← Акыда

Акыда · id 21506

درء تعارض العقل والنقل

ابن تيمية

Полный текст (4 031 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

بها، فما المحيل لهذا المذهب مهما وافقتهم على نفي الإرادة؟. وكما لم يشترط علم الشمس بالنور للزوم النور، بل يتبعها النور ضرورة، فليقدر ذلك في الأول، ولا مانع منه. الوجه الثاني: هو أنه إن سلم أن صدور الشيء من الفاعل، يقتضي العلم أيضاً بالصادر، فعندهم فعل الله واحد، وهو المعلول الأول، الذي هو عقل بيسط، فينبغي أن لا يكون عالماً إلا به، والمعلول الأول يكون أيضاً عالماً بما صدر منه فقط، فإن الكل لم يوجد من الله دفعة. بل بالوسط والتولد واللزوم، فالذي يصدر مما يصدر منه لم ينبغ أن يكون معلوماً له، ولم يصدر منه إلا شيء واحد، بل هذا لا يلزم في الفعل الإرادي، فكيف في الطبيعي؟ فإن حركة الحجر من فوق جبل قد تكون بتحريك إرادي يوجب العلم بأصل الحركة، ولا يوجب العلم بما يتولد منه بوساطته، من مصادمته وكسر غيره، فهذا أيضاً لا جواب له عنه.

стр. 3852

قال: فإن قيل: فلو قضينا بأنه لا يعرف إلا نفسه، لكان ذلك في غاية الشناعة، فإن غيره يعرف نفسه ويعرفه ويعرف غيره، فكيف يكون في الشرف فوقه؟ وكيف يكون المعلول أشرف من العلة؟. قلنا: فهذه الشناعة لازمة من مقال الفلاسفة في نفي الإرادة ونفي حدوث العالم، فيجب ارتكابها كما ارتكبت سائر الفلاسفة له، ولا بد من ترك الفلسفة والإعتراف بأن العالم حادث بالإرادة. ثم يقال: بم تنكرون ... إلى آخره. قلت: ما ذكره أبو حامد من منازعة إخوانه الفلاسفة، في أن العلم بنفسه يستلزم العلم بمفعولاته، تقدم بيانه له. وكون ابن سينا خالفهم في هذا، هو من محاسنه وفضائله، التي علم فيها ببعض الحق، والحجة معه عليهم، كما أن أبا البركات كان أكثر إحساناً منه في هذا الباب. فكل من أعطى الأدلة حقها، وعرف من الحق ما لم يعرفه غيره، كان ذلك مما يفضل به ويمدح، وهو لم يقل: إن عقله لنفسه مستلزم لغيره، بل قال: يستلزم عقله لمفعولاته، كما تقدم.

стр. 3853

والأصول العقلية التي يوافقونه على صحتها، توجب موافقتهم له في هذا الموضع، كما تقدم. هذا لو كان الفلاسفة ينفون الإرادة، وليس كذلك. بل بينهم من يصرح بثبوتها، وهو القول الذي نصره أبو البركات منهم. كلام ابن رشد في تهافت التهافت وتعليق ابن تيمية عليه ومنهم من يحكي إثبات الإرادة عنهم مطلقاً، كما اختاره ابن رشد عنهم، فإنه قال في تهافت التهافت: استفتح أبو حامد هذا الفصل بأن حكى عن الفلاسفة شيئاً شنيعاً، وهو أن الباري ليس له إرادة، لا في الحادث، ولا في الكل، لكون فعله صادراً عن ذاته ضرورة، كصدور الضوء من الشمس. ثم يحكي عنهم أنهم قالوا: من كونه فاعلاً يلزم أن يكون عالماً. قال: والفلاسفة ليس ينفون الإرادة عن الباري تعالى، ولا يثبتون له الإرادة البشرية، لأن البشرية إنما هي لوجود نقص في المريد، وانفعال عن المراد. فإذا وجد المراد له تم النقص، وارتفع ذلك الانفعال المسمى إرادة. وإنما يثبتون له من معنى الإرادة أن

стр. 3854

الأفعال الصادرة عنه هي صادرة عن علم، وكل ما صدر عن علم وحكمة، فهو صادر بإرادة الفاعل، لا ضرورياً طبيعياً، إذ ليس عن طبيعة العلم صدور الفعل عنه، كما حكى هو عن الفلاسفة، لأنا إذا قلنا: يعلم الضدين، لزم أن يصدر عن الضدان معاً، وذلك محال. فصدور أحد الضدين عنه، يدل على صفة زائدة على العلم، وهي الإرادة. وهكذا ينبغي أن يفهم ثبوت الإرادة في الأول عند الفلاسفة، فهو عندهم: عالم مريد عن علمه ضرورة. وقال ابن رشد أيضاً: وأما قول أبي حامد: إن الفعل قسمان: إما طبيعي وإما إرادي -فباطل. بل فعله عند الفلاسفة: لا طبيعي بوجه من الوجوه، ولا إرادي بإطلاق. بل إرادي منزه عن النقص الموجود في إرادة الإنسان. وكذلك اسم الإرادة مقول عليهما باشتراك الاسم. كما أن اسم العلم كذلك على العلمين: القديم والحادث، فإن الإرادة في الحيوان والإنسان انفعال لاحق له عن المراد، فهي معلولة عنه.

стр. 3855

هذا هو المفهوم من إرادة الإنسان، والباري سبحانه منزه عن أن يكون فيه صفة معلولة، فلا يفهم من معنى الإرادة إلا صدور الفعل مقترناً بالعلم، وأن العلم، كما قلناه، يتعلق بالضدين، ففي العلم الأول، بوجه ما، علم بالضدين، ففعله أحد الضدين دليل على أن هنا صفة أخرى، وهي التي تسمى إرادة. قلت: ابن رشد يتعصب للفلاسفة، فحكايته عنهم أنهم يقولون: إنه مريد، كحكايته عنهم إنهم يقولون: إنه عالم بالمخلوقات. ولا ريب أن كلاهما قول طائفة منهم. وأما نقل ذلك عن جملتهم، أو المشائين جملة، فغلط ظاهر. ولكن الذي انتصر لثبوت هذا وهذا انتصاراً ظاهراً أبو البركات ونحوه، وابن رشد وهو إثبات ذلك دونه، وابن سينا دونهما. ولا ريب أن كلام أرسطو في الإلهيات كلام قليل، وفيه خطأ كثير، بخلاف كلامه في الطبيعيات فإنه كثير، وصوابه فيه كثير. وهؤلاء المتأخرون وسعوا القول في الإلهيات، وكان صوابهم فيها أكثر من صواب أوليهم لما اتصل إليهم من كلام أهل الملل وأتباع الرسل، وعقول هؤلاء وأنظارهم في الإلهيات، فإن بين كلام هؤلاء في الإلهيات وكلام أرسطو وأمثاله تفاوتاً كثيراً.

