يصلح وجوده في الأزل، فلم قلتم: إن عدم هذا نقص؟ الرابع: أن يقال: ظنكم أن تمامه يحتاج إلى سبب منفصل غلط، كما قد بسط في موضع آخر، فليس هو محتاجاً في شيء من أفعاله، فضلاً عن صفاته وذاته، إلى سبب خارج عنه. الوجه السابع عشر أن يقال: لم قلتم: إن الأول إذا كان فاعلاً مؤثراً

стр. 3589

بالإرادة، لزم أن يكون فيه نقص يحتاج فيه إلى تمام من خارج؟ فإن هذا إنما يلزم لو كان المحرك له شيئاً منفصلاً عنه. أما إذا لم يكن مبدأ فعله إلا منه، لم يلزم أن يكون محتاجاً إلى تمام من خارج. وأنتم لم تقيموا دليلاً على أن كل فاعل بالإرادة لا يكون مبدأ فعله إلا بسبب من خارج، بل ادعيتم هذا دعوى مجردة. ومن هنا يتبين فساد أصل كلامهم. فنقول في: الوجه الثامن عشر أنتم لما ذكرتم أن حركة الأفلاك إرادية قلتم: إن المتحرك بالإرادة لا يكون إلا بمحبوب منفصل عنه، ثم إنكم قلتم: الأول لا يتحرك بالإرادة، لئلا يكون له محبوب منفصل فنحتاج إليه، ولم تذكروا دليلاً على أن كل متحرك بالإرادة يجب أن يكون مفتقراً إلى محبوب منفصل، بل ذكرتم هذا دعوى مجردة بنيتم عليها إثبات الأول، وبنيتم عليها امتناع كون الأول مؤثراً ويفعل بإرادة أو غير إرادة، وإذا لم يفعل بإرادة ولا غير إرادة امتنع وجود الممكنات، فامتنعت حركتها بالإرادة، فامتنع احتياجها إلى معشوق، فبطل دليلكم على إثبات الأول، فكان نفس دعواكم التي بنيتم عليها إثبات الأول وسلب أفعاله، ولم تقيموا عليها دليلاً، هي بعينها تستلزم عدم دليلكم على ثبوت الأول، فتبين أنه ليس في كلامكم لا إثبات للأول، ولا نفي لشيء عنه. الوجه التاسع عشر أن يقال: لم قلتم: إن كل فاعل بالإرادة أو كل متحرك، بالإرادة يجب أن يكون محتاجاً إلى مراد منفصل عنه غني عنه؟ ولم

стр. 3590

تذكروا على هذا دليلاً. ويقال لكم: لم لا يجوز أن يكون هو المراد المحبوب، فيكون محباً لنفسه، فهو المحب وهو المحبوب؟ أو يكون مريداً محتاجاً لما هو مفعول له، فيكون هو مراده، فلا يكون في ذلك احتياجه إلى غيره؟ وأنتم تقولون ما هو موجود في كتبكم: إن الأول عاشق ومعشوق وعشق، ولذيذ وملتذ، ومبتهج ومبتهج به، فإذا جاز عندكم أن يكون محباً محبوباً، مريداً مراداً، فلم لا يجوز أن يكون إذا فعل بالمحبة والإرادة، هو المحبوب المراد؟ وعلى اصطلاحكم: هو العاشق المعشوق؟ وعلى هذا التقدير يبطل أصلاً كلامكم، ويمكن وصفه بصفات الكمال وبالأفعال الكاملة الإرادية، التي لا يفتقر فيها إلى غيره، ولا يكون فيه نقص يحتاج فيه إلى تمام من خارج. الوجه العشرون أنكم تقولون: إن العالي لا يفعل لأجل السافل، وإن حركة الفلك الإرادية لا يجوز أن تكون لأجل السفليات، لكن لزم حصول ما حصل عن حركته الإرادية بالقصد الثاني. وإنما مقصوده بحركته الإرادية التشبه بمحبوبه الأعلى. وإذا كان الأمر كذلك، فلم لا يجوز أن يكون الأول هو المريد والمراد، والمحبوب والمحب؟ وهو لا يريد شيئاً لأجل شيء سواه، ولكن محبته لنفسه وإرادته لها، استلزم وجود المفعولات، كما قلتموه فيما صدر عن الأفلاك. وإذا قيل: هو فاعل باختياره وإرادته، فعلاً يستلزم وجود المعلولات، كان كما قلتم مثل ذلك في حركة الفلك، فهذا القول جاز على

