Полный текст (4 031 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.
стр. 3886
لنرى.
ففسر العلم المقرون بالوجود بالرؤية، فإن المعدوم لا يرى، بخلاف الموجود، وإن كانت الرؤية تتضمن علماً آخر.
وقال الطوسي في شرح كلام ابن سينا: قوله: الأشياء الجزئية قد تعقل، كما تعقل الكليات، إشارة إلى إدراكها من حيث هي طبائع مجردة عن المخصصات المذكورة، وقيدها بقوله: من حيث تجب بأسبابها ليكون الإدراك لتلك الأشياء، مع كونه كلياً يقينياً، غير ظني.
ثم قال: منسوبة إلى مبدأ نوعه في شخصه: أي منسوبة إلى مبدأ، طبيعته النوعية موجودة في شخصه ذلك، لا أنها غير موجودة في غير ذلك الشخص، بل مع تجويز أنها موجودة في غيره.
والمراد أن تلك الأشياء إنما تجب بأسبابها، من حيث هي طبائع أيضاً.
ثم قال: تتخصص به أي تتخصص تلك الجزيئات بطبيعة ذلك المبدأ، وإنما نسبها إلى مبدأ كذلك، لأن الجزئي، من حيث هو
стр. 3887
جزئي، لا يكون معلولاً لطبيعة غير جزئية، ولا الطبيعة علة له من حيث هو كذلك.
قال: وقوله: إن العاقل لأن بين كون القمر في موضع كذا إلى آخره، معناه: أن من يعقل أن بين كون القمر في أول الحمل مثلاً، وبين كونه في أول الثور يكون كسوف معين في وقت محدود من زمانه كونه في أول الحمل، كالوقت الذي سار فيه القمر من أول الحمل عشر درجات، فإنما يكون تعقل ذلك العاقل لهذه الأمور أمراً ثابتاً قبل وقت الكسوف ومعه وبعده.
فيقال له: هذا الذي تصور هذا الكسوف تصور أنه يكون في عام معين، أو تصوره مطلقاً، كتصوره أنه إذا كان في عشر درجات من الحمل، مع أمور أخرى، يكون كسوف.
فإن كان الأول، فذاك كسوف جزئي معين.
وتصوره يكون قبله ومعه وبعده.
وإن كان الثاني، فهذا يكون محققاً تارة، ومقدراً أخرى.
أما المقدور، فأن يعلم أنه كلما حصل القمر في موضع كذا، والشمس في موضع كذا، حال القمر بين نور الشمس وبين الناس فانكسفت.
ولكن هذا ليس فيه علم بوقوعه لا مطلقاً ولا معيناً.
стр. 3888
والثاني أن يعلم أنه لا بد أن تقع هذه المحاذاة بين الأرض والقمر والشمس، وإنما تقع إذا كان كذا.
فهذا علم كلي، لا يعلم به شيء من الكسوف الموجود.
ثم يقال: والعلم بهذا ممتنع، إن لم يعلم الكسوفات الجزئية.
وذلك أن أسباب الكسوفات حركات أجسام معينة في أوقات محدودة.
والعلم بمجموع ذلك يوجب العلم بكل كسوف جزئي، والعلم به قبل وقوعه ومع وقوعه وبعد وقوعه، فلا يتصور مع العلم بأسباب الحوادث، أن يعلم علم كلي، إلا وتعلم الجزيئات الواقعة، وإلا فلا يكون العلم بجميع الأسباب حاصلاً.
ولهذا لما كنا لا نعلم عامة الأسباب لم نعلم ما يكون، وإذا علمنا أسباب شيء، علمنا وقوعه قبل وقوعه ومعه وبعده، كمن علم أنه سيبعث محمد ﷺ ، وأنه يبعث إذا كانت أمور، فإذا علم أنها لم تكن، علم أنه لم يبعث، وإن علم أنها كانت، علم أنه بعث.
وكثير مما يتكلم فيه الناس من مقدمة المعرفة، يكونون قد علموا جزء السبب، ولم يعلموا تمام السبب، ولا علموا مانعه، فيصيبون أحياناً، ويكون خطأهم أكثر من صوابهم، لأن ما فاتهم من العلم بتمام السبب والموانع أكثر مما علموه.
وقد تقدم قول ابن سينا: قد تعقل الكليات من حيث تجب بأسبابها منسوبة إلى مبدأ نوعه من يخصه يتخصص به.
وقد قال في شرحه: أي تتخصص تلك الجزيئات بطبيعة ذلك
стр. 3889
المبدأ، وإنما نسبها إلى مبدأ كذلك، لأن الجزئي من حيث هو جزئي لا يكون معلولاً لطبيعة غير جزئية.
فيقال: هذا الكلام بين في أنها لا تعقل على هذا الوجه إلا جزئية لا كلية، لأنها إذا عقلت من حيث يجب بسببها المعين الجزئي، لزم أن تعقل جزئية.
وأما إذا عقلت من حيث تجب بسبب كلي عقلت كلية، لكن رب العالمين هو واحد معين، ليس أمراً مطلقاً كلياً، فهو يعلم نفسه علماً معيناً، يمنع من وقوع الشركة فيه، لا يعلمها علماً كلياً، لا يمنع من وقوع الشركة فيه.
وحينئذ فيعلم كل ما صدر عنه على هذا الوجه، وقوله: انحصر نوعه في شخصه دليل على ذلك.
وقول الطوسي: قوله: منسوبة إلى مبدأ نوعه في شخصه أي منسوبة إلى مبدأ طبيعته النوعية موجودة في شخصه، ذلك لأنها غير موجودة في غير ذلك الشخص، بل مع تجويز أنها موجودة في غيره، إنما تستقيم في طبائع المخلوقات.
وأما الخالق تعالى فلا يجوز أن تكون صفته ثابتة لغيره.
والكلام إنما هو في أن علمه بنفسه يوجب العلم بالمخلوقات، وبه تجب الممكنات، وليس في الأسباب ما يوجب شيئاً من الممكنات، إلا وهو ، وكل ما سواه فإنما يوجب بشركة من غيره، وهو سبحانه لا شريك له.
ثم كيف يتخصص بالمبدأ إن لم يكن مختصاً، كما تقدم؟.
ففي الجملة كل حجة يذكرونها هم أو غيرهم -على علمه بشيء من الأشياء، يدل على علمه بالجزئيات.
стр. 3890
وقول القائل: إنه يعلم الكليات دون الجزئيات، كلام متناقض، يستلزم أنه لم يخلق شيئاً ولا يعلم شيئاً من الموجودات.
وقوله مع ذلك إنه: لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، تلبيس منه، كقولهم: العالم محدث، يريدون به أنه معلول مع قدمه، وإلا فكل ذرة من ذرات المحدثات عازبة عنه عندهم.
وكونها تجب وصف كلي باق أزلاً وأبداً، لا يوجب العلم بها كما ذكروه.
ومضمون كلامه أنه يعلم ولا يعلم، فهو كلام متناقض.
ثم الأدلة الدالة على علمه تستلزم علمه بالجزئيات، وليس لابن سينا ما يبطل ذلك، إلا كون ذلك يفضي إلى تغير العلم، لكونه يعلم أن سيكون الشيء، ثم يعلم أنه قد كان، وهذا إن أبطله من جهة أنه نقص في العلم فهو باطل، فإن هذا هو علم للشيء على ما هو عليه، فإنه علمه معدوماً لما كان موجوداً، وعلم أنه سيوجد، ثم لما وجد علمه موجوداً، ثم إذا عدم بعد ذلك علم أن قد كان ثم عدم.
