← Тараджим

Тараджим · id 21510

قلائد العقيان في محاسن الرؤساء والقضاة والكتاب والأدباء والأعيان

الفتح بن خاقان

Полный текст (300 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ولا هوادة بين الرأس تأخذه ... يد الضراب وبين الصارم الذكرِ فلا يغرنّك من دنياك نومتها ... فما صناعة عينيها سوى السهرِ ما لليالي أقال الله عثرتنا ... من الليالي وخانتها يد الغيرِ في كلّ حين لها في كلّ جارحة ... منّا جراح وإن زاغت عن البصرِ تسرّ بالشيء لكن كي تغرّ به ... كالأيم ثار إلى الجاني من الزهرِ كم دولة وليت بالنصر خدمتها ... لم تبق منها وسل ذكراك من خبرِ هوت بدراً وفلّت غرب قاتله ... وكان عصباً على الأملاك ذا اثرِ واسترجعت من بني ساسان ما وهبت ... ولم تدع لبني يونان من أثرِ واتبعت أختها طمساً وعادَ علي ... عادٍ وجرهمَ منها ناقص المررِ وما أقالت ذوي الهيأت من يمنٍ ... ولا أجارت ذوي الغيات من مضرِ ومزّقت سبّأً في كلّ قاصيةٍ ... فما ألتقى رائح منهم بمتكبرِ وأنفذت في كليب حكمها ورمت ... مهلهلاً بين سمع الأرض والبصرِ ولم تردّ على الضليل صحّته ... ولا ثنت اسداً عن ربّها حجرِ ودوّخت آل ذبيانٍ وإخوتهم ... عبساً وعضّت بني بدر على النهرِ وألحقت بعديّ بالعراق على ... يد ابنه أحمر العينين والشعرِ وبلّغت يزدجرد الصين واختزلت ... عنه سوى الفرس جمع الترك والخزرِ ومزّقت جعفراً بالبيض واختلست ... من غيله حمزة الظلاّم للجزرِ وأشرفت بخبيب فوق فارعة ... وألصقت طلحة الفياض بالعفرِ ولم تردّ مواضي رستم وقناً ... ذي حاجب عنه سمعا في ابنة الغيرِ وخضّبت شيب عثمانٍ دماً وخطمت ... إلى الزّبير ولم تستحي من عمرِ وأجزرت سيف أشقاها أبا حسنٍ ... وأمكنت من حسين راحتي شمرِ وليتها إذا فدت عمرا بخارجة ... فدت عليّاً بمن شاءت من البشرِ ما رعت لأبي اليقظان صحبته ... ولم تزوّده إلاّ الضحّ في الغمرِ وفي ابن هند وفي ابن المصطفى حسنٍ ... أتت بمعضلة الألباب والفكرِ فبعضنا قائل ما اغتاله أحد ... وبعضنا ساكت لم يوت من حصرِ وعمّمت بالردى فودي أبي أنسٍ ... ولم تردّ الردى عنه فنا زفرِ وأردت ابن زياد بالحسين فلم ... يبؤ بشسع له قد طاح أو ظفرِ

