← Акыда

Акыда · id 21506

درء تعارض العقل والنقل

ابن تيمية

Полный текст (4 031 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الرب : أنها لو قامت به لم يخل عنها، وذلك يقضي بحدثه، فإذا جوز الخصم عرو الجوهر عن حوادث مع قبوله لها صحةً وجوزاً فلا يستقيم مع ذلك دليل على استحالة قبول البارىء للحوادث) . قلت: فلقائل أن يقول: هذا غايته إلزام لهؤلاء المعتزلة: إنكم إذا جوزتم ذلك يكن لكم حجة على استحالة قبول الباري للحوادث. فيقال: إما أن يكون هذا لازماً، وإما أن لا يكون لازماً: فإذا كان لازماً دل ذلك على أنه لا دليل للمعتزلة على ذلك، ولا دليل له أيضاً، فإن مجرد موافقة المعتزلة له لا يكون دليلاً لواحد منهما في شيء من المسائل التي لم نعلم فيها نزاعاً، فكيف مع ظهور النزاع؟ وإن لم يكن لازماً لهم لم يكن حجة عليهم. فقد تبين أنه لم يذكر حجة على أن القابل للشيء لا يخلو منه ومن ضده. الموضع الثاني - قال في أثناء الكتاب:

стр. 597

(فصل) مما يخالف فيه الجوهر حكم الإله: قبول الأعراض، وصحة الاتصاف بالحوادث، والرب يتقدس عن قبول الحوادث) . قال: (وذهبت الكرامية إلى أن الحوادث تقوم بذات الرب، ثم زعموا أنه لا يتصف بما يقوم به من الحوادث، وصاروا إلى جهالة لم يسبقوا إليها، فقالوا: القول الحادث يقوم بذات الرب، وهو غير قائل به، وإنما يقول بالقائلية، والقائلية عندهم القدرة على التكلم، وحقيقة أصلهم: أن أسماء الرب لا يجوز أن تتجدد، ولذلك وصفوه بكونه خالقاً في

стр. 598

الأزل، ولم يتحاشوا من قيام الحوادث به، وتنكبوا إثبات وصف جديد له ذكراً وقولاً) . قال: (والدليل على بطلان ما قالوه: أنه لو قبل الحوادث لم يخل منها، لما سبق تقريره في الجواهر، حيث قضينا باستحالة تعريها عن الأعراض، ولو لم تخل عن الحوادث لم تسبقها، وينساق ذلك إلى الحكم بحدث الصانع) . قال: (ولا يستقيم هذا الدليل على أصل المعتزلة،، مع مصيرهم إلى تجويز خلو الجوهر عن الأعراض، على تفصيل لهم أشرنا إليه، وإثباته أحكاماً متجددة لذات الرب تعالى من الإرادة المحدثة القائمة لا بمحل على زعمهم، ويصدهم أيضاً عن طرد دليل في هذه المسألة: إنه إذا لم يمتنع تجدد أحكام للذات من غير أن تدل على الحدث لم يبعد مثل ذلك في اعتوار نفس الأعراض على الذات) .

стр. 599

هذا كلامه، ولقائل أن يقول: قوله: (الدليل على بطلان ما قالوه: أنه لو قبلها لم يخل منها لما سبق تقريره في الجواهر) هو لم يذكر دليلاً هناك إلا قياس ما قبل الاتصاف على ما بعده، وهو ليس حجة علمية عقلية، بل غايته: احتجاج بموافقة منازعة في مسألة عظيمة عقلية ترد لأجلها نصوص الكتاب والنسة، وينبني عليها من مسائل الصفات والأفعال أمور عظيمة اضطرب فيها الناس، فمن الذي يجعل أصول الدين مجرد قول قالته طائفة من أهل الكلام وافق بعضهم بعضاً عليه من غير حجة عقلية ولا سمعية؟. وقد أجابه المنازعون بجواب مركب، وهو إما الفرق - إن صح - وألا منع حكم الاصل. وأيضا فأنه قد قرر هناك وهنا أن المعتزلة أئمة الكلام الذين أظهروا في الإسلام نفي الصفات والأفعال، وسموا ذلك تقديساً له عن الاعراض والحوادث، وقد ذكر أبوالمعالي أنه لا حجة لهم على استحالة اتصافه بالحوادث، وانه يلزمهم نقيض ذلك، أما الأول: فإن القابل للشيء عندهم يجوز أن يخلو عنه وعن ضده، وأما لزوم هذا القول لهم: فلإ ثباتهم أحكاما متجددة للرب، وأنه إذا لم يمتنع تجدد أحكام للذات

стр. 600

من غير أن يدل على الحدوث: لم يبعد مثل ذلك في اعتوار أنفس الأعراض، وكان ما ذكره الأستاذ أبو المعالي يقتضي أن القول بحلول الحوادث يلزم المعتزلة، وأنه لادليل لهم على نفي ذلك، وهو أيضاً لم يذكر دليلاً لموافقيه على نفي ذلك. فأفاد ما ذكره أن أئمة النفاة لحلول الحوادث به القائلين بأنه لا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته لا دليل لهم على ذلك، بل قولهم يستلزم قول أهل الإثبات لذلك. قال: (ونقول للكرامية: مصيركم إلى إثبات قول حادث مع نفيكم اتصاف الباري به تناقض، إذ لو جاز قيام معنى بمحل من غير أن يتصف المحل بحكمه لجاز شاهداً قيام أقوال وعلوم وإرادات بمحال من غير أن تتصف المحال بأحكام موجبة عن المعاني، وذلك يخلط الحقائق ويجر إلى جهالات) . قال: (ثم نقول لهم: إذا جوزتم قيام ضروب من الحوادث بذاته، فما المانع من تجويز قيام أكوان حادثة بذاته على التعاقب؟

стр. 601

وكذلك سبيل الإلزام فيما يوافقوننا على استحالة قيامه به من الحوادث. ومما يلزمهم: تجويز قيام قدرة حادثة وعلم حادث بذاته، على حسب أصلهم في القول والإرادة الحادثين ولا يجدون بين ما جوزوه وامتنعوا عنه فصلاً) . قال: (ونقول لهم: قد وصفتم الرب تعالى بكونه متحيزاً، وكل متحيز جسم وجرم، ولا يتقرر في المعقول خلو الأجرام من الأكوان، فما المانع من تجويز قيام الأكوان بذات الرب؟ ولا محيص لهم عن شيء مما ألزموه) . قلت: ولقائل أن يقول: هذه الوجوه الأربعة التي ذكرها ليس فيها حجة تصلح لإثبات الظن في الفروع، فضلاً عن إثبات يقيني في أصول الدين يعارض به نصوص الكتاب والسنة، فإن غاية هذا الكلام - إن صح - أن الكرامية تناقضوا، وقالوا قولاً ولم يلتزموا بلوازمه.