стр. 3591

أصولكم، وهو أحق بالجواز إن كانت أصولكم صحيحة -مما قلتموه فيه من وصفه بغاية النقص، فإذا وصفتموه بهذا كنتم قد وصفتموه بصفات الكمال، مع رعاية أصولكم التي اعتقدتم صحتها، ولم يكن في هذا محذور، إلا كان في نفيه من المحذور ما هو أعظم منه. الوجه الواحد والعشرون أن يقال: قولكم: فجوهرها ليس فيه شوق إلى شيء، ولا منافرة لشيء مضمونه أنها لا تحب شيئاً ولا تبغضه، فلم قلتم ذلك؟ فإن قلتم: إن المحب المبغض لا يحب إلا ما يحتاج إليه من غيره، ولا يبغض إلا ما يحتاج إلى دفعه عن نفسه. قيل لكم: ولم قلتم ذلك، والفلك عندكم يحب بل يعشق؟ وإذا كان يحب شيئاً فإنه يبغض زواله، ومع هذا فهو عندكم لا يخاف من شيء منفصل، ولا يحتاج إلى دفع ضرر عن نفسه، بل ولا يجوز عليه الفساد والانحلال، وهو مع هذا عاشق محب، طالب مشتاق، فلا يلزم من كونه مشتاقاً، أن يكون من يعرض له أمر يحتاج إلى استدفاعه. وأما كون الحب يوجب أن يكون فوقه جوهر آخر يقتبس منه، فهذا إنما يلزم إذا لم يكن قادراً على حصول محبوبه. فأما إذا قدر أنه ليس في ذلك حاجة إلى ما هو غني عنه، لم يكن في ذلك محذور. الوجه الثاني العشرون أن يقال: قولكم: فجوهرها إذن ليس فيه شوق إلى شيء، ولا منافرة لشيء، ولا قبول لتغيير، ولا لحدوث

стр. 3592

شأن متجددة أمر لم يذكروا عليه حجة عقلية، إلا ما ذكرتموه من أن هذه الذات ليس فيها نقص يحتاج فيه إلى تمام من خارج، ولا فوقها ما تزداد منه، ولا يعرض لها ما يحتاج دفعه. فيقال لكم: الجوهر المتحرك أهو محتاج إلى شيء من خارج، وفوقه ما يزداد منه، ويعرض له ما يحتاج إليه في دفعه، أم ليس كذلك؟ فإن قلتم: إنه بهذه الصفة وهو متحرك، لم يكن في ثبوت هذه الصفات ما يمنع كون الموصوف متحركاً، فيجوز حينئذ على الأول أن يكون متحركاً قابلاً لقيام الأمور الاختيارية به، كما يقبله الجوهر المتحرك، إذ كان كلاهما مشتركاً في هذه الصفات. وإن قلتم: ليس كذلك، وإن الجوهر المتحرك يعرض له ما يدفعه عن نفسه. قيل لكم: ليس هذا قولكم: وبتقدير أن يعرض له، فليس فوقه ما يدفع هذا عنه، إذ عندكم ليس فوقه فاعل، إنما فوقه محبوب ليس بفاعل ولا مؤثر: لا بإرادة ولا بدون إرادة. وكذلك إن قلتم: إنه يحتاج إلى تمام من خارج، أو فوقه جوهر يقتبس منه زيادة. قيل لكم: فمن الذي يفيده الزيادة ويزيل عنه الحاجة غيره؟ فإن قلتم: الأول. فالأول عندكم ليس يؤثر أثراً، ولا يفعل فعلاً: لا عن إرادة ولا عن غير إرادة. وكونه محبوباً لا يقتضي أنه يفعل بالمحب فعلاً

