Полный текст (4 031 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
يذكر المريسي منها شيئاً، وعبد العزيز لم يلتزم شيئاً من ذلك، وإنما التزم أن الفعل صفة لله تعالى، والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع، وحجته يحصل بها المقصود.
وقوله في النسخة الأخرى - إن صح عنه: (إنما قلت لم يزل الفاعل سيفعل، والخالق سيخلق) قد نفى فيه ان يكون نفس الفعل قديماً، فضلاً عن أن يكون المفعول قديماً.
وقوله: (إن الفعل صفة لله، والله يقدر عليه، لا يمنعه منه مانع) يمنع قدم عين الفعل، لا يمنع قدم نوعه، إلا أن يثبت امتناع تسلسل الآثار، وليس في كلامه تعرض لنفي ذلك ولا إثباته.
وقوله: (لم يزل سيفعل) إن صح عنه يحتمل معنيين: أحدهما: أنه لم يزل موصوفاً بأنه سيفعل ما يفعله من جميع المفعولات أعيانها وأنواعها، كما يقوله من يقول بحدوث نوع الفعل القائم به كما يقوله من يقول بحدوث أنواع المنفصلات عنه.
والثاني: أنه لم يزل الفاعل سيفعل شيئاً بعد شيء، فهو متقدم على كل واحد واحد من أعيان المفعولات.
فعلى الأول يمتنع أن يكون شيء من أنواعها أو أعيانها قديماً، وعلى
стр. 667
الثاني لا يمتنع تقدم النأواع، بل قد يمتنع تقدم أعيان المخلوقات، فلا يكون شيء من المخلوقات مع الله في الأزل على التقديرين.
وجماع ذلك: أن الذي ألزمه عبد العزيز للمريسي لازم له، مبطل لقوله بلا ريب، وعليه جمهور الناس، فإن جماهير الناس يقولون: الخلق غير المخلوق، والفعل غير المفعول، وهذا قو ل جماهير الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وجماهير الصوفية وجماهير أهل الحديث، بل كلهم، وكثير من أهل الكلام والفلسفة أو جماهيرهم، فهو قول أكثر المرجئة من الكرامية وغيرهم، وأكثر الشيعة، وكثير من المعتزلة والكلابية، وكثير من الفلاسفة، ولأصحاب مالك والشافعي واحمد في ذلك قولان، فالذي عليه أئمتهم: أن الخلق غير المخلوق، وهو آخر قولي القاضي أبي يعلى وقول جمهور أصحاب أحمد، وهو الذي حكاه البغوي عن أهل السنة، وهو قول كثير من الكلابية.
قول عبد العزيز الكناني في مسألة القرآن وصفات الله والتعليق عليه
وأما قوله: (إنه قادر على الفعل لا يمنعه منه مانع) فكلامه يقتضي أنه لم يزل قادراً على الفعل لا يمنعه منه مانع، وهذا الذي قاله هو الذي عليه جماهير الناس، ولهذا أنكروا على من قال: لم يكن قادرا على الفعل في الأزل.
وكان من يبغض الأشعري ينسب إليه هذا، لتنفر عنه قلوب الناس، وأراد أبو محمد الجويني وغيره تبرئته من هذا القول، كما قد ذكرناه في غير هذا الموضع.
стр. 668
وإذا كان لم يزل قادراً على الفعل كان هذا صفة كمال، فلهذا قال عبد العزيز: (لأن الفعل صفة والله قادر عليه لا يمنعه منه مانع) وقد خلق المخلوقات بفعله فوجدت بالفعل الذي هو الخلق، والفعل الذي هو الخلق بقدرة الله تعالى، والقدرة على خلق المخلوق هي القدرة عليه.
كما قال تعالى: ﴿أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى﴾ (يس: ٨١) ، وقوله تعالى: ﴿أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى﴾ (القيامة: ٤٠) ، وقوله تعالى: ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم﴾ (الأنعام: ٦٥) الآية، ونحو ذلك مما فيه وصف الله بالقدرة على الأفعال المتناولة للمفعولات، وفيه بيان أن الخلق ليس هو المخلوق، ولا أن نفس خلقه للسماوات والأرض هو السماوات والأرض، والقدرة التي تزل ثم وجدت المخلوقات بدون فعل اصلاً.
فيقول له المريسي: فذلك الفعل الذي هو صفته وهو يقدر عليه لا يمنعه منه مانع، إن كان قديماً كان كالقدرة، وكان السؤال علي كالسؤال عليك، وإن كان حادثاً من غير تقدم فعل آخر سألتك عن سبب حدوثه بالقدرة التي لم تزل كما سألتني عن سبب حدوث تقدم فعل آخر سألتك عن سبب حدوثه بالقدرة التي لم تزل كما سألتني عن سبب حدوث المخلوق بالقدرة التي لم تزل، وإن كان ذلك الفعل كان بفعل آخر وتسلسل
стр. 669
الأمر: لزم تسلسل الأفعال، ولزم أن يكون الفاعل لم يزل يفعل، والخالق لم يزل يخلق.
فيقول له عبد العزيز: لم أقل إنه قديم، بل قلت: إنه صفة، والله قادر عليه، لا يمنعه منه مانع، وماكان مقدوراً له لا يمنعه منه مانع لم يجب أن يكون قديماً معه، بل إن شاء فعله وإن شاء لم يفعله.
وأماسؤالك عن سبب حدوثه فهنا لأهل الإثبات جوابان:
أحدهما: - وهو جواب الكرامية ومن وافقهم - أن إثبات الفعل للمفعول والخلق للمخلوق لا بد منه، فإنا نعقل أن القادر على الفعل قبل أن يفعله ليس له فعل، فإذا فعله كان هناك فعل به فعل المفعول، وخلق به خلق المخلوق، ونحن مقصودنا إثبات فعل وصفة لله تقوم به مغاير مخلوقاته، وكلامه من هذا الباب، ونحن لم نورد عليكم التسلسل، فإن ذلك باطل على قولنا وقولكم جميعاً.
الجواب الثاني: أن يقول من يجيب به: لا يمتنع أن يكون قبل الفعل المعين ما هو أيضاً فعل فعله الله بقدرته، ولا يضرني التسلسل، فإن ذلك جائز ممكن، فإن هذا تسلسل في الأفعال والآثار والشروط، وهذا ليس بممتنع.
فعلى الجواب الأول: يظهر قوله: (إنما قلت لم يزل الخالق سيخلق وسيفعل، ولم أقل لم يزل يخلق ويفعل) .
стр. 670
وأما على الجواب الثاني: (فإذا قال: لم يزل يخلق ويفعل، بل أقول: إنه لم يزل سيخلق وسيفعل، فنقرره بوجهين:
أحدهما: أن الفعل لا يستلزم وجود مخلوق، بل يكون الفعل قائماً بنفسه بعد فعل قائم بنفسه، وهلم جراً من غير وجود مخلوق منفصل عنه.