стр. 602

فيقال: إن كان ما ذكره لازماً لزمهم الخطأ: إما في إثبات الملزوم، وإما في نفي اللزم، ولم يتعين الخطأ في أحدهما، فلم لا يجوز أن يكون خطؤهم في نفي اللوازم؟ فإن أقام على ذلك دليلاً عقلياً كان هو حجة كافية في المسألة وإلا استفدنا خطأ الكرامية في أحد قوليهم، وإن لم يكن ما ذكره لازماً لهم لم يفد لا إثبات تناقضهم ولا دليلاً في مورد النزاع. ثم يقال: أما الوجه الأول فحاصله نزاع لفظي: هل يتصف بالحوادث أو لا يتصف؟ كالنزاع في أمثال ذلك، وإذا كان من أصلهم الفرق بين اللازم وغير اللازم، بحيث يسمون اللازم صفة دون العارض، كاصطلاح من يفرق بين الصفات والأفعال فلا يسمى الأفعال صفات وإن قامت بمحل كاصطلاح من يفرق بين الأقوال والأفعال، فلا يسمى ما يتكلم به الإنسان عملاً، وإن كان له فيه حركة ونحو ذلك - كانت هذه أموراً اصطلاحية لفظية لغوية، لا معاني عقلية، والمرجح في إطلاق الألفاظ - نفياً وإثباتاً - إلى ما جاءت به الشريعة، فقد يكون في إطلاق اللفظ مفسدة وإن كان المعنى صحيحاً. وما ألزمهم إياه في الشاهد: فأكثر الناس يلتزمونه في الأفعال، فإن الناس تفرق في الإطلاقات بين صفات الإنسان وبين أفعاله، كالقيام

стр. 603

والقعود والذهاب والمجيء، فلا يسمون ذلك صفات، وإن قامت بالمحل. وكذلك العلم الذي يعرض للعالم ويزول، والإرادة التي تعرض له وتزول، قد لا يسمون ذلك صفة له، وإنما يصفونه بما كان ثابتاً له كالخلق الثابت. وبالجملة فهذه بحوث لفظية سمعية، لا عقلية، وليس هذا موضعها. وأما قيام الأكوان به على التعاقب، وقيام ما أحالوا قيامه به، فهم يفرقون بين ما جوزوه ومنعوه بما يفرق به مثبتة الصفات بين ما توصفوه به وبين ما منعوه، فكما أنهم يصفونه بصفات الكمال فلا يلزمهم أن يصفوه بغيرها، فكذلك هؤلاء يقولون، فإن صح الفرق وإلا كانوا متناقضين. ومن المعلوم أن الله تعالى لما وصف بالسمع والبصر - كما دلت عليه النصوص - ألزمت النفاة لأهل الإثبات إدراك الشم والذوق واللمس، فمن الناس من طرد القياس، ومنهم من فرق بين الثلاثة والاثنين، ومنهم من فرق بين إدراك اللمس، وإدراك الشم والذوق، لكون النصوص أثبتت الثلاثة دون الاثنين. فإذا قال المعتزلة البصريون والقاضي أبو بكر وأبو المعالي وغيرهما ممن يصفه بالإدراكات الخمسة، لمن لم يصفه إلا باثنين أو ثلاثة: يلزمكم

стр. 604

طرد القياس، لزمهم إما الفرق وإلا كانوا متناقضين، ولم يكن هذا دليلاً على إبطال اتصافه بالسمع والبصر، كذلك إذا قال من جعل الإدراكات الخمسة تتعلق به، كما فعله هؤلاء ومن وافقهم، كـ القاضي أبي يعلى ونحوه لمن أثبت الرؤية: يلزمكم أن تصفوه بتعلق السمع والشم والذوق واللمس به، كما قلتم في الرؤية، كانوا أيضاً على طريقين: منهم من يذكر الفرق، ومنهم من يفرق بين اللمس وغيره، لمجيء النصوص بذلك دون غيره. قال أبو المعالي في إرشاده: (فإن قيل: قد وصفتم الرب تعالى بكونه سميعاً بصيراً، والسمع والبصر إدراكان، ثم ثبت شاهداً إدراكات سواهما: إدراك يتعلق بقبيل الطعوم، وإدراك يتعلق بقبيل الروائح، وإدراك يتعلق بالحرارة والبرودة واللين والخشونة، فهل تصفون الرب تعالى بأحكام هذه الإدراكات أم تقتصرون على وصفة بكونه سميعاً بصيراً قلنا: الصحيح المقطوع به عندنا: وجوب وصفه بأحكام الإدراك، إذ كل إدراك ينفيه ضد فهو آفة فما دل على وجوب

стр. 605

وصفه بحكم السمع والبصر، فهو دال على وجوب وصفه بأحكام الإدراك، ثم يتقدس الرب تعالى عن كونه شاماً ذائقاً لامساً: فإن هذه الصفات منبئة عن ضروب من الاتصالات، والرب يتعالى عنها، وهي لا تنبىء عن حقائق الإدراكات، فإن الإنسان يقول: شممت تفاحة فلم أدرك ريحها، ولو كان الشم دالاً على الإدراك لكان ذلك بمثابة قول القائل: أدركت ريحها، ولم أدركه، وكذلك القول في الذوق واللمس) . قلت: ولا يلزم من تناقض هؤلاء - إن كانوا متناقضين - نفي الرؤية التي تواترت بها النصوص عن النبي ﷺ . وقلت: وأما تعاقب الحوادث: فهم نفوه، بناء على امتناع حوادث لا أول لها، فإن صح هذا الفرق وإلا لزمهم طرد الجواز، كما طرده غيرهم ممن لا يمنع ذلك.

стр. 606

وأما حدوث القدرة والعلم فنفوهما، لأن عدم ذلك يستلزم النقص، لعموم تعلق العلم والقدرة، بخلاف الإرادة والكلام، فإنه لا عموم لهما، فإنه سبحانه لا يتكلم إلا بالصدق، لا يتكلم بكل شيء، ولا يريد إلا مايسبق علمه به، لا يريد كل شيء، بخلاف العلم والقدرة، فإنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير. وهذا كما فرقت المعتزلة بين هذا وهذا، فقالوا: إن له إرادة حادثة وكلاماً حادثاً، ولم يقولوا: له عالمية حادثة وقادرية حادثة، فالسؤال على الفريقين جميعاً. فإن صح الفرق، وإلا كانوا متناقضين. وقد أثبت غيرهم قيام علم بالموجود بعد وجوده، ولم يجعل ذلك عين العلم المتعلق به قبل وجوده، كما دل على ذلك ظاهر النصوص. وقد أثبت ذلك من أهل الكلام والفلسفة طوائف، كـ أبي الحسين البصري وأبي البركات وغيرهم، وغير المتقدمين مثل هشام بن الحكم وأمثاله، ومثل جهم. والمفرق - إن صح فرقه - وإلا لزم تناقضه. وقيام الأكوان به نفوه، لأنها هي دليلهم على حدوث العالم كما استدلت بذلك المعتزلة، وهم يقولون: المتصف بالأكوان لا يخلو منها. وهذا معلوم بالبديهة كما بينه الأستاذ أبو المعالي في أول كلامه، وقال: (نفرض الكلام في الأكوان، فإن القول فيها يستند