стр. 3593

يزداد به، إذ كان الفاعل للحب في المحبوب المحرك له إلى المحبوب ليس نفس المحبوب، إذ كل عاقل يعلم أن الخبز إذا أحبه الجائع لم يفعل حركته ولا قصده، كذلك المعشوق الذي لا يشعر بعاشقه، ليس منه فعل ولا حركة يزيد بها المحب شيئاً، وإنما يضاف الفعل إليه كما يضاف إلى الجماد. كما يقال: أهلك الناس الدرهم والدينار. ويقال: قتلني حب المال. ويقال للذهب: قاتول. ويقال للدنيا: غرارة خداعة مكارة، ونحو ذلك مما يضاف إلى ما تحبه النفوس وتهواه، من غير فعل منه ولا قصد، فإنما يضاف الفعل إليه لأنه كان بسببه، لا أنه هو المحدث لذلك الفعل ولا الفاعل له، ولا المبدع له، وهذا متفق عليه بين العقلاء. وإذا كان كذلك فليس في الجوهر الجسماني الفلكي إلا من جنس ما جعلتموه في الأول، وهو غني كغنى الأول، ومع هذا فقد جاز عليه الحركة وقيام الحوادث به، فكذلك في الأول. وإذا جاز أن يقال: إن الفلك يتحرك بنفسه، فلم لا يجوز أن يقال: إنه يشتاق إلى نفسه. وإذا قيل: إن الأول هو محبوب مشتاق إليه، فلم لا يجوز أن يكون محباً لنفسه، وحركته من المحبة لنفسه؟ وإذا قلتم: إلى أي شيء يتحرك؟ قيل لكم: والفلك إلى شيء يتحرك؟ فإذا قلتم: لإخراج ما لا يمكن وجوده دفعةً عن الأيون والأوضاع. قيل لكم: ولم لا يجوز على هذا أن تقولوا: إن الأول يتحرك لإخراج

стр. 3594

ما لا يمكن وجوده دفعةً من أحواله وشؤونه، ثم الحوادث المنفصلة تابعة لذلك كما قلتم مثل ذلك في الفلك؟ الوجه الثالث العشرون أن يقال: قولكم ليس فيه شوق إلى شيء ولا منافرة لشيء: أتريدون به أنه ليس فيه حب لشيء أصلاً: لا لنفسه ولا لغيره؟ ولا بغض لشيء من الأشياء؟ وسميتم الحب الباعث على الفعل شوقاً؟ أم تريدون به ليس فيه شوق إلى شيء مستغن عنه كما قلتموه في الفلك؟ فإن كان مرادكم الثاني: لم يضر هذا، مع أنكم لم تقيموا على هذا دليلاً. ولو قيل لكم: بل يجوز أن يكون مشتاقاً إلى غيره، وغيره مشتاق إليه -لم يمكنكم الجواب، لأنكم إن قلتم: إن الفلك ممكن بنفسه، لزم أن يكون الأول فاعلاً له، ولزم أن يكون كالفلك، وهو عندكم لا يفعل ولا يؤثر، وإن كان الفلك واجباً، كان الواجب موصوفاً بالشوق إلى غيره. وأيضاً فأنتم لم تذكروا دليلاً على ثبوته، فضلاً عن غناه، إذ دليلكم في ثبوته مبني على أن المتحرك بالإرادة لا تكون حركته إلا عن حب لغيره، وهذا لم تقيموا عليه دليلاً، وهو لا يتم حتى يمتنع كون الأول فاعلاً بالإرادة، فإذاً لا يمكنكم ثبوته حتى يمتنع كونه فاعلاً بالإرادة، ولا يمتنع كونه فاعلاًً بالإرادة حتى يعلم ثبوته، فإذاً لا يثبت لا هذا ولا هذا. وإن كان مرادكم الأول، فيقال لكم: من أين علمتم أنه لا يكون محباً لنفسه ولا لغيره؟

стр. 3595

فإن قلتم: إن المحب لغيره ناقص يحتاج إلى الغير. كان جوابكم من أربعة أوجه: أحدها: أن يقال: لم لا يجوز أن يكون محباً لنفسه، ثم محبته لغيره تبعاً؟ كما تقولون في حب الفلك وإرادته بالقصد الأول والقصد الثاني. الثاني: أن يقال: فلم لا يجوز أن يكون محباً لغيره، الذي هو مفعول مصنوع له؟ وإذا كان مريداً كما هو مفعول مصنوع له، وهو ممكن، لم يكن في ذلك إرادته ومحبته إلا لمفعولاته ومبتدعاته، التي هي فقيرة إليه من كل وجه، فليس في هذا افتقار إلى شيء هو مستغن عنه بوجه من الوجوه. ومعلوم أن هذا خير من قولكم: إن الفلك لا يحتاج إليه إلا من جهة كونه محبوباً، فإن ذلك في إثبات فقر الفلك إليه من كل وجه، وهذا أبلغ في الكمال. الثالث: أن يقال: ولو فرض محباً لغيره مريداً لغيره، وذلك الغير أيضاً محتاج إليه، لكونه لا يقوم إلا به، كان غاية ما في هذا أن يكون قوام كل منهما بالآخر ومعلوم أن هذا، وإن كان المسلمون ينزهون الله عنه، فهو خير من قولكم المتضمن أن الفلك ليس له مبدع فاعل، مع كونه محتاجاً إلى محبوبه، لأن هذا يتضمن شيئين، كل منهما فاعل له، وأحدهما محب للآخر، أقرب إلى العدل والإمكان، إن كان ذلك ممكناً، وإلا فهو أقرب إلى الامتناع، لأن كلا القولين يتضمن إثبات شيئين لا فاعل لهما، وأحدهما يتضمن أن المحب أحدهما والآخر محبوب، والقول الثاني يتضمن أن كلاهما محب محبوب.

