Полный текст (4 031 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
قيل: أولاً: ليس الكلام في حدوث الفلك بعينه، بل في حدوث كل جسم، فإذا قدر جسم أزلي ساكن غير الفلك لم يكن فيما ذكره ولا في حركة الفلك دليل على حدوثه، لا سيما عند من يقول القديم الأزلي الخالق جسم لم يزل ساكناً، كما يقوله كثير من النظار من الهشامية والكرامة وغيرهم.
وقيل: ثانياً: الفلك - وإن كان متحركاً - فحيزه واحد لم يخرج عن ذلك الحيز، وحركته وضعية ليست حركة مكانية تتضمن نقله من حيز إلى حيز.
وحينئذ فقوله (وقد ثبت جواز الحركة) إن أراد به الحركة المكانية كان ممنوعاً، وإن أراد غيرها كالحركة الوضعية لم يلزم من ذلك جواز انتقاله من هذا الحيز إلى غيره.
وقد سبق الآمدي إلى هذا الاعتراض، فإنه قال في الأعتراض على المقدمة الأولى: (الأزل ليس هو عبارة عن زمان مخصوص ووقت مقدر حتى يقال بحصول الجسم في الحيز فيه، بل الأزل لا معنى له غير كون الشيء لا أول له، والأزل على هذا يكون صادقاً على ذلك الشيء في كل وقت يفرض كون ذلك الشيء فيه.
فقول القائل: (الجسم في الأزل موصوف بكذا) أي في حالة كونه متصفاً بالأزلية.
وما من وقت يفرض ذلك الجسم فيه إلا وهو موصوف بالأزلية.
وأي وقت قدر حصول ذلك الجسم فيه وهو في حيز معين لم
стр. 807
يلزم أن يكون حصوله في ذلك الحيز المعين أزلياً، لأن نسبة حصوله في ذلك الحيز المعين كنسبة حصولة في ذلك الوقت المعين.
وما لزم من كون الجسم الازلي لا يخلو عن وقت معين أن يكون كونه في الوقت المعين أزلياً، فكذلك الحصول في الحيز المعين) .
قال: (وفيه دقة مع ظهوره) .
قلت: ويوضح فساد هذه الحجة أن قوله: (كل جسم يجب اختصاصه بحيز معين، لأن كل موجود مشار إليه حساً بأنه هنا أو هناك يجب كونه كذلك) يجاب عنه بأن يقال: أتريد به أنه يجب اختصاصه بحيز معين مطلقاً، أو يجب اختصاصه بحيز معين حين الإشارة إليه؟ أما الأول فباطل، فليس كل مشار إليه إشارة حسية يجب اختصاصه دائماً بحيز معين، فإنه ما من جسم إلا وهو يقبل الإشارة الحسية، مع العلم بأنا نشاهد كثيراً من الأجسام تتحول عن أحيازها وأمكنتها.
فإن قال: (بل يجب أن يكون حين الإشارة إليه له حيز معين) فهذا حق، لكن الإشارة إليه ممكنة في كل وقت، فالاختصاص بمعين يجب أن يكون في كل وقت.
أما كونه في كل الأوقات لا يكون إلا في ذلك المعين لا في غيره فلا، والأزلي: هو الذي لم يزل، فليس بعض الأوقات أخص به من بعض حتى يقال: يكون في ذلك الوقت
стр. 808
المعين في حيز معين، بل يجوز أن يكون في وقت في هذا الحيز وفي وقت آخر في حيز آخر.
وتمام ذلك ما تقدم ذكره من أن الأزل ليس شيئاً معيناً حتى يطلب له حيز معين، بل هو عبارة عن عدم الأول.
البرهان الرابع
ثم ذكر الرازي البرهان الرابع والخامس.
وليس متعلقين بهذا المكان.
ومضمون الرابع: أن (كل ماسوى الواحد ممكن بذاته، وكل ممكن بذاته فهو مفتقر إلى المؤثر.
والمؤثر لا يؤثر إلا في الحادث لا في الباقي، سواء كان تأثيره فيه في حال حدوثها أو حال عدمه، لأن التأثير في الباقي من باب تحصيل الحاصل) .
стр. 809
(والمقدمة الأولى من هذه الحجة مبنية على وتوحيد الفلاسفة، وهو نفي التركيب، وأن كل مركب فهو مفتقر إلى أجزائه، وأجزاؤه غيره، وهو في غاية الضعف، كما بسط في غير موضع.
والثانية مبنية على أن علة الافتقار هي الحدوث لا الإمكان) .
تعليق ابن تيمية
قلت: إنه إن أريد بذلك الحدوث مثلاً دليل على أن المحدث يحتاج إلى محدث، أو أن الحدوث شرط في افتقار المفعول إلى الفاعل،
стр. 810
فهذا صحيح.
وإن أريد بذلك أن الحدوث هو الذي جعل المحدث مفتقراً إلى الفاعل فهذا باطل.
وكذلك الإمكان إذا أريد به أنه دليل على الافتقار إلى المؤثر، أو أنه شرط في الافتقار إلى المؤثر فهذا صحيح.
وإن أريد به أنه جعل نفس الممكن مفتقراً فهذا باطل.
وعلى هذا فلا منافاة بين أن يكون كل من الإمكان والحدوث دليلاً على الافتقار إلى المؤثر، وشرطاً في الافتقار إلى المؤثر.
وإنما النزاع في مسألتين: أحدهما: أن الواجب بغيره هل يصح كونه مفعولاً لمن يقول: الفلك قديم معلول ممكن، فهذا مما ينكره جماهير العقلاء، ويقولون: لا يمكن مقارنته لفاعله أزلاً وأبداً ويقولون: الممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون إلا معدوماً تارة وموجوداً أخرى، فنفس المخلوقات مفتقرة إلى الخالق بذاتها، واحتياجها إلى المؤثر أمر ذاتي، لا يحتاج إلى علة، فليس كل حكم ثبت للذوات يحتاج إلى علة، إذ ذلك يفضي إلى تسلسل العلل، وهو باطل باتفاق العلماء، بل من الأحكام ما هو لازم للذوات لايمكن أن يكون مفارقاً للذوات ولا يفتقر إلى علة، وكون كل ما سوى الله فقيراً إليه محتاجاً إليه دائماً هو من هذا الباب.
فالفقر والاحتياج أمر لازم ذاتي لكل ما سوى الله، كما أن الغنى والصمدية أمر لازم لذات الله.
وهنا ينشأ النزاع في المسألة الثانية، وهو أن المحدث المخلوق هل افتقاره إلى الخالق المحدث وقت الإحداث فقط، أو هو دائماً مفتقر إليه؟ على قولين للنظار.
وكثير من أهل الكلام المتلقى عن جهم وأبي الهذيل يقولون: إنه
стр. 811
لا يفتقر إليه إلا في حال الإحداث، لا في حال البقاء، وهذا في مقابلة قول الفلاسفة الدهرية القائلين بأن افتقار الممكن إلى الواجب لا يستلزم حدوثها، بل افتقاره إليه في حال بقائه أزلاً وأبداً، وكلا القولين باطل.
وهو في أكثر كتبه ينصر خلاف ذلك، ولكن نحن نقرر أن كل ما سوى الواجب فهو محدث، وأن التأثير لا يكون إلا في حادث، وأن الحدوث والإمكان متلازمان، وهو قول جمهور العقلاء من أهل الملل والفلاسفة، وإنما أثبت ممكناً ليس بحادث طائفة من متأخري الفلاسفة كابن سينا والرازي فلزمهم إشكالات لا محيص عنها - مع أنهم في كتبهم المنطقية يوافقون أرسطو وسلفهم - وهو أن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون إلا حادثاً.