стр. 607

إلى الضرورة، فإذا كان من المعلوم بالضرورة: أن القابل للأكوان لا يخلو عنها، فلو وصفوه بالأكوان للزم أن لا يخلو عنها، وهم يقولون بامتناع تسلسل الحوادث، ويقولون: ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، كما يوافقهم على ذلك أبو المعالي وأمثاله، فإن كان هذا الفرق صحيحاً بطل الإلزام وصح فرقهم، وإن لم يكن هذا الفرق صحيحاً لم يكن في ذلك حجة للمنازع لهم، بل يقول القائل: كلاكما مخطىء، حيث قلتم بامتناع دوام الحوادث وتسلسلها. ومعلوم أن هذا كلام متين لا جواب عنه، فإن فرقهم بين الأكوان وغيرها هو العلم الضروري من الجميع بأن القابل للأكوان لا يخلو منها، فما قبل الحركة والسكون لم يخل من أحدهما، فهذا هو محيصهم عما ألزمهم به، فإن كانت الأكوان كغيرها في أن القابل للشيء لا يخلو عنه ضده فقد ثبت تناقضهم إذا كان قابلاً لها، وإن لم تكن مثل غيرها - كما تقوله المعتزلة - صح فرقهم. وهم يدعون أنه ليس قابلاً لها، كما قد وافقهم على ذلك المعتزلة والأشعرية. فإذا قال المعترض عليهم: يجب على أصلهم أن يكون قابلاً لها، لأنهم يصفونه بكونه متحيزاً، وكل متحيز جسم وجرم، قيل: هذا كما تقوله المعتزلة للأشعرية: يلزمكم إذا قلتم إن له حياة وعلماً وقدرة: أن يكون متحيزاً، لأنه لا يعقل قيام هذه الصفات إلا بمتحيز، ويقولون:

стр. 608

إنه لا يعقل موصوف بالعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة إلا ما هو جسم، فإذا وصفتموه بهذه الصفات لزمكم أن يكون جسماً. فإذا قال هؤلاء للمعتزلة: قد اتفقنا نحن وأنتم على أنه حي عليم قدير، وليس بمحيز ولا جسم، فإذا عقلنا موجوداً حياً عليماً قديراً ليس بجسم عقلنا حياة وعلماً وقدرة لا تقوم بجسم، قالوا: وأنتم وافقتمونا على أنه حي عليم قدير، وإثبات حي عليم قدير بلا حياة ولا علم ولا قدرة مكابرة للعقل واللغة والشرع. قالت الكرامية لهؤلاء: قد اتفقنا نحن وأنتم على أنه موصوف بالحياة والعلم والقدرة ونحو ذلك من الصفات، مع اتفاقنا نحن وأنتم على أنه لا يتصف بالأكوان، فهكذا إذا جوزنا عليه أن يسمع أصوات عباده حين يدعونه، ويراهم بعد أن يخلقهم، ويغضب عليهم إذا عصوه، ويحب العبد إذا تقرب إليه بالنوافل، ويكلم موسى حين أتى الوادي، ويحاسب خلقه يوم القيامة، ونحو ذلك مما دلت عليه النصوص، لم يلزمنا مع ذلك أن تجوز عليه حدوث الأكوان. ومن تدبر كلام هؤلاء الطوائف - بعضهم مع بعض - تبين له أنهم لا يعتصمون فيما يخالفون به الكتاب والسنة إلا بحجة جدلية يسلمها بعضهم لبعض، وآخر منتهاهم: حجة يحتجون بها في إثبات حدوث العالم لقيام لاأكوان به أو الأعراض، ونحو ذلك من الحجج التي هي

стр. 609

أصل الكلام المحدث، الذي ذمه السلف والأئمة وقالوا: إنه جهل، وإن حكم أهله (أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام) ولكن من عرف حقائق ما انتهى إليه هؤلاء الفضلاء الأذكياء ازداد بصيرة وعلماً ويقيناً بما جاء به الرسول ﷺ ، وبأن ما يعارضون به الكتاب والسنة من كلامهم الذي يسمونه عقليات: هي من هذا الجنس الذي لا ينفق إلا بما فيه من الألفاظ المجملة المشتبهة، مع من قلت معرفته بما جاء به الرسول وبطرق إثبات ذلك، ويتوهم أن يمثل هذا الكلام يثبت معرفة الله وصدق رسله، وأن الطع في ذلك طعن فيما به يصير العبد مؤمناً، فيتعجل رد كثير مما جاء به الرسول ﷺ لظنه أنه بهذا الرد يصير مصدقاً للرسول في الباقي. وإذا أنعم النظر تبين له أنه كلما ازداد تصديقاً لمثل هذا الكلام ازداد نفاقاً ورداً لما جاء به الرسول، وكلما ازداد معرفة بحقيقة هذا الكلام وفساده ازداد إيماناً وعلماً بحقيقة ما جاء به الرسول، ولهذا قال من قال من الأئمة: (قل أحد نظر في الكلام إلا تزندق وكان في قلبه غل على أهل الإسلام) بل قالوا: (علماء الكلام زنادقة) . ولهذا قيل: إن حقيقة ما صنفه هؤلاء في كتبهم من الكلام

стр. 610

الباطل المحدث المخالف للشرع والعقل هو: ترتيب الأصول في تكذيب الرسول، ومخالفة صريح المعقول وصحيح المنقول، ولولا أن هؤلاء القوم جعلوا هذا علماً مقولاً وديناً مقبولاً، يردون به نصوص الكتاب والسنة، ويقولون: إن هذا هو الحق الذي يجب قبوله، دون ما عارضه من النصوص الإلهية والأخبار النبوية، ويتبعهم على ذلك من طوائف أهل العلم والدين ما لا يحصيه إلا الله: لاعتقادهم أن هؤلاء أحذق منهم وأعظم تحقيقاً، لميكمن بنا حاجة إلى كشف هذه المقالات، مع أن الكلام هنا لا يحتمل إلا الاختصار. قول الرازي في الأربعين ومقصودنا بحكاية هذا الكلام: أن يعلم أن ما ذكره الرازي في هذه المسألة قد استوعب فيه جميع حجج النفاة، وبين فسادها. وأما الحجة التي احتج بها فهي أضعف من غيرها كما سيأتي بيانه. وقد ذكر أن هذه المسألة تلزم عامة الطوائف. وذكر في كتاب الأربعين أنها تلزم أصحابه أيضاً، فقال في الأربعين: (المشهور أن الكرامية يجوزون ذلك، وينكرون سائر الطوائف، وقيل: أكثر العقلاء يقولون به، وإن أنكروه باللسان، فإن أبا علي وأبا هاشم من المعتزلة وأتباعهما قالوا: إنه يريد بإرادة حادثة،

стр. 611

لا في محل، ويكره بكراهة حادثة لا في محل، إلا أن صفة المريدية والكارهية محدثة في ذاته تعالى. وإذا حضر المرئي والمسموع حدث في ذاته تعالى صفة السامعية والمبصرية، لكنهم إنما يطلقون لفظ التجدد دون الحدوث. وأبو الحسين البصري يثبت في ذاته علوماً متجددة بحسب تجدد المعلومات. والأشعرية يثبتون نسخ الحكم، مفسرين ذلك برفعه أو انتهائه، والارتفاع والانتهاء عدم بعد الوجود، ويقولون: إنه عالم بعلم واحد يتعلق قبل وقوع المعلوم بأنه يسقع، وبعده يزول ذلك التعلق ويتعلق بأنه وقع، ويقولون: بأن قدرته تتعلق بإجاد المعين، وإذا وجد انقطع ذلك التعلق، لامتناع إيجاد الموجود، وكذا تعلق الإرادة بترجيح المعين، وأيضاً

стр. 612

المعدوم لا يكوم مرئياً ولا مسموعاً، وعند الوجود يكون مرئياً ومسموعاً، فهذه التعلقات حادثة. فإن التزام جاهل كون المعدوم مرئياً ومسموعاً، قلنا: الله تعالى يرى المعدوم معدوماً، لا موجوداً، وعند وجوده يراه موجوداً لا معدوماً، لأن رؤية الموجود معدوماً أو بالعكس غلط، وأنه يوجب ما ذكرنا، والفلاسفة - مع بعدهم عن هذا - يقولون بأن الإضافات - وهي القبلية والبعدية والمعية - موجودة في الأعين، فيكون الله مع كل حادث، وذلك الوصف الإضافي حدث في ذاته وأبو البركات من المتأخرين منهم صرح في المعتبر بإرادات محدثة، وعلوم محدثة في ذاته تعالى، زاعماً بأنه لا يمكن الاعتراف بكونه إلهاً لهذا العالم إلا مع هذا القول، ثم قال: (الإجلال من هذا الإجلال والتنزيه من هذا التنزيه واجب) .