الثاني: أنه لو قدر تسلسل المفعولات كتسلسل الأفعال فما من مفعول ولا فعل إلا وهو حادث كائن بعد أن لم يكن، فليس مع الله في الأزل شيء من المفعولات ولا الأفعال، إذ كان كل منهما حادثاً بعد أن لم يكن، والحادث بعد أن لم يكن لا يكون مقارناً للقديم الذي لم يزل، وإذا قيل: (إن نوع الأفعال أو المفعولات لم يزل) فنوع الحوادث لا يوجد مجتمعاً، لا يوجد إلا متعاقباً، فإذا قيل: (لم يزل الفاعل يفعل، والخالق يخلق) - والفعل لا يكون إلا معيناً، والخلق والمخلوق لا يكون إلا معيناً - فقد يفهم أن الخالق للسماوات والإنسان لم يزل يخلق السماوات والإنسان، والفاعل لذلك لم يزل يفعله، وليس كذلك، بل لم يزل الخالق لذلك سيخلقه، ولم يزل الفاعل لذلك سيفعله، فما من مخلوق من المخلوقات ولا فعل من الأفعال إلا والرب تعالى موصوف بأنه لم يزل سيفعله، ليس موصوفاً بأنه لم يزل فاعلاً له خالقاً له، بمعنى أنه موجود معه في الأزل، وإن قدر أنه كان قبل هذا الفعل فاعلاً لفعل آخر، وقبل هذا المخلوق خالقاً لمخلوق آخر، فهو لم يزل بالنسبة إلى كل
стр. 671
فعل ومخلوق سيفعله وسيخلقه، لا يقال: لم يزل فاعلاً له خالقاً بمعنى مقارنته له.
وإذا أريد أنه لم يزل فاعلاً للنوع، كان هذا بمعنى قولنا: (إنه لم يزل سيفعل ما يفعله) لكن هذه العبارة تفهم من الباطل ما لا تفهمه تلك العبارة.
وهذا الموضع للناس فيه أقوال، فإن جمهور أهل السنة يقولون: لم يزل الله خالقاً فاعلاً، كما قال الإمام أحمد: لم يزل الله عالماً متكلماً غفوراً، بل يقولون: لم يزل يفعل، إما بناء على أن الفعل قديم وإن كان المفعول محدثاً، أوبناء على قيام الأفعال المتعاقبة بالفاعل.
ومذهب بشر وإخوانه الجهمية: أن المخلوقات كلها كائنة بدون فعل ولا خلق وكلام الله من جملتها، فألزمه عبد العزيز على أصله، فقال له: إذا قلت: كان الله ولما يفعل ولما يخلق شيئاً، وهو لم يزل قادراً، ثم خلق المخلوقات، فأنت تقول: لم يزل قادراً ولا تقول: لم يزل يفعل المخلوقات، فلا بد له من أن يكون هناك فعل حصل بالقدرة، وليس هو القدرة التي لم تزل ولا هو المخلوق المنفصل، إذ لو كان كذلك لكان المخلوق قد وجد من غير خلق، والمفعول قد وجد من غير فعل، وهذا أعظم امتناعاً في العقل من كونه وجد بغير قدرة، فإنه
стр. 672
إذا عرض على العقل مفعول مخلوق حدث بعد أن لم يكن بلا فعل ولا خلق كان إنكار العقل لذلك أعظم من إنكاره لحدوثه من غير قدرة الفاعل، وإنكاره لحدوثه من غير فاعل أعظم امتناعاً في العقل من هذا وهذا، فإذا قيل: فعله الفاعل بلا قدرة، أنكره العقل، وإذا قيل: فعله بالقدرة التي لم تزل بدون فعل، كان إنكاره أعظم، وإذا قيل: حدث بلا فاعل، كان أعظم وأعظم، فإن الفاعل بلا فعل كالعالم بلا علم، والحي بلا حياة، والقادر بلا قدرة نحو ذلك وذلك نفي لجزء مدلول اللفظ الذي دل عليه بالتضمن، وأما نفي القدرة عن الفاعل فهو نفي لما دل عليه باللزوم العقلي.
وإذا قال القائل: (بل يجوز أن يكون المفعول المخلوق حدث بلا فعل ولا خلق غيره، لأنه لو كان بفعل للزم أن يكون للفعل فعل، ولزم التسلسل وأن يكون محلاً للحوادث) .
قيل: فعلى هذا يجوز أن يكون المفعول المخلوق حدث بلا قدرة من الفاعل، لأن ثبوت القدرة يستلزم ثبوت الصفات وقيام الأعراض به.
فإذا قال: (الفعل بدون القدرة ممتنع، وليس في العقل ما يحيل لوازم القدرة، بل علمنا بامتناع الفعل بلا قدرة أعظم من علمنا بامتناع قيام الصفات به، وإن سماها المسمي أعراضاً) .
стр. 673
قيل له: والمخلوق المفعول بلا فعل ولا خلق أعظم امتناعاً في العقل.
وليس في العقل ما يحيل لوازم الفعل الذي كان بالقدرة، بل علمنا بامتناع ذلك أعظم من علمنا بامتناع قيام الأفعال به، وإن سماها المسمي حوادث.
يبين ذلك: أن افتقار المخلوق إلى خلق والمفعول المنفصل إلى فعل يعلم باللزوم العقلي وبالقول السمعي، فإن (فاعل وخالق) مثل متكلم وقائل ومريد ومتحرك وغير ذلك من الأسماء التي تستلزم قيام معان بالمسميات.
فلما ظهرت حجة عبد العزيز على المريسي في أنه لا بد من فعل للرب تعالى بقدرته، كما قال له: (يلزمك أن تقول إنه خلق بلا فعل الذي كان عن القدرة، وليس الفعل هو القدرة، لأن القدرة صفة لله، ولا يقال لصفة الله: هي الله، ولا يقال: إنه غير الله) ولم يقل عبد العزيز أنها ليست هي الله ولا غيره، بل قال: لا يقال إنها هي الله، ولا يقال إنها غيره.
وقل عبد العزيز هذا هو قول أئمة السنة، كالإمام أحمد وغيره، وهو قول ابن كلاب وغيره من الأعيان.
ولكن طائفة من أصحاب
стр. 674
أحمد مع طائفة من متكلمي الصفاتية أصحاب الأشعري يقولون: لا هي الله ولا غيره.
وتلك العبارة هي الصواب، كما قد بسط في غير هذا الموضع، فإن لفظ (الغير) فيه إجمال، فلا يصح إطلاقه لا نفياً ولا إثباتاً على الصفة، ولكن يصح نفي إطلاقه نفياً أو إثباتاً، كما قال السلف مثل ذلك في لفظ (الجبر) ونحوه من الألفاظ المجملة: إنه لا يطلق لا نفيها ولا إثباتها، وإذا قيل: (لا يطلق لا هذا ولا هذا) لم يلزم إثبات قسم ثالث، لا هو الموصوف ولا غير الموصوف، بل يلزم إثبات مالا يطلق عليه لفظ الغير، لا ما ينفي عنه المغايرة.
ومقصود عبد العزيز: أن القدرة صفة لله، ليست هي الفعل الذي كان عن القدرة، فإنه يقول: لم يزل الله قادراً، ولا يقول: لم يزل فاعلاً.
فعارضه المريسي بأن هذا يلزمك أيضاً، فيلزمك أن تقول: لم يزل يفعل ويخلق.
وإذا قلت ذلك فقد ثبت أن المخلوق لم يزل مع الله.
