← Акыда

Акыда · id 21506

درء تعارض العقل والنقل

ابن تيمية

Полный текст (4 031 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

وجود له في الخارج، وبتقدير وجوده فهو يعم ما تحته عموم الجنس والعرض العام، والعالم بشرط سلبه عن كل أمر ثبوتي هو وجود مقيد بالعدم وسلب الوجود، هذا أبعد عن الوجود من المقيد بسلب الوجود والعدم، فإن ما قيد بانتفاء الوجود والعدم، أقرب إلى العدم والامتناع مما قيد بسلب الوجود والعدم. ومع هذا فهذا المطلق لا يوجد إلا بوجود الأعيان، لا يتصور أن يكون مبدعاً لها ولا علة لها، بل غايته أن يكون صفة لها أو جزءاً منها، فيكون الوجود الواجب صفة للمكنات أو جزءاً منها، وما كان جزءاً من الممكن أو صفة له أولى أن يكون ممكناً، فإما أن ينفوه أو يجعلوه محتاجاً إلى المخلوقات، والمخلوقات مستغنية عنه. وتارة يجعلونه مع الممكنات كالمادة في الصورة، أو الصورة في المادة، نحو ذلك مما يقوله ابن سبعين ونحوه. وتارة لا يثبتون شيئاً آخر، بل هو عين الموجودات، وهي أجزاء له وأبعاض، كما قد يقوله التلمساني وأمثاله، وهذا محض قول الدهرية المحضة، الذين يجعلون هذا المحسوس واجباً بنفسه. لكن طريقة ابن سينا وأتباعه في الرد عليه مبينة على أصله في توحيد واجب الوجود ونفي صفاته، وهي طريقة ضعيفة كما بين فسادها في غير هذا الموضع. فلا يمكن هؤلاء الذين يسمون أنفسهم بالفلاسفة الإلهية الرد على

стр. 3537

أولئك الدهرية الطبيعية بمثل هذه الطريق، بل بيان كون المشاهدات ليس واجبة بنفسها، بل مفتقرة غلى غيرها، يمكن بوجوه كثيرة، كما قد بسط في موضعه، إذ المقصود هنا ذكر كلامه في أفعال الرب تعالى، وما ذكره في قدم العالم. قال: وقال آخرون: بل هذا الوجود المحسوس معلول، ثم افترقوا. فمنهم من زعم أن أصله وطينته غير معلولين، لكن صنعته معلولة. وهؤلاء فقد جعلوا في الوجود واجبين، وأنت خبير باستحالة ذلك. ومنهم من جعل واجب الوجود لضدين أو لعدة أشياء، وجعل غير ذلك من ذلك، هؤلاء في حكم الذي قبلهم. قلت: هؤلاء كالمجوس القائلين بأن له أصلان: النور والظلمة، وهما قديمان، فإن هذا أحد قوليهم، والآخر أن الظلمة محدثة. والقائلون بالقدماء الخمسة كديمقراطيس ومن اتبعه، كابن زكريا الطبيب الملحد، يقولون بقدم الباري والنفس والمادة والدهر والخلاء. فهؤلاء يجعلون الواجب أكثر من واحد، وهم مع هذا يقولون بأن أصله غير معلول، وطينته معلولة. وأما من جعل المبدع أكثر من اثنين فهذا لا يعرف. فقوله: منهم من زعم أن أصله وطينته معلولة يتناول هذا القول،

стр. 3538

كما يتناوله قول من جعل وجوب الوجود لعدة أشياء، وجعل غير ذلك من ذلك، وقد يحكى عن طائفة من القدماء أنهم قالوا: كانت أجزاء العالم مبثوثة، ثم إن الباري ألفها، لكن هؤلاء قد يقولون: إنها معلولة عن الواجب بنفسه، فإن هذا القول الذي قاله أئمة الفلاسفة وقدماؤهم وأساطينهم، وهو أن المادة العالم قديمة، وصنعته محدثة، لم يذكره ابن سينا، فإن هؤلاء لا يقولون: إن المادة غير معلولة، بل يقولون: هي مبدعة مفعولة للباري. وهذا القول الذي هو قول أئمة الفلاسفة وأساطينهم لم يتعرض لحكايته، ولا لرده وإبطاله، وليس في كلامه ما يبطله. وقد قالوا: إن أول من قال بقدم صنعة العالم من هؤلاء الفلاسفة هو أرسطو، فهذا كلامه في حكاية مذاهبهم. وأما رده الأقوال التي حكاها بامتناع وجود واجبين فهو بناء على نفي الصفات، وهو توحيده الذي قد علم فساده، وبين ذلك في غير هذا الموضع. ثم أخذ بعد ذلك في ذكر مقالة من قال بحدوث العالم من نفاة الأفعال القائمة به، ومن قال بقدمه، فلم يذكر إلا هذين القولين مع تلك الأقوال الثلاثة، فكان مجموع ما ذكره خمسة أقوال. كلام الرازي في شرح الإشارات قال الرازي في شرح ذلك: المسألة العاشرة في مذاهب أهل العلم في إمكان العالم وحدوثه ثم ذكر كلام ابن سينا، وقال في شرحه: أقول: أهل العالم فريقان: منهم من أثبت أكثر من واجب

стр. 3539

وجود واحد، ومنهم من لم يقل إلا بالواجب الواحد. أما الفريق الأول فقد تحزبوا إلى ثلاث فرق: أحدها: الذين زعموا أن هذا العالم المحسوس واجب لذاته، على ما هو عليه من الشكل والمقدار والهيئة. قال الشيخ: لكنك إذا تذكرت ما قيل في شرط واجب الوجود لم تجد هذا المحسوس واجباً. ثم استدل الرازي بما يدل على أن الأجسام ممكنة، وقد ذكرت هذه الأدلة وضعفها في غير هذا الموضع. ولهذا قال الرازي لما ذكرها: هذا مجموع ما يدل على أن الأجسام ممكنة، وقد عرفت ما في كل واحد منها. المقالة الثانية: أن العالم له ذات وصفات، فأما الذات فهي للأجسام، وهي واجبة لذواتها. ومنهم من قال: الذات هي الهيولى التي هي محل الجسمية، وهي واجبة لذاتها. فأما الصفات وهي الشكل والمقدار والتحيز والحركة والسكون، فكل ذلك من الممكنات. قال: وهذه المقالة أيضاً باطلة بالأدلة المذكورة على فساد المقدمة الأولى. قال: والمقالة الثالثة: أن هذا العالم ممكن الوجود بذاته وصفاته، لكن واجب الوجود مع ذلك أكثر من واحد. ثم هؤلاء أيضاً فرق: منهم من أثبت إلهين واجبين لذاتيهما، أحدهما خير، والآخر

стр. 3540

شرير. ومنهم من قال: خمسة أشياء واجبة لذواتها: الباري، والنفس، والهيولى، والدهر، والخلاء. قال: وفساد هذه الأقاويل وأشباهها إنما يظهر بالأدلة المذكورة على أن واجب الوجود يستحيل أن يكون أكثر من واحد. تعليق ابن تيمية قلت: فقد تداخلت المقالتان في كلامه، كما تداخل في كلام الآخر، وذلك أن من قال: الأجسام أو الهيولى التي هي محل الجسمية واجبة لذاتها وصفاتها ممكنة، فهو من جنس من قال بخمسة أشياء واجبة، إذ كلاهما يقول: إن الباري أحدث التأليف والصنعة، بخلاف من قال بإلهين: الخير والشر: فإنه يقول: كلاهما فاعل، وليس في هذه الأقوال قول من يجعل وجوب الوجود لعدة أشياء، وجعل ما سواها مفعولاً لها، كما يقوله القائلون بالأصلين: النور والظلمة من المجوس. لكن القائلون بقدم النفس يقولون: إنها أحبت الهيولى، ولم يمكن تخليصها منها إلا بإحداث العالم. والقائلون بقدم المادة فقط لا يقولون بذلك. والقائلون بقدم الهيولى أو بعض الأجسام أو نحو ذلك، لا يلزمهم أن يقولوا: إنها واجبة الوجود بنفسها، بل قد يقولون: إنها مبدعة مفعولة للواجب بنفسه. وهذا المشهور عن قدماء الفلاسفة. والرازي قد ذكر في شرح الإشارات من كتبه: أن هؤلاء يقولون إن الباري هو الواجب بذاته، وأن النفس وغيرها معلولة له. وذكر هنا

стр. 3541

عنهم: أنهم يصفون الجميع بوجوب الوجود، وهذا تناقض في نقل أقوالهم. ثم إبطال هذه الأقوال بناء على توحيدهم، الذي مضمونه نفي الصفات، لكون الواجب لا يكون إلا واحداً، قد عرف فساده. قال الرازي: فأما القائلون بأن واجب الوجود واحد، فقد اختلفوا على قولين: منهم من قال: إنه تعالى لم يكن في الأزل فاعلاً، ثم صار فيما لا يزال فاعلاً، وهم المليون بأسرهم. ومنهم من قال: أنه كان في الأزل فاعلاً، وهم أكثر الفلاسفة. قلت: القول الذي حكاه عن المليين بأسرهم هو قول طوائف من أهل الكلام المحدث منهم، الذين ذمهم السلف والأئمة، ولا يعرف هذا القول عن نبي مرسل، ولا أحد من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين. لم يقل أحد من هؤلاء: إن الله لم يكن فاعلاً ثم صار فاعلاً، وإنما المعروف عنهم ما جاء به الكتاب والسنة، من أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، فكل ما سواه مخلوق حادث بعد أن لم يكن. وهذا هو الذي نطق به الكتاب والسنة، واتفق عليه أهل الملل. وكذلك نقله عن جمهور الفلاسفة: إن الله لم يزل فاعلاً، كلام مجمل، فجماهير الفلاسفة لا يقولون بقدم العالم. وأول من ظهر عنه منهم القول بقدمه هو أرسطو. ولا يلزم من قال: إنه لم يزل فاعلاً، أن يقول بقدم شيء من العالم، إذ يمكنه مع ذلك أن يقول: لم يزل فاعلاً لشيء بعد شيء، فكل ما سواه مخلوق محدث، وهو لم يزل فاعلاً.

