(وأما سورة فاطر) فإنَّ تسْتَهِلُّها بقوله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (فاطر:١) دالٌ دَِلالة بيّنة على نعمة الإبقاء الثاني يوم القيامة فقوله (يزيد في الخلق ما يشاء) يتجلى ظهوره لنا أعظم ما يتجلى في الجنة؛ "لأنَّه لا شىء يعدل ما فى الجنة من تجدد الخلق، فإنَّه لا يأكل منها شىء إلا عاد كما كان فى الحال، ولا يراد شىء إلا وجد فى أسرع وقت، فهى دار الإبداع والاختراع بالحقيقة، وكذا النار ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) (النساء: من الآية٥٦) ." (١) فكانت جديرة باسم (فاطر) الدّال على كمال تحققه في الدّار الآخرة دار البقاء الثاني.
ومن أعظم ما يتجلى فيه معنى قوله : ﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) ﴾ هو الدار الآخرة: دار البقاء الأخير
وقد توالت فى السورة الآيات الدَّالة على ذلك الإبقاء الثانى:
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (فاطر:٧)
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ (فاطر:١٠)
بهذا تبين لنا كيف أنَّ كلَّ سورة منها قد اختصت بغيرما اختصت به الأخرى من مقتضِيات الحَمْدِ، وكيف أنّها رتبت ترتيبا مُحْكَمًا، فكانت (أمُّ الكتاب) جامعة للمحامد وكانت الأنعام للإيجاد الأول الذى يسبق الإبقاء الأوَّل الذى كانت له (الكهف) وكان الإيجاد الثانى بسورة (سبأ) وكانت آخر السور الخمس (فاطر) للنعمة العظمى والأخيرة (الإبقاء الثانى) . (١)
وبهذا يتبين لك عظيم دلالة الاستهلال على المقاصد المتصاعدة في السياق القرآنيّ، فلا يكون بِمَلْكِ أحد من العالمين أن يقدم سورة على أخرى ﴿قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ (النساء: من الآية٧٨)
(بيان الفصل بين هذه السور)
قد يكون الالتفات إلى دلالة استهلال هذه السور بالحمد ميسّرًا، فينبعث القلب إلى التبصّر والتّدبّر، غير أن من اللطافةِ بمكانٍ فَصْلَ السياق الترتيلى بين سورة (الفاتحة) وسورة (الأنعام) بأربع سور: (البقرة،وآل عمران، والنساء، والمائدة) وهي جميعها مدنية بين مكيتين
стр. 75
وفصل بين سورة (الأنعام) وسورة (الكهف) بإحدى عشرة سورة: الأعراف، والأنفال، والتوبة، ويونس، وهود، ويوسف، والرعد، وإبراهيم، والحجر، والنحل، والإسراء، وهي مكيّة خلا الأنفال والتوبة
وفصل بين سورة (الكهف) وسورة (سبأ) بخمس عشرة سورة مكية خلا: سورة: الحج، والنور، والأحزاب فإنها مدنية.
ولم يفصل بين سورتي (سبأ) و (فاطر) وهما معًا مكيَّتان.
حكمة الفصل وتركه من اللطافة، فيفتقِرُ المرءُ معها إلى مزيد من الاستبصار والتّدبر، وما قد ينتجه التَّدبر هو أقرب إلى لطائف الإشارات منه إلى جليّ الدَِّلالات مما يجعل مجال التغاير في فقهه مُتَّسِعًا:
فصل بين سورة الفاتحة وسورة الأنعام بأربع سور (البقرة – آل عمران –النساء-المائدة) وقد كثر فى هذه السور الحديث عن تهيئة الإنسان، ولذلك جاء الحديث عن قصة سيدنا آدم ﵇ قبل الإنزال إلى الأرض والحديث عن تعليمه الأسماء كلها والإيمان بالغيب الذي أعلاه الإيمان بالله والإيمان بالبعث، وتعليم التوحيد الذى أشارت إليه سورة (آل عمران) الذي هو سبب الاصطفاء، وتعليم الاجتماع على أهل الدين (حواء) الذى أشارت آية سورة (النساء) وتعليم الوفاء بالعهد (العهد بترك ألأكل من الشجرة) ذلك الوفاء الذي نصت عليه سورة (المائدة) . كل ذلك كان تعليمه للإنسان الأول في الجنّة قبل الإيجاد على الأرض.
стр. 76
ثُمَّ جاءت سورة الإنعام (الإيجاد الأول) وفصل بينهما وبين سورة (الكهف) بإحدى عشرة سورة، وقد ذكر فى هذا الفاصل الإنذار والتذكير بقصص السالفين فى (الأعراف) وما بعدها،وهذا يمهِّدُ للبقاء الأول، فإنَّ الإنذار والتذكير بسنن الله في خلقه الطائعين والعاصين مرشدٌ إلى الصراط المستفيم المطلوب الاهتداء إليه في سورة (أمِّ الكتاب) ،وكاشِفٌ عن صراط المغضوب عليهم،وصراط الضَّالين ليُتّقى، وكاشفٌ عن صراط الذين أنعم الله عليهم ليُقتَدَى، حتى ختمت بسورة (النحل) سورة النعم والآلاء العامة المفاضة من اسمه (الرحمن) وسورة (الإسراء) سورة النعمة الخاصة على سيدنا محمد ﷺ المفاضة من اسمه (الرحيم) وقد ختمها بقوله : ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً) (الاسراء:١١١)
إشارة إلى أنَّه مما ينبغى أن يختم المرء وجوده بالحمد وبأعلى ما يكون من خصال الدين.
وفصل بين سورة (الكهف) سورة الإبقاء الأول وسورة (سبأ) سورة الإيجاد الثانى بخمسَ عشرةَ سورةً كان التأكيدُ فى هذه السور الفاصلة على أمرين:أهل وده وصفائه، ومهلة البرزخ، فقد أكثر من ذكر الموت وما بعده من البرزخ، ولم تذكر كلمة البرزخ بمعنى ما بين الموت والبعث إلا في سورة (المؤمنون) : ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (المؤمنون: من الآية١٠٠)
стр. 77
وقد تكرَّر الحديث عن الموت فى هذه السور الفاصلة على نحو ظاهر، وصدرت سور منها بالحديث عن الموت والبعث: سورة (الأنبياء، والحج) وجاءت سورة (سبأ) تتلوها سورة (فاطر) دون فاصل، لأنَّه ليس بين (الإيجاد الثاني: سبأ) والإبقاء الثانى: (فاطر) مهلة، فلم يقتضِ المقامُ الفصلَ بينهما. (١)
وهذه الإشارة الإجمالية لمقضيات الفصل وعدمه بين السور المفتتحة بالحمد تفتقر إلى مزيد من التفصيل في بحث مستقل مبسوط؛ لتبين لنا مقدار صحة هذا التصور في حركة التّدبّر، فإذا ما تجلَّت معالم ذلك زاد العِرفان التفصيليّ، وانتقلنا من طور المعرفة الإجمالية إلى طور المعرفة التفصيلية بأنَّ ترتيب السور على لاحب السياق القرآنى كُلِّه إنَّما هو فى غاية الإحكام والاتساق وأنَّ كلَّ سورة لها موقعها على مدرجة السياق القرآني لا يتأتى التقديم والتأخير، فيكون في هذا دفعًا لمقالة الذاهبين إلى أن ترتيب بعض السور اجتهاد، وليس توقيفًا،وهم يعتمدون في هذا على قرائن لا تثبت عند المناقشة والمناقدة (٢)
стр. 78
إنَّ استبصار موقع السورة في السياق الكلّي لترتيل القرآن الكريم معين على استكشاف حركة المعنى فيها مبدأ ومنتهى واستكشاف علاقة المعانى الكلية والمعانى الجزئية فيها بما سبقها وبما سيتلوها تأسيسا وتأكيدا وإجمالا وتفصيلا ... الخ.