стр. 37

وأنزلت مصعباً من رأس شاهقة ... كانت بها مهجة المختار في وزرِ ولم تراقب مكان ابن الزبير ولا ... رعت عياذته بالبيت والحجرِ ولم تدع لأبي الذبّان قاضبه ... ليس اللطيم لها عمرو بمنتصرِ وأظفرت بالوليد بن اليزيد ولم ... تبقِ الخلافة بين الكاس والوترِ حبابهُ حبُّ رمَّان ألمّ بها ... وأحمرٌ قطّرته نفحة القطرِ ولم تعد قضب السفّاح نائبة ... عن رأس مروان أو أشياعه الفجرِ واسلبت دمعة الروح الأمين على ... دمٍ يثجّ لآل المصطفى هدرِ وأشرقت جعفراً والفضل ينظره ... والشيخ يحيى بريق الصارم الذكر وأخفرت في الأمين العهد وانتدبت ... لجعفر بابنه والأعبد الغدرِ وروّعت كل مأمون ومؤتمن ... وأسلمت كل منصور ومنتصر وأعثرت آل عبّاس لعاً لهمُ ... بذيل زبَّاءَ من بيض ومن سمرِ وأوثقت في عراها كلّ معتمد ... وأشرقت بقذاها كلّ مقتدرِ ولا وفت بعهود المستعين ولا ... بما تأكدّ للمعتزّ من مررِ بني المظفّر والأيام ما برحت ... مراحلاً والورى منها على سفرِ سحقاً ليومكمُ يوماً ولا حملت ... بمثله ليلة في مقبل العمرِ من للأسرّة أو من للأعنّة أو ... من للأسنّة يهديها إلى الثغرِ من لليراعة أو من للبراعة أو ... من للسماحة أو للنفع والضررِ أو دفع كارثة أو ردع آزفة ... أو قمع حادثة تعيي على القدرِ من للظّبي وعوالي الخطّ قد عقدت ... أطراف السنها بالعيّ والحصرِ وطوقت بالثنايا السود بيضهمُ ... أعجب بذاك وما منها سوى ذكرِ ويح السماح وويح الباس لو سلماً ... وحسرة الدين والدنيا على عمرِ سقت ثرى الفضل والعبّاس هامية ... تعزى إليهم سماحاً لا إلى المطرِ ثلاثة ما رأى السعدان مثلهمُ ... فضلاً ولو عززا بالشمس والقمرِ ثلاثة ما ارتقى النسران حيث رقوا ... وكلّ ما طار من نسر ولم يطرِ ومرّ من كلّ شيء فيه أطيبه ... حتّى التمتّع بالآصال والبكرِ من للجلال الذي عمّت مهابته ... قلوبنا وعيون الأنجم الزهرِ أين الإباءِ الذي أرسوا قواعده ... على دعائم من عزّ ومن ظفرِ

стр. 38

أين الوفاء الذي اصفوا شرائعه ... فلم يرد أحد منهم على كدرِ كانوا رواسي أرض الله منذ نادوا ... عنها استطارت بمن فيها ولم تقرِ وكانوا مصابيحها فمذ خبوا غبرت ... هاذي الخليقة يالله في سرر كانوا شجا الدهر فاستهوتهم خدع ... منه بأحلام عاد في خطا الخضرِ من لي ومن بهم أن أطنبت محن ... ولم يكن وردها يفضي إلى صدرِ من لي ومن بهم أن أظلمت نوب ... ولم يكن ليلها يفضي إلى سحرِ من لي ومن بهم أن عطّلت سنن ... واخفتت ألسن الآثار والسيرِ ويلمّة من طلوب الثأر مدركه ... لو كان ديناً على الأيام ذي عسرِ على الفضائل إلاّ الصبر بعدهمُ ... سلام مرتقب للأجر منتظرِ يرجو عسى وله في أختها طمع ... والدهر ذو عقب شتّى وذو غيرِ قرّطتّ آذان من فيها بفاضحة ... على الحسان حصى الياقوت والدررِ واخبرني الوزير أبو بكر ابن القبطرنة أنه كان مسامراً للمتوكل غذ وافاه خبر بخروج أحد أهل يابرة فاراً من ابنه العباس ولحاقه بالمعتمد على الله فبينما هو يردد الوعيد، ويبدي في ذلك ويعيد، إذا بكتاب العباس قد وافاه، يقسم أنه ما أخرجه ولا نفاه، ولا حمله على ذلك إلا البطر، وأنه كان له في ذلك أرب ووطر، وكانت حاجة في نفس يعقوب قضاها، وإرادة أنفذها وأمضاها، فوقع له على رقعة، قبولي لتنصلك من ذنوبك موجب لجرأتك عليها، وعودتك إليها، واتصل بي ما كان من خروج فلان عنك ولم تتثبت في أمره، ولا تحققت صحيح خبره، حين فر عن أهله ووطنه، والعجلة من النقصان، وليس يحمد قبل النضج بحران، وهو الذي أوجبه إعجابك بأمرك، وانفرادك برأيك، ومتى لم ترجع إلى ما وعدت به من نفسك، وصدرت به من كتبك، فإنا والله أريح نفسي من شغبك، وإن تكن الأخرى، فهو الحظ الأوفى، فاختر لنفسك أي الأمرين ترى إن شاء الله تعالى، وبلغه أنه ذكر في مجلس المنصور يحيى أخيه بسوء فكتب إليه، طويل فما بالهم لا أنعم الله بالهم ... ينيطون بي ذمّاً وقد علموا فضلي يسيئون في َّ القول جهلاً وضلَّة ... وإني لأرجو أن يسوءهمُ فعلي لئن كان حقاً ما أذاعوا فلا مشت ... إلى غاية العلياءِ من بعدها رجلي ولم ألقَ أضيافي بوجه طلاقةٍ ... ولم امنح العافين في زمن المحلِ

стр. 39

كيف وراحي درس كل غريبة ... وورد التقى شمّي وحرب العدى نقلي ولي خلقٌ في السخط كالشري طعمه ... وعند الرضا أحلى جنىً من جنى النحلِ فيا أيها الساقي أخاه على النوى ... كؤوس القلى مهلاً رويدك بالعلِّ لتطفي ناراً أضرمت في نفوسنا ... فمثلىَ لا يقلى ومثلكَ لا يقلي وقد كنت تشكيني إذا جئت شاكياً ... فقل لي لمن أشكو صنيعك بي قل لي فبادر إلى الأولى وإلاَّ فإنّني ... سأشكوك يوم الحشر للحكم العدلِ وكان ابن الحضرمي وزيره فازدهى، واقتعد السهى، وعامل الناس أسوأ معاملة، وأعطاهم المقابحة عوضاً من المجاملة، وأهمل الحال التي علقها به وناطها، ودمرها عليه وما حاطها، ولما تجبر وعتا، وأتى من ذلك ما أتى، ظهر للمتوكل قبح أفعاله، واحتذائه بالنجم وانتعاله، فأقعده عن رتبته، وأبعده عن خدمته، فكتب إليه يستعطفه، فراجعه المتوكل، يا سيدي وأكرم عددي، الشاكي ما جنته يده لا يدي، ومن أسأل الله له التوفيق في ذاته، إذ حرمه في ذاتي، قرأت كتابك المتشكي فيه صدوري، وأعراضي عنك غاية مجهودي، نعم فإني رأيت الأمر قد ضاع، والأدبار قد انتشر وذاع، فأشفقت من التلف، وعدلن إلى ما يعقب إن شاء الله بالخلف، وأقبلت استدفع مواقع أنسي، وأشاهد ما ضيعته بنفسي، فلم أر إلا لحجاً قد توسطتها، وغمرات قد تورطتها، فشمرت عن الساق بلجمتها، وخدمت النفس بمهجتها، حتى خضت البحر الذي أدخلني فيه رأيك، ووطيت الساحل الذي كان يبعدني عنه سعيك، فنفسك لم، وبسوء صنيعك لذا واعتصم، وإن مت بجميل اعتقاد، ومحض وداد، فأنا مقر بغره، معترف بقله وكثره، ولكن كنت كالمثل شوى أخوك حتى إذا انضج رمد، وقد أطعمت في العدو، ولبست لأهل مصري الاستكبار والعتو، واستهنت بجيرانك، وتوهمت أن المروءة التزام زهوك وتعظيم شانك، حتى أخرجت النفوس على وعليك، فانجذب مكروه ذلك غليك، ومع ذلك فليس لك عندي إلا حفظ الحاشية، وإكرام الغاشية، ولما كتب الوزير أبو بكر بن القبطرنة مع بنت الحضرمي، وتأخر زفافها تأخراً أرقه، وأورى حرقه، واتفق أن نهض المتوكل إلى أرض الروم، لمنازلة أحد معاقلها وهو معه فأقام معه إلى أن فتحه، وأنهج له الظفر سعيه وأوضحه، فصدر والفتنة قد أنشبت أظفارها، وأعملت أسنتها وشفارها، وأغطشت ليلها، وأجالت في عراصه خيلها، فكتب إليه، ومملوكك قبل التهنئة:

стр. 40

بسيط يشكو إليك الذي تطويه أضلعه ... بالحضرميّة من همّ وتسهيدِ فانسخ ليّ السود من أيام وحشتها ... بالبيض قبل اختلاط البيض بالسودِ فقال ابن ايمن أراد الشباب والمشيب وقال هو والله ما أراد إلا الروم والزنج وكان باختلاطهم، وانتشارهم فينا وانبساطهم، ووالله لا جمعن بينهما قبل أن ينجر باسهم إلينا فيعود الشباب مشيباً، وترى الولدان شيباً وترحل كل سلوة، وتنحل كل حبوة، وتكثر الأجاحات، وتصبح الأعراس وهي مناحات، وعاقت الفتنة عن ذلك وشغلت، وتوقدت عواديها واشتعلت، فلم يتكيف أعراسه، ولا جرت في ميدان المنى أفراسه. ولما عفر المتوكل وصرع، وجرع من الردى ما جرع، ارتدت آمال أبي بكر على أعقابها، وانسابت إليه حيات الملمات من أنقابها، وانتهت أمواله، وهتكت أحواله، وغدت منازله وهي نزائل، وتراءى له ظل عزة وهو زائل، واستنسر له البغاث، وعدم المستصرخ والمستغاث، فقال يرثي المتوكل والفضل: طويل تهاوت بيَ الدنيا وهرّت كلابها ... بأسدي وجرّت بيض أفياليَ النملُ فقلت لها عيثي جعار وجرّري ... فلا عمر منّي قريب ولا الفضلُ ثم أعرس بها بعد والحال قد جف معينها، وخف قطينها، وورد ثمادها، وفقد عمادها، فأقام معها بين أحوال مكربة، وأمال مضطربة، إلى أن حان حينها، وبان رحيل المنايا وبينها، وفيها يقول عندما عاقها عنه الحمان وعداها، وثناها عنه كما ثنى عن الروضة نداها: متقارب ادمعاً جموحاً وصبراً حزوناً ... لقد جمع الحزن فيك الفنونا أيا ماشياً فوقها لاهياً ... تميس اختيالاً وتنتقدّ ليناً ترفّع برجلك عنها رويداً ... ستجعل خدّك فيها المصونا فلا تبكينَّ لشرخ أملس ... قناتك ميماً وياء وسيناً وخطّ على ورد كافورتيك ... بمسك عذاريك لاماً ونوناً وممّا يثبّت قولي لديك ... ورّبتما جرّشان شؤنا مصاب حكى في ابنة الحضرميّ ... مصاب صبيرة أدمى الجفونا ولفّ الشباب بأوراقه ... وأودعه الترب غضّاً مصونا فأنسي بها نضرة واقتبالاً ... وعيشاً نصيراً وأنساً طروناً وأخبرني الوزير أبو محمد بن عبدون أن الجدب توالى بحضرته حتى جفت

стр. 41

مذانبها، وأغبرت جوانبها، وغرد المكا في غير روضة، وخاض الناس بالباس أعظم خوضه، وأبدت الخمائل عبوسها، وشكت الأرض للسماء بوسها، فأقلع المتوكل عن الشرب واللهو، ونزع ملابس الخيلاء والزهو، وأظهر الخشوع، وأكثر السجود والركوع، إلى ان غيم الجو، وأنسجم النو، وصاب الغمام، وغنت الحمام، وسفرت الأزهار، وزهت النجاد والأغوار، واتفق أن وصل أبو يوسف المغني والأرض قد لبست زخارفها، ورقم الغمام مطارفها، وتدبجت الغطيان والربى، وأرجت نفحات الصبا، والمتوكل ما فض لتوبته ختاماً، ولا نفض عن قلبه منها قتاماً، فكتب إليه: متقارب ألمّ أبو يوسف والمطر ... فيا ليت شعري فما ينتظر ولست بأب وأنت الشهيد ... حضور نديّك فيمن حضر ولا مطلعي وسط تلك السما ... ء بين النجوم وبين القمر ركض فيها جياد المرا ... م محثوثة بسياط الوتر فبعث إليه مركوباً وكتب معه: متقارب بعثت إليك جناحاً فطر ... على خفية من عيون البشر على ذلل من نتاج البرو ... ق في ظلل من نسيج الشجر فحسبيَ ممّن نأمن من دنا ... فمن غاب كان فدا من حضر فوصل القصبة المطلة على البطحاء، المزرية بمنازل الروحاء، فأقام منها حيث قال عدي بن زيد يصف صنعاء: مديد في قباب حول دسكرة ... حولها الزيتون قد ينعا ومضى لهم من السرور ما مر لاذي رعين، ولا تصور قبل عيونهم لعين، وأخبرني أنه سايره إلى شنترين قاصية أرض الإسلام، السامية الذري والإعرم، التي لا يروعها صرف، ولا يقرعها طرف، لأنها متوعرة المراقي، معفرة للراقي، متمكنة الرواسي والقواعد، من ضفة نهر استدار بها استدارة القلب بالساعد، وقد أطلت على خمائلها أطلال العروس من منصتها، واقتطعت في الجو أكثر من خصتها، فمروا بالبش قطر سالت فيه جداوله، واختالت فيه خمائله، فما يجول الطرف منه إلا في حديقة، او بقعة أنيقة، فتلقاهم ابن مغاني قاضي حضرته وأنزلهم عنه، وأورى لهم بالمبرة زند، وقدم لهم طعاماً، واعتقد قبوله منا وأنعاما، وعندما طعموا قعد القاضي بباب المجلس رقيباً لا يبرح، وعين المتوكل حياء منه لا تجول ولا تمرح،

стр. 42

فخرج أبو محمد وقد أبرمه بتثقيله، وحرمه رواحه ومقيله، فلقي ابن خيرون منتظراً له، وقد أعد لحضوره منزله، فصار إلى مجلس قد ابتسمت ثغور نواره، وخجلت خدود ورده من زواره، وأبدت صدور أباريقه أسرارها، وضمت عليه المحاسن أزرارها، ولما حضر له وقت الأنس وحينه، وأرجت له رياحينه، وجه من يرقب المتوكل حتى يقوم جليسه، ويزول موحشه لا أنيسه، فأقام رسوله وهو بمكانه لا يريمه، وقد لازمه كأنه غريمه، فما انفصل، حتى ظن أن عارض الليل قد نصل، فلما عام أبو محمد بانفصاله بعث إلى المتوكل بقطيع خمر وطبق ورد وكتب معهما: رجز إليكها فاجتلها منيرةً ... وقد خبا حتى الشهاب الثاقبُ وافقة بالباب لم يؤذن لها ... إلاَّ وقد كاد ينام الحاجبُ فبعضها من المخاف جامد ... وبعضها من الحياء ذائبُ فقبلها ﵀ وكتب إليه: رجز قد وصلت تلك التي زففتها ... بكرا وقد شاب لها ذوائب فهبّ حتّى نستردّ ذاهباً ... من أنسنا أن استردّ ذاهبُ فركب إليه، ونقل معه ما كان بالمجلس بين يديه، وباتاً ليلتهما لا يريمان السهر، ولا يشيمان برقاً إلاّ الكاس والزهر، وأخبرني ابن زرقون أنه حضر مجلس راح، ومكنس ضباء وأفراح، وفيه جماعة منهم الوزير أبو بكر بن القبطرنة شيخ الفتوة، ومعرض فتياتها المجلوة، ومعهم سعد ابن المتوكل وهو غلام ما نضا عنه الشباب بردة، ولا اذوي ياسمينة ولا وردة، وكان الوزير أبو بكر وأخواه أبو محمد وأبو الحسن مختصين بالفضل أخيه اختصاص الأنوار بالكمائم، واللبات بالتمائم، فتذاكروا فقه، وكيف شفى عليه الزمان حقه، ووصفوا صرعته، وأوقدوا لوعته، والمدام قد روقت دمعه، وشوقت لأحاديثه سمعه، فهاج شجوه، وبان طربه ولهوه، وأرسل مدامعه سجالاً، وقال ارتجالاً: كامل يا سعد ساعدني ولست بخيلاً ... وامنن بها خمراً تفيض همولاً وأحبس عليّ دموع عينك ساعة ... وأبرد بها ممّا ألمّ غليلاً أن يصبح الفضل القتيل فإنّني ... أصبحت من وجدي به مقتولاً كم قد وفيتم والحمام بمهجتي ... وحملت شول علائكم معقولاً

стр. 43

ومن كلامه الحر، ونثره المزري بالدر، ما كتب به إلى المعتمد شافعاً وهو، ما يسفر لي أيدك الله وجه مطالعتك، ويعن لي سبب مراسلتك، إلا واجد الزمان قد أقبل بعد أعراضه، وأمد حبل انتقاضه، وارى المنى تلقي إلي عنانها، وتدني من يدي إحسانها، فإنك العماد الذي اعتده جبلاً الوذ بحقوه، ومنهلاً أكرع في صفوة، ومعظماً أعاطيه بقسطه، أناجيه على شطحه، ولما كان فلان أبقاه الله قد سبقت به المعرفة القديمة، وسلفت معه الأدمة الكريمة، وأتاني ثناؤه عليك بالغيب أرسالاً، كأنما هب صبا أو شمالاً، لزمني أن أعلمك بمكانه من الانقطاع إلى جهتك، والتحيز إلى فئتك، وإن أشفع له عندك شفاعة حسنة أدرك بها كرم الشفيع، ويحوز بها منك شرف العارفة والصنيع، وهي منة طوقته إياها، وأطلعته بروضها ورباها، ثم اعترض عليه فيها، وقد شهر ملكه لها ولنواحيها، ويعيذ الله فخرك أن يكون ما وهبت مرتجعاً، وما أوليت منتزعاً، وأنا ارتقب لها الإسعاف والقبول، كما يرتقب الظمأن الورود والوصول، وإن مننت أيدك الله بالمراجعة الجميلة البديعة، وقرنتها بأحوالك المصونة الرفيعة، وقرنتها بأحوالك المصونة الرفيعة، اقتضيت الشكر من شاكر، كنور زاهر وغمام باكر، إن شاء الله تعالى، وكان ليلة مع خواصه للأنس معاطياً، ولمجلس كالشمس وأطيا، وقد تفرغ للسرور، وتسوغ عيشاً كالأمل المزرور، والمنا قد أفضحت ورقها، وأومض برقها، والسعد تطلع مخائله، والملك يبدو زهوة وتخايله، غذ ورد عليه كتاب بدخول أشبونة في طاعته، وانتظامها في سلك جماعته، فزاد في مسرته، وبسط أسرته، واقبل على خدامه، وأسبل نداه على جلسائه وندامه، فقال له ابن خيرة وكان يدل بالشباب، وينزل منه منزلة الأحباب، لمن توليها، أو من يكون واليها، فقال لك، فقال فاكتب لي بذلك، فاستدنى الدواة والرق وكتب وما جف له قلم، ولا توقف عنه كلم، لم يسوغ أولياء النعم مثل الذي سوغتموه من التزم الطاعة، والدخول في نهج الجماعة، ولذلك لا ألوكم ونفسي فيكم نصحا فيمن أتخيره للنيابة عني في تدبيركم، والقيام بالدقيق والجليل من أموركم، وقد وليت عليكم من لم أوثر والله فيه دواعي التقريب، على بواعث التجريب، ولا فرات التخصيص، على لوازم التمحيص، وهو الوزير القائد أبو عبد الله ابن خيرة ابن درية بعضي صحبة، ونشاتي شبكة وقربة، وقد رسمت له من وجوه الذب والحماية، ومعالم الرفق والرعاية، ما لتزم الاستيفاء بعهده،

стр. 44

والوقوف بجده عند حده، والمسؤول في عونه من لا عون إلا من عنه، ولن أعرفكم من حميد خصاله، وسديد فعاله، إلا بما سيبدو وللعيان، ويزكو مع الامتحان، ويفشو من قلبكم إن شاء الله على كل لسان، وقد حددت له أن يكون لناشئكم أباً، ولكهلكم أخا، ولذي التقويس والكبر ابنا، ما اعتموه على هذا المراد، ولزوم الجواد، وركوب الانقياد، وأما من شق العصا، وبان عن الطاعة وعصى، وظهر منه المراد والهوى، فهو القصي منه وأن مت إليه بالرحم الدنيا، فكونوا له خير رعية بالسمع والطاعة في جميع الأحوال، يكن لكم بالبر والموالات خير وال، إن شاء الله ، وأخبروني الفقيه أبو أيوب ابن أبي أمية أنه مر في بعض أيامه بروض مفتر المباسم، معطر الرياح النواسم، قد صقل الربيع حواذته، وانطلق بلبله وورشانه، والحف غصنه بروداً مخضرة، وجعل إشراقه للشمس ضرة، وأزاهيره تتيه على الكواكب، وتختال في خلع الغمائم السواكب، فارتاح إلى الكون به بقية نهاره، والتغم ببنفسجة وبهاره، فلما حصل من أنسه في وسط المدى، عمد إلى ورقة كرنب قد بللها الندى، وكتب فيها بطرف غصن يستدعي الوزير أبا طالب بن غانم أحد ندمائه، ونجوم سمائه: بسيط مجزوء أقبل أبا طالب إلينا ... وقع وقوع الندى علينا فنحن عقد بغير وسطي ... ما لم تكن حاضراً لدينا ولما وافي العيد الذي لم يفرع فيه بأسمائهم منبر، ولا تضوع في نواحيه منهم مسك ولا عنبر، وطوت الفضل منيته، وتعطلت في ذلك الموسم ثنيته، تذكر الوزير أبو محمد بن القبطرنة أيامه معه، وتصور أعياده وجمعه، وأشراقها بحلاه، وابتهاجها بعلاه، وتفكر في سقوط النسور عليه والعقبان، وتمزيق الوحوش لجسمه الذي كان كغصن البان، فقال: طويل أيا فضل لم أعجب لموتك أنّه ... هو الدهر لا يبقى عليه ولا الدهرُ ولكن لا سياف مشين عواضبا ... إليك وكنت السيف حليته النصرُ ويا عجباً للأرض حيّا ملكتها ... ومتّ ولم يسترك من قعرها شرُ فليتك من عيني وقلبي صيانة ... تