← Акыда

Акыда · id 21506

درء تعارض العقل والنقل

ابن تيمية

Полный текст (4 031 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

ما لا يكون من فعله لزمك أن كل مالا يكفي فيه الذات فلا يستلزم وجوده في الأزل ألا يوجد إلا بشريك مع الله ليس من مخلوقاته، ومعلوم أن هذا خلاف إجماع أهل الإيمان، بل خلاف إجماعه جماهير العقلاء، وهو خلاف المعقول الصريح أيضاً، فإن ذلك الشريك المقدر إن كان واجب الوجود بنفسه إلهاً آخر لزم إثبات خالق قديم مع الله مشارك له في فعله لا يفعل إلا به، وهذا مع أنه لم يقل به أحد من بني آدم، فهو باطل في نفسه، لأنه يستلزم افتقار كل من الفاعلين إلى الآخر، فإن التقدير في هذا المشترك هو أن أحدهما لا يستقل به، بل يحتاج إلى معاونة الآخر، وما احتاج إلى معاونة الآخر كان فقيراً إلى غيره ليس بغني، وكان عاجزاً ليس بقادر، فإن كان هذا دليلاً على انتفاء الوجوب بطل دليلك، وإن لم يكن دليلاً بطل دليلك أيضاً، فإنه مبني عليه، وإن كان ذلك الشريك المقدر ليس واجب الوجود بنفسه فهو ممكن لا يوجد إلا بالواجب نفسه، فلزم أن يكو من مفعولاته. الجواب الخامس: أن يقال قول المحتج: (كل ما يفرض له فإما أن تكون ذاته كافية في ثبوت حصوله أو لا تكفي في

стр. 632

حصوله، وإلا لزم افتقاره إلى سبب منفصل) كلام باطل، وذلك أنه يقال: لا نسلم أن مالا يكون مجرد الذات كافية في ثبوته أو انتفائه يفتقر فيه إلى سبب منفصل، وإنما يلزم ذلك أن لو لم تكن الذات قادرة على ما يتصل بها من الأفعال، فإذا كانت قادرة على ذلك أمكن أن يكون ما يتجدد له من الثبوت موقوفاً على ما يقوم بها من مقدوراتها، فليس مجرد الذات مقتضية لذلك، ولا افتقرات إلى سبب منفصل، وذلك أن لفظ (الذات) فيه إجمال واشتباه، وبسبب الإجمال في ذلك وقعت شبهة في مسائل الصفات والأفعال؟، فإنه يقال له: ما تريد بذاته؟ أتريد به الذات المجردة عما يقوم بها من مقدوراتها ومرادتها؟ أم تعني به الذات القادرة على ما تريده مما يقوم لها ومما لا يقوم بها؟ فإن أرادت به الأول كان التلازم صحيحاً، فإنه إذا قدر ذات لا يقوم بها شيء من ذلك، كان ما يثبت لها وما ينفي عنها إن لم تكن هي كافية فيه، وإلا افتقرت إلى سبب منفصل، لأنه لا يقوم بها ما تقدر عليه وتريده، لكن يقال: ثبوت التلازم ليس بحجة إن لم تكن الذات في نفس الأمر كذلك، وكون الذات في نفس الأمر كذلك هو رأس المسألة، ومحل النزاع، فلا يكون الدليل صحيحاً حتى يثبت المطلوب ولو ثبت المطلوب لم يحتج إلى الدليل، فتكون قد صادرت على

стр. 633

المطلوب حيث جعلته مقدمة إثبات نفسه، وهذا باطل بصريح العقل واتفاق أهل العارفين بذلك. وإن أردت بذات النوع الثاني لم يصح التلازم، فإنه إذا قدر ذات تقدر على أن تفعل الأفعال التي تختارها وتقوم بها، لم يلزم أن يكون ما يتجدد من تلك الأفعال موقوفاً على سبب منفصل، ولا يكون مجرد الذات بدون ما يتجدد من مقدورها ومرادها كافياً في كل فرد من ذلك، بل قد يكون الفعل الثاني لا يوجد إلا بالأول، والأول بما قبله وهلم جراً، فليس مجرد الذات بدون ما تجدده كافياً في حصول المتأخرات، ولا هي مفتقرة في ذلك إلى أمور منفصلة عنها، فلفظ (الذات) قد يراد به الذات بما يقوم بها، وقد يراد به الذات المجردة عما يقوم بها. فإذا قيل (هل الذات كافية) إن أريد به الذات المجردة فتلك لا حقيقة لها في الخارج عند أهل الإثبات، وإذا قدرت تقديراً فهي لا تكفي في إثبات ما يثبت لها، وإن أريد به الذات المنعوتة فإنه يقوم بها الأفعال الاختيارية، فمعلوم أن هذه الذات لا يجب أن يتوقف ما يتجدد لها من فعل ومفعول على سبب منفصل عنها، ونظير هذا قول نفاة الصفات: إن الصفات هل هي زائدة على الذات أو ليست زائدة؟

стр. 634

فإنا قد بينا في غير هذا الموضع أن الذات المجردة عن الصفات لا حقيقة لها، بل الصفات زائدة على ما يثبته النفاة من الذات، وأما الذات الموصوفة بصفاته القادرة على أفعالها فتلك مستلزمة لما يلزمها من الصفات، قادرة على ما تشاؤه من الأفعال، فهي لا تكون إلا موصوفة، لا يمكن أن تتجرد عن الصفات اللازمة لها، حتى يقال: هل هي زائدة عليها أو ليست زائدة عليها؟ بل هي داخلة في مسمى اسمها، والأفعال القائمة بها بقدرتها وإرادتها كذلك. فكما أنه مسمى بأسمائه الحسنى، منعوت بصفاته العلى، قبل خلق السماوات والأرض، وبعد إقامة القيامة، وفيما بين ذلك، لم يزل ولا يزال موصوفاً بصفات الكمال، منعوتاً بنعوت الإكرام والجلال، فكذلك هو مسمى بأسمائه الحسنى منعوت بصفاته العلى، قبل هذه الأفعال وبعدها. وكان أن ذلك ثابت قبل حدوث المفعولات وبعدها، فهو ايضاً ثابت قبل حدوث الأفعال وبعدها، ومن آياته الشمس والقمر والكواكب، وما تستحقه هذه الأعيان من الأسماء والصفات هو ثابت لها قبل الحركات المعينة وبعدها، ولا يحتاج أن يقدر لها ذات مجردة عن النور وعن دوام الحركة، ثم زيد عليها النور ودوام الحركة، فالخالق سبحانه أولى بثبوت الكمال له وانتفاء النقص عنه، والمخلوقات

стр. 635

إنما احتاجت فيما يحدث عنها إلى سبب منفصل لأنها هي في نفسها محتاجة إلى الفاعل المنفصل، فلا يوجد شيء من ذاته وصفاتها وأفعالها إلا بأمر منفصل عنها، وأما الخالق فهو الغني عما سواه، فلا يفتقر في شيء من ذاته وصفاته وأفعاله إلى أمر منفصل الذي هو مفتقر إليه، فلا يحتاج فيما يجدده من أفعاله القائمة بنفسه التي يريدها ويقدر عليها إلى أمر مستغن عنه، كما لا يحتاج في مفعولاته المنفصلة عنه إلى ذلك وأولى، وإذا كان قد خلق من الأمور المنفصلة عنه ما جعله سبباً لأفعال تقوم بنفسه، كما يخلق الطاعات التي ترضيه، والتوبة التي يفرح بها، والدعاء الذي يجيب سائله، وأمثال ذلك من الأمور، فليس هو في شيء من ذلك مفتقراً إلى ما سواه، بل هو سبحانه الخالق للجميع، وكل ما سواه مفتقر إليه، وهو الغني عن كل ما سواه، وهذا كما أن ما يفعله من المخلوقات بعضها ببعض، كإنزال المطر بالسحاب وإنبات النبات بالماء، لا يوجب افتقاره إلى الأسباب المنفصلة، إذ هو خالق هذا وهذا، وجاعل هذا سبباً لهذا، وقد بسطت هذه الأمور في غير هذا الموضع بما لا يليق بهذا المكان. الجواب السادس: أن يقال: قولهم إن لم يكن ذاته كافية في

