← Тараджим

Тараджим · id 21510

قلائد العقيان في محاسن الرؤساء والقضاة والكتاب والأدباء والأعيان

الفتح بن خاقان

Полный текст (300 стр.). Показаны 281–300 · переход к 286.

стр. 281

فالدهر يخدم أن وصلت بمجده ... والمجد ينفح عن خطير اعظمِ أهدي على ناي المزار عناية ... رفعت بذكري فوق زهر النجمِ فوصلت من عزّ الذمام أمانيا ... وركضت في بال المراد يمقدمِ فعليّ في شكر الملاذ إليّه ... وقفت على شكر الملاذ تهّممِ ولما طوى أبا بكر مقدور حمامه، وخرى نجم أهتباله به واهتمامه عاد إلى المغرم، فقال قول الضجر المبرم: متقارب فمن كان ينقص أغلاله ... فإنّ المعونة لا تنقص تكرّ سريعاً بلا ونية ... وكلّ طريد بها يقنص الأديب أبو القاسم بن العطار رحمه الله تعالى أحد أدباء أشبيلية ونحاتها، العامرين لأرجاء المعارف وساحاتها، لولا مواصلة راحاته، وتعطيل بكره وروحاته، وموالاته للفرج، ومغالاته في عرف لأنس أو أرج، لا يعرج، إلا على ضفة نهر، ولا يلهج، إلا بقطعة زهر، ولا يحفل بملام، ولا ينتقل إلا في طاعة غلام، ناهيك من رجل مخلوع العنان في ميدان الصبابة، مغرم بالمحاسن غرام يزيد بحبابة، لا تراه إلا في ذمة انهماك، ولا تلقاه إلا في لمة انتهاك، رافعا لرايات الهوى، قارعا لثنيات الجوى، لا يقفر فؤاده من كلف، ولا يبيت إلا رهن تلف، أكثر خلق الله علاقة، وأحضرهم لمشهد خلاقة، مع جزالة تحرك السكون، وتضحك الطير في الركون، وقد أثبت له ما يرتحله في أوقات انسه وساعاته، وينفث به أثناء زفراته ولوعاته، فمن ذلك ما قاله في يوم ركب فيه النهر على عادة أنكشافه وارتضاعه لشغور اللذات وارتشافه. طويل ركبنا على اسم الله نهر كانّه ... حباب على عطفه وشي حبابٍ وإلاّ حسام جال فيه فرنده ... له من مديد الظلّ أيّ قرابٍ وله في ذلك اليوم: طويل عبرنا سماء النهر والجوّ مشرق ... وليس لنّا إلا الحباب نجومُ وقد ألبسته الإيك برد ظلالها ... وللشمس في تلك البرزد رقومُ وله فيه: كامل لله بهجة منزه ضربت به ... فوق الغدير رواقها النشامُ فمع الأصيل النر درع سابغ ... ومع الضحا يلتاح فيه حسامُ

стр. 282

وله فيه: طويل مررنا بشاطي النهر بين حدائق ... بها حدق الأزهار تستوقف الحدق وقد نسجت كفّ النسيم مفاضة ... عليه وما غير الحباب لها حلق وله فيه: خفيف هبتّ الريح بالعشّي فحاكت ... زردا للغدير ناهيك جنّة وانجلى البدر بعد هدء فصاغت ... كفّه للقتال منه أسنه وله فيه: كامل لله حسن حديقة بسطت لنا ... منها النفوسَ سوالفُ ومعاطفُ تختال في حلل الربيع وحيله ... ومن الربيع قلائدٌ ومطارفُ وله متشكيا من وجده وغرامه، متبكيا لظبائه وأرامه، على عادته في بوحه وسجيته في عومله ونوحه: بسيط لابد للدمع بعد الجري أن يقفا ... وهبه سال فؤادي عنده أسفا وبي غزال غذا صادفت غرته ... جنيت من وجنتيه روضة أنفا كالبدر مكتملا كالظبي ملتفتا ... كالروض مبتسما كالغصن منعطفا ما همت فيه ولا هام الأنام به ... حتّى غدا الدهر مشغوفا به كلفا أيرتضي الفضل أن أطوى على حرق ... وفي مراشفه اللعس الشفاه شفا ما صافح الروض مكفّ المزن ترمقه ... إلاّ أرتنا به من خطّه صحفا وله في مثله: طويل إلا يا نسيم الريح بلّغ تحيتي ... فمالي إلى ألفي سواك رسولُ وقل لعيل الطرف عنّي بأننّي ... صحيح التصابي والفؤاد عليلُ أينشر ما بيني وبينك في الهوى ... وسرّك في طيّ الضلوع قتيلُ وله في مثله: كامل بأبي غزال ساحر الأحداقِ=مثل الغزالة في سنا الأشراقِ شمس لها الجيوب مشارق ... ومغاربٌ بجوانح العشّاقِ نثر العقيق ونظم درّ رائقٍ ... في مرشفيه وثغره البرّاقِ عقد من السحر الحلال بلفظه ... وبها تحلّ معاقد الميثاقِ هلاّ وقد مدّت إليه ضراعتي ... يدها تصافحها يد الأشفاقِ

стр. 283

ديم الغمام يرعدها وببرقها ... كاثرتها بسحائب الأشواقِ ما أدمعي تنهلذ سحّا إنّما ... هي مهجتي سالت على الآماقِ وله: بسيط الحبّ تسبح في أمواجه المهج ... لو مدّ كفذا إلى الفرقى به الفرجُ بحر الهوى غرقت في سواحله ... فهل سمعتم ببحر كلّه لججُ بين الهوى والردى في لحظه نسب ... هذي القلوب وهذي الأعين الدعجُ دين الهوى شرعه عقل بلا كتب ... كما مسائله ليست لها حججُ لا العدل يدخل في مسع المشوق ولا ... شخص السلوّ على باب الهوى يلحُ كانّ عيني وقد سالت مدامعها ... بحر يفيض ومن آماقها خلجُ جار الزمان على أبنائه وكذا ... تغتال أعمارنا الآصال والدلجُ بين الورى وصروف الدهر ملحمة ... وإنّما الشيب في هاماتهم رهجُ وله يتغزل: كامل رقّت محاسنه وراق نعيمها ... فكأنّما ماء الحيوة اديمها رشا إذا أهدى السلام بمقلة ... ولّي بلبّ سليمها تسليمها سكرى ولكن من مدامة لحظه ... فأغضض جفونك فالمنون نديمها وله في الوزير الجل أبي حفص الهوزني ﵀ وقد مات بنهر طلبيرة عند أفتتاحها قصيدة طويلة منها: طويل وفي كفّه من مائع الهند جدول ... عليه لارواح العداة تحوّمُ بحيث الصدى بين الجوانح يلتظي ... ونار الوغى بين الأسنة تضرمُ وما من قليب غير قلب مدجّج ... ولا شطن غلاّ الوشيح المقوّمُ ووجه الضحى من ساطع النقع كاسف ... بيوم لاه زرق الأسنّة انجمُ ولمّا رأوا إلا مقرّ لسيفه ... سوى هامهم لذوا بأجراء منهم فكان من النهر معينهم ... ومن ثلم السدّ الحسام المثلّمُ فهلاّ ثنى عنه الردى في زلاله ... رداء برقراق الفقاقيع معلمُ فياعجبا للبحر غالته نطفة ... وللأسد الضرغام أداه أرقمُ وله يتعزل أيضاً: كامل ليل يعارضه الزمان بطوله ... ما لي به إلا الأسى من مسعدِ

стр. 284

نظّمت لؤلؤ معي في جيده ... فكأنها فيه النجوم الأسعدِ وله أيضاً: منسرح وسنان ما أن يزال عارضه ... يعطف قلبي بعطفة اللامِ أسلمني للهوى فواحزنا ... أن يزّني عفتي وإسلامي لحاطه السهم وحاجبة ... وإنسان عينه رامِ الأديب الحاج أبو عامر بن عيشون رجل حل المشيدات والبلاقع، وحكى النسرين الطائر والواقع، واسيتمدر خلفي البوس والنهعيم، وقعد مقعد البائس والزعيم، فأونة في سماط، واخرى بين دارنك، وأنماط، ويماً في ناوس، وأخر في مجلس مانوس، رحل إلى المشرق فلم يحمد رحلته، ولم يعلق بأمل نحلته، فأرتد على عقبه، ورد من حباله الفوت إلى منتظره ومرتقبه، ومع هذا فله تحقق بالدب، وتدفق طبع إذا مدح أو نسب، وقد أثبت له ما تعلم به حقيقة نفاذه، وترى سرعة وخده في طرق الإحسان وأغذاذه، فمن ذلك ما كتب به إلي يستدعيني بفاس: طويل أيا موضع الشكوى أراح نجيها ... غوارب آمالي عليّ شوارد وروضة آداب تعهدها النهى ... فأزهارها تجنى تواما فواحدا تهيم بعلياك النفوس جلالة ... فتحسد من حبّ عليك الحواسدا تناهبن الأفكار انسى ولايد ... اذود بها فكرا عن النس ذائدا يطارحني الوسواس حتى كأنما ... أساور منها كلّ حين أساودا سوى أنّ قربا منك أن سمحت به ... ليالٍ ضنينات وسمنَ مجاودا فأجلو بمرأك البهيّ نواظراً ... تبيت برغم المجد رمدا سواهدا هلم إلى ورد من الأنس سائغ ... تظلّله الآداب هدلا موائدا يرق جناها حكمة وبلاغة ... فتنظم مقطوعاتها والقصائدا إذا أنتديت كابت قنا وقنابلا ... وأن عزلت كانت طلى وقلائدا تثير على الأيّام حربا لعلّها ... تفيد لنا يوما إلى البين فائدا تتوج بالمدكسات منك أناملا ... يظل لها تاج ابن ساسان ساجدا وان أنا واقعت الجفاء فمغرم ... قد أورده حبّ المعالي المواردا وأخبرني أنه دخل مصر وهو سار في ظلم البوس، عار من كل لبوس، قد خلا من