стр. 613

قال الرازي: (واعلم أن الصفة إما حقيقية عارية عن الإضافة كالسواد والبياض، أو حقيقة تلزمها إضافة كالعلم والقدرة، فإنه يلزمها تعلق بالمعلوم والمقدور، وهو إضافة مخصوصة بينهما، وإما إضافة محضة ككون الشيء قبل غيره وبعده ويمينه ويساره، فإن تغير هذه الأشياء لا يوجب تغيراً في الذات، ولا في صفة حقيقية منها. فنقول: تغير الإضافات لا محيص عنه، وأما تغير الصفات الحقيقية: فالكرامية يثبتونه، وغيرهم ينكرونه، فظهر الفرق بين مذهب الكرامية وغيرهم. لا نسمي ذلك صفة، ولا نقول: إن ذلك تغير في الصفات الحقيقية، كما تقدم) . ثم استدل الرازي بثلاثة أوجه: (أحدها: أن صفاته صفات كمال، فحدوثها يوجب

стр. 614

نقصانه، يعني قبل حدوثها، والإضافات لا وجود لها في الأعيان، دفعاً للتسلسل، فلا يرد نقصاً) . ولقائل أن يقل: هذا الدليل قد تقدم الكلام عليه، والمنازع لا يسمي ذلك صفة، وإن وصف الموصوف بنوع ذلك، فليس لك فرد من الأفراد صفة كمال مستحقة القدم، يحيث يكون عدمها في الأزل نقصاً، وما اقتضت الحكمة حدوثه في وقت لم يكن عدمه قبل ذلك نقصاً، بل الكمال عدمه حيث لا تقتضي الحكمة وجود حدوثه، ووجوده حيث اقتضت الحكمة وجوده، كالحوداث المنفصلة، فليس عدم كل شيء نقصاً عما عدم منه. وأيضاً فالحوادث لا يمكن وجودها إلا متعاقبة، وقدمها ممتنع وكان ممتنع الوجود لم يكن عدمه نقصاً، والتسلسل المذكور هو التسلسل في الآثار والشروط ونحوها، وهذا فيه قولان مشهوران، فالمنازع قد يختار جوازه، لا سيما من يقول: إن الرب لم يزل فاعلاً متكلماً إذا شاء. (الثاني: لو كانت ذاته قابلة للحوادث لكانت تلك القابلية من

стр. 615

لوازمها، وأزلية القابلية توجب صحة وجود المقبول أزلاً، لأن قابلية الشيء للغير نسبة بينهما، والنسبة بين الشيئين موقوفة عليهما، لكن وجود الحوادث في الأزل محال، ولا يلزم علينا القدرة الأزلية، لأن تقدم القدرة على المقدور واجب، دون تقدم القابل على المقبول) . قال الأرموي: (ولقائل أن يقول: ما ذكرتم بتقدير التسليم يقتضي أزلية صحة وجود الحوادث، لا صحة أزلية وجود الحوادث، وقد عرفت الفرق بينهما في مسألة الحدوث، والفرق المذكور - إن صح - أغنى عن الدليل السابق، وإلا نفى النقص، وأيضاً إذا صح الفرق، مع أن الدليل المذكور ينفيه، لزم بطلان الدليل) . قلت: فقد ذكر الأرموي في بطلان هذا الدليل ثلاثة أوجه: أحدها: الفرق بين صحة أزلية الحدوث وأزلية صحة الحدوث، وسيأتي إن شاء الله الكلام فيه، وبيان أنه فرق فاسد. لكن يقال: إن صح هذا الفرق بطل الدليل، وإن لم يصح لزم إمكان الحوادث في الأزل، ولزم إمكان وجود المقدور والمقبول في الأزل، وكلاهما يبطل

стр. 616

الدليل، أو يقال: ما كان جواباً لكم عن المقدور كان جواباً لنا عن المقبول، أو يقال: إن صح هذا الفرق بطل الدليل، وإن لم يصح هذا الفرق فاللازم أحد أمرين: إما إمكان دوام الحوادث وإما امتناع دوامها، فإن كان اللازم هو الأول لزم إمكان وجود جنس الحوادث المقبولة في الأزل وبطل الدليل، وإن كان اللازم هو الثاني كان وجودها في الأزل ممتنعاً. وحينئذ فإذا جاز أن يقال: هو قادر عليها مع امتناع وجود المقدور أمكن أن يقال: هو قابل لها مع امتناع وجود المقبول. وقول الأرموي: والفرق المذكور إن صح أغنى عن الدليل السابق وإلا بقي النقص. قد يقال: أراد به الفرق بين أزلية الصحة وصحة الأزلية. وقد يقال: عنى به الفرق بين القادر والقابل، فإن أراد الأول كان معنى كلامه: إن صح الفرق أمكن أن يكون قابلاً لها في الأزل وتكون صحتها أزلية، أي لم تزل ممكنة صحيحة، مع امتناع صحة أزلية الحوادث كما يقولون، إذ لم تزل الحوادث ممكنة صحيحة جائزة مع امتناع كون الحادث أزلياً، ويقولون: صحة الجواز وإمكانها أزلي لا متناع انقلابها من الامتناع إلى الإمكان من غير سبب حادث مع امتناع وجودها في الأزل وامتناع أزليتها. وهذا الفرق ذكره الغزالي في تهافت الفلاسفة والرازي وغيرهما في جواب من قال بأن إمكان وجود المقدورات لا أصل له، فقالوا: نحن نقول: إمكان الحوادث لا بداية لها، ونقول الشيء المعين بشرط كونه

стр. 617

حادثاً لا بداية لأزليته، ولا يلزم من ذلك إمكان وجود شيء من الحوادث في الأزل، لأن كونه حادثاً مع كونه أزلياً ممتنع. وهذا الفرق عند التحقيق باطل، فإنه مسلتلزم للجمع بين النقيضين، فإن الحادث يجب أن يكون مسبوقاً بالعدم. فإذا قيل بأن الحادث لم يزل ممكناً، وأن صحته وإمكانه أزليته، كان معناه أن ما كان مسبوقاً بالعدم يمكن أن يكون أزلياً، والأزلي لا يكون مسبوقاً بالعدم، فكان معناه أن ما يجب أن يكون حادثاً يمكن أن يكون قديماً، وما يجب كونه مسبوقاً بالعدم يجوز أن يكون أزلياً غير مسبوق بالعدم، وهذا جمع بين النقيضين. فإذا قيل: الحادث المعين إمكانه هل هو أزلي أو حادث؟ قيل: بل هو حادث، فإن كون الحادث المعين في الأزل ممتنع لذاته، وهذا الممتنع لا يكون قط، ولكن حدثت أسباب أوجبت إمكان حدوثه، فكان إمكان حدوثه ممكناً، كوجود الولد المشروط بوجود والده، فإن كونه ابن فلان يستلزم وجود فلان، ويمتنع أن يكون وجود ابن فلان موجوداً قبل وجود فلان، والممتنع لذاته لا يكون مقدوراً، وتجدد القادرية بتجدد إمكان المقدور ليس ممتنعاً، فإن الجميع حاصل بمسيئة الرب وقدرته، وهو سبحانه بما يحدث بمشيئته وقدرته يجعل المعدوم موجوداً، فيجعل ما لم يكن ممكناً مقدوراً يصير ممكناً مقدوراً، وهذا مبسوط في موضع آخر. والمقصود شرح مراد الأرموي، فإذا أراد بالفرق الفرق بين صحة

