Полный текст (4 031 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
فالزيادة لا بد أن يكون لها نسبة إلى الباقي بجهة من جهات النسب على نحو زيادة المتناهي على المتناهي.
ومحال أن يحصل بين ما ليس بمتناهيين النسبة الواقعة بين المتناهيين.
وأيضاً فإنه إذا كانت إحدى الجملتين أزيد من الأخرى بأمر متناه، فليطبق بين الطرفين الآخرين، بأن تأخذ من الطرف الأخير من إحدى الجملتين عدواً مفروضاً، ومن الأخرى مثله، وهلم جراً، فإما أن يتسلسل الأمر إلى غير النهاية، فيلزم منه مساواة الانقص للأزيد في كلا طرفيه: وهو محال.
وإن قصرت الجملة الناقصة في الطرف الذي لانهاية له فقد تناهت، والزائدة إنما زادت على الناقصة بأمر متناه، وكل ما زاد على المتناهي بأمر متناه فهو متناه) .
قال: (وهذا لا يستقيم لا على قواعد الفلاسفة، وعلى قواعد المتكلمين) .
стр. 842
أما الفلاسفة فإنهم قضوا بأن كل ما له ترتيب وضعي كالأبعاد والامتدادات، أو الترتيب الطبيعي وآحاده موجودة معاً كالعلل والمعلولات، فالقول بعدم النهاية فيه مستحيل، وما سوى وذلك فالقول بعدم النهاية فيه غير مستحيل، وسواء كانت آحاده موجودة معاً كالنفوس بعد مفارقة الأبدان أو هي على التعاقب والتجدد كالأزمنة والحركات الدورية، فإن ما ذكروه - وإن استمر لهم فيما قضوا فيه بالنهاية - فهو لازم لهم فيما قضوا فيه بعدم النهاية.
وعند ذلك فلا بد من بطلان أحد الأمرين: إما الدليل إن كان اعتقادهم عدم النهاية حقاً، وإما اعتقاد عدم النهاية إن كان الدليل حقاً، لاستحالة الجمع) .
قال: (وليس لما يذكره الفيلسوف من جهة الفرق بين العلل والمعلولات والأزمنة والحركات قدح في الجمع، وهو قوله: إن ما لا ترتيب له وضعاً، ولا آحاده موجودة معاً - وإن كان ترتيبه
стр. 843
طبيعياً - فلا يمكن فرض جواز قبوله الانطباق، وفرض الزيادة والنقصان فيه، بخلاف مقابله، لأن المحصل يعلم أن الاعتماد على هذا الخيال في تناهي ذوات الأضلاع، وفيما له الترتيب الطبيعي وآحاده موجودة معاً، ليس إلا من جهة إفضائه إلى وقوع الزيادة والنقصان بين ما ليس بمتناهيين، وذلك إنما يمكن بفرض زيادة على ما فرض الوقوف عنده من نقطة ما من البعد المفروض أو وحدة ما من العدد المفروض، وعند ذلك فلا يخفى إمكان فرض الوقوف على جملة من أعداد الحركات والنفوس الإنسانية المفارقة لأبدانها، وجواز فرض الزيادة عليها بالتوهم مما هو من نوعها، وإذ ذاك فالحدود المستعملة في القياس المذكور في محل الاستدلال بعينها مستعملة في صورة الإلزام، مع اتحاد صورة القياسية من غير فرق.
وأيضاً، فليس كل جملتين تفاوتتا بأمر متناه تكونان متناهيتين فإن عقود الحساب مثلاً لا نهاية لأعدادها، وإن كانت الأوائل أكثر من الثواني بأمر متناه وهذه الأمور - وإن كانت تقديرية ذهنية - فلا خفاء أن وضع القياس المذكور فيها على نحو وضعه في
стр. 844
الأمور الموجودة بالفعل، فلا تتوهمن الفرق واقعاً من مجرد هذا الاختلاف.
والقول بأن ما زادت به إحدى الجملتين على الأخرى لابد وأن تكون له نسبة إلى الثاني غير مسلم، ولا يلزم من قبول المتناهي لنسبة المتناهي إليه قبول غير المتناهى لنسبة المتناهى إليه) .
حول إبطال القول بعدم النهاية
قال: (وأما المتكلم فله في إبطال القول بعدم النهاية طرق، الأول: ما أسلفناه من الطريقة المذكورة، ويلزم عليه ما ذكرناه، ما عدا التناقض اللازم للفيلسوف من ضرورة اعتقاد عدم النهاية، فيما ذكرناه من الصور وعدم اعتقاد المتكلم لذلك، غير أن المناقضة لازمة للمتكلم من جهة اعتقاده عدم النهاية في معلومات الله تعالى ومقدوراته، مع وجود ما ذكرناه من الدليل الدال على وجوب النهاية فيها) .
قال: (وما يقال: من أن المعني بكون المعلومات
стр. 845
والمقدورات غير متناهية صلاحية العلم لتعلقه بما يصح أن يعلم، وصلاحية القدرة لتعلقها بكل ما يصح أن يوجد، وما يصح أن يعلم ويوجد غير متناه، لكنه من قبيل التقديرات الوهمية، والتجويزات الإمكانية، وذلك مما لا يمتنع كونه غير متناه، بخلاف الأمور الوجودية، والحقائق العينية.
فلا أثر له في القدح أيضاً، فإن هذه الأمور - وإن لم تكن من موجودات الأعيان، غير أنها متحققة في الأذهان، ولا يخفى أن نسبة ما فرض استعماله فيما له وجود ذهني على نحو استعماله فيما له وجود عيني) .
تعليق ابن تيمية
قلت: التفريق بين الشيئين يحتاج إلى ثبوت الوصف الفارق وثبوت تأثيره، والآمدي سلم لهم الوصف ونازعهم في كونه مؤثراً.
стр. 846
والتحقيق أن ما ذكروه من الوصف متوحه في القدرة، فإن تعلقها بالمعدوم من باب التجويز، بخلاف العلم فإن فساد تعلقه بالمعدوم ليس من باب التجويز، فإن المعدوم هنا معلوم للعالم، ليس المراد بذلك أن ثم صفة تصلح أن يعلم بها المعدوم إذا وجد، بل هو معلوم قبل وجوده، بخلاف القدرة فإن تعلقها بالمعدوم معناه أنها صفة صلاحة لتعلق المعدوم إذا وجد.
قلت: وأيضاً فإن قول القائل: المعني بكون المعلومات والمقدروات غير متناهية هو صلاحية العلم والقدرة للتعلق، وهو وإن سلم في القدرة، فلا يسلم في العلم، فإن الكلام ليس هو في إمكان العلم بها، بل في العلم الذي يقال إنه علم موجود أزلي متعلق بما لا نهاية له، وهذا أمر موجود.