وقد أنكر ابن رشد قولهم بأن الشيء الممكن الذي يقبل الوجود والعدم يكون قديماً أزلياً، وقال: (لم يقل بهذا أحد من الفلاسفة قبل ابن سينا.
قلت: وابن سينا ذكر في الشفاء في مواضع أن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون إلا حادثاً، فتناقضى في ذلك تناقضاً في غير هذا الموضع.
стр. 812
وقد أورد هو على هذه الحجة معارضة مركبة، تستلزم فساد إحدى المقدمتين، وهي المعارضة بكونه تعالى عالماً بالعلم قادراً بالقدرة، فإن علمه إن كان واجباً لذاته وذاته واجبة أيضاً فقد وجد واجبان، وبطلت المقدمة الأولى، وإن كان ممكناً كان واجباً بغيره لوجوب ذاته، ولزم كون الأثر والمؤثر دائمين وبطلت المقدمة الثانية، ولم يجب عن هذه المعارضة، بل قال: (وأما الجواب عن كونه عالماً بالعلم قادراً بالقدرة فصعب) .
وقد اعترض الأرموي على ما ذكره في المقدمتين، أما الأولى فإن الرازي قال: (لو وجد واجبان وجوباً ذاتياً لتشاركا في الوجوب الذاتي وتباينا بالتعيين، فيلزم تركبهما مما به المشاركة والمباينة، وكل مركب مفتقر إلى غيره لافتقاره إلى جزئه، وكل مفتقر إلى غيره ممكن لذاته) .
قال الأرموي: (ولقائل أن يقول: قد يكون الوجوب والتعيين وصفين عرضيين للماهية البسيطة) .
стр. 813
قلت: تقدم الكلام على هذا في التركيب، وذكر ما استدلوا به على امتناع كونه عرضياً، فإن الوصف العرضي يحتاج إلى سبب منفصل عن الذات، فيكون وجوب الواجب مفتقراً إلى شيء غير الواجب، وأيضاً فيكون وجوب الواجب وصفاً عرضياً.
وهو ظاهر الفساد، وأيضاً التفريق في الصفات اللازمة للحقيقة بين الذاتي والعرضي تحكم محض.
ولكن لقائل أن يقول: قول القائل: تشاركاً في الوجوب الذاتي، أتعني به تشاركهما في مطلق الوجوب، أو أن أحدهما شارك الآخر في الوجوب الذي يخصه؟.
فإن أراد الأول، قيل له: وكذلك قد اشتركا في مطلق التعين، فإن هذا واجب، وهذا واجب، وهذا معين وهذا معين، والمعينات مشتركة في مسمى التعين، كما أن الواجبات مشتركة في مسمى الوجوب، والموجودات مشتركة في مسمى الوجود، والماهيات مشتركة في مسمى الماهية، والحقائق مشتركة في مسمى الحقيقة وكذلك سائر الأسماء العامة المطلقة الكلية.
وحينئذ فلم يتباينا في مطلق التعيين، كما لم يتباينا في مطلق الوجوب.
وإن قال: اشتركا في عين الوجوب.
стр. 814
قيل: هذا ممتنع، كما أن اشتراكهما في عين التعين ممتنع.
وإن جاء لقائل أن يقول: هذا شارك هذا في نفس وجوبه الذي يخصه، لجاز لآخر أن يقول: إن هذا شارك هذا في نفس تعينه الذي يخصه، وإنما المستدل أخذ الوجوب مطلقاً، وأخذ التعين مقيداً وكان الواجب أن يسوي بينهما في الإطلاق والتعيين، إذ هما متلازمان فإن وجوب هذا ملازم لعينه ووجوب هذا ملازم لعينه، فيمتنع انفكاك أحدهما عن الآخر.
ولو عكس عاكس قوله لكان قوله مثل قوله، بأن يقول: اشتركا في التعين الذاتي، فإن لكل منهما تعيناً ذاتياً وتبايناً في الوجوب فإن لكل منهما وجوباً يخصه.
ومعلوم أن هذا فاسد، فكذلك نظيره.
وفي الجملة فالصفات المتلازمة لا يكون بعضها أخص من بعض، فإذا قدر إنسانان فكل منهما له إنساناً تخصه، وحيوانية تخصه، وناطقية تخصه، وهي متلازمة، لا توجد إنسانيته دون ناطقيته، ولا ناطقيته دون إنسانيته، ولا توجد واحدة منهما دون عينه المعينة، وإن وجد
стр. 815
إنسانية أخرى وناطقية أخرى، فتلك نظير إنسانيته وناطقيته ليست هي هي بعينها، كما أن هذا الإنسان نظير هذا الإنسان ليس هو إياه بعينه، إلا أن يراد بلفظ العين النوع، كما يقال لمن عمل مثل ما يعمل غيره: هذا عمل فلان بعينه، فالمقصود أنه ذلك النوع بعينه، ليس المقصود أنه ذلك العمل المشخص الذي قام بذات ذلك الفاعل فإنه مخالف للحس، فقد تبين أن الموجودين والواجبين ونحو ذلك لم تركب أحدهما من مشارك ومميز، بل ليس فيه إلا وصف مختص به تميز به عن غيره، وإن كانت صفاته بعضها يشابه فيها غيره وبعضها يخالف فيها غيره.
فإذا قيل: لو قدر واجبان أو موجودان إن إنسانان لكان أحدهما يشابه الآخر في الوجوب أو الوجود أو الإنسانية لكان صحيحاً، ولكان يمكن ذلك أنه يشابهه في الحقيقة كما يمكن أن يخالفه.
ثم هب أن كلاً منهم فيه ما يشارك به غيره وما يتميز به عنه، فقوله: (إنه مركب مما به الاشتراك والامتياز) إن عنى بذلك أنه موصوف بالأمرين فصحيح، وإن عنى أن هناك أجزاء تركبت ذاته منها فهذا باطل، كقول من يقول: إن الإنسان مركب من الحيوانية والناطقية، فإنه لا ريب أنه موصوف بهما.
وأما كون الإنسان المعين له أجزاء تركب منها فهذا باطل كما تقدم.
стр. 816
ولو سلم أن مثل هذا يسمى تركيباً فقوله: (كل مركب مفتقر إلى غيره) يدخل فيه ما ركبه المركب كالأجسام المركبة من مفرداتها من الأغذية والأدوية والأشربة ونحو ذلك، ويدخل فيه ما يقبل تفريق أجزائه كالإنسان والحيوان النبات، ويدخل فيه ما يتميز بعض جوانبه عن بعض، ويدخل فيه الموصوف بصفات لازمة له، وهذا هو الذي أراده هنا.
فيقال له: حينئذ يكون المراد أن كل ما كان له صفة لازمة له فلابد في ثبوته من الصفة اللازمة له.
وهذا حق.
وهب أنك سميت هذا تركيباً فليس ذلك ممتنعاً في واجب الوجود، بل هو الحق الذي لا يمكنه نقيضه.
قولك: (المركب مفتقر إلى غيره) معناه أن الموصوف بصفة لازمة له لا يكون موجوداً بدون صفته اللازمة له، لكن سميته مركباً،
стр. 817
وسميت صفته اللازمة له جزءاً وغيراً، وسميت استلزامه إياها افتقاراً، فقولك بعد هذا (كل مفتقر إلى غيره ممكن لذاته) معناه: أن كل مستلزم لصفة لازمة له لا يكون موجوداً بنفسه، بل بشيء مباين له، ومعلوم أن هذا باطل.