ومثل هذا وان كان مستصعبا أو مظنونا أنَّه عقيم غير مُجْدٍ كما يتسارع إلى قذفِه بعض الأساتذة في وجوه طلاب العلم (١)
стр. 79
، فإنَّ من يقترب من شاطئ قاموسه المحيط الذي لا تتراءى شطآنه يدرك بل يوقن أنَّ فقه بناء المعانى وتصويرها فى القران الكريم يلزم صاحبه التّبَصُّرَ والتّدبّر فيما كان عليه حال بناء هذا المعنى وتصويره فى سورة سبقت على جادة السياق الترتيلى وفى سورة لاحقة لها فى ذلك السياق ومثله لا يَُرَى إلا بتحقيق فقه موقع السورة على مدرجة السياق القرآنيّ تلك المدرجة التى هي في حقيقتها مدارج ارتفاع الروح فى رياض المعنى القرآني كله تضارعها مدارج إرتقاء صاحب القرآن الكريم يوم القيامة فى مدارج الجنة حين يقال له " أقرأ وارتقِ ورتِّلْ كما كنت تُرَتِّلُ فى الدنيا، فإنَّ منزلتك عن آخر آية تقرأها) . (سنن أبي داود: الصلاة- أبواب الوتر)
وقد جاء فى (شعب الإيمان) للبيهقى من حديث أم المؤمنين "عائشة" رضى الله عنها وأرضاها مرفوعا (عدد درج الجنة عدد آى القرآن فمن دخل الجنة من أهل القرآن فليس فوقه درجة)
стр. 80
الفصل الثانى: فقه وحدة سياق السورة ومقصودها الأعظم
***
أشرت فيما سبق إلى أن القرآن الكريم نزلت آياته منجمة فى ثلاث وعشرين سنة وأن الوحى كان ينزل بالآية أو ما دونها أو ما فوقها وينزل بتحديد ما نزل به فى سورته، فكان المُنَزَّلُ وموضِعُه وحيا من الحق -ذلك موضع اتفاق بين أهل العلم وكتاب الله أضحى بديهة ومسلمة لا ينازع فيها. وإذا ما كان موضع النجم النازل محدًدا توقيفا، فهذا يعنى أنَّ علاقته بما قبله وما بعده لا تتأثر بتقدمه أو تأخُّره عنه فى النزول، فتنجيمه لا يقتضى قطع علائق آيات السورة الواحدة ذلك أنَّ القرآن الكريم فى تنزله الأول إلى اللوح المحفوظ وتنزله الثانى إلى بيت العزة إنّما كان فى صورته الكاملة وكان فى عرضته الأخيرة على رسول الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إلا آيات قليلة جدًا نزلت ما بين رمضان وربيع الأول وكان فى صدر رسول الله ﷺ كمثله فى اللوح المحفوظ وبيت العِزَّة، وكذلك كان عند رحيل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى عند كثير من الصحابة المحافظين آياته وسوره (١)
وإذا ما كان تقسيم القرآن الكريم وتفصيله إلى سور عدتها أربع وعشرون ومائة سورة توقيفا من قبل الحق ﷻ فإنَّ من فوائد هذا التفصيل كما يقول جار الله الزمخشرى «إنّ التفصيل سبب تلاحق الأشكال والنظائر وملائمة بعضها لبعض وبذلك تتلاخط المعاني ويتجاوب النظم» . (٢)
стр. 81
فى قوله تتلاحظ المعانى ويتجاوب النظم من الدلالة على أن آيات كلّ سورة إنَّما يكون بينهما من التناسب والتجاوب والتآخى والتناغى ما يحقِّقُ لكُلِّ سورة وحدة بيانيّة معجزة مُدْهِشةً. بل إنَّ تسمية كلِّ قسم من هذه الأقسام باسم (سورة) - وهى تسمية توقيفية - أيضًا - تدلُّ على أنَّ كلَّ قسمٍ سُمِّيَ باسم " سورة" إنَّما يجمع آياته غرضه الرئيسيّ وتربطها علائقُ جوانِيَّةٌ وثيقةُ، فإنّّ كلمة (سورة) يمكن أن تقول هي مأخوذة مما يدل على معنى المنزلة أو الرتبة أو الإحاطة أو البقية على نحو ما ذكره أهل العلم فى اشتقاقها اللغوى. (١)
يقول أبو الحسن الحَرالّيّ (ت:٦٣٧) : «السورة تمام جملة من المسموع محيط بمعنى قام بمنزلة إحاطة السور بالمدينة» (٢)
ومعنى ذلك أنَّه كما أنَّ سور المدنية يحيط بجمع من البيوت فى بلد إحاطة جامعة يكون لكلِّ ما فى داخله ما يَنْسِقُه ويربطه مع غيره، ويكون كُلّ ما فيها تحت سلطانٍ بيده تصريف أمر ما فى المدينة كذلك الآيات والجمل والكلمات التى هى أجزاء السورة وعناصرها يحيط بها سور عام، ويكون لكُلٍّ ما ينسِقُه ويتواخى بينه وبين ما اجتمع فيها ويكونُ كُلُّ ما فيها تحت سلطانٍ واحدٍ ميهيمن عليه.
وإذا كانت السورة بمعنى المنزلة والمرتبة، فذلك دلالة على أنَّ ما جمعته من آيات فى محيطها المحكم يمثل منزلة ومرتبة من مراتب المعنى القرآنيّ المتصاعد، فإنَّ كل سورة من سور القرآن الكريم مترتبة على التى قبلها، فهى منزلةٌ من منازله المتصاعدة.
стр. 82
وإذا كانت السورة من"السُّؤْرِ"الَّذِي هو بقية مِمَّا يُشْرَبُ، ثُمَّ خُفِّفَتْ همزتُه، فإنَّ فى ذلك دَِلالةً على تجانس آياتها من جهة وتجانسها مع سائر السور الأخرى؛ لأنَّ سؤرَ الشَّرابِ يجانس سائره.
ولعلَّ معنى الجمع الذى هو الرئيس فى اسمه (القرآن) واسمه (الكتاب) يؤازر دَِلالة التَّناسق والتَّناسب والتَّآخي والتَّناغي بين آيات وكلمات السُّورة من وجه وسوره جميعا فيما بينها من وجهٍ آخر؛ لأنَّ العزيز الحكيم العليم لا يجمع بين ما تناقر فى ظاهره وباطنه، وهو الذى ألَّف بين أرواح خلقه فيما هدى إليه سيدنا محمد ﷺ .