стр. 3856

والمقصود أن ما ذكره أبو حامد من أنه إنما يلزم العلم بالفعل في الفعل الإرادي فكلام صحيح، وهذا يدل على أن الفعل إذا كان إرادياً، لزم كون الفاعل عالماً بفعله، فنستدل بكونه مريداً على كونه عالماً، وهو استدلال صحيح، ويقتضي أنه إذا قدر نفي اللازم، وهو العلم، انتفت الإرادة، وهو أيضاً صحيح. وكذلك ما ذكره من أن العلم لا يلزم إلا في الفعل الإرادي، لا في الفعل الطبيعي الذي ليس بإرادي، فإذا قدر فعل ليس بإرادي، لم يلزم كون الفاعل عالماً، هو كلام صحيح. وعلى هذا فإذا قدر أن الفاعل عالم، لزم أن يكون الفعل إرادياً، لأن الفعل الإرادي مستلزم للعلم، وغير الإرادي مستلزم لنفيه، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم، وإذا ثبت الملزوم ثبت اللازم. فالإرادة ملزومة للعلم، والعلم لازم لها، ونفي الإرادة ملزوم لنفي العلم، ونفي العلم ملزوم لنفي الإرادة. فإذا قدر ثبوت العلم، لزم انتفاء نقيضه، وهو نفي العلم، ولازم نقيضه، وهو انتفاء الإرادة، وإذا انتفى هذا الانتفاء، ثبت نقيضه، وهو الإرادة. وإيضاحه أن العلم لازم للإرادة، كما ذكروا أن كل مريد فهو عالم، فما ليس بعالم ليس بمريد، وهذا الذي يسمونه عكس النقيض، فإن العلم لازم للإرادة، فإذا انتفى هذا اللازم، وهو العلم، انتفى الملزوم، وهو الإرادة.

стр. 3857

وذكروا أن الفعل الذي ليس بإرادي مستلزم لنفي العلم، فإذا انتفت الإرادة في الفعل، لزم نفي العلم، فإذا انتفى هذا اللازم، وهو نفي العلم، انتفى ملزومه وهو انتفاء الإرادة، فحصلت الإرادة، فصار يلزم من ثبوت العلم في الفعل ثبوت الإرادة، ومن نفيه نفيها، ومن ثبوتها ثبوته، ومن انتفائها انتفاؤه. وهذا بين، إذ كان كل فعل بالإرادة فمعه العلم. ولك فعل ليس بإرادة فلا علم معه، فينعكس كل منهما عكس النقيض. فيقال: كل ما ليس معه علم فليس معه إرادة، وكل ما معه علم فمعه إرادة، فهذا يفيد أنه يلزم في الفعل من ثبوت كل واحد من العلم والإرادة ثبوت الآخر، ومن انتفائه انتفاؤه، وهذا حق، وهو يدل على فساد قول من أثبت العلم ونفى الإرادة، وهم بعض الفلاسفة وبعض المعتزلة. ولكن ليس في هذا ما يدل على فساد الطريق التي سلكها ابن سينا في إثبات العلم، فإنه إذا استدل على كونه عالماً بمخلوقاته: بأن الفاعل يجب أن يكون عالماً بفعله، وبأن العلم بالعلة التامة يستلزم العلم بمعلولها- كان دليلاً صحيحاً، كما تقدم تقريره، وإن لم يذكر في الدليل كونه فاعلاً بالإرادة، فإن هذا شرط في كونه فاعلاً، كما أن كونه حياً شرط في كونه فاعلاً، وكما أن كونه عالماً شرط في كونه مريداً. والدليل قد يدل على ثبوت المشروط قبل أن يعلم شرطه، ثم بعد ذلك قد يعلم بشرطه وقد لا يعلم، كما يدل الدليل على كونه فاعلاً بالاختيار، وشرط الفاعل بالاختيار أن يكون عالماً. ثم إذا علم أنه فاعل

стр. 3858

بالإرادة علم بعد ذلك أنه عالم، وقد يعلم العالم أنه مريد ولا يخطر بقلبه أنه عالم، فليس كما من علم من البشر شيئاً علم لوازمه، لقصور علم البشر، بخلاف علم الخالق الذي علمه تام، فلا يعلم الملزوم إلا ويعلم لازمه كما تقدم. وإذا كان كذلك، فالصواب في هذا الباب أن يقرر ما ذكره ابن سينا، من الطريق الدال على كونه عالماً بالمخلوقات، فإنها طريق صحيحة لا تتوقف على ما ذكروه. ولكن يقال له: هذه الطريق تستلزم كونه مريداً، فإثباتك لفاعل عالم بمفعولاته بدون الإرادة تناقض. وموجب الدليل شيء، وفساد الدليل شيء آخر. فمطالبته بموجب دليله الصحيح هو الصواب، دون القدح في دليله الصحيح. وأما ما ذكره عن إخوانه المنازعين له في العلم، حيث قالوا: ذاته ذات يلزم منها وجود الكل بالطبع والاضطرار، لا من حيث إنه عالم بها. وقوله: فما المحيل لهذا المذهب، مهما وافقهم على نفي الإرادة؟. فيقال له: المحيل لهذا المذهب ما تقدم من أن علمه بنفسه يوجب علمه بمخلوقاته. والكلام في هذا المقام بعد تقرير أنه عالم نفسه. فمن قال: إنه عالم بنفسه دون مخلوقاته، كان قوله باطلاً. وأما تقرير كونه عالماً بنفسه، فهذا مذكور في موضعه.

стр. 3859

وبهذا يظهر الجواب عن الفاعل بالطبع، كالنار والماء، فإن ذاك إنما قيل: ليس بعالم بفعله، لكونه ليس عالماً بنفسه. ولم يقل عاقل: إن ذلك الفاعل عالم بنفسه دون فعله، كما لم يقل عاقل: إنه عالم بفعله دون نفسه، إذ كان العلم بكل منهما يستلزم العلم بالآخر. وأما تمثيل ذلك بنور الشمس، فعنه جوابان. أحدهما: أن الشمس علة تامة فاعلة للنور. بل هي شرط في فيضانه، وفيضانه مشروط بوجود جسم ينعكس عليه شعاعها، والأول سبحانه هو وحدة مبدع لكل ما سواه. الثاني: أن الشمس إن قيل: إنها عالمة بنفسها، وقيل مع ذلك: إنها مبدعة للشعاع، لم نسلم أنها لا تعلم الشعاع، لكن الشأن في تينك المقدمتين. وأما قوله: مهما وافقهم لازم له. فيقال: بل الصواب أن يقال: إثباتك العلم مع نفي الإرادة تناقض يلزمه منه خطؤك: إما في إثبات العلم وإما في نفي الإرادة. وحينئذ فيقال: هؤلاء نفوا العلم والإرادة، وأنت أثبت العلم دون الإرادة، وهما متلازمان، فيلزم خطؤك: إما في إثبات العلم، وإما في نفي الإرادة. وحينئذ فيقول: أدلتي المذكورة على ثبوت العلم صحيحة توجب

стр. 3860

ثبوت العلم، وإذا كان ذلك مستلزماً للإرادة، كان خطئي في نفي الإرادة، فهذا هو الصواب، دون أن يقال: كما وافقتهم على الخطأ في نفي الإرادة، فوافقهم على الخطأ في نفي العلم. وأما قوله في الوجه الثاني: إن فعل الله واحد، وهو المعلول الأول فينبغي أن لا يكون عالماً إلا به. فيقال: إذا ثبت أن علمه بنفسه يستلزم علمه بمفعولاته، وجميع الممكنات مفعولة، لزم أن يعلمها كلها. وأما قولهم: إنه أول ما أبدع العقل الأول، فكلامهم في هذا خطأ في بيان فعله، لا خطأ في إثبات وجوب كونه عالماً بمفعولاته، ولا ريب أن قولهم في صدور الأفعال منه خطأ، لكن لا يلزم من الخطأ في ذلك الخطأ فيما به قررت كونه عالماً بمفعولاته. ثم يقال: ولا يلزم أيضاً على أصلهم أنه لا يعلم إلا العقل الأول، بل يلزم علمه بكل شيء. وذلك لأنهم تارة يقولون: صدر عنه عقل، وبتوسطه عقل ونفس وفلك، وتارة يجعلون الثاني صادراً عن الأول، وتارة يجعلون الأول شرطاً، وتارة يجعلونه مبدعاً للثاني. ومنهم من يقول بلزوم جملة الفلك له. وعلى كل تقدير فلا ريب أن علمه بالملزوم علماً تاماً يستلزم علمه باللازم. وكذلك العلم بالعلة التامة يستلزم العلم بالمعلول، كما تقدم.