стр. 636

حصولها لزم افتقاره إلى سبب منفصل، وذلك يقضي إمكانه، فيكون الواجب ممكناً تمنع فيه المقدمة الأولى التلازمية التي هي شرطية متصلة، وذلك أن الذات إن لم تكن كافية في حصولها، إنما يلزم افتقار ذلك الحادث إلى سبب منفصل، لا يلزم افتقار نفس الذات إلى سبب منفصل، فإن المحتج يقول: كل صفة تفرض فذاته كافيه في حصولها أو لا حصولها، لأنه لو لم يكن كذلك لزم افتقاره إلى سبب منفصل. فيقال له: بتقدير أن لا تكون الذات كافية في نفي تلك الصفة أو ثبوتها، يلزم أن يكون نفيها أن إثباته موقوفاً عل أمر غير الذات، وأما كون الذات تكون موقوفة على ذلك الغير، فهذا ليس بلازم من هذا التقدير، إلا أن يتبين أنه إذا كان شيء من الأمور التي توصف بها من السلب والإيجاب موقوفاً على الغير، وجب أن يكون هو نفسه موقوفاً على الغير، وهو لم يبين ذلك. ومن المعلوم أن القائلين بهذا يقولون: إن ما يتجدد من الأمور القائمة به، فهو موقوف على مشيئته وقدرته، وذاته ليست موقوفة على مشيئته وقدرته، ويقولون: إنه يجوز أن يقف ذلك على ما يحدثه هو من الحوادث بمشيئته وقدرته، وهو في نفسه ليس موقوفاً على ما يحدثه من الحوادث المتعلقة بمشيئته وقدرته، وليس في الوجود موجود سواه وسوى مخلوقاته حتى يقال إن تلك الأمور موقوفة عليه، بل غاية ما يمكن أن يقال إنها موقوفة على مشيئته وقدرته أو توابع مشيئته وقدرته. وأصحاب هذا القول يقولون ذلك، وتكون تلك الأمور موقوفة على ذلك، لا يقتضي أن يكون هو نفسه موقوفاً على ذلك، ولكن هذا المحتج إن لم

стр. 637

يقرر مقدمات حجته لم تكم حجته صحيحة، وحجته مبنية على أنه لو لم تكف ذاته في حصول ما ينفي ويثبت للزم افتقاره إلى غيره، وإنما يلزم افتقار تلك المنفيات والمثبتات إلى ذلك الغير، فإن هذا بين، فإن لم يبن أن افتقار تلك الأمور إلى الغير مستلزم لافتقاره، وإلا لم تكن حجة صحيحة، لا سيما وتلك الأمور على هذا التقدير ليست من لوازم ذاته، فإنها لو كانت من لوازم ذاته كانت ذاته كافية فيها، ولوازم الذات متى افتقرت إلى الغير لزم افتقار الذات إلى الغير، فإن الملزوم لا يوجد إلا باللازم، واللازم لا يوجد إلا بذلك الغير، فالملزوم لا يوجد إلا بذلك الغير، ولكن ذلك الغير لا يجب أن يكون فاعلاً أو علة فاعلة، بل يجوز أن يكو شرطاً ملازماً. وقد بين في غير هذا الموضع أن نفس ذات الواجب إذا قيل: هي ملازمة لصفاته الواجبة له، أو صفاته الواجبة له ملازمة لذاته، أو كل من الصفات الواجبة ملازم للأخرى، كان هذا حقاً وهو متضمن أن تحقيق كل من ذلك مشروط بتحقق الآخر. وأما كون الرب تعالى مفتقر إلى شيء مباين له غنى عنه، فهذا ممتنع، فإنه سبحانه الغني عن كل شيء، فإذا قدر أن بعض لوازمه توقف على ما هو مباين له لم يكن وجوده ثابتاً إلا بوجود ذلك المباين، وكان الله مفتقراً إليه، والله غني عن كل شيء. وأما إذا لم يكن الأمر من لوازم ذاته، بل كان من الأمور العارضة، فلا ريب أن أهل الإيمان والسنة يقولون إن الله لا يفتقر في شيء من الأشياء إلى غيره،

стр. 638

لا في ذاته ولا في صفاته ولا أفعاله، سواء قام بذاته أو لم يقم بذاته، ولكن هو بنفسه غني عن كل ماسواه، ولا يقال إنه نفسه غني عن نفسه، وليس في كونه مستلزماً لصفاته وفاعلاً لأفعاله ما يقتضي افتقاره إلى غير نفسه، فإنه إذا كان وحده مستلزماً لصفاته وفاعلاً لأفعاله ما يقتضي افتقاره إلى غير نفسه، فإنه إذا كان وحده مستلزماً لصفاته، فاعلاً لجميع أفعاله، لم يكن شيء مما وجد بغيره، بل جميع ما وجد فلا يخرج من ذاته وصفاته وأفعاله، فلا يتصور أن يكون مفتقراً إلى غير نفسه المقدسة . ولكن المقصود أن هذا المحتج إذا قال له المعترض: ما المانع أن تكون هذه الأمور العارضة موقوفة على غير مع كون الحق واجب بذاته؟ لم يكن فيما ذكر حجة، بل ذكر أن تلك الأمور إذا لم تكن من لوازم ذاته بحيث تكون مجرد الذات كافيه فيها، وإلا لزم افتقاره إلى سبب منفصل، واللازم إنما هو افتقار تلك الأمور إلى سبب منفصل، فإن بين أن ما يقوم بالواجب يمتنع أن يكون موقوفاً على سبب منفصل تمت حجته، وإلا فلا، ولا يمكن أن يقيم حجه إلا على أنه لا يقف على ما هو مستغن عن الواجب بنفسه، وهذا حق. وأما كونه لا يقف على ما هو مفتقر إلى الواجب فهذا لا يمكن إقامة الدلالة عليه. الوجه السابع: أن يقال: قولك بأن عواض ذاته لا يتوقف على الغير يستلزم أن عواض ذاته يتوقف على الغير، وإذا كان تقدير ثبوته مستلزماً لانتفائه دل على أن تقدير ثبوته مستلزم لجمع بين النقيضين، فلا يكون ثابتاً، وإن شئت قلت: قولك لا تقوم به الحوادث مستلزم لقيام

стр. 639

الحوادث به، فيلزم الجمع بين النقيضين، وإن شئت قلت: قولك لا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته يستلزم نقيض ذلك فيكون باطلاً، وهذا يصلح أن يكون دليلاً مستقلاً في أول المسألة، وذلك لأن هذا العالم المشهود إما أن يكون واجباً بذاته أو ممكناً، فإن كان واجباً بذاته فمن المعلوم قيام الحوادث به، فيلزم قيامها بالواجب بذاته. وأيضاً فمن المعلوم أن ما يقوم ببعض الأفلاك من الحوادث ليست ذاته كافيه له، بل هو موقوف على غيره، فيكون ما يقوم بالواجب بنفسه موقوفاً على غيره، وإن كان هذا العالم ممكناً وهو الحق، فلا بد له من واجب، فذلك الواجب إما أن يكون علة تامة مستلزمة في الأزل لجميع معلولاته أو لا، والأول باطل لأنه لو كان كذلك لم يتأخر شيء من معلولاته. والثاني يقتضي أنه فعل بعد أن لم يكن فعل، وذلك يقتضي تجدد فاعلية فأما أن يكون تجدد ذلك مستلزماً لكون متجدداته توجب افتقار ذاته إلى غيره أو لا، فإن لم تكن بطلت الحجة، وإن استلزم ذلك ثبت افتقار ما يتجدد بذاته إلى غيره. فلو قيل: إن الواجب لا تقوم بذاته هذه الأمور للزم أن تقوم بذاته هذه الأمور، فيلزم الجمع بين النقيضين. وإن قيل: تجدد الفاعلية لا يستلزم قيام شيء به، بل تجددت من غير حدوث شيء أصلاً. قيل: فكذلك ما يتجدد من الأمور القائمة بذاته ممكن حينئذ تجدده من غير حدوث شيء اصلاً بطريق الأولى. وإن شئت أن تكون هذه معارضة ودليلاً في رأس المسألة، ونقول: ما يتجدد من مفعولاته هل يتقضي أفتقار ذاته