وعن هذه الشبهة صار طائفة من النظار إلى استرسال العلم على آحاد نوع العرض، كما قاله أبو المعالي، وحكي ذلك عن أبي الحسين البصري وداود الجواربي.
стр. 847
قال أبو المعالي: (الأجسام جنس واحد، والأعراض أجناسها محصورة، وأفراد الجنس غير محصورة) قال: (فلا يجوز وجود أجناس لا تتناهى، لأنه يجب حينئذ وجود ما لا يتناهى في العلم، والدليل دال على نفي النهاية في هذا وهذا) .
قال: (وأما آحاد الأعراض فإن العلم يسترسل عليها استرسالاً، وأما الجواب بصلاحية التعلق فهو جواب الشهرستاني ونحوه) .
الثاني
قال: (الطريق الثاني - يعني في بيان امتناع ما لا نهاية له - قوله: لو وجد أعداد لا نهاية لها لم تخل: إما أن تكون شفعاً أو وتراً، أو شفعاً ووتراً معاً.
أو لا شفعاً ولا وتراً، فإن كانت شفعاً فهي تصير وتراً بزيادة واحد، وإن كانت وتراً فهي تصير شفعاً بزيادة واحد، وإعواز الواحد لما لا يتناهى محال، وإن
стр. 848
كانت شفعاً ووتراً فهو محال، لأن الشفع ما يقبل الانقسام بمتساويين، والوتر غير قابل لذلك، والعدد الواحد لا يكون قابلاً وغير قابل له معاً، وإن لم يكن شفعاً ولاوتراً، فيلزم منه وجود واسطة بين النفي والإثبات، وهو محال، وهذه المحالات إنما لزمت من القول بعدد لا نهاية له، فالقول به محال) .
قال: (وهو محال من النمط الأول في الفساد، لوجهين: الأول: قد نسلم استحالة الشفعية أو الوترية فيما لا نهاية له، والقول بأن ما لا يتناهى لا يعوزه الواحد الذي به يصير شفعاً إن كان وتراً أو وتراً إن كان شفعاً، فدعوى مجردة، ومحض استبعاد لا دليل عليه.
الوجه الثاني: أنه يلزم عليه عقود الحساب، ومعلومات الله تعالى ومقدوراته، فإنها غير متناهية إمكاناً، مع إمكان إجراء الدليل المذكور فيها) .
تعليق ابن تيمية
قلت: ولقائل أن يقول: أما الوجه الأول فضعيف، فإن كون ما لا
стр. 849
يتناهى معوزاً للواحد كالمعلوم فساده بالضرورة، بل يمكن أن يقال: ما لا يتناهى لا يمكن أن يكون لا شفعاً ولاوتراً، لأن الشفع والوتر نوعا جنس العدد المحصور الذي له طرفان: مبدأ، ومنتهى.
فأما إذا قدر ما لا مبدأ ولا منتهى له فليس عدداً محصوراً، فلا يكون شفعاً ولا وتراً، كما يقولوه المسلمون وغيرهم من أهل الملل فيما يحدثه الله تعالى في المستقبل من نعيم الجنة: إنه لا شفع ولا وتر.
وهذا أيضاً قول الفلاسفة الطبيعية والإلهية: إن ما لا نهاية له لا يكون شفعاً ولا وتراً، وذلك أن ما لا نهاية له ليس طرفان.
والشفع: ما يقبل الانقسام بقسمين متساويين، وهذا إنما يعقل فيما له طرفان منتهيان، وإذا لم يمكن أن يكون شفعاً لم يمكن أن يكون وتراً.
وأما عقود الحساب فالمقدر منها في الذهن محصور متناه، وما لا يتناهى لا تقدره الأذهان، بل كل مايضعفه الذهن من عقود الحساب فهو متناه، والمراتب في نفسها متناهية، ولكن إحدى المرتبتين لو وجدت أفرادها في الخارج لكانت أكثر من الأولى، وليس ذلك تفاوتاً في أمور موجودة، ولا في الأذهان ولا في الأعيان.
الثالث
قال أبو الحسن الآمدي: (الطريق الثالث: أنه لو وجد أعداد لا نهاية لها.
فكل واحد منها محصور بالوجود، فالجملة محصورة بالوجود، وما لا يتناهى لا ينحصر بحاصر) .
стр. 850
قال: (وهو أيضاً فاسد لثلاثة أوجه:
الأول: لا نسلم أن الوجود زائد على الموجود، حتى يقال: يكون الوجود حاصراً له، بل الوجود هو ذات الموجود وعينه على ما يأتي.
الثاني: وإن كان زائداً على كل واحد من آحاد الجملة، فلا نسلم كونه حاصراً بل عارض مقارن لكل واحد من الآحاد والمعارض المقارن للشيء لايكون حاصراً له.
الثالث: سلمنا أن الوجود حاصر لكل واحد من آحاد الجملة، ولكن لا نسلم أن الحكم على الآحاد يكون حكماً على الجملة، ولهذا يصدق أن يقال لكل واحد من آحاد الجملة: إنه جزء الجملة، ولا يصدق على الجملة أنها جزء الجملة) .
تعليق ابن تيمية
ولقائل أن يقول: في إفساد هذا الوجه أيضاً: قول القائل (إنه محصور في الوجود) أيريد به أن هناك سوراً موجوداً حصر ما يتناهى أو ما لا يتناهى بين طرفيه، أم يريد به أنه موصوف بكونه موجوداً؟ فإن
стр. 851
أراد الأول فهو باطل، فإنه ليس للموجودات شيء خارج عن الموجودات يحصرها.
سواء قيل: إنها متناهية أو غير متناهية، وإن قيل: إن كل واحد مما لا يتناهى من الموجودات فهو موجود، فهذا حق.
فإذا سمى المسمى هذا حصراً كان هذا إطلاقاً لفظياً، وكان قوله حينئذ (ما لا يتناهى لا يكون محصوراً) بمنزلة قوله (لا يكون موجوداً) وهذا محل النزاع، فقد غير العبارة، وصادر على المطلوب.
ثم ما لا يتناهى في المستقبل موجود باتفاق أهل الملل وعامة الفلاسفة، ولم ينازع في ذلك إلا من شذ كالجهم وأبي الهذيل ونحوهما ممن هو مسبوق بإجماع المسلمين، محجوج بالكتاب والسنة، مخصوم بالأدلة العقلية مع مخالفة جماهير العقلاء من الأولين والآخرين، وهو مع هذا محصور بالوجود، كما أن ما لا يتناهى في الماضي محصور بالوجود، لكنهم يفرقون بأن الماضي دخل في الوجود، بخلاف المستقبل، ومنازعوهم يقولون: الماضي دخل، ثم خرج، فصارا جميعاً معدومين، والمستقبل لم يدخل في الوجود، وهة تفريق صوري، حقيقته أن الماضي كان وحصل، والمستقبل لم يحصل بعد.