стр. 3542

وقد أخبرت الرسل أن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، وأن الله كان ولم يكن قبله شيء، وكان حينئذ عرشه على الماء، ثم كتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السموات والأرض. وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا قول أحد من السلف، هذا القول الذي حكاه عن أهل الملل كلهم، بل صرح أئمة الإسلام بأن الله لم يزل متكلماً إذا شاء، قادراً على ما يشاء، فاعلاً يقوم به الفعل الذي يشاؤه، بل وصرحوا أنه لم يزل فاعلاً، وأن الحي لا يكون إلا فعالاً، يقوم به الفعل. ولفظ بعضهم: أن الحي لا يكون متحركاً، وعبارة بعضهم: كان محسناً فيما لم يزل، عالماً بما لم يزل، إلى ما لم يزل. وعبارة بعضهم: كان غفوراً رحيماً، عزيزاً حكيماً، ولم يزل كذلك. فنقل الرازي لمقالة أهل الملل، كنقل ابن سينا لمقالات الفلاسفة. فكلا الرجلين لم يذكر في هذا المقام أقوال أئمة الفلاسفة المتقدمين الأساطين، ولا أقوال الأنبياء والمرسلين، ومن اتبعهم من الصحابة والتابعين، كأئمة المسلمين وعلماء الدين، بل هذه الخمسة الأقوال التي ذكرها هذان وأتباعهما، ليست قول هؤلاء، ولا قول هؤلاء. ولهذا كان جميع ما ذكروه، من الأقوال التي ينصرونها ويزيفونها، أقوالاً يظهر فسادها وتناقضها.

стр. 3543

كلام ابن سينا في الإشارات قال ابن سينا: ومنهم من وافق على أن واجب الوجود واحد، ثم افترقوا، فقال فريق منهم: إنه لم يزل ولا وجود لشيء عنه، ثم ابتدأ وجود شيء عنه، ولولا هذا لكانت أحوال متجددة من أصناف شتى في الماضي لا نهاية لها، موجودة بالفعل، لأن كل واحد منهما وجد، فالكل وجد، فيكون لما لا نهاية له من أمور متعاقبة كلية منحصرة في الوجود. قالوا: وذلك محال، وإن لم تكن كلية حاصرة لأجزائها معاً، فإنها في حكم ذلك. وكيف يمكن أن تكون حال من هذه الأحوال توصف بأنها لا تكون إلا بعد ما لا نهاية لها، فيكون موقوفاً على ما لا نهاية له، فيقطع إليها ما لا نهاية له. ثم كل وقت يتجدد يزداد عدد تلك الأحوال، وكيف يزداد عدد ما لا نهاية له؟ ومن هؤلاء من قال: إن العالم وجد حين كان أصلح لوجوده، ومنهم من قال: لم يمكن وجوده إلا حين وجد. ومنهم من قال: لا يتعلق وجوده بحين وشيء آخر، بل بالفاعل، ولا يسأل عن لم؟. فهؤلاء هؤلاء. وبإزاء هؤلاء قوم من القائلين بوحدانية الأول، يقولون:

стр. 3544

إن واجب الوجود بذاته واجب الوجود في جميع صفاته، وأحواله الأولية، وإنه لن يتميز في العدم الصريح حال أولى به فيها ألا يوجد شيئاً، أو بالأشياء ألا توجد عنه أصلاً، وحال بخلافها ولا يجوز أن تسنح له إرادة متجددة إلا لداع، ولا أن تسنح جزافاً. وكذلك لا يجوز أن تسنح طبيعة أو غير ذلك بلا تجدد حال. وكيف تسنح إرادة لحال تجددت، وحال ما تجدد، كحال ما تمهد له التجدد فيتجدد؟ وإذا لم يكن تجدد كانت حال ما لم يتجدد شيء حالاً واحدة مستمرة على نهج واحد. وسواء جعلت التجدد لأمر تيسر أو لأمر زال مثلاً كحسن من الفعل وقتاً ما تيسر، أو وقت معين، أو غير ذلك مما عد، أو لقبح كان يكون له، أو كان قد زال، أو عائق أو غير ذلك كان فزال. قالوا: فإن كان الداعي إلى تعطيل واجب الوجود عن إفاضة الخير والوجود هو كون المعلول مسبوق العدم لا محالة، فهذا الداعي

стр. 3545

ضعيف قد انكشف لذي الإنصاف ضعفه، على أنه قائم في كل حال، وليس في حال أولى بإيجاب السبق من حال. وأما كون المعلول ممكن الوجود في نفسه، واجب الوجود لغيره، فليس يناقض كونه دائم الوجود بغيره، كما نبهت عليه. وأما كون غير المتناهي كلاً موجوداً، ككون كل واحد وقتاً ما موجوداً، فهو توهم خطأ، فليس إذا صح على كل واحد حكمه، صح على كل محصل، وإلا لكان يصح أن يقال: الكل من غير المتناهي يمكن أن يدخل في الوجود، لأن كل واحد يمكن أن يدخل في الوجود، فيحتمل الإمكان على الكل، كما يحمل على كل واحد. قالوا: ولم يزل غير المتناهي من الأحوال التي يذكرونها معدوماً إلا شيئاً بعد شيء، وغير المتناهي المعدوم قد يكون فيه أقل وأكثر. ولا يثلم ذلك كونها غير متناهية في العدم. وأما توقف الواحد منها على أن يوجد قبله ما لا نهاية له،

стр. 3546

واحتياج شيء منها إلى أن يقطع إليه ما لا نهاية له فهو قول كاذب. فإن معنى قولنا: توقف على كذا، هو أن الشيئين وصفا معاً بالعدم، والثاني لم يكن يصح وجوده إلا بعد وجود المعلول الأول، وكذلك الاحتياج. ثم لم يمكن البتة، ولا في وقت من الأوقات، يصح أن يقال: إن الأخير كان متوقفاً على وجود ما لا نهاية له، أو محتاجاً إلى أن يقطع إليه ما لا نهاية له، بل أي وقت فرضت وجدت بينه وبين كون الأخير أشياء متناهية، ففي جميع الأوقات هذه صفته، لا سيما والجميع عندكم وكل واحد واحد، فإن عنيتم بهذا التوقف أن هذا لم يوجد إلا بعد وجود أشياء كل واحد منها في وقت آخر لا يمكن أن يحصى عددها، وذلك محال، فهذا نفس المتنازع فيه، أنه ممكن أو غير ممكن، فكيف يكون مقدمة في إبطال نفسه؟ أبان يغير لفظها بتغير لا يتغير به المعنى؟ قالوا: فيجب من اعتبار ما نبهنا عليه أن يكون الصانع الواجب الوجود غير مختلف النسب إلى الأوقات والأشياء الكائنة عنه كوناً أولياً،

стр. 3547

وما يلزم من ذلك الاعتبار لزوماً ذاتياً، إلا ما يلزم من اختلافات تلزم عندها فيتبعها التغير، فهذه هي المذاهب وإليك الاعتبار بعقلك دون هواك، بعد أن تجعل واجب الوجود واحداً. شرح الرازي لكلام ابن سينا قلت: والرازي قد شرح هذا الكلام إلى أن وصل إلى آخره، وهو قوله: وإليك الاختيار بعقلك دون هواك، بعد أن تجعل واجب الوجود واحداً. وقال: فاعلم أن الغرض منه الوصية بالتصلب في مسألة التوحيد. ولكنه يكون كلاماً أجنبياً عن مسألة القدم والحدوث، وإن كان الغرض منه إنما هي المقدمة التي منها يظهر الحق في مسألة القدم والحدوث فهو ضعيف، لأن القول بوحدة واجب الوجود لا تأثير له في ذلك أصلاً، لأن القائلين بالقدم يقولون: ثبت إسناد الممكنات بأسرها إلى الواجب بذاته، فسواء كان الواجب واحداً أو أكثر من واحد، لزم من كونه واجباً دوام آثاره وأفعاله. وأما القائلون بالحدوث فلا يتعلق شيء من أدلتهم بالتوحيد والتتنية، فثبت أنه لا تعلق لمسألة القدم والحدوث بمسألة التوحيد.