فهذا هو العلم المطابق للمعلوم، وما سوى ذلك فهو جهل لا علم وإن أنكره من جهة أنه يحدث تحول العلم بتحول المعلوم، وأن ذلك تغير -فقد عرف قول المانعين من هذا الأصل، وأنه في غاية الضعف والفساد، مخالف لصريح المعقول وصحيح المنقول، لا سيما ومن منع ذلك، من الجهمية ومن اتبعهم، إنما منعوه لاعتقادهم أن ذلك ينافي القدم.
وابن سينا وإخوانه يجوزون قيام الحوادث بالقديم، فلا حجة لابن سينا وأتباعه في منعه، إلا حجتهم في نفي الصفات.
وإثبات العلم
стр. 3891
بالمعلومات المفصلة الثابتة بأعيانها، مستلزم لثبوت الصفات كما تقدم بيانه وإقرار أصحابه بذلك، وحينئذ فلا حجة لهم في نفي ذلك أصلاً.
والله تعالى قد أخبر في كتابه بعلمه بما سيكون، كالأمور التي أخبر بها قبل كونها، فعلم أنه يعلم الأشياء قبل وجودها، وأخبر أنه إذا وجدت علمها أيضاً.
كقوله: ﴿وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه﴾ [البقرة: ١٤٣] .
وفي القرآن من هذا بضعة عشر موضعاً.
وقد روي عن ابن عباس وغيره: إلا لنرى.
وقال طائفة من المفسرين: إلا لنعلمه موجوداً.
رد الغزالي على الفلاسفة في تهافت الفلاسفة وتعليق ابن تيمية
ونحن نذكر كلام أبي حامد عليهم قال: مسألة في إبطال قولهم: إن الله -تعالى عن قولهم- لا يعلم الجزيئات المنقسمة بانقسام الزمان إلى الكائن وما كان ويكون.
قال: وقد اتفقوا على ذلك.
قلت: يعني اتفاق من عرف قوله منهم، وهم الذين ذكرهم ابن سينا، وإلا فأبوا البركات قد حكى عنهم قولين، واختار هو أنه يعلم الجزئيات.
قال أبو حامد: فإن من ذهب منهم إلى أنه لا يعلم إلا نفسه،
стр. 3892
فلا يخفى هذا من مذهبه.
ومن ذهب منهم إلى أنه يعلم غيره، وهو الذي اختاره ابن سينا، فقد زعم أنه يعلم الأشياء علماً كلياً، لا يدخل تحت الزمان، ولا يختلف بالماضي والمستقبل والآن، ومع ذلك زعم أنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، إلا أنه يعلم الجزئيات بنوع كلي.
فلا بد أولاً من فهم مذهبهم، ثم الاشتغال بالاعتراض، ونبين هذا بمثال، وهو أن الشمس مثلاً تنكسف بعد أن لم تكن منكسفة ثم تنجلي، فتحصل له ثلاثة أحوال: أعني للكسوف حال هو فيها معدوم منتظر الوجود، أي سيكون.
وحال هو فيها موجود، أي هو كائن.
وحال ثالثة هو فيها معدوم، ولكنه كان من قبل.
ولنا بإزاء هذه الأحوال ثلاثة علوم مختلفة، فإنا نعلم أولاً: أن الكسوف معدوم وسيكون، وثانياً: أنه كائن، وثالثاً: أنه كان، وليس كائناً الآن.
وهذه العلوم الثلاثة متعددة ومختلفة، وتعاقبها على المحل يوجب تغير الذات العالمة، فإنه لو علم بعد الانجلاء أن الكسوف موجود الآن كما
стр. 3893
كان قبل، كان جهلاً لا علماً.
ولو علم عند وجوده أنه معدوم كان جاهلاً، فبعض هذه لا يقوم مقام بعض.
فزعموا أن الله تعالى لا يختلف حاله في هذه الأحوال الثلاثة، فإنه يؤدي إلى التغير، وما لم يختلف حاله لم يتصور أن يعلم هذه الأمور الثلاثة، فإن العلم يتبع المعلوم، فإذا تغير المعلوم تغير العلم، وإذا تغير العلم فقد تغير العالم لا محالة، والتغير على الله محال.
ومع هذا زعم أنه يعلم الكسوف، وجميع صفاته وعوارضه، ولكن علماً يتصف به في الأزل والأبد، لا يختلف.
مثل أن يعلم مثلاً أن الشمس موجودة، وأن القمر موجود، وأنهما حصلا منه بوساطة الملائكة التي سموها باصطلاحهم عقولاً مجردة، ويعلم أنها تتحرك حركات دورية ويعلم أن بين فلكيهما تقاطعاً على نقطتين: هما الرأس والذنب، وأنهما يجتمعان في بعض الأحوال في العقدتين فتنكسف الشمس، إذ يحول جرم القمر بينها وبين أعين الناظرين، وتستتر الشمس عن الأعين، وأنه إذا جاوز العقدة مثلاً
стр. 3894
بمقدار كذا، وهو سنة مثلاً، فإنه تنكسف مثلاً، وأن ذلك الانكساف يكون في جميعها أو ثلثها أو نصفها، وإنه يمكث ساعة أو ساعتين، وهكذا إلى جميع أحوال الكسوف وعوارضه، فلا يعزب عن علمه شيء.
ولكن علمه بهذا قبل الكسوف، وحال الكسوف، وبعد الانجلاء، على وتيرة واحدة، لا يختلف ولا يوجب تغيراً في ذاته، وكذا علمه بجميع الحوادث، فإنها إنما تحدث بأسباب، وتلك الأسباب لها أسباب أخرى، إلى أن تنتهي إلى الحركة الدورية السماوية، وسبب الحركة الدورية نفس السماوات.
وسبب تحريك النفس الشوق إلى التشبه بالله والملائكة المقربين، والكل معلوم له، أي ينكشف له انكشافاً واحداً متناسباً، لا يؤثر فيه الزمان.
ومع هذا فحال الكسوف لا يقال: إنه يعلم أن الكسوف موجود الآن، ولا يعلم بعده أنه انجلى الآن، وكل ما يجب في
стр. 3895
معرفته الإضافة إلى الزمان، فلا يتصور أن يعلمه، لأنه يوجب التغير.
وهذا فيما ينقسم بالزمان.
وكذا مذهبهم فيما ينقسم بالمادة والمكان، كأشخاص الناس والحيوانات، فإنهم يقولون: لا يعلم عوارض زيد وعمرو وخالد، وإنما يعلم الإنسان المطلق بعلم كلي، ويعلم عوارضه وخواصه، وأنه ينبغي أن يكون بدنه مركباً من أعضاء: بعضها للبطش، وبعضها للمشي، وبعضها للإدراك، وبعضها زوج، وبعضها فرد، وأن قواه ينبغي أن تكون مبثوثة في أجزائه، وهلم جراً، إلى كل صفة في داخل الآدمي وباطنه، وكل ما هو من لواحقه وصفاته ولوازمه، حتى لا يعزب عن علمه شيء، ويعلمه كلياً.
فأما شخص زيد، فإنما يتميز عن شخص عمرو للحس لا للعقل، فإن عماد التمييز الإشارة إلى جهة معينة، والعقل يعقل الجهة المطلقة الكلية، والمكان الكلي.
فأما قولنا: هذا وهذا، فهو إشارة إلى نسبة حاصلة لذلك المحسوس إلى الحاس، بكونه منه على قرب أو بعد أو جهة معينة، وذلك يستحيل في حقه.
стр. 3896
قال الغزالي: وهذه قاعدة اعتقدوها واستأصلوا بها الشرائع بالكلية، إذ مضمونها أن زيداً مثلاً، لو أطاع الله أو عصاه، لم يكن الله عالماً بما يتجدد من أحواله، لأنه لا يعرف زيداً بعينه، فإنه شخص، وأفعاله حادثة بعد أن لم تكن، وإذا لم يعرف الشخص لم يعرف أحواله وأفعاله، بل لا يعلم كفر زيد ولا إسلامه، وإنما يعلم كفر الإنسان وإسلامه مطلقاً كلياً، لا مخصوصاً بالأشخاص، بل يلزم أن يقال: تحدى محمد ﷺ بالنبوة.