стр. 3596

الوجه الرابع: أن يقال: المحب المريد لأمور منفصلة عنه، إذا كان قادراً عليها، وهو يفعلها بحسب محبته وإرادته من غير مانع. فلم قلتم: إن هذا نقص؟ أو ليس الموصوف بهذا أكمل من الذي لا يحب شيئاً ولا يريده ولا يقدر عليه؟ وإذا شبه الأول بالحيوان، كان الثاني مشبهاً بالجماد، والجماد أنقص. الوجه الرابع العشرون أن يقال: إذا قدر موجودان: أحدهما محب مريد يفعل ما يريده وهو قادر على ذلك، والثاني لا يحب شيئاً ولا يريده ولا يقدر على شيء محبوب مراد، لكن غيره يحبه -كان إجماع العقلاء أن الأول أكمل من الثاني، فإن الثاني شبيه بالخبز والماء واللباس، والمساكن التي يحبها الناس ويريدونها، والأول شبه بالناس الذين يحبون ذلك. ومعلوم أن الثاني أنقص من الأول، والأول أقرب إلى الكمال. فهؤلاء فروا بزعمهم مما توهموه نقصا، فوقعوا فيما هو أعظم نقصاً بلا ريب. وإيضاح هذا أن يقال: إذا قسمنا الموجودات إلى قسمين: حي وميت، وعالم وجاهل، وقادر وعاجز، وقادر على الفعل وغير قادر عليه، بل قادر على الفعل والحركة بإرادته ومحبته، ومن لا إرادة له ولا قدرة له، أو لا فعل له ولا حركة إلى ما يريده، ونحو ذلك- كان الأول هو الموصوف بصفات الكمال دون الثاني. وأما مجرد كون الشيء مراداً محبوبا، فليس بصفة كمال، إلا أن يكون محبوباً لنفسه مراداً لذاته. وهؤلاء سلبوا الرب جميع صفات الكمال، ووصفوه بالنقائص، ولم يثبتوا له شيئاً من الكمال، إلا مجرد كونه

стр. 3597

محبوباً، ولم يقيموا حجة على ذلك، ولا على أنه محبوب لنفسه، فكان ما وصفوه به غاية النقص، بل العدم. بقية كلام ثابت بن قرة ورد ابن تيمية عليه قال ثابت: فليس يوجد إذن أمر يجتذب هذه الذات بالطبع وبغير إرادة، وليس يوجد إذن أمر يدعو هذه الذات إلى حال أو شأن ليس هي المبدأ الأول له والعلة فيه. فيقال لهم: أولاً: لم تقيموا دليلاً على شيء من ذلك. فإنكم لم تجعلوها فاعلاً لشيء ولا مؤثراً فيه أصلاً، فليست مبدأً لشيء من الأشياء ولا علة له، إلا من كونها محبوبة فقط، وليس في هذه الجهة أنها تحدث شيئاً، ولا أنها تبدع شيئاً. وإذا كان كذلك فما المانع أن يكون غيرها جاذباً لها وداعياً لها إلى شيء؟ وما المانع أن تكون هي محبة لغيرها؟ وأنتم لم تذكروا على امتناع ذلك حجة أصلاً. والمسلمون، وغيرهم من أهل الملل، إذا نزهوا الله عن الحاجة إلى غيره، فهم يثبتون أنه رب غيره ومليكه وخالقه. وأنتم لم تثبتوا أنه رب كل ما سواه ومليكه وخالقه. وحينئذ فلا دليل لكم على انتفاء الحاجة عنه، لا سيما مع أنه يلزمكم أن تجعلوا العالم واجب الوجود بنفسه مع فقره إليه، فيكون الواجب بنفسه فقيراً إلى غيره، أو تجعلوه ممكناً لا بد له من فاعل، فيكون الأول مبدعاً فاعلاً لغيره، والفاعل، كما ذكروه، يستلزم أن يكون له فعل وإرادة، وهذا نقيض قولهم.