فقال له عبد العزيز: ليس لك أن تحكم علي وتلومني ما لا يلزمني، وتحكي عني ما لم أقل، وذلك لأن عبد العزيز لم يقل في هذا قولاً يحكى
стр. 675
عنه، ولكن قال له: إما أن تلتزم أنت ما ألزمتني، وإلا التزمت أن تقول: إن المخلوق لم يزل مع الله.
وهذا الذي قاله المريسي إنما يلزم عبد العزيز إذا أبطل كل قسم مما يمكن أن يقال في هذا المقام، وهو لم يفعل ذلك، ولا سبيل له إليه، بخلاف ما ألزمه إياه عبد العزيز، فإنه لازم له لامحالة، إذ كان قوله: (إن المخلوقات كلها - وكلام الله عنده من جملتها - حدثت بعد أن لم تكن من غير فعل فعله الله، بل بقدرته التي لم تزل) مع أن عبد العزيز قد بين فيما بعد أن ما أقر به المريسي يكفيه في الاحتجاج في مسألة القرآن، فإن المريسي أقر بأن الله خلقها بقدرته، فأثبت هنا معنى هو صفة لله تعالى ليس بمخلوق، فبطل أصل قوله الذي نفى به الصفات، وقال: إنا القرآن مخلوق، لكن عبد العزيز بين له ما يلزمه، وما أقر به، وأن الحجة تحصل بهذا وبهذا، وأما المريسي فعارضه بأن قال: يلزمك ما ألزمتني.
وذلك مبني على مقدمات لم يذكر منها واحدة.
أحدها: أن يقول: إذا كان أحدث الأشياء بفعله الكائن عن قدرته حصل المقصود من غير إثبات قديم مع الله تعالى، ولهذا قال له عبد العزيز: (إنما قلت: الفعل صف لله، والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع) وفي نسخة أخرى زيادة على ذلك: (إنما قلت: إنه لم يزل الفاعل سيفعل، ولم يزل الخالق سيخلق، لأن الفعل صفة لله) .
стр. 676
وهذه الزيادة لم تتقدم في كلام عبد العزيز، فإما أن تكون ملحقة من بعض الناس في بعض النسخ، أو يكون معنى الكلام: إنما قولي هذا، وإنما قلت إني إنما اعتقدت والتزمت هذا، أو يكون المعنى: إنما أقول وأعتقد هذا.
والأشبه أن هذه الزيادة ليست من كلام عبد العزيز، فإنها لا تناسب ما ذكره من مناظرته المستقيمة، ولم يتقدم من عبد العزيز ذكر هذا الكلام ولا ما يدل عليه.
بخلاف قوله: (إنما الفعل صفة لله، والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع) فإن هذا كلام حسن صحيح، وهو لم يكن قد قاله، ولهذا لم يقل: إني قلت ذلك، ولكن قال: هذا هو الذي يجب أن يقال، وهو الذي يلزمني أن أقوله، لأني بينت أن المخلوق لا يكون إلا بفعل عن قدرة الله، والفعل قائم بالله، ليس هو مخلوقاً منفصلاً، وهذا مراده بقوله: (إنه صفة) لم يرد بذلك أن الفعل المعين لازم لذات الله تعالى، لأنه قد قال: (والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع) .
فحصل بذلك مقصود عبد العزيز من أنها فعلاً أحدث الله به المخلوقات عن قدرته، فأقام الحجة على أنه يقوم بالله تعالى أمر غير المخلوقات عن القدرة، واعترف له المريسي بالقدرة.
стр. 677
فقد ثبت على كل تقدير أن قبل المخلوق شيئاً خارجاً عن المخلوق، سواء كان هو القدرة وحدها أو كان مع ذلك الفعل والقول والإرادة، وما كان متقدماً قبل المخلوق فليس هو من المخلوق، فبطل قول المريسي: إن ما لا يسمى بالله فهو مخلوق، فإن هذه الأمور يقال: (إنها غير الله) وإذا قلنا: (الله الخالق وما سواه مخلوق) فقد دخل في مسمى اسمه صفاته، فإنها داخلة في مسمى اسمه.
ولما قال النبي صلى الله عيه وسلم: «من حلف بغير الله فقد أشرك» لم يكن الحلف بعزةالله ونحوه حلفاً بغير الله.
ولما حدثت الجهمية واعتقدوا أن القرآن خارج عن مسمى اسم الله تعالى، قال من قال من السلف: (الله الخالق وما سواه مخلوق، إلا القرآن فإنه كلام الله غير مخلوق) ، فاستثنوا القرآن مما سواه، لما أدخله من أدخله فيما سواه، ولفظ (ما سواه) هو كلفظ (الغير) وقد قلنا:
стр. 678
إن القرآن وسائر الصفات لا يطلق عليه أنه هو، ولا يطلق عليه أنه غيره، فكذلك لا يطلق عليه أنه مما سواه، ولا أنه ليس مما سواه، لكن مع القرينة قد يدخل في هذا تارة وفي هذا تارة.
فما كان بعض الناس قد يفهم أن القرآن هو مما سواه قال من قال من السلف (ماسواه مخلوق) ، إلا القرآن، فإنه كلام الله غير مخلوق: منه بدأ، وإليه يعود) ومن لم يفهم دخول الكلام في لفظ (سواه) لم يحتج إلى هذا الاستثناء، بل قال: (الله الخالق وما سواه مخلوق.
والقرآن كلام الله غير مخلوق) لا يقول: (إلا القرآن) أي القرآن هو كلامه، وكلامه وفعله وعمله وسائر ما يقوم بذاته لا يكون مخلوقاً، وإنما المخلوق ما كان مبياناً له، ولهذا قال السلف والأئمة، كأحمد وغيره: (القرآن كلام الله ليس ببائن منه) وقالوا: (كلام الله من الله) .
وقال أحمد بن حنبل لرجل سألة فقال له: (ألست مخلوقاً؟ فقال: بلى، فقال: أو ليس كلامك منك؟ قال: بلى، قال: والله ليس بمخلوق، وكلامه منه) ومراده أن المخلوق: إذا كان كلامه صفةً
стр. 679
له هو داخل في مسمى اسمه، وهو قائم به، فالخالق أولى أن يكون كلامه صفة له داخلة في مسمى اسمه، وهو قائم به، لأن الكلام صفة كمال، وعدمه صفة نقص، فالمتكلم أكمل ممن لا يتكلم.
والخالق أحق بكل كمال من غيره.
والسلف كثيراً ما يقولون: الصفة من الموصوف، والصفة بالموصوف، فيقولون: علم الله من الله، وكلام الله من الله، ونحو ذلك، لأن ذلك داخل في مسمى اسمه.
فليس خارجاً عن مسماه، بل هو داخل في مسماه، وهو من مسماه.
فعبد العزيز قرر حجته بأن الفعل صفة لله عن قدرته، لا يمنعه منه مانع، وهذا كاف، وما ألزمه إياه بشر لا يلزمه إلا بمقدمات لم يقرر بشر منها شيئاً.
وأي تقدير من تلك التقديرات قال به القائل كان خيراً من قول المريسي.