وذلك لأن المعلوم أن ما كانت ذاته تقبل الوجود والعدم فلا يكون موجوداً بنفسه، بلا لا بد له من واجب بنفسه يبدعه، وهذا حق فهو مفتقر إلى شيء مباين له لم يكن موجوداً له يبدعه، وهذا هو الغير الذي يفتقر إليه الممكن، وكل ما افتقر إلى شيء مباين له لم يكن موجوداً بنفسه قطعاً.
أما إذا أريد بالغير الصفة اللازمة، وأريد بالافتقار التلازم، فمن أين يقال: إن كل ما استلزم صفة لازمة له لا يكون موجوداً بنفسه، بل يفتقر إلى مبدع مباين له؟.
وقد ذكرنا مثل هذا في غير موضع، وبينا أن لفظ (الجزء) و (الغير) و (الافتقار) و (التركيب) ألفاظ مجملة موهاً بها على الناس، فإذا فسر مرادهم بها ظهر فساده وليس هذا المقام مقام بسط هذا.
ونحن هذا البرهان عندنا صحيح وهو أن كل ماسوى الله ممكن، وكل ممكن فهو مفتقر إلى المؤثر، لأن المؤثر لا يؤثر إلا في حال حدوثه، لكن يقرر ذلك بمقدمات لم يذكرها الرازي هنا، كما بسط في موصع آخر.
وأما الجواب عن المعارضة بكون الرب عالماً قادراً، فجوابه: أن
стр. 818
الواجب بذاته يراد به الذات الواجبة بفسها، المبدعة لكل ما سواها، وهذا واحد.
ويراد به: الموجود بنفسه الذي لا يقبل العدم.
وعلى هذا: فالذات واجبة، والصفات واجبة، ولا محذور في تعداد الواجب بهذا التفسير، كما لا محذور في تعدد القديم إذا أريد به ما لا أول لوجوده.
وسواء كان ذاتاً أوصفه لذات القديم، بخلاف ما إذا أريد بالقديم الخالقة لكل شيء، فهذا واحد لا إله إلا هو، وقد يراد بالواجب الموجود بنفسه القائم بنفسه، وعلى هذا: فالذات واجبة دون الصفات.
وعلى هذا: فإذا قال القائل: الذات مؤثرة في الصفات، والمؤثر والأثر ذاتان.
قيل له: لفظ التأثير مجمل، أتعني بالتأثير هنا: كونه أبدع الصفات وفعلها، أم تعني به كون ذاته مستلزماً لها؟ فالأول ممنوع في الصفات، والثاني مسلم.
والتأثير في المبدعات هو بالمعنى الأول، لا بالمعنى الثاني.
بل قد بينا في غير هذا الموضع: أنه يمنع أن يكون مع الله شيء من المبدعات قديم بقدمه.
البرهان الخامس
قال الرازي في البرهان الخامس: (لو كان الجسم قديماً لكان قدمه: إما أن يكون عين كونه جسماً، وإما مغايراً لكونه جسماً والقسمان باطلان، فبطل القول بكون الجسم قديماً.
стр. 819
إنما قلنا: إنه لا يجوز أن يكون قدم الجسم عين كونه جسماً، لأنه لو كان كذلك لكان العلم بكونه جسماً علماً بكونه قديماً، فكما أن العلم بكونه جسماً ضروري، لزم أن يكون العلم بكونه قديماً ضرورياً، ولما بطل ذلك فسد هذا القسم.
وإنما قلنا: إنه لا يجوز أن يكون قدم الجسم زائداً على كونه جسماً لأن ذلك الزائد: إن كان قديماً لزم أن يكون قدمه زائداً عليه، ولزم التسلسل.
وإن كان حادثاً فكل حادث فله أول، وكل قديم فلا أول له، فلو كان قدم القديم عبارة عن ذلك الحادث للزم أن يكون ذلك الشيء له أول، وأن لا يكون له أول، وهو محال) .
ثم قال: (فإن عارضوا بكونه حادثاً، قلنا: الحادث عبارة عن مجموع الوجود الحاصل في الحال والعدم السابق.
ولا يبعد حصول العلم بالوجود الحاصل مع الجهل بالعدم السابق، بخلاف القديم، فإنه لا معنى له إلا نفس وجوده، فظهر الفرق) .
ثم قال: وهذا وجه جدلي فيه مباحثات دقيقة) .
стр. 820
قال: (وليكن هذا آخر كلامنا في شرح دلائل حدوث الأجسام) .
معارضة الأرموي
قلت: قال الأرموي: (لقائل أن يقول: ضعف الأصل والجواب لايخفى) .
تعليق ابن تيمية
قلت: قد بين في غير هذا الموضع فساد مثل هذه الحجة من وجوه، وهي مبنية على أن القديم: هل هو قديم بقدم، أم لا؟ فمذهب ابن كلاب والأشعري - في أحد قوليه - وطائفة من الصفاتية: أنه قديم بقدم، ومذهب الأشعري - في القول الآخر - والقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وأبي علي بن أبي موسى وأبي المعالي الجويني وغيرهم: ليس كذلك، وهم متنازعون في البقاء، فقول الأشعري وطائفة معه: أنه باق ببقاء، وهو قول الشريف وأبي علي بن أبي موسى وطائفة، وقول القاضي أبي بكر وطائفة كالقاضي أبي يعلى نفى ذلك.
وحقيقة الأمر: أن النزاع في هذه المسألة اعتباري لفظي، كما قد بسط في غير هذا الموضع وهو متعلق بمسائل الصفات: هل هي زائدة على الذات، أم لا؟ وحقيقة الأمر: أن الذات أن أريد بها الذات الموجودة بالخارج فتلك مستلزمة لصفاتها، يمتنع وجودها بدون تلك الصفات، وإذا قدر عدم اللازم لزم عدم الملزوم، فلا يمكن فرض
стр. 821
الذات الموجودة في الخارج منفكة عن لوازمها، حتى يقال: هي زائدة أو ليست زائدة، لكن يقدر ذلك تقديراً في الذهن، وهو القسم الثاني، فإذا أريد بالذات ما يقدر في النفس مجرداً عن الصفات، فلا ريب أن الصفات زائدة على هذه الذات المقدرة في النفس، ومن قال من متكلمة أهل السنة: (إن الصفات زائدة على الذات) فتحقيق قوله أنها زائدة على ما أثبته المنازعون من الذات، فإنهم أثبتوا ذاتاً مجردة عن الصفات، ونحن نثبت صفاتها.
زائدة على أثبتوه هم، لا أنا نجعل في الخارج ذاتاً قائمة بنفسها ونجعل الصفات زائدة عليها، فإن الحي الذي يمتنع أن لا يكون إلا حياً، كيف تكون له ذات مجردة عن الحياة؟ وكذلك ما لا يكون إلا عليماً قديراً، كيف تكون ذاته مجردة عن العلم والقدرة؟.
والذين فرقوا بين الصفات النفسية والمعنوية قالوا: القيام بالنفس والقدم - ونحو ذلك من الصفات النفسية - بخلاف العلم والقدرة، فإنهم نظروا إلى ما لا يمكن تقدير الذات في الذهن بدون تقديره، فجعلوه من النفسية، وما يمكن تقديرها بدونه، فجعلوه معنوياً، ولا ريب أنه لا يعقل موجود قائم بنفسه ليس قائماً بنفسه، بخلاف ما يقدر أنه عالم، فإنه يمكن ذاته بدون العلم.