стр. 3598

ويقال لهم: ثانياً: لم لا يجوز أن يكون مفعولها المحتاج إليها هو الداعي الجاذب؟ وليس في هذا افتقار إلى ما هو مستغن عنها، وأنتم لم تقيموا دليلاً على انتفاء ذلك. ويقال لهم: ثالثاً: لم لا يجوز أن يكون هو المبدأ لما يفعله، والداعي منه لا من غيره، وهو المحب لنفسه؟ وقد ذكر أئمتكم في كتبهم أنه عاشق ومعشوق وعشق، ولذيذ وملتذ به. قال: وبالجملة فكل ما كان له ما هو بالطبع، على الجهة الطبيعية التي يمحوها، فإنه يلزم أن يوجد في جوهره شوق بالطبع، إلى حال لا تملكها إرادته، والمشتاق معلول من جهة شوقه للشيء المشوق إليه مبدأ له في ذلك الشوق، ومن جهة أي هو له علة تمامية من جهة من الجهات. وليس يليق هذا الأمر البتة بالمبدأ الأول. ولكنه مبدأ لكل طبيعة ولكل شوق ولكل حركة. فيقال له: الكلام على هذا من وجوه: الأول: قولكم: إن الأول مبدأ لكل طبيعة وكل شوق وكل حركة، كلام مناقض لما ذكرتموه، فإنكم لم تجعلوه إلا محبوباً فقط، لا فاعلاً مبدعاً، ولا علة فاعلة، ومجرد كون الشيء محبوباً لا يوجب أن يفعل شيئاً في غيره. وقد علم الفرق بين العلة الفاعلة والغائية. والثاني: قولكم: إن المشتاق إليه علة للمشتاق. فيقال لكم: ولم يمتنع أن يكون محباً لنفسه؟ فهو المحب المحبوب.

стр. 3599

الثالث: أن يقال: ما المانع أن يكون محباً مريداً لما هو مفعول مصنوع له؟ وليس في هذا كونه معلولاً لغيره، لأن ذلك الغير هو معلوله من كل وجه، مفعول له بكل طريق، محتاج إليه بكل سبب. وليس في حب الشيء وإرادته لمثل ذلك نقص، بل هذا من الكمال. فإن من أراد ما هو مفعول له معلول له، وهو قادر على ذلك المراد المحبوب، كان هذا غاية الكمال، بخلاف من لا يفعل شيئاً منفصلاً عنه، ولا يريده، ولا يقدر عليه، بل ولا يفعل فعلاً قائماً بنفسه، بل هو كالجماد الذي ليس له صفة كمال، بل كالمعدوم. الرابع: قولكم: وليس يليق هذا البتة بالمبدأ الأول كلام بلا برهان، وأنتم تدعون البرهان والحجة -وقد ذكر هذا غيركم- لم ترضوا أن تجعلوا هذا خطابة، بل جعلتموه دون الخطابة، وأنتم تجعلونه عمدة في مثل هذا الأمر العظيم بلا حجة أصلاً، مع أنكم لم تثبتوا أن الأول مبدأ ولا فاعل أصلاً، إلا بجهة كونه محبوباً، مع أنكم لم تقيموا على ذلك دليلاً. الخامس: قوله: كل ما كان ما هو له بالطبع من الجهة التي ينحوها، فإنه يلزم أن يوجد في جوهره شوق بالطبع إلى حال لا تملكها إرادته. فيقال لهم: هذه قضية كلية لم يذكروا عليها دليلاً، وغاية ما يستدلون به أن يقولوا: وجدنا المتحركات بالإرادة كذلك الحيوان. فيقال لهم: وكذلك وجدتم ذلك ممكناً مفعولاً مصنوعاً، مفتقراً إلى