التقدير الأول: قول من يقول: إن الفعل حادث قائم بذات الله بقدرته، كما يقول ذلك من يقوله من الكرامية.
وهذا خير من قول المريسي وأمثاله من الجهمية، فإن ما يلزم أصحاب هذا القول من
стр. 680
تسلسل الحوادث يلزمهم مثله، والذي يلزمهم من نفي الخلق الفعل لا يلزم أصحاب هذا القول.
وأما قولهم: (إنه محل للحوادث) فمثل قولهم: إنه محل للأعراض) .
التقدير الثاني: قول من يقول: إن الفعل قديم أزلي، كما يقول ذلك من يقوله من الكلابية، ومن الفقهاء: الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية والصوفية.
وهذا أيضاً على هذا التقدير يكون من جنس قول الصفاتية، وهؤلاء لا يقولون بقيام الحوادث به ولا تسلسلها، وإذا ألزمهم المريسي وإخوانه أن يقال: فإذا كان الفعل لم يزل والإرادة لم تزل: لزم أن يكون المفعول المراد لم يزل.
وقيل لهم: فحدوث الحوادث لا بد له من سبب قالوا: هذا السؤال مشترك بيننا وبينكم، لكن عبد العزيز لم يجب بهذا الجواب، فإنه لو أجاب به لانتفضت حجته التي احتج بها على المريسي، فإنه احتج بأنه لم يزل قادراً، فلو قال (الفعل قديم) قال المريسي: إنه لم يزل فاعل عندك.
وأيضاً فعبد العزيز ذكر أنه يقدر على الفعل لا يمنعه منه مانع، وذكر غير ذلك.
التقدير الثالث: ان الفعل الذي كان عن قدرته كان قبله فعل
стр. 681
آخر كان عن قدرته أيضاً، وهلم جراً، ولم يكن شيء من المفعولات والمخلوقات موجوداً معه في الأزل، فإن الفعل ينقسم إلى متعد ولازم، فإذا قدر دوام الأفعال اللازمة لم يجب دوام الأفعال المتعدية، وعلى هذا التقدير فإذا قال: (كان الله ولما يخلق شيئاً ولما يفعل شيئاً) لم يزل أن لا يكون هناك فعل قائم بنفسه بدون مخلوق مفعول، ولا يجب أن يكون المخلوق لم يزل مع الله تعالى.
وهذا التقدير إن لم ينفه المريسي بالحجة لم يكن ما ألزمه لعبد العزيز لازماً.
وإذا قال السلف والأئمة: (إن الله لم يزل متكلماً إذا شاء) فقد أثبتوا أنه لم يتجدد له كونه متكلماً، بل نفس تكلمه بمشيئته قديم، وإن كان يتكلم شيئاً بعد شيء، فتعاقب الكلام لا يقتضي حدوث نوعه إلا إذا وجب تناهي المقدورات المرادات، وهو المسمى بتناهى الحوادث.
والذي عليه السلف وجمهور الخلف: أن المقدورات المرادات لا تتناهى، وهم بهذا نزهوه عن كونه كان عاجزاً عن الكلام، كالأخرس الذي لا يمكنه الكلام، وعن أنه كان ناقصاً فصار كاملاً، وأثبتوا مع ذلك أنه قادر على الكلام باختياره.
وحجة عبد العزيز على المريسي تتم على هذا التقدير، ولا يكون مع الله في الأزل مخلوق.
التقدير الرابع: أنه لو قيل: (بأن كل ماسوى الله مخلوق، محدث
стр. 682
كائن بعد أن لم يكن، فليس مع الله في أزله شيء من المخلقوات، لكنه لم يزل يفعل) ولم يوجب ذلك أن يكوم معه شيء من المفعولات المخلوقات، وإنما يوجب ذلك كون نوع المفعول لم يزل، مع أن كل واحد من آحاده حادث لم يكن ثم كان معه، فليس من ذلك شيء مع الله في الأزل.
وعبد العزيز لم يقل هذا ولم يلتزمه، بل ولا التزم شيئاً من هذه التقديرات، ولا يلزمه واحد منها بعينه إلا بتقدير امتناع ما سواه، ولكن المقصود أن إلزام المريسي له بأن يكون المخلوق لم يزل مع الله لا يلزمه التزامه، فإنه على التقديرات الثلاث لا يلزم وجود شيء من المفعولات ولا نوعها في الأزل.
وأما على التقدير الرابع: فإنما يلزم أنه لم يزل نوع المفعول لا شيء من المفعولات بعينه.
وهذا التقدير إذا كان باطلاً: فالمريسي لم يذكر إبطاله، ولا إبطال شيء من التقديرات، وهو لو أراد أن يبطل هذا لم يبطله إلا بإبطال التسلسل في الآثار، كما هو طريقة من أبطل ذلك من أهل الكلام، ولكن المريسي وموافقوه الذين يقولون: (بأن الله يخلق المخلوقات بغير فعل قائم به) ، ويقولون: (الخلق هو المخلوق) ، ويقولون: (إن المخلوقات كلها وجدت بعد أن لم تكن موجودة، من غير أن يتجدد من الله فعل ولا قصد ولا أمر من الأمور، بل ولا من غيره) - فيقولون: إن
стр. 683
الأمر ما زال على وجه واحد، ثم حدثت جميع المحدثات، وكانت جميع المخلوقات، وليس هناك من الفاعل شيء غير وجودها، بل حاله قبل وجودها ومع وجودها وبعد وجودها واحد، لم يتجدد منه أمر يضاف الحدوث إليه.
فأصحاب القول الأول يلتزمون التسلسل مع قولهم: (بأن كل ما سوى الله محدث، كائن بعد أن لم يكن مسبوق بعدم نفسه، لكن تحدث الحوادث شيئاً بعد شيء، وهو محدثها بأفعاله سبحانه التي يفعلها أيضاً شيئاً بعد شيء) وأصحاب الثاني يقولون: (بل حدثت من غير سبب حادث) كما ترى.
ومن المعلوم: أنه إذا عرض على العقل القولان كان بطلان هذا القول أظهر من بطلان ذلك القول، فإن ترجيح أحد طرفي الممكن بغير مرجح، وتخصيص الشيء عن أمثاله التي تماثله من كل وجه بلا مخصص، وحدوث الحوادث جميعها بدون سبب حادث - بل مع كون الأمر قبل حدوثها ومع حدوثها على حال واحد - هو أبعد في المعقول، وأنكر في القلوب من كون المحدثات لم تزل تحدث شيئاً بعد شيء، ومن كون الله سبحانه لم يزل يفعل ما يشاء ويتكلم بما يشاء، كما أنه لا يزال في الأبد يفعل ما يشاء ويتكلم بما يشاء.
стр. 684
فلو قدر أن عبد العزيز والمريسي انتهيا إلى هاتين المقدمتين لم يكن للمريسي أن يلزم عبد العزيز بشيء إلا ألزمه عبد العزيز بما هو أشنع منه، فكيف وعبد العزيز لم يحتج إلى شيء من ذلك؟ بل بين أنه لا بد أن يكون قبل المخلوق ما به يخلق المخلوق من صفات الله وأفعاله، فيبطل ما يدعيه المريسي ونحوه من أن الله لا صفة له ولا كلام ولا فعل، بل خلق المخلوقات وخلق الكلام الذي سماه كلامه بلا صفة ولا فعل ولا كلام.