стр. 640

إلى غيره أما لا؟ فإن قيل لا يقتضي، فكذلك ما يتجدد من أفعاله القائمة به وإلا فلا. وهذا لأن نفاة الأمور القائمة به منهم من يقول حدثت الحوادث المباينة له من غير تجدد شيء أصلاً، كما يقول ذلك من يقول من المعتزلة والكلابية وغيرهم، ومنهم من يقول: بل ما زالت الحوادث تحدث مع كونه مستلزماً لجميع مفعولاته، كما تقول ذلك الدهرية الفلاسفة، والدهرية منهم من يقول: إن العالم واجب الوجود بنفسه، ومنهم من يقول: إن الأول علة غائية له، وكل من هذه الأقوال يلزمه من التناقض ما يبين به أنه لا يمكنه إبطال القول بقيام مراداته ومحبوابته بذاته. معارضة بعض المتكلمين للرازي وقد عارض بعضهم الرازي فيما ذكره من أن هذه المسألة تلزم عامة الطوائف، فقال: المراد بالحادث: الموجود الذي وجد بعد العدم، ذاتاً كان أو صفة، أما ما لا يوصف بالوجود - كالأعدام المتجددة، والأحوال عند من يقول بها، والإضافات عند من لا يقول: إنها وجودية - فلا يصدق عليها اسم الحادث، وإن صدق عليها اسم المتجدد، فلا يلزم من تجدد الإضافات والأحوال في ذات الباري أن تكون محلاً للحوادث.

стр. 641

قال: وما قاله الإمام - يعني الرازي - في هذا المقام إن أكثر العقلاء قالوا به وإن أنكروه باللسان، وبينه بصور، فليس كذلك، لأن أكثر ما ذكر من تلك الأمور فإنما هي متجددة لا محدثة، والمتجدد أعم من الحادث، فلا يلزم من وجود العام وجود الخاص قلت: ولقائل أن يقول: هذا ضعيف من وجوه: الرد عليهم من وجوه الوجه الأول أن الدليل الذي استدلوا به على نفي الحوادث ينفي المتجددات أيضاً كقولهم: إما أن يكون كمالاً أو نقصاً، وقولهم: لو حصل ذلك لزم التغير، وقولهم: إما أن تكون ذاته كافية فيه أو لا تكون، وقولهم: كونه قابلاً له في الأزل يستلزم إمكان ثبوته في الأزل، فإنه لا يمكن أن يحصل في الأزل لا متجدد ولا حادث، ولا يوصف الله بصفة نقص، سواء كان متجدداً أو حادثاً، وكذلك التغير لا فرق بين أن يكون بحادث أو متجدد، فإن قالوا: تجدد المتجددات ليس تغيراً، قال أولئك: وحدوث الحركات الحادثة ليس تغيراً، فإن قالوا: (بل هذا يسمى تغيراً) منعوهم الفرق، وإن سلموه كان النزاع لفظياً، وإذا كان استدلالهم ينفي القسمين لزم إما فساده وإما النقض. الوجه الثاني أن يقال: تسمية هذا متجدداً وهذا حادثاً فرق

стр. 642

لفظي، لا معنوي، ولا ريب أن أهل السنة والحديث لا يطلقون عليه أنه محل للحوادث، ولا محل للأعراض، ونحو ذلك من الألفاظ المبتدعة التي يفهم منها معنى باطل، فإن الناس يفهمون من هذا أن يحدث في ذاته ما سمونه هم حادثاً كالعيوب والآفات، والله منزه عن ذلك ، وإذا قيل: فلان ولي على الأحداث، أو تنازع أهل القبلة في أهل الأحداث، فالمراد بذلك: الأفعال المحرمة كالزنا والسرقة وشرب الخمر وقطع الطريق، والله أجل وأعظم من أن يخطر بقلوب المؤمنين قيام القبائح به، والمقصود أن تفرقة المفرق بين المتجدد والحادث أمر لفظي، لا معنى عقلي، ولو عكسه عاكس فسمى هذا متجدداً وهذا حادثاً لكان كلامه من جنس كلامه. الوجه الثالث أن دعوى المدعي أن الجمهور إنما يلزمهم تجدد الإضافات والأحوال والأعدام، لا تجدد الحادث الذي وجد بعد العدم، ذاتاً كان أو صفة، دعوى ممنوعة لم يقم عليها دليلاً، بل الدليل يدل على أن أولئك الطوائف يلزمهم قيام أمور وجودية حادث بذاته، مثال ذلك يسمع ويرى ما يخلقه من الأصوات والمرئيات. وقد أخبر القرآن بحدوث ذلك في مثل قوله: ﴿وقل اعملوا فسيرى

стр. 643

الله عملكم ورسوله والمؤمنون﴾ (التوبة: ١٠٥) وقوله تعالى: ﴿ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون﴾ (يونس: ١٤) . وقد أخبر بسمعه ورؤيته في مواضع كثيرة، كقوله لموسى وهارون: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ (طه: ٤٦) وقوله: ﴿الذي يراك حين تقوم * وتقلبك في الساجدين﴾ (الشعراء: ٢١٨ - ٢١٩) وقوله: ﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء﴾ (آل عمران: ١٨١) . ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله﴾ (المجادلة: ١) . وفي الصحيح «عن عائشة ﵂ قالت: سبحان الذي وسع سمعه الأصوات، لقد كانت المجادلة تشتكي إلى رسول الله ﷺ في جانب البيت، وإنه ليخفى علي بعض كلامها، فأنزل الله تعالى: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله﴾ » ، ومثل هذا كثير. فيقال لهؤلاء: أنتم معترفون وسائر العقلاء بما هو معلوم بصريح العقل أن المعدوم لا يرى موجوداً قبل وجوده، فإذا وجد فرآه موجوداً وسمع كلامه فهل حصل أمر وجودي لم يكن قبل، أو لم يحصل شيء؟

стр. 644

فإن قيل: لم يحصل أمر وجودي، وكان قبل أن يخلق لا يراه، فيكون بعد خلقه لا يراه أيضاً، وإن قيل: حصل أمر وجودي، فذلك الوجودي إما أن يقوم بذات الرب، وإما أن يقوم بغيره، فإن قام بغيره لزم أن يكون غير الله هو الذي رآه، وإن قام بذاته علم أنه قام به رؤية ذلك الموجود الذي وجد، كما قال تعالى: ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون﴾ (التوبة: ١٠٥) ، وما سموه إضافات وأحوالاً وتعلقات وغير ذلك. يقال لهم: هذه أمور موجوده أو ليست موجودة؟ فإن لم تكن موجودة فلا فرق بين حاله قبل أن يرى ويسمع وبعد أن يرى ويسمع، فإن العدم المستمر لا يوجب كونه صار رائياً سامعاً، وإن قلتم: بل هي أمور وجودية، فقد أقررتم بأن رؤية الشيء المعين لم تكن حاصلة، ثم صارت حاصلة بذاته، وهي أمر وجودي. والمتفلسفة لا يقتصر في إلزامهم على تجدد الإضافات، بل يلزمون بكونه محدثاً للحوادث المتجددة شيئاً فشيئاً، والإحداث هو من مقولة أن يفعل، وأن يفعل: أحد المقولات العشر، وهي أمور وجودية. فيقال: كونه فاعلاً لهذه الحوادث المعينة بعد أن لم يكن فاعلاً لها، إما أن يكون أمراً حادثاً وإما أن لا يكون حدث كونه فاعلاً، فإن لم يحدث كونه فاعلاً فحاله قبل أن يحدثها وبعد أن يحدثها واحد، وقد كان قبل أن يحدثها غير فاعل لها، فيلزم أن لا يحدث شيء، أو يحدث بلا