стр. 3600

فاعل مبدع، فقولوا: إن الأول ممكن مفعول مصنوع مفتقر إلى فاعل مبدع. فإن كان الدليل قد أثبت موجوداً واجباً بنفسه لا يفتقر إلى غيره، فإما أن يكون ذلك هو الفلك، أو أمراً فوق الفلك، فإن كان هو الفلك، وهو مشتاق إلى حال تملكها إرادته، بطل نفيكم لهذا عن الواجب بنفسه. وإن كان الواجب بنفسه أمراً فوق الفلك، كان هو الفاعل للفلك المبدع له. وحينئذ فالفلك وما فيه محتاج إليه من كل وجه، فليس في الوجود ما هو خارج عن ملكه، حتى يقال: إنه مشتاق إلى ما تملكه إرادته. السادس: أن هذا الكلام إنما يصح أن لو كان فيه الوجود ما لا تملكه إرادة الأول. فأما إذا كان كل ما سواه كائناً بإرادته ومشيئته، فليس في الوجود شيء لا تملكه إرادته. وأنتم لم تقيموا دليلاً على امتناع إرادته، وإذا كانت إرادته ممكنة على هذا الوجه، كما يقول المسلمون: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن -لم يمنع أن يكون مريداً على هذا الوجه. السابع: أن يقال: كونه يفعل بالطبع، أو نحو ذلك، ليس من عبارة المسلمين. فإذا كانوا يسمون كل ما يفعل فعلاً قائماً بنفسه متحركاً بالطبع، لم ننازعهم في المعنى. لكن نقول: لم قلتم: إن من كان فاعلاً فعلاً يقوم به بإرادته مشتاق إلى حال لا يملكها؟

стр. 3601

فإذا سميتم كل ما كان كذلك فاعلاً بالطبع، فلم قلتم: إن كل ما كان كذلك مشتاق إلى حال لا يملكها؟ فصل. عود إلى كلام ابن رشد في مناهج الأدلة وتعليق ابن تيمية عليه فصل. عود إلى كلام ابن رشد في مناهج الأدلة وتعليق ابن تيمية عليه ثم قال ابن رشد: فإن قيل: فإذ قد تبين أن هذه الطرق كلها ليست واحدة منها هي الطريقة الشرعية التي دعا الشرع منها جميع الناس على اختلاف فطرهم إلى الإقرار بوجود الباري، فما هي الطريق الشرعية التي نبه الكتاب عليها وكان يعتمدها الصحابة؟ قلنا: الطرق الشرعية التي نبه الكتاب عليها، ودعا الكل من بابها، إذا استقرئ الكتاب، وجدت تنحصر في جنسين: أحدهما طرق الوقوف على العناية بالإنسان وخلق جميع الموجودات من أجله، وتسمى هذه دليل العناية.

стр. 3602

والطريق الثانية: ما يظهر من اختراع جواهر الأشياء الموجودات، مثل اختراع الحياة في الجماد، والإدراكات الخمسة والعقل، ولنسم هذا دليل الاختراع. أما الطريق الأولى فتبنى على أصلين: أحدهما: أن جميع الموجودات التي ها هنا موافقة لوجود الإنسان. والأصل الثاني: أن هذه الموافقة هي ضرورة من قبل فاعل قاصد لذك مريد، إذ ليس يمكن أن تكون هذه الموافقة بالاتفاق، فأما كونها موافقة لوجود الإنسان، فيحصل اليقين بذلك، بدليل موافقة الليل والنهار، والشمس والقمر، لوجود الإنسان، وكذلك موافقة الأزمنة الأربعة له، والمكان الذي هو فيه أيضاً وهو الأرض. وكذلك أيضاً يظهر موافقة كثير من الحيوان له، والنبات والجمادات، وجزيئات كثيرة: مثل الأمطار، والأنهار، والبحار، وما تحمله

стр. 3603

الأرض والماء والهواء والنار. وكذلك أيضاً تظهر العناية في أعضاء الإنسان وأعضاء الحيوان، أعني كونها موافقة لحياته ووجوده. وبالجملة فمعرفة منافع الموجودات داخلة في هذه الجنس. ولذلك وجب على من أراد أن يعرف الله تعالى المعرفة التامة أن يفحص عن صانع جميع الموجودات. قال: وأما دلالة الاختراع، فيدخل فيها وجود الحيوان كله، ووجود النبات، ووجود السموات. وهذه الطريقة تنبني على أصلين موجودين بالقوة في فطر جميع الناس. أحدهما: أن هذه الموجودات مخترعة، وهذا معروف بنفسه في الحيوان والنبات. كما قال تعالى: ﴿إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له﴾ الآية [الحج: ٧٣] ، فإنا نرى أجساماً جمادية ثم تحدث فيها الحياة، فنعلم قطعاً أن ها هنا موجداً للحياة ومنعماً بها، وهو الله ﵎. وأما السموات فنعلم من قبل حركاتها التي لا تفتر أنها مأمورة