وهذان الجوابان اللذان يمكن عبد العزيز أن يجيب بهما عن إلزامه التسلسل يمكن معهما جواب ثالث مركب منهما، كما تقدم التنبيه على ذلك، وهو أن يقول:
إن كان التسلسل ممتنعاً بطل هذا الإلزام، وإن كان ممكناً أمكن التزامه كما قد ذكرنا في غير هذا الموضع: أن المسلمين وغيرهم من أهل الملل القائلين بأن الله تعالى خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، يمكنهم أن يجيبوا بمثل هذا الجواب للقائلين بقدم العالم من الفلاسفة وغيرهم، المحتجين على ذلك بحجتهم العظمى التي اعتمد عليها ابن سينا وابن الهيثم وغيرهما حيث احتجوا على المعتزلة ونحوهم من
стр. 685
أهل الكلام، فقالوا: الموجب التام للعالم إن كان ثابتاً في الأزل لزم قدمه، وإلا لزم ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح، وإن لم يكن ثابتاً في الأزل احتاج في حدوث تمامه إلى مرجح، والقول فيه كالقول في الأول، ويلزم التسلسل.
وعظم شأن هذه الحجة على هؤلاء المتكلمين، لأنهم يقولون ببطلان التسلسل، وبحدوث الحوادث من غير سبب حادث، ويقولون بأن المرجح التام لايستلزم أثره، بل القادر أو المريد يرجح أحد مقدوريه أو أحد مراديه على الآخر بلا مرجح، فصاروا بين أمرين: إما إثبات الترجيح بلا مرجح، وإما التزام التسلسل، وكلامهما مناقض لأصولهم، ولهذا عدل من عدل في جوابها إلى الإلزام والمعارضة بالحوادث اليومية.
جواب على الفلاسفة في مسألة التسلسل
ونحن قد بينا جوابها من وجوه:
منها أن يقال: التسلسل يراد به أمور، أحدها: التسلسل في المؤثرات والفاعلين والعلل، وهذا باطل بصريح العقل، واتفاق العقلاء، ومنها: التسلسل في تمام كون المؤثر مؤثراً، وهذا كالذي قبله باطل بصريح العقل، وقول جمهور العقلاء.
стр. 686
ومنها: التسلسل الذي في معنى الدور، مثل أن يقال: لا يحدث حادث أصلاً حتى يحدث حادث، وهذا أيضاً باطل بضرورة العقل واتفاق العقلاء.
ومنها: التسلسل في الآثار المتعاقبة، وتمام التأثير في الشيء المعين، مثل أن يقال: لا يحدث هذا حتى يحدث قبله، ولا يحدث هذا إلا ويحدث بعده، وهلم جراً، وهذا فيه نزاع مشهور بين المسلمين وبين غيرهم من الطوائف، فمن المسلمين وغيرهم من جوزه في المستقبل دون الماضي.
وإذا عرفت هذه الأنواع قالوا: إذا لم يكن المؤثر تاماً في الأزل لم يحدث عنه شيء حتى يحدث حادث به يتم كونه مؤثراً، إذ القول في ذلك الحادث كالقول في غيره، فيكون حقيقة الكلام: أنه لا يحدث شيء ما حتى يحدث شيء، وهذا باطل بصريح العقل واتفاق العقلاء.
لكن هذا الدليل إن طلبوا به أنه لم يزل مؤثراً في شيء بعد شيء فهذا يناقض قولهم، وهو حجة عليهم، وإن أرادوا أنه كان في الأزل مؤثراً تاماً في الأزل لم تتجدد مؤثريته، لزم من ذلك أنه لا يحدث عنه شيء بعد أن لم يكن حادثا، فيلزم أن لا يحدث في العالم
стр. 687
شيء.
ولهذا عارضهم الناس بالحوادث اليومية.
وهذا لازم لا محيد لهم عنه، وهو يستلزم فساد حجتهم.
وإن أرادوا أنه مؤثر في شيء فالحجة لا تدل على ذلك، وهو أيضاً باطل من وجوه، كما قد بسط في موضع آخر.
فالمؤثر التام يراد به المؤثر في كل شيء، والمؤثر في شيء معين، والمؤثر تأثيراً مطلقاً في شيء بعد شيء: فالأول هو الذي يجعلونه موجب حجتهم، وهو يستلزم أن لا يحدث شيء، فعلم بطلان دلالة الحجة على ذلك.
ويراد به التأثير في شيء بعد شيء، فهذا هو موجب الحجة، وهو يستلزم فساد قولهم، وأنه ليس في العالم شيء قديم، بل لا قديم إلا الرب رب العالمين.
ويراد به التأثير في شيء معين، فالحجة لا تدل على هذا، فلم يحصل مطلوبهم بذلك، بل هذا باطل من وجوه أخرى.
فبهذا التقسيم ينكشف ما في هذا الباب من الإجمال والاشتباه.
فكل حادث معين فيقال: هذا الحادث المعين إن كان مؤثره التام موجوداً في الأزل لزم جواز تأخير الأثر عن مؤثره التام، فبطل قولهم.
وإن قيل: بل لا بد أن يحدث تمام مؤثره عند حدوثه، فالقول في حدوث ذلك التمام كالقول في حدوث تمام الأول.
وذلك يستلزم التسلسل في حدوث تمام التأثير.
وهو باطل بصريح العقل، فيلزم على قولهم حدوث الحوادث بغير سبب حادث.
وهذا أعظم مما أنكروه على المتكلمين من التسلسل.
стр. 688
فإن قيل: فما الفرق بين هذا التسلسل وبين التسلسل في تمام تأثير معين بعد معين.
قيل: الفرقف بينهما من وجوه:
أحدها: أن هؤلاء قد قالوا إنه مؤثر تام في الأزل، والمؤثر التام مستلزم أثره معه، فيلزمكم أن لا يحدث عنه شيء، بل تكون جميع الممكنات قديمة أزلية، وهذا باطل بالحس والمشاهدة.
فادعوا أمرين باطلين: أحدها: أنه كان مؤثراً تاماً في الأزل، وأن المؤثر التام يكون أثره معه في الزمان حتى يكون الأثر مقارناً للمؤثر في الزمان.
فإن قيل: إنه يتقدم عليه بالعلية، وهذا بخلاف قول من قال: لم يزل مؤثراً في شيء بعد شيء، فهذا لم يقل إنه كان مؤثراً في الأزل في شيء قط، ولم يكن مؤثراً تاماً في الأزل قط.
الثاني: أنهم إن قالوا: إن الأثر يجب أن يقارنه أثره في الزمان لزم أن لا يحدث شيء.
وإن قالوا: بل الأثر عقب المؤثر في الزمان لزم أن لا يكون معه قديم، وحينئذ فمن قال بهذا قال: إنه لم يزل مؤثراً في شيء بعد شيء، وكل ما سواه حادث مسبوق بالعدم.