стр. 3548

تعليق ابن تيمية قلت: لقائل أن يقول: بل ابن سينا عرف أن قوله لا يتم إلا بما ادعاه من التوحيد الذي مضمونه نفي صفات الرب وأفعاله القائمة بنفسه، كما وافقه على ذلك من وافقه من المعتزلة، وبموافقتهم له على ذلك استطال عليهم، وظهر تناقض أقوالهم، وإن كان قوله أشد تناقضاً من وجه آخر. لكنه صار يحتج على بطلان قولهم بما اشتركوا هم وهو فيه من نفي صفات الله الذي هو أصل الجهمية. وهكذا هو الأمر. فإن حجة القائلين بقدم العالم، التي اعتمدها أرسطو طاليس وأتباعه، كالفارابي وابن سينا وأمثالهما، لا تتم إلا بنفي أفعال الرب القائمة بنفسه، بل وتبقى فاته، وإلا فإذا نوزعوا في هذا الأصل بطلت حجتهم، وإذا سلم لهم هذا الأصل صار لهم حجة على من سلمه لهم، كما أن عليهم حجة من جهة أخرى. ولهذا كان مآل القائلين بنفي أفعال الرب الاختيارية القائمة به في مسألة قدم العالم: إما إلى الحيرة والتوقف، وإما إلى المعاندة والسفسطة، فيكونون إما في الشك وإما في الإفك. ولهذا كان الرازي يظهر منه التوقف في هذه المسألة في منتهى بحثه ونظره، كما يظهر في المطالب العالية، أو يرجح هذا القول تارة، كما رجح القدم في المباحث المشرقية، وهذا تارة، كما يرجح الحدوث في الكتب الكلامية. وابن سينا وصى بالأصل المتضمن نفي صفات الرب وأفعاله القائمة به. ثم ذكر القولين في قدم العالم وحدوثه، مع ترجيحه القدم، مفوضاً إلى الناظر الاختيار، بعد أن يسلم الأصل الذي به يحتج على القائلين بالحدوث.

стр. 3549

ونحن نبين إن شاء الله أن قوله، مع تسليم نفي الصفات والأفعال القائمة بالله، أشد فساداً وتناقضاً من قول القائلين بالحدوث، فإن كان في قول هؤلاء ما يناقض صريح العقل، ففي قول أصحابه من مناقضة المعقول الصريح ما هو أشد من ذلك. وذلك أنه إذا كانت الذات بسيطة ليس لها فعل يقوم بها أصلاً، بل كان امتناع صدور الأمور المختلفة، والحادثة عنها بوسط أو بغير وسط دائماً، أشد امتناعاً من صدور ذلك بعد أن لم يصدر، فإنه إن أمكن أن يحدث عنها حادث بلا سبب محدث منها، أمكن حدوث الحوادث عنها بعد أن لم تحدث، وإن لم يمكن كان حدوث الحوادث المختلفة عنها، بوسط أو غير وسط دائماً من غير فعل منها، هو أبعد في الامتناع من صدور المختلفات عنها بعد أن لم تصدر. ولهذا كان أرسطو طاليس مقدم هؤلاء لم يذكر علة فاعلة لحدوث الحركة، وإنما ذكر أن سبب الحوادث الحركة الفلكية وما يحدث عنها، وذكر لذلك علة غائية. فذكر أن كل متحرك فلا بد له من محرك يحركه، وجعل الأول يحرك الفلك، كما يحرك الإمام المقتدى به المشبه به للمأموم المقتدى المتشبه، وقد يشبه ذلك، كما يحرك المعشوق عاشقه. ومعلوم أن هذا التحريك ليس هو بفعل من المحرك، ولا قصد، وتلك الحركة حادثة بعد أن لم تكن، فنسأل عن الفاعل لتلك الأجسام الممكنة، فإن الممكن وإن كان قديماً لا بد له من فاعل، فما الفاعل لها؟ ونسأل عن العلة الفاعلة لتلك الحوادث، فإن المتحرك ممكن، فالمحرك إذا كان أموراً تحدث في ذاته، كما يقولونه في تصورات النفس الفلكية وشوقها، قيل لهم: فما المحدث لتلك التصورات والارادات شيئاً بعد

стр. 3550

شيء، وهي أمور ممكنة كانت بعد أن لم تكن، وهي قائمة بممكن هو مفتقر إلى غيره، ليس بواجب بنفسه. معلوم أن الحركة لا يكفي في حدوثها العلة الغائية، بل لا بد من العلة الفاعلية، ومعلوم أن افتقار الفعل إلى الفاعل، إن لم يكن مثل افتقاره إلى الغاية لم يكن دونها، بل العقل يعلم افتقار الفعل الحادث إلى الفاعل قبل علمه بافتقاره إلى الغاية. وأرسطو وأتباعه إنما زعموا افتقاره إلى الغاية المنفصلة عنه، ولم يذكروا احتياجه إلى الفاعل المنفصل عنه. ومعلوم أن الموجب لحدوث الحركة يحدثها شيئاً بعد شيء، فلا بد له من محدث منفصل، كما أنه لا بد له من غاية منفصلة بطريق الأولى، فإن جوز المجوز أن يكون هو المحدث لفعله، من غير افتقار إلى شيء منفصل مع كونه ممكناً، فلنجوز أن يكون هو غاية لنفسه من غير افتقار إلى شيء منفصل مع كونه ممكناً، وذلك ممتنع عندهم. وأيضاً فمن المعلوم أن الممكن الذي ليس له شيء من نفسه، بل ذاته، نفسها من غيره يمتنع أن يكون شيء من أفعاله من نفسه، بدون افتقاره في ذلك إلى غيره، كما يمتنع أن تكون صفاته وأبعاضه من نفسه، من غير افتقار في ذلك إلى غيره. فإن ما به يعلم أن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون بنفسه موجوداً، يعلم أن سائر ما يحصل له من الصفات والأفعال لا تكون بنفسه، فإن ما لا يوجد بنفسه بل بغيره، كيف يكون موجداً لغيره بنفسه بدون غيره؟

стр. 3551

والكلام في هذه المسألة من جنس الكلام في مسألة خلق أفعال العباد، فكلما نعلم أن الله خالق أفعال العباد نعلم أنه خالق حركات الفلك إذا قدر أنها اختيارية، وإن قدر أنها اختيارية كان الأمر أولى وأولى، فإن القدرية تنازع في الأول، لا تنازع في الثاني. وليس القائل أن يقول: إن هؤلاء الفلاسفة، كأرسطو وأتباعه، قد يسلكون في حركات الأفلاك الاختيارية مسلك القدرية، الذين لا يقولون: إن الله خالق أفعال العباد. لأنه يقال: أولاً: ليس هذا مذهبهم، بل عندهم أن أفعال الحيوان وغير ذلك من الممكنات صادرة عن واجب الوجود، وهذا هو الموجود في كتب الذين نقلوا مذهبهم، كابن سينا وأمثاله. وأيضاً فيقال لهم: إما تجوزوا على الحي أن يحدث الأفعال من غير سبب من خارج يقتضي حدوث تلك الأفعال، لست أعني من غير مقصور يحدث، بل من غير مقتض للفعل، وإما ألا تجوزوه. فإن لم تجوزوا على الحي ذلك، لزمكم أن الفلك الحي عندكم لا تحدث حركته إلا بسبب منفصل، يكون مقتضياً لفعل الحدوث، لا يكفي أن يكون ذلك متشبهاً به. ثم القول في حدوث اقتضاء ذلك المقتضى، كالقول في حدوث حركة الفلك، فيلزم أن يكون فوق الفلك سبب فاعل للحوادث، وذلك يبطل قولهم. فإنه ليس عندهم فوق الفلك حركة ولا فعل بوجه من الوجوه. وإن جوزوا على الحي أن يحدث الأفعال بغير سبب حادث من غيره،