стр. 285

النقد كيسه، وتخلى عنه إلا تقديره وتنكيسه، فنزل بأحد شوارعها، لا يفترش إلا نكده، ولا يتوسد إلا عضده، وبات بليلة ابن عندل، تهب عليه صرصر لا ينفح منها عنبر ولا صندل، فلما كان من السحر دخل عليه ابن الطوفان فأشفق لحاله، وفرط أمحاله، وأعليه أن الأفضل استدعاه، ولو أرتاد بقطعة يغنيها له لاخصب مرعاه فصنه له في حينه. بسيط قل للملوك وأن كانت لهم همم ... تأوي إليها الأماني غير متّئدِ إذا وصلت بشاه شاه لي سببا ... فلن أبالي بمن منهم نفضت يدي من اوجه الشمس لم يعدجل بها قمرا ... يعشو إلى ضوءه لو كان ذا رمدِ فلما كان من الغد وافاه فدفع إليه خمسين مثقالا مصرية وكسوة وأعلمه انه غناه، وجود الإظهار لفظه ومعناه، وكرره حتى أثبته في سمعه وقرره، فسأله عن قائله فأعلمه يقتله، وكلمه في رفع خلته، فأمر له بذلك وكتب إلي يستعتبني: طويل كتب ولو وفّيت برّك حقّه ... لما اقتصرت كفّي على رقم قرطاسِ ونابت عن الخطّ الخطا وتبادرت ... فطورا على عيني وطورا على راسي سل الكاس عنّي هل أديرت فلم أصغ ... مديحك ألحانا يسوغ بها كاسي وهل نافح الآس الندامى فلم أدع ... ثناءك أذكى من منافحة الآسِ وله: طويل قصدت على أن الزيارة سنّة ... يؤكّدها قرض من الودّ واجبُ فألفيت باب سهّل الله فتحه ... ولكن عليه من عبوسك حاجبُ موضت ومرّضت الكلام تثاقلا ... إليّ إلى أن خلت أنّك عايبُ فلا تتكلّف للعبوس مشقّةً ... سأرضيك بالهجرانٍ إذ أنت غاضبُ فما الأرض تدمير ولا أنت أهلها ... ولا الرزق أن أعرضت عنّي حاجبُ وأرى علي غفارة وخاتما كلاهما مستغرب فوجه إلي في الغفارة فبعثتها غليه فكتب إلي: طويل نشقنا من المجد الموثلّ نفحة ... تزيد على الندّ المثلّث والمسكِ وما ذاك إلاّ أن سالت فجاد لي ... أبو نصر الأعلى ببرنسه المسكِ ينظم في جيد المعالي قلائد ... هي الدرّ للجدوى وعلياه للسلكِ إذا ختمت يمناه منّي عاطلا ... خلعت على اليسرى به خاتم الملكِ

стр. 286

وأن محكت أيدي اللئام بشكرها ... محكت فلم اجعل بلأي ولا محكم الأديب أبو الحسن غلام البكري رحمه الله تعالى ذو الخاطر الجايش، الباري لنبل المحاسن الرايش، الذي اخترع وولد، وقلد الأوان من إحسانه ما قلد، طلع في سماء الدولة العبادية نجما، وصار لمسترق سمعها رحما، وكان له فيها مقام محمود، وتوقد لم يعره خمود، ثم استوفى طلقه، ولبس العمر حتى اخلقه، صحب الدولة المرابطية برهة منم الزمان، لا يا لو تقليد نحرها لئالي وجمان، وقد أثبت له ما تستغربه، وينير لك به مشرقه ومغربه، فمن ذلك قوله من قصيدة أولها. طويل لاحت وللظلماء من دونها سدلُ ... عقيقه برق مثل ما انتضى النصلُ أطارت سناها في دجاها كأنّه ... تبلّج خدّ حفّه فاحم جثلُ لدى ليلة رومّية حبشيّة ... تغازلنا من شهبها أعين شهلُ تودّ عيون الغانيات لو أنّها ... إذا مرضت عند الصباح لها كحلُ بدت في حلاها فالتقتنا نجومها ... بأنجم راحٍ في الشفاه لها أفلُ إلى أن بدا للصبح في طرة الدجا ... دبيب كما استقرت مدارجها النملُ نعيم أرى الأيام تثني عنانه ... علينا إذا القى تثنيته الحسلُ أفى لهوات الليث ريع أبيه ... ولو علني فيها مجاحته الصلّ نكرت الدنا والأرض فيها فليس لي ... بها عقوة آوى إليها ولا أهلُ وأفردني صرف الزمان كأنّني ... طرير من الهنديّ اخلصه الصقلُ وسير يخلّي المرء منه قريبه ... فريدا كما خلّى تريكته الرألُ فكم من حبيب كان روضة خاطري ... يرفّ ويندى بين أفنانها الوصلُ ضحى ظلّه إذا كوّرت لي شمسه ... فشخص نعيمي لا يقوم له ظلُ غبرت وبادوا غير أنّ تلبثي ... وراهم عيش يلذّ له القتلُ إذا كان عيش المرء أدهى من الردى ... ففأيذة الأيّام داهية ختلُ ومن راد لم يعدم من اله نجعة ... ففي كلّ محل من غمامته وبلث وله: متقارب أعزّ البريئة في نفسه ... فتى خاشع الظرف من غير ذلّ

стр. 287

ومن يزن القول وزن النضار ... فلا يفتح القول ويعتدل ترى كلّ الوث من قوله ... يضاحك حكمته بالخطل ويحكي الأقاويل جهلا بها ... كما حكت الصوت بنت الجبل يكاثر نوع الأذى في الورى ... فلست ترى غير سمع أزل وقلّ أولوا الفضل أن حصّلوا ... وهل يتحمل نور المقل فخالط أناسا وزائلهم ... وكن فيهم ظلّك المنتقل لقاؤهمَ يستدرّ الدموع ... ويذكي الضلوع كواهي الطلل وفيهم تشاه ما في الفلاة ... خداع السراب وجوب السبل وأبين ضلوعي ما بينها ... وينهضني الحادث المصمئل وفي راحتي مرأى الهدى ... تربني انتعاشي قبل الزلل وطعن قواف لها شكّة ... مجنّ وقاح ونصل خجل يموت ويحيا بها من علا ... وليست تعوج على من سفل حديقة فكر سقاها الحجى ... فأثمرتِ الكلم المنتحل تمرّ إذا المستعيد ... مرور الحيا بالجديب المحل يسربلها الحسن وصف الحسود ... ويصفي لها الودّ قلب الدغل وله أيضاً: بسيط مجزوء أرقن يبعدك البعاد ... فناظري كحله سهادُ يا غائبا وهو فؤادي ... أن كان لي بعده فؤاد الله يدري وأنت تدري ... أنّ اعتقادي لك اعتقاد تذكر والحادثات بله ... ليس لها السن حداد ونحن في مكتب المعالي ... يصبغ أفواهنا المداد يسدل ستر الصبا علينا ... والمن من تحتنا مهاد لا نتهدّى لما خلقنا ... نجهل ما الكون والفسادُ تكلونا من حفاظ بكر ... لواحظ ما لها رقادُ وهمّة ناصت الثُّريّا ... تقود صعبا ولا تقادُ أذمةّ بيننا لعمري ... يحفظها السّيد الجوادُ يا غرر المجد في جباه ... لم يبد أشكالها الجيادُ