стр. 3861

فأقصى ما يقدر أن الأول كان علة للثاني، فإذا كان عالماً بالأول علماً تاماً، لزم أن يعلم لوازمه، التي منها علمه بفعله للثاني، كما تقدم. فعلى كل تقدير لا يكون قول من سلبه العلم خيراً من قول من أثبته. وبهذا أجابه ابن رشد، فقال: الجواب عن هذا أن الفاعل الذي هو في غاية العلم يعلم ما صدر عما صدر منه، وما صدر من ذلك الصادر، إلى آخر ما صدر. فإن كان الأول في غاية العلم، فيجب أن يكون عالماً بكل ما صدر عنه، بوساطة أو بغير وساطة. وليس يلزم منه أن يكون علمه من جنس علمنا، لأن علمنا ناقص ومتأخر عن المعلوم. ومن فر من شناعة القول بأنه لا يعلم إلا نفسك، فهو معذور في هذا الفرار. وقوله: إن هذه الشناعة لازمة في مقال الفلاسفة في نفي الإرادة ونفي حدث العالم، فيجب ارتكابهما كما ارتكب سائر

стр. 3862

الفلاسفة. ولا بد من ترك الفلسفة، والاعتراف بأن العالم حادث بالإرادة. فيقال: إذا كان هذا لازماً لمن نفي الإرادة والحدوث، فيجب إثبات الإرادة والحدوث. فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، لا يجب إذا ترك بعض الحق أن يترك سائره، بل يجب الاعتراف به كله، وإلا فالاعتراف ببعضه خير من جحده كله. وقد تقدم تحقيق الأمر في تلازم العلم والإرادة. قال أبو حامد: ثم يقال: بم تنكر على من قال من الفلاسفة: إن ذلك يعني العلم ليس بزيادة شرف، فإن العلم إنما احتاج إليه غيره ليستفيد كمالاً، فإنه في ذاته قاصر، فشرف بالمعقولات إما ليطلع على مصالحه في العواقب في الدنيا والآخرة، وإما لتكمل ذاته المظلمة الناقضة، وكذلك سائر المخلوقات. وأما ذات الله فمستغنيه عن التكميل، بل لو قدر له علم يكمل به،

стр. 3863

لكانت ذاته من حيث ذاته ناقصة. وهذا كما قلت في السمع والبصر، وفي العلم بالجزئيات الداخلة تحت الزمان، فإنك وافقت سائر الفلاسفة على أن الله منزه عنه، وأن المتغيرات الداخلة في الزمان، المنقسمة إلى ما كان ويكون لا يعرفها الأول، لأن ذلك يوجب تغيراً في ذاته وتأثيراً. ولم يكن في سلب ذلك عنه نقصان، بل هو كمال، وإنما النقصان من الحواس والحاجة إليها، ولولا نقصان الآدمي لما احتاج إلى حواس لتحرسه عما يتعرض للتغير به. وكذلك العلم بالحوادث الجزئية: زعمتم أنه نقصان، فإذا كنا نعرف الحوادث كلها، وندرك المحسوسات كلها، والأول لا يعرف شيئاً من الجزئيات، ولا يدرك شيئاً من المحسوسات، ولا يكون ذلك نقصاناً، فالعلم بالكليات العقلية أيضاً يجوز أن يثبت لغيره، ولا يثبت له، ولا يكون فيه نقصان، وهذا لا مخرج عنه.

стр. 3864

فيقال: هذا الكلام متوجه على سبيل الإلزام والمعارضة، يظهر به تناقض من أثبت له علماً بمعلوم دون آخر، كابن سينا وأمثاله، فإنه يلزمه فيما أثبته نظير ما فر منه فيما نفاه، فإن كان ذلك حقاً، فيلزم أن لا يعلم شيئاً ولا نفسه، وإن لم يكن حقاً، فيلزم أن يعلم كل شيء. ولا ريب أن هذا هو الصواب، فهو يقول لهم: إن العلم: إن كان صفة كمال وشرف، فمعلوم أن علمه بكل شيء أكمل من علمه ببعض الأشياء، وإن لم يكن صفة كمال، فلا يثبت شيء منه. واستشهد على ذلك بأنكم نفيتم عنه السمع والبصر والعلم بالمتغيرات، فإن كان نفي ذلك نقصاً، فقد وصفتموه بالنقص، وإن لم يكن نقصاً، لم يكن نفي غيره نقصاً. وابن سينا يفرق بين علمه بالثابتات، وبين علمه بالمتغيرات، لئلا يلزم تغيره بتغير العلم. وقد بين أبو حامد بعد هذا أنه لا محذور في علمه بالمتغيرات، بل يلزمه إثبات العلم بذلك، فإثبات العلم مطلقاً هو الواجب دون نفيه، وكل ما لزم من إثبات العلم، فلا محذور فيه أصلاً، بل غايته ترجع إلى مسألة نفي الصفات والأفعال والاختيارات، فليس لهم في نفي العلم إلا ما ينشأ عن هذين السلبين. وقد بين فساد قول النفاة للصفات والأمور القائمة بذاته الاختياريات. وإذا كان علمه سبحانه بكل شيء مستلزماً لثبوت هذين الأصلين، كان ذلك مما يدل على صحتهما، كما دل على ذلك

стр. 3865

سائر الأدلة الشرعية والعقلية، فإن ثبوت العلم بكل شيء، مما هو معلوم بالاضطرار من دين المرسلين، ومما هو ثابت بقواطع البراهين. فإذا كان مستلزماً لإبطال هذين الأصلين، اللذين هما من البدع التي أحدثها الجهمية، كان هذا من الأدلة الدالة على اتفاق الحق وتناسبه، وتصديق ما جاء به الرسول، وموافقته لصريح العقل، وأنه لا اختلاف فيما جاء من عند الله، بخلاف الأقوال المخالفة لذلك، فإنها كلها متناقضة. وتدبر حجج النفاة، فإنها كلها من أسقط الحجج، كالقول الذي يقوله بعض الفلاسفة: إن العلم ليس بزيادة شرف، فلا يكون من يعلم أشرف ممن لا يعلم، ويقول: إنه إذا كان عالماً فقد جعل ناقصاً بذاته مستكملاً بغيره. أما الأول فمن القضايا البديهية المستقرة في الفطر: أن الذي يعلم أكمل من الذي لا يعلم، كما أن الذي يقدر أكمل من الذي لا يقدر. ولهذا يذكر سبحانه هذه القضية بخطاب استفهام الإنكار الذي يبين أنها مستقرة في الفطر، وأن النافي لها قال قولاً منكراً في الفطرة. كقوله تعالى: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ [الزمر: ٩] ، فإنه يدل على أنه لا يستوي الذي يعلم والذي لا يعلم، ويدل على أن التسوية منكرة في الفطر، تنكر على من سوى بينهما. كقوله تعالى: ﴿قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين﴾ [الأنعام: ١٤٣] .