стр. 645

محدث، وأنتم أنكرتم على المتكلمة الجهمية والمعتزلة أن قالوا: الذات تفعل بعد أن لم تكن فاعلة، بلا أمر تجدد، فكيف تقولون: هي دائماً تفعل الحوادث شيئاً بعد شيء، من غير أن يحدث لها أمر؟ وأيضاً فالفاعلية التامة لكل واحد من الحوادث إن كانت موجودة في الأزل قبل حدوثه لزم تأخر الفعل عن الفاعلية التامة، وهذا باطل، وذلك يبطل قولهم. وإن قالوا: بل الفاعلية التامة لكل حادث تحدث بعد أن لم تكن حادثة، فقد صارت الذات فاعلة لذلك الحادث بعد أن لم تكن فاعلة، وكونها فاعلة هي من مقولة أن يفعل، هي إحدى المقولات العشر التي هي الأجناس العالية، المسماة عندهم بقاطيغورياس، وهي كلها وجودية، فيلزم اتصاف الرب بقيام الأمور الوجودية به شيئاً بعد شيء، كما أختاره كثير من سلفهم وخلفهم. وهكذا يمكن تقرير كل ما ذكر الرازي من إلزام الطوائف شيئاً بعد شيء لمن تصور ذلك تصوراً تاماً، وكل من قال: (لم يحدث شيء موجود) فإنه يلزمه التناقض البين الذي لا ينازع فيه المنصف الذي يتصور ما يقول تصوراً تاماً.

стр. 646

وقد اعتذر من اعتذر من الفلاسفة عما ألزمهم إياه من الإضافات بأن قالوا: الإضافات لا توجد إلا كذلك، فلا يتصور فيه الكمال قبلها، ولأنها تابعة لغيرها، فلا يثبت فيها الكمال، بل في متبوعها. قلت: ولقائل أن يقول: هذا بعينه يقوله المثبتون، فإن الكلام إنما هو في الحوادث المتعلقة بمشئيته وقدرته. ومن المعلوم امتناع ثبوت الحوادث جميعها في الأزل: فإذا قال القائل: (الإضافات لا توجد إلا حادثة) قيل له: والحوادث المعلقة بمشيئته وقدرته لا توجد لا حادثة. وأما قوله: (الإضافة تابعة لغيرها، فلا يثبت فيها الكمال) فعنه جوابان: أحدهما: أن الدليل لا يفرق بين التابع والمتبوع، فإن صح الفرق ظل الدليل، وإن لم يصح انتقض الدليل، فيبطل على التقديرين. الثاني: أن يقال: وهكذا ما يتعلق بمشيئته وتقدرته، هو تابع أيضاً، فلا يثبت فيه الكمال. يوضح ذلك: أنه سبحانه مستحق في أزله لصفات الكمال، لا وزر أن يكون شيء من الكمال الأزلي إلا وهو متصف به في أزله،

стр. 647

كالحياة والعلم والقدرة وغير ذلك، وإنما الشأن فيما لا يمكن وجوده في الأزل. طريقة الأئمة في مسألة القرآن ومما يبين لك أن الرازي وأمثاله كانوا يعتقدون ضعف هذه المسألة - مع فرط رغبتهم في إبطال قول الكرمية إذا أمكنهم - أنه لم يعتمد على ذلك في مسألة كلام الله تعالى في أجل كتبه نهاية العقول، ومسأل الكلام هي من أجل ما يبنى على هذا الأصل. وذلك أن الطريقة المعروفة التي سلكها الأشعري وأصحابه في مسألة القرآن، هم ومن وافقهم على هذا الأصل من أصحاب أحمد وغيرهم، كأبي الحسن التميمي والقاضي أبي يعلى وابن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني وغيرهم من أصحاب أحمد، وكأبي المعالي الجويني وأمثاله وأبي القاسم الرواسي وأبي سعيد المتولي وغيرهم من أصحاب الشافعي، والقاضي أبي الوليد الباجي وأبي بكر الطرطوشي والقاضي

стр. 648

أبي بكر بن العربي وغيرهم من أصحاب مالك. وكأبي منصور الماتريدي وميمون النسفي وغيرهما من أصحاب أبي حنيفة، أنهم قالوا: لو كان القرآن مخلوقاً للزم أن يخلقه: إما في ذاته، أو في محل غيره، أو أن يكون قائماً بنفسه لا في ذاته ولا في محل آخر. والأول: يستلزم أن يكون الله محلاً لحوادث، والثاني: يقتضي أن يكون الكلام كلام المحل الذي خلق فيه، فلا يكون ذلك الكلام كلام الله، كسائر الصفات إذا خلقها في محل، كالعلم والحياة والحركة واللون وغير ذلك، والثالث: يقتضي أن تقوم الصفة بنفسها، وهذا ممتنع. فهذه الطريقة هي عمدة هؤلاء في مسألة القرآن. وقد سبقهم عبد العزيز المكي صاحب الحيدة المشهورة إلى هذا التقسيم. قول عبد العزيز الكناني في مسألة القرآن وصفات الله والتعليق عليه وقد يظن الظان أن كلامهم هو كلامه بعينه، وأنه كان يقول بقولهم، وأن الله لا يقوم بذاته ما يتعلق بقدرته ومشيئته، وأن قوله من جنس قول ابن كلاب. وليس الأمر كذلك، فإن عبد العزيز ـ هذا ـ له في الرد على الجهمية وغيرهم من الكلام ما لا يعرف فيه خروج عن مذهب السلف وأهل الحديث.

стр. 649

وذلك أنه قال بعد أن ذكر جوابه لبشر فيما احتج به بشر من النصوص مثل قوله تعالى ﴿الله خالق كل شيء﴾ [الزمر: ٦٢] ، وقوله تعالى: ﴿إنا جعلناه قرآنا عربيا﴾ [الزخرف: ٣] ، قال: (فقال بشر: يا أمير المؤمنين عندي أشياء كثيرة، إلا أنه يقول بنص التنزيل، وأنا أقول بالنظر والقياس، فليدع ما مطالبتي بنص التنزيل، ويناظرني بغيره؟، فإن لم يدع قوله ويرجع عنه ويقول بقولي ويقر بخلق القرآن الساعة وإلا فدمي حلال) . وذكر عبد العزيز أنه طلب من بشر أن يناظره على وجه النظر والقياس ويدع مطالبته بنص التنزيل - إلى أن قال: (فقال عبد العزيز: يا بشر، تسألني أم أسألك؟ فقال بشر:

стр. 650

سل أنت، وطمع في، وجميع أصحابه! وتوهموا أني إذا خرجت عن نص التنزيل لم أحسن أن أتكلم بشيء غيره) . قال عبد العزيز: (فقلت: يا بشر، تقول: إن كلام الله مخلوق؟ قال: أقول: إن كلام الله مخلوق) قال: (فقلت له: يلزمك واحدة من ثلاث لا بد منها: أن تقول: إن الله خلق القرآن - وهو عندي أناكلامه - في نفسه، أو خلقه قائماً بذاته ونفسه، أو خلقه في غيره، فقل ما عندك، قال بشر: أقول: إنه مخلوق، وإنه خلقه كما خلق الأشياء كلها. قال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين، تركنا القرآن ونص التنزيل والسنن والأخبار عند هربه منها وذكر أنه يقيم الحجة، وأنا أقول معه بخلق القرأن، فقد رجع بشر إلى الحيدة عن الجواب، وانقطع عن الكلام، فإن كان يريد أن يناظرني على أنه يجيبني عما أسأله عنه، وإلا فأمير المؤمنين أعلى عيناً في صرفي، فإنما يريد بشر أن يقع