وهذا التقدير عاد إلى ماقدروه في أنفسهم، وإلا ففي نفس الأمر جميع صفات الرب اللازمة له هي صفات نفسية ذاتية، فهو عالم بنفسه وذاته، وهو عالم بالعلم، وهو قادر بنفسه وذاته، وهو قادر بالقدرة،
стр. 822
فله علم لازم لنفسه، وقدرة لازمة لنفسه، وليس ذلك خارجاً عن مسمى اسم نفسه.
وعلى كل تقدير فالاستدلال على حدوث الأجسام بهذه الحجة في غاية الضعف، كما اعترفوا هم به، فإن ما ذكروه يوجب أن لا يكون في الوجود شيء قديم، سواء قدر أنه جسم أو غير جسم، فإنه يقال: لو كان الرب - رب العالمين - قديماً لكان قدمه إما أن يكون عين كونه رباً، وإما زائداً على ذلك، والأمران باطلان، فبطل كونه قديماً.
أما الأول: فلأنه لو كان كذلك لكان العلم بكونه رباً أو واجب الوجود أو نحو ذلك علماً بكونه قديماً، وهذا باطل.
وأما الثاني: فلأن ذلك الزائد إن كان قديماً يلزم أن يكون قدمه زائداً عليه، ولزم التسلسل، وإن كان حادثاً كان للقديم أول، فما كان جواباً عن مواضع الإجماع كان جواباً في مورد النزاع، وإن كان العلم بكونه رب العالمين يستلزم العلم بقدمه، لكن ليس العلم بنفس الربوبية هو العلم بنفس القدم، بل قد يقوم العلم الأول بالنفس مع ذهولها عن الثاني، وقد يشك الشاك في قدمه، مع العلم بأنه ربه، ويخطر له أن للرب رباً حتى يتبين له فساد ذلك.
وقد ذكر النبي ﷺ ذلك في الحديث الصحيح في قوله: «إن الشيطان يأتي أحدكم، فيقول: من خلق كذا؟ فيقول: الله، فيقول: فمن خلق الله؟ فإذا وجد ذلك أحدكم فليستعذ بالله ولينته» وقد بسطت هذا في موضع آخر كما سيأتي إن شاء الله.
стр. 823
والمقصود هنا: أن هذه البراهين الخمسة التي احتج بها على حدوث الأجسام قد بين أصحاب المعظمون له ضعفها، بل هو نفسه أيضاً بين ضعفها في كتب أخرى، مثل المطالب العالية وهي آخر ما صنفه وجمع فيها غاية علومه، والمباحث المشرقية وجعل منتهى نظره وبحثه تضعيفها.
وقد بسط الكلام على هذا في مواضع، وبين كلام السلف والأئمة في هذا الموضع، كالإمام أحمد وغيره، وكلام النظار الصفاتية كأبي محمد بن كلاب وغيره، وأن القائل إذا قال: عبدت الله، ودعوت الله، وقال: الله خالق كل شيء، ونحو ذلك، فاسمه تعالى يتناول الذات والصفات، ليست الصفات خارجة عن مسمى اسمه، ولا زائدة على ذلك، بل هي داخلة في مسمى اسمه، ولهذا قال أحمد فيما صفنه في الرد على الجهمية نفاة الصفات: (قالوا: إذا قلتم الله وعلمه، والله وقدرته، والله ونوره، قلتم بقول النصارى.
فقال لا نقول: الله وعلمه، والله وقدرته، والله ونوره، ولكن الله بعلمه وقدرته ونوره هو إله واحد) فبين أحمد أنا لا نعطف صفاته على مسمى اسمه العطف المشعر بالمغايرة، بل ننطق بما يبين أن صفاته داخلة في مسمى اسمه.
стр. 824
ولما ناظره الجهمية في محنته المشهورة، فقال له عبد الرحمن بن إسحاق القاضي: ما تقول في القرآن: أهو الله، أم غير الله؟ يعني إن قلت (هو الله) فهذا باطل، وإن قلت: (غير الله) فما كان غير الله فهو مخلوق.
فأجابه أحمد بالمعارضة بالعلم، فقال: ما تقول في علم الله: أهو الله، أم غير الله؟ فقال: أقول في كلامه ما أقوله في علمه وسائر صفاته، وبين ذلك في رده على الجهمية: بأنا لا نطلق لفظ الغير نفياً ولا إثباتاً، إذ كان لفظاً مجملاً، يراد بغير الشيء ما بيانه، وصارت مفارقته له، ويراد بغيره، ما أمكن تصوره بدون تصوره، ويراد به غير ذلك.
وعلم الله وكلامه ليس غير الذات بالمعنى الأول، وهو غيرها بالمعنى الثاني، ولكن كونه ليس غير الله بالمعنى الأول فعلى إطلاقه وأما كونه غير الله بالمعنى الثاني ففيه تفصيل، فإن أريد بتصوره معرفته المعرفة الواجبة الممكنة في حق العبد فلا يعرفه هذه
стр. 825
المعرفة من لم يعرف أنه حي عليم قادر متكلم، فلا يمكن تصوره ومعرفته بدون صفاته، فلا تكون مغايرة لمسمى اسمه، وإن أريد أصل التصور، وهو الشعور به من بعض الوجوه، فقد يشعر به من لا يخطر له حينئذ أنه حي ولا عليم ولا متكلم، فتكون صفاته مغايرة له بالاعتبار الثاني.
وأجاب أحمد أيضاً بأن الله لم يسم كلامه غيراً، ولا قال: إنه ليس بغير، يعني والقائل إذا قال: ماكان غير الله أو سوى الله فهو مخلوق فإن احتج على ذلك بالسمع فلا بد أن يكون مندرجاً هذا اللفظ في كلام الشارع، وليس كذلك، وإن احتج بالعقل فالعقل إنما يدل على خلق الأمور المباينة له، وأما صفاته القائمة بذاته فليست مخلوقة، والذي يجعلون كلامه مخلوقاً يقولون: هو بائن عنه، والعقل يعلم أن كلام المتكلم ليس ببائن عنه.
وبهذا التفصيل يظهر أيضاً الخلل فيما ذكروه من الفرق بين الصفات الذاتية والمعنوية، بأن الذاتية لا يمكن تقدير الذات في الذهن بدون تقديرها، بخلاف المعنوية، فإنه يقال لهم: أم تعنون بتقدير الذات في الذهن، أو تصور الذات، أو نحو ذلك من الألفاظ؟ أتعنون به اصل الشعور والتصور والمعرفة ولو من بعض الوجوه، أم تريدون به التصور والمعرفة والشعور الواجب أو الممكن أو التام؟ فإن عنيتم الأول فما من
стр. 826
صفة تذكر إلا يمكن أن يشعر الإنسان بالذات مع عدم شعوره بها.
وقد يذكر العبد ربه ولا يخطر له حينئذ كونه قديماً أزلياً، ولا باقياً أبدياً، ولا واجب الوجود بنفسه، ولا قائماً بنفسه، ولا غير ذلك.
وكذلك قد يخطر له ما يشاهده من الأجسام ولا يخطر له كونه متحيزاً أو غير متحيز.