فيقال لهم: ولم قلتم: إن كل ما حصل وكان يمتنع أن يكون دائماً لم يزل؟ وهو وإن كان متناهياً من الجانب الذي يلينا فالمستقبل أيضاً متناه في هذا الواجب، وإنما الكلام في الطرفين الآخرين.
وأيضاً فالحوادث الماضية عدمت بعد وجودها، فهي الآن معدومة، كما أن الحوادث المستقبلة الآن معدومة، فلا هذا موجود.
стр. 852
ولا هذا موجود الآن، وكلاهما له وجود في غير هذا الوقت، ذاك في الماضي، وهذا في المستقبل، وكون الشيء ماضياً ومستقبلاً أمر إضافي بالنسبة إلى ما يقدر متأخراً عن الماضي ومتقدماً على المستقبل، وإلا فكل ماض قد كان مستقبلاً، وكل مستقبل سيكون ماضياً، كما أن كل حاضر قد كان مستقبلاً، وسيصير ماضياً.
الرابع
قال الآمدي: (الطريق الرابع: أنه لو وجد ما لا يتناهى، فما من وقت يقدر إلا وهو متناه في ذلك الوقت، وانتهاء ما لا يتناهى محال) .
قال: (وهو أيضاً غير سديد، فإن الانتهاء من أحد الطرفين - وهو الأخير - وإن سلمه الخصم، فلا يوجب النهاية في الطرف الآخر.
ثم يلزم عليه عقود الحساب، ونعيم أهل الجنة، وعذاب أهل النار، فإنه وإن كان متناهياً من طرف الابتداء فغير متناه إمكاناً في طرف الاستقبال) .
تعليق ابن تيمية
قلت: هذا الوجه من جنس الوجه السادس الذي ذكره الرازي، وهو أنه: (لو كانت الحوادث الماضية غير متناهية كان
стр. 853
وجود اليوم موقوفاً على انقضاء ما لا نهاية له، وانقضاء ما لا نهاية له محال، والموقوف على المحال محال) .
وقد اعترض عليه الأرموي بما اعترض به هو وغيره، بأن انقضاء ما لا نهاية له محال.
وأما انقضاء ما لا بداية له ففيه النزاع، وهو من جنس جواب الآمدي، فإن الانتهاء الذي يسلمه الخصم هو من أحد الطرفين دون الآخر، والآخر هو الابتداء.
وقد تقدم ذلك.
كلام آخر للآمدي
ثم قال الآمدي: (والأقرب في ذلك أن يقال: لو كانت العلل والمعلولات غير متناهية، وكل واحد منها ممكناً على ما وقع به الفرض.
فهي: إما متعاقبة، وإما معاً، فإن كانت متعاقبة فقد قيل: إن ذلك محال، لوجوه ثلاثة.
الأول: أن كل واحد منها يكون مسبوقاً بالعدم، والجملة مجموع الآحاد، فالجملة مسبوقة بالعدم، وكل جملة مسبوقة
стр. 854
بالعدم، فلوجودها أول تنتهي إليه، وكل ما لوجوده أول ينتهي إليه فالقول غير متناه محال.
الثاني: أن كل واحد منها يكون مشروطاً في وجوده علته قبله، ولا يوجد حتى توجد علته، وكذلك الكلام في علته بالنسبة إلى علتها، وهلم جراً.
فإذا قيل بعدم النهاية فقد تعذر الوقوف على شرط الوجود، فلا وجود لواحد منها.
وهذا كما إذا قيل: لا أعطيك درهماً إلا وقبله درهم، فإنه لما كان إعطاء الدرهم مشروطاً بإعطاء درهم قبله، وكذلك في إعطاء كل درهم يفرض إلى غير النهاية، كان الإعطاء محالاً.
الثالث: هو أن القول بتعاقب العلل والمعلولات يجر إلى تأثير العلة بعد عدمها في معلولها، وتأثير المعدوم في الموجود محال) .
قال: (وهذه الحجج مما لا مثبت لها.
أما الأولى فلأنه لا يلزم من سبق على كل واحد من الآحاد
стр. 855
سبقه على الجملة فإن الحكم على الآحاد لا يلزم أن يكون حكماً على الجملة كما سبق تحقيقه.
وأما الثاني فإنما يلزم أن لو كان ما توقف عليه الموجود وهو شرط في الوجود غير موجود، كما في المثال المذكور.
وأما إن كان موجوداً فلا يلزم امتناع وجود المشروط.
والقول بأن الشرط غير موجود محل النزاع، فلا تقبل الدعوى به من غير دليل.
وأما الثالثة فإنما تلزم أيضاً أن لو كان معنى التعاقب وجود المعلول بعد عدم علته، وليس كذلك، بل معناه: وجود المعلول متراخياً عن وجود علته مع بقاء علته موجودة إلى حال وجوده، وبقائه موجوداً بعد عدم علته، وكذلك في كل علة مع معلولها، وذلك لا يلزم منه تأثير المعدوم في الموجود، ولا أن تكون العلل والمعلولات موجودة معاً، وذلك متصور في العلل الفاعلة بالاختيار) .
قال: (والأقرب في ذلك أن يقال: لو كانت العلل والمعلولات
стр. 856
متعاقبة، فكل واحد منها حادث لا محالة.
وعند ذلك فلا يخلو: إما أن يقال بوجود شيء منها في الأزل، أو لا وجود لشيء منها في الأزل، فإن كان الأول ممتنع، لأن الأزلي لا يكون مسبوقاً بالعدم.
والحادث مسبوق بالعدم، فلو كان شيء منها في الأزل لكن مسبوقاً بالعدم ضرروة كونه حادثاً، وغير حادث ضرورة كونه أزلياً، وإن كان الثاني فجملة العلل والمعلولات مسبوقة بالعدم ضرورة أن لا شيء منها في الأزل، ويلزم من ذلك أن يكون لها ابتداء ونهاية غير متوقف على سبق غيره عليه، وهو المطلوب) .
تعليق ابن تيمية
قلت: هذا الوجه هو الوجه الثالث الذي ذكره الرازي، حيث قال: (إما أن يقال: حصل في الأزل شيء من هذه الحركات، أو لم يحصل، فإن لم يحصل في الأزل شيء من هذه الحركات وجب أن يكون لمجموع هذه الحركات والحوادث بداية وأول، وهو المطلوب.
وإن حصل في الأزل شيء من هذه الحركات، فتلك الحركة الحاصلة في الأزل إن لم تكن مسبوقة بغيرها كانت تلك الحركة أول الحركات، وهو المطلوب، وإن كانت مسبوقة بغيرها لزم أن يكون الأول مسبوقاً بغيره، وهو محال) .