الثالث: أن هؤلاء يقولون: كل حادث معين لا بد أن يحدث تمام تأثيره فيكون هو حادثا عقب تمام التأثير، فأي شيء كونه الله كان عقب
стр. 689
تكوين الرب له، كأجزاء الزمان والحركة التي توجد شيئاً فشيئاً، فقوله تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ (يس: ٨٢) ، فيكون الحادث عقب تكوين الرب له، كما يكون الانكسار عقب التكسر، والطلاق عقب التطليق، فيلزم على هذا حوادث متعاقبة شيئاً بعد شيء.
وهذا غير ممتنع عند من يقول بهذا من أئمة أهل الملل، ومن الفلاسفة، بخلف قول المتفلسفة ومن وافقهم على أن الأثر يكون مع المؤثر في الزمان، كما قالوا: الفلك قديم بقدم علته، وهو معه في الزمان.
فهؤلاء إن قالوا بحدوث الحوادث بدون سبب حادث لزمهم المحذور الذي فروا منه.
وإن قالوا: بل عند كل حادث يحدث مع زمن حدوثه وحدوث تمام مؤثره لزم حدوث حوادث لا تتناهى في آن واحد من غير تجدد شيء عن المؤثر الأزلي.
فلزمهم التسلسل في تمام أصل التأثير، لا في تأثير معين، وهو ممتنع مع قولهم بحوادث لا تتناهى في آن واحد.
وهم وسائر العقلاء يسلمون بطلان هذا، وإنما نازع فيه معمر صاحب المعاني، وقد ظهر بطلان ذلك، فإنه تسلسل في أصل التأثير، لا في تأثير المعينات، فلزمهم المحال الذي لزم أصحاب معمر، ويلزمهم المحال والتناقض الذي اختصوا به؟، وهو قولهم بأن المؤثر مع
стр. 690
مؤثره في الزمان، مع كون الرب مؤثراً تاماً في الأزل، فيلزمهم أن لا يحدث في العالم شيء.
ومنها أن يقال: التسلسل جائز في أصلكم، فلا تكون الحجة برهانية، بل تكون جدلية، وهي تلزمنا بتقدير صحتها أحد أمرين: إما القول بالترجيح بلا مرجح، وإما القول بالتسلسل، وإلا كنا قد تناقضنا في نفي هذا وهذا، ولكن جواز التناقض علينا يقتضي بطلان أحد قولينا، فلم قلتم: إن قولنا الباطل هو نفي الترجيح بلا مرجح، مع اتفاقنا على بطلانه؟ فقد يكون قولنا الباطل: هو نفي التسلسل في الآثار الذي نازعنا فيه من نازعنا من إخواننا المسلمين مع منازعتكم لنا في ذلك، وإذا كان كذلك فالتزامنا لقول نوافق فيه إخواننا المسلمين وتوافقوننا أنتم عليه وتبطل به حجتكم على قدم العالم، أولى أن نلتزمه من قول يخالفنا فيه هؤلاء وهؤلاء، وتقوم به حجتكم على قدم العالم.
الجواب الثالث: الجواب المركب، وهو أن يقال: إن كان التسلسل في تمام التأثير ممكناً بطلت الحجة، فإنه يمكن حينئذ أن يحدث
стр. 691
كل ما سوى الله بأن يحدث تمام تأثيره.
وإن كان ممتنعاً لزم إما أن لا يحدث شيء، وهو خلاف المشاهد، وإما أن تحدث الحوادث بدون سبب حادث، وهو يبطل الحجة، فبطلت الحجة على كل تقدير.
وإن شئت قلت: إن التسلسل في الآثار إن كان ممكناً بحيث يحدث شيئاً بعد شيء ولا يكون علة تامة في الازل، لزم حدوث كل ما سوى الله، وبطلت الحجة، وإن كان ممتنعاً لزم أيضاً أن تحدث الحوادث عن المؤثر التام الأزلي، فيلزم حدوث جميع الحوادث عنه، ولزم حينئذ حدوث العالم، فتبطل حجة قدمه، فالحجة باطلة على التقديرين.
وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع.
مراجعة تعليق عبد العزيز الكناني
وأما قول عبد العزيز: (فقد ثبت أن ههنا إرادة ومريداً، ومراداً.
وقولاً وقائلاً، ومقولاً له.
وقدرة، وقادراً، ومقدوراً عليه.
وذلك كله متقدم قبل الخلق) فيحتمل أمرين:
أحدهما: أنه أراد بالمراد: المراد المتصور في علم الله، وبالمقدور عليه: الثابت في علم الله، وبالمقول له، المخاطب الثابت في علم الله المخاطب خطاب التكوين، كما قال تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد
стр. 692
شيئا أن يقول له كن فيكون﴾ (يس: ٨٢) وهذه معان ثابتة لله تعالى قبل وجود المخلوق، لهذا اضطربت نفاة الصفات من المعتزلة وغيرهم في هذه الأمور، فتارةً يثبتونها في الخارج، وتارة ينفونها مطلقاً.
ومن هنا غلط من قال: (المعدوم شيء) فإنهم ظنوا أنه لما كان لا بد من تمييز ما يريده الله مما لا يريده ونحو ذلك، توهموا أن هذا يقتضي كون المعدوم ثابتاً في الخارج.
وليس الأمر كذلك، بل هي معلومة لله تعالى ثابتة في علم الله تعالى.
وضل آخرون في مقابلة هؤلاء كهشام الفوطي فإنه ذكر عنه الأشعري في المقالات أنه كان يقول: (لم يزل الله عالماً أنه واحد لا ثاني له، ولا يقول: إنه لم يزل عالماً بالأشياء) وقال: (إذا قلت: لم يزل عالماً بالأشياء، أثبتها لم تزل مع الله) وإذا قيل له: (أفتقول بأن الله لم يزل عالماً بأن ستكون الأشياء؟ قال: إذا قلت بأن ستكون فهذه إشارة إليها ولا يجوز أن يشار إلا إلى موجود) وكان لا يسمى ما لم يخلقه ولم يكن شيئاً.
стр. 693
والثاني: أن يريد بذلك نفس الفعل المقدور المراد الذي يكون به المخلوق.
وأما القول: فهو المصدر كما تقدم، والمقول هو الكلام، فإن في إحدى النسختين: (مقولاً له) وفي الأخرى: (ومقولاً) .
وعلى هذا فقول عبد العزيز: (إن قال خلق كلامه في نفسه فهذا محال لا يجد سبيلاً إلى القول به من قياس ولا نظر ولا معقول، لأن الله لا يكون مكاناً لحوادث، ولا يكون فيه شيء مخلوق، ولا يكون ناقصاً فيزيد فيه شيء إذا خلقه، تعالى الله عن ذلك!) مراده: أنه لا يكون مكاناً لما حدث مطلقاً.
وهو ما حدث جنسه، كالكلام عند من يقول: إنه حادث الجنس فإنه يقول: إن الله صار متكلماً بعد أن لم يكن متكلماً، فيكون جنس الكلام محدثاً، وكذلك إذ قيل: أراد بعد أن لم يكن مريداً، فحدث جنس الإرادة، وكذلك إذا قيل: علم بعد أن لم كن عالماً، فيكون جنس العلم حادثاً، وأمثال هذا، فإن الله لا يكون مكانا لأجناس الحوادث.