وإن عنيتم الثاني فمعلوم أن الإنسان لا يكون عارفاً بالله المعرفة الواجبة في الشرع، ولا المعرفة التي تمكن بني آدم، ولا المعرفة التامة، حتى يعلم أنه حي عليم قدير، وممتنع، لمن يكون عارفاً بأن الله متصف بذلك إذا خطر بباله ذاته وهذه الصفات: أن يمكن تقدير ذاته موجودة في الخارج بدون هذه الصفات، كما يمتنع أن يقدر ذاته موجودة في الخارج بدون أن تكون قديمة واجبة الوجود قائمة بنفسها، فجميع صفاته تعالى اللازمة لذاته يمتنع مع تصور الصفة والموصوف والمعرفة بلزوم الصفة للموصوف، يمتنع أن يقدر إمكان وجود الذات بدون الصفات اللازمة لها مع العلم باللزوم، وإن قدر عدم العلم باللزوم، أو عدم خطور الصفات اللازمة بالبال، فيمكن خطور الذات بالبال بدون شيء من هذه الصفات وإذا علم لزوم بعض الصفات دون بعض، فما علم لزومه لايمكن تقدير وجود الذات دونه، وما لا يعلم لزومه أمكن الذهن أن يقدر وجوده دون وجود تلك الصفة التي لم يعلم لزومها، لكن هذا الإمكان معناه عدم العلم بالامتناع، لا العلم بالإمكان في الخارج، إذ كل ما لم يعلم الإنسان عدمه فهو ممكن عنده
стр. 827
إمكاناً ذهنياً بمعنى عدم علمه بامتناعه، لا إمكاناً خارجياً، بمعنى أنه يعلم إمكانه في الخارج.
وفرق بين العلم بالإمكان، وعدم العلم بالامتناع، وكثير من الناس يشتبه عليه هذا بهذا، فإذا تصور ما لا يعلم امتناعه، أو سئل عنه، قال: هذا ممكن، وهذا غير ممتنع، وهذا لو فرض وجوده لم يكن من فرضه محال.
وإذا قيل له: قولك (إنه لو فرض وجوده لم يلزم منه محال) قضية كلية وسلب عام، فمن أين علمت أنه لا يلزم من فرض وجوده محال، والنافي عليه الدليل كما أن المثبت عليه الدليل؟ وهل علمت ذلك بالضرورة المشتركة بين العقلاء، أم بنظر مشترك، أم بضرورة اختصصت بها، أم بنظر اختصصت به؟ فإن كان بالضرورة المشتركة وجب أن يشركك نظراؤك من العقلاء في ذلك، وليس الأمر كذلك عندهم.
وإن كان بنظر مشترك، فإين الدليل الذي تشترك فيه أنت وهم؟ وإن كان بضرورة مختصة أو نظر مختص، فهذا أيضاً باطل، لوجهين، أحدهما: أنك تدعي أن هذا مما يشترك فيه العقلاء، ويلزمهم موافقتك فيه، وتدعي أنهم إذا ناظروك كانوا منقطعين معك بهذه الحجة، وذلك يمنع دعواك الإختصاص بعلم ذلك، والثاني: أن اختصاصك بعلم ذلك ضرورة أو نظراً إنما يكون لاختصاصك بما يوجب تخصيصك بذلك، كمن خص بنبوة أو تجربة أو نحو ذلك مما ينفرد به، وأنت لست كذلك فيما تدعي إمكانه.
ولا تدعي اختصاصك بالعلم بإمكانه، وإن ادعيت ذلك لم يلزم غيرك موافقتك في ذلك، إن لم تقم
стр. 828
عليه دليلاً يوجب موافقتك، سواء كان سمعياً أو عقلياً، وأنت تدعي أن هذا من العلوم المشتركة العقلية، وهذه الأمور لبسطها موضع آخر.
والمقصود هنا التنبيه على هذا الأصل الذي نشأ منه التنازع أو الاشتباه في مسأئل الصفات من هذا الوجه.
وتفريق هؤلاء المتلكمين في الصفات اللازمة للموصوف بين ما سموها نفسية وذاتية، وما سموها معنوية، يشبه تفريق المنطقيين في الصفات اللازمة بين ما سموه ذاتياً مقوماً داخلاً في الحقيقة، وما سموه عرضياً خارجاً عن الذات، مع كونه لازماً لها.
وتفريقهم في ذلك بين لازم الماهية ولازم وجود الماهية.
كما قد بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع.
وبين أن هذه الفروق إنما تعود عند الحقيقة إلى الفرق بين ما يتصور في الأذهان، وهو الذي قد يسمى ماهية، وبين ما يوجد في الأعيان، وهو الذي قد يسمى وجودها، وأن ما يتصور في النفس من المعاني ويعبر عنه بالألفاظ: له لفظ دل عليه بالمطابقة هو الدال على تلك الماهية، وله جزء من المعنى هو جزء تلك الماهية، واللفظ المذكور دال عليه بالتضمن، وله معنى يلزمه خارج عنه، فهو اللازم لتلك الماهية الخارج عنها.
واللفظ يدل عليه باللالتزام، وتلك الماهية التي في الذهن، هي بحسب ما يتصوره الذهن من الصفات الموصوف.
تكثر تارة وتقل تارة، وتكون تارة مجملة وتارة مفصلة، وأما الصفات اللازمة للموصوف في الخارج فكلها لازمة له، لا تقوم ذاته مع عدم شيء منها، وليس منها شيء يسبق الوصوف في الوجود العيني، كما قد
стр. 829
يزعمونه من أن الذاتي يسبق الموصوف في الذهن والخارج، وتلك الصفات هي أجزاء الماهية المتصورة في الذهن، كما أن لفظ كل صفة جزء من تلك الألفاظ، إذا قلت: جسم حساس نام مغتذ متحرك بالإرادة ناطق، وأما الموصوف الموجود في الخارج كالإنسان، فصفاته قائمة به حالة فيه، ليست أجزاء الحقيقة الموجودة في الخارج سابقة عليها سبق الجزء على الكل، كما يتوهمه من يتوهمه من هؤلاء الغالطين كما قد بسط في موضعه.
وقول هؤلاء المتكلمين في الصفات اللازمة (إنها زائدة على حقيقة الموصوف (يشبه قول أولئك (إن الصفات اللازمة العرضية خارجة عن حقيقة الموصوف) وكلا الأمرين منه تلبيس واشتباه، حاد بسببه كثير من النظار الأذكياء، وكثر بينهم النزاع والجدال، والقيل والقال، وبسط هذا له موضع آخر.
وإنما المقصود هنا التنبيه على ذلك والله أعلم وأحكم، وإن كان
стр. 830
قد بسط الكلام على ضعفها في غير هذا الموضع، مع أن هذا الذي ذكره مستوعب لما ذكره غيره من أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية والكرامية ومن وافقهم من الفقهاء من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم في ذلك.
طريقة الآمدي في الاستدلال على حدوث العالم
وكان المقصود ما ذكروه في تناهي الحوادث، ولهذا لم يعتمد الآمدي في مسألة حدوث العالم على شيء من هذه الطرق، بل بين ضعفها، واحتج بما هو مثلها أو دونها في الضعف، وهو أن الأجسام لا تنفك عن الأعراض، والأعراض لا تبقى زمانين، فنكون حادثة، وما لا ينفك عن الحوادث فهو حادث، وهذا الدليل مبني على مقدمتين: على أن كل عرض في زمان، فهو لايبقى زمانين، وجمهور العقلاء يقولون: إن هذا مخالف للحس والضرورة، وعلى امتناع حوادث لا أول لها، وقد عرف الكلام في ذلك، والوجوه التي ضعف بها الآمدي ما احتج به من قبله على حدوث الأجسام يوافق كثير منها ما ذكره الأرموي، وهو متقدم على الأرموي.