стр. 3866

وقوله: ﴿قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون﴾ [يونس: ٥٩] . وقوله: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ [الأعراف: ٣٢] . وقوله: ﴿قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] . وكذلك قوله: ﴿ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون * وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم﴾ [النحل: ٧٥-٧٦] . وقوله: ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون﴾ [النحل: ١٧] . وقوله: ﴿أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى﴾ [يونس: ٣٥] . وكما أنه سبحانه في القرآن يبين أن العالم القادر الذي يخلق ويأمر بالعدل أكمل من غيره، وأن هذا التفضيل مستقر في الفطر، والتسوية من منكرات العقول التي تنكرها القلوب بفطرتها، وهي من المقدمات البديهية المستقرة فيها، فكذلك يبين أن العادم لصفات الكمال ناقص،

стр. 3867

لا يمكن أن يكون رباً ولا معبوداً، ويبين أن العلم بذلك فطري مستقر في القلوب. كقوله تعالى عن الخليل: ﴿يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا﴾ [مريم: ٤٢] . وقوله تعالى: ﴿واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين﴾ [الأعراف: ١٤٨] . وقوله: ﴿أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا﴾ [طه: ٨٩] . وقوله: ﴿والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون * أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون﴾ [النحل: ٢٠-٢١] . وقوله: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ [يونس: ١٨] . وقوله عن الخليل: ﴿أتعبدون ما تنحتون * والله خلقكم وما تعملون﴾ [الصافات: ٩٥-٩٦] . وقوله أيضاً: ﴿هل يسمعونكم إذ تدعون * أو ينفعونكم أو يضرون﴾ [الشعراء: ٧٢-٧٣] . وقوله: ﴿أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم * أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون﴾ [الأنبياء: ٦٦-٦٧] . وأمثال ذلك كثير.

стр. 3868

والمقصود هنا أن كون العلم صفة كمال، وكون العالم أكمل من الذي لا يعلم، كون عدم العلم نقصاً- هو من أبين القضايا البديهية المستقرة في فطر بني آدم. وأما قول القائل: إن العلم إنما احتاج إليه غير الله ليستفيد كمالاً: إما ليطلع على مصالحه، وإما لتكميل ذاته المظلمة. فيقال له: هذا بعينه دليل على أن الذوات لا تكمل إلا بالعلم، من جهة أنها لا تقدر أن تفعل ما تصلح إلا به، ومن جهة أنها بدونه مظلمة. والرب فاعل لكل شيء، وفاعل لكل فاعل، فهو أحق بأن يكون عالماً من كل فاعل، وذاته أكمل الذوات، فهي أحق بأن يكون لها غاية الكمال، وأن تكون برية من كل نص. وقول القائل: ذات الله مستغنية عن التكميل. كلمة حق، فإنه مستغنية عن أن يكملها أحد سواها، لكن ما هي ذات الله المستغنية عن التكميل: أهي ذات مسلوبة العلم وغيره من صفات الكمال، فلا تعلم ولا تسمع ولا تبصر؟ أم هي الذات المتصفة بهذه الصفات؟. أما الأول، فلا حقيقة لتلك الذات ولا وجود لها، فضلاً عن أن يقال: ذات الله، فإن ذاتاً لا تتصف بشيء من الصفات، إنما تعقل في الأذهان لا في الأعيان، وذاتاً لا تتصف بصفات الكمال

стр. 3869

ليست خالق المخلوقات ولا وجود لها، ولو قدر وجودها فهي من أنقص الذوات، بل كل حيوان أكمل منها، فإنا نعلم بصريح المعقول أن الحي أكمل مما ليس بحي، والعالم أكمل مما ليس بعالم، والقادر أكمل مما ليس بقادر. وقول القائل: لو قدر له ما يكمل به لكانت ذاته من حيث ذاته ناقصة قول باطل من وجوه. أحدها: أن ذاته المجردة عن الصفات لا حقيقة لها، أو نقول: لا نعلم ثبوتها، أو نعلم أن الذات المجردة عن الكمال معدومة. ولفظ ذات لفظ مولد، وهو تأنيث ذو، ومعنى ذات: أي ذات علم، وذات قدرة، وذات حياة. فتقدير ذات بلا صفات، تقدير المضاف المستلزم للإضافة بدون الإضافة. ولهذا أنكر طائفة من أهل العربية كابن برهان والجوليقي النطق بهذا اللفظ، وقالوا: هذا مؤنث، والرب لا يجري عليه إسم مؤنث، ولكن الذين أطلقوه عنوا به نفسا ذات علم، أو حقيقة ذات علم. وفي الجملة فتقدير الذات ذاتاً مجردة عن الصفات، هو الذي أوقعه في هذه الخيالات الفاسدة.

стр. 3870

وقوله: الذات من حيث ذاته: إن أراد به أن الذات من حيث هي لا صفة لها، فهذه لا وجود لها، فصلاً عن أن تكون كاملة. وإن أراد من حيث حقيقتها الموجودة، فهي من تلك الجهة لا تكون إلا متصفة بصفات الكمال. قوله: وهذا كما قلت في السمع والبصر والعلم بالجزئيات الداخلة تحت الزمان، فإنك وافقت سائر الفلاسفة على أن الله منزه عنه إلى قوله: وهذا لا مخرج منه. فيقال: لا ريب أنه لا مخرج لابن سينا من هذا الإلزام، فإنه إذا لم يكن عنده عدم العلم بالجزئيات نقصاً، كذلك عدم العلم بالكليات. وإن قال: عدم علمه بها كمال، أمكن منازعوه أن يقولوا: نفي علمه بالثابتات كمال. وإذا قال: أنا نفيت عنه، لأن إثباته يفضي إلى التغير. قالوا له: ونحن نفينا ذاك لأنه يفضي إلى التكثر. فإذا قال: ذاك التكثر ليس بممتنع. قيل له: وهذا التغير ليس بممتنع. وذاك أنه جعل التكثر في الإضافات، فإن كان هذا حقاً، أمكن أن يقال بالتغير في نفس الإضافات.

стр. 3871

وذلك أنه إن قال: إن نفس العلم إضافة، فالتكثر والتجدد في العلم إضافة. وإن قال: بل هو صفة مضافة، والتكثر في المعلوم لا في العلم، بل يعلم بعلم واحد جميع المعلومات، كما يقوله ابن كلاب والأشعري ومن وافقهما. قيل له: والتغير في المعلوم لا في العلم، لأن العلم واحد لا يتعدد، فضلاً عن أن يتغير. وإن قال: هذا باطل، فإن العلم بأن سيكون الشيء، ليس هو العلم بأن قال قد كان. قيل له: وكذلك العلم بالسماء، ليس هو العلم بالأرض. وأنت تقول أبلغ من ذلك، تقول: ليس العلم إلا العالم، بل تقول: العلم والعالم شيء واحد. ومعلوم أن هذا القول أبعد عن المعقول، من قول من قال: العلم بالمعلومات شيء واحد. فإن هذا يقول: إن العلم ليس هو العالم ولا هو المعلوم، بل هو صفة للعالم. ولا ريب أن ابن سينا يتناقض في هذه المواضع. فتارة يجعل العلم زائداً على الذات العالمة، وتارة لا يقول بذلك. أبت كلام ابن سينا في الإشارات ورد ابن تيمية عليه فإنه قال: لما رد على من قال باتحاد العاقل بالمعقول: فيظهر