стр. 3552

لم يمتنع حينئذ حدوث العالم من الحي بدون سبب حادث عن غيره. كلام ثابت بن قرة في تلخيص ما بعد الطبيعة وتعليق ابن تيمية عليه فذكر أرسطو طاليس في كتاب ما بعد الطبيعة وهو العلم الإلهي، الذي هو أصل حكمتهم، نهاية فلسفتهم، فيما حكاه عنه ثابت بن قرة، فإنه قال في كتاب تلخيص ما أتى به أرسطو طاليس فيما بعد الطبيعة: إن أرسطو طاليس يأتي في كتابه هذا بأقاويل فيها إغماض، يرمي فيها إلى غرض واحد، إذا وفى حقه من الشرح والبيان، قبل على هذه الجهة، مما جرى الأمر فيه على صناعة البرهان، سوى ما جرى من ذلك مجرى الإقناع. وقال: إنما عنون أرسطو كتابه هذا بما بعد الطبيعة، لأن قصده فيه: البحث عن جوهر غير متحرك، وغير قابل للشوق، إلى شيء خرج عن ذاته. وقال: إن الجوهر الجسماني كله الوجود مبتدأ لمتكون، إنما قوامه بطبيعته الخاصة به، وطبيعته الخاصة به إنما قوامها بصورته الخاصة به، وصورته الخاصة به المقومة لذاته، إنما قوامها بحركته الخاصة به، وكل متحرك بحركة خاصة به، فإنما يتحرك إلى تمام وتمام كل واحد من الأشياء ملائم لطبيعته، وموافق لها. وكل متحرك إلى ما لاءمه، ووافق

стр. 3553

طبيعته، فبالشوق والمحبة والتوق منه إليه يتحرك، والشيء المتشوق إليه، علة لحركة المتحرك إليه بالشوق، والشيء المشتاق معلول له من جهة تلك العلة، وفي تلك الحركة، وحركة كل واحد من الأجسام، فتنساق كلها، وترتفع إلى محرك أول لا يتحرك كما بين أرسطو ذلك في كتابه المعروف بـ السماع الطبيعي. لأنه وإن وجد بعضها يحرك بعضاً، فالمتحرك الأقصى متحرك عن محرك غير متحرك، والمحرك الأول علة الصورة المقومة لجوهر كل واحد من الأشياء المتحركة حركة خاصية، فقوام جوهر كل واحد من الأشياء المتحركة، ليس له في ذاته، لكنه من الشيء الذي هو السبب الأول في حركته. فيقال لهم: هب أن الحركة الإرادية لا تتصور إلا بمحبوب منفصل عنها، لكن إذا كان المتحرك ليس واجباً بنفسه، لا هو ولا حركته، فما الموجب له ولحركته؟ وأنتم لم تجعلوا المحرك الأول محركاً إلا من جهة كونه محبوباً معشوقاً، لا من جهة أنه فعل شيئاً أصلاً. قال ثابت: وكذلك ما يقول أرسطو طاليس: إن كل ما يتحرك فحركته بالشوق إلى شيء، والصورة الأولى فيما هو في الكون، وفيما هو موجود الحركة الخاصة به، فالمحرك الأول إذن هو المبدأ والعلة في وجود صور الجواهر الجسمانية كلها وبقائها، إذ كنا متى توهمنا ارتفاع وجود الحركة الطبيعية، وإن شئت أن تقول: القوي من كل واحد من الأجسام التي له، فسد جوهره لا محالة.

стр. 3554

ثم ذكر سؤالاً وجواباً مضمونه: إن الجوهر الجسماني لا قوام له إلا بطبيعته التي قوامها بحركته الخاصة به. قال: فإن ظن أحد أن هذا الجوهر إذ قدرت صورته الطبيعية باطلة منه، انحل إلى شيء آخر أبسط منه، ليس في طبيعته حركة خاصة به، فيكون حينئذ في ذاته، لا معلول، لكن المركب فيه معلول. فأرسطو طاليس يقول: إن هذا الظن باطل محال، لأن ذلك البسيط إنما يوجد حينئذ في الوهم الفكري فقط. فأما في خاصة نفسه مفرداً، فلا وجود له بالحقيقة، لا قوام لذاته. وليس بهذا المعنى فقط يترك هذا الظن، لكنه يرى أنه يوجد في ذلك البسيط الذي ينحل إليه الجوهر الجسماني في الوهم، إذا توهمنا فساد صورته تلك، قبول صورة أخرى، فهو معلول في ذلك القبول من المحرك الأول. فإن ظن ظان أنه معلول من جهة ذلك القبول فقط، قلنا: فإن أنزلنا إزالة ذلك القبول نفسه من أنه قد بطل، وجب أن تبطل ذاته، يعني فتفسد وتنحل طبيعته التي بها هو حينئذ ما هو، إذ كانت ذاته تلك حينئذ إنما هي التي في طبيعتها القبول. فإن قيل أيضاً: إنها تنحل إلى شيء آخر كان الجواب فيه كما أجبنا في الانحلال الأول، وليس يمكن أن ينحل هذا دائماً إلى ما لا نهاية له. قال: فقد تبين من هذا أن كل جوهر جسماني معلول في جوهره، ووجوده، وبقائه للعلة التي هي المبدأ الأول بحركة الجميع. قلت: فهذا هو تقريرهم لوجود العلة الأولى، التي هي المبدأ الذي

стр. 3555

يسميه المتأخرون: واجب الوجود بذاته، وهي طريقة المتقدمين من المشائين. وأما الطريقة المشهورة عند المتأخرين: وهي الاستدلال بمطلق الوجود على الواجب، فهذه هي التي سلكها ابن سينا ومتبعوه، ثم هذه طريقة أرسطو وأتباعه المشائين: مضمونها أن كل جسم لا يتقوم إلا بطبيعته، ولا تتقوم طبيعته إلا بحركة إرادية، لا تتقوم تلك إلا بمحبوب معشوق لا يتحرك، ثم إن أرسطو أورد على نفسه سؤالاً بأنه يمكن تقدير بطلان طبيعة الجسم الخاصة وبطلان حركته، بانحلاله إلى شيء أبسط منه، فلا يكون المحرك علة لذاته، بل علة للتركيب فقط. وأجاب بأن البسيط إنما يوجد في الذهن لا في الخارج. وأجاب أتباعه بجواب ثان، وهو أنه يكون فيما انحل إليه قبول، والقبول حركة. وهذا الجواب ساقط، فإنه إذا قدر أن فيه قبولاً، لم يجب أن يكون ذلك حركة إرادية شوقية. وإذا لم تكن الحركة إرادية شوقية لم يستلزم وجود محبوب، بل يستلزم وجود فاعل مبدع. وهم لم يثبتوا ذلك. وكذلك تقدير أرسطو تقدير فاسد، فإنه إذا قدر أن الحركة لا تتم إلا بطبيعة تستلزم الحركة الإرادية، مع أن في تقدير هذا كلاماً ليس هذا موضع بسطه، لكن بتقدير أن هذا سلم له، فغاية ما في هذا أن يكون الجسم المتحرك بالإرادة مفتقراً إلى المعشوق الذي هو غايته وأنه لا يتم وجوده إلا به، فيكون وجوده شرطاً في وجوده، بأن يقال: لا قوام للجسم إلا بطبيعته، ولا قوام لطبيعته إلا بحركته، ولا قوام لحركته إلا

стр. 3556

بالمحرك المنفصل الذي هو محبوب معشوق، فغاية ما في هذا أنه لابد من وجود محبوب معشوق، ولا يمكن وجود الجسم المتحرك إلا به، لكن مجرد المحبوب المنفصل لا يكفي في وجود الجسم الممكن الذي ليس بواجب بذاته، ولا في وجود طبيعته، ولا في وجود احتياجه إلى المبدع لذلك، ولا دليلاً على وجود المبدع لذلك كله، بل اكتفوا بوجود المعشوق المنفصل. وهذا مقام يتبين فيه جهل هؤلاء القوم وضلالهم، لكل من تدبر نصوص كلامهم الموجود في كتبهم، الذي ينقله أصحابه عنهم، فإنا نحن لا نعرف لغة اليونان، ولم ينقل ذلك عنهم بإسناد يعرف رجاله، ولكن هذا نقل أئمة أصحابهم الذين يعظمونهم ويذبون عنهم بكل طريق. وقد نقلوا ذلك إلينا وترجموه باللسان العربي، وذكروا أنهم بينوه وأوضحوه وقدروه وقربوه إلى أن تقبله العقول ولا ترده، فكيف إذا أخذ الكلام أولئك على وجهه؟ فإنه يتبين فيه من الجهل بالله، أعظم مما يتبين من كلام المحسنين له. ولا ريب أن الفلاسفة أتباع أرسطو يقل جهلهم ويعظم علمهم، بحسب ما اتفق لهم من الأسباب التي تصحح عقولهم وأنظارهم، فكل بالنبوات أعلم وإليها أقرب، كان عقله ونظره أصح. ولهذا يوجد لابن سينا من الكلام ما هو خير من كلام ثابت بن قرة ويوجد لأبي البركات صاحب المعتبر من الكلام ما هو خير من كلام ابن سينا. وكلام أرسطو نفسه دون كلام هؤلاء كلهم في الإلهيات.