فإما أن يكون الأرموي رأى كلامه وأنه صحيح فوافقه، وإما أن يكون وافق الخاطر الخاطر، كما يوافق الحافر الحافر، أو أن يكون الآرموي والآمدي أخذا ذلك أو بعضه من كلام الرازي أو غيره.
وهذا الاحتمال أرجح، فإن هذين وأمثالهما وقفوا على كتبه التي فيها هذه
стр. 831
الحجج، مع أن تضعيفها مما سبق هؤلاء إليه كثير من النظار.
ومن تكلم من النظار ينظر ما تكلم به من قبله، فإما أن يكون أخذه عنه، أو تشابهت قلوبهم.
وبكل حال فهما - مع الرازي ونحوه - من أفضل بني جنسهم من المتأخرين، فاتفاقهما دليل على قوة هذه المعارضات، لا سيما إذا كان الناظر فيها ممن له بصيرة من نفسه يعرف بها الحق من الباطل في ذلك، بل يكون تعظيمه لهذه البراهين لأن كثيراً من المتكلمين من هؤلاء وغيرهم اعتمد عليها في حدوث الأجسام، فإذا رأى هؤلاء وغيرهم من النظار قدح فيها وبين فسادها علم أن نفس النظار مختلفون في هذه المسالك، وأن هؤلاء الذين يحتجون بها هم بعينهم يقدحون فيها، وعلى القدح فيها استقر أمرهم، وكذلك غيرهم قدح فيها، كأبي حامد الغزالي وغيره.
وليس هذا موضع استقصاء ذكر من قدح في ذلك.
وإنما المقصود القدح في هذه المسالك التي يسمونها براهين عقلية ويعارض بها نصوص الكتاب والسنة وإجماع السلف.
ثم إن نفس حذاقهم قدحوا فيها.
مسلك الآمدي على إثبات حدوث الأجسام
فأما المسلك الأول الذي ذكره الرازي فقال الآمدي: (المسلك السادس لبعض المتأخرين من أصحابنا في الدلالة على إثبات حدوث الأجسام، وهو أنه لو كانت الأجسام أزلية، لكانت في الأزل: إما أن
стр. 832
تكون متحركة أو ساكنة) وساق المسلك إلى آخره.
ثم قال: (وفيه وفي تقريره نظر، وذلك أن القائل يقول: إما أن تكون الحركة عبارة عن الحصول في الحيز بعد الحصول في حيز آخر، والسكون عبارة عن الحصول في الحيز بعد أن كان في ذلك الحيز، أو لا تكون كذلك.
فإن كان الأول فقد بطل الحصر بالجسم في أول زمان حدوثه فإنه ليس متحركاً لعدم حصوله في الحيز بعد أن كان في حيز آخر وليس ساكناً لعدم حصوله في الحيز بعد أن كان فيه، وإن كان الثاني فقد بطل ما ذكره في تقرير كون السكون أمراً وجودياً، ولا محيص عنه.
فإن قيل: الكلام إنما هو في الجسم في الزمن الثاني، والجسم في الزمن الثاني ليس يخلو عن الحركة والسكون بالتقسير المذكور، فهو ظاهر الإحالة، فإنه إذا كان الكلام في الجسم إنما هو في الزمن
стр. 833
الثاني من وجود الجسم، فالزمن الثاني ليس هو حالة الأزلية، وعند ذلك لا يلزم أن يكون الجسم أزلاً لا يخلو عن الحركة والسكون) .
قال: (وإن سلمنا الحصر فلم قلتم بامتناع كون الحركة أزلية؟ وما ذكروه من الوجه الأول في الدلالة فإنما يلزم أن لو قيل بأن الحركة الواحدة بالشخص أزلية، وليس كذلك، بل المعنى يكون الحركة أزلية أن أعداد أشخاصها المتعاقبة لا أول لها، وعند ذلك فلا منافاة بين كون كل واحدة من آحاد الحركات المشخصة حادثة ومسبوقة بالغير، وبين كون جملة آحادها أزلية بمعنى أنها متعاقبة إلى غير النهاية) .
قال: (وما ذكروه في الوجه الثاني باطل أيضاً، فإن كل واحدة من الحركات الدورية وإن كانت مسبوقة بعدم لا بداية له، فمعنى اجتماع الأعدام السابقة على كل واحدة من الحركات في الأزل: أنه لا أول لتلك الأعدام ولا بداية، ومع ذلك فالعدم السابق على كل
стр. 834
حركة وإن كان لا بداية له، فيقارنه وجود حركات قبل الحركة المفروضة لا نهاية لها على جهة التعاقب) أي: يعاقبه وجود حركات لا نهاية لها قبل الحركة المفروضة (وليس فيه مقارنة السابق للمسبوق وعلى هذا فيكون الكلام في العدم السابق على حركة حركة، وعلى هذا فحصول شيء من الموجودات الأزلية مع هذه الأعدام أزلاً على هذا النوع لا يكون ممتنعاً، إذ ليس في مقارنة للمسبوق على ما عرف) .
قال: (وفيه دقة فليتأمل) .
تعليق ابن تيمية
قلت: هذا هو الاعتراض الذي ذكره الأرموي، وقد ذكره غيرهما، والظاهر أن الأرموي تلقى هذا عن الآمدي، وهم يقولون: اجتماع الأعدام لا معنى له سوى أنها مشتركة في عدم البداية والأولية، وحينئذ فعدم كل حركة يمكن أن يقارنه وجود أخرى، وليس فيه مقارنة السابق للمسبوق.
وهذا الذي قالوه صحيح.
لكن قد يقال: هذا الاعتراض إنما يصح لو كان احتج بأن في ذلك مقارنة السابق للمسبوق فقط، وهو لم يحتج إلا بأن العدمات تجتمع في الأزل، وليس معها
стр. 835
شيء من الموجودات، إذ كان معها موجود لكان هذا الموجود مقارناً لتلك العدمات المجتمعة، منها عدمه، فاقترن السابق والمسبوق، فعمدته اجتماعها في الأزل.
وقد قالوا له: إن عنيت باجتماعها تحققها بأسرها معاً حيناً، فهو ممنوع، لأنه من من حين يفرض إلا وينتهي واحد منها.
وهو يقول: أنا لم أعن باجتماعهما في حين حادث، ليلزمني انتهاء واحد منها، وإنما قلت: هي مجتمعة في الأزل.
وفصل الخطاب أن يقال: العدم ليس بشيء، وليس لعدم هذه الحركة حقيقة ثابتة مغايرة لعدم الأخرى، حتى يقال: إن أعدامها اجتمعت في الأزل، أو لم تجتمع، بل معنى حدوث كل منها أنهاكانت بعد أن لم تكن، وكون الحوادث كلها مشتركة في أنها لم تكن لا يوجب أن يكون عدم كونها حقائق متغايرة ثابتة في الأزل.
يوضح ذلك أن يقال: أتعني بكونها مسبوقية بالعدم أن جنسها مسبوق بالعدم، أو كل واحد منها مسبوق بالعدم؟ أما الأول فهو محل النزاع، وأما الثاني فإذا قدر أن كل واحد كان بعد أن لم يكن - والجنس لم يزل كائناً - لم يجز أن يقال: الجنس كائن بعد أن لم يكن، ولا يلزم من كون كل من أفراده مسبوقاً بعدم أن يكون الجنس مسبوقاً بالعدم، إلا إذا ثبت حدوث الجنس، وهو محل النزاع.