стр. 3872

لك من هذا أن كل ما يعقل، فإنه ذات موجود، تتقرر فيها الجلايا العقلية، تقرير شيء في شيء آخر فصرح بأنه يتقرر في ذات العاقل الجلايا العقلية تقرير شيء في شيء آخر، وهذا خلاف قول: العاقل والمعقول والعقل شيء واحد. والمقصود قبول ما يقوله من الحق، وهو ما أثبته من كون الرب عالماً بالأعيان الثابتة، وبيان صحة حجته على ذلك. وأما ما نفاه من علمه بالجزئيات، فحجته على نفيه ضعيفة. وقد بين أبو حامد وأبو البركات وغيرهما، أنه يلزمهم القول بعلمه بالجزئيات، وبينوا فساد ما نفوا به ذلك. قال ابن سينا: إشارة: الأشياء الجزئية قد تعقل كما تعقل الكليات، من حيث تجب بأسبابها، منسوبة إلى مبدأ نوعه في شخصه يتخصص به، كالكسوف الجزئي، فإنه قد يعقل وقوعه بسبب توافق أسبابه الجزئية وإحاطة العقل بها، ويعقلها كما يعقل الجزئيات، وذلك غير الإدراك الجزئي الزماني لها، الذي يحكم أنه

стр. 3873

وقع الآن، وهو قبله، أو يقع بعده، بل مثل أن نعقل أن كسوفاً جزئياً يعرض عند حصول القمر، وهو جزئي ما، وقت كذا، وهو جزئي ما في مقابلة كذا. ثم ربما وقع ذلك الكسوف، ولم يكن عند العاقل الأول إحاطة بأنه وقع، أو لم يقع. وإن كان معقولاً له على النحو الأول، لأن هذا إدراك آخر جزئي، يحدث مع حدوث المدرك، ويزول مع زواله. وذلك الأول يكون ثابتاً الدهر كله، وإن كان علماً بجزئي، وهو أن العاقل يعقل أن بين كون القمر في موضع كذا، وبين كونه في موضع كذا، يكون كسوف معين في وقت من زمان أول الحالين محدود. عقله ذلك أمر ثابت قبل الكسوف ومعه وبعده. هذا لفظه. قلت: وهذا الذي ذكره إنما يتأتى في الأمور الدائمة عنده، كالشمس والقمر والكواكب والأفلاك، فإنه يعلمها بأعيانه، فإنها دائمة. وأما الأمور المتجددة، مثل حركاتها، ومثل الكسوف والخسوف، والإهلال والإبدار، ومثل أشخاص الناس والحيوان، فهذه لا يتصور أن يعقلها إلا على وجه كلي، مثل أن يعلم أنه في كل شهر يحصل إهلال وإبدار، وفي كل سنة يحصل صيف وشتاء. فأما العلم بإهلال معين

стр. 3874

وإبدار معين وكسوف معين، فهذا جزئي حادث كائن بعد أن لم يكن زائل بعد ما كان، فإن علمه بعينه لزم ما حذروه من التغير في علمه، فإنه إذا علمه قبل وجوده، علمه معدوماً سيوجد، ثم إذا وجد علمه موجوداً. ثم إذا زال علمه معدوماً قد كان، وهذا الذي فروا منه. ولو علم الجزئيات بأعيانها بعلم ثابت، لزم وجود ما لا نهاية له من المعقولات دائماً في ذاته. وأما قوله: مثل أن يعقل أن كسوفاً جزئياً يعرض عند حصول القمر، وهو جزئي وقت كذا، وهو جزئي في مقابلة كذا، ثم ربما وقع ذاك الكسوف ولم يكن عند العاقل الأول إحاطة بأنه وقع أو لم يقع، وإن كان معقولاً له على النحو الأول، لأن هذا إدراك آخر جزئي، يحدث مع حدوث المدرك، ويزول مع زواله، وذلك الأول يكون ثابتاً الدهر كله، وإن كان عالماً بجزئي. فيقال: هذا الكسوف المعلوم أهو كسوف واحد بالعين أم بالنوع؟ فالأول أن يعلم أن الشمس تكسف في برج الحمل في السنة الفلانية سنة الطوفان. والثاني أن يعقل أنها كلها إن حصلت في برج كذا على وجه كذا كسفت. فإن قيل: إنه كسوف معين، فهذا إذا كان عقله ثابتاً أبداً، يكون

стр. 3875

قد عقل قبل وجوده. وحينئذ يكون معدوماً لا موجوداً، والعلم بأنه موجود جهل، والعلم بأن سيوجد هو الذي فروا منه. وإن قالوا: نعلم أنه إذا حصل الشيء المعين الجزئي حصل الكسوف، وإن لم نعلم متى يحصل ذاك. قيل: فمثل هذا لا يكون إلا إذا كان المعلوم كلياً، وهو أن نعلم أنه إذا حصل ذلك الأمر المعين على الوجه المعين حصل الكسوف، وهذا العلم كلي لا جزئي. ففي الجملة الجزئي لا يكون جزئياً إلا إذا انحصر شخصه ومنع تصوره من وقوع الشركة فيه، وهذا إذا لم يكن أمراً ثابتاً، بل أمراً حادثاً، فلا يعلم على وجهه إن لم يعلم وقته المعين. وحينئذ فيكون العلم به قبل وقته، وإلا فإذا علم أنه متى حصل كذا على وجه كذا حصل الكسوف، فهذا كلي. وإن علم أنه لا بد أن يحصل، فإنه كلي من حيث الزمان، فإن تصوره لا يمنع اشتراك الأزمنة فيه، فلم يعلم إلا على وجه كلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه. وقولهم مع هذا: إنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات والأرض، مغالطة بل لم يعلم شيئاً من الأمور المعينة الحادثة البتة، بل هو عازب عنه، لا يدري أكان أم لم يكن، فإن نفس تصور الكلي من

стр. 3876

حيث هو كلي، لا يفيد تصور المعينات، والوجود ليس فيه إلا المعينات، فلا يكون تصور شيئاً من المعينات الحادثة. l أمر أمر كلام الطوسي في شرح الإشارات ورد ابن تيمية عليه وقد بين ذلك شارحو كلامه فقال الطوسي: يريد التفرقة بين إدراك الجزئيات على وجه كلي لا يمكن أن يتغير، وبين إدراكها على وجه جزئي يتغير بتغيرها، ليبين أن الأول تعالى، بل كل عاقل، فهو إنما يدرك الجزئيات من حيث هو عاقل على الوجه الأول دون الثاني. وإدراكها على الوجه الثاني لا يحصل إلا بالإحسان أو التخيل، أو ما يجري مجراهما من الآلات الجسمانية. قال: وقبل تقرير ذلك نقول: كلية الإدراك وجزئيته تتعلقان بكلية التصورات الواقعة فيه وجزئيتها. فلا تدخل التصديقات في ذلك يعني بذلك أن التصديق إنما يكون كلياً أو جزئياً باعتبار ما فيه من التصور: هل هو جزئي أو كلي؟. قال: فإن قولنا: هذا الإنسان يقول هذا القول في هذا الوقت، جزئي. وقولنا: الإنسان يقول القول في وقت، كلي. ولم يتغير فيهما إلا حال الإنسان، والقول، والوقت، والجزئية بالكلية.