«عَنْ عَائِشَةَ رضى الله عنها قَالَتْ سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ: «الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ» . (حديث: ٣٣٣٦ – بخاري: أحاديث الأنبياء والنّص له،ومسلم: البر – حديث: ٦٨٦٧)
كذلك آيات القرآن الكريم، وسوره جنود مجندة، فعالم الإنسان من خلقه وعالم القرآن من أمره ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأعراف: من الآية٥٤)
وكل ما يُخيل أنَّ له أثرا فى ضعف فحول الأدباء اتقانَ وجوه التناسق والتناسب والتآخى والتناغى بين أجزاء بيانهم الإبداعى لا يتطرق إلى عقل أن يتخيله إذا ما كان الأمرُ تناسقَ وتناسبَ وتآخي وتناغي جمل وآيات السورة القرآنية وسور القرآن الكريم كلِّه؛ ذلك أنَّ الذى قاله وأنزله إنَّما هو الله رب العالمين العزيز الحكيم العليم الحميد.
يقول الحق ﷻ فى شأن القرآن الكريم:
﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الشعراء: ١٩٢)
﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ (يّس:٥)
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (الزمر:١)
стр. 83
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (غافر:٢)
﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (فصلت:٢)
﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت:٤٢)
فكلُّ هذه الآيات دالةٌ على أنَّ القرآنَ الكريم لم تجمع آياته فى سوره بين دفتيه جمعًا غير حكيم، فإبراز وصف العِزَّة والحِكمَة والعِلم والرحمة وربوبيته العالمين وإبراز أنَّه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وإبراز الحديث عن مظاهر من عالم الخلق لا يخْفى اتساقها وتناسبها وتأخيها وتناغيها فى مرأى العين،وإبراز أنَّه ليس بقول شاعر ولا قول كاهن، كُلُّ ذلك آياتٌ بيناتٌ على أنَّ القرآن الكريم فى جمل آياته وآيات سوره وفى جميع سوره متناسب متناغم متآخٍ محكم.
ولو أنَّ الإنس والجن والخلق أجمعين تظاهروا على أن يلمحوا مجرد لمح أىَّ فرق بين تناسق وتناسب وتآخي وتناغي آيات سورةٍ أنزلت منجمة فى عِدَّةِ أعوام كسورة " البقرة " وسورة أنزلت جملة واحدة كسورة " الأنعام " – على ما يذهب إليه بعض أهل العلم - أو أن يلمحوا الفرق بين آيات النصف الأول والنصف الثانى فى سور نزل نصفها الأول جملة،ثُمَّ نزل نصفها الآخر جملة، كمثل سورة (العلق) ، ولو أنّهم أجمعين تظاهروا على أن ينسقوا آيات سورة من القرآن الكريم على نحو آخر غير الذى هى عليه منذ أن لحق رسول الله - ﷺ بالرفيق الأعلى إلى يومنا هذا والى أن تقوم الساعة أو أن يضيفوا إليه آية أو يحذفوا منه آية لتجَلّى للعالمين شَنَارُ صنيعهم ولأدرك كل من له علم بالإسلام والعربية أن ما فعلوا ظاهر العوار، بيّنَ الفَضِيحَةِ.
فهم ليسوا بالعاجزين عن الإتيان بسورة من مثله فحسب بل هم العاجزون عن أن يعيدوا نسق آيات سورة من سوره على نحو آخر يحفظ لها بلاغتها وإعجازها في هديها.
стр. 84
وإذا ما كان بعضُ أهل العلم قد استطاع أن يدُسَّ فى بعض قصائد الجاهلين أبياتا أو استطاع أن ينتحل على بعض الشعراء قصائد تامة مما هو معروف فى مظانّه، فإنَّ أهل العلم بالشعر قد مازُوا النَّسيب من الزَّنيم، ولم يخف عليهم ما انتحل. (١)
هذا فى الكلمة الشاعرة التى يأتيها الباطل بين يديها ومن خلفها، فكيف بالكلمة المعجزة كلمة العزيز الحكيم العليم الحميد؟ !!!
والذى لا ريب فيه أن سور القرآن الكريم ولاسيما السبع الطُّول والمئيين إنّما هى ذات معانٍ كليّة ومعانٍ جزئية تمثل الجملة والآية المعنى الجزئى الذى هو عنصر من عناصر تكوين المعنى الكُلّيّ الذى يشكِّلُ معقِدًا من فصول ومعاقد السورة.
والسورة القرآنية فى تشكيل جملِها وآياتها معاقد بمعانيها الكليّة التى يتولى كُلُّ معقد منها تبيان قضية من قضايا الوحى تستوجب أن يكون على بال من المستمع والمتفهم الالتفات إلى أول الكلام وآخره بحسب القضية وما اقتضاه الحال فيها، لا ينظر فى أولها دون آخرها، ولا فى آخرها دون أولها، فإنَّ القضية وأن اشتملت على جمل، فبعضها متعلِّق بالبعض؛ لأنَّها قضية واحدة نازلة فى شئ واحد، فلا محيص للمتفهِّم عن رَدِّ آخر الكلام على أوَّله وأوَّله على آخره " (٢)
стр. 85
ولابد له من بعد ذلك من الالتفات إلى أول الكلام وآخره بحسب السورة برُمَّتها، فتعدد قضايا السورة الواحدة وتعدد معانيها الكلية نازل على سلطان الغرض الأعظم من كلّ سورة، فليست منزلة القضية الواحدة ذات المعانى الجزئية من السورة إلا كمنزلة الجملة والآية من القضية الواحدة، فكما أنَّه لا يستقيم إلا رَدُّ أوَّل الكلام على آخره فى كل قضية ومعقد من معاقد المعاني الكلية، كذلك لا يستقيم إلاَّ رَدُّ أوّل الكلام على آخره فى كل سورة من سور القرآن الكريم.
"وإذ ذاك يحصل مقصود الشارع فى فهم المكلف، فإن فَرَّقَ النظر فى أجزائه لا يتوصل إلى مراده، فلا يصح الاقتصار على بعض أجزاء الكلام إلا فى موطن واحد وهو النظر فى فهم الظاهر بحسب اللسانِ العربِيِّ وما يقتضِيه لا بحسب مقصود المتكلم، فإذا صَحَّ له الظاهر على العربية رجع إلى نفس الكلام، فَعَمَّا قريب يبدو له منه المعنى المراد، فعليه بالتعبُّد به (١)
فَوَجب على من أراد أن يعرفَ ما يريد منه الحق بكلامه وما يُحبُّ، ويرضى من قليل الخير وكثيره ودقيقه وجليله، وما يبغض ربنا ويكره من شىءٍ: التَّقوُّل والفعل والاعتقاد أن ينظرَ فى الخطة التى بها يستكشف المراد، ويوقف على المقصود، وهى خطة من أساسها ملاحظة أول الكلام وآخره
والشّاطيِيُّ يفرق بين غاية الفقيه، وما يلزمها من مجال حركة التّدبر، وغاية البيانِيِّ، وما يلزمها من مجال حركة التّدبّر:
غاية الفقيه تحصيل المعنى الشرعي المتمثل في الحلال ودرجاته، والحرام ودرجاته، وهذه الغاية تتحقق بحركة تدَبُّريّةٍ مجالها قد يكون آية أو آيتين أو عدة آيات.