стр. 288

آثاركم في العلى قديما ... دانت لها جرهم وعادُ سبحان من خصكم بأيد ... بهنّ تستبعد العبادُ إذا استهلّت لنا سماء ... أورق من تحتها الجمادُ والآن تبلى وربّ جود ... حلّ على ناره الرمادُ وأنت في السن البرايا ... معنى بألفاظها معادُ حسب العدى منك ما رواه ... لا وريت للعدى زناد لم يعلم الصايدون منهم ... أنك عنقاء لا تصاد وأنّ في راحتيك سعدا ... تندق من دونه الصعادُ والليث شبعانُ لا يبالي ... إذا نزت حوله النقادُ الأديب أبو عبد الله بن الفخار المالقي رحمه الله تعالى صاحب لسن، وراكب هواه من قبيح وحسن، لا يصد إذا صم، ولا يرد عما يتم، حمي الأنف لا يصام، قوي الشكيمة لا يرام، وقف للمطالبة والأسنة قد أشرعت وثبت والأطواد قد تضعضعت، حتى أقعد عدوه، وصفا رواحه وغدوه، وقد أثبت له ما يستطاب، ويسري في النفس كما يسري في البلح الأرطاب، فمن ذلك قوله: طويل باتي حسام أم بايّ سنانِ ... أنازل ذاك القرن حين دعاني من عري اليوم الجواد لعلّة ... فبالأمس شدّوا سرجه لطعانِ وان عطل السهم الذي كنت رايشا ... ففيه دم العداء أحمر قاني إلا أنّ درعي نثرة تبعيّة ... وسيفي صدق أن هززت يماني وما قصبات السبق إلاّ لأدهمي ... إذا الخيل جالت في مجال رهان تمنّى لقاءي من حللت وثاقه ... وأعطى غداة المنّ ذلّة عانِ وقد علم الأقوام من صحّ ودهّ ... ومن كان منّا دائم الشأنِ وما يزدهين يقول كلّ مموّه ... وليس له بالمعضلات يدانِ ويزعم أنّي في البيان مقصّر ... ويابى بناني واقتدار لساني وأنّي لنهاض بكل عظيمة ... يضيق عليها ذرع كلّ جانِ نهضت بها وحدي وغيريَ مدّع ... يشارك أهل القول شرك عنان أينسى مقامي إذا كافح دونه ... وقدطار قلب الذعر بالخفقانِ

стр. 289

ويذكر يوماً قمت فيه يخطبة ... كآثار عدّ الماء بالسيلانِ فقرّي جعاري أنّ دونك حارسا ... يمنيك بالأخلاف والولعانِ وما هو إلاّ المرء يقطع رأسه ... وأن دهنوه حيلة بدهانِ ولو كان يعطي الزائرين حقوقهم ... لما تركوه في يد الحدثانِ وله: طويل إلى كم يجدّ المرء والدهر يلعبُ ... ويبعد عنه الآمن والخوف يقربُ وهل نافعي أن كنت سيا مصمما ... إذا لم يكن يلقى لحدّي مضربُ أبيّتهم واليل كالنقس أسود ... وأهجمهم والصبح كالطرس أشهبُ فلا أنا عمّا رمت من ذاك مقصّر ... ولا خيل عزمي للمقادير تغلبُ أبا حسن سائل لمن شهد الوغى ... لئن كنت لم أصبح أهشّ وأطربُ واعتنق الأبطال حتّى كأنّما ... يعانقني منهم من البيض ربربُ أخاتلهم كالذيب وحدي وتارة ... يصول بهم منّي المزعفر يقضبُ وفي كلّ باب قد ولجت لكيدهم ... ولكن أمور ليس تقضي فتصعب فوا أسفا ذا أبيت بذلّة ... وسيفي ضجيعي والجواد مقرّبُ وله أيضاً: طويل أمستنكر شيب المفارق في الصبا ... وهل ينكر النور المفتّح في غصنٍ أظنّ طلاب المجد شّيب مفرقي ... وان كنت في إحدى وعشرين من سنِ وكتب إلى أبي عبد اله زنغي رحمه اله عند ولايته سجلماسة والشعر طويل اثبت بعضه. طويل بمن حلّ في سرغ فؤادك هأيم ... وهيهات منك اليوم من حلّ في سرغٍ وتكلف بالداعي هلمّ غلى النوى ... طماعا بأن تدنو من ابن أبي زنغي وكنا به نبغي قضاء لبانة ... ولو انه يبقى لقضى الذي نبغي سلام عليه عذّب النفس بعده ... عقارب همّ لا تفيق من اللدغِ وشوقا غليه أصبح القلب عنده ... ولم تثنه خود معقربة الصدغِ وله أيضاً: متقارب أقلّ عتابك أنّ الكريم ... يجازى على حبذه بالقلا