стр. 857
وقد اعترض أبو الثناء الأرموي على هذا بأنه (ليس من الحركات الجزئية أزلياً، بل كل واحدة منها حادثة، وإنما القديم الحركة الكلية بتعاقب الأفراد الجزئية، وهي ليست مسبوقة بغيرها، فلا يلزم أن يكون لكل الحركات الجزئية أول) .
وبيان هذا الاعتراض - فيما ذكره الآمدي - أن يقال: قوله: (إما ان يقال بوجود شيء منها في
стр. 858
الأزل، أو لا وجود لشيء منها في الأزل) جوابه: أنه ليس شيء بعينه موجوداً في الأزل، ولكن الجنس لم يزل متعاقباً، وحيئنذ يندفع ما ذكره على التقديرين: أما الأول فإنه قال: لو كان شيء منها موجوداً في الأزل لكان مسبوقاً بالعدم غير مسبوق بالعدم، وهذا إنما يلزم إذا قيل في واحد من الحوادث المتعاقبة: إنه قديم أزلي، وهذا لا يقوله عاقل.
وأما التقدير الثاني: فقوله: (وإن كان الثاني، فقول القائل: العلل والمعلولات المتعاقبة أو غيرها من الحوادث المتعاقبة تكون مسبوقة بالعدم) إنما يلزم إذا قيل: إن جنسها ليس بقديم ولا أزلي، وهذا محل النزاع.
وحقيقة الأمر أن قول القائل: (إما أن يقال بوجود شيء منها في الأزل، أولا وجود لشيء منها في الأزل) معناه: إما أن شيئاً منها قديم أزلي، أو ليس شيء منها قديماً أزلياً.
وهذا اللفظ محتمل، فإن أراد به أن واحداً من الحوادث المتعاقبة يكون قديماً أزلياً، فهذا لا يقولونه وإن أراد أن جنسها لم يزل يحدث شيئاً بعد شيء، وأنه لا أول للجنس، بل الجنس قديم أزلي، فهذا هو الذي يقولون.
وحينئذ فلا يلزم من نفي الأزلية عن واحد نفيها عن الجنس.
وذلك أن معنى الأزل ليس هو شيئاً له ابتداء محدود حتى يقال: هل حصل شيء منها في ذلك المبدأ المحدود؟ بل معنى الأزل هو معنى القدم، ومعناه: ما لا ابتداء لوجوده، ولا يقدر الذهن غايةً إلا كان قبل تلك الغاية، فإذا قال القائل: (هل وجد شيء من هذه الحوادث في الأزل) كان معناه: هل منها قديم لا أول لوجوده لم يزل موجوداً؟
والمثبت لذلك إنما يقول: لم يزل الجنس موجوداً شيئاً بعد شيء، كما يقوله المسلمون وجمهور الناس غيرهم في الأبد، فيقولون: إنه لا يزال جنس الحوادث يحدث شيئاً بعد شيء، فلو قال القائل: (الحوادث المنقضية لا تكون أبدية ولاتكون فيما لا يزال، لأنه إما أن يوجد شيء منها في الأبد، أو لا وجود لشيء منها في الأبد، فإن كان الأول فهو ممتنع، لأن الأبدي لا يكون منقضياً، بل لا يزال موجوداً وإن كان الثاني فجملة المنقضيات ملحوقة بالعدم، وما كان ملحوقاً بالعدم لم يكن أبدياً، لأن الأبدي هو ما لا يلحقه العدم، كما أن الأزلي ما لا يسبقه العدم) كان الجواب عن قول هذا القائل بأن يقال: الأبدي
стр. 859
هو جنس الحوادث المنقضية، لا واحد واحد منها.
والجنس لا يلحقه العدم وإن لحق آحاده، كما قال تعالى ﴿إن هذا لرزقنا ما له من نفاد﴾ (ص: ٥٤) وقال تعالى: ﴿أكلها دائم﴾ (الرعد: ٣٥) فالدائم: هو الجنس، وكذلك الذي لا نفاد له هو الجنس.
لا كل واحد من أعيان الرزق والمأكولات.
قول آخر عن الآمدي
وقد أورد الآمدي على نفسه سؤالاً وأجاب عنه، فقال: (قولكم: إن لم يوجد شيء منها في الأزل فلها أول وبداية، فنقول: لا يلزم من كون كل واحد من العلل والمعلولات غير موجود في الأزل أن تكون الجملة غير أزلية، فإنه لا يلزم من الحكم على الآحاد أن يكون حكماً على الجملة، بل جاز أن يكون كل واحد من أحاد الجملة غير أزلي، والجملة أزلية، بمعنى تعاقب آحادها إلى غير النهاية) .
وقال في الجواب عن هذا: (قلنا إذا كان كل واحد من الآحاد لا وجود له في الأزل، وهو بعض الجملة، فليس بعض من أبعاض الجملة يكون موجوداً في الأزل، وإذا لم يكن شيء من الأبعاض موجوداً في الأزل، فالجملة غير موجودة في الأزل فإنه لا وجود للجملة دون وجود أبعاضها) .
стр. 860
تعليق ابن تيمية
قلت: ولقائل أن يقول: قوله: (لا وجود للجملة دون وجود أبعاضها) أيعني به وجود أبعاضها معها؟ أو وجود أبعاضها ولو كانت متعاقبة؟
أما الأول فلا يصح، لأن ما فرض متعاقباً لايمكن أن تكون أبعاضه موجودة معه، وليس له وجود مجتمع في زمن واحد، حتى يمكن اجتماع أبعاضه معه، بل وجود أبعاضه - وهو متعاقب مع جملته - جمع بين النقيضين.
وإن عنى به وجود ابعضاها كيفما كان، فيقال له: هذا صحيح، والمنتفي إنما هو وجود شيء من أبعاضها في الأزل، ولا يلزم من انتفاء كون الواحد من أبعاضها قديماً أزلياً أن لا يكون موجوداً، فإذا كان وجود الجملة موقوفاً على وجود أبعاضها فوجود أبعاض المتعاقب ممكن، وإن قال: (إن وجود الجنس المتعاقب الذي هو قديم أزلي أبدي موقوف على كون الواحد من آحاده قديماً أزلياً أو أبدياً) فهذا محل النزاع.
فتبين أن الجواب فيه مغلطة، وحقيقة الجواب أنه يجب الحكم على الجملة بما يحكم به على أفرادها، وقد بين هو وغيره فساد هذا
стр. 861
الجواب، فإنه إذا لم يكن بعض الجملة أزلياً كان ذلك سلباً للأزلية عن أفراد الجنس، ونفي الأزلية هو لحدوث، فيصير معنى الكلام: إذا كان كل واحد من الأفراد أو الأبعاض المتعاقبة حادثاً وجب أن يكون الجنس المتعاقب حادثاً، وقد عرف فساد هذا الكلام.
وأبو الحسن الآمدي وغيره أدخلوا هذه المقدمة - أعني منع العلل المتعاقبة - في إثبات واجب الوجود، ولا حاجة بهم إليها، وهي مبنية على مقدمتين، إحداهما: أن العلة قد تتقدم المعلول، وقد ذكر هو في كتابه المسمى بـ (دقائق الحقائق) نقيض ما ذكره هنا في كتابه المسمى (أبكار الأفكار) وذكر في إثبات واجب الوجود هذه الطريقة التي تقدمت حكايتها عنه، وقال فيها: إن كانت العلل والمعلولات غير متناهية، فإما أن تكون متعاقبة أو معاً، لا جائز أن يقال بالأول إذ قد بينا امتناع الافتراق بين العلة والمعلول فيما تقدم) .
والذي قاله فيما تقدم هو أن العلة أو الفاعل لا يفتقر في كونه علة لمعلوله، ولا كون المعلول معلولاً، إلى سبق العدم، فإن ما كان من
стр. 862
المعلولات الوجودية مسبوقاً بالعدم: إما أن يكون وجوده بإيجاد العلة له في حال وجوده، أو في حال عدمه، لا جائز أن يكون ذلك له في حال عدمه، لامتناع اجتماع الوجود والعدم، فلم يبق إلا أن يكون موجوداً له في حال وجوده، لا بمعنى أنه أوجد بعد وجوده، بل بمعنى أن ما قدر له من الوجود غير مستغن عن العلة، بل يستند إليها، ولولاها لما كان، وإذا ذاك الفرق بين أن يكون المعلول وجوده مسبوقاً بالعدم، أو غير مسبوق بالعدم.
تعليق ابن تيمية
قلت: هذه الحجة هي حجة ابن سينا وأمثاله، على أن المعلول يكون مع العلة في الزمان، وهي حجة فسادة، وبتقدير صحتها لا تنفع الآمدي في هذا المقام، فإن الناس لهم في مقارنة المعولل لعلته والمفعول لفاعله ثلاثة أقوال:
الأقوال في مقارنة المعلول لعلته الثانية
قيل: يجب أن يقارن الأثر ولتأثيره، بحيث لا يتأخر الأثر عن التأثير في الزمان، فلا يتعقبه ولا يتراخى عنه، وهذا قول هؤلاء الدهرية، القائلين بأن العالم قديم عن موجب قديم، وقولهم أفسد الأقوال الثلاثة، وأعظمها تناقضاً، فإنه إذا كان الأثر كذلك لزم أن لا يحدث في العالم شيء، فإن العلة التامة إذا كانت تسلتزم مقارنة معلولها لها في الزمان، وكان الرب علة تامة في الأزل - لزم أن يقارنه
стр. 863
كل معلول، وكل ما سواه معلول له: إما بواسطة، وإما بغير واسطة فيلزم أن لا يحدث في العالم شيء.
وأيضاً، فما يحدث من الحوادث بعد ذلك يفتقر إلى علة تامة مقارنة له، فيلزم تسلسل علل.
أو تمام علل ومعلولات في آن واحد.
وهذا باطل بصريح العقل واتفاق العقلاء.
وإن قدر أن الرب لم يكن علة تامة في الأزل بطل قولهم.
وقيل: بل يجب تراخي الأثر عن المؤثر التام، كما يقوله أكثر أهل الكلام، ويلزم من ذلك أن يصير المؤثر مؤثراً تاماً، بعد أن لم يكن مؤثراً تاماً، بدون سبب حادث، أو أن الحوادث تحدث بدون مؤثر تام، وأن الممكن يرجح وجوده على عدمه بدون المرجح التام.
وهذا قول كثير من أهل الكلام، منهم من يقول: القادر يرجح أحد المقدورين بلا مرجح.
ومنهم من يقول: بل يرجح بالإرادة القديمة الأزلية.
ومن هؤلاء وهؤلاء من يقول: بل يرجح مع كون الرجحان أولى لا مع وجوبه، وهو قول محمود الخوارزمي من الأولين، وهو قول محمد بن الهيثم الكرامي وغيره من الآخرين، فإن الكرامية مع الأشعرية والكلابية يقولون: المرجح هو الإرادة القديمة الأزلية، ويقولون: إن الإرادة لا توجب المراد.
لكن منهم من يقول: من شأن الإرادة أن ترجح بلا مزية للترجيح، بل مع تساوي الأمرين، كما
стр. 864
تقوله الأشعرية: ومنهم من يقول: ترجيح أولوية الترجيح، وهذا قول الكرامية.
والقول الثالث: أن المؤثر التام يستلزم وجود أثره عقبه، لا معه في الزمان، ولا متراخياً عنه، كما قال تعالى: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ (النحل: ٤٠) وعلى هذا فيلزم حدوث كل ما سوى الرب، لأنه مسبوق بوجود التأثير، ليس زمنه زمن التأثير، والقادر المريد يستلزم مع وجود القدرة والإرادة وجود المقدور المراد، والقدرة والإرادة حاصلان قبل المقدور المراد، ومع وجود المقدور المراد هما مستلزمان له، وهذا قول أكثر أهل الإثبات.
وعلى هذا فيجب الفرق بين وجود العلة والفاعل والمؤثر عند وجود الأثر في الزمان، فإن هذا لا بد منه، وبين وجود العلة التي هي الفعل والتأثير في الزمان، فإن هذا هو الذي يتعقبه المفعول المعلول، الذي هو الأثر.
ومن الناس من فرق بين التأثير القادر المختار، وتأثير العلة الموجبة فزعم أن الأول لا يكون إلا مع تراخي الأثر، والثاني لا يكون إلا مع مقارنة الأثر للمؤثر.
стр. 865
وهذا أيضاً غلط، فإن الأدلة الدالة توجب التسوية لو قدر أنه يمكن أن يكون المؤثر غير قادر مختار، فكيف إذا كان ذلك ممتنعاً؟.
وكون المعلول والمفعول لا يكون مفعولاً معلولاً إلا بعد عدمه هو من القضايا الضرورية التي اتفق عليها عامة العقلاء من الأولين والآخرين، وكل هؤلاء يقولون: ما كان معلولاً يمكن وجوده ويمكن عدمه لا يكون إلا حادثاً مسبوقاً بالعدم.
وممن قال ذلك أرسطو وأتباعه، حتى ابن سينا وأمثاله صرحوا بذلك.
لكن ابن سينا تناقض مع ذلك، فزعم أن الفلك هو قديم أزلي، مع كونه ممكناً يقبل الوجود والعدم.
وهذا مخالف لما صرح به هو، وصرح به أئمته وسائر العقلاء، وهو مما أنكره عليه ابن رشد الحفيد، وبين أن هذا مخالف لما صرح به أرسطو وسائر الفلاسفة وأن هذا لم يقله أحد قبله.