стр. 3557

ثم إنهم مع أنهم لم يذكروا المبدع للأجسام الممكنة المتحركة، اللهم إلا أن يكون هؤلاء قائلين بأن الأجسام الفلكية المتحركة واجبة الوجود بنفسها، وأنها مع ذلك مفتقرة إلى المحرك الأول. وهذا حقيقة قول أرسطو، فهذا أعظم في التناقض، فإنه إذا قدر إن الأجسام الفلكية واجبة الوجود بنفسها، وهي متحركة حركة تفتقر فيها إلى غيرها، كان واجب الوجود متحركاً مفتقراً في حركته إلى غيره. وحينئذ فكونه متحركاً لا يفتقر في حركته إلى غيره أولى، فإنهم حينئذ يكونون قد أثبتوا واجباً بنفسه لا يتحرك أصلاً، وواجباً بنفسه يفتقر في الحركة إلى محبوب غيره، لا قوام له إلا به. وحينئذ فإثبات واجب يتحرك لا يفتقر في الحركة إلى غيره، أولى بالإمكان من هذا، فإن كلاهما متحرك، لكن هذا يفتقر إلى غيره، وهذا مستغن عنه. هم قد جعلوا على هذا التقدير واجب الوجود بنفسه اثنين: واجباً لا يفتقر إلى غيره، وواجباً يفتقر إلى غيره. فإذا قدر واجباً يتحرك بنفسه لنفسه، من غير افتقار إلى غيره، كان أولى بالجواز، ولم يكن في ذاك محذور، إلا لزمهم فيما أثبتوه ما هو أشد منه، وسيأتي تمام كلامهم في ذلك، وقولهم: إن الجسم لا يجوز أن يتحرك بنفسه حركة لا نهاية لها. فهذا فصل، وهنا فصل ثان، وهو أنهم مع إثباتهم لكون الفعل معلولاً، إنما أثبتوه بكونه محتاجاً إلى معشوق يكون هو مبدأ الحركة الإرادية، من جهة كونه غاية لا فاعلاً، وليس في هذا ما يدل على أن الفلك له علة مبدعة فاعلة له، كما لا يخفى على عاقل.

стр. 3558

ثم ادعوا أن ذلك المعشوق الذي هو العلة الغائية لا يجوز أن يكون متحركاً، ولا له حركة أصلاً. ومن هنا قالوا بقدم العالم، إذ كان حدوث المحدثات يقتضي حركة يحدث بها، فمنعوا حدوث الحوادث عن المعشوق الذي سموه المحرك الأول، لئلا يكون فيه تغير. وحدوث الحوادث عن علة لا تغير فيها ممتنع بصريح العقل. وكلامهم في ذلك في غاية التناقض. وهذا منتهى نظر القوم وعلمهم وحكمهم. فلما قال: فقد تبين من هذا أن كل جوهر إنساني معلول في جوهره ووجوده وبقائه للعلة التي هي المبدأ لحركة الجميع فهذا كلامهم. قلت وقد عرف أنه لم يبين، إن سلم له ما ذكره من المقدمات، إلا أنه لا بد للحركة من محرك، ولم يبين بعد أن المحرك لا يتحرك، ولا أن المحرك للأجسام أمر منفصل عنها. فقال في بيان ذلك: ولأنه ليس يلزم أن يكون كل عدم أقدم بالزمان من الوجود، فيما علة وجوده شيء غيره، ولا كل الأنظام أقدم من النظام، ولا كل بسيط أقدم من المركب، لأنه ليس كل ما كان تقدمه لغيره، فإن قوام غيره به وبسببه، أو وجود غيره عنه، وجب أن يكون متقدمه في الزمان، وكذلك ما يقول أرسطو طاليس: إن الأفضل في المبدأ الأول ما يوجد الأمر عليه، من أنه علة وجود كل موجود، وسبب بقاء كل باق منذ الأبد، من غير أن يكون إنما صار كذلك في زمان، وبعد أن لم يكن كذلك، إذ ليس موجود ولا شيء له بقاء إلا به.

стр. 3559

وقال: وذلك أنه لم يزل، ولا وجود ولا قوام للفلك ولسائر الأجسام الطبيعية إلا بالمبدأ الأول، يعني المحرك الأول، إذ صورة كل واحد منها هي حركته الخاصة به، وحركته الخاصة به هي المقومة لجوهره، التي بارتفاعها يرتفع وجوده. فإذن المحرك الأول علة وجود هذه الحركة. قال: فهذا هو الأفضل من أن تكون العلة الأولى علة وجود العالم في زمان. فيقال له: أنت لم تذكر إلا أنه لا وجود للجسم المتحرك إلا بحركته، وهذا إذا سلم لك لم يدل على أنه مبدع وفاعل له أصلاً، بل ولا يثبت أن له غاية منفصلة عنه، بل ادعيت ذلك دعوى. نعم: إذا ثبت أن الحركة إرادية فلا بد لها من مراد، أما أن كون المراد منفصلاً عن المتحرك أو غير منفصل، فهذا يحتاج إلى دليل ثان ولم تبينه، ثم إذا بينته يلزم افتقار المتحركات إليه، وكونه شرطاً في وجودها لا يقتضي كونه مبدعاً لها وفاعلاً لها، إذ مجرد العلة الغائية من هذه الجهة، لا تكون هي الفاعلة المبدعة بالضرورة وواتفاق العقلاء، وهم لم يدعوا ذلك. لكن لو قال قائل غيرهم بجواز أن يكون الأول غاية وفاعلاً، قلنا: نعم، لكن هذا ينقض ما بنوه من حيث يكون فاعلاً للحوادث مبدعاً لها، وهم يأبون ذلك، حيث يكون فيه جهتان: جهة كونه مراداً محبوباً، وجهة كونه فاعلاً مبدعاً. وهذا إذا قيل: إنه حق، أفسد أصولهم ومذهبهم. والمسلمون لا ينكرون أن يكون الله رب كل شيء وإلهه، فهو من

стр. 3560

جهة كونه رباً هو الخالق المبدع الفاعل، ومن جهة كونه إلهاً هو المعبود المألوه المحبوب. لكن هذا القول الذي يقوله المسلمون ينقض قولهم ويبطله، فثبت بطلان قولهم على ما ذكروه، وعلى ما يقوله المسلمون. فتبين أن قوله: إن الأفضل في الأول ما يوجد الأمر عليه من أنه علة وجود كل موجود كلام مبني على محض الدعوى والكذب. أما الدعوى: فإنه ادعى أن المتحرك لا بد له من معشوق منفصل. وأما الكذب: فقوله: إن ذلك هو العلة في وجود المتحرك، وإنما هو مجرد شرط، وغايته أن يكون جزءاً من أجزاء العلة في وجوده. فهذا إذا سلمت المقدمات كلها، وهو أن الفلك يتحرك بالإرادة، وأن المتحرك بالإرادة لا وجود له إلا بحركته، وأن حركته لا بد لها من معشوق منفصل -لم يثبت إلا مجرد كون ذلك شرطاً في وجوده، لا علة تامة لوجوده، فكيف إذا قيل: إن المقدمات الثلاث باطلة، كما هو مذكور في موضعه؟ ثم قال: فهذا هو الأفضل من أن تكون العلة الأولى علة وجود هذا العالم في زمان. قال: وكان يجب من هذا أن الأشياء الموجودة لم يكن لها بتة وجود ثم أخرجت إلى الوجود، فيلزم من ذلك أن يكون لوجود العالم علة أخرى مشاركة للعلة الأولى فيه، أو فوق العلة الأولى، لأنه إن لم يكن للعلة الأولى في إخراج العالم إلى الوجود أمر من الأمور، ولا ها هنا علة تعين، أو تدعو العلة الأولى إلى إخراج العالم إلى الوجود غير ذاتها، ولا علة ترتبها

стр. 3561

وتعوقها، فليس لتأخر وجود العالم عن وجود ذات العلة الأولى سبب يوجبه، فكيف يمكن أن يتأخر وجود زماناً بلا نهاية، ثم يخرج إلى الوجود، كحال من كان نائماً فانتبه؟. فيقال لهؤلاء الذين مثلهم، كما قال عبد الله بن عمر، لما سأله بعض الناس عن المحرم يقتل البعوض: انظروا إلى هؤلاء يسألون عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن بنت رسول الله ﷺ !. وكما يقال عن بعض الناس إنه كان يزني بامرأة وهو صائم، فقال لها: غطي وجهك فقد كره العلماء القبلة للصائم. وكما يقال عن بعض النصارى، إذ قال لبعض المسلمين: أنتم تقولون: إن راعياً هو رسول الله، فيقال له: أنتم تقولون: إن جنيناً في بطن أمه هو الله. ونظائر هذه الأمثال كثيرة، التي ينكر فيها الرجل شيئاً، وقد التزم ما هو أولى بالإنكار منه. فإن هؤلاء قالوا: إذا كان العالم محدثا بعد أن لم يكن، لزم افتقار العالم إلى شيء غير العلة الأولى. وهم لم يذكروا أن العلة الأولى أبدعت العالم أصلاً، بل قولهم مضمونه: إن العالم أبدعه غيرها، أو هو واجب آخر بنفسه ليس هو مبدع، ولكن هو محتاج إليها احتياج المحب إلى محبوبه. وهم لم يثبتوا هذا الاحتياج إلا بمقدمات، إذا حقق الأمر عليهم فيها ظهر جهلهم وتناقضهم. فغاية ما أثبتوه ليس فيه أن العالم إبداع الأول أصلاً، مع أنهم ينكرون على من جعله محدثاً للعالم، لكون الحادث يفتقر إلى سبب حادث، فهل يكون أعظم تناقضاً من مثل هذا القول؟!