стр. 618

الأزلية وأزلية الصحة، كان معنى كلامه: إن صح هذا الفرق بطل الدليل، فإنه يقول في الحوادث المقبولة ما يقال في الحوادث المنفصلة من الفرق بين صحة أزليتها وأزلية صحتها، لكن لو أراد بالفرق هذا لم يستقم قوله: (إن هذا الفرق إن صح إنى عن الدليل السابق) بل هذا الفرق إن صح بطل الدليل المذكور، فهذا يرجح أنه أراد بالفرق بين القادر والقابل، فيكون قد ذكر ثلاثة أجوبة، نقول إن صح الفرق بينهما بأن القابل يستلزم وجود المقبول في الأزل دون القادر، فهذا الفرق يغني عن الدليل، وإن لم يصح هذا الفرق انتقض الدليل بالقادر. الوجه الثاني: أنه إن صح الفرق بين المقدور والمقبول بأن المقدور يجب تأخره عن القدرة، والمقبول لا يجب ذلك فيه، كان هذا وحده دليلاً على وجوب حصول الحادث في الأزل إذا كان قابلاً له، وحينئذ فلا حاجة إلى أن يستدل على ذلك بما ذكره من النسبة إن كان الفرق صحيحاً، وإن لم يكن صحيحاً صح النقض به. الثالث: أن الدليل المذكور يوجب وجود المقدور في الأزل، لأن القادرية على الشيئين نسبة بينهما، والنسبة بين الشيئين متوقفة عليهما، فإن صح الفرق بين المقدور والمقبول - مع أن الدليل يتناولهما جميعاً وينفي

стр. 619

الفرق - لزم بطلان الدليل، فيلزم بطلان مقدمة الدليل أو انتفاضه، وكلاهما مبطل له، وهذا بين. قال الرازي: (الثالث قول الخليل: ﴿لا أحب الأفلين﴾ (الأنعام: ٦٧) يدل على أن المتغير لا يكون إلهاً) . ولقائل أن يقول: إن كان الخليل ﷺ احتج بالأفول على نفي كونه رب العالمين، لزم أنه لم يكن ينفي عنه حلول الحوادث، لأن الأفول هو المغيب والاحتجاب باتفاق أهل التفسير واللغة، وهو مما يعلم من اللغة اضطراراً، وهو حين بزغ قال: (هذا ربي) فإذا كان من حين يزوغه إلى حال أفوله لم ينف عنه الربوبية دل على أنه لم يجعل حركته منافية لذلك، وإنما جعل المنافي الأفول، وإن كان الخليل ﷺ إنما احتج بالأفول على أنه لا يصلح أن يتخذ رباً يشرك به، ويدعى من دون الله، فليس فيه تعرض لأفعال الله تعالى، فقصة الخليل إما أن تكون حجة عليهم، أو لا لهم ولا عليهم. قال الرازي: (واحتجوا بأن الدليل على أن الكلام والسمع

стр. 620

والبصر صفات حادثة، ولا بد لها من محل، وهو ذاته تعالى، ولأنه يصح قيام الصفات القديمة بذاته تعالى باتفاق منا ومن الأشعرية، والقدم لا يعتبر في المقتضى، فإنه عبارة عن نفس الأزلية وهو عدمي، فالمقتضى هو كونها صفات، والحوادث كذلك فليلزم قيامها به) . قال: (والجواب عن الأول بالجواب عن أدلة حدوث تلك الصفات، وعن الثاني بأن تلك الصفات قد تكون مخالفة لهذه بالنوع، سلمنا أنه لا فارق سوى القدم فلم قلتم: إنه عدمي، فإنه عبارة عن نفي العدم السابق، ونفي النفي ثبوت؟) قلت: ليس المقصود هنا ذكر أدلة المثبتة، فإن النصوص تدل على ذلك في مواضع لا تكاد تحصى إلا بكلفة، وإنما الغرض بيان: هل في العقل ما يعارض النصوص؟ ومن أراد تقرير ما احتجوا به من الدليل العقلي على الإثبات قدح فما يذكره النفاة من امتناع حدوث تلك الأمور.

стр. 621

وعمدة المانعين هو امتناع حلول الحوادث، وامتناع تسلسلها، فإذا كانوا لا ينفون حدوثها في ذاته إلا لامتناع حلول الحوادث: لم يجز أن يجيبوا عن أدلة الحدوث بمجرد دليل امتناع حلول الحوادث إن لم يجيبوا عن المعارض، لأن ذلك دور، فإذا قال القائل: الدليل على بطلان دليل المثبتة هو تدليل النفاة، قيل له: دليل النفاة لا يتم إلا ببطلان دليل المثبتة، فإذا لم تمكن المطالبة إلا بدليل المثبتة كان صحة دليل النفاة متوقفاً على صحته، وذلك دور، فإنه لا يتم نفي ذلك إلا بالجواب عن حجة المثبتين، فيكون قولهم بانتفاء حلول الحوادث مبيناً على انتفاء حلول الحوادث، فلا يكون لهم حجة على ذلك. فالمثبتون معهم السمعيات الكثيرة المتواترة بخلاف النفاة، فإنه ليس معهم شيء من السمع، وإنما يدعون قيام الدليل العقلي على امتناع قيام الحوادث به، فإذا أراد بعض المثبتين أن يقيم دليلاً عقلياً على قيامها به أو إمكان قيامها به، احتاج إلى أن يجيب عن أدلة النفاة، والنفاة لا يتم دليلهم على النفي حتى يجيبوا على أدلة المثبتين، وإلا فلو قدر تعارض الأدلة العقلية من الجانبين فتكافأتا، وبقيت الأدلة السمعية خالية عن معارض يجب تقدمه عليها، فإذا احتج المثبتون بالآيات والأحاديث لم يمكن للنفاة أن يقولوا هذا يثبت قيام الحوادث به وذلك ممتنع، إلا إذا أقاموا الدليل العقلي على الامتناع، أجابوا عما يحتج به المثبتة من الدليل العقلي، فلا بد للنفاة من هذا وهذا، بخلاف المثبتة فإنه يمكنهم