стр. 86
وغاية البيانيِّ المعنى القرآنيُّ في كماله وامتداده، والذي بِه تتحقق الدلالة على أنَّ القرآن الكريم آية النبوة المحمدية، وهذا لا يتحقق إلا بامتداد النظر في سياق السورة والسُّوَرِ، ذلك أنَّ الوقوفَ على أوجه الإعجاز القرآنيّ وما تزخر به كلّ سورة من الرقائق والدقائق واللطائف لا يَتِمُّ إلاَّ بالنَّظرِ فى أوَّل السورة وآخرها و" إلا بعد استيفاء جميعها بالنظر، فالاقتصارعلى بعضها فيه غير مفيد غاية المقصود، كما أن الاقتصار على بعض الآية فى استفادة حكم ما لا يفيد إلا بعد كمال النظر فى جميعها. (١)
وإذا ما كان النظرفى الآية كلها أوفى جملة من الآيات يمكن اكتساب الوقوف على المعنى الجُمهوريّ فيها، فإنَّ ما فى هذه الآية أو الجملة من الآيات من المعانى الإحسانية التى هى مطمحُ أهل التُّقَى والإحسان لا يمكن استبصار شىء منه إلا بالتدبر للوجود الجمعيّ (النصِّيِّ) للسورة كلها.
ولذلك أمر الرسول ﷺ فيما رواه عبد الرزاق ﵁ فى "المُصَنّف " سيدنا " بلالا " ﵁ حين سمعه يخلط فيقرأ من هذه السورة آيات ومن تلك السورة آيات، فقال له: اقرأ كلَّ سورة على نحوها (المصنف: كتاب الصلاة – قراءة الليل) وفى رواية أخرى إذا قرأت السورة فأنفذها) (٢)
стр. 87
وما ذاك إلاَّ لأنَّ لِكُلِّ سورةٍ طابِعَها الروحيَّ الذى فيه تعبق المعاني الإحسانية بأرَجِها، والمسلم الناصح نفسه لا يَقْصُرُها على المعانى الجمهوريَّة من القرآن الكريم التى بها يكون جَذْرُ الإيمان بالقلب، وإنَّما شأن المسلم النَّاصح أن يغذُو قلبه نميرَ المعانى الإحسانية، ولذلك كان الأمر بالتَّدبر في آيات القرآن الكريم، فذلك هو السبيل إلى استبصار المعانى الإحسانية وإدراك ما بين المعاني الجزئية فى الآية أو الجملة من الآيات أيسر من إدراك ما بين المعانِي الكليَّة فى السورة، وما المعانى الجزئية فى تلاحمها إلاَّ كمثل أجزاء العضو الواحد من الإنسان بينما المعاني الكلية فى السورة كلِّها تلتحم فيها " كما تلتحم الأعضاء فى جسم الإنسان، فبين كلِّ قطعة وجارتها رباطٌ موضِعِىٌّ من أنفسهما، كما يلتقى العظمان عند المفصل، ومن فوقها تمتد شبكة من الوشائج تحيط بهما عن كثب، كما يشتبك العضوان بالشرايين والعروق والأعصاب من وراء ذلك كلّه يسرِي فى جملة السورة فى اتجاه معين، وتؤدى بمجموعها غرضًا خاصًا، كما يأخذ الجسم قواما واحدًا، ويتعاون بجملته على أداء غرض واحد مع اختلاف وظائفه العضوية. (١)
وبناء السورة القرآنِيَّة من معان كلّيّة بُنِيَت من معانٍ جزئيَّة يكون على أنحاءٍ ومناهج عديدة.
стр. 88
ومجمل الأمر فى هذا " أنَّ كلَّ سورة لها مقصدٌ واحدٌ يُدار عليه أوَّلُها وآخرُها، ويستدلُّ عليه فيها، فترتَّب المقدِّمات الدَّالة عليه على أتقن وجه وأبدع نهج، واذا كان فيها شئٌ يحتاج إلى دليلٍ استدلّ عليه، وهكذا فى دليل الدليل، وهلمَّ جرّا، فإذا وصل الأمرُ إلى غايتِه ختِمَ بما منْه ابتدأ، ثم انعطف الكلامُ وعاد النظر عليه على نهج آخر بديع، ومَرَّ فى غير الأوَّل منيع، فتكونُ السورة كالشجرة النَّضيرة العالية والدَّوحة البهيجة الأنيقة الحَالِية المُزَيَّنة بأنواع الزِّينة المنظومة بعد أنيق الورق بأفنان الدُّر وأفنانها منعطفة إلى تلك المقاطع كالدوائر، وكلُّ دائرة منها لها شعبة متصلة بما قبلها، وشعبة ملتحمة بما بعدها، وآخر السُّورة قد واصل أولها، كما لاحم انتهاؤها ما بعدها وعانق ابتداؤها ما قبلها، فصارت كلُّ سورة دائرة كبرى مشتملة على دوائر الآيات الغُرِّ البديعة النظم العجيبة الضَّمِّ بِلِينِ تعاطف أفنائها، وحسن تواصُلِ ثمارِها وأفنانِها. (١)
فمن مقتضَيات هذا أنَّ " مَنْ حقَّقَ المقصودَ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ عرف تناسبَ آياتها وقصصها وجميع أجزائها. (٢)
فالسُّورةُ فى تناسب جُملها وآياتِها ونجومِها ومَعاقِدِها تُشبه الشَّجرةَ ذات الأوراق والأغصان، والتى يسرى فيها كلِّها عصارة واحدة، فلا تختلف طعومها ولا رائحتها، فجميع ثمارها سواء، وجميع أغصائها وأوراقها سواء، هذه العصارة فى الشجرة هى المقصود والمغزى فى السورة وهى المبدأ المُهيمن على كل شئ فيها (٣)
стр. 89
وفى تشبيه السورة بالدائرة وجهٌ آخرُ من وجوه تناسب آياتها ومعاقد معانيها، فكلُّ آيةٍ فى السُّورة دائرة صُغرى ينعطفُ آخرها على آولها وهذه الآيات (الدوائر الصُّغرَى) تتلائم فى محيط دائرة كبرى (السورة) حيث ينعطف آخرُها على آولها، ويلتحم مقطعها بمطلعها، ويرتدُّ عجزها على صدرها، فكلُّ سورةٍ دائرةٌ كبرَى مشتملةٌ على دوائر الأيات،وكلُّ دائرةٍ منها لها شعبة متصلة بما قبلها.
وليس بين تشبيه السُّورة بالشَّجرة وتشبيهها بالدَّائرة الكُبرى المحيطة بدوائر صغرى إلا التكامل:
التشبيه بالشجرة إنَّما هو فى مجال العلاقة الكليَّة بين عناصر السورة ويكشف عن الروح الموحد، كالشجرة فى سريان عصارة واحدة هى المقصود فى السورة.