وهو لم يعرف في تلك الحال أنه تحدى بها، وكذلك الحال مع كل نبي معين، وإنه إنما يعلم أن من الناس من يتحدى بالنبوة، وأن صفة أولئك كذا وكذا.
فأما النبي المعين بشخصه فلا يعرفه، فإن ذلك يعرف بالحس، والأحوال الصادرة منه لا يعرفها، لأنها أحوال تنقسم بانقسام الزمان من شخص معين، ويوجب إدراكها على اختلافها تغيراً.
قال: فهذا ما أردنا أن نذكر من نقل مذهبهم أولاً، ومن
стр. 3897
تفهمه ثانياً، ثم نبين ما فيه من القبائح اللازمة عليه ثالثاً.
قلت: قبائح مذهبهم أعظم وأكثر مما ذكره أبو حامد من وجوه كثيرة.
ومضمون حجتهم أن علم الرب بأحوال عباده يستلزم تنوع علمه بهم لتنوع المعلوم، وأن ذلك تغير يمتنع على الله، ولم يقيموا على امتناع مثل هذا المعنى حجة صحيحة: لا شرعية ولا عقلية.
ولفظ التغير فيه إجمال، كما ذكرناه في غير هذا الموضع.
والتغير الممتنع ما يكون فيه استحالة تتضمن نقصاً.
وأما ما ذكره من كون العلم يطابق المعلوم، فيتنوع بتنوع حاله فهو صفة كمال، وإلا كان العلم جهلاً.
وأما إذا سموا هذا تغيراً وادعوا أن ما دخل في هذا الاسم وجب نفيه، فهو كتسميتهم إثبات الصفات تركيباً، ودعواهم أن ما يدخل في ذلك يجب نفيه.
والحجج العقلية إنما تعتبر فيها المعاني لا الألفاظ.
والحجج السمعية يعتبر فيها كلام المعصوم.
وليس في كلام الله ورسوله، ولا الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ما ينفي هذا المعنى الذي سموه تركيباً وتغيراً، بل النصوص المتواترة التي جاءت بها الأنبياء عن الله، كلها تدل على إثبات ما نفوه من هذه المعاني، ولو لم يكن إلا إثبات علمه بكل شيء علماً مفصلاً.
стр. 3898
وهذا القرآن فيه من إخبار الله بالأمور المفصلة عن الشخص المعين، وكلامه المعين، وفعله المعين، وثوابه وعقابه المعين، مثل قصة آدم، ونوح، وهود، وصالح، وموسى، وغيرهم.
ما يبين أنهم من أعظم الناس تكذيباً لرسل الله تعالى.
وكذلك أخباره عن أحوال محمد ﷺ ، وما جرى ببدر، وأحد، والأحزاب، والخندق، والحديبية، وغير ذلك من الأمور الجزئية أقوالاً وأفعالاً.
وأخباره أنه يعلم السر وأخفى، وأنه عليم بذات الصدور، وأنه يعلم ما تنقص الأرض من الموتى وعنده كتاب حفيظ، وأنه يعلم ما في السموات والأرض، وأن ذلك في كتاب.
وأنه ما: ﴿تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ [الأنعام: ٥٩] .
وأنه يعلم ما: ﴿تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار*عالم الغيب والشهادة﴾ [الرعد: ٨-٩] .
وأنه: ﴿عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام﴾ [لقمان: ٣٤] .
وأنه: ﴿قضى أجلا وأجل مسمى عنده﴾ [الأنعام: ٢] .
وأنه: ﴿يعلم ما يسرون وما يعلنون﴾ [النحل: ٢٣] .
وأنه: ﴿أعلم بما يقولون﴾ [طه: ١٠٤] .
إلى أمثال ذلك مما يطول ذكره في كتاب الله تعالى.
стр. 3899
ثم من أعظم الضلال والجهل أن ينفي النافي علم رب العالمين.
بمخلوقه، لكون ذلك يستلزم ما يسمونه تغيراً وحلول حوادث.
ثم نفي هذا المعنى لم يذهب إليه أحد من سلف الأمة ولا أئمتها، وإنما يوافقهم عليه الجهمية.
ومن تلقاه عن الجهمية من الكلابية ونحوهم، فلا يقر بنفي ذلك إلا من هو من أهل الكلام المبتدع المذموم المحدث في الإسلام، ومن تلقاه عنهم جهلاً بحقيقته ولوازمه.
وإذا كان علم الرب مستلزماً لهذا، كان هذا من أعظم البراهين على ثبوته، وخطأ من نفاه شرعاً وعقلاً، فإنه قد علم بالاضطرار من دين الرسول إثبات العلم بكل شيء من الأعيان.
فإذا تبين بصريح العقل أن ذلك يستلزم قيام هذه المعاني بالرب، لزم القول بذلك، كيف والقرآن قد دل على أنه يعلم الشيء بعد كونه، مع علمه بأن سيكون، في بعض عشرة آية، وقد ثبت بالدلائل اليقينية أنه يعلم كل ما فعله، وأنه بكل شيء عليم.
وهو مقتضى حجتهم.
وأما زعمهم مع هذا أنه يعلم الكسوف، وجميع صفاته وعوارضه.
فيقال لهم: إن كان لا يعلم إلا كسوفاً كلياً، لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه، فهو لم يعلم شيئاً من الكسوفات الموجودة.
وإن علم الكسوف الموجود، فكل منها جزئي فلا يتصور أن يعلم الكسوف، إلا مع علمه بالكسوفات الجزئية.
كلام ابن سينا باطل من وجوه. الوجه الأول
كلام ابن سينا باطل من وجوه.
الوجه الأول
وهذا الذي قاله باطل من وجوه: من جهة دعواه أنه مع علمه بالعلة التامة لوجود كل موجود، لا يعلم شيئاً من المعلولات الحادثة،
стр. 3900
وإنما يعلم أمراً كلياً لم يحدث، ولا علة لوجوده، فإن الكليات لا يوجد شيء منها إلا معيناً، فالعلة الموجبة له لا توجب إلا معيناً جزئياً، فمن لم يعلمه معيناً جزئياً، لم يعلم معلول العلة التامة.
الوجه الثاني
من جهة دعواه أنه إذا علم الكسوف على الوجه الكلي، علم جميع صفاته وعوارضه، وعلى هذا فيعلم وجود الإنسان علماً كلياً، مع علمه بجميع صفاته وعوارضه، وهذا باطل.
فإن الصفات والعوارض التي يتصف بها الإنسان وتعرض له، لا يشترك فيها الإنسان، بل ما من إنسان إلا وله صفات وعوارض لا يشركه فيها غيره، كالسحنة والنغمة، فلا يشرك اثنان في سحنة ولا نغمة.
وهذا من دلائل ربوبيته، وأنه بكل شيء عليم، فيمتنع أن يعلم جميع ما يتصف به الإنسان ويعرض له علماً كلياً، وكثير من ذلك، بل أكثره، علم يختص بالواحد من الناس، جزئي لا يشركه فيه غيره، وإن كان الناس يشتركون في أن لهذا رأساً، ولهذا رأساً، ولهذا قلباً وكبداً، ولهذا قلباً وكبداً، ولهذا وجهاً، ولهذا وجهاً، فما من شيئين من ذلك يستويان من كل وجه، بل لكل من ذلك صفة تخصه.
فكيف يتصور أن يعلم تلك الخصائص من لا يعلم إلا الكليات المشتركة التي لا اختصاص فيها؟.
الوجه الثالث
أن هذه الجهات الحادثة من لوازم العلل التي يعلمها علماً تاماً.