وأرسطو لم يكن يقسم الوجود إلى واجب وممكن، ولا يقول: إن الأول موجب بذاته للعالم، بل هذا قول ابن سينا وأمثاله، وهو - وإن كان أقرب إلى الحق مع فساده وتناقضه - فليس هو قول سلفه، بل قول أرسطو وأتباعه: إن الأول إنما افتقر إليه الفلك لكونه يتحرك للتشبه به، لا لكون الأول علة فاعلة له.
وحقيقة قول أرسطو وأتباعه: أن ما كان واجب الوجود فإنه
стр. 866
يكون مفتقراً إلى غيره، فيكون جسماً مركباً حاملاً للأعراض، فإن الفلك عندهم واجب بذاته، وهو كذلك، كما قد بسط كلامهم والرد عليهم في غير هذا الموضع، وبين ما وقع من الغلط في نقل مذاهبهم، وأن أتباعهم صاروا يحسنون مذاهبهم، فمنهم من يجعل الأول محدثاً للحركة بالأمر، وليس هذا قولهم، فإن الأول عندهم لا شعور له بحركة ولا إرادة، وإنما الفلك يتحرك عندهم للتشبه به، فهو يحركه كتحريك الإمام للمؤتم به، أو المعشوق لعاشقه، لا تحريك الآمر لمأموره، كما يزعمه ابن رشد وغيره.
ومنهم من يقول: بل هو علة مبدعة فاعلة للأفلاك، كما يقوله ابن سينا وأتباعه، وليس هذا أيضاً قولهم.
ولكن كثير من هؤلاء المتأخرين لا يعرفون من مذاهب الفلاسفة إلا ما ذكره ابن سينا وأتباعه، وليس هذا أيضاً قولهم.
ولكن كثير من هؤلاء المتأخرين لا يعرفون من مذاهب الفلاسفة إلا ما ذكره ابن سينا كأبي حامد الغزالي والرازي والآمدي وغيرهم، ويذكرون ما ذكره ابن سينا من حججه، كما ذكره الآمدي في هذا الموضع، حيث قال: (إن العلة أو الفاعل لا يفتقر في كونه علة إلى سبق العدم، لأن تأثير العلة في المعلول إنما هو في حال وجود المعلول) .
стр. 867
فيقال لهم: ليس في هذا ما يدل على أن المعلول يجوز أن يكون قديماً أزلياً غير مسبوق بالعدم، بل قولكم: (وإذ ذاك فلا فرق بين أن يكون المعلول وجوده مسبوقاً بالعدم، أو غير مسبوق) دعوى مجردة.
فتبين أن ما ذكره الآمدي وغيره من امتناع الافتراق بين العلة والمعلول في الزمن، ووجوب مقارنتهما في الزمن، من أضعف الحجج، بل ما ذكره لا يدل على جواز الإقتران، فضلاً عن أن يدل على وجوب الاقتران، بل غاية ما ذكره أن سبق العدم ليس بشرط في إيجاد العلة، ولا يلزم من كونه ليس بشرط وجوب الاقتران، بل قد يقال بجواز الاقتران، وجواز التأخير.
وحينئذ فلقائل أن يقول: هذا الذي ذكرته، وإن كان باطلاً، كما قد بسط في غير هذا الموضع، وبين فيه أن للناس في هذا المقام ثلاثة أقوال:
قيل: يجوز أن يقارن المعلول العلة في الزمان، فيقترن الأثر
стр. 868
بالمؤثر في الزمان، كما يقوله ابن سينا ومتابعوه.
وقيل: بل يجب تراخي الأثر عن المؤثر وتأثيره، كما يقوله أكثر المتكلمين.
وقيل: بل الأثر يتعقب التأثير، ولا يكون معه في الزمان، ولا يكون متراخياً عنه، وهذا هو الصواب، كما قال تعالى: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾ (النحل: ٤٠) لهذا يقال: طلقت المرأة فطلقت، وأعتقت العبد فعتق، فالعتق والطلاق عقب التطليق والإعتاق، لا يقترن به ولا يتأخر عنه.
وبين أن من قال باقتران الأثر بالمؤثر كما يقوله هؤلاء المتفلسفة، فإن ذلك يستلزم أن لا يكون لشيء من الحوادث فاعل، ويستلزم أن لا يحدث شيء في العالم، ومن قال بالتراخي فقوله يستلزم أن المؤثر التام لا يستلزم الأثر، بل يحدث الحادث بلا سبب حادث، وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أن هذا الجواب الذي ذكره هو مأخوذ من كلام ابن سينا، وهو مع فساده غايته أن المعلول يجوز أن يقارن وجوده وجود
стр. 869
العلة، لا يجب أن يكون مسبوقاً بالعدم مع وجود العلة، وليس في هذا بيان أنه يمتنع تأخر وجوده عن وجود العلة.
والأقسام الممكنة ثلاثة: إما أن يقال بوجوب المقارنة، أو بوجوب التأخر، أو بجواز الأمرين، وما ذكرته لا يدل على شيء من ذلك، ولو دل فإنما يدل على جواز الاقتران، لا على وجوبه، وأنت فيما ذكرته هناك جوزت تأخر المعلول، فلا منافاة بين الأمرين.
وذلك أن غاية ما ذكرته أن المؤثر - أي: المعلول الذي هو المصنوع المفعول - إما أن تكون تأثيراته قديمة كواجب الوجود، وذلك لا ينفي أن يكون التأثير به هو الأحداث، فإن فاعل هذه الحادثات تأثيره فيها في حال الوجود مع كونها محدثة، فليس كون التأثير فيها في حال وجودها مما ينفي أنه لا بد أن تكون محدثة.
وقولك: (إذا كان التأثير فيها في حال وجودها فلا فرق بينه أن يكون وجودها مسبوقاً بالعدم، أو غير مسبوق) دعوى مجردة، لاستواء الحالين.
والعقلاء يعلمون - بضرورة عقلهم - أن المبدع الفاعل لا يعقل أن يبدع القديم الأزلي الذي لم يزل موجوداً، وإنما يعقل إبداع ما لم
стр. 870
يكن ثم كان، بل العقلاء متفقون على أن الممكن الذي يمكن وجوده ويمكن عدمه لا يكون إلا حادثاً بعد عدمه، ولا يكون قديماً أزلياً.
وهذا مما اتفق عليه الفلاسفة مع سائر العقلاء، وقد صرح به أرسطو وجميع أتباعه، حتى ابن سينا وأتباعه، ولكن ابن سينا وأتباعه تناقضوا، فادعوا في موضع آخر أن الممكن الذي يمكن وجوده وعدمه قد يكون قديماً أزلياً، ومن قبله من الفلاسفة - حتى الفارابي - لم يدعو ذلك، ولا تناقضوا.