والتشبيه بالدائرة إنَّما يوضح علاقة آخر الآية بصدرها، ثُمَّ علاقة الآية بالأخرى، فهو ربط الآيات ببعضها المُسَمَّى بالرَّبْط الجُزْئى الذى هو أيسرُ من الربط الكُلى وهذا الرَّبْطُ الجُزئى (الدائرى) لا يكشف المبدأ المهيمن والرُّوحَ السَّارِي والعصارةَ الخضراءَ،وهو ما يسميه العلماء المقصود الأعظم لكلَّ آيات السُّورة، والذى يدار عليه أولها وآخرها، ومن حقَّقه عرف تناسب آيات السورة وقصصها وجميع أجزائها، وبه ينكشف غامض المعنى وتتبين أسرار القصص المكررات
وأنَّ كلَّ سورة أعيدت فيها قصة، فلمعنى ادعي فى تلك السُّورة استدلّ عليه بتلك القصة غير المعنى الذى سيقت له فى السورة السابقة، ومن هذا اختلفت الألفاظ بحسب تلك الأغراض وتغيرت النظوم بالتأخير والتقديم والإيجاز والتطويل مع أنَّها لا يخالف شئ من ذلك أصل المعنى الذى تكونت به القصة. (١)
стр. 90
فالمقصد الكُلىّ والمغزى هو الروح المهيمن على جميع عناصر السورة بدأ من الكلمة فى أصغر صورها وانتهاء إلى المعقد ذى الآيات العِدَّة فى أكبر صوره، فإذا العناصرُ كلُّها المكونة للسورة متحدةٌ اتحادَ أعضاء الجسدِ الواحد وأجزاء الشَّجرة الواحدة، يتغلغل فى كلِّ عنصرٍ منها القصدُ الرئيسيُّ، فيطبع صورته ومعناه وموقعه وعلاقاته بالطابع التى يطبع به كل ما اتحد معه فى تكوين السورة، فإذا كُلُّ كلمة أو جملة أو آيةٍ أَوْ نَجْمٍ من نُجومِ السورة يعكس لنا حقيقة واحدة كليَّة هى المغزى الرئيسيّ المهيمن، وهذا ما ترى به كلَّ عنصرٍ معتمدا فى أداء رسالته الكليِّة على بقية العناصر كلها ومتعاونا معها تعاونا لا تغفل عنه البصيرة مما يجعل كلَّ عنصرٍ من هذه العناصر خارج السياق الجمعيّ للسورة غيره وهو فى ثَبَجِ هذا السياق الجمعيّ وعلى لاحِبِه، فيكون لهذا العنصر مفردًا عن منظومته السياقية روحٌ غير تلك التى كانت له وهو فى تلك المنظومة السياقية، والتى سماها " مصطفى الرافعى" (روح التركيب) والتى «لم تعرف قَطُّ فى كلام عربيّ غير القرآن، وبها انفرد نظمه، وخرج مما يطيقه النَّاسُ، ولولاها لم يكن بحيث هو كأنَّما وُضِعَ جملة واحدة ليس بين أجزائها تفاوت أو تباين إذ تراه ينظر فى التركيب إلى نظم الكلمة وتاليفِها، ثُمَّ إلى تاليف هذا النظم: فمِنْ هاهنا تعلَّق بعضُه ببعضٍ، وخرج فى معنى تلك الروح صفة واحدة هى صفة إعجازه فى جملة التركيب.
وإن كان فيما وراء ذلك متعدِّدَ الوجوه التى يُتصرَّف فيها من أغراض الكلام ومناحى العبارات على جملة ما حصل به من جهات الخطاب، كالقصص والمواعظ والحكم والتعليم وضرب الأمثال إلى نحوها مما تدور عليه» . (١)
стр. 91
وبهذا الروح يتحقق التمازج بين السياقين الكلِّيَّين للقرآن الكريم: السياق التشريعيّ والسياق التثقيفى. ترى آيات التشريع العقدي والسلوكي ممزوجة بآيات التثقيف والتربية النفسية للامة لتقبل على التشريع إقبالَ رغبةٍ وشغفٍ وتلذُّذٍ في ما شَرَع الله لذة ومتعة واسترواحا، فتسهترت النفس المطمئنة فىذلك استهتار الفاجرة الأمَّارة بالسوء فى الموبقات والآثام، بل إنَّ هذه الروح لتمزج التشريع والتثقيف فى الآية الواحدة مزجًا لا تحس معه أىُّ نفسٍ مُرْهفة أىَّ شيءٍ مِنَ التَّبايُن والتّفاصُل على الرغم ممَّا قد يُظنُّ أنَّ البيانَ التَّشريعِيّ يقتضِي غيرما يقتضِيه البيان التثقيفى مفرداتٍ وتراكيبَ وتوقيعا صوتيا..الخ.
اقرأ ما شئت مما سمى بآيات الأحكام بقلبٍ سليمٍ وحِسٍّ لغويٍّ مرهفٍ وذائقة بيانيَّة نافذةٍ، وانظر ماذا ترى؟
ترى آيات التشريع العقديّ والسلوكيّ تمازج بها نَمِيرُ التثقيف والتربية النفسية والشحذ الروحيّ للقوى بحيث لا ترى نفسُ المسلم فيما جاء فيها من واجبات أثر المشقة والإثقال وتكبيل حرية الحركة السلوكية للمسلم فى الأرض، بل ترى فى ذلك إشراقة الهدى والإعانة والتنظيم والوقاية وجلال التشريف بالسوق الرؤوف على مدارج القرب الأقدس. ولهذا لا ترى تفاوتا بين بلاغة القرآن الكريم المعجزة فى وجه من وجوهها:
لا ترى تفاوتا بين أيَّ ضربٍ من ضروب آياته التشريعية أو التثقيفية، ولا بين أيّ سورة وسورة أخرى، فجميع جمله وآياته وسُوَرِه على درجة سواء فى بلاغتها المعجزة ذلك أنَّ الإعجاز البلاغيّ للجملة أو الآية أو السورةٍ ليس فى كثرة ما اشتملت عليه من خصائص التراكيب، وصنوف التصوير وضروب التَّحْبِير:
стр. 92
ليست الآية التى حوت عشرات من خصائص التركيب والتصوير بأشدّ إعجازا فى بلاغتها من الآية التى حوت ثلاثا من ذلك، وليست سورة "البقرة " بأشدَّ إعجازا من سورة " الكوثر " فإنَّ إعجازه البلاغيَّ ليس بكثرة ما حوى من خصائص التركيب وضروب التصوير والتَّحبير، ولكن بكيفية تركيب المعنى القرآنيّ بناءًا وتصويرًا وتحبيرًا فى السورة القرآنِيَّة جميعها، ثُمَّ في القرآن الكريم كله، ففي هذا يكتمل سلطان الروح التركبييّ المنبثق من المقصد والمغزى الكليّ الرئيسيّ لكلِّ سورة وبغير اكتمال هذا السُّلطان لا يكتمل لبلاغة القرآن ِ الكريمِ إعجازُه.
هذا المغزَى الكُلِّيُّ والمقصودُ الرئيسيُّ هو مفتاح خزائن كلِّ سورة من لطائف المعانى، ورقائقها، وحقائقها، لأنَّه المهيمن على كلِّ عنصر من عناصر البيان فى السورة (١)
стр. 93
فكان الاعتناءُ باستبصاره واستحضاره هو فى حقيقته سعيٌ الى امتلاك مفاتح خزائن المعنى القرانيّ فى السورة وهو من اللطافة والدّقة ما يُخيّل للنَّاظر العّجِل أنَّ لسورتين من القرآن الكريمِ تقارنتا أو تباعدتا مغزًى ومقصدًا واحدًا، وانَّ لخزائن معانيها مفتاحًا واحدًا اغتررًا بتقارب بعض الجمل والآيات والمعاقد فى السورتين، فلا يَكَادُ يُجْدِي حينَذاك استِفْتَاحُهُ خَزَائنَ المَعَانِي فِي السُّورتَينِ بمفتاحٍ واحدٍ فى استبصار شيءٍ من دقائقِ المعانيِ ورقائِقِها ولطائفِها فى السُّورتين التى بها يرتقى المرء فى مقامات القرب الأقدس.