стр. 622

أن يقولا السمع دل على ذلك، ولم يقيموا دليلاً عقلياً خالياً عن المعارض المقاوم ينفي ذلك، فلا يحتاج المثبتون إلى دليل عقلي يوافق السمع، يل يكفيهم إبطال ما يعارضه، وإذا أقاموا دليلاً عقلياً فعورضوا بأدلة النفاة لم يحتاجوا إلى إبطالها، بل تكفيهم المعارضة، فإذا أبطلوا كانوا قد سدوا على النفاة الأبواب. فلهذا كان ما يحتاج إليه النفاة من إقامة دليل عقلي، وإبطال ما يعارضه، مما احتاج إليه المثبتة، بل يكفيهم منع مقدمات المعارض، فإن أبطلوها فقد زادوا، وتكفيهم الممعارضة بالعقليات، فإن بينوا رجحان عقلياتهم فقد زادوا، وإذا بينوا صحة عقلياتهم وبطلان عقليات النفاة ومعهم السمعيات، كانوا قد أثبتوا أن معهم السمع والعقل، وأن المنازغ ليس معه لا سمع ولا عقل. وأما أدلة المثبتين فهو ما يذكرونه من الشرعيات والعقليات، وهم قد قدحوا في أدلة النفاة، فيتم كلامهم. وأما التسلسل فالكرامية ومن وافقهم لا يجيزونه، كما لا يجيزه كثير من المعتزلة ومن وافقهم، وأما من يجوز التسلسل في الآثار من أهل الحديث والكلام والفلسلفة وغيرهم، فهؤلاء قد عرف طعنهم في أدلة النفاة، وطعن النفاة في أدلة بعض، حتى متكلمة أهل الإثبات

стр. 623

من الأشعرية وغيرهم متنازوعون في ذلك قد عرف. وأيضاً فإن المثبتين يقلون: كونه قادراً على الفعل بنفسه صفه كمال، كما أن قدرته على المفعول المنفصل صفة كمال، فإنا إذا عرضنا على صريح العقل من يقدر على الفعل القائم به والمنفصل عنه ومن لا يقدر على أحدهما علم أنا لأول أكمل، كما إذا عرضنا عليه من يعلم نفسه وغيره ومن لا يعلم إلا أحدهما، وأمثال ذلك، ويقول من يجوز دوام الحوادث وتسلسلها: إذا عرضنا على صريح العقل من يقدر على الأفعال المتعاقبة الدائمة ويفعلها دائمة متعاقبة، ومن لا يقدر على الدائمة المتعاقبة كان الأول أكمل. وكذلك إذا عرضنا على العقل من فعل الأفعال المتعاقبة مع حدوثها، ومن لا يفعل حادثاً أصلاً لئلا يكون عدمه قبل وجوده عدم كمال، شهد صريح العقل بأن الأول أكمل، فإن الثاني ينفي قدرتهوفعله للجميع، لئلا يعدم البعض في الأزل، والأول يثبت قدرته وفعله للجميع مع عدم البعض في الأزل، فذاك ينفي الجميع حذراً من فوت البعض، والثاني يثبت ما يثبته من الكمال مع فوت البعض، ففوت البعض لازم على التقديرين، وامتاز الأول بإثبات كمال في قدرته وفعله لم يثبته الثاني. وأيضاً فهم يقولون: كون الكلام لا يقوم بذاته يمنع أن يكون

стр. 624

كلامه، فإن ما قام به شيء من الصفات والأفعال عاد حكمه إليه، لا إلى غيره، فإذا خلق في محل علماً أو قدرة أو كلاماً كان ذلك صفة للمحل الذي خلق فيه، فذلك المحل هو العالم القادر المتكلم به، فإذا خلق كلاماً في محل كان ذلك الكلام المخلوق كلام ذلك المحل، لا كلامه، فإذا خلق في الشجرة: ﴿إني أنا الله رب العالمين﴾ (القصص: ٣٠) ولم يقم هو به كلام كان ذلك كلاماً للشجرة، فتكون هي القائلة: (إني أنا الله رب العالمين) وهذا باطل، فيتعين أن يقوم به الكلام، وكونه لا يقدر أن يتكلم ولا يتكلم بما شاء، بل يلزمه الكلام كما تلزمه الحياة، مع كون تكليمه هو خلق مجرد الإدراك، يقتضي أن يكون القادر على الكلام الذي يتكلم باختياره أكمل منه، فإنا إذا عرضنا على العقل من يتكلم باختياره وقدرته ومن كلامه بغير اختياره وقدرته كان الأول أكمل، فتعين أن يكون متكلماً بقدرته ومشيئته كلاماً يقوم بذاته، وكذلك في مجيئة وإتيانه واستوائه وأمثال ذلك، إن قدرنا هذه أموراً منفصلة عنه: لزم أن لا يوصف بها، وإن قدرناها لازمة لذاته لا تكون بمشيئته وقدرته: لزم عجزه وتفضيل غيره عليه، فيجب أن يوصف بالقدرة على هذه الأفعال القائمة به، التي يفعلها بمشيئته وقدرته، وهذا هو الذي تعنيه النفاة بقولهم: لا تحله الحوادث، كما يعنون نفي العلم والقدرة ونحوهما بقولهم: لا تحله الأعراض. وأيضاً فإن ما به تثبت الصفات القائمة به، تثبت الأفعال القائمة به

стр. 625

التي تحصل بقدرته واختياره، ونحو ذلك، وذلك أنه يقال: العلم والقدرة والسمع والبصر والكلام ونحو ذلك صفات كمال، فلو لم يتصف الرب بها اتصف بنقائضها كالجهل والعجز والصمم والبكم والخرس، وهذه صفات نقص، والله منزه عن ذلك، فيجب اتصافه بصفات الكمال، ويقال: كل كمال يثبت لمخلوق من غير أن يكون فيه نقص بوجه من الوجوه فالخالق تعالى أولى به، وكل نقص تنزه عنه مخلوق فالخالق سبحانه أولى بتنزيهه عنه، بل كل كمال يكون للموجود لا يستلزم نقصاً فالواجب الوجود أولى به من كل موجود، وأمثال هذه الأدلة المبسوطة في غير هذا الموضع. فإذا قال النفاة من الجهمية والمتفلسفة والباطنية: هذه الصفات متقابلة تقابل العدم والملكة، فلا يلزم من رفع أحدهما ثبوت الثاني، إلا أن يكون المحل قابلاً لهما، فأما ما لا يقبلهما كالجماد فلا يقال فيه حي ولا ميت، ولا أعمى ولا بصير. أجيبوا عن ذلك بعدة أجوبة: مثل أن يقال: هذا اصطلاح لكم، وإلا فاللغة العربية لا فرق فيها، والمعاني العقلية لا يعتبر فيها مجرد الاصطلاحات. ومثل أن يقال: فما لا يقبل هذه الصفات كالجماد أنقص مما يقبلها

стр. 626

ويتصف بالناقص منها، فالحي الأعمى أكمل من الجماد الذي لا يوصف ببصر ولا عمى، وهذا بعينه يقال فيما يقوم به من الأفعال ونحوها التي يقدر عليها ويشاؤها، فإنه لو لم يتصف بالقدرة على هذه الأفعال لزم اتصافه بالعجز عنها، وذلك نقص ممتنع كما تقدم، والقادر على الفعل والكلام أكمل من العاجز عن ذلك. فإذا قال النافي: (إنما يلزم اتصفاه بنقيض ذلك لو كان قيام الأفعال به ممكناً، فأما ما لا يقبل لك كالجدار فلا يقال: هو قادر على الحركة ولا عاجز عنها) . فيقال: هذا نزاع لفظي كما تقدم، ويقال أيضاً: فما لا يقبل قيام الأفعال الاختيارية به والقدرة عليها كالجماد أنقص مما يقبل ذلك كالحيوان، فالحيوان الذي يقبل أن يتحرك بقدرته وإرادته إذا قدر عجزه هو أكمل مما لا يقبل الاتصاف بذلك كالجماد، فإذا وصفتموه بعدم قبول ذلك كان ذلك أنقص من أن تصفوه بالعجز عن ذلك، وإذا كان وصفه بالعجز عن ذلك صفة نقص، مع إمكان اتصافه بالقدرة على ذلك، فوصفه بعدم قبول الأفعال والقدرة عليها أعظم نقصاً. فإن قال النافي: لو جاز ان يفعل أفعالاً تقوم به بإرادته وقدرته للزم أن يكون محلاً للحوادث، وما قبل الشيء لا يخل عنه وعن ضده، فيلزم تعاقبها، وما تعاقبت عليه الحوادث فهو حادث، لامتناع حوادث لا أول لها.