وعلى هذا فيكون عبد العزيز قد ذكر على بطلان قول المريسي عدة حجج: أنه لا يكون مكاناً للمخلوقات، ولا يكون مكاناً لما جنسه حادث، ولا يكون ناقصاً فيزيد فيه شيء، فهذه ثلاث حجج
стр. 694
وهذا لا ينافي ما ذكره من أنه خلق بالفعل الذي كان بالقدرة، وأن الفعل صفة، والله يقدر عليه، ولا يمنعه منه مانع، وأنه أحدث الأشياء بأمره وقوله عن قدرته، ونحو ذلك، فإن هذا الفعل والقول المقدور الذي ليس هو مخلوقاً منفصلاً عنه ليس جنسه محدثاً عنده، وإن كان الواحد من آحاده يكون بعد أن لم يمكن.
فالجنس لا يقال له حادث ولا محدث، بل لم يزل الله موصوفاً بذلك عنده.
ولهذا قال: (ولا يكون فيه شيء مخلوق، ولا يكون ناقصاً فيزيد فيه شيء إذا خلقه) فإن ما كان جنسه محدثاً كان قد زادت به الذات، وقد عرف أن المخلوق عنده: ما كان مسبوقاً بفعله الذي خلق به وقوله وقدرته، وأن المخلوق لا يكون إلا منفصلاً عنه.
فهذا الذي قاله عبد العزيز فيه رد على الكرامية ومن وافقهم في أنهم جوزوا عليه أن يحدث له جنس الكلام ونحوه مما لم يكن موجوداً فيه قبل ذلك، وجوزوا أن يحدث له جنس صفات الكمال، ومتى قيل: (إنه لم يكن موصوفاً بجنس من أجناس صفات الكمال حتى حدث له) لزم أن يكون قبل ذلك ناقصاً عن صفة من صفات الكمال، فلا يكون متكلماً، بل يكون موصوفاً قبل ذلك بعدم الكلام، وهذا الذي قاله عبد العزيز هو نظير قول الإمام أحمد وغيره من الأئمة.
رأي أحمد بن حنبل في مسألة أفعال الله
قال أحمد في (رده على الجهمية) : باب ما أنكرت الجهمية من أن يكون الله كلم موسى: - (فقلنا: لم أنكرتم ذلك؟ قالوا: إن الله
стр. 695
لم يتكلم، ولا يتكلم، وإنما كون شيئاً فعبر عن الله، وخلق صوتاً فأسمع، وزعموا أن الكلام لا يكون إلا من جوف ولسان وشفتين.
فقلنا: هل يجوز لمكون أوغير الله أن يقول: ﴿يا موسى * إني أنا ربك﴾ (طه: ١٢) أويقول: ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري﴾ (طه: ١٤) ؟ فمن قال ذلك زعم أن غير الله ادعى الربوبية، ولو كان كما زعم الجهمي: أن الله كون شيئاً كان يقول ذلك المكون: ﴿يا موسى إني أنا الله رب العالمين﴾ (القصص: ٣٠) وقد قال جل ثناؤه ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ (النساء: ١٦٤) ، وقال تعالى: ﴿ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه﴾ (الأعراف: ١٤٣) ، وقال تعالى: ﴿إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي﴾ (الأعراف: ١٤٤) هذا منصوص القرآن.
فأما ما قالوا: (إن الله لا يتكلم) فكيف يصنعون بحديث الأعمش عن خثيمة عن عدي بن حاتم الطائي قال: «قال رسول الله
стр. 696
صلى الله عليه وسلم ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان» .
وأما قولهم: إن الكلام لا يكون إلا من جوف وفم وشفتين ولسان وأدوات، فقد قال تعالى: ﴿وسخرنا مع داود الجبال يسبحن﴾ (الأنبياء: ٧٩) أتراها أنها يسبحن بجوف وفم ولسان وشفتين، والجوارح إذا شهدت على الكافر فقالوا: ﴿لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء﴾ فصلت: ٢١) أتراها أنها نطقت بجوف وفم ولسان؟ ولكن الله أنطقها كيف شاء، وكذلك الله يتكلم كيف شاء، من غير أن نقول: بجوف ولا فم ولا شفتين ولا لسان.
فلما خنقته الحجج قال: إ: ن الله كلم موسى إلا أن كلامه غيره، فقلنا: وغيره مخلوق؟ قالوا: نعم، قلنا: مثل قولكم الأول، إلا أنكم
стр. 697
تدفعون عن أنفسكم الشنعة، وحديث الزهري قال: «لما سمع موسى كلام الله قال: يا رب، هذا الذي سمعته هو كلامك؟ قال: نعم يا موسى هو كلامي، وإنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان، ولي قوة الألسن كلها، وأنا أقوى من ذلك، وإنما كلمتك على قدر ما يطيق بدنك، ولو كلمتك بأكثر من ذلك لمت، فلما رجع موسى إلى قومه قالوا له: صف لنا كلام ربك، فقال سبحان الله! وهل أستطيع أن أصفه لكم؟ قالوا: فشبهه، قال: هل سمعتم أصوات الصواعق التي تقبل في أحلى حلاوة سمعتموها، فكأنه مثله» .
فقد ذكر أحمد في هذا الكلام: أن الله تعالى يتكلم كيف شاء، وذكر فيما استشهد به من الأثر (أن الله كلم موسى ﵇ بقوة عشرة آلاف لسان) وأن له قوة الألسن كلها، وهو أقوى من ذلك، وأنه إنما كلم موسى على قدر ما يطيق، ولو كلمه بأكثر من ذلك لمات.
وهذا بيان منه لكون تكلم الله متعلقاً بمشيئته وقدرته كما ذكر عبد العزيز.
وهو خلاف قول من يجعله كالحياة القديمة اللازمة للذات، التي
стр. 698
لا تتعلق بمشيئة ولا قدرة.
وبين أيضاً في كلامه أنه سبحانه تكلم وسيتكلم رداً على الجهمية وأستدل على أنه تكلم بالحديث الذي في الصحيحين عن عدي عن النبي ﷺ أنه قال: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه» وجعل قوله: «سيكلمه ربه» دليلاً على أنه سيتكلم، فبين أن التكلم عنده مستلزم للتكليم متضمن للتكلم، ليس هو مجرد خلق إدراك في المستدل.
وقال الإمام أحمد: (وقلنا للجهمية: من القائل يوم القيامة: ﴿يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾ (المائدة: ١١٦) أليس الله هو القائل؟ قالوا: يكون الله شيئاً فيعبر عن الله، كما كون شيئاً فعبر لموسى، قلنا: فمن القائل ﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين * فلنقصن عليهم بعلم﴾ (الأعراف: ٦ - ٧) أليس الله هو الذي يسأل؟ قالوا: هذا كله إنما يكون شيء فيعبر عن الله، فقلنا: قد أعظمتم على الله الفرية حين زعمتم أنه لا يتكلم، فشبهتموه بالأصنام التي تعبد من دون الله، لأن الأصنام لا تتكلم ولا تتحرك، ولا تزول من مكان إلى مكان.
فلما
стр. 699
ظهرت عليه الحجة قال: إن الله قد يتكلم، ولكن كلامه مخلوق.