- - -
- روافد استبصار المقصود الأعظم
استكشاف المغزى والمقصود الكليّ فى سورة يحتاج الى مصابرة ومدارسة فسيحة عميقة متكاثرة الروافد، أشير هنا إلى بعض هذه الروافد التى يمكن أن يُسْتَقَى منها فقهه واستبصاره.
- اسم السورة:
لكلِّ سُورةٍ من القران الكريم اسمٌ تعرف به بين أصحاب القرآن الكريم منذ عصر النبوة الماجد، وبعض السور لها أكثر من اسم منها ما هو توقيفِيّ جاء على لسان رسول الله ﷺ أو لسان بعض صحابته ﵃ ومنها ما هو اصطلاحى (١)
واسم كل سورة مترجم عن مقصودها؛ لأنَّ اسم كلِّ شئ تلحظ المناسبة بينه وبين مسماه، عنوانه الدَّال بالإجمال على تفصيل ما فيه (٢)
стр. 94
ولعله لذلك كان تعليم آدم الأسماء، ففى الاسم بيان العنوان الدَّال على ما في المُسَمَّى به. وسواء قولنا إنّ (الاسم) مشتق من السُّمُوِّ: الارتفاع كما ذهب اليه البصريون من أنَّه معتلُّ " اللام"، أو مشتقٌ من الوَسْمِ كما هو مذهب الكوفيين، فيكون معتلَّ " الفاء "،فإنَّ فى الارتفاع والسمو دَِلالةً على أنَّه أظهرَ مسماه ورفعه للعيان، فصار به مرفوعًا معلومًا، وفى الوَسْمِ دَِلالةٌ على أنَّه تميَّز بكشف ما فيه عن غيره، فإذا ما كان الاسم توقيفا كانت دَِلالته على مضمون مُسمَّاه، وما به امتاز عمَّا عداه جِدّ وثيقة.
ألا تَرَى أنَّ الله هو الذى سمَّى خاتم المرسلين ﷺ محمدًا (١) وهى تسمية دالة على حقيقته وكنهه. وجاء قول الله ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ (الفتح: من الآية٢٩) جامعا بين ما هو كاشف عن حقيقته: (محمد) وما هو كاشف عن وظيفته (رسول الله) وكذلك أسماءُ سور القرآن الكريم سُمِّيَتْ كُلُّ سُورةٍ باسم كاشفٍ عن مقصودها الأعظم، فهي لا تُسمَّى إلاَّ بما هو أهمُّ ما فيها فى علاقته بالروح المهيمن على جميع كَلِمِها وجُملها وآياتها ومعاقدها، وليس بما كثُرَ ذكرُهُ فيها،أو بسط القول فيه، أو اختصت بذكره دون غيرها أو غلب ذكرُه فيها، فكُلُّ هذا ممَّا جاء عن بعض أهل العلم إنَّما هو غير معتبر، ألا ترَى أنَّ رسولَ اللهِ – صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا - ذكر في أربع سور (آل عمران – الأحزاب – محمد – الفتح) ولم تُسمَّ به إلاَّ سُورة واحدة: (محمد) ، وكان مقتضى الظاهر أن تُسمَّى باسمه سورة (الأحزاب) أو سورة (الفتح) .
стр. 95
الناظر فى السورة التى سميت باسمه وفيما كان من شانه ﷺ منذ نشأ إلى أنْ لَحِقَ بالرَّفيق الأعلى من المجاهدة فى سبيل الله فاستوعب صور الجهادِ الحِسِّيِّ والمعنويِّ والقتاليِّ والتربويِّ والدَّعويِّ والدِّفاعيِّ والفَتحِيِّ والعمليِّ والعِلْمِيِّ وكذلك قارئ الآيات التسع من فاتحة السورة التى سميت باسمه والتى لم تستفتح سورة بمثل ما استفتحت به:
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحيمِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (٣) فَإِذا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)
стр. 96
يدرك عظيم الاعتلاقِ بين مضمونِ هذه السّورةِ، ومقصودها الأعظم واسم رسولِ اللهِ ﷺ نبيِّ الملحمة القائل فيما أخرجه البخارى ﵁ في كتاب الجهاد بسنده عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ : «جُعِلَ رِزْقِى تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِى، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِى» . (حديث: ٨٨) (باب: ما قيل في الرماح)
والقَائل فيما رواه البخاري ﵁ بسنده عن عبد الله بن أبي أوفَى ﵄ في كتاب الجهاد أيضًا: «وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلاَلِ السُّيُوفِ» (باب الجنة تحت بارقة السيوف) حديث: ٢٨١٨
ويدرك فى الوقت نفسه عظيم التناسب بين اسمها (محمد) واسمها (القتال) من جهة وبينها وبين مضمونها ومقصودها الأعظم.
وكذلك سورة (يونس) تراها سميت بذلك مع أنَّ قصة سيدنا (يونس) ﵇ جاءت فى سورة (الصافات) فى عشر آيات. وفى سورة (الانبياء) بينما لم يأت ذكره فى سورة (يونس) ﵇ إلاَّ فى آية واحدة.
﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ (يونس:٩٨)
وكانت هذه السورة أحقَّ باسم (يونس) ﵇ فإنَّ قصة يونس فيها " هى المثل الوحيد البارز للقوم الذين يتداركون أنفسهم قبل مباغة العذاب لهم، فيتوبون الى ربهم وفى الوقت سعة، وهم وحدهم فى تاريخ الدعوات الذين آمنوا جملة بعد تكذيب، فكشف عنهم العذاب الذي أوعدهم به رسولهم ﵇ قبل وقوعه بهم كما هى سنة الله ﷻ فى المكذبين المُصِرّين" (١)
ومطلع السورة هاد الى ذلك:
стр. 97
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ (يونس:١- ٢)
ولم يرد هذا المطلع فى مفتتح سورة أخرى، ولا فى غير مطلعها، ففيه دَِلالة على أنَّ القرآنَ الكريمَ وحيٌ من عند الله ،وليس من عند غيره وأنَّ غيره لا يقدر على شئ من ذلك، ولذلك استنكر تعجب الناس أن يوحِى الله الى رجل منهم بإنذار المعاندين وتمكين المؤمنين إذ كيف يعجبون ولا يستطيعه أحد سواه ﷻ .
وكذلك كشف العذاب وتمكين قوم لما آمنوا لا يستطيعه أحد سواه، ففى تفرُّد قوم (يونس) ﵇ بالايمان الجَمْعِيّ وكشف العذاب عنهم دون غيرهم من الأمم آية صادقة على أنَّ القرآن الكريم من عند الله وحده أوحاه إلى رجلٍ من العرب عبده سيدنا محمد ﷺ دون غيره من العرب.