وقد حكينا أقوالهم في غير هذا الموضع.
وأما المقدمة الثانية التي بنوا عليها امتناع العلل المتعاقبة، فهي مبينة على امتناع حوادث لا أول لها، والمتفلسف لا يقول بذلك، فلم يمكنهم أن يجعلوها مقدمة في إثبات واجب الوجود.
والتحقيق أنه لا يحتاج إليها، بل ولا يحتاج في إثبات واجب الوجود إلى هذه الطريقة، كما قد بينا الكلام على ذلك في غير هذا الموضع.
وهؤلاء تجدهم - مع كثرة كلامهم في النظريات والعقليات، وتعظيمهم للعلم الإلهي الذي هو سيد العلوم وأعلاها، وأشرفها وأسناها - لا يحققون ما هو المقصود منه، بل لا يحققون ما هو المعلوم لجماهير الخلائق، وإن أثبتوه طولوا فيه الطريق مع إمكان تقصيرها، بل قد يورثون الناس شكاً فيما هو معلوم لهم بالفطرة الضرورية.
стр. 871
والرسل صلوات الله عليهم وسلامه بعثوا بتكميل الفطرة وتقريرها لا بإفسادها وتغييرها.
قال تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون * منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين * من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون﴾ (الروم: ٣٠ - ٣٢) .
وفي الصحيحين «عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ ثم قال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ قالوا: يا رسول الله، أرأيت من يموت من أطفال المشركين وهو صغير؟ فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين» .
стр. 872
وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً» .
فالإقرار بالخالق ، والاعتراف بوجود موجود واجب الوجود قديم أزلي، كما أنه مركوز في الفطرة مستقر في القلوب، فبراهينه وأدلته متعددة جداً، ليس هذا موضعها، وهؤلاء عامة ما يذكرونه من الطرق: إما أن يكون فيه خلل، وإما أن يكون طويلاً كثير التعب، والغالب عليهم الأول.
إثبات الرازي للصانع
فالرازي أثبت الصانع بخمسة مسالك، وهي كلها مبنية علىمقدمة واحدة.
(الأول)
الاستدلال بحدوث الذوات كالاستدلال بحدوث الأجسام المبني على حدوث الأعراض كالحركة والسكون، وامتناع ما لا
стр. 873
نهاية له وهذا طريق المعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية كأبي المعالي - بناء على أن أجسام العالم محدثه، وكل محدث فله محدث.
تعليق ابن تيمية
أما المقدمة الأولي فقد تبين كلامهم فيها، ومناقضة بعضهم بعضاً، وأنهم التزموا لأجلها: إما جحد صفات الله وأفعاله القائمة به، وإما جحد بعض ذلك، وأنهم اشترطوا في خلق الله تعالى للعالم ما ينافي خلق العالم، فسلطوا عليهم أهل الملل والفلاسفة جميعاً.
وأما الثاني فهي أظهر وأعرف وأبده في العقول من أن تحتاج إلي بيان، فبنوها على أن كل محدث فهو ممكن الوجود، وأن الممكن يحتاج في وجوده إلى مؤثر موجود، وكل من هاتين المقدمتين صحيحة في نفسها، مع أن القول بافتقار المحدث إلى المحدث أبين وأظهر في العقل من القول بافتقار الممكن إلى المؤثر الموجود، فبتقدير بيانهم للمقدمتين يكونون قد طولوا وداروا بالعقول دورة تبعد على العقول معرفة الله تعالى والإقرار بثبوته، وقد يحصل لها في تلك الدورة من الآفات ما يقطعها عن المقصود، فكانوا كما قيل لبعض الناس: أين أذنك؟ فرفع يده وأدارها على رأسه، ومدها وتمطى، وقال: هذه أذني، وكان يمكنه أن يشير إليها بالطريق المستقيم القريب، ويقول: هذه أذني.
وهو كما قيل:
أقام يعمل أياماً رويته ... وشبه الماء بعد الجهد بالماء
стр. 874
وهو نظير ما يذكر عن يعقوب بن إسحاق الكندي فيما حكاه عنه السيرافي من قوله: هذا من باب فقد عدم الوجود، وفقد عدم الوجود هو الوجود، فكيف وقد ذكروا في افتقار الممكن إلى الواجب بنفسه مع ظهوره وبيانه، كما قد بيناه في غير هذا الموضع: ما هو نقيض المقصود: من التعليم، والبيان: وتحرير الأدلة والبراهين.
وقد تكلمنا على تقرير ما يتعلق بهذا المقام في غير هذا الموضع.
الثاني
قال الرازي: (المسلك الثاني: الاستدلال بإمكان الأجسام على وجود الصانع ، وهو عمدة الفلاسفة.
قالوا: الأجسام ممكنة، وكل ممكن فل بد له من مؤثر.
أما بيان كونها ممكنة، فبالطريق المذكورة في مسألة الحدوث، وأما بيان أن الممكن لا بد له من مؤثر فبالطريق المذكورة هنا) .
تعليق ابن تيمية
قلت: وهذه الطريقة هي طريقةابن سينا وأمثاله من المتفلسفة.
стр. 875
وليست طريقة أرسطو والقدماء من الفلاسفة.
وابن سينا كان يعجب بهذه الطريقة ويقول: إنه أثبت واجب الوجود من نفس الوجود، من غير احتياج إلى الاستدلال بالحركة، كما فعل أسلافه الفلاسفة.
ولا ريب أن طريقته تثبت وجوداً واجباً، لكن لم تثبت أنه مغاير للأفلاك إلا ببيان إمكان الأجسام، كما ذكره الرازي عنهم.
وإمكان الأجسام هو مبني على توحيدهم المبني على نفي صفات الله تعالى، كما تقدم التنبيه عليه.
وهو من أفسد الكلام، كما قد بين ذلك في غير موضع.
ومن طريقهم دخل القائلون بوحدة الوجود وغيرهم من أهل الإلحاد القائلين بالحلول والإتحاد، كصاحب الفصوص وأمثاله الذين حقيقة قولهم: تعطيل الصانع بالكلية، والقول بقول الدهرية الطبيعية دون الإلهية.
الثالث
قال: (المسلك الثالث: الاستدلال بإمكان الصفات على وجود الصانع، سواء كانت الأجسام واجبة وقديمة، أو ممكنة وحادثة) .
قال: (وتقريره أن يقال: اختصاص كل جسم بما له من
стр. 876
الصفات: إما أن يكون لجسميته، أو لما يكون حالاً في الجسمية، أو لما يكون محلاً لها، أو لما لا يكون حالاً فيها ولا محلاً لها.