стр. 290

وخلّ أجتنابك أن الزمان ... يمرّ بتكديره ما حلا وواصل اخاك بعلاّته ... فقد يلبس الثوب بعد البلا وقل كالذي قاله شاعر ... نبيل وحقك أن تنبلا إذا ما خليل أسا مرّة ... وقد كان قيي ما مضى مجملا ذكرت المقدمّ من فعله ... فلم يفسد الآخر الأوّلا أبا حسن أن أتى حادث ... يجرّد لي سيفك المصقلا فودّي جديدك لم أبله ... يروقك في حليه والحلا أولي الملامة عنك الزمان ... وأصحبك الأكوم الأفضلا أقول وأنت لسان المقال ... وعين الكمال ورأس العلا لئن جار فيك عليّ الزمام ... فقد كان لي حكماً اعدلا لياليَ كنت صحيح الأخا ... صريح الوفاء بما أمّلا تدافع عنّي خطوب الزمان ... يضرب الرقاب وطعن الكلا ولكن أطعت غواة الرجال ... وبعت صديقك لا بالغلا سأصبر للخطب حتى يزول ... وأدعو له رأيك الأجملا ودونكها كالعروس الكعاب ... عليها من الحلي ما فصّلا فكالزبد بالدهن في لينها ... وتخزي بشدّتها الجندلا إذا صيد للشعر طير بغاث ... رأيت لها الطائر الأجدلا ولم ألف جدّك جدّ الذي ... أكفّ به النازل المعضلا الأديب أبو عامر بن المرابط رحمه الله تعالى مديد الباع، شديد الانطباع، سالك مسالك المرققين، وترك سبيل المتشدقين، وأتى من الإبداع بما أراد، وسابق الأفذاذ والأفراد، إلا أن خ=هلاله لم يدرك الأقمار، وطواف عمره لم يبلغ الاعتمار، فأحتضر صغيرا، وأغار على المعاني حتى كر الدهر عليه مغيرا، وكانت له همة لم تعلق يده بعمل، ولم تطلق له عنان أمل، فأغري بالخمول، وبرئ من منازل المأمول، حتى حواه ملحده، وطواه دهره وهو أوحده، وقد أثبت له ما تعزف بع نبله، وترى إلى أي غرض كان يرمي نبله، فمن ذلك قوله يتغزل: رمل مجزوء سر أن اسطعت فأنّي ... لست استطيع مسارا

стр. 291

ذلك البرد الذي قا ... بلت لا يلقى السرارا قلّدوا مبسمه الدرّ ... وجفنيه الشفارا كلذما أومأ بالح ... ظ يمينا أو يسارا لا ترى عيناك إلاّ ... القوم قتلى أو سارا لا ترع يا شادن الأج ... راع كم تهوى النفارا لك هذا القلب ترعا ... هـ أراكا وعرارا وله أيضاً في المعنى: بسيط مجزوء هنالك الريّ من دموعي ... يا ظبي والظلّ من ضلوعي فرد معينا ورد ظليلا ... غير مذود ولا مروءِ وله في غير ذلك: طويل يشرّد أنسي موعد بعداوة ... ويبسط نفسي مقبل بودادِ لقلّو إذا والوا فغير صاحب ... وهانوا إذا ولّوا فغير أعادِ وقول له وقع الأسنّة لم أزل ... أكفّ عنانا عنه يوم طرادِ تهاوى قلوب فيه بين أسنة ... وتاوي جنوب منه فوق قتادِ وحال تثير البيض والسمر مثل ما ... أسام العلى في مسرح ومرادِ لبست غليها الصبر سرد مفاضة ... وأمطيت فيها العزم ظهر جوادِ وله: [مديد] من رأى ذاك الغزال ضحى ... يتمشى في أجارعهِ ينفض الأجفان عن سنة ... أشربتها في مضاجعهِ نظرات الظبي روعه ... قانص أدنى مراتعهِ بشر أو مثله قمر ... سن قتلي في شرائعه وله: [طويل] تركت الليالي لا أذم صروفها ... ولا أحمد الأيام إيان تقبلُ ونبهت عزمي للسرى فأجابني ... وكالعزم ما استنجدت من ليس يخذلُ ويسعدني إن جد بي الشوق فتية ... إذا ركبوا لم يحتو المجد منزلُ تجافوا عن الأوطان عزة النفس ... قصرن خطى الأعمار والضيم منهلُ بمصر عيون أن تراني قريرة ... وعني أوطان ببغداد تسألُ وله من قصيدة: [طويل] أعيدوا علي الربع لا تحية ... أخفف منها والركاب ربوعُ