стр. 651

معه من لا يفهم، فيخدعه عن دينه، ويحتج عليه بما لا يعقله، فتظهر حجته عليه، فيبيح دمه. قال: فأقبل عليه المأمون فقال: أجب عبد العزيز عما سألك عنه، فقد ترك قوله ومذهبه وناظرك على مذهبك وما ادعيت أنك تحسنه وتقيم الحجة به عليه، فقال بشر: قد أجبته، ولكنه يتعنت، فقال المأمون: يأبى عليك عبد العزيز إلا أن تقول واحدة من ثلاث، فقال: هذا أشد طلباً من مطالبته بنص التنزيل، ما عندي غير ما أجبته به. قال: فأقبل على المأمون فقال: يا عبد العزيز، تكلم أنت في شرح هذه المسألة وبيانها ودع بشراً فقد انقطع عن الجواب من كل جهة. فقلت: نعم، سألته عن كلام الله تعالى: أمخلوق هو؟ قال: نعم، فقلت له ما يلزمه في هذا القول، وهو واحدة من ثلاث لا بد منها: أن يقول إن الله خلق كلامه في نفسه، أو خلقه في غيره، أو خلقه قائماً بذاته ونفسه، فإن قال (إن الله خلق كلامه في نفسه) فهذا محال لا يجد سبيلاً إلى القول به من قياس ولا نظر ولا معقول، لأن الله لا يكون مكاناً للحوادث، ولا يكون فيه شيء مخلوق، ولا يكون ناقصاً فيزيد فيه شيء إذا خلقه، تعالى الله عن ذلك وتعظم!

стр. 652

وإن قال: (خلقه الله في غيره) فيلزمه في النظر والقياس أن كل كلام خلقه في غيره هو كلام الله ، لا يقدر أن يفرق بينهما، فيجعل كلامه كلاماً لله، ويجعل قول الكفر والفحش وكل قول ذمه الله وذمه قائله: كلاماً لله ، وهذا محال لا يجد السبيل إليه ولا إلى القول به، لظهور الشناعة والفضيحة والكفر على قائله، تعالى الله عن ذلك! وإن قال: (خلقه قائماً بنفسه وذاته) فهذا هو المحال الباطل الذي لا يجد إلى القول به سبيلاً في قياس ولا نظر ولا معقول، لأنه لا يكون الكلام إلا من متكلم، كما لا تكون الإرادة إلا من مريد، ولا العلم إلا من عالم، ولا القدرة إلا من قدير، ولا يرى ولا رئي كلام قط قائم بنفسه يتكلم بذاته. وهذا مما لا يعقل ولا يعرف، ولا يثبت في نظر ولا قياس ولا غير ذلك، فلما استحال من هذه الجهات أن يكون مخلوقاً علم أنه صفة لله، وصفات الله كلها غير مخلوقة، فبطل قول بشر. فقال المأمون: أحسنت يا عبد العزيز، فقال بشر: سل عن غير هذه المسألة فلعله يخرج من بيننا شيء. فقلت: أنا أدع هذه المسألة وأسأل عن غيرها، قال: سل،

стр. 653

قال عبد العزيز: فقلت لبشر: ألست تقول: إن الله كان ولا شيء، وكان ولما يفعل شيئاً ولما يخلق شيئاً؟ قال: بلى. فقلت: فبأي شيء حدثت الأشياء بعد أن لم تكن شيئاً؟ أهي أحدثت نفسها أم الله أحدثها؟ فقال: الله أحدثها، فقلت له: فبأي شيء حدثت الأشياء إذ أحدثها الله؟ قال: أحدثها بقدرته التي لم تزل. قلت له: إنه أحدثها بقدرته كما ذكرت، أفليس تقول: إنه لم يزل قادراً؟ قال: بلى. قلت له: فتقول: إنه لم يزل يفعل؟ قال: لا أقول هذا. قلت له: فلا بد أن يلزمك أن تقول: أنه خلق بالفعل الذي كان عن القدرة، وليس الفعل هو القدرة، لأن القدرة صفة لله. ولا يقال لصفة الله هي الله ولا هي غير الله، فقال بشر: ويلزمك أنت أيضاً أن تقول: إن الله لم يزل يفعل ويخلق، وإذا قلت ذلك فقد ثبت أن المخلوق لم يزل مع الله. قال عبد العزيز: فقلت لبشر: ليس لك أن تحكم علي وتلزمني مالا يلزمني وتحكي عني ما لم أقل، إني لم أقل:

стр. 654

(إنه لم يزل الخالق يخلق، ولم يزل الفاعل يفعل) ليلزمني ما قلت. وفي نسخة أخرى: (وإنما قلت إنه لم يزل الفاعل سيفعل، ولم يزل الخالق سيخلق، لأن الفعل صفة الله، والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع) قال بشر: أنا أقول إنه أحدث أشياء بقدرته، فقل ما شئت، فقال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين، قد أقر بشر أن الله كان ولا شيء، وأنه أحدث الأشياء بعد أن لم تكن شيئاً بقدرته، وقلت أنا: إنه أحدثها بأمره وقوله عن قدرته، فلم يخل يا أمير المؤمنين أن يكون أول خلق خلقه الله خلق بقول قاله، أو بإرادة أرادها، أو بقدرة قدرها، فبأي ذلك كان فقد ثبت أن ههنا إرادة ومريداً ومراداً، وقولاً وقائلاً ومقولاً له، وقدرة وقادراً ومقدوراً عليه، وذلك كله متقدم قبل الخلق، وما كان قبل اللخق متقدماً فليس هو من الخلق في شيء. فقد كسرت قول بشر بالكتاب والسنة واللغة العربية والنظر والمعقول) ثم ذكر حجة أخرى. والمقصود هنا: أن عبد العزيز احتج بتقسيم حاصر معقول، فإن الله

стр. 655

تعالى إذا خلق شيئاً فإما أن يخلقه في نفسه، أو في غيره، أو يخلقه قائماً بنفسه، وقد أبطل الأقسام الثلاثة. ولا ريب أن المعتزلة يقولون: إنه خلقه في غيره، فأبطل ذلك عبد العزيز بالحجة العقلية التي يتداولها أهل السنة، وهو أنه قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن القرآن كلام الله، فإن كان مخلوقاً في محل آخر غيره لزم أن يكون كل كلام مخلوق في محل كلام الله، لتماثلهما بالنسبة إلى الله، ويلزم أن يكون ما يخلقه تعالى من كلام الجلود والأيدي والأرجل كلام الله، فإذا قالوا: ﴿أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم﴾ (فصلت: ٢١) ، كان الناطق هو المنطق، وبشر لم يكن من القدرية، بل كان ممن يقر بأن الله تعالى خالق أفعال العباد، فألزمه عبد العزيز أن يكون كلام كل مخلوق كلام الله، حتى قول الكفر والفحش، وهذا الإلزام صرح به حلولية الجهمية من الاتحادية ونحوهم كصاحب الفصوص والفتوحات المكية ونحوه، وقالوا: وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه

стр. 656

ولهذا قال من قال من السلف: من قال: ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا﴾ (طه: ١٤) مخلوق، فقد جعل كلام الله بمنزلة قول فرعون، الذي قال: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ (النازعات: ٢٤) لأن عنده هذا الكلام خلقه الله في الشجرة، وذلك خلقه في فرعون، فإذا كان هذا كلام الله كان هذا كلام الله. كما قال سليمان بن داود الهاشمي - أحد أئمة الإسلام نظير الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي بكر بن أبي شيبة وأمثالهم - قال: (من قال القرآن مخلوق فهو كافر، وإن كان القرآن مخلوقاً كما زعموا فلم صار فرعون أولى بأن يخلد في النار إذ قال: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ من هذا؟ وكلاهما عنده مخلوق، فأخبر بذلك أبو عبيد، فاستحسنه وأعجبه، ذكر ذلك البخاري في كتاب خلق أفعال العباد. وكذلك ذكر نظير هذا عبد الله بن المبارك وعبد الله بن إدريس ويحيى بن سعيد القطان، وهذا مبني على أن الله خالق أفعال العباد، فإذا كان قد خلق في محل: (إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدوني) وخلق في محل: (أنا ربكم الأعلى) كان ذلك المحل الذي خلق فيه ذلك الكلام أولى بالعقاب من فرعون، وإذا كان ذلك كلام الله كان كلام فرعون كلام الله.