فكيف يتصور مع علمه بالعلة التامة علماً تاماً، أن لا يعلم لوازمها؟! وكل حادث بعينه هو من لوازمها، فأحد الأمرين لازم:
стр. 3901
إما أن العلم بالعلة التامة لا يستلزم العلم بالمعلول، وإلا فلا يكون عالماً علماً تاماً بالعلة التامة.
وكلا المقدمتين يسلمون صحتها، فكيف يجوز أن يسلم هاتين المقدمتين، اللتين يقوم عليهما البرهان اليقيني، من ينازع في نتيجتهما اللازمة عنهما بالضرورة؟! وهل هذا إلا جهل بموجب البرهان القياسي في ذلك الذي هم دائماً يقررونه مادة وصورة؟!.
الوجه الرابع
أنهم يقولون: إن جميع الحوادث مستندة إلى حركة النفس الفلكية.
ويقولون: إن النفس الفلكية تعلم جزيئات حركات الفلك.
بل ادعى ابن سينا ومن اتبعه أنها تعلم جميع الحوادث لعلمها بأسبابها، لأن سببها هو الحركة الفلكية، والنفس الفلكية تعلم ذلك، فتعلم المعلولات المسببة عنها.
وزعموا أن هذه النفس هي اللوح المحفوظ، التي أخبرت به الأنبياء، وأن المكاشفات التي تحصل في النوم واليقظة للأنبياء وغيرهم، هي لاتصال نفوسهم بهذه النفس الفلكية.
وأبو حامد ذكر هذا المعنى موافقة لهم في طائفة من كتبه، واتبعه على ذلك طائفة من المتصوفة، وصاروا يدعون الأخذ من اللوح المحفوظ.
ومنهم من يعرف مرادهم باللوح المحفوظ، ومنهم من لا يعرف ذلك، كما وقع ذلك في كلام غير واحد من متأخري الصوفية أتباع أبي حامد والمتفلسفة.
هذا مع أن حركة الفلك ليست هي العلة التامة في حدوث الحوادث، بل يفيض من العقل الفعال ما يفيض من الصور، عند استعداد القوابل بحسب الحركة الفلكية.
فهل ما يقوله هؤلاء في علم الرب وعلم النفس الفلكية التي ادعوا أنها اللوح المحفوظ إلا من أعظم الأقوال
стр. 3902
تناقضاً؟! حيث جعلوا ما هو بزعمهم جزءاً لسبب للحوادث.
فادعوا أن العلم به يوجب العلم بجميع الحوادث الجزئية، ثم العلة التامة عندهم لكل شيء من حادث وغيره، قالوا: إن العلم التام به لا يوجب العلم بكل حادث، وهم في النفس الفلكية محتاجون بعد إثباتها إلى كون حركة الفلك سبباً لحدوث شيء.
وهذا إذا سلم أو قامت عليه حجة لا يمكن أن يدعى أنه علة تامة باتفاقهم، مع اتفاق أهل الملل.
فكيف يجعلون العلم بما ليس بعلة تامة للحوادث موجباً للعلم بجزئياتها؟ ويقولون: العلم التام بما هو علة لها لا يوجب العلم بها؟.
ثم إذا كانت حركة الفلك صادرة عن الرب بوسط أو بغير وسط، وهو يعلم نفسه ويعلم مفعولاته ولوازمها ولوزام لوازمها، وذلك كله من مفعولاته بوسط أو بغير وسط، فإما أن يعلمها مفصلة معينة، أو لا يعلمها مفصلة.
فإن علمها مفصلة، علم لوازمها، فعلم جميع الحوادث مفصلة معينة.
وإن لم يعلمها مفصلة، فلا ريب أن علمه بحركات الفلك أولى من علم النفس الفلكية بكل ما يحدث في الأرض.
فإن هذه أكثر اختلافاً من حركات الفلك.
فالعلم بتلك أقرب إلى العلم الكلي، وهو سبحانه أكمل في خلقه لها، ولو بواسطة من إحداث النفس الفلكية لحوادث الأرض.
ثم علم النفس الفلكية بالحركات: إما كمال وإما نقص، فإن كان نقصاً فينبغي تنزيه العالم العلوي منه، وإن كان كمالاً فخالقها أحق بذلك منها.
ثم تلك الحركات وتصورات النفس وإرادتها جميعها مفعولة
стр. 3903
للرب ومعلولة له على اصطلاحهم، وهو الخالق لها.
والعلم بالعلة التامة يوجب العلم بالمعلول، فيجب علمه بها، وإذا علمها وهي سبب الحوادث-وجب علمه بالحوادث.
ودعواهم مع عدم علمه بالجزئيات أنه يعلم كل صفة في داخل الآدمي وباطنه، وكل ما هو من لواحقه وصفاته ولوازمه، حتى لا يعزب عن علمه شيء، ويعلمه كلياً-دعوى اثنان في أمر موجود في الخارج، بل ولا يتماثل شيئان من كل وجه، وإن كانا يتشابهان من بعض الوجوه.
فالعلم بما يتشابه فيه الناس علم ببعض صفاتهم الكلية، ليس ذلك علماً بجميع صفات كل واحد منهم، ولا صفة كل واحد وعوارضه تماثل الآخر من كل وجه، حتى يكون العلم بالقدر المشترك علماً كلياً يتناولهما، بل لكل واحد خصائص لا يشاركه فيها غيره.
والعلم بالقدر المشترك لا يتناول شيئاً من تلك الخصائص.
والإنسان الموجود إنما كان هو الإنسان الموجود بخصائصه، لا بالقدر المشترك بينه وبين غيره.
بل ذلك القدر المشترك إنما يكون في العلم، لا يكون في الوجود.
فمن لم يعلم إلا الكلي -وهو القدر المشترك- لم يعلم شيئاً من الموجودات البتة.
وإنما ننتفع نحن بالعلم الكلي في الأمور
стр. 3904
الموجودة، إذا أدرجنا الموجودات في الأمر الكلي، كما في علم الشرع والطب وغير ذلك.
فعلم الطبيب بأن السقمونيا تستخرج الصفراء، وأن الدم يستخرج بالفصد والحجامة، لا يوجب علماً بما ينتفع به الناس، إن لم يعلم أن هذا به صفراء، وهذا قد زاد به الدم.
فإذا علم المعينات مع الكليات انتفع بعلمه، وأمكن أن يكون له تأثير في الوجود، ويصير علماً فعلياً، أي هو شرط في الفعل.
فأما العلم الكلي بدون العلم بالجزيئات التي يفعلها الفاعل، فلا يكون علماً فعلياً، ولا يؤثر في وجود شيء ولا في فعله.
وبهذا يتبين أن قولهم: إن علم الرب تعالى فعلي، مع إخراج الجزئيات الموجودة عنه تناقض يعرفه من تصور القولين.
وعامة أقوال القوم متناقضة، لكن ضلالهم في مسألة العلم عظيم جداً، وهو من أقبح الكفر وأعظمه منافاة لصريح المعقول، وما فطر الله عليه عباده.
وقوله: إن شخص زيد إنما يتميز عن شخص عمرو للحس لا للعقل، فإن عماد التمييز الإشارة إلى جهة معينة، والعقل يعقل الجهة المطلقة الكلية والمكان الكلي.
فأما قولنا: هذا وهذا، فهو إشارة إلى نسبة حاصلة لذلك المحسوس إلى الحاس، بكونه منه على قرب أو بعد أو جهة معينة.
стр. 3905
فيقال لهم: من الذي فرق في حق الخالق تعالى بين الحس والعقل حتى وصفه بالعقل دون الحس؟ فإن كنتم تحتجون بالمعقولات التي تعرفونها، فهي تبطل هذا الفرق.
وإن كنتم تعتصمون بالشرع، فهو لم يطلق عليه اسم العقل ولا الحس، لكن قال: لفظ العلم والسمع والبصر، وبين أنه بكل شيء عليم، وأنه سميع بصير، والسمع والبصر هو مما يريدونه بلفظ الحس.