стр. 292

دعوني والأطلال أبكي فإن يكن ... ضلالاً فإني للضلال تبوعُ وله من أخرى: [كامل] فتناوحت فيه الرياح مع الضحا ... حتى تبلّ ترابه المزنُ ويسيل أبطحه وأجزعه معاً ... ويرق ذلك السهل والحزنُ وله: [وافر] تقول مطيتي لما راتني ... وبينك لا توادعني فواقا وقد أخذ السرى مني ومنها ... مأخذ لا نطيق لها مساقا لقد عنيت بنا النكبات حتى ... لودت كل نائبة فراقا وله أيضاً: [طويل] سل الركب عن نجد فإن تحية ... لساكن نجد قد تحملها الركبُ وإلا فما بال المطي على الدجا ... خفافا وما للريح حرجفها رطبُ وله أيضاً: [رمل مجزوء] راقنا النهر صفاء ... بعد تكدير صفائه كان مثل السيف مدمى ... فنجلوه عن دمائه أو كمثل الورد غضا ... فهو اليوم كمائه الأديب أبو الحسن باقي بن أحمد رحمه الله تعالى شيخ الانقباض، وسهم المعاني والأغراض، لم يكن له ظهور، ولا يوم في الحظوة مشهور، مع أدبه الباهر، ومذهبه الطاهر، ونفسه الزكية، ومنازعه الذكية، فاقتصر على القاضي أبي أمية، ينتدب بربعه انتداب غيلان بأطلال مية، واقتنع بوشله، فاضطلع بعبء تكاليفه على ضعفه وفشله، لم ينتجع سواه، ولم يسترجع إلا من ضيق محله لديه ومثواه، وقد أثبت له ما تستعذبه وتستطيبه، وتعلم به أنه أمام الإحسان وخطيبه، فمن ذلك ما كتب به إلى: [بسيط] الدهر لولاك ما رقت سجاياه ... والمجد لفظ عرفنا منك معناه كأن العلى والنهى سراً تضمنه، صدر الزمان فلمّا لحت أفشاهُ آيات فضلك نتلوها ونكتبها ... في صحة البدر ما أبدى محياه فأنت عصب وكفّ الدهر ضاربة ... تنبو الخطوب ولا تنبو غراراهُ وله إلى أبي العباس الغرباقي وقد وافى مرسية فعزم على زوره، وقطف أزهاره ونوره، فإنه من إبداع المجالسة، وإمتاء الموانسة، في حد يستنبل، وكأنه شهاب

стр. 293

يقتبل: [كامل مجزوء] يا ماجداً في قربه ... من كل هم لي فرج ومملكا بمقاله ... وفعاله رق المهرِ هل طنّ أذنك للقا ... فإن عيني تختر وصحب أبا أمية إلى العدوة فمروا بفاس وفيها الوزير أبو محمد بن القاسم وزير ملكها، وبدر فلكها، وكان من سمو الهمةة بحيث يجلو الظلام العاكر، ويخجل الوسمي الباكر، فكتب إليه: [متقارب] نسيم الصبا بذمام العلى ... تمش على الروض مشي الكسيرِ وسر عبق النشر حتى تحل ... محل السيادة ربع الوزيرِ فطأ من حشاها دوين الضلوع ... حذار مهابته أن يطيرِ وقبل أنامله أنها ... ضرائر في فيضها للبحورِ وذكر بحاجة ضيف له ... فؤاد يقيم وجسم يسيرِ له أمل قبل وشك الرحيل ... طويل المدى ومداه قصيرِ وقل أن لقيا الوزير الأجل ... يقرب كل بعيد عسيرِ الأديب أبو جعفر بن النبي رحمه الله تعالى مطبوع النظم نبيله، واضح نهجه الإجادة وسبيله، ويضرب في علم الطب بنصيب، وسهم يخطئ أكثر مما يصيب، وكان أليف غلمان، وحليف كفر لا إيمان، ما نطق متسرعاً، ولا رمق متورعاً، ولا أعتقد حشرا، ولا صدق بعثا ولا نشرا، وربما تنسك مجونا وفتكا، وتمسك باسم التقى وقد هتكه هتكا، لا يبالي كيف ذهب، ولا بما تمذهب، وكانت له أهاج جرح فيها صابا، ودرع منها أو صابا، وقد أثبت له ما يُرتشف ريقا، ويلتحف به الأوان شروقا، فمن ذلك قوله يتغزل: [كامل] من لي بغرة فاتر يختال في ... حلل الجمال إذا مشى وحليه لو شبّ في ضير النهار شعاعها ... ما عاد خير اليل بعد مضيه شرقت بماء الحسن حتى خلصت ... ذهبية في الخد من قضيةِ في صفيحته من الحياء أزاهرُ ... غذيت بوسمي الصبا ووليه سلت محاسنه لقتل محبه ... من سحر عينيه حسام سميهِ

стр. 294

وله: [رمل مجزوء] كيف لا يزداد قلبي ... من جوى الشوق خبالا وإذا قلت عليّ ... بهر الناس جمالا هو كالغصن وكالبدو ... رِ قواماً واعتدالا أشرق البدر سرورا ... وانثنى الغصن اختيالا إن من رام سلوي ... عنه قد رامة محالا لست أسلو عن هواه ... كان رشداً أو ضلالا قل لمن قصّر فيه ... عذل نفسي أو أطلالا دون أن تدرك هذا ... يسلب الأفق الهلالا وكنت بميورقه فدخلها متسماً بالعبادة، وهو أسرى إلى الفجور من خيال أبي عبادة، قد لبس أسمالا، وأنس الناس منه أقوالا لا أعمالا، وسجوده هجود، وإقراره بالله جحود، وكانت له بسواحلها رابطة كان بلوازمها مرتبطا، ولسكناها مغتبطا، سمّاها بالعقيق وسمى إلا جواه، ولا يشوقه إلا هواه، فدخلت عليه يوماً لا زوره، وأرى زوره، فإذا أنا بأحد دعاة محبوبه، ورواة تشبيبه، فقال له كنت البارحة مع فلان بحماه، وذكر له خبراً ورى عنه وعماه، فقال مرتجلا: [وافر] تنفس بالحمى مطلول روض ... فأودع نشره ريحا شمالا فصبحت العقيق إلي كسلى ... تجر فيه أردانا خضالا أقول وقد شممت الترب مسكا ... بنفحتها يمينا أو شمالا نسيم بات يجلب منك طيباً ... ويشكو من محبتك اعتلالا ينم إلي من زهرات روض ... حشوت جوانحي منه ذبالا ولما تقرر عند ناصر الدولة من أمره ما تقرر، وتردد على سمعه انتهاكه وتكرر، أخرجه ونفاه، وطمس رسم فسوقه وعفاه، فأقلع إلى الشرق وهو جار، فلما صار من ميورقة على ثلثة مجار، نشأت له ريح صرفته عن وجهته، وردته إلى فقد مهجته، فلما لحق بميورقة أراد ناصر الدولة أباحته، وإبراء الدين منه وأراحته، ثم أثر صفحة، أخمد لهيب ذلك الحنق ولفحه، وأقام اياماً ينتظر ريحاً تزجيه، ويستهديها لتخلصه وتنجيه، وفي أثناء تلويه لم يتجاسر أحد من إخوانه على أتيانه، وجعلوا أثره كعيانه، فقال يخاطبهم: وافر