стр. 657

وأما كونه خلقه قائماً بنفسه فهو ظاهر البطلان أيضاً، لأن الصفات لا تقوم بنفسها، ولكن الجهمية تقول: خلق علماً لا في محل، والبصريون من المعتزلة يقولون: خلق إرادة وقدرة لا في محل، وطائفة منهم يقولون: خلق بخلق بعد خلق لا في محل، وهذه المقالات ونحوها مما يعلم فساده بصريح العقل. وأما القسم الأول - وهو كونه سبحانه خلقه في نفسه - فأبطله عبد العزيز أيضاً لكن ما في نفس الله تعالى يحتمل نوعين: أحدهما: أن يقال: أحدث في نفسه بقدرته كلاماً بعد أن لم يكن متكلماً. وهذا قول الكرامية وغيرهم ممن يقولون: كلام الله حادث ومحدث في ذات الله تعالى، وأن الله تكلم بعد أن لم يكن يتكلم أصلاً، وأن الله يمتنع ان يقال في حقه: ما زال متكلماً، وهذا مما أنكره الإمام أحمد وغيره. والثاني: أن يقال: لم يزل الله متكلماً إذا شاء كما قاله الأئمة، وكل من هاتين الطائفتين لا تقول: (إن ما في نفس الله مخلوق) بل المخلوق عندهم لا يكون إلا منفصلاً عن نفس الله تعالى، وما قام به من أفعاله وصفاته فليس بمخلوق. ولا ريب أن بشراً وغيره من القائلين بخلق القرآن كانوا يقولون: إنه خلق منفصلاً عنه كما خلق غيره من المخلوقات، فأما نفس خلق الرب

стр. 658

عند من يقول الخلق غير المخلوق - وهم الأكثرون - فلا يقولون: إن الخلق مخلوق. ومن قال بتجدد ما يقوم به من الأفعال أو الإرادات أو الإدراكات لم يقل: إن ذلك مخلوق، فإنه إذا كان ثم خلق وخالق ومخلوق لم يكن الخلق داخلا في المخلوق. ولهذا كان من يقول: (إن كلام الله قائم بذاته) متفقين على أن كلام الله غير مخلوق، ثم هم بعد هذا متنازعون على عدة أقوال: هل يقال: إنه معنى واحد أو خمسة معان لم تزل قديمة، كما يقوله ابن كلاب والأشعري؟ أو أنه حروف وأصوات قديمة أزلية لم تزل قديمة، كما يذكره عن ابن سالم وطائفة. أو يقال: بل هو حروف وأصوات حادثة في ذاته بعد أن لم يكن متكلماً، كما يقوله ابن كرام وطائفة. أو يقال: إنه لم يزل متكلماً إذا شاء، وإنه إذا شاء تكلم بصوت يسمع وتكلم بالحروف، كما يذكر ذلك عن أهل الحديث والأئمة؟ والمقصود هنا أن ما قام بذاته لا يسميه أحد منهم مخلوقاً، سواء كان حادثاً أو قديماً. وبهذا يظهر احتجاج عبد العزيز على بشر، فإن بشراً من أئمة الجهمية نفاة الصفات، وعنده لم يقم بذات الله تعالى صفة لا فعل

стр. 659

ولا قدرة ولا كلام ولا إرادة بل ما ثم عنده إلا الذات المجردة عن الصفات والمخلوقات المنفصلة عنها، كما تقول ذلك الجهمية من المعتزلة وغيرهم، فاحتج عليه عبد العزيز بحجتين عقليتين: إحداهما: أنه إذا كان كلام الله مخلوقاً ولم يخلقه في غيره ولا خلقه قائماً بنفسه: لزم أن يكون مخلوقاً في نفس الله، وهذا باطل. الثانية: إن المخلوقات المنفصلة عن الله خلقها الله بما ليس من المخلوقات: إما القدرة - كما أقر به بشر - وإما فعله وأمره وإرادته - كما قاله عبد العزيز - وعلى التقديرين: ثبت أنه كان قبل المخلوقات من الصفات ما ليس بمخلوق، فبطل أصل قول بشر والجهمية: إنه ليس لله صفة، وإن كل ماسوى الذات المجردة فهو مخلوق. وتبين أن الذات يقوم بها معان ليست مخلوقة. وهذا حجة مثبتة الصفات القائلين بأن القرآن كلام الله غير مخلوق على من نفى الصفات وقال بخلق القرآن، فإن كل من نفى الصفات لزمه القول بخلق القرآن. يبقى كلام أهل الإثبات فيما يقوم بذاته: هل يجوز أن يتعلق شيء منه بمشيئته وقدرته أم لا؟ وهل عبد العزيز ممن يجوز ان يقوم بذاته ما يتعلق بمشئيته وقدرته، أو ممن يقول: لا يكون المراد المقدور إلا منفصلاً عنه مخلوقاً؟ ويجعل المقدور هو المخلوق، وهما في الأصل قولان معروفان ذكرهما الحارث المحاسبي وغيره عن أهل السنة حسبما تقدم إيراده. وهذا القول الثاني هو قول ابن كلاب والأشعري ومن وافقهما من

стр. 660

أصحاب أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد وغيرهم. والقول الأول: هو قول أئمة أهل الحديث والهشامية والكرامية وطوائف من أهل الكلام من المرجئة. كأبي معاذ التومني وزهير الأثري وغيرهم ومن وافق هؤلاء من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم. فقد يقول القائل: إن عبد العزيز موافق لابن كلاب، لأنه قال: إن الله لا يكون مكاناً للحوادث، ولا يكون فيه شيء مخلوق، ولا يكون ناقصاً فيزيد فيه شيء إذا خلقه، لكن إذا تدبر المتدبر سائر كلام عبد العزيز وجده من أهل القول الأول: قول أهل الحديث، لأنه قال بعد هذا لبشر: بأي شيء حدثت الأشياء؟ قال: أحدثها الله بقدرته التي لم تزل، قال عبد العزيز: فقلت له: إنه قد أحدثها بقدرته كما ذكرت، أفلست تقول: إنه لم يزل قادراً؟ قال: بلى، فقلت له: فتقول إنه لم يزل يفعل؟ قال: لا أقول هذا، قلت: فلا بد أن يلزمك أن تقول: إنه خلق بالفعل الذي كان بلا قدرة، لأن القدرة صفة. وقال

стр. 661

عبد العزيز بعد هذا: لم أقل لم يزل الخالق يخلق ولم يزل الفاعل يفعل، وإنما الفعل صفة، والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع. وقد أثبت عبد العزيز فعلاً مقدوراً لله هوصفة له ليس من المخلوقات، وأنه به خلق المخلوقات، وهذا صريح في أنه يجعل الخلق غير المخلوق، والفعل غير المفعول، وأن الفعل صفة لله، مقدور لله، إذا شاء، ولا يمنعه منه مانع، وهذا خلاف قول الأشعري ومن وافقه. يبقى أن يقال: هذا الخلق - الذي يسمى التكوين - من الناس من يجعله قديماً، ومنهم من يجعله مقدوراً مراداً، وعبد العزيز صرح بأن الفعل الذي به يخلق الخلق مقدور له، وهذا تصرح بأنه يقوم بذات الله عنده ما يتعلق بقدرته، وما كان موجوداً مقدوراً لله فهو مراد له بالضرورة واتفاق الناس. وأيضاً فإنه قال: قد أقر بشر أن الله أحدث الأشياء بقدرته، وقلت أنا: إنه أحدثها بأمره وقوله عن قدرته، فقد صرح بأن القول يكون عن قدرته، فجعل قول الله مقدروراً له مع أنه صفة له عنده. وهذا قول من يقول: إنه يقدر على التكلم، وإنه بمشيئته وقدرته، وليس هو قول من يقول: إن القول لازم له، لا يتعلق بقدرته ومشيئته.