فإن قلتم: أن علمه بالجزئيات المشخصة لا يمكن إلا مع رؤيته لها.
فلا محذور في إثبات رؤيته لكل مخلوق.
وإذا قلتم: هذه المحسوسات في جهة، والإحساس بها يقتضي كونها بجهة من الحاس على قرب أو بعد.
فهذا يناسب قولكم: إن ماليس في مكان ليس له نسبة إلى المكان.
وحينئذ فيقال: أنتم تعلمون أن النفس لها تعلق للشعور والتدبير بالبدن الجزئي.
فإن ذلك يستلزم أن يكون الذي يحس البدن جسماً، فالنفس جسم، وتدبير رب العالمين لمخلوقاته أعظم من تدبير النفس للبدن.
فإن النفس ليست مستقلة بتدبيره، بل لها شركاء في قوى طبيعة وأسباب خارجية.
وأما رب العالمين فلا شريك له في تدبير مخلوقاته، فيكون علمه بهم ورؤيته لهم أعظم من علم النفس ببدنها وإدراكها له، سواء سمي هذا وهذا حساً أو لم يسم.
وما شاركتم فيه الجهمية من النفي لا ينفعكم، وإنما تنفعكم الأدلة
стр. 3906
الصحيحة أو الشرعية.
وقد قدمنا غير مرة أنه ليس لكم دليل ينفي ما سميتموه تركيباً عن واجب الوجود، ولا ما ينفي الصفات، حتى أن الغزالي، مع نفيه لكون الرب جسماً، بين أنه لا دليل لكم على ذلك.
وأنتم تقولون: لا دليل لنفاة المتكلمين على نفي ذلك، كما قد حكي ذلك عن الفريقين في موضعه، وبين ما ذكر في حجج الفريقين من الفساد العقلي والابتداع الشرعي.
وأيضاً فإذا كان لا يعلم إلا الأمور الكلية الأزلية الأبدية التي لا تقبل التغير، فيجب أن لا يعلم أحداً من الأنبياء والرسل، ولا شيئاً مما أمروا به الناس، فإنه ليس شيء من ذلك أزلياً أبدياً، بل يجب أن لا يعرف وجود بني آدم ولا غيرهم من الحيوانات، إلا إذا ثبت أن وجود لك لازم لوجود الأفلاك.
ومعلوم أنهم ليس لهم دليل على قدم نوع من المركبات، لا الإنسان ولا غيره من الحيوانات، وإن اعتقدوا قدم الأفلاك فإن حدوث الحوادث السفلية هو عن حركات الأفلاك.
والحركات متنوعة، وتحدث فيها أشكال غريبة، فيجوز أن يكون حدوث ما حدث من الأنواع بسبب بعض الأشكال التي حدثت، ولهذا يجوز عندهم تحول المعمور من الربع الشمالي إلى الجنوبي، وغير ذلك من التغيرات العظيمة، ويجب أن لا يكون له علم بالطوفانات العامة، كطوفان نوح وغيره، لأنه من هذا الباب، بل يجب أن لا يكون عالماً بشيء من أحوال الأفلاك وغيرها، ما لم يثبت أن ذلك بعينه قديم أزلي.
وهم لا دليل لهم على قدم شيء من العالم، وإنما حججهم تدل
стр. 3907
على قدم نوع فعله، لا على قدم شيء بعينه من المفعولات، وقد قامت الأدلة على أن كل ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن، وإن قيل: إنه لم يزل متكلماً فاعلاً.
وعلى هذا التقدير فلا يكون عالماً بشيء من مخلوقاته، إذ كلها حادثة، وهم لا يعلمون شيئاً من المحدثات، ويجب أن لا يكون عالماً بما يتكلم به وما يفعله، مع قيام الدليل على أنه يتكلم بمشيئته وقدرته، بل ولازم هذا القول أنه لم يفعل شيئاً، فإنه لا يفعل إلا بمشيئته، ولا يشاء إلا مع علمه بما يشاؤه، فإذا قدر أنه لم يعلم الفعل المعين والمفعول المعين، لزم أنه لم يفعل شيئاً، ولزم أن كل من فعل بقدرته ومشيئته كان أكمل منه، لأنه فعل بعلم وقدرة ومشيئة، وهذا في صريح العقل أكمل ممن لا يفعل شيئاً، أو ممن يفعل بلا قدرة ولا مشيئة ولا علم.
وأيضاً فإنما يجوز أن يعلم المفعولات على وجه كلي أزلي أبدي لا يتغير، أن لو كانت المخلوقات مخلوقة على هذا الوجه، ولو كان كذلك لزم أن لا يكون في العالم شيء من الحوادث، لأن حدوث الحادث بعد أن لم يكن إنما يكون عن حدوث تمام علته، وحدوث تمام العلة لا بد له من سبب حادث، وهو تمام علته التامة، حتى ينتهي الأمر إليه تعالى، فلا بد أن يحدث ما يكون تمام العلة التامة لحدوث الحوادث، فإن قدر أنه لم يعلم إلا الأمر القديم الأزلي الأبدي، امتنع أن يحدث شيئاً
стр. 3908
لوجهين: أحدهما: أن الحادث لا يحدث عن قديم أزلي أبدي بدون حادث.
وهذا أصلهم الذي يقولون به.
ثم نقول: إن جاز حدوث الحادث عن القديم، جاز أن يفعل بعد أن لم يكن فاعلاً، ولزم حينئذ علمه بالمحدثات.
وإن لم يجز ذلك امتنع أن يحدث عن العلة القديمة التامة شيء من الحوادث، فلا يحدث في العالم شيء.
وإذا بطل كون العالم مخلوقاً عن علة أزلية لم يحدث عنها، لزم أن الحوادث حدثت عند كمال الموجب لحدوثها، وذلك بحدوث تمام الموجب لحدوثه، وذلك يرجع إلى أمور قائمة به متعلقة بمشيئته وقدرته، وحينئذ فيجب علمه بها، لأنه من لوازم نفسه، ولامتناع وجودها بدون العلم بها.
وأيضاً فلأن الحوادث إنما هي صادرة عنه، سواء صدرت بوسط أو بغير وسط، فإن لم يكن عالماً بها على الوجه الذي حدثت عليه، لم يكن عالماً بعلتها التامة المستلزمة لحدوثها، لأن العلم بالعلة التامة يستلزم العلم بالمعلول، فإذا قدر عدم العلم بالمعلول، لزم عدم العلم بالعلة التامة، وإذا امتنع العلم بالعلة التامة، لزم أن ينتفي العلم بعلة العلة، حتى يلزم عدم علمه التام بنفسه.
وإذا قدر عالماً بنفسه، لزم علمه بكل حادث على الوجه الذي حدث عليه، ولزم علمه بكل جزئي، لأنه هو الفاعل له على هذا الوجه، وإن كان بطريق اللزوم، فإن علمه بالملزوم كفعله للملزوم، والعلم التام بالملزوم يوجب العلم بلوازمه، كما تقدم بيانه.
стр. 3909
كلام ابن رشد في مناهج الأدلة عن صفة الإرادة ورد ابن تيمية عليه
قال ابن رشد: وأما صفة الإرادة فظاهر اتصافه بها، إذ كان من شرط صدور الشيء عن الفاعل العالم أن يكون مريداً له، وكذلك من شرطه أن يكون قادراً.
فأما أن يقال: إنه مريد للأمور المحدثة بإرادة قديمة فبدعة، وشيء لا يعقله العلماء، ولا يقنع الجمهور، الذين بلغوا رتبة الجدل، بل ينبغي أن يقال: إنه مريد لكون الشيء في وقت كونه، وغير مريد لكونه في غير وقت كونه، كما قال تعالى: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ [النحل: ٤٠] ، فإنه ليس عند الجمهور شيء يضطرهم إلى أن يقولوا: إنه مريد للمحدثات بإرادة قديمة، إلا ما توهمه المتكلمون من أن الذي تقوم به الحوادث حادث.