стр. 295

أحبتنا الأولى عتبوا علينا ... فأقصرنا وقد ارق الوداعُ لقد كنتم لنا جذلا وأنسا ... فهل في العيش بعدكم انتفاع أقول وقد صدرنا بعد يوم ... أشوق بالسفينة أن نزاع إذا طارت بنا حامت عليكم ... كان قلوبنا فيها شراعُ وله يتغزل: وافر بني العرب الصميم إلا رعيتم ... مآثركم بآثار السماح رفعتم ناركم فعشا إليها ... عشاء فارس الحي اللقاحِ وله في القاضي عبد الحق بن الملجوم: [بسيط] وسائل كيف خالي إذ مررت به ... ومن لواحظه كل الذي أجدُ ولي يد إذ توافقنا أشد بها ... على فؤادي وفي يمنى يديه يدُ والخمر في خده الوضاح رونقه ... يندى وفي قلبي المشفوف يتقدُ وله فيه أيضاً: [بسيط] يا من يعذبني لما تملكني ... ماذا تريد بتعذيبي وأضراري

стр. 296

عاج للأمير أبي بكر حمامة، واستسرّ فيها تمامه، فأجنة الثرى، وحاز منه بدر دجنة وليث شرى، فعطلت الدنيا من علاء وجود، وأطلت عليها بفقده حوادث أجدبت تهائمها والنجود، وفيه يقول يرثيه بما يسيل الفؤاد نجيعا، ويبيت به الأسى لسامعه ضجيعا، [خفيف] أيها الملك قد لعمري نعى المج ... د نواعيك يوم قمن فنحنا كم تقارعت والخطوب إلى أن ... غادرتك الخطوب في الترب وهنا غير أني إذا ذكرتك والدهرأخ ... ال اليقين في ذاك ظنا

стр. 297

وسألنا متى اللقاء فقالوا الح ... شر قلنا صبر الله وحرنا وكثيراً ما يغير هذا الرجل على معاني الشعراء، وينبذ الاحتشام من ذلك بالعراء، ويأخذها من أربابها أخذ غاصب، ويعوضهم منها كل هم ناصب، وهذا مما أطال به كمد أبي العلاء وغمه، فإنه من قوله يرثي أمه: [وافر] فيا ركب المنون إلا رسول ... يبلغ روحها أرج السلام سالت متى اللقاء فقيل حتى ... يقوم الهامدون من الرجامِ ومما تخلص فيه، واخترع كثيراً من معانيه، قوله يندبه ويرثيه: [منسرح] يا نازحاً لم تخطّ أرحله ... ولا جرى بالإياب سانحهُ وهاجدا لو يجيب داعيه ... أيقض بالصهيل سابحهُ وإن من لا تُحصى فضائله ... حربان لا تُحصى مدائحهُ ولما أمكنت العدو بموته الفرصة، وارتفعت عنه الغصة، وزالت التقيه، واشتاق لملك البقية، سرى إلى سرقسطة سرى قيس لأهل الهباءة، وأسرع نحوها إسراع الحمام إلى التابي من حر الإباءة، وأقام عليها يمحور رونقها، ولا يالو استسلابا رمقها، حتى أعادها كالنظم الواهي النثير، ويويبقهن بما كسبوا ويعفو عن كثير، وما زال يورث أهلها كل هم كامل ويجدد كل كامن دخيل، ويغير جنات ممن أعناب وزرع ونخيل، حتى أصبحت كالصريم، وراح الفساد فيها لا يريم، فطاع له أهلها بحكم القسر، ورأوا الذمة أجدى من الغل والأسر، فملك منها معقلا يوم العقول، ويوهن وقع الصارم المصقول، وحين استباحها، وأدجى فجرها وصباحها، بحث عن قبر الأمير أبي بكر فمي عليه موضعه، وحُمي منه بالإنكار مضجعه، فدل عليه أحد المرتسمين بخدمته، المتسمين بنعمته، وأثار منه طود مجد وبحر ندى، وأعراه من ثراه بعد ما التحف بإحسانه وارتدى: [طويل] ووضع الندى في موضع السيف بالعلى ... مضر كوضع السيف في موضع الندى فأخرجه من مدفنه، وأبرزه من كفنه، وعاث في تلك الأشلا، ومزق منها ما قصرت عنه يد البلى، سيرة من أقبح السير، تنكرها نفوس الغير، وفي ذلك يقول: [خفيف مجزوء] خلّ عيني كعهدها ... لبكاها وسهدها إن بالثغر رمة ... سكنت غير لحدها