стр. 3604

بالعناية بما هو ها هنا، ومسخرة لنا، والمسخر المأمور مخترع من قبل غيره ضرورة. قلت: هذا يبين بأن حركات الأفلاك ليست من قبل أنفسها، بل من محرك منفصل عنها، حتى يكون ذلك المحرك لها هو الآمر المسخر. وهذا يتبين بوجوه مبسوطة في غير هذا الموضع، مثل أن يبين المحرك من جهة الفاعل والسبب، ومن جهة المقصود والغاية، أي أنها لا بد أن تقصد بحركاتها شيئاً منفصلاً عنها، مثل ما يقول المسلمون وغيرهم من أهل الملل: إنها عابدة لله تعالى، ويقول المتفلسفة -كأرسطو وأتباعه-: إنها تقصد التشبه بالإله على قدر الطاقة. وعلى القولين فتكون حركتها من جنس حركة المحب إلى محبوبه، والطالب إلى مطلوبه، وما كان له مراد منفصل عنه مستغن عنه -فهو محتاج إلى ما هو مستغن عنه، ومن احتاج إلى ما هو مستغن عنه لم يكن غنياً بنفسه، بل يكون مفتقراً إلى ما هو منفصل عنه، وهذا لا يكون واجب الوجود بنفسه، بل يكون ممكناً عبداً فقيراً محتاجاً، فتكون السموات مفتقرة ممكنة ليست بواجبة. والوجه الثاني: أن كل فلك فإنه يحركه غيره من الأفلاك المنفصلة عنه، فتكون حركته من غيره، والفلك المحيط بها المحرك لها لا يحرك ولا يؤثر في غيره، إلا بمعاونة غيره من الأمور المنفصلة عنه، فليس هو وحده المحرك

стр. 3605

لسائر أنواع حركاتها، بل يجب أن يكون المحرك غيره، والمتحركات المنفصلة عنه ليست منه وحده، بل منه ومن غيره، فليس فيها ما هو مستقل بالتحريك، وما كان مفتقراً إلى غيره لم يكن واجباً بنفسه. فلا بد من محرك منفصل عنها. ومثل أن يقال: ليس شيء منها مستقلاً بمصالح السفليات والآثار الحادثة فيها، بل إنما يحصل ذلك بأسباب منها اشتراكها، ومنها أمور موجودة في السفليات ليست من واحد منها، فكل واحد منها لا بد له من شريك معاون، له مانع يعوقه عن مقتضاه، فلا يتم أمره إلا بمشارك غني عنه، وانتفاء مانع معارض له، فيمتنع أن يكون مبدعاً لشريكه الغني عنه، ولمانعه المضاد له، وأن يكون ما يحصل من المصالح التي في العالم السفلي بمجرد قصده وفعله، فوجب أن يكون هناك ما يوجب فعله وحركته من غيره، وذلك هو الأمر والتسخير. لأن الحركة إن كانت قسرية فلها قاسر. وإن كانت طبيعية فالطبعية لا تكون إلا إذا خرجت بالعين من محلها، فهي مقسورة على الخروج. وإن كانت إرادية فالمريد لآثار لا يستقل بها ولا يحصل إلا بمشاركة غيره، ويمتنع بمعارضة غيره له فيها، هو مفتقر في مقصوده إلى غيره. ويمتنع أن يكون واجب الوجود بنفسه، لأن الواجب بنفسه لا يكون مفتقراً إلى غيره المستغني عنه بوجه من الوجوه، إذ لو افتقر إلى غيره بوجه من الوجوه، لم يكن من ذلك الوجه غنياً عن الغير، بل مفتقراً إليه.