وهذا القسم الأخير: إما أن يكون جسماً أو جسمانياً، أولا جسماً ولا جسمانياً وتبطل كل هذه الأقسام سوى القسم الأخير بما مر تقريره في إثبات المسلك الأول في مسألة حدوث العالم) .
تعليق ابن تيمية
قلت: وهذا هو القول بتماثل الأجسام وأن تخصيص بعضها بالصفات دون بعض يفتقر إلى مخصص، والقول بتماثل الأجسام في غاية الفساد، والرازي نفسه قد بين بطلان ذلك في غير موضع.
وهذا الذي أحال عليه ليس فيه إلا أن الجسم لا يكون اختصاصه بالحيز واجباً، بل جائزاً وبتقدير ثبوت هذا في التحيز لا يلزم مثله في سائر الصفات.
وما ذكره من الدليل لا يصح، وذلك أنه قال: (اختصاصه بذلك إن كان واجباً) : فإما أن يكون الوجوب لنفس
стр. 877
الجسمية، أولأمر للجسمية، أو لأمر الجسمية عرضت له، أو لأمر غير عارض لها، ولا معروض لها.
والأول يوجب اشتراك الأجسام في تلك الصفة، وإن كان لعارض: فإما أن يكون ممتنع الزوال، وهو اللازم، أو ممكن الزوال، وهو العارض، فإن العرض في اصطلاحهم أعم من العرض، فإن كان ممتنع الزوال: فإن كان الامتناع لنفس الجسمية عاد الإشكال الأول، وإن كان لغيرها أفضى للتسلسل، وإن كان لمعروض الجسمية لم يصح، لأن المعقول من الجسمية الذهاب في الجهات، فلو كان في محل لكن ذلك المحل يجب أن يكون ذاهباً في الجهات، فيكون محل الجسمية جسماً، لأنه إن لم يكن ذاهباً في الجهات لم
стр. 878
يكن له اختصاص بالحيز، فلا يعقل حصول الجسم المختص بالحيز في محل غير مختص بالحيز، وإذا كان محله ذاهباً في الجهات كان جسماً، وحينئذ فالقول في اختصاصه بذلك الحال فيه كالقول في الحيز لا يجوز أن يكون للجسمية أو لوازمها، بل لأمر عارض ممكن الزوال، فيكون ذلك الحيز ممكن الزوال، وهو المقصود) .
قلت: ولقائل أن يقول: هذا الدليل مبني على تماثل الأجسام، وأكثر العقلاء على خلافه، وقد قرر الرازي في موضع آخر أنها مختلفة لا متماثلة.
وهو مبني أيضاً على الكلام في الصورة والمادة، ونحو ذلك مما ليس هذا موضع بسط الكلام فيه، لكن يبين فساده ببيان موضع المنع في مقدماته.
قوله: (إن كان الامتناع لغير الجسمية أفضى إلى التسلسل) ممنوع، فإن الأجسام إذا كانت مشتركة في مسمى الجسمية، وقد اختص بعضها بصفات أخرى، لم يجب في ذلك التسلسل، كما في سائر الأمور التي تشترك في شيء وتفترق في شيء، فالمقادير والحيوانات إذا اشتركت في مسمى القدر والحيوانية، واختص بعضها عن بعض بشيء آخر لازم له، لم يلزم التسلسل، سواء قيل بتماثل الأجسام أو اختلافها، فإنه إن قيل باختلافها كانت ذات كل واحد موصوفة بصفات لازمة لها لا توجد في الآخر، كسائر الحقائق المختلفة، وإن قيل بتماثلها كتماثل أفراد النوع، فالموجب لوجود كل فرد من تلك
стр. 879
الأفراد هو الموجب لصفاته اللازمة له، لا تفتقر صفاته اللازمة له إلى موجب غير الموجب لذاته، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع، وبين فيه فساد ما يقوله المنطقيون: من أن اختلاف أفراد النوع إنما هو بسبب المادة القابلة، ونحو ذلك، فإنهم بنوه على أن للحقيقة الموجودة في الخارج سبباً غير سبب وجودها، وهذا غلط لا يستريب فيه من فهمه، مع أنه لاحاجة بنا هنا إلى هذا، بل نقول: مجرد اشتراك الاثنين في كون كل منهما جسماً أو متحيزاً أو موصوفاً أو مقدراً أو غير ذلك، لا يمنع اختصاص أحدهما بصفات لازمة له، وليس إذا احتاج اختصاصه بالحيز إلى سبب غير الجسمية المشتركة يلزم أن يكون ذلك المخصص له مخصص آخر، بل المشاهد خلاف ذلك، فإن اختصاص الأجسام المشهودة بأحيازها ليس للجسمية المشتركة، بل لأمر يخصها، هو من لوازمها، بمعنى أن المقتضي لذاتها هو المقتضى لذلك اللازم.
وأيضاً، فقوله: (إن كان الامتناع لمعروض الجسمية فهو محال) ممنوع.
وقوله: (لأن المعقول من الجسمية الامتداد في الجهات فمحله لا بد أن يكون له ذهاب في الجهات) .
يقال له: محل الامتداد في الجهات هو الممتد في الجهات، كما أن محل التحيز هو المتحيز، ومحل الطول والعرض والعمق هو الطويل
стр. 880
العريض العميق، ومحل المقدار هو المقدر، وكذلك محل السواد والبياض هو الأسود والأبيض.
وهذا في كل ما يوصف بصفة، فمحل الصفة هو الموصوف، وهكذا جميع مسميات المصادر وغيرها من الأعراض محلها الأعيان القائمة بنفسها، فإذا كانت الجسمية هي الامتداد في الجهات التي هي الطول والعرض والعمق مثلاً، كان محلها هو الشيء الممتد في الجهات الذي هو الطويل العريض العميق وحينئذ فمحلها له اختصاص بالحيز، ويكون ذلك المعروض للجسمية الذي هو محل لها الممتد في الجهات هو المقتضي لاختصاصه بما اختص به من الصفات اللازمة، وهو مستلزم لذلك، كما هو مستلزم للامتداد في الجهات، فجنس الجسم مستلزم لجنس الامتداد، وجنس الأعراض والصفات، فالجسم المعين هو مستلزم للامتداد المعين في الجهات المعينة، ومستلزم للصفات المعينة التي يقال: إنها لازمة له، حتى إنه متى قدر عدم تلك اللوازم فقد تبطل حقيقته، فالموجب لها هو الموجب لحقيقته، وهذا مطرد في كل ما يقدر من المواصفات المستلزمة لصفاتها، كالحيوانية والناطقية للإنسان، وكذلك الإغتذاء والنمو للحيوان والنبات مثلاً، فإن كون النبات نامياً متغذياً هو صفة لازمة له، لعموم كونه جسماً، ولا لسبب غير حقيقته التي يختص بها، بل حقيقته مستلزمة
следующие страницы →