стр. 627

قيل لهم: هذا مبني على مقدمتين: على أن ما يقبل الشيء لا يخلو عنه وعن ضده، وعلى امتناع دوام الحوادث، وكل من المقدمتين قد بين فسادها كما تقدم. ثم قبل العلم بفساده يعلم بصريح العقل أن ما ذكر في إثبات هذه الأفعال من الأدلة العقلية الموافقة للأدلة الشرعية أبين وأظهر وأصرح في العقل من امتناع دوام الحوادث وتعاقبها، فإن هذه المقدمة في غاية الخفاء والاشتباه، وأكثر العقلاء من جميع الأمم ينازعون فيها ويدفعونها، وهي أصل علم الكلام الذي ذمه السلف والأئمة، وبهذه المقدمة استطالت الدهرية على من احتج بها من متكلمة أهل الملل، وعجزوهم عن إثبات كون الله تعالى يحدث شيئاً لا العالم ولا غيره، والذين اعتقدوا صحة هذه المقدمة من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم ظنوا أن حدوث العالم وإثبات الصانع لا يتم إلا بها، وفي حقيقة الأمر هي تنافي حدوث العالم وإثبات الصانع، بل لا يمكن القول بإحداث الله تعالى لشيء من الحوادث إلا بنقيضها، ولا يمكن إثبات خلق الله لما خلقه تصديق رسله فيما أخبروا به عنه إلا بنقيضها، فما جعلوه أصلاً ودليلاً على صحة المعقول والمنقول، هو مناف مناقض للمنقول والمعقول، كما قد بسط في غير هذا الموضع.

стр. 628

وأيضاً فإن هؤلاء النفاة يقولون: لم يكن الرب تعالى قادراً على الفعل فصار قادراً، وكان الفعل ممتنعاً فصار ممكناً، من غير تجدد شيء أصلاً يوجب القدرة والإمكان، وهذا معنى قول القائل: إنه يلزم أن ينقلب الشيء من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي، وهذا مما تجزم العقول ببطلانه، مع ما فيه من وصف الله بالعجز وتجدد القدرة له من غير سبب. ومن اعتذر منهم عن ذلك - مثل كثير منهم - قالوا: إن الممتنع هو القدرة على الفعل في الأزل، فنفس انتفاء الأزل يوجب إمكان الفعل والقدرة عليه. قيل لهم: الأزل ليس هو شيئاً كان موجوداً فعدم، ولا معدوماً فوجد، حتى يقال: إنه تجدد أمر أوجب ذلك، بل الأزل كالأبد، فكما أن الأبد هو الدوام في المستقبل، فالأزل هو الدوام في الماضي، فكما أن الأبد لا يختص بوقت دون وقت، فالأزل لا يختص بوقت دون وقت، فالأزلي هو: الذي لم يزل كائناً، والأبدي هو: الذي لا يزال كائناً، وكونه لم يزل ولا يزال معناه دوامه وبقاؤه، الذي ليس له مبتدأ ولا منتهى، فقول القائل: (شرط قدرته انتفاء الأزل) كقول نظيره: (شرط قدرته انتفاء الأبد) . فإذا كان سلف الأمة وأئمتها وجماهير الطوائف أنكروا قول الجهم في

стр. 629

كونه تعالى لا يقدر في الأبد على الأفعال، فكذلك قول من قال: لا يقدر في الأزل على الأفعال، وقول أبي الهذيل: (إنه تعالى لا يقدر على أفعال حادثة في الأبد) يشبه قول من قال: (لا يقدر على أفعاله حادثة في الأزل) ، وقد بسط الكلام على هذا، وقول من يفرق بين النوعين في غير هذا الموضع. الاستدلال على النفي والرد عليه وقد استدل بعضهم عل النفي بدليل آخر، فقال: إن كل صفة تفرض لواجب الوجود فإن حقيقته كافية في حصولها أولا حصولها وإلا لزم افتقاره إلى سبب منفصل، وهذا يقتضي إمكانه، فيكون الواجب ممكناً، هذا خلف، وحينئذ يلزم من دوام حقيقته دوام تلك الصفة. والمثبتون يجيبون عن هذا بوجوه: أحدها: أن هذا إنما يقال فيما كان لازماً لذاته في النفي أو الإثبات، أما ما كان موقوفاً على مشيئته وقدرته كأفعاله فإنه يكون إذا شاءه الله تعالى، ولا يكون إذا لم يشأه، فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فإن بين المستدل أنه لا يجوز ان يقوم بذاته ما يتعلق بمشيئته وقدرته كان هذا وحده كافياً في المسألة، وإن لم يبين ذلك لم يكن فيما ذكره حجة. الثاني: أن يقال: إن هذا منقوض بأفعاله، فإن حقيقته

стр. 630

كافية في حصولها، ولا لزام افتقاره إلى سبب منفصل، وذلك يقتضي إمكانه، فيكون الواجب ممكناً، فما كان جواباً عن الأفعال كان جواباً للمثبتين القائلين: إنه يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته، ومن جوز أنه يفعل بعد أن لم يكن فاعلاً بمحض القدرة والمشيئة القديمة قال هنا كذلك كما يقول الكرامية، ومن قال: (إنه لم يزل يفعل ويتكلم إذا شاء) قال هنا كذلك، كما يقولوه من يقوله من أئمة السنة والحديث. الثالث: أن يقال: أتعني بقولك (ذاته كافية) أنها مستلزمة لوجود اللازم في الأزل؟ أم هي كافية فيه وإن تأخر وجوده؟ فإن عنيت الأول انتقض عليك بالمفعولات الحادثة، فإنه يلزمك إما عدمها وإما افتقاره إلى سبب منفصل، إذ كان مالا تكفي فيه الذات يفتقر إلى سبب منفصل، وإن عنيت الثاني كان حجة عليك، إذ كان مما تكفي الذات يمكن تأخره. الرابع: ان يقال: قولك (يفتقر إلى سبب منفصل) تعني به شيئاً يكون من فعل الله تعالى، أو شيئاً لا يكون من فعله؟ أما الأول فلا يلزم افتقاره إلى غيره، فإنه إذا كان هو فاعل الأسباب فهو فاعلها وفاعل ما يحدث بها، فلا يكون مفتقراً إلى غيره، وأما إن عنيت بالسبب