стр. 3562

ثم يقال: الأجسام المتحركة: إما أن تكون -أو شيء منها- واجب الوجود بذاته، وإما ألا تكون ولا شيء منها واجب الوجود بذاته. فإن كان منها شيء واجب الوجود بذاته، بطل ما أثبتوه من أن الواجب بنفسه، وهو العلة الأولى، لا يمكن أن يتحرك، إذ كان على هذا التقدير قد قيل: إن شيئاً واجباً بنفسه هو متحرك. وعلى هذا التقدير فلا يبقى لهم طريق إلى إثبات محرك لا يتحرك إذا أمكن أن يكون الواجب بنفسه متحركاً. وإن لم يكن في الأجسام المتحركة ما هو واجب بنفسه، فقد ثبت أن الأفلاك المتحركة كلها ممكنة مفتقرة إلى واجب يكون فاعلاً مبدعاً لها، سواء قيل: إنها قديمة أو حادثة، فإن الممكن لا بد له من فاعل، سواء قيل بقدمه أو حدوثه، إذ كان لا يكون بنفسه. ولو قيل: إنه لا فاعل له ولا مبدع، كان واجباً بنفسه، فالشيء إما أن يكون وجوده بنفسه، وإما أن يكون وجوده بغيره. فالأول هو الممكن بنفسه، والثاني هو الواجب بنفسه. وقد نازعهم من نازعهم في أن الممكن لا يجوز أن يقارن وجود الواجب، بل لا بد من تأخره عنه. لكن ليس مقصودنا في هذا المقام منازعتهم في ذلك، بل نتكلم على تقدير ما يدعونه من أن الممكن يقارن وجوده وجود الواجب، مع كونه معلولاً موجباً له صادراً عنه، وهم يسمون الواجب علة ومبدعاً وفاعلاً، وقد يسمونه محدثاً، لكن هذه تسمية بعض من أظهر الإسلام منهم، لئلا

стр. 3563

يخالف المسلمين في الظاهر، كما فعل ذلك ابن سينا وغيره. لكن بكل حال لا بد للمكن الذي لا يوجد بنفسه من موجب يوجبه، بل يوجب صفاته وحركاته، لا يكفي في وجوده مجرد وجوده محبوبه، بل لا بد من موجب لذاته وصفاته، بل وموجب لنفس حبه. ثم إذا قيل: إنه محب لشيء منفصل عنه، لزم احتياجه إلى المحبوب. وأما كون مجرد المحبوب هو المبدع له، الموجب لذاته وصفاته وأفعاله، من غير اقتضاء ولا إيجاب ولا إبداع من المحبوب، بل لمحض كونه محبوباً -فهذا مما يعرف ببديهة العقل فساده. وهم، وكل عاقل، يفرق بين العلة الغائية والعلة الفاعلة، فالمحبوب يقتضي ثبوت العلة الغائية، ولا بد من علة فاعلية، فإن جعلوا المحبوب هو العلة الفاعلية، لزم كونه مبدعاً له، وهو المطلوب، وحينئذ يخاطبون على هذا التقدير بما يبين فساد قولهم. وإن لم يجعلوه مبدعاً له لم يكن لهم دليل على إثبات علة فاعلة لوجود العالم. وقيل لهم: افتقار الممكن إلى مبدع له ولصفته ولحركته، أبين من افتقاره إلى محبوب له. قال ثابت بن قرة: وأرسطو طاليس ينكر هذا الرأي المجدد. والظن الذي يظنه كثير من الناس من أنه يلزم من رأى أرسطو: أن العالم أبدي، أن يكون غير معلول في جوهره لعلة خارجة عنه- ظن كاذب. فيقال له: الذين يظنون هذا يقولون: إن هذا لازم لأرسطو، لأنه لم يثبت أن العالم معلول بعلة فاعلة مبدعة له، وإن كان مقارناً لها. بل إنما

стр. 3564

أثبت بما ادعاه من المقدمات أنه لا بد من محبوب يتحرك لأجله، وليس مجرد كون الشيء محبوباً يوجب أن يكون علة فاعلة مبدعة لمحبة، فلهذا ألزموه ذلك. ثم هذا اللازم له: إن اعتقده وإن لم يعتقده يقتضي بطلان قوله، لأن إذا كان العالم واجباً بنفسه ليس له مبدع، مع كونه مفتقراً إلى محبوب له، كما يقوله أرسطو، لزم كون الواجب بنفسه مفتقراً إلى شيء منفصل عنه في بعض صفاته. وحينئذ فإذا قيل بأن الواجب المبدع للعالم مفتقر إلى شيء بعينه على إبداع العالم، لم يكن باطلاً على هذا القول الذي يلزم أرسطو. وأيضاً فعلى هذا التقدير إذا كان الواجب بنفسه متحركاً لغيره، فلأن يكون متحركاً لنفسه أولى وأحرى، وأرسطو أبطل كون الأول متحركاً بحجج تنقض مذهبه. قال ثابت: وأرسطو طاليس يقول: فإن كان الأمر كما يظن من رأى أن للعالم ابتداءً زمانيا، فما العلة التي أوجبت أو دعت إلى إخراج العالم إلى الوجود بعد أن لم يكن موجوداً زمانا بلا نهاية؟ وما هذه العلة الباعثة للعلة الأولى على ذلك؟ وما كانت العلة المرتبة؟. فيقال له: هذا كله يبين فساد قولك، فإنه يقال: إما أن يكون العالم واجب الوجود بنفسه، وإما أن يكون ممكناً. فإن كان واجباً بنفسه، فما العلة التي أوجبت أو دعت إلى إحداث ما فيه من الحوادث، وحركته المتحددة، وتحريكه لما يحركه؟ وما هذه العلة الباعثة للواجب بنفسه على

стр. 3565

ذلك؟ وما كانت العلة المرتبة له عن إحداث الحوادث المتأخرة؟ فإنه لا يزال تحدث فيه أمور بعد أمور، فما الموجب لتأخر هذه الحوادث بعد أن لم تكن حادثة؟ فأي شيء أجاب به عن ذلك كان جواباً له. فإن قال: ليستكمل الشروط التي بها تتم الحوادث فقد جوز أن يكون فعل الواجب الوجود لا يتم إلا بشروط تحدث، وحينئذ فيجوز أن يقال: إن الموجب لتأخر فعله للعالم لتتم شروط إحداثه للعالم، إذ كان فعل الواجب بنفسه، على هذا التقدير، قد يتوقف على الشروط التي بها يحدث. وإن قال: إن العالم ممكن. قيل له: فلا بد له من واجب فعله. وحينئذ فقد فعله على الوجه الذي هو عليه من تأخر الحوادث، فما الذي أوجب للفاعل أن يؤخر ما يحدث من الحوادث؟ وما الذي دعاه إلى إخراج الحوادث إلى الوجود بعد أن لم تكن؟ وما العلة الباعثة للفاعل إلى ذلك؟ وأيضاً فيقال لهم: إن كان ممكناً صادراً عن الواجب، فما الذي أوجب الأول أن يفعله؟ وما الذي دعاه إلى ذلك؟ فإن قالوا: مجرد ذاته المجردة أوجبت ذلك. قيل: فإذا كانت موجبة لما يصدر عنها، لا يقف شيء من فعلها على غير الذات المجردة، وجب اقتران كل ما صدر عنها بها، ووجب اقتران الصادر عن الصادر به، فحينئذ لا يتأخر شيء عن العالم، بل يكون كله