стр. 98
وإذا نظرنا فى قصة سيدنا (موسى) ﵇ رأينا أنَّها أكثر قصص الأنبياء وُرودًا فى عديد من السور، وقد بسطت فى سور كثيرة، ولم تُسمَّ سورة واحدة باسم (موسى) ﵇ وإن سميت سورة (الإسراء) باسم (بنى إسرائيل) ، وعلى الرغم من أنَّ سيدنا (موسى) ﵇ من أولِي العزم من الرُّسل الذين سمى باسم ثلاثة منهم (نوح – إبراهيم – محمد) ﵈ سورة من سور القرآن الكريم خلا سيدنا (موسى) و (عيسى) ﵉، وموسى كليم الله وعيسى كلمة الله ففى كلٍّ منهما ماليس فى غيره من الأنبياء وسيدنا (موسى) ﵇ قد ورد اسمه فى القرآن الكريم ستا وثلاثين ومائة مرة (١٣٦) وسيدنا (عيسى) ورد اسمه خمسا وعشرين مرة. وكان ظاهر الأمر أن تسمَّى سورة (القصص) باسم سيدنا (موسى) ﵇ فقد أفردت السورة لقصته منذ ولادته إلى انتصاره وهلاك أعدائه: فرعون وهامان وقارون، وحين ذُكرت قصة (قارون) كانت لاحقة بقصة (موسى) ﵇:
﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ ... ﴾ (القصص: من الآية٧٦)
وكان إفراد سورة (القصص) لقصة (موسى) ﵇ أشبه بإفراد سورة (يوسف) ﵇ لقصته.
وكان مقتضى الظاهر أيضا فى سورة (النمل) أن تسمى سورة (سليمان) ﵇ او سورة (الهُدهُد) ، فإنَّ شأنَ (الهُدهُد) لا يقلُّ عن شأن (النملة) فى القصة، ولا سيما أنَّ سورة (النمل) مقصودها الأعظم إظهار العلم والحكمة، وفى قصة "الهدهد": ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ) (النمل: من الآية٢٢)
стр. 99
وفى قصة النملة ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) (النمل:١٨)
ترى فى مقالتها الحكمة ممزوجة بالعلم، ولا ترى فى مقالة (الهدهد) إلا أظهار العلم فى ثوب فخر، فكانت مقالة (النملة) أعلقَ بمقصود السورة، فالاعتداد فى التسمية ليست فى قلة ذكر ما سُمِّيَ به أو كثرته. فالامر مرجعه إلى إنباء الاسم عن وَسْمِ السورة.
وقد يكون للسورة الواحدة أكثرمن اسم توقِيفيّ، كما فِي سُورة (الفاتحة) (١) وكثرة الاسماء التوقيفية آيَةٌ على عِظمِ مقصودِها، فإنَّ كلَّ اسمٍ من أسمائها ناظرٌ إلى وجه من وجوه مقصودِها، وهذا له أصول تصلح لإقامة علم فقه أسماء سور القران الكريم، وذلك وحده جدير بأن يفرغ له بعض أهل العلم لمدارسته وتحقيقه.
***
- فاتحة السورة وخاتمتها:
لم يشأِ الله أن يجعل القرآن الكريم كلّه سورة واحدة بل جعله سورًا تتفاوت في عدد آياتها وكلماتها،وجعل لكلّ سورة مطلع تلاوة ومقطعها، فهل لذلك علاقة بالغة بمقصود السورة الأعظم؟.
? الفاتحة والمطلع: (٢)
стр. 100
من سنة العربية فى بيانها أن تجعل فى الصدر دلالة على المراد وإنباءً بالمقصود، كيما يكون السَّامع على بصيرة بما هو متلقٍ له وشان العربيّ فى حياته الاستدلال بما كشف له على ما غاب عنه، وقد علمته حياة الصحراء الاستدلال والفراسة، فكانوا يستخدمون الدليل فى أسفارهم؛ ليكشف لهم ما غاب عنهم، ويهديهم ما اشتكل فى مناهج أسفارهم.
وهم فى بيانهم من قبل نزول القرآن الكريم يتخذون من صدور قصائدهم هوادى إلى مضامينها، وجاء الذكر الحكيم على ما كان من سننهم فى الإنباء بمطالع البيان على مقاصدهم، فكان مطلع كلِّ سورة مضمَّنا معالمَ هادية إلى مقاصدها.
فاتحة الكتاب وأمِّ القرآن الكريم هى مطلعه وفيها إجمال تفصيل القرآن من الأصول والفروع تشريعًا ومن والمعارف واللطائف تثقيفًا، فيحصل لمن تدبَّر " من معانى الفاتحة – تصريحا وتضمينا- علم إجمالى بما حواه القرآن من الأغراض، وذلك يدعو نفس قارئها إلى تطلّب التفصيل على حسب التمكن والقابلية، ولاجل هذا فرضت قراءة (الفاتحة) فى كل ركعة من الصلاة حرصًا على التذكر مما فى مطاويها " (١)
وكأنَّ المُصلِّي قد استذكر المعاني القرآنيَّة على سبيل الإجمال والإحكام فى كل ركعة.
стр. 101
إذا ما كان هذا فى إنباء مطلع القرآن الكريمِ بما حواه تفصيلا فى سوره، فالأمر كمثله فى كلِّ سُورة، إذْ ينبئ مطلعُ كلِّ سورة على مضمونها ومقصودها. وأهل العلم بالبيان على أن يكون الابتداءُ دلائلَ البيان مناسبًا لقصد المتكلم من جميع جهاته (١) فاستبصار مقصود المتكلم من مفتح كلامه نهج قديم وسنن تليد دعا إليه وأخذ به الأقدمون وهو فى باب التدبُّر القرآنيّ أسمق وأوسق. (٢)
واذا ما كانت سور القران الكريم ليست على درجة سواء فى طولها وقصرها وعدد آياتها، فانَّه لمن العسير أن يكون ثَمَّ معيار كَمِّيٌّ للمطلع، وليس هناك تلازم توافقي بين مقدار المطلع ومقدار سورته طولا وقصرا، ولكن الذى هو أقرب أنَّ المطلع هو مجموع ما انتظم به تمام المعنى ولهذا تستطيع أن تستانس فى هذا بهدى النبوة.
روى الدَّارميُّ ﵁ عن عبد الله بن مسعود ﵁ – موقفا:
стр. 102
«مَنْ قَرَا أربعَ آياتٍ من أوّل سورةِ البقرةِ وآية الكرسى وآيتين بعد آية الكرسيّ، وثلاثًا من آخر سورة " البقرة " لم يقربْه، ولا أهلَهُ يومئذٍ شيطانٌ، ولا شيءٌ يكرهه، ولا يُقْرِأَنَّ على مجنون إلا أفاق» سنن الدرمي: فضائل القرآن –: فضل أول سورة البقرة وآية الكرسي.
ومثل هذا وإن كان موقوفًا على سيدنا "ابن مسعود" ﵁ فإنَّه مما لا يقوله الصحابى من عند نفسه؛ لأنَّه من الغيب الذى لا يُعلمُ إلاَّ عن طريق الوحى، ولعل عدم رفع سيدنا " ابن مسعود" ﵁ مقالَه هذا الى النبيّ ﷺ مخافة أن يكون فى مقاله ما هو على غير يقين من منطوقه، وإن كان على يقين من مضمونه، فحين يقوم فى ظنِّ الصحابيّ مخافة أن يتجاوز المنطوق يروى المضمون ولا يرفع.
وهذا من عظيمِ وروعهم،وصدقهم،وأمانتهم.