وعدم الحوادث هو نوع واحد ينقضي بحسب الحدوث، فكلما حدث حادث انقضى من ذلك العدم ذلك الحادث، ولم ينقض عدم غيره، فالأزلي حينئذ عدم أعيان الحوادث، كما أن الأزلي عند من يقول بأنه لا
стр. 836
أول لها هو جنس الحوادث، فجنس وجودها أزلي، وعدم كل من أعيانها أزلي، ولا منافاة بين هذا وهذا إلا أن يثبت وجوب البداية، وهو محل النزاع.
إيراد أحد المتكلمين الدليل على وجه آخر
وبهذا يظهر الجواب عما ذكره بعضهم في تقرير هذا الوجه، فإن بعضهم لما رأى ما أوردوه على ما ذكره الرازي حرر الدليل على وجه آخر فقال: القول بكون كل من الحركات الجزئية مسبوقاً بأخرى لا إلى أول يستلزم المحال فيكون محالاً.
بيان الأول: أن كل واحد منه من حيث إنه حادث يقتضي أن يكون مسبوقاً بعدم أزلي، لأن كل حادث مسبوق بعدم أزلي، فهذا يقتضي أن تكون تلك العدمات مجتمعة في الأزل، ومن حيث إنه ما من جنس يفرض إلا وجب أن يكون فرد منها موجوداً يقتضي ألا تكون تلك العدمات مجتمعة في الأزل، وإلا لزم أن يكون السابق مقارناً للمسبوق، ولا شك أن اجتماعهما في الأزل وعدم اجتماعهما فيه متناقضان، فالمستلزم له محال.
فيقال لمن احتج بهذا الوجه: العدم الأزلي السابق على كل من الحوادث إن جعلته شيئاً ثابتاً في الأزل متميزاً عن عدم الحادث الآخر فهذا ممنوع، فإن العدم الأزلي لا امتياز فيه أصلاً ولا يعقل حتى يقال: إن هناك أعداماً، ولكن إذا حدث حادث علم أنه انقضى عدمه الداخل في ذلك النوع الشامل لها، وليس شمول جنس الموجودات لها
стр. 837
كشمول جنس العدم للمعدومات، فإن الموجودات لها امتياز في الخارج، فشخص هذا الموجود متميز في الخارج عن شخص الآخر وأما العدم فليس بشيء أصلاً في الخارج، ولا امتياز فيه بوجه من الوجوه.
ولكن هذا الدليل قد بني على قول من يقول: المعدوم شيء ولا يبعد أن يكون الرازي أخذ هذا الوجه من المعتزلة القائلين بهذا فإنهم يثبتون المعدوم شيئاً، فيكون هذا الحادث في حال عدمه شيئاً وهذا الحادث في حال عدمه شيئاً، وحينئذ فللحوادث أعدام متميزة ثابتة في الأزل.
وهؤلاء القائلون بهذا يقولون ذلك في كل معدوم ممكن، سواء حدث أو لم يحدث، فإذا قال القائل: (للحوادث أعدام أزلية ثابتة في الأزل متميزة) لم يتوجه إلا على قول هؤلاء، وهذا القول قد عرف فساده.
وبتقدير تسليمه فيجاب عنه بما ذكره هؤلاء، وهو أن اجتماعه في الأزل بمعنى غير انتفاء البداية ممتنع، وعدم البداية ليس أمراً موجوداً حتى يعقل فيه اجتماع.
وعلى هذا فيقال: لا نسلم أن الأزل شيء مستقر أو شيء موجود، وليس للأزل حد محدود حتى يعقل فيه اجتماع، بل الأزل عبارة عن عدم الابتداء، وما لا ابتداء له فهو أزلي، وما لا انتهاء له فهو أبدي
стр. 838
وما من حين يقدر موجوداً إلا وليس هو الأزل، ففي كل حين بعضهما موجود وبعضها معدوم، فوجود البعض مقارن لقدم البعض دائماً وحينئذ فاجتماعها في الأزل معناه اشتراكهما في أن كل واحد ليس له أول، وعدم اجتماعها فيه معناه أنه لم يزل في كل حين واحد منها موجوداً، وعدمه زائلاً، ولا تناقض بين اشتراكها في عدم الابتداء، ووجود أشخاصها دائم، إلا إذا قيل: يمتنع جنس الحوادث الدائمة.
وقد اعترض المستدل بهذا على ما ذكره الآمدي والأرموي في الوجه الأول.
قال: فإن قلت: الأزلي الحركة الكلية، بمعنى أن كل فرد منها مسبوق بالآخر، لا إلى أول، لا أفرادها الموجودة التي تقتضي المسبوقية بالغير.
ثم قال: قلت: فحينئذ ما هو المحكوم عليه بالأزلي غير موجود في الخارح، لامتناع وجود الحركة الكلية في الخارج، وما هو موجود منها في الخارج فهو ليس بأزلي.
ولقائل أن يقول: هذا غلط نشأ من الإجمال الذي لفظ الكلي.
وذلك أنه إنما يمتنع وجود الكلي في الخارج مطلقاً، إذا كان مجرداً عن أفراده، كوجود إنسان مطلق، وحيوان مطلق، وحركة مطلقة، لا تختص بمتحرك.
ولا بجهة ولون مطلق، لا يكون أبيض ولا أسود، ولا غير ذلك من الألوان المعينة.
فإذا قدر حركة مطلقة لا تختص بمتحرك معين كا ن وجودها في الخارج ممتنعاً.
وأما الحركات المتعاقبة، فوجود الكلي فيها هو وجود تلك الأفراد، كما إذا وجد عدة أناسى فوجود
стр. 839
الإنسان الكلي هو وجود أشخاصه، ولا يحتاج أن يثبت للكلي في الخارج وجوداً غير وجود أشخاصه، بل نفس وجود أشخاصه هو وجوده.
ومعلوم إنه إذا أريد بوجود الكلي في الخارج وجود أشخاصه لا ينازع فيه أحد من العقلاء، وإن كانوا قد يتنازعون في أن الكلي المطلق لا بشرط، وهو الطبيعي: هل هو موجود في الخارج، أم لا؟ وحيئنذ فمرادهم بوجود الحركة الكلية في الخارج هو وجود أفرادها المتعاقبة شيئاً بعد شيء، فكل فرد مسبوق بالغير، وليس هذا الجنس المتعاقب الذي يوجد بعضهم شيئاً فشيئاً بمسبوق بالغير.
وإن شئت قلت: لا نسلم أن الكلي لا يوجد في الخارج، ولكن نسلم أنه لا يوجد في الخارج كلياً، وهذا هو الكلي الطبيعي، وهو المطلق لا بشرط، كمسمى الإنسان لا بشرط، فإنه يوجد في الخارج، لكن معيناً مشخصاً، وتوجد أفراده إما مجتمعة وإما متعاقبة، كتعاقب الحوادث المستقبلة، فوجود الحركات المعينة كوجود سائر الأشياء المعينة، ووجود مسمى الحركة كوجود سائر المسميات الكلية، والمحكوم عليه بالأزلية هو النوع الذي لا يوجد إلا شيئاً فشيئاً، لا يوجد مجتمعاً.