стр. 3877

ولقائل أن يقول: بل نفس النسبة لا تكون جزئية وكلية، فإنه إذا قيل: هذا الإنسان يقول هذا القول في هذا الوقت كان الجميع جزئياً. وإذا قيل: يقول أقوالاً حسنة، أو يقول هذا القول دائماً، كان الثاني كلياً، فإن تصوره لا يمنع من وقوع الشركة فيه. فإن قلت: المحمول، الذي هو خير المبتدأ عن أحدهما، قول معين، وفي الآخر قول مطلق، فالجزئية والكلية إنما وقعا في التصورين. قيل إن أريد ذلك لم يكن لنا تصديق غير التصورات، فلا حاجة إلى نفي الكلية عنه. ولكن المعروف أن هذا القول هو الخبر المحمول على المبتدأ المخبر به عنه، وهو قول معين جزئي، ونسبته إليه هو التصديق المغاير للتصورين، فإن التصديق يراد به الجملة كلها، فيكون التصور بعضه بعينه، ويراد به النسبة الحكمية، فيكون التصور شرطاً فيه. وإذا أريد به هذا فنسبة القول المعين إلى المعين تصديق، فإن عنيت النسبة من جميع الوجوه، بحيث يمنع تصورها من وقوع الشركة فيها، فهي جزئية، وإن لم يمنع ذلك فهي كلية. مثل كونه يقوله دائماً، أو الإخبار عنه بأنه يقوله في وقت ما، فإن هذا لا يمنع كونه يقوله في هذا الوقت وفي غيره، بل لا يمنع أن يقوله بالعربية وبالعجمية، فهو كلي بالنسبة إلى العربية والعجمية. وبالجملة فما لم يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه فهو كلي، سواء كان احتمال الشركة لدخوله أشخاصاً أو أزمنة أو أمكنة أو لغات أو غير

стр. 3878

ذلك من الأمور، وهذا مما يبين أنه من لم يقل أن الرب يعلم الجزئيات، فإنه يلزمه أن لا يعلم شيئاً من الموجودات، فإنه ما من موجود إلا وهو متميز عن غيره بحيث يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه. ولهذا لم يمنع ابن سينا كونه يعلم الجزيئات الثابتة الدائمة على أصله، كالسموات والنجوم، وإنما منع علمه بالمتغيرات، فراراً من قيام الحوادث به، مع أن أساطين من أساطين الفلاسفة، ومن وافقهم من المتأخرين، يقولون: إنه تقوم به الحوادث، ولا حجة له على نفي ذلك أصلاً، إلا ما ينفي به قيام الصفات، وإثباته للعلم يستلزم إثبات الصفات كما تقدم بيانه، فعلم أن إثباته للعلم بالكليات دون الجزئيات في غاية التناقض. قال الطوسي: وكل جزئي يتعلق به حكم فله طبيعة توجد في شخصه، وما تصير تلك الطبيعة جزئية لا يدركها العقل، ولا يتناولها البرهان والحد، بسبب انضياف معنى الإشارة الحسية إليها، وما يجري مجراها من المخصصات، التي لا سبيل إلى إدراكها إلا بالحس وما يجري مجراه، فإن أخذت تلك الطبيعة مجردة عن تلك المخصصات، صارت كلية يدركها العقل، ويتناولها البرهان والحد،

стр. 3879

وكان الحكم المتعلق بها -حين كونها جزئية- باقياً بحاله، اللهم إلا أن يكون الحكم متعلقاً بالأمور المخصصة من حيث هي مخصصة. قال: وإذا ثبت هذا فنقول: كل من أدرك علل الكائنات، من حيث إنها طبائع. يعني طبائع كلية وأدراك أحوالها الجزئية وأحكامها، كتلاقيها وتباينها، وتماسها وتباعدها، وتركبها وتحللها، من حيث هي متعلقة بتلك الطبائع، وأدرك الأمور التي تحدث: معها وبعدها وقبلها، من حيث يكون الجميع واقعاً في أوقات يتحدد بعضها ببعض، على وجه لا يفوقه شيء أصلاً، فقد حصل عنده صورة العالم منطبقة على جميع كلياته وجزئياته الثابتة، والمتجددة المنصرفة، الخاصة بوقت دون وقت، كما عليه الوجود، غير مغادر إياها بشيء، وتكون تلك الصورة بعينها منطبقة على عوالم أخر، لو حصلت في الوجود، مثل هذا العالم بعينه، فتكون صورة كلية منطبقة على الجزئيات الحادثة في أزمنتها، غير متغيرة بتغيرها. هكذا يكون إدراك الجزئيات على الوجه الكلي. فيقال: فعلى هذا التقدير لا يكون الرب عالماً بشيء من هذه الأمور

стр. 3880

الموجودة، ولا فاعلاً لها، إذا كان علمه بها هو إبداعه لها، فإن العلم بالجزئيات، على هذا الوجه الكلي، لا يتضمن العلم بشيء من المعينات، ولا يكفي هذا العلم في وجودها، فضلاً عن أن يكون هو إيجادها. فإنا إذا علمنا أن بني آدم لا بد أن تحصل لهم شهوة الأكل فيأكلون، وإذا أكلوا فلا بد أن تحصل لهم فضلة فيتغوطون، ولا بد أن تحصل لهم شهوة النكاح فيجامعون، ولا بد أن يحصل إنزال وحبل، فتحبل النساء ويلدن، ولا بد أن يموتوا -كان هذا علماً كلياً يتضمن أنه لا بد من وجود أكل وتخل، ونكاح وإنزال، وحبل وولادة وموت، بحيث لو قيل: إن في الآدميين من لا يموت، أو من لا يأكل ويشرب وينام ونحو ذلك- كان ذلك العلم الكلي مناقضاً لهذا القول. ولو قيل: إنه لم يبق من ينكح ويحبل، ويلد ويموت، كان ذلك العلم الكلي دافعاً لهذا القول، كما إذا علمنا أن نبياً لا يخبر إلا بالصدق، وعلمنا أنه أخبر بأخبار لا نعرف أعيانها -علمنا أنها كلها صادقة، ولم يكن في مجرد هذا العلم الكلي علم شيء منها. وإذا علمنا أن كل دليل شرعي دل على الإيجاب أو التحريم، وجب إثبات موجبه من الإيجاب أو التحريم، كان هذا علماً كلياً، ولم يكن فيه علم بشيء من أعيان الأدلة الشرعية، ولا بالأحكام المعينة الشرعية.

стр. 3881

وإذا علمنا أن الإهلال لا يكون إلا في أول الشهر، والإبدار لا يكون إلا في وسطه، وأن كسوف الشمس لا يكون إلا عند الإجتماع قبل الإهلال، وخسوف القمر لا يكون إلا في الليالي البيض في الإبدار -لم يكن في مجرد هذا العلم ما يوجب أن يعلم: هل الهلال طالع في هذا الوقت أم لا؟ وهل هو مبدر أم لا؟ وهل هو خسوف أم كسوف أم لا؟ وكذلك إذا علمنا أن الشمس تدور ما بين رأس السرطان والجدي، لا يصعد هذا غاية صعودها، وهذا غاية هبوطها، وفي صعودها يكون الصيف، وفي هبوطها يكون الشتاء، ونحن لا نعلم هل هذا الوقت صيف أو شتاء، وهل هي صاعدة أو هابطة -لم يكن في هذا العلم الكلي ما يفيد معرفة ما وجد في الخارج من أحوالها، لكن فيه أنها لا تخرج عن هذا القانون الكلي، وهكذا سائر العلوم الكلية. لكن العلم بجميع حوادث الوجود على الوجه الكلي، أعم من العلم ببعض حوادثه. ومع ذلك فليس في ذلك علم بشيء من الموجودات الحادثة. وأيضاً فمجرد هذا العلم الكلي لا يكفي في وجود المعينات، فالمعين لا يوجد إلا بتصور معين وإرادة معينة، وإلا فمن أراد أن يكرم الأبرار، ويعاقب الفجار، ويقبل شهادة العدول، ويرد شهادة أهل الزور، وهو لا يعرف أعيان هؤلاء وهؤلاء -لم يمكنه فعل شيء من ذلك الأمر الكلي الذي عزم.