وهذا الموقف قد جاء مرفوعا من السيدة عائشة ﵂ الى النبيّ ﷺ فى " مسند الفردوس " مثله:
«مَنْ قرَأ من أول البقرة أربع آياتٍ وآية الكرسى والآيتين بعدها والثلاث من آخرها كلأه الله فى أهله وولده وماله ودنياه وآخرته» (١)
وإذا نظرنا ألفينا أنَّ مطلع سورة " البقرة " من أولها إلى آخر قوله :
وقلب السورة الآيات: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ * لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة:٢٥٥-٢٥٧) (١)
مطلع السورة هو مقدمتها التى تبدأ من أوَّلها إلى نهاية قول الله : ﴿ ... وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة: من الآية٢٠)
فمقدمة السورة أبسط وأمد من مطلعها هنا، وكذلك فى سورة (آل عمران) فإنَّ مطلعها هو قوله : ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾
стр. 105
ولكن مقدمتها تمتد إلى نهاية قوله ﷻ : ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) (آل عمران:٩)
وقد يكون المطلع هو المقدمة، كما فى سورة (النساء) فإنَّ مطلعها هو الآية الأولى منها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ (النساء:١)
وهى أيضا المقدمة وما بعدها موضوعها.
стр. 106
وإذا ما نظرنا فى مطلع سورة (البقرة) ألفينا أنَّه مجموع ما انتظم به تمام الدلالة على أم المعنى القرآنى فى السورة، ففى هذا المطلع ثلاثة مرتكزات: (الكتاب- المتقين - الإيمان بالغيب وما بعده) الثانى والثالث (المتقين - الإيمان بالغيب) من الأول (الكتاب) ، ولذلك جاءت العبارة عنه فى قوله- ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين﴾ فى غاية الإيجاز لمعنى جدّ مديد بسيط لا يُحاط به، ولأهل العلم من المفسرين والبلاغين مقالات فى بيان التعريف فى (ذلك الكتاب) وفى النفى فى قوله ﴿لا ريب فيه﴾ ثُمَّ فى ما تعلق بقوله (هدى) فإن قوله (للمتقين) أي المتقين صراط المغضوب عليهم من اليهود، ومن اتخذ منهاجهم في نبذ الحقّ بعد علمه تكبّرًا وجحدًا، وصراط الضَّالين من النصاري ومن اتخذ منهاجهم في العبادة على جهل بما يعبد وكيفية العبادة التي ترضيه وهذا المعنى أساس الإيمان وما يبنى عليه من منازل الطاعة والقرب. (١)
وقد شاع فى هذه السورة الحديث عن شيئين بهما تأطيد معنى كمال ذلك الكتاب:
- الأول: الإيمان بالغيب
стр. 107
- والآخر: (التقوى) فقد وردت هذه الكلمة ومشتقاتها فى سورة " البقرة" ستا وثلاثين مرة، وهذا ما لم يك فى غيرها.
وفى مطلع كل سورة تكون مفردة من مفردات القرآن الكريم تذكر من بعد ذلك فى السورة على نحو لافت بمادتها وصيغتها أو مادتها فقط وعلى نحو لا يكون مثله مقدارا وكيفية فى أى سورة أخرى، وكذلك يتوارد فى السورة ما كان من الأسرة الدلالية لهذه المفردة وفى هذا آية على أنَّ دلالة هذه المفردة عنصر رئيس من عناصر المقصود الأعظم للسورة، فليس بقية السورة من بعد ذلك عمل عقيم أو عابث لا يجدى، فإنَّه تنزيل من عزيز حكيم عليم حميد، فمن النصح للقرآن الكريم تدبُّرا ملاحظة ذلك فى استبصار عناصر المقصود الأعظم للسورة.
ولما كانت التقوى أساسُها ملاحظة الله الذى هو الغيب المطلق ذاتا والشهود الحاضر فى الكون صفة وفعلا كانت التَّقوى قائمة على يقين راسخ بالغيب.
لهذا كان لسورة البقرة عنايةٌ خاصَّة وظاهرة بأمرالغيب والإيمان به، وبكلِّ ما هو من سبيله، وعلى رأسه الإيمان بالبعث، وقد انتشر ذلك فى السورة على نحو ظاهر:
فى قصة أبينا (آدم) ﵇ إبراز لمعنى الإعلام بالغيب على نحو لا يتكرر فى هذه القصة فى سورة أخرى: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (ي: ٣٠)
﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لاعِلْمَ لَنَا إلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (ي:٣٢)
﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (ي:٣٣)
وفى غيرهذه القصة جاء قوله- : ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (ي:٧٢)
﴿أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ (ي:٧٧)
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (ي:٢٥٨)
وكذلك فى مخاطبته ربه ﷻ : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (ي:٢٦٠)
وكان فيها آخر آية أنزلت: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (ي:٢٨١)
فجمع فيها بين التقوى والبعث.
وكثير مما جاء من تشريعات لا يقبله إلا من آمن بالغيب وأيقن بالبعث من نحو تشريعات الإنفاق صدقة أو قرضاً، وتشريع حرمة الربا وتشريع فريضة الصيام والحج بل أنَّ الحديث عن أركان الإسلام: (الصلاة والزكاة والصيام والحج) لم يجمع القول فيه مبسوطاً فى سورة كمثل جمعها هنا.
وهى أركان مبنية على الإيمان بالغيب والبعث، ومثل ذلك ما اعتنت السورة بذكره من أمر الجهاد، ولا يُقْدِمُ عليه إلاَّ من آمن بالغيب والبعث وأيقن بهما.
فأنت تجد أنَّ مطلع السورة قد جعل من خصال المتقين الذين كان الكتاب الكامل الحق لهم هدى الإيمان بالغيب الشامل كلَّ هذه الفرائض كما أنَّ المَطْلَعَ قد عُنِيَ بصفة إيمانهم بما أنزل من قبل وإيقانهم باليوم الآخر.
стр. 110
كل هذا دال على المقصود الأعظم لهذه السورة: «إقامة الدليل على أن الكتاب هدى يتبع فى كلِّ حال وأعظم ما يهدى إليه الإيمان بالغيب،ومجمعه الإيمان بالآخرة،ومداره الإيمان بالبعث الذى أعربت عن قصة البقرة التى مدارها الإيمان بالغيب، فلذلك سميت بها السورة» (١)
مطلع السورة واسمها منبئان عن مقصودها، واذا ما كنت قد تجاوزت القول فى (ألم) فى مطلع السورة،فإن «استخراج مناسبات هذه الحروف وأحوالها إلى مقاصد السور وأغراضها يحتاج إلى مزيد من التوفر والفهم والصفاء ووراءه علم دقيق ومعرفة لطيفة شريفة» (٢)
ومذاهب العلماء فى استبصار دلالات هذه الاستفتادات كثيرة وقليل منها ما سعى أصحابها إلى استخراج ما بينها وبين مقاصد سورها ومعانيها من تناسب ونتائج.وهي محاولات لا تسلم من المناقدة والتوقف (٣)
***
- الخاتمة والمقاطع:
إذا ما كان فى مطلع تلاوة كُلِّ سورة دلائلُ على مضمونِها وقرائن هداية إلى حسن استبصار معالم مقصودها الأعظم، فإنَّ من سنن بناء الكلام فى أدب العربية أن ينعطفَ آخرُ الكلام على أوَّله، ويكون فى آخره ما يتأخى مع أوله ويتناعى مع مفتتحه.
وقد جعل"شبيب بن شيبه" العناية بجودة الانتهاء كمثل العناية بجودة الابتداء يقول:" الناس موكلون بتفضيل جودة الابتداء وبمدح صاحبه وأنا موكل بتفضيل جودة القطع ويمدح صاحبه " (٤)