وقد تبين من قولنا: إن الحوادث التي توجب الحدوث للمحل
стр. 3910
الذي تقوم به، هي الحوادث التي تغير جوهر الشيء، وأما تحقيق إرادة الإله فمن علم الخواص الخاص بهم، فهؤلاء أرادوا أن يفهموا الناس من الإرادة معنى غير المفهوم من معنى الإرادة المعروفة المفهومة، التي صرح بها الشرع، وهو معنى لا يفهمه الجمهور، ولا تكيفه العقول، وجعلوا ذلك أصلاً من أصول الشريعة، وكفروا من لم يقل به.
وإنما طور العلماء في هذا المقام أن يقوم البرهان عندهم أن هناك إرادة غير مكيفة لا يقال عنها: إنها إرادة قديمة يلزم عنها حادث، ولا إرادة حادثة، مثل التي في الشاهد، بل هي إرادة العقول الإنسانية مقصرة عن تكييفها، كما هي مقصرة عن تكييف سائر الصفات التي وصف بها نفسه، لأنها متى كيفت أشبهت الصفات المكيفة المحدثة، فوجب أن يصدق بجميعها بالدلائل البرهانية بلا كيف.
قلت: أما كونها إرادة ليست مثل إرادة الخلق، فهذا لا بد منه فيها وفي سائر الصفات.
هذا لا يختص بالإرادة، كما أن الرب نفسه ليس كمثله شيء، فصفاته كذاته.
لكن مجرد نفي هذا لا ينازعه فيه أحد، ومضمون كلامه الوقف عن الكلام في قدمها وحدوثها، لا بيان حل الشبهة، كما فعل في مسألة العلم.
стр. 3911
والفلاسفة الدهرية حائرون في هذا الموضع.
ومن يتكلم فيها تناقض كلامه، لفساد الأصل الذي يبنون عليه، وهو صدور الحوادث عن علة موجبة لمعلولها بوسط أو بغير وسط، فإن هذا ممتنع، بل هو جمع بين النقيضين، لأن العلة التامة لا يتخلف عنها شيء من موجبها، ولا موجب موجبها، والحوادث متأخرة، فلا يكون من موجبها ولا موجب موجبها، فجعلها من موجبها أو موجب موجبها تناقض.
فإذا كانوا حائرين في أصل صدور الحوادث عنه، فكيف في إرادته لها وعلمه بها؟.
وما ذكره من أن نفاة المتكلمين لا دليل عندهم إلا ما ذكر من أن الذي تقوم به الحوادث حادث، وما ذكره من إبطال دليلهم على ذلك، هو له ألزم.
فإن الفلاسفة يقيموا على ذلك دليلاً بحال، إلا ما ينفي الصفات مطلقاً.
وقولهم في ذلك باطل متناقض إلى الغاية، كما قد بين في موضعه.
وكلامه يتضمن إثبات الصفات.
فإذا كان من أصلهم أن القديم قد يقوم به الحادث، مع أنه تقوم الصفات بالواجب القديم، كان ما ألزمه لنفاة المتكلمين له ألزم.
قال: فإن قيل: فصفة الكلام من أين تثبت له؟
قلنا: تثبت له من قيام الصفة العلم به، وصفة القدرة على الاختراع.
فإن الكلام ليس شيئاً أكثر من أن يفعل المتكلم فعلاً يدل
стр. 3912
عند المخاطب على العلم الذي في نفسه، ويصير المخاطب بحيث ينكشف له ذلك العلم الذي في نفسه.
وذلك فعل من جملة أفعال الفاعل.
قلت: الكلام ليس هو من نفس التكليم، فليس كل متكلم مخاطباً لغيره، والنظر أولاً في إثبات كونه متكلماً، ثم في إثبات كونه مكلماً لغيره، وما ذكره إنما هو في إثبات كونه مكلماً لغيره.
ثم إنه لم يذكر إلا مجرد الإعلام والإفهام والدلالة بأي طريق كان.
وما يسمى إعلاماً وإفهاماً.
ويسمى تكليماً مع الإطلاق أو التقييد درجات.
كما قال تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء﴾ [الشورى: ٥١] ، فالتكلم من وراء حجاب كما كلم موسى، وبإرسال ملك كما أرسل جبريل بالقرآن، أعظم من مجرد الإيحاء.
كما قال: ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه﴾ [القصص: ٧] .
وقال: ﴿وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي﴾ [المائدة: ١١١] .
ولا ريب أن الدلالة على مراتب: أحدها: أن يدل الدليل بغير شعور منه ولا قصد، فهذا الذي يسمى لسان الحال، وكل ما يسمى دليلاً فيسمى بهذا الإعتبار شاهداً ومعرفاً وقائلاً، كما قال:
стр. 3913
امتلأ الحوض وقال قطني
قطني رويداً قد ملأت بطني
وقالت: انساع بطنه.
وقال الحائط للوتد: لم تشقني؟.
ولا يجوز أن يجعل تكليم الله من هذا الباب عند المسلمين، وقد يجعل تكليمه من هذا الباب من يقول: إنه لا يعلم الجزئيات.
والدرجة الثانية: أن يكون الدال عالماً بالمدلول عليه، لكنه لم يقصد إفهام مخاطب، ولكن حاله دل المستدل على ما علمه، كالأصوات التي تدل بالطبع، مثل البكاء والضحك ونحوهما، فإنها تدل على ما يعلمه المرء من نفسه، مثل الحزن والفرح وكذلك صفرة الوجل وحمرة الخجل تدل على ما يعلمه المرء من فزعه وحيائه، وإن لم يقصد الإعلام بذلك.
ومن هذا الباب قول الشاعر:
تحدثني العينان ما القلب كاتم ... ولا خير في الشحناء والنظر الشزر
وقول الآخر:
والعين تعلم من عيني محدثها ... إن كان من حزبها أو من أعاديها
ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول﴾ [محمد: ٣٠] ، فهو يعلم من السيماء
стр. 3914
ومن لحن القول ما لم يقصدوا الإعلام به.
وتكليم الله عند المسلمين لا يجوز أن يكون من هذا الباب، اللهم إلا عند القدرية، الذين يقولون: إن ما يحدث من علم العبد قد يحدث بدون إرادة الله.
والدرجة الثالثة: الدلالة التي يقصدها الدال: فمنها: الإعلام بغير خطاب مسموع، كمن يعلم لغيره علامات تدله على ما يريد، وكإشارة الأخرس، ونحو ذلك.
فالله تعالى قد يعلم عباده بأنواع كثيرة من الدلائل والإعلام.
وهذا هو الذي أثبته المذكور.
ولكن لازم هذا أن يكون كل من علم علماً فقد كلمه الله، فإنه قد نصب دليلاً أيعرفه بذلك، والله عالم به، وهو مريد لما وقع.
ولهذا قال: وقد يكون من تكليم الله ما يلقيه إلى العلماء بواسطة البراهين لكن من الناس من يستشعر أن الله هداه إلى ذلك وعلمه إياه، بما نصبه من الأدلة.
ومن الناس من قد يعرض عن ذلك، ولا ينظر إلا إلى ما دله، وقد يقع بنفس الإنسان من ذلك مالا يعرف عليه دليلاً معيناً.
ومعلوم أن جعل كلام الله ليس إلا من هذا النوع خطأ، بل هذا النوع ليس هو الإيحاء المذكور في القرآن، فإن ذاك إيحاء بما يؤمر به.
стр. 3915
كما قال تعالى: ﴿وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي﴾ [المائدة: ١١١] .