стр. 3882

ومن أراد أن يأكل طعاماً، ويلبس ثوباً، وليس له قصد من طعام بعينه، وثوب بعينه، إن لم يحصل له طعام معين، وثوب معين، بحيث تكون له إرادة معينة وتصور معين -امتنع أن يأكل ويلبس، لكن قد يكون قصده للمعين، هو لكونه هو الميسور المقدرور عليه، ولو حصل غيره لقام مقامه، ليس له إرادة في أحدهما دون الآخر، إلا لكونه هو الذي تيسر وقدر عليه، فهنا يكون سبب تعين الإرادة هي القدرة. وكذلك من قصده أن يعطي الزكاة للأنواع الكلية التي ذكرها الله في كتابه، وليس له غرض في شخص بعينه، فهو يعطي من علم أنه منهم، ومن أمكنه أعطاه. ومن أراد شخصاً معيناً، فلا يتعين حتى يحصل له تصور معين وإرادة معينة، لكن التعين يكون لأجل علمه المعين وقدرته المعينة، لا لكون إرادته الأولى دعته إلى أداء الزكاة وصرفها في الأنواع المذكورة في القرآن -فكانت إرادته لمعين. وكذلك من قصده أن يتطهر كما أمره الله، فهو يقصد الطهارة بماء، أي ماء كان، وهذه إرادة كلية، ثم لا يمكنه أن يتطهر إلا بماء معين، يتصور تصوراً معيناً، ويريد التطهر به إرادة معينة. وكذلك من قصده أن يعتق رقبة وجبت عليه في كفارة، وكذلك من غرضه أن يزوج وليته من كفو، ومن قصده أن يشتري طعاماً من

стр. 3883

شخص، وكذلك من غرضه أن يستفتي من يفتيه بحكم الله، ومن غرضه أن يحاكم خصمه إلى من يحكم بينهما بالحق، وأمثال ذلك. فهؤلاء قصدهم ابتدأ أمراً مطلقاً كلياً، ليس غرضهم شخصاً بعينه، لكن لا يحصل مقصودهم إلا إذا قصدوا شيئاً معيناً، وإلا فما دامت ليس معهم إلا الإرادة المطلقة، لا يفعلون شيئاً، إذ المطلق لا وجود له في الأعيان، فلا يمكن وجود كلي في الخارج مع كونه كلياً قط، فمن لم يعلم إلا الكليات، لم يمكنه أن يفعل شيئاً قط، ولا يكون عالماً بشيء من الموجودات، فإن الموجودات في الخارج ليس فيها كلي. فعلى قول هؤلاء لم يعلم الله شيئاً من الموجودات، بل ولا فعل شيئاً من الموجودات. وهذا أمر قطعي لا حيلة فيه، كلما تدبره العاقل تبين له فساد هذا القول. وما استثناه ابن سينا من كونه يعلم الموجودات الثابتة بأعيانها، لا يصح استثناؤها، فإن تلك أيضاً حادثة على القول الحق، ويلحقها التغير كما يلحق غيرها، فيجب أذا لم يعلم إلا الكليات أن لا يعلمها، وعلى قول أولهم إنها أزلية أبدية، فهي مستلزمة للتغيرات، أما الأجسام فإنها لا تزال متحركة، وأما المعقول فلا حقيقة لها، وبتقدير ثبوتها فإنها علل الأجسام المتغيرة عندهم. وقد تقدم أصله: أن العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول، فالعلم بالعلل إنما يوجب العلم بمعلولها، والعلة أوجبت معلولات جزئية متغيرة،

стр. 3884

فيجب أن يعلم عليتها على هذا الوجه. وحينئذ فيلزم أن يعلم المتغيرات متغيرة، لا يكون علمها على وجه كلي كما ذكروه. ومما يوضح هذا أن الشرائع جاءت بالأحكام الكلية، مثل إيجاب الزكوات، وتحريم البنات والأخوات، ولا يمكن أمر أحد بما أمره الله به، ونهيه عما نهاه الله عنه، إن لم يعلم دخوله في تلك الأنواع الكلية، وإلا فمجرد العلم بها، لا يمكن معه فعل مأمور ولا ترك محظور، إلا بعلم معين، بأن هذا المأمور داخل فيما أمر الله به، وهذا المحظور داخل فيما نهى الله عنه. وهذا الذي يسمى تحقيق المناط. إذا تبين هذا، فقول القائل: كل من أدرك علل الكائنات، من حيث إنها طبائع إلى آخره. يقال له: أتريد أنه أدركها كلية، مثل أن يدرك أن في العالم حاراً وبارداً، وأنهما يلتقيان على وجه كذا؟ أو تريد أنها إدراك الطبائع الموجودة المعينة؟. فإن أردت الأول، لم يكن في العلم بذلك علم بشيء من الموجودات. وإن أردت الثاني، فإنه يلزم من العلم بها، العلم بلوازمها، كما تقدم من أن العلم بالعلة التامة يستلزم العلم بمعلولها، فيلزم من ذلك أن يعلم جميع معلولاتها ولوازمها. وليس في المعينات إلا ما هو معلولها

стр. 3885

ولوازمها، فيلزم العلم بكل شيء جزئي على سبيل التعيين، ويلزم العلم بطوله وعرضه وعمقه وقدره، سواء كان من الكل المتصل أو المنفصل. ولهذا كان قول المرسلين: إن الله أحصى كل شيء عدداً، فهو يعلم أوزان الجبال، ودورات الزمان، وأمواج البحار، وقطرات المطر، وأنفاس بني آدم: ﴿وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ [الأنعام: ٥٩] . يبين هذا أنه قد تقدم أن العلم بالعلة التامة يستلزم العلم بمعلولها، وهي الموجب، والرب سبحانه هو موجب بمشيئته وقدرته لكل ما يشاؤه. وهم يسمونه علة، وهو إنما يوجد شيئاً معيناً، لا يوجد شيئاً كلياً، إذ الخارج ليس فيه شيء كلي، فيجب أن يكون عالماً بكل شيء جزئي، كما انه خالق لكل شيء جزئي. وإن كان له علم عام كلي بالأمور الكلية، فلا منافاة بين هذا وهذا، بل مخلوقه له بالكلي والجزئيات، فالخالق أولى بذلك. وقوله: إن إدراكها على هذا الوجه إنما يحصل بالإحساس أو التخيل. فيقال لهم: لا ريب أن الله سميع بصير، يسمع ويرى، . وقد روى ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿إلا لنعلم من يتبع الرسول﴾ [البقرة: ١٤٣] ، ونحو ذلك. قال: إلا

стр. 3886

لنرى. ففسر العلم المقرون بالوجود بالرؤية، فإن المعدوم لا يرى، بخلاف الموجود، وإن كانت الرؤية تتضمن علماً آخر. وقال الطوسي في شرح كلام ابن سينا: قوله: الأشياء الجزئية قد تعقل، كما تعقل الكليات، إشارة إلى إدراكها من حيث هي طبائع مجردة عن المخصصات المذكورة، وقيدها بقوله: من حيث تجب بأسبابها ليكون الإدراك لتلك الأشياء، مع كونه كلياً يقينياً، غير ظني. ثم قال: منسوبة إلى مبدأ نوعه في شخصه: أي منسوبة إلى مبدأ، طبيعته النوعية موجودة في شخصه ذلك، لا أنها غير موجودة في غير ذلك الشخص، بل مع تجويز أنها موجودة في غيره. والمراد أن تلك الأشياء إنما تجب بأسبابها، من حيث هي طبائع أيضاً. ثم قال: تتخصص به أي تتخصص تلك الجزيئات بطبيعة ذلك المبدأ، وإنما نسبها إلى مبدأ كذلك، لأن الجزئي، من حيث هو