стр. 3566

بجميع أجزائه قديماً ملازماً للذات المجردة، وهو خلاف الحس والمشاهدة. وأيضاً فيقال له: فعل الأول إما أن يقف على داع، وإما أن لا يقف على داع. فإن وقف على داع، قيل لك: ما الداعي الموجب لإبداعه للعالم على ما هو عليه من الأمور المختلفة والحادثة؟ وإن لم يقف على داع جاز أن يحدث ما حدث بلا داع، ولم يجب أن يكون لفعله علة. قال ثابت: ويلزم أهل هذا الرأي أن يكون في المبدأ الأقصى الذي عنده يتناهى الأبد في ابتداء كل فعل ما هو بالقوة، وما بالقوة ليس يخرجه ما هو له بالقوة بغير علة داخلة عليه من خارج يصير معلولاً لها في تلك الجهة، لأنه إن كان ليس لإخراج ما هو له بالقوة إلى الفعل سبب غير ذاته، فيجب أن يكون وجوب ذلك الأمر بالفعل مع وجود تلك الذات المخرجة له، وذلك الشيء غير متأخر عن وجودها، وإن كان له سبب غير ذاته، فإذن تكون العلة الأولى والمبدأ الأول ليس بمبدأ أول على الحقيقة، لأنه يحتاج حينئذ إن كانت تلك حاله إلى مبدأ آخر. وأيضاً فيلزم جوهر العلة الأولى، وإن كان لها ما هو بالقوة حيناً لم يخرج إلى الفعل حيناً تغير. وهذا أمر قد أضرب عنه سائر القدماء، فينبغي أن يسلم لأرسطو طاليس أن العلة الأولى على غاية ما يمكن من التمام والكمال. وكما أنه ليس يمكن منه في مادة من المواد أن تؤخرها الطبيعة لحظة من غير أن يعمل منها أجود ما ينعمل من مثلها، ما لم يعتور ذلك شيء من خارج، كذلك يرى أرسطو طاليس أن الأمر واجب في جملة أمر العالم، أي في وجود جملته، إذ كان إمكانه لم يزل، والإمكان له بمنزلة المادة. الرد عليه من وجوه. الوجه الأول الرد عليه من وجوه. الوجه الأول فيقال له: جواب هذا من وجوه.

стр. 3567

أن يقال: خروج ما بالقوة إلى الفعل: إما أن يفتقر إلى علة من خارج وإما أن لا يفتقر. فإن لم يفتقر بطل هذا الكلام. وإن افتقر، فإما أن يفتقر إلى علة خارجة فاعلة، أو علة غائية، أو كلاهما. والافتقار إلى علة غائية وحدها غير كاف، لأن ما بالقوة إذا لم يخرج إلى الفعل إلا بعلة من خارج، فلا بد أن يكون علة لوجود كونه فاعلاً، وإلا مجرد المحبوب بدون ما به يفعل المحب مطلوبه، لا يوجب وجود الفعل. ولهذا إذا كان المحب غير قادر على الفعل. لم يتحرك إلى المحبوب، وتحركه إلى المحبوب هو ممكن ليس بممتنع ولا واجب بنفسه، والممكن لا يترجح أحد طرفيه إلا بمرجح تام يستلزم وجود الممكن، فلا بد لفاعلية الممكن من مرجح تام الفاعلية، وذلك هو الفعل، إذ مجرد الغاية ليس مرجحاً تاماً. وإن افتقر خروج ما بالقوة إلى الفعل إلى علة من خارج، علة فاعلة أو علة فاعلة وغائية. قيل له: فحركة الجوهر الجسماني حينئذ يفتقر إلى فاعل خارج عنها. وحينئذ فذاك الفاعل لم يكن فاعلاً لتلك الفاعلية في الأزل، إذ لو كان كذلك لزم وجود جميع الحركات والحوادث في الأزل، لوجود فاعلها التام، فتعين أنه صار فاعلاً لتلك الحوادث بعد أن لم يكن فاعلاً. فيلزم حينئذ إذا جعل الممكن مفتقراً إلى علة خارجة، أن تكون العلة صارت علة لفاعليته بعد أن لم تكن علة. وهذا قد يستدل به على العلية مطلقاً، سواء جعلت فاعلية أو غائية. فإنه يقال: كل ما حدث من الحوادث فإنه يمتنع وجود علته التامة في

стр. 3568

الأزل، فإذن قد حدثت عليته -علية الفاعل والغاية- بعد أن لم تكن، فيجب أن يكون الأول قد صار علة فاعلية وغائية بعد أن لم يكن لكل ما يحدث على قلولكم، وهذا يبطل ما ذكرتموه فيه. ثم يقال: إذا كان هذا جائزاً فيه، جاز أن يكون حدوث الأفلاك لحدوث علية حدوثها، وأن تكون قبلها حوادث قائمة به أو منفصلة عنه متعاقبة، ليس فيها ما هو قديم بعينه. الوجه الثاني أن يقال: لم قلت: إن ما هو بالقوة لا يخرجه فاعله بغير علة منفصلة؟ قوله: لأنه إن لم يكن لإخراجه سبب غير ذاته فيجب أن يكون مقارناً للذات، وإن كان له سبب غير ذاته، لم تكن العلة الأولى مبدأ أولاً على الحقيقة. فيقال له: وأنت لم تجعل الأول مبدأً لوجود ما سواه، بمعني أنه فاعل له مبدع، وإنما جعلته مبدأً بمعنى أنه محبوب معشوق. ومجرد كونه محبوباً معشوقاً لا يوجب وجود المحب وذاته وصفاته وأفعاله. فليس الأول على ما ذكروه وحده مبدأ، بل ما ذكرته أبعد عن كونه مبدأً، لأن كونه فاعلاً يتوقف فعله على شيء من غير أقرب إلى كونه مبدأً، من كونه ليس إلا مجرد كونه محبوباً. الوجه الثالث أن يقال: ما تعني بقولك: إن كان ليس لإخراجه سبب غير ذاته؟ أتعني به ذاتاً مجردة عن فعل يقوم بها، أم ذاتاً موصوفة بفعل يقوم بها؟

стр. 3569

فإن عنيت الأول، كان اللازم أن الذات المجردة عن الفعل ليست مبدأً أول، ولا علة أولى. وهم يلتزمون هذا، فإن الذات المجردة من الفعل لا حقيقة لها عندهم، وهم يمنعون أن يكون الأول كذلك. وإن عنيت الثاني، لم يلزم أن يكون المبدأ الأول بمبدأ أول، لأنه إذا كان مبدأً بما هو عليه من صفاته وأفعاله التي لا يحتاج فيها إلى غيره، كان هو المبدأ الأول من غير احتياج إلى غيره. الوجه الرابع أن يقال: العالم إن كان واجب الوجود بنفسه مع كونه مفتقراً إلى محبوب، كان واجب الوجود معلولاً من بعض الجهات، فجاز حينئذ أن يكون المحبوب الأول، مع وجوب وجوده بنفسه، من خارج ما به يصير فاعلاً، فإن العالم حينئذ واجب الوجود، وله من خارج ما به يصير فاعلاً. وإن كان ممكن الوجود بنفسه، لم يوجد إلا بمبدع فاعل يبدعه، فالإبداع فعل من المبدع وصنع وأنت لم تجعل الأول إلا محبوباً فقط. وأيضاً فإذا كان الأول فاعلاً مبدعاً للعالم، بما فيه من الأمور المختلفة المحدثة، امتنع أن يكون صانعاً بالفعل لها في الأزل، لأن ذلك يستلزم وجود كل من المحدثات في الأزل وهو مكابرة للحس. فيلزم أنه كان صانعاً بالقوة، ثم صار صانعاً بالفعل، من غير سبب خارج عنه، إذ الخارج عنه كله على هذا التقدير ممكن مفعول له، ففعله له لو توقف على تأثير فيه لزم الدور.

стр. 3570

ومن تدبر هذه الوجوه وما يناسبها، تبين له فساد قول هؤلاء في رب العالمين، وأن الحق ليس إلا ما جاء عن المرسلين بالعقل الصريح المبين. الرد على كلام آخر لثابت بن قرة من وجوه وأما قوله: وأيضاً فيلزم جوهر العلة الأولى تغير، وهذا أضرب عنه القدماء. فجوابه من وجوه. الوجه الأول أن صدور التغير عن غير المتغير إما أن يكون ممكناً، وإما أن يكون ممتنعاً. فإن كان ممكناً، بطلت هذه الحجة. ثم يجوز أن يقال: كان بحيث لا يصدر عنه شيء، ثم صدر عنه شيء من غير تغير، كما يقول ذلك كثير من أهل النظر. وإن كان ممتنعاً. قيل له: فالعالم المتغير: إما أن يكون صادراً عنه، وإما أن لا يكون. فإن كان صادراً عنه، لزم أن يكون متغيراً. وإن لم يكن صادراً عنه، فهو إما واجب بنفسه وإما ممكن. فإن كان واجباً بنفسه، وهو مع ذلك متغير، فقد لزم أن يكون الواجب بنفسه متغيراً. وإن كان ممكناً بنفسه، لزم أن يكون الممكن قد وجد بلا موجب. وهذا مع واتفاق العقلاء على فساده، فهو معلوم الفساد بالضرورة. ثم من جوز أن يوجد الممكن بلا فاعل، فلأن يجوز تغير الواجب أولى وأحرى، لأن هذا فيه مصير ما ليس بشيء شيئاً من غير فاعل، فلأن يصير شيئاً بفاعل متغير أولى وأحرى. الوجه الثاني قولك: هذا أمر أضرب عنه سائر القدماء لو كان