وقال: ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه﴾ [القصص: ٧] .
بل إيحاء النحل ليس مقتصراً على هذا، فإن ذاك أيضاً إيحاء بما يريد أن يفعل، وهذا ليس فيه إلا مجرد الإعلام.
والتكليم للغير قد يكون مجرد إخبار له وإعلام، وقد يكون طلباً منه لفعل أو لترك: إما لمصلحته، وإما لمجرد إرادة الأمر.
وهذا النوع من التكلم مستلزم للأول، والأول لا يستلزم هذا، فليس كل من أعلم بشيء أمر بشيء، وكل من أمر بشيء فقد أعلم بالمأمور به، وهو لم يذكر إلا مجرد الإعلام، فاقتصر على أدنى نوعي التعليم في آخر درجات التكليم.
وهذا الذي ذكره غاية ما يثبته القائلون بقدم العالم من المتفلسفة والصابئة ونحوهم.
والذين يقولون: إن الله يتكلم بكلام مخلوق يخلقه في غيره، خير من هؤلاء.
وهذا الدرجة أرفع من درجة مجرد الإعلام مع قصده العلم، لأن هذا إعلام بكلام منظوم مسموع، وهذا أبلغ من إعلام بمجرد ما يقع في النفس، فإذا كان من لم يثبت لله كلاماً إلا كلاماً مخلوقاً في غيره، مع أنه حروف منظومة، من أضل الناس عند سلف الأمة وأئمتها، فكيف من لم يثبت إلا مجرد الإعلام؟!.
وأهل السنة لا ينازعون في أن مثل هذا الإعلام واقع من جهة الله
стр. 3916
تعالى، ولكن يقولون: ليس كلامه وتكليمه هو هذا فقط، بل هذا يحصل لعموم الخلق.
وأما تكليمه من وراء حجاب، أو بإرسال رسول، فهذا مخصوص بالأنبياء.
وهؤلاء المتفلسفة يجعلون النبوة من جنس ما يحصل لعلماء الفلاسفة الكاملين عندهم.
ومن هذا صار كثير من متصوفة الفلاسفة يطمعون في النبوة، أو فيما هو أعلى منها عندهم، كما حدثونا عن السهروردي المقتول أنه كان يقول: لا أموت حتى يقال لي: قم فأنذر.
وكذلك ابن سبعين كان يقول: لقد زرب ابن آمنة حيث قال: لا نبي بعدي.
وابن عربي صاحب الفتوحات المكية كان يتكلم في خاتم الأولياء، ويقول: إنه أعلم بالله من خاتم الأنبياء، وإن الأنبياء جميعهم يستفيدون العلم بالله من جهة هذا المسمى بخاتم الأولياء، والعلم بالله عندهم هو القول بوحدة الوجود، كما قد عرف من قول هؤلاء ويقول:
مقام النبوة في برزخ ... فويق الرسول ودون الولي
стр. 3917
ويقول: إن خاتم الأولياء يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك، الذي يوحى به إلى الرسول.
وهذا على أصل هؤلاء الفلاسفة الملاحدة، الذين يجعلون الملائكة ما يتمثل في نفس النبي من الصور الخيالية النورانية، وكلام الله ما يحصل في نفسه من ذلك.
فالنبي عندهم يأخذ عن هذه الأمثلة الخيالية في نفسه الدالة على العلم العقلي، والولي يأخذ العلم العقلي المجرد.
ولهذا يجعلون تكليم الله لأحدهم أفضل من تكليمه لموسى بن عمران، لأن موسى كلم عندهم بحجاب الحرف والصوف، أي بخطاب كان في نفسه، ليس خارجاً عن نفسه.
ويقول بعضهم كلم من سماء عقله، وأحدهم يكلم بدون هذا الحجاب، وهو إلهامه المعاني المجردة في نفسه.
وصاحب خلع النعلين وأمثاله يسلكون هذا المسلك.
وهؤلاء أخذوا من مشكاة الأنوار التي بناها واضعها على قانون الفلاسفة، وجعل تكليم الله لموسى من جنس ما يلهمه النفوس من العلوم.
стр. 3918
ولما كان ابن رشد هذا يعتقد في الباطن ما يعتقده من مقالات المتفلسفة، كانت غايته فيما أثبته من كلام الله، هو من جنس الإعلام العام، الذي يشترك فيه نوع الإنسان.
ولهذا كانت اليهود والنصارى أعظم إيماناً بالله وأنبيائه ودينه وبالآخرة من الفلاسفة، لكن في اليهود والنصارى من يسلك مسلك هؤلاء المتفلسفة، فيجتمع فيه الضلالان.
واليهود والنصارى آمنوا ببعض ما أنزل الله وكفروا ببعض.
كما قال تعالى: ﴿إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا * أولئك هم الكافرون حقا﴾ [النساء: ١٥٠-١٥١] .
لكن أولئك آمنوا ببعض الكتب والرسل وكفروا ببعض، وهؤلاء المتفلسفة قد يقرون بجميع الأنبياء والكتب، لكن هم في إيمانهم بجنس الأنبياء والكتب، يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، فخيارهم يؤمنون بدرجة من درجات إعلام الله وإيحائه إلى عباده، كما ذكر ابن سينا وابن رشد وأمثالهما، ولا يؤمنون بما فوق ذلك.
وكذلك فيما أخبرت به الرسل من الغيب: يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض.
وكذلك فيما أمروا به، فهم يؤمنون ببعض نوع الرسالة ويكفرون ببعض.
ولهذا قد يكون اليهود والنصارى خيراً منهم، وقد يكون خيارهم أقرب إلى الإسلام من اليهود والنصارى من بعض الوجوه، ويكونون
стр. 3919
من هذا الوجه خيراً من اليهود والنصارى.
ومعلوم أن المنافقين الداخلين في الإسلام فيهم من هو شر من اليهود والنصارى، وفيهم من يكون نفاقه أخف من كفر اليهود والنصارى.
تابع كلام ابن رشد عن صفة الكلام ورد ابن تيمية عليه
قال ابن رشد: وإذا كان المخلوق الذي ليس بفاعل حقيقي -أعني الإنسان- يقدر على هذا الفعل من جهة ما هو عالم قادر، فإنه بالحري أن يكون ذلك واجباً في الفاعل الحقيقي.
قال: ولهذا الفعل شرط آخر في الشاهد، وهو أن يكون بواسطة، وهو اللفظ.
وإذا كان هذا هكذا، وجب أن يكون الفعل من الله تعالى، في نفس من اصطفى من عباده، بواسطة ما، إلا أنه ليس يجب أن يكون لفظاً، ولا بد مخلوقاً له، بل قد يكون بواسطة ملك، وقدي كون وحياً، أي يغير لفظ يخلقه، بل يفعل فعلاً في السامع ينكشف له به ذلك المعنى.
وقد يكون بواسطة لفظ يخلقه الله في سمع المستمع المختص بكلامه.
وإلى هذه الأطوار الثلاثة الإشارة بقوله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من
стр. 3920
وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء﴾ [الشورى: ٥١] .
فالوحي هو وقوع ذلك المعنى في نفس الموحى إليه بغير واسطة لفظ يخلقه، بل بانكشاف ذلك المعنى له بفعل يفعله في نفس المخاطب.
كما قال تعالى: ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى * فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ [النجم: ٩-١٠] .
وقوله: ﴿من وراء حجاب﴾ هو الكلام الذي يكون بواسطة ألفاظ يخلقها في سمع الذي اصطفاه بكلامه، وهذا هو كلام حقيقي، وهو الذي خص الله به موسى، ولذلك قال: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ [النساء: ١٦٤] .
وأما قوله: ﴿أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه﴾ [الشورى: ٥١] ، فهذا هو القسم الثالث، وهو الذي يكون بواسطة الملك.