стр. 3887

جزئي، لا يكون معلولاً لطبيعة غير جزئية، ولا الطبيعة علة له من حيث هو كذلك. قال: وقوله: إن العاقل لأن بين كون القمر في موضع كذا إلى آخره، معناه: أن من يعقل أن بين كون القمر في أول الحمل مثلاً، وبين كونه في أول الثور يكون كسوف معين في وقت محدود من زمانه كونه في أول الحمل، كالوقت الذي سار فيه القمر من أول الحمل عشر درجات، فإنما يكون تعقل ذلك العاقل لهذه الأمور أمراً ثابتاً قبل وقت الكسوف ومعه وبعده. فيقال له: هذا الذي تصور هذا الكسوف تصور أنه يكون في عام معين، أو تصوره مطلقاً، كتصوره أنه إذا كان في عشر درجات من الحمل، مع أمور أخرى، يكون كسوف. فإن كان الأول، فذاك كسوف جزئي معين. وتصوره يكون قبله ومعه وبعده. وإن كان الثاني، فهذا يكون محققاً تارة، ومقدراً أخرى. أما المقدور، فأن يعلم أنه كلما حصل القمر في موضع كذا، والشمس في موضع كذا، حال القمر بين نور الشمس وبين الناس فانكسفت. ولكن هذا ليس فيه علم بوقوعه لا مطلقاً ولا معيناً.

стр. 3888

والثاني أن يعلم أنه لا بد أن تقع هذه المحاذاة بين الأرض والقمر والشمس، وإنما تقع إذا كان كذا. فهذا علم كلي، لا يعلم به شيء من الكسوف الموجود. ثم يقال: والعلم بهذا ممتنع، إن لم يعلم الكسوفات الجزئية. وذلك أن أسباب الكسوفات حركات أجسام معينة في أوقات محدودة. والعلم بمجموع ذلك يوجب العلم بكل كسوف جزئي، والعلم به قبل وقوعه ومع وقوعه وبعد وقوعه، فلا يتصور مع العلم بأسباب الحوادث، أن يعلم علم كلي، إلا وتعلم الجزيئات الواقعة، وإلا فلا يكون العلم بجميع الأسباب حاصلاً. ولهذا لما كنا لا نعلم عامة الأسباب لم نعلم ما يكون، وإذا علمنا أسباب شيء، علمنا وقوعه قبل وقوعه ومعه وبعده، كمن علم أنه سيبعث محمد ﷺ ، وأنه يبعث إذا كانت أمور، فإذا علم أنها لم تكن، علم أنه لم يبعث، وإن علم أنها كانت، علم أنه بعث. وكثير مما يتكلم فيه الناس من مقدمة المعرفة، يكونون قد علموا جزء السبب، ولم يعلموا تمام السبب، ولا علموا مانعه، فيصيبون أحياناً، ويكون خطأهم أكثر من صوابهم، لأن ما فاتهم من العلم بتمام السبب والموانع أكثر مما علموه. وقد تقدم قول ابن سينا: قد تعقل الكليات من حيث تجب بأسبابها منسوبة إلى مبدأ نوعه من يخصه يتخصص به. وقد قال في شرحه: أي تتخصص تلك الجزيئات بطبيعة ذلك

стр. 3889

المبدأ، وإنما نسبها إلى مبدأ كذلك، لأن الجزئي من حيث هو جزئي لا يكون معلولاً لطبيعة غير جزئية. فيقال: هذا الكلام بين في أنها لا تعقل على هذا الوجه إلا جزئية لا كلية، لأنها إذا عقلت من حيث يجب بسببها المعين الجزئي، لزم أن تعقل جزئية. وأما إذا عقلت من حيث تجب بسبب كلي عقلت كلية، لكن رب العالمين هو واحد معين، ليس أمراً مطلقاً كلياً، فهو يعلم نفسه علماً معيناً، يمنع من وقوع الشركة فيه، لا يعلمها علماً كلياً، لا يمنع من وقوع الشركة فيه. وحينئذ فيعلم كل ما صدر عنه على هذا الوجه، وقوله: انحصر نوعه في شخصه دليل على ذلك. وقول الطوسي: قوله: منسوبة إلى مبدأ نوعه في شخصه أي منسوبة إلى مبدأ طبيعته النوعية موجودة في شخصه، ذلك لأنها غير موجودة في غير ذلك الشخص، بل مع تجويز أنها موجودة في غيره، إنما تستقيم في طبائع المخلوقات. وأما الخالق تعالى فلا يجوز أن تكون صفته ثابتة لغيره. والكلام إنما هو في أن علمه بنفسه يوجب العلم بالمخلوقات، وبه تجب الممكنات، وليس في الأسباب ما يوجب شيئاً من الممكنات، إلا وهو ، وكل ما سواه فإنما يوجب بشركة من غيره، وهو سبحانه لا شريك له. ثم كيف يتخصص بالمبدأ إن لم يكن مختصاً، كما تقدم؟. ففي الجملة كل حجة يذكرونها هم أو غيرهم -على علمه بشيء من الأشياء، يدل على علمه بالجزئيات.

стр. 3890

وقول القائل: إنه يعلم الكليات دون الجزئيات، كلام متناقض، يستلزم أنه لم يخلق شيئاً ولا يعلم شيئاً من الموجودات. وقوله مع ذلك إنه: لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، تلبيس منه، كقولهم: العالم محدث، يريدون به أنه معلول مع قدمه، وإلا فكل ذرة من ذرات المحدثات عازبة عنه عندهم. وكونها تجب وصف كلي باق أزلاً وأبداً، لا يوجب العلم بها كما ذكروه. ومضمون كلامه أنه يعلم ولا يعلم، فهو كلام متناقض. ثم الأدلة الدالة على علمه تستلزم علمه بالجزئيات، وليس لابن سينا ما يبطل ذلك، إلا كون ذلك يفضي إلى تغير العلم، لكونه يعلم أن سيكون الشيء، ثم يعلم أنه قد كان، وهذا إن أبطله من جهة أنه نقص في العلم فهو باطل، فإن هذا هو علم للشيء على ما هو عليه، فإنه علمه معدوماً لما كان موجوداً، وعلم أنه سيوجد، ثم لما وجد علمه موجوداً، ثم إذا عدم بعد ذلك علم أن قد كان ثم عدم. فهذا هو العلم المطابق للمعلوم، وما سوى ذلك فهو جهل لا علم وإن أنكره من جهة أنه يحدث تحول العلم بتحول المعلوم، وأن ذلك تغير -فقد عرف قول المانعين من هذا الأصل، وأنه في غاية الضعف والفساد، مخالف لصريح المعقول وصحيح المنقول، لا سيما ومن منع ذلك، من الجهمية ومن اتبعهم، إنما منعوه لاعتقادهم أن ذلك ينافي القدم. وابن سينا وإخوانه يجوزون قيام الحوادث بالقديم، فلا حجة لابن سينا وأتباعه في منعه، إلا حجتهم في نفي الصفات. وإثبات العلم
следующие страницы →