стр. 662

فتبين أن عبد العزيز الكناني يثبت أنه يقوم بذات الله تعالى ما يتعلق بمشيئته وقدرته، وأنه لا يجعل كل واحد من ذلك قديماً، وإن كان النوع قد يكون قديماً، لأن بشراً لما قال له: أحدثها بقدرته التي لم تزل، قال له: أفليس تقول: لم يزل قادراً؟ قال: بلى، قال: فتقول إنه لم يزل يفعل؟ قال: لا، قال: فلا بد أن يلزمك أن تقول: إنه خلق بالفعل الذي كان بالقدرة. وهذا لأنه إذا كان لم يزل قادراً ولا مخلوقاً ثم وجد مخلوق، لم يكن قد وجد بقدرة بلا فعل، فإنه لو كان مجرد القدرة كافياً في وجوده بلا فعل للزم مقارنة المخلوق للقدرة القديمة. وهذا المقام هو المقام المعروف، وهو أنه: هل يمكن وجود الحوادث بلا سبب حادث أم لا؟ فإن جمهور العقلاء يقولون: إن انتفاء هذا معلوم بالضرورة، وإن ذلك يقتضي الترجيح بلا مرجح، وهذا هو الذي ذكره عبد العزيز، بخلاف قول من يقول: إن نفس القادر يرجح أحد طرفي مقدروه بلا مرجح، كما يقوله أكثر المعتزلة والجهمية، أو بمجرد إرادة قديمة كما تقوله الكلابية والكرامية فإن هذا هو الذي ذكره بشر.

стр. 663

يبقى هنا السؤال على عبد العزيز، هو الذي ألزمه إياه بشر، حيث قال له: وأنت أيضاً يلزمك أن تقول: لم يزل يفعل ويخلق، وإذا كان كذلك ثبت أن المخلوق لم يزل مع الله، لأن الحادث إن لم يفتقر إلى سبب حادث كفت القدرة القديمة، وإن افتقر إلى سبب حادث فالقول في حدوث ذلك السبب كالقول في الذي حدث به، فيلزم تسلسل الحوادث، فيلزمك أنه لم يزل يفعل ويخلق، فيكون المخلوق معه، فأجابه عبد العزيز بأني لم أقل (لم يزل الخالق يخلق، ولم يزل الفاعل يفعل، ليلزمني ما قلت، وإنما الفعل صفة، والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع) وفي النسخة الأخرى: (وإنما قلت: لم يزل الخالق سيخلق، والفاعل سيفعل، لأن الفعل صفة، والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع) . ومضمون كلامه: أنني لم أقل إن الله لم يزل يخلق الأشياء المنفصلة ويفعلها، ولا يلزمني هذا كما لزمك، لأنك جعلت المخلوقات تحصل بالقدرة القديمة من غير فعل من القادر يقوم به، فإذا لم تتوقف المخلوقات على غير القدرة، والقدرة قديمة، لزم وجود المخلوقات معها، وإلا لزم الترجيح بلا مرجح، والحدوث بلا سبب، لأن القدرة دائمة أزلاً

стр. 664

وأبداً، ووجود المخلوقات ممكن، والممكن لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح، وعند وجود المرجح التام يجب وجوده، لأنه لو لم يجب لكان قابلا للوجود والعدم، فيبقى ممكناً كما كان، فلا يترجح إلا بمرجح تام. فتبين أن وجود القدرة التي يمكن معها وجود المخلوقات لا يوجد المخلوق مع مجردها، بل لا بد من أمر آخر يفعله الرب. قال عبد العزيز: وهذا الفعل صفة لله، ليس من المخلوقات المنفصلة عنه، والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع، فأما قول القائل: (إن ذلك الفعل الذي لم يكن ثم كان بالقدرة وهو صفة) فإنه يسأل عن سبب حدوثه، كما يسأل عن سبب حدوث المخلوق به. فيجيب عنه عبد العزيز بأجوبة. أحدها: الجواب المركب وهو أن يقول: تسلسل الآثار الحادثة إما أن يكون ممكناً وإما أن يكون ممتنعاً، فإن كان ممكناً فلا محذور في التزامه، وإن كان ممتنعاً لم يلزمني ذلك، ولا يلزم من بطلان التسلسل بطلان الفعل الذي لا يكون المخلوق إلا به، فإنا نعلم أن المفعول المنفصل لا يكون إلا بفعل، والمخلوق لا يكون إلا بخلق، قبل العلم بجواز التسلسل أو بطلانه، ولهذا كان كثير من الطوائف يقولون: الخلق غير المخلوق، والفعل غير المفعول، فيثبتون لك مع إبطال التسلسل، مثل كثير من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، ومن الصوفية

стр. 665

وأهل الحديث والكلام من الكرامية والمرجئة والشيعة وغيرهم، وهؤلاء منهم من يقول: الفعل الذي هو التكوين قديم، والمكون المنفصل حادث، كما يقولون مثل ذلك في الإرادة، ومنهم من يقول: بل ذلك حادث الجنس بعد أن لم يكن، وكلا الفرقين لا يقولون: إن ذلك مخلوق، بل يقولون: إن المخلوق وجد به كما وجد بالقدرة. الجواب الثاني: أن يقول: ما ذكرته من التسلسل لازم لكل من قال: إن جنس الحوادث يكون بعد أن لم يكن، فهو لازم لك ولي إذا قلت بهذا، فلا أختص بجوابه، وأما وجود المفعول بدون فعل: فهذا لازم لك وحدك، وهو الذي احتججت به عليك، فحجتي عليك ثابتة تبطل قولك دون قولي. والإلزام الذي ذكرته أنت مشترك بيني وبينك، فلا يخصني جوابه. الجواب الثالث: أن يقول: أنا قلت: الفعل صفة، والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع، والفعل القائم به ليس هو المخلوق المنفصل عنه، وإنما يجب أن يكون المخلوق معه في الأزل إذا ثبت أن الفعل يستلزم فعلاً قبله، وأن الفعل اللازم يستلزم ثبوت الفعل المتعدي إلى المخلوق، فإن ذك يستلزم ثبوت غير المخلوق. وكل هذه المقدمات فيها ممانعات ومعارضات، وتحتاج إلى حجج لم