فإن قال القائل (مسمى الحركة ليس بموجود في الخارج على وجه الاجتماع، كما يوجد من أفراد الإنسان) فقد صدق، وإن قال (إنه لا يوجد شيئاً فشيئاً) فهذا ممنوع.
وم قال ذلك لزمه أن لا يوجد في الخارج حركة أصلاً، لا متناهية ولا غير متناهية، وهذا مخالف للحس والعقل.
وقد تفطن ابن سينا لهذا الموضع، وتكلم في وجود الحركة
стр. 840
بكلام له، وقد نقله عنه الرازي وغيره، وقد تكلمنا عليه وبينا فساده فيما سيأتي إن شاء الله.
قال الآمدي: (وباقي الوجوه في الدلالة ما ذكرناه في امتناع حوادث غير متناهية في إثبات واجب الوجود، وقد ذكرت فلا حاجة إلى إعادتها) .
وهو قد ذكر قبل ذلك في امتناع ما لا يتناهى أربعة طرق، فزيفها واختار طريقاً خامساً، الأول: التطبيق، وهو أن يقدر جملة (فلو كا ما قبلها لا نهاية له، فلو فرضنا زيادة متناهية على الجملة المفروضة، ولتكن الزيادة عشرة مثلا، فالجملة الأولى: إما أن تكون مساوية لنفسها مع فرض الزيادة عليها، أو أزيد، أو أنقص.
والقول المساواة والزيادة محال، فإن الشيء لا يكون مع غيره كهو لا مع غيره، ولا أزيد.
وإن كانت الجملة الأولى ناقصة بالنظر إلى الجملة الثانية، فمن المعلوم أن التفاوت بينهما إنما هو بأمر متناه، وعند ذلك
стр. 841
فالزيادة لا بد أن يكون لها نسبة إلى الباقي بجهة من جهات النسب على نحو زيادة المتناهي على المتناهي.
ومحال أن يحصل بين ما ليس بمتناهيين النسبة الواقعة بين المتناهيين.
وأيضاً فإنه إذا كانت إحدى الجملتين أزيد من الأخرى بأمر متناه، فليطبق بين الطرفين الآخرين، بأن تأخذ من الطرف الأخير من إحدى الجملتين عدواً مفروضاً، ومن الأخرى مثله، وهلم جراً، فإما أن يتسلسل الأمر إلى غير النهاية، فيلزم منه مساواة الانقص للأزيد في كلا طرفيه: وهو محال.
وإن قصرت الجملة الناقصة في الطرف الذي لانهاية له فقد تناهت، والزائدة إنما زادت على الناقصة بأمر متناه، وكل ما زاد على المتناهي بأمر متناه فهو متناه) .
قال: (وهذا لا يستقيم لا على قواعد الفلاسفة، وعلى قواعد المتكلمين) .
стр. 842
أما الفلاسفة فإنهم قضوا بأن كل ما له ترتيب وضعي كالأبعاد والامتدادات، أو الترتيب الطبيعي وآحاده موجودة معاً كالعلل والمعلولات، فالقول بعدم النهاية فيه مستحيل، وما سوى وذلك فالقول بعدم النهاية فيه غير مستحيل، وسواء كانت آحاده موجودة معاً كالنفوس بعد مفارقة الأبدان أو هي على التعاقب والتجدد كالأزمنة والحركات الدورية، فإن ما ذكروه - وإن استمر لهم فيما قضوا فيه بالنهاية - فهو لازم لهم فيما قضوا فيه بعدم النهاية.
وعند ذلك فلا بد من بطلان أحد الأمرين: إما الدليل إن كان اعتقادهم عدم النهاية حقاً، وإما اعتقاد عدم النهاية إن كان الدليل حقاً، لاستحالة الجمع) .
قال: (وليس لما يذكره الفيلسوف من جهة الفرق بين العلل والمعلولات والأزمنة والحركات قدح في الجمع، وهو قوله: إن ما لا ترتيب له وضعاً، ولا آحاده موجودة معاً - وإن كان ترتيبه
стр. 843
طبيعياً - فلا يمكن فرض جواز قبوله الانطباق، وفرض الزيادة والنقصان فيه، بخلاف مقابله، لأن المحصل يعلم أن الاعتماد على هذا الخيال في تناهي ذوات الأضلاع، وفيما له الترتيب الطبيعي وآحاده موجودة معاً، ليس إلا من جهة إفضائه إلى وقوع الزيادة والنقصان بين ما ليس بمتناهيين، وذلك إنما يمكن بفرض زيادة على ما فرض الوقوف عنده من نقطة ما من البعد المفروض أو وحدة ما من العدد المفروض، وعند ذلك فلا يخفى إمكان فرض الوقوف على جملة من أعداد الحركات والنفوس الإنسانية المفارقة لأبدانها، وجواز فرض الزيادة عليها بالتوهم مما هو من نوعها، وإذ ذاك فالحدود المستعملة في القياس المذكور في محل الاستدلال بعينها مستعملة في صورة الإلزام، مع اتحاد صورة القياسية من غير فرق.
وأيضاً، فليس كل جملتين تفاوتتا بأمر متناه تكونان متناهيتين فإن عقود الحساب مثلاً لا نهاية لأعدادها، وإن كانت الأوائل أكثر من الثواني بأمر متناه وهذه الأمور - وإن كانت تقديرية ذهنية - فلا خفاء أن وضع القياس المذكور فيها على نحو وضعه في
стр. 844
الأمور الموجودة بالفعل، فلا تتوهمن الفرق واقعاً من مجرد هذا الاختلاف.
والقول بأن ما زادت به إحدى الجملتين على الأخرى لابد وأن تكون له نسبة إلى الثاني غير مسلم، ولا يلزم من قبول المتناهي لنسبة المتناهي إليه قبول غير المتناهى لنسبة المتناهى إليه) .
حول إبطال القول بعدم النهاية
قال: (وأما المتكلم فله في إبطال القول بعدم النهاية طرق، الأول: ما أسلفناه من الطريقة المذكورة، ويلزم عليه ما ذكرناه، ما عدا التناقض اللازم للفيلسوف من ضرورة اعتقاد عدم النهاية، فيما ذكرناه من الصور وعدم اعتقاد المتكلم لذلك، غير أن المناقضة لازمة للمتكلم من جهة اعتقاده عدم النهاية في معلومات الله تعالى ومقدوراته، مع وجود ما ذكرناه من الدليل الدال على وجوب النهاية فيها) .
قال: (وما يقال: من أن المعني بكون المعلومات
стр. 845
والمقدورات غير متناهية صلاحية العلم لتعلقه بما يصح أن يعلم، وصلاحية القدرة لتعلقها بكل ما يصح أن يوجد، وما يصح أن يعلم ويوجد غير متناه، لكنه من قبيل التقديرات الوهمية، والتجويزات الإمكانية، وذلك مما لا يمتنع كونه غير متناه، بخلاف الأمور الوجودية، والحقائق العينية.
فلا أثر له في القدح أيضاً، فإن هذه الأمور - وإن لم تكن من موجودات الأعيان، غير أنها متحققة في الأذهان، ولا يخفى أن نسبة ما فرض استعماله فيما له وجود ذهني على نحو استعماله فيما له وجود عيني) .
تعليق ابن تيمية
قلت: التفريق بين الشيئين يحتاج إلى ثبوت الوصف الفارق وثبوت تأثيره، والآمدي سلم لهم الوصف ونازعهم في كونه مؤثراً.
следующие страницы →