стр. 631

ما لا يكون من فعله لزمك أن كل مالا يكفي فيه الذات فلا يستلزم وجوده في الأزل ألا يوجد إلا بشريك مع الله ليس من مخلوقاته، ومعلوم أن هذا خلاف إجماع أهل الإيمان، بل خلاف إجماعه جماهير العقلاء، وهو خلاف المعقول الصريح أيضاً، فإن ذلك الشريك المقدر إن كان واجب الوجود بنفسه إلهاً آخر لزم إثبات خالق قديم مع الله مشارك له في فعله لا يفعل إلا به، وهذا مع أنه لم يقل به أحد من بني آدم، فهو باطل في نفسه، لأنه يستلزم افتقار كل من الفاعلين إلى الآخر، فإن التقدير في هذا المشترك هو أن أحدهما لا يستقل به، بل يحتاج إلى معاونة الآخر، وما احتاج إلى معاونة الآخر كان فقيراً إلى غيره ليس بغني، وكان عاجزاً ليس بقادر، فإن كان هذا دليلاً على انتفاء الوجوب بطل دليلك، وإن لم يكن دليلاً بطل دليلك أيضاً، فإنه مبني عليه، وإن كان ذلك الشريك المقدر ليس واجب الوجود بنفسه فهو ممكن لا يوجد إلا بالواجب نفسه، فلزم أن يكو من مفعولاته. الجواب الخامس: أن يقال قول المحتج: (كل ما يفرض له فإما أن تكون ذاته كافية في ثبوت حصوله أو لا تكفي في

стр. 632

حصوله، وإلا لزم افتقاره إلى سبب منفصل) كلام باطل، وذلك أنه يقال: لا نسلم أن مالا يكون مجرد الذات كافية في ثبوته أو انتفائه يفتقر فيه إلى سبب منفصل، وإنما يلزم ذلك أن لو لم تكن الذات قادرة على ما يتصل بها من الأفعال، فإذا كانت قادرة على ذلك أمكن أن يكون ما يتجدد له من الثبوت موقوفاً على ما يقوم بها من مقدوراتها، فليس مجرد الذات مقتضية لذلك، ولا افتقرات إلى سبب منفصل، وذلك أن لفظ (الذات) فيه إجمال واشتباه، وبسبب الإجمال في ذلك وقعت شبهة في مسائل الصفات والأفعال؟، فإنه يقال له: ما تريد بذاته؟ أتريد به الذات المجردة عما يقوم بها من مقدوراتها ومرادتها؟ أم تعني به الذات القادرة على ما تريده مما يقوم لها ومما لا يقوم بها؟ فإن أرادت به الأول كان التلازم صحيحاً، فإنه إذا قدر ذات لا يقوم بها شيء من ذلك، كان ما يثبت لها وما ينفي عنها إن لم تكن هي كافية فيه، وإلا افتقرت إلى سبب منفصل، لأنه لا يقوم بها ما تقدر عليه وتريده، لكن يقال: ثبوت التلازم ليس بحجة إن لم تكن الذات في نفس الأمر كذلك، وكون الذات في نفس الأمر كذلك هو رأس المسألة، ومحل النزاع، فلا يكون الدليل صحيحاً حتى يثبت المطلوب ولو ثبت المطلوب لم يحتج إلى الدليل، فتكون قد صادرت على

стр. 633

المطلوب حيث جعلته مقدمة إثبات نفسه، وهذا باطل بصريح العقل واتفاق أهل العارفين بذلك. وإن أردت بذات النوع الثاني لم يصح التلازم، فإنه إذا قدر ذات تقدر على أن تفعل الأفعال التي تختارها وتقوم بها، لم يلزم أن يكون ما يتجدد من تلك الأفعال موقوفاً على سبب منفصل، ولا يكون مجرد الذات بدون ما يتجدد من مقدورها ومرادها كافياً في كل فرد من ذلك، بل قد يكون الفعل الثاني لا يوجد إلا بالأول، والأول بما قبله وهلم جراً، فليس مجرد الذات بدون ما تجدده كافياً في حصول المتأخرات، ولا هي مفتقرة في ذلك إلى أمور منفصلة عنها، فلفظ (الذات) قد يراد به الذات بما يقوم بها، وقد يراد به الذات المجردة عما يقوم بها. فإذا قيل (هل الذات كافية) إن أريد به الذات المجردة فتلك لا حقيقة لها في الخارج عند أهل الإثبات، وإذا قدرت تقديراً فهي لا تكفي في إثبات ما يثبت لها، وإن أريد به الذات المنعوتة فإنه يقوم بها الأفعال الاختيارية، فمعلوم أن هذه الذات لا يجب أن يتوقف ما يتجدد لها من فعل ومفعول على سبب منفصل عنها، ونظير هذا قول نفاة الصفات: إن الصفات هل هي زائدة على الذات أو ليست زائدة؟

стр. 634

فإنا قد بينا في غير هذا الموضع أن الذات المجردة عن الصفات لا حقيقة لها، بل الصفات زائدة على ما يثبته النفاة من الذات، وأما الذات الموصوفة بصفاته القادرة على أفعالها فتلك مستلزمة لما يلزمها من الصفات، قادرة على ما تشاؤه من الأفعال، فهي لا تكون إلا موصوفة، لا يمكن أن تتجرد عن الصفات اللازمة لها، حتى يقال: هل هي زائدة عليها أو ليست زائدة عليها؟ بل هي داخلة في مسمى اسمها، والأفعال القائمة بها بقدرتها وإرادتها كذلك. فكما أنه مسمى بأسمائه الحسنى، منعوت بصفاته العلى، قبل خلق السماوات والأرض، وبعد إقامة القيامة، وفيما بين ذلك، لم يزل ولا يزال موصوفاً بصفات الكمال، منعوتاً بنعوت الإكرام والجلال، فكذلك هو مسمى بأسمائه الحسنى منعوت بصفاته العلى، قبل هذه الأفعال وبعدها. وكان أن ذلك ثابت قبل حدوث المفعولات وبعدها، فهو ايضاً ثابت قبل حدوث الأفعال وبعدها، ومن آياته الشمس والقمر والكواكب، وما تستحقه هذه الأعيان من الأسماء والصفات هو ثابت لها قبل الحركات المعينة وبعدها، ولا يحتاج أن يقدر لها ذات مجردة عن النور وعن دوام الحركة، ثم زيد عليها النور ودوام الحركة، فالخالق سبحانه أولى بثبوت الكمال له وانتفاء النقص عنه، والمخلوقات

стр. 635

إنما احتاجت فيما يحدث عنها إلى سبب منفصل لأنها هي في نفسها محتاجة إلى الفاعل المنفصل، فلا يوجد شيء من ذاته وصفاتها وأفعالها إلا بأمر منفصل عنها، وأما الخالق فهو الغني عما سواه، فلا يفتقر في شيء من ذاته وصفاته وأفعاله إلى أمر منفصل الذي هو مفتقر إليه، فلا يحتاج فيما يجدده من أفعاله القائمة بنفسه التي يريدها ويقدر عليها إلى أمر مستغن عنه، كما لا يحتاج في مفعولاته المنفصلة عنه إلى ذلك وأولى، وإذا كان قد خلق من الأمور المنفصلة عنه ما جعله سبباً لأفعال تقوم بنفسه، كما يخلق الطاعات التي ترضيه، والتوبة التي يفرح بها، والدعاء الذي يجيب سائله، وأمثال ذلك من الأمور، فليس هو في شيء من ذلك مفتقراً إلى ما سواه، بل هو سبحانه الخالق للجميع، وكل ما سواه مفتقر إليه، وهو الغني عن كل ما سواه، وهذا كما أن ما يفعله من المخلوقات بعضها ببعض، كإنزال المطر بالسحاب وإنبات النبات بالماء، لا يوجب افتقاره إلى الأسباب المنفصلة، إذ هو خالق هذا وهذا، وجاعل هذا سبباً لهذا، وقد بسطت هذه الأمور في غير هذا الموضع بما لا يليق بهذا المكان. الجواب السادس: أن يقال: قولهم إن لم يكن ذاته كافية في
следующие страницы →