стр. 666

يذكر المريسي منها شيئاً، وعبد العزيز لم يلتزم شيئاً من ذلك، وإنما التزم أن الفعل صفة لله تعالى، والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع، وحجته يحصل بها المقصود. وقوله في النسخة الأخرى - إن صح عنه: (إنما قلت لم يزل الفاعل سيفعل، والخالق سيخلق) قد نفى فيه ان يكون نفس الفعل قديماً، فضلاً عن أن يكون المفعول قديماً. وقوله: (إن الفعل صفة لله، والله يقدر عليه، لا يمنعه منه مانع) يمنع قدم عين الفعل، لا يمنع قدم نوعه، إلا أن يثبت امتناع تسلسل الآثار، وليس في كلامه تعرض لنفي ذلك ولا إثباته. وقوله: (لم يزل سيفعل) إن صح عنه يحتمل معنيين: أحدهما: أنه لم يزل موصوفاً بأنه سيفعل ما يفعله من جميع المفعولات أعيانها وأنواعها، كما يقوله من يقول بحدوث نوع الفعل القائم به كما يقوله من يقول بحدوث أنواع المنفصلات عنه. والثاني: أنه لم يزل الفاعل سيفعل شيئاً بعد شيء، فهو متقدم على كل واحد واحد من أعيان المفعولات. فعلى الأول يمتنع أن يكون شيء من أنواعها أو أعيانها قديماً، وعلى

стр. 667

الثاني لا يمتنع تقدم النأواع، بل قد يمتنع تقدم أعيان المخلوقات، فلا يكون شيء من المخلوقات مع الله في الأزل على التقديرين. وجماع ذلك: أن الذي ألزمه عبد العزيز للمريسي لازم له، مبطل لقوله بلا ريب، وعليه جمهور الناس، فإن جماهير الناس يقولون: الخلق غير المخلوق، والفعل غير المفعول، وهذا قو ل جماهير الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وجماهير الصوفية وجماهير أهل الحديث، بل كلهم، وكثير من أهل الكلام والفلسفة أو جماهيرهم، فهو قول أكثر المرجئة من الكرامية وغيرهم، وأكثر الشيعة، وكثير من المعتزلة والكلابية، وكثير من الفلاسفة، ولأصحاب مالك والشافعي واحمد في ذلك قولان، فالذي عليه أئمتهم: أن الخلق غير المخلوق، وهو آخر قولي القاضي أبي يعلى وقول جمهور أصحاب أحمد، وهو الذي حكاه البغوي عن أهل السنة، وهو قول كثير من الكلابية. قول عبد العزيز الكناني في مسألة القرآن وصفات الله والتعليق عليه وأما قوله: (إنه قادر على الفعل لا يمنعه منه مانع) فكلامه يقتضي أنه لم يزل قادراً على الفعل لا يمنعه منه مانع، وهذا الذي قاله هو الذي عليه جماهير الناس، ولهذا أنكروا على من قال: لم يكن قادرا على الفعل في الأزل. وكان من يبغض الأشعري ينسب إليه هذا، لتنفر عنه قلوب الناس، وأراد أبو محمد الجويني وغيره تبرئته من هذا القول، كما قد ذكرناه في غير هذا الموضع.

стр. 668

وإذا كان لم يزل قادراً على الفعل كان هذا صفة كمال، فلهذا قال عبد العزيز: (لأن الفعل صفة والله قادر عليه لا يمنعه منه مانع) وقد خلق المخلوقات بفعله فوجدت بالفعل الذي هو الخلق، والفعل الذي هو الخلق بقدرة الله تعالى، والقدرة على خلق المخلوق هي القدرة عليه. كما قال تعالى: ﴿أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى﴾ (يس: ٨١) ، وقوله تعالى: ﴿أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى﴾ (القيامة: ٤٠) ، وقوله تعالى: ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم﴾ (الأنعام: ٦٥) الآية، ونحو ذلك مما فيه وصف الله بالقدرة على الأفعال المتناولة للمفعولات، وفيه بيان أن الخلق ليس هو المخلوق، ولا أن نفس خلقه للسماوات والأرض هو السماوات والأرض، والقدرة التي تزل ثم وجدت المخلوقات بدون فعل اصلاً. فيقول له المريسي: فذلك الفعل الذي هو صفته وهو يقدر عليه لا يمنعه منه مانع، إن كان قديماً كان كالقدرة، وكان السؤال علي كالسؤال عليك، وإن كان حادثاً من غير تقدم فعل آخر سألتك عن سبب حدوثه بالقدرة التي لم تزل كما سألتني عن سبب حدوث تقدم فعل آخر سألتك عن سبب حدوثه بالقدرة التي لم تزل كما سألتني عن سبب حدوث المخلوق بالقدرة التي لم تزل، وإن كان ذلك الفعل كان بفعل آخر وتسلسل

стр. 669

الأمر: لزم تسلسل الأفعال، ولزم أن يكون الفاعل لم يزل يفعل، والخالق لم يزل يخلق. فيقول له عبد العزيز: لم أقل إنه قديم، بل قلت: إنه صفة، والله قادر عليه، لا يمنعه منه مانع، وماكان مقدوراً له لا يمنعه منه مانع لم يجب أن يكون قديماً معه، بل إن شاء فعله وإن شاء لم يفعله. وأماسؤالك عن سبب حدوثه فهنا لأهل الإثبات جوابان: أحدهما: - وهو جواب الكرامية ومن وافقهم - أن إثبات الفعل للمفعول والخلق للمخلوق لا بد منه، فإنا نعقل أن القادر على الفعل قبل أن يفعله ليس له فعل، فإذا فعله كان هناك فعل به فعل المفعول، وخلق به خلق المخلوق، ونحن مقصودنا إثبات فعل وصفة لله تقوم به مغاير مخلوقاته، وكلامه من هذا الباب، ونحن لم نورد عليكم التسلسل، فإن ذلك باطل على قولنا وقولكم جميعاً. الجواب الثاني: أن يقول من يجيب به: لا يمتنع أن يكون قبل الفعل المعين ما هو أيضاً فعل فعله الله بقدرته، ولا يضرني التسلسل، فإن ذلك جائز ممكن، فإن هذا تسلسل في الأفعال والآثار والشروط، وهذا ليس بممتنع. فعلى الجواب الأول: يظهر قوله: (إنما قلت لم يزل الخالق سيخلق وسيفعل، ولم أقل لم يزل يخلق ويفعل) .

стр. 670

وأما على الجواب الثاني: (فإذا قال: لم يزل يخلق ويفعل، بل أقول: إنه لم يزل سيخلق وسيفعل، فنقرره بوجهين: أحدهما: أن الفعل لا يستلزم وجود مخلوق، بل يكون الفعل قائماً بنفسه بعد فعل قائم بنفسه، وهلم جراً من غير وجود مخلوق منفصل عنه. الثاني: أنه لو قدر تسلسل المفعولات كتسلسل الأفعال فما من مفعول ولا فعل إلا وهو حادث كائن بعد أن لم يكن، فليس مع الله في الأزل شيء من المفعولات ولا الأفعال، إذ كان كل منهما حادثاً بعد أن لم يكن، والحادث بعد أن لم يكن لا يكون مقارناً للقديم الذي لم يزل، وإذا قيل: (إن نوع الأفعال أو المفعولات لم يزل) فنوع الحوادث لا يوجد مجتمعاً، لا يوجد إلا متعاقباً، فإذا قيل: (لم يزل الفاعل يفعل، والخالق يخلق) - والفعل لا يكون إلا معيناً، والخلق والمخلوق لا يكون إلا معيناً - فقد يفهم أن الخالق للسماوات والإنسان لم يزل يخلق السماوات والإنسان، والفاعل لذلك لم يزل يفعله، وليس كذلك، بل لم يزل الخالق لذلك سيخلقه، ولم يزل الفاعل لذلك سيفعله، فما من مخلوق من المخلوقات ولا فعل من الأفعال إلا والرب تعالى موصوف بأنه لم يزل سيفعله، ليس موصوفاً بأنه لم يزل فاعلاً له خالقاً له، بمعنى أنه موجود معه في الأزل، وإن قدر أنه كان قبل هذا الفعل فاعلاً لفعل آخر، وقبل هذا المخلوق خالقاً لمخلوق آخر، فهو لم يزل بالنسبة إلى كل
следующие страницы →