قلنا: وكذلك بنوا آدم كلامهم مخلوق، فقد شبهتم الله بخلقه حين زعمتم أن كلامه مخلوق، ففي مذهبكم: قد كان في وقت من الأوقات لا يتكلم حتى خلق الكلام، وكذلك بنو آدم كانوا لا يتكلمون حتى خلق لهم كلاماً، فقد جمعتم بين كفر وتشبيه، فتعالى الله عن هذه الصفة! بل نقول: إن الله لم يزل متكلماً إذا شاء، ولا نقول: إن كان ولا يتكلم حتى خلق كلاماً، ولا نقول: إنه قد كان لا يعلم حتى خلق علماً فعلم، ولا نقول: إنه كان ولا قدرة حتى خلق لنفسه قدرة، ولا نقول: إنه قد كان ولا نور له حتى خلق لنفسه
стр. 700
نوراً، ولا نقول: إنه قد كان ولا عظمة له حتى خلق لنفسه عظمة) .
فقد بين أحمد في هذا الكلام الإنكار على النفاة الذي شبهوه بالجمادات التي لا تتكلم ولا تتحرك ولا تزول من مكان إلى مكان، مثل الأصنام المعبودة من دون الله، والإنكار على من زعم أنه كان في وقت من الأوقات لا يتكلم حتى خلق الكلام.
فشبهه بالآدمي الذي كان
стр. 701
لا يتكلم حتى خلق الله له كلاماً.
فأنكر تشبيهه الجماد الذي لا يتكلم، وبالإنسان الذي كان قادر على الكلام حتى خلق الله له الكلام، فكان قادراً على الكلام في وقت دون وقت.
وبين أن من وصف الله ذلك فقد جمع بين الكفر - حيث سلب ربه صفة الكلام وهي من أعظم صفات الكمال، وجحد ما أخبرت به النصوص - وبين التشبيه.
ثم قال أحمد: (بل نقول: إن الله لم يزل متكلماً إذا شاء، ولا نقول: إنه كان ولا يتكلم حتى خلق..) فبين أن الكلام يتعلق بمشيئته وأنه لم يزل متكلماً إذا شاء فرد قول من لا يجعل الكلام متعلقاً بالمشيئة، كقول الكلابية ومن وافقهم، ومن يقول: (كان ولا يتكلم حتى حدث له الكلام) كقول الكرامية ونحوهم، وقال: (لا نقول إنه كان ولا يتكلم حتى خلق كلاما، لا نقول: إنه قد كان لا يعلم حتى خلق علماً فعلم، ولا نقول: إنه كان ولا قدرة له حتى خلق لنفسة قدرة، ولا نقول: إنه قد كان له ولا نور له حتى خلق لنفسه نوراً، ولا نقول: إنه كان ولا عظمة له حتى خلق لنفسه عظمة) فنزهه سبحانه عن سلب صفات الكمال في وقت من الأوقات، وإنا لا نقول: تجددت له صفات الكمال، بل لم يزل موصوفاً بصفات الكمال، ومن صفات الكمال: إنه لم يزل متكلماً إذا شاء، لا أن يكون الكلام خارجا عن قدرته ومشيئته، ولهذا لم يقل: لم يزل عالماً إذا شاء، ولا قال: يعلم كيف شاء، وقد قال في موضع آخر فيما رواه عنه حنبل: (لم يزل الله عالماً متكلماً غفوراً) .
وكلام أحمد وغيره من الأئمة في هذا الأصل كثير ليس هذا موضع بسطه، مثل ما ذكره البخاري في آخر صحيحه في كتاب التوحيد والرد على الجهمية قال: باب ما جاء في تخليق السماوات والأرض وغيرهما من الخلائق، وهو فعل الرب وأمره، فالرب تعالى بصفاته وفعله وأمره - وفي نسخه (وكلامه) - هو الخالق المكون، غير
стр. 702
مخلوق، وما كان يفعله وأمره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مكون مخلوق) .
وقال بعد ذلك: باب قول الله تعالى: ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾ إلى قوله ﴿ماذا قال ربكم قالوا الحق﴾ (سبأ: ٢٣) ولم يقولوا ماذا خلق ربكم.
قال : ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ (البقرة: ٢٥٥) ، وقال مسروق عن أبن مسعود: إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات شيئاً، فإذا فزع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا أنه الحق ونادوا: ﴿ماذا قال ربكم قالوا الحق﴾ (سبأ: ٢٣) ويذكر عن جابر بن عبد الله بن أنيس سمعت النبي ﷺ يقول: «يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان» .
وذكر حديث أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟
стр. 703
قالوا للذي قال: الحق، وهو العلي الكبير» وذكر حديث أبي سعيد الخدري قال: «قال النبي ﷺ يقول الله: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك! فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار» والحديث فيه طول، استوفاه في موضع آخر.
وقال بعد ذلك: باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿كل يوم هو في شأن﴾ (الرحمن: ٢٩) وقال: ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث﴾ (الأنبياء: ٢) وقوله تعالى: ﴿لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ (الطلاق: ١) ، وإن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين، لقوله تعال: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ (الشورى: ١١) وذكر قول النبي ﷺ : «إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث: أن لا تكلموا في الصلاة» وقول ابن
стр. 704
عباس: كتابكم أحدث الأخبار بالرحمن عهداً، محضاً لم يشب.
ومن تدبر كلام أئمة السنة المشاهير في هذا الباب علم أنهم كانوا أدق الناس نظراً، وأعلم الناس في هذا الباب بصحيح المنقول وصريح المعقول، وأن أقوالهم هي الموافقة للمنصوص والمعقول، ولهذا تأتلف ولا تختلف، وتتوافق ولا تتناقض، والذين خالفوهم لم يفهموا حقيقة أقوال السلف والأئمة، فلم يعرفوا حقيقة المنصوص والمعقول، فتشعبت بهم الطرق، وصاروا مختلفين في الكتاب، مخالفين للكتاب وقد قال تعالى: ﴿وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد﴾ (البقرة: ١٧٦) .
ولهذا قال الإمام أحمد في أول خطبته فيما أخرجه في الرد على الزنادقة والجهمية (الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصيرون منهم على
стр. 705
الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه؟ وكم من ذال تائه قد هدوه؟ فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم!.
ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مخالفون للكتاب، مختلفون في الكتاب، مجموعون على مفارقة الكتاب يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين) .
ومن أعظم أصول التفريق بينهم في هذه المسألة - مسألة أفعال الله تعالى وكلام الله ونحوه ذلك مما يقوم بنفسه ويتعلق بمشيئته وقدرته - فإن هذا الأصل لما أنكره من أنكره من أهل الكلام الجهمية والمعتزلة ونحوهم، وظنوا أنه لا يمكن إثبات حدوث العالم وإثبات الصانع إلا إثبات حدوث الجسم، ولا يمكن إثبات حدوثه إلا بإثبات حدوث ما يقوم به من الصفات والأفعال المتعاقبة، ألجأهم ذلك إلى أن ينفوا عن الله صفاته وأفعاله القائمة به المتعلقة بمشيئته وقدرته، أو ينفوا بعض ذلك، وظنوا أن الإسلام لا يقوم إلا بهذا النفي، وأن الدهرية من
следующие страницы →