стр. 3571

هذا النقل حقاً لم ينفعك، لأنه لا حجة في إضراب من ليس بمعصوم. وأنت لو احتج عليك محتج بنصوص الأنبياء، وهو ممن يعتقد عصمتهم، وقد قام الدليل عنده على ذلك، لم تقبل حجته، فلأن لا يقبل منك قول قوم توافقه أنت على عدم عصمتهم أولى وأحرى. فكيف وهذا النقل ليس صحيحاً؟ بل كثير من القدماء ومن المتأخرين جوزوا أن تقوم بالأول أمور يشاؤها ويقدر عليها، بل صرحوا بأنه متحرك، وأنه تقوم به إرادات حادثة وعلوم حادثة وغير ذلك، كما تقدم. فإن لم يبطل قولهم بحجة عقلية لم يكن ما ذكرته حجة. الوجه الثالث أن يقال: ما تعني بالتغير؟ أتعني به استحالته كاستحالة الجسم من صورة إلى صورة؟ أو تعني به كونه يفعل ما لم يكن فاعلاً له؟ فإن عنيت الأول، منعت المقدمة الثانية. فإن المتحركات التي يخرج منها ما بالقوة إلى الفعل كالأفلاك، لا تستحيل صورتها بذلك. وإن عنيت الثاني، قيل لك: هذا لا يسمى تغيراً، أو لا نسميه تغيراً. وإذا سميته تغيراً، لم يكن في مجرد تسميتك له ولا تسميتنا له -إذا وافقناك على التسمية- ما يمنع جوازه. فإن مجرد الألفاظ لا تثبت بها المعاني العقلية، فلم قلت: إن هذا المعنى ممتنع؟ بل هذا هو نفس المتنازع فيه، لكن بدلت العبارة عنه. أفبأن

стр. 3572

بدلت العبارة عنه صادرت عليه وجعلته مقدمة في إثبات نفسه؟ ونحن لا نعني بالتغير إلا كونه يفعل ما لم يكن فاعلاً. الوجه الرابع أن يقال لك: نحن نشاهد حدوث الحوادث، وأنت تسمي ذلك إخراج ما بالقوة إلى الفعل، فلا بد حينئذ في حدوث الحوادث من إخراج ما بالقوة إلى الفعل، فمحدثها أخرج ما بالقوة إلى الفعل، والمحدث لإحداثه الذي جعله يخرج ما بالقوة إلى الفعل كذلك، وهلم جراً. فإن قدرت مع هذا محدثاً لفاعليته، غير مخرج ما بالقوة إلى الفعل، بطلت حجتك. وإن جعلت الأول أخرج ما بالقوة إلى الفعل، بطل أيضاً دليلك. وإن ادعيت أن بعض الفاعلين يخرج ما بالقوة إلى ما بالفعل دون الآخر، بطل دليلك، فهو باطل على كل تقدير. وذلك أنه يلزمه أحد أمرين، كلاهما يبطل قوله. فإنه إن أثبت فاعلاً يخرج ما بالقوة إلى الفعل، من غير سبب من خارج، أمكن أن يكون الأول كذلك، فبطل قوله. وإن لم يجوز أن يكون فاعلاً يخرج ما بالقوة إلى الفعل إلا بسبب من خارج، لزمه أن يكون كل فاعل للحوادث لم يحدث فاعليته إلا بسبب أخرج ما بالقوة إلى الفعل: فإن كان الأول كذلك، لزم التسلسل الممتنع. وإن لم يكن كذلك، كان الأول مخرجاً لما بالقوة إلى الفعل، من غير سبب من خارج، وذلك يبطل قوله.

стр. 3573

قال: فينبغي أن يسلم لأرسطو طاليس أن العلة الأولى على غاية ما يمكن من التمام والكمال. الرد على كلام آخر لثابت بن قرة فيقال له: أولاً: أرسطو لم يثبت على أولى مبدعة للعالم، ولا فاعلة له، ولا علة فاعلة له. وإنما أثبت علة غائية له، ولم يقم على ذلك دليلاً. فهو مع أنه لم يذكر إلا جزء علة لم يقم عليه دليلاً. فأي تمام وكمال أثبته للعلة الأولى؟! وأما أهل الإثبات فيقولون: نحن نثبت للأول غاية ما يمكن من التمام والكمال، بما نثبته له من صفات الكمال وأفعاله ، فنحن أحق بوصفه بالكمال، من وجوه لا تحصر. وإذا قال القائل: فلم تأخر ما تأخر من مفعولاته؟ قلنا: هو لازم على القولين، فلا يختص بجوابه. ثم يقال: الموجب لذلك ما تقول أنت في نظيره في تأخر الحوادث، مثل استجماع الشروط التي بها يصلح كون الحادث مفعولاً، أو بها يمكن كونه مفعولاً، فإن عدمه قبل ذلك قد يكون لعدم الإمكان، وقد يكون لعدم الحكمة الموجبة تأخره، إذ لا بد في الفعل من القدرة التامة والإرادة التامة المستلزمة للحكمة. وأما قوله: كما أنه ليس يمكن أن تؤخر الطبيعة فعلها في المادة القابلة إلا لعائق، فكذلك الأمر في العالم إذا كان إمكانه لم يزل. والإمكان له بمنزلة المادة.

стр. 3574

فيقال: أولاً أنت لم تثبت له فعلاً ولا إبداعاً، بل الطبيعة عندك تفعل. والأول لم يثبت إلا كونه محبوباً للتشبه به، وأثبت ذلك بلا دليل. ويقال لك: ثانياً: إن كان مجرد الإمكان موجباً لكون الممكن مقارناً للواجب، لزم أن يكون كل ما يمكن وجوده أزلياً. وهذا مكابرة للحس والعقل. فإن قلت: إن بعض الممكنات توقف على شروط، أو يكون له مانع. قيل لك: فحينئذ ما المانع أن يكون إبداع الأول للعل متوقفاً على شروط، أو له مانع، مع كون الأول لم يزل يفعل أفعالاً قائمة بنفسه، أو مفعولات منفصلة عنه، كما يقوله أساطين أصحابك من الفلاسفة المتقدمين على أرسطو أو غيرهم؟ ويقال لك: ثالثاً: إن كان العالم واجباً لنفسه، فقد تأخر كثير من أفعاله، فيلزم أن يتأخر ما يتأخر من فعل الواجب بنفسه، وإن كان ممكناً بنفسه، ففاعله قد أخر كثيراً مما فيه من الأفعال. وعلى كل تقدير فقد تأخر عن الواجب بنفسه ما تأخر من مفعولاته، فعلم أنه لا يلزم مقارنة مفعولاته كلها له، وإذا جاز تأخر ما يتأخر من مفعولاته، فلم لا يجوز أن تكون الأفلاك من ذلك المتأخر؟ قال: إلا أن قوماً يرون أنه يجب من هذا -أعني من وجوب وجود العالم مع العلة الأولى- أن لا يكون صنع إرادي للعلة الأولى في وجود

стр. 3575

العالم، كما لا صنع لها في وجود جوهرها، إذ كان وجود العالم غير ممكن تأخره عن وجود جوهر العلة الأولى، فيكون وجوده لازماً اتباعه لوجود العلة الأولى، فتكون العلة الأولى علة طبيعية للعالم ومتممة له، فيكون القياس في ذلك كالقياس فيما يفعله الفلك ويؤثره بطبيعته، إذ وجود ذلك مع وجود جوهر الفلك، لا سيما وأرسطو طاليس يقول: إن المحرك الأول هو علة حركة كل ما في الكون بالتشوق. فالأولى على ظاهر الأمر أن يكون الشيء المتشوق إليه تشوق بجهة طبيعته لا بإرادته، لأنه قد يمكن أن يكون المعشوق المتشوق إليه نائماً أو غير ذي إرادة، وهو يحرك المشتاق إليه والعاشق له، إلا أنه ينبغي أن يترك أمر العلة الأولى في جوهرها وسائر أمورها، على أفضل ما يمكن أن يكون وجود شيء عليه. فإذن ليس يؤثر جوهر هذه العلة أثراً ولا يفعل فعلاً منقلباً عن قصدها وإرادتها، ولا دون إرادتها، إذ ليس في هذه الذات نقص يحتاج فيه إلى تمام من خارج، ولا فوق جوهرها أمر تقتبس منه ازدياد في شيء من حاله، ولا يعرض لها أمر تحتاج إلى استدفاعه. فجوهرها إذن ليس فيه شوق إلى شيء، ولا منافرة لشيء، ولا قبول لتغيير، ولا لحدوث شأن متجدد له. فليس يوجد إذن أمر يحدث هذه الذات بالطبع وبغير إرادة، وليس يوجد إذن أمر يدعو هذه الذات في حال أو شأن، ليس هي المبدأ الأول له، والعلة فيه. وبالجملة فكل ما كان له ما هو الطبع على الجهة الطبيعية التي
следующие страницы →