قال: وقد يكون من كلام الله ما يلقيه إلى العلماء، والذين هم ورثة الأنبياء، بواسطة البراهين.
стр. 3921
قلت: هذا كله على أصله إخوانه الفلاسفة كما تقدم.
وهؤلاء في الحقيقة لم يثبتوا لله كلاماً ولا تكليماً هو أمر ونهي، وإنما أثبتوا مجرد العلم والإعلام.
وقوله: ولهذا الفعل شرط في الشاهد -وهو اللفظ- فيجب أن يكون من الله بواسطة، وهو الملك، أو جعل العبد عالماً بذلك، أو لفظ يخلقه في سمع المستمع فهذا شر من قول المعتزلة، الذين يقولون: كلام الله مخلوق.
كلام ابن رشد السابق خطأ من عدة وجوه
وهو متضمن لعدة وجوه من الخطأ: منها: أن الملك إذا كان واسطة رسول إلى من أرسل إليه، كما أن البشر أيضاً رسول، ومثل هذه الواسطة قد تكون من العبد أيضاً، فإنه قد يرسل رسولاً، كما يكتب كتاباً، والرسول مبلغ لكلام المرسل، فلا بد من إثبات كلام يبلغه الرسول.
والرسول قد يبلغ لفظ المرسل، وقد يبلغ معناه بعبارة أخرى، وقد يفهم مراده بطريق آخر فيبلغه عنه، فهذا كله يقع في البشر، كما يقع تكليم بعضهم لبعض باللفظ، فلا يجعل هذا من الله نوعاً من الأنواع القائمة مقام اللفظ من البشر، فإن البشر تجمع بين النوعين: بين اللفظ وبين هذا، فكان الواجب أن يجعل هذا من الله قائماً مقام الإرسال من البشر، لا مقام اللفظ.
وأيضاً فإن الأقسام الثلاثة التي ذكرها لا تقوم مقام اللفظ من البشر.
أما إحداث الفهم في العبد، فهذا مفعول من مفعولات الله
стр. 3922
كسائر مفعولاته، فجعل العبد يعلم بمنزلة جعله يسمع ويبصر، ويقدر ويعمل.
ومعلوم أن هذا لا يقدر عليه غير الله، وهو مع هذا متناول لجميع الحيوان.
قال تعالى: ﴿سبح اسم ربك الأعلى* الذي خلق فسوى* والذي قدر فهدى﴾ [الأعلى: ١-٣] .
وقال موسى: ﴿ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ [طه: ٥٠] .
فهل يكون كل من جعله الله يعلم ما لم يكن يعلم يكون قد كلمه الله؟
وأيضاً فهذا ليس نظير خطاب الإنسان بلفظه، ولا هذا واسطة في هذا التكليم، بل هذا هو نفس الواسطة.
وهو يثبت أمرين: أحدهما: فعل من الله هو التكليم.
والثاني واسطة أخرى غير الفعل.
وذلك لا يصلح لأمرين: أحدهما: أن الفعل غير المفعول، كما أقر بذلك غير مرة.
وهنا لا يثبت لله فعلاً غير ما حدث في نفس الملهم.
الثاني: أنه ليس هناك واسطة غير هذا الحادث، فنفس كون العبد يعلم هو التكليم عنده، وهو مفعول الحق.
وإذا قدر قبل هذا العلم خلق استعداد في العبد، وإثبات شروط، وإزالة موانع، فتلك هي شروط العلم، كالنظر والاستدلال فيما يحصل بذلك.
وأما قوله: بواسطة لفظ يخلقه الله في سمع المستمع المختص بكلامه.
فيقال له: هذا اللفظ: إن كان موجوداً في شيء خارج عن المستمع، فهو قول المعتزلة، الذين يقولون: إن الله كلم موسى بكلام مخلوق في غيره.
стр. 3923
وهو لم يرد هذا، بل قوله وقول أصحابه شر من هذا.
وإن أراد ما هو مدلول لفظه وقول أصحابه، وهو أنه خلق لفظاً في نفس موسى سمعه موسى من غير أن يكون له وجود في الخارج، فهذا من جنس ما يسمعه النائم في نفس من الأصوات، وما يقع لأرباب الرياضيات من الأصوات التي يسمعونها في أنفسهم.
ولا ريب أن إحداث المعاني العقلية المجردة في نفس الإنسان أكمل من إحداث هذه في نفسه، فيكون تكليمه لموسى أنقص من إيحائه إلى سائر النبيين، والله قد فضل موسى بالتكليم، وعلم ذلك بالضرورة من دين المسلمين واليهود والنصارى.
قال تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا* ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما﴾ [النساء: ١٦٣-١٦٤] .
وقال تعالى: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله﴾ [البقرة: ٢٥٣] .
وقال: ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني﴾ إلى قوله: ﴿قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي﴾ [الأعراف: ١٤٣-١٤٤] .
وقال: ﴿وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا﴾ [مريم: ٥٢] .
стр. 3924
وقال: ﴿فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين﴾ [القصص: ٣٠] .
وقال: ﴿هل أتاك حديث موسى * إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى﴾ [النازعات: ١٥-١٦] .
وما ذكروه من حدوث أصوات في نفس الإنسان يسمعها: إما يقظة وإما مناماً، يحصل لآحاد الناس في كثير من الأوقات، وسمع الإنسان للهواتف في نفسه أكثر من أن يحصى، فإن كان تكليم موسى من هذا الجنس، فآحاد الناس شركاؤه في هذا، فكيف بالأنبياء، فكيف بالمرسلين؟!.
ومعلوم أن الله خص موسى بالتكليم تخصيصاً لم يشركه فيه: لا نوح، ولا إبراهيم، ولا عيسى، ولا نحوهم من النبيين.
وقوله: إن ذلك الكلام الذي يكون بواسطة ألفاظ يخلقها في سمع الذي اصطفاه بكلامه، وهذا هو كلام حقيقي، وهو الذي خص به موسى كلام باطل، فإن هذا ليس بالتكليم الحقيقي الذي خص به موسى، بل ليس هو التكليم الحقيقي عند أحد من الأمم.
ولا يعقل أحد في التكليم هذا، وإنما هذا من جنس المنامات، وغايته أن يكون من جنس الإيحاء.
والإنسان قد يرى في منامه أن الله خاطبه بكلام كثير يسمعه، فإن كان هذا كلام حقيقي لله، فما أكثر
стр. 3925
الكلام الحقيقي لله، وما أكثر تكليمه بكلام حقيقي لآحاد الناس! كما كلم موسى بن عمران النجي المقرب المخصوص بالتكليم.
وأيضاً قوله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب﴾ [الشورى: ٥١] ، يقتضي أن التكليم من وراء حجاب نوع غير الوحي، وأن المكلم بذلك محجوب أن يرى الله، لأن التكليم المسموع قد يكون مع رؤية المستمع للمتكلم، وقد يكون مع كونه محجوباً عنه، بخلاف الوحي، فإنه يقع في قلبه، فلا يحتاج أن يجعل نوعين.
ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان» ، فلو كان الكلام المسموع هو شيئاً قائماً بالمستمع، لا وجود له في الخارج، لكان من جنس الوحي الذي لا يحسن أن يقال معه: من وراء حجاب، فإن صاحب هذا لم يسمع شيئاً منفصلاً عنه، يمكن مشاهدة المتكلم به تارة، وحجب المستمع عنه أخرى.
والكلام على هذا مبسوط في موضعه.
والمقصود هنا التنبيه على ما تعرف به الأقوال الموافقة للقرآن والمخالفة له، فإن هذا الباب خاض فيه طوائف من الناس.
وأكثر الناس يسمعون كلام هذا وهذا، ولا يعرفون حقائق الأقوال ومراتبها في القرب من الحق والبعد منه.
следующие страницы →