стр. 298

أبرزتها أيدي رجا ... لٍ غدوا عين مجدها سكنوا ظل أمنها ... وأمتروا درّ رفدها وله في ذلك: [مديد] يا صدى بالثغر جاوره ... رمم بوركت من رممِ صبحتك الخيل عادية ... وأثارتك فلم ترمِ قد طوى ذا الدهر غرته ... عنك فالبس حلة الكرمِ ولابن خفاجة في مثل ذلك: [مديد] يا صدى بالثغر مرتهنا ... لممر الريح والديمِ لا أرى لا أخا كمد ... باكياً منك أخا كرمِ كم بصدري فيك من حرق ... وبكفي لك من نعم ولما فاتت سرقسطة من يد الإسلام، وباتت نفوس المسلمين فرقا منها في يد الاستسلام، ارتاب بقبح أفعاله، وبرئ من احتذائه بتلك الآراء وانتعاله، وأخافه ذنبه، ونبا عن مضجع الأمن جنبه، فكر إلى المغرب ليتوارى في نواحيه، ولا يتراءى لعين لائمه ولاحيه، فلما وصل شاطبة حضرة الأمير لأجل أبي إسحق ابراهيم بم يوسف بن تاشفين وجد باب نفاذه وهو مبهم، وعاقه عنه شيحان مدلول عليه ملهم، ناهيك من ملك سري، وليث جري، تبتهر العلياء بسجاياه، وتتأرج الدنيا بعبق مجده ورياه، فاعتقله اعتقالا شفى الدين من آلامه، وشهدله بعقيدة إسلامه، وفي ذلك يقول، وهو معقول، يصرح بمذهبه الفاسد، وغرضه المستأسد: [كامل] خفض عليك فما الزمان وريبه ... شيء يدوم ولا الحيوة تدومُ واذهب بنفس لم تضع لتحلها ... حيث أحتللت بها وأنت عليمُ يا صاحبي لفظا ومعنى خلته ... من قبل حتى بين التقسيم دع عنك من معنى الإخاء ثقيلة ... وأنبذ بذاك العبء وهوذميم واسمح وطارحني الحديث فإنه ... ليل كأحداث الزمان بهيمُ خذني على أثر الزمان فقد مضى ... بؤس على أبنائه ونعيمُ فعسى أرى ذاك النعيم وربه ... مرح ورب البوس وهو سقيمُ هيهات ساوت بينهم أجداثهم ... وتشابه المحسود والمرحومُ

стр. 299

ولما خلص من تلك الحبالة ونجا، وأنار من سلامته ما كان دجا، احتال في إعفاء ماله، واستيفاء آماله، فأظهر الوفاء للأمير أبي بكر بالرثاء له والتابين، دهيه في ذلك واضح مستبين، فإنه وصل بهذه النزعة من الحماية إلى حرم، وحصل في ذمة ذلك الكرم، واشتمل بالرعي، وأمن من كل سعي، فاقتنى قينات ولقنهن الأعاريض، من القريض، وركّب عليها ألحاناً أشجى من النوح، ولطف بها إلى إشادة الإعلان باللوعة والبوح، فسلك بها أبدع مسلك، واطلعها نيرات ما لها غير القلوب من فلك، فمن ذلك قوله: [منسرح] إن غراباً جرى ببينهم ... جاوبه بالثنية الصردُ صاروا فها أنت بعدهم جسد ... قد فارق الروح ذلك الجسدُ واكتتموا صبحة ببينهم ... أليس لله بئس ما اعتمدوا وكقوله: [طويل] سلام والمام ووسمي مزنة ... على الجدث النائي الذي لا أزوره أحقاً أبو بكر تقضى فلا يُرى ... ترد جماهير الوفود ستورهُ لئن أنست تلك القبور بلحك ... لقد أوحشت أقطاره وقصوره ومن قلة عقله ونزارته، أنه في مدة وزارته، سفر بين الأمير أبي بكر وبين عماد الدولة ابن هود بعد سعايات عليه أسلفها، وذخائر كانت له على يديه أتلفها، فوافاه لأوغر ما كان عليه صدره، وأصغر ما كان عنك قدره، فآل به ذلك الانتقال: إلى الاعتقال: فأقام فيه شهوراً يغازله الحمام بمقلة شوهاء، وتنازله الأوهام بفطرته الورهاء، وفي ذلك يقول بخاطب ذا الوزارتين أبا جعفر يزيد بن مجاهد: [وافر] لعلعك يا يزيد علمت حالي ... فتعلم أي خطب قد لقيتُ وإني إن بقيت بمثل ما بي ... فمن عجب الليالي أن بقيتُ يقول الشامتون شفاء بخت ... لعمر الشامتين لقد شقيتُ أعندهم الأمان من الليالي ... وسالمهم بها الزمن المقيتُ وما يدرون أنهم سيسقوا ... على كرة بكأس قد سُقيتُ وعزم عماد الدولة يوماً على قتله، وألزم المرقبين به التحيل في ختله فنمي إليه ذلك الأمر الوعر، وارتمى في لجج الباس والذعر، فقال: [طويل] أقول لنفسي حين قابلها الردى ... فراغت فرارا منه يسرى إلى يمنى

стр. 300

قرى تحملي بغض الذي تكرهينه ... فقال طال ما اعتدت الفرار إلى الأهنى ثم قضي له قدر قضى بأنظاره، وما أمضى من إباحته ما كان رهين انتظاره، ويمهل الكافر حكمه من الله وعلما، وإنما نملي لهم ليزدادوا إثماً، ثم القسم الرابع من قلائد العقيان ومحاسن الأعيان، وبتمامه تم جميع الديوان، والحمد لله حق حمده، وصلى الله على سيدنا محمد رسوله وعبده آمين