стр. 3606

ولا يتم ذلك الوجه إلا بذلك الغير المستغني عنه. والمريد لأمر إذا لم يكن قادراً على تحصيل مراده كان عاجزاً، وكان فقيراً إلى ما به يحصل مراده والمفتقر إلى ما يعجز عنه لا يكون واجباً بنفسه، ولا يكون كماله حاصلاً به، بل بما هو مستغن عنه. فهذه الأمور وغيرها مما يستدل به على هذا المطلوب. قال: وأما الأصل الثاني فهو أن كل مخترع فله مخترع، فيصح من هذين الأصلين أن للوجود فاعلاً مخترعاً له. وفي هذا الجنس دلائل كثيرة على عدد المخترعات، ولذلك كان واجباً على من أراد معرفة الله حق معرفته أن يعرف جواهر الأشياء ليقف على الاختراع الحقيقي في جميع الموجودات، لأن من لم يعرف حقيقة الشيء لم يعرف حقيقة الاختراع. وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: ﴿أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء﴾ [الأعراف: ١٨٥] . وكذلك أيضاً من تتبع معنى الحكمة في موجود، أعني معرفة السبب الذي من أجله خلق والغاية المقصودة به كان وقوفه على دليل العناية أتم. فهذان الدليلان هما دليلا الشرع. وأما أن الآيات المنبهة على الأدلة المفضية إلى وجود الصانع

стр. 3607

سبحانه في الكتاب العزيز هي منحصرة في هذين الجنسين من الأدلة فذلك بين لمن تأمل الآيات الواردة في الكتاب العزيز في هذا المعنى. وذلك أن الآيات التي في الكتاب العزيز في هذا المعنى إذا تصفحت وجدت على ثلاثة أنواع: إما آيات تتضمن التنبيه على دلالة العناية، وإما آيات تتضمن التنبيه على دلالة الاختراع، وإما آيات تجمع الأمرين من الدلالة جميعاً. فأما الآيات التي تتضمن دلالة العناية فقط، فمثل قوله تعالى: ﴿ألم نجعل الأرض مهادا * والجبال أوتادا﴾ [النبأ: ٦-٧] إلى قوله: ﴿وجنات ألفافا﴾ [النبأ: ١٦] . ومثل قوله تعالى: ﴿تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا﴾ [الفرقان: ٦١] ، إلى قوله: ﴿أو أراد شكورا﴾ [الفرقان: ٦٢] .

стр. 3608

ومثل قوله: ﴿فلينظر الإنسان إلى طعامه﴾ الآيات [عبس: ٢٤] . ومثل هذا كثير في القرآن. وأما الآيات التي تضمنت دلالة الاختراع فقط، فمثل قوله تعالى: ﴿فلينظر الإنسان مم خلق * خلق من ماء دافق﴾ [الطارق: ٦] . ومثل قوله: ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت﴾ [الغاشية: ١٧] الآية. ومثل قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا﴾ [الحج: ٧٣] . ومن هذا قوله تعالى حكاية عن قول إبراهيم ﵇: ﴿إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا﴾ [الأنعام: ٧٩] ، إلى غير ذلك من الآيات التي لا تحصى. وأما الآيات التي تجمع الدلالتين فهي كثيرة أيضاً، بل هي الأكثر، مثل قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من

стр. 3609

قبلكم﴾ [البقرة: ٢١] ، إلى قوله تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون﴾ [البقرة: ٢٢] . وذلك أن قوله: ﴿الذي خلقكم والذين من قبلكم﴾ [البقرة: ٢١] ، تنبيه على دلالة الاختراع، وقوله: ﴿الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء﴾ [البقرة: ٢٢] ، تنبيه على دلالة العناية. ومثله قوله: ﴿وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون﴾ [يس: ٣٣] . وقوله: ﴿ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار﴾ [آل عمران: ١٩١] . وأكثر الآيات الواردة في هذا المعنى يوجد فيها النوعان من الأدلة. قال: فهذه الطريق هي الصراط المستقيم، التي دعا الله الناس منه إلى معرفة وجوده، ونبههم على ذلك بما جعل في فطرهم من إدراك هذا المعنى.

стр. 3610

وإلى هذا الفطرة الأولى المغروزة في طباع البشر الإشارة بقوله تعالى: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم﴾ إلى قوله: ﴿قالوا بلى شهدنا﴾ [الأعراف: ١٧٢] . ولهذا يجب على كل من كان وكده طاعة الله تعالى، في الإيمان به وامتثال ما جاءت به رسله، أن يسلك هذه الطريقة، حتى يكون من العلماء الذي يشهدون لله بربوبيته، مع شهادته لنفسه وشهادة ملائكته له. كما قال تعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم﴾ [آل عمران: ١٨] . قال: ودلالة الموجودات من هاتين الجهتين عليه هو التسبيح المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ [الإسراء: ٤٤] . قلت: في هذه الآية وآية أخذ الميثاق من الكلام ما ليس هذا موضعه. وكذلك دعواه انحصار الطريق في هذين النوعين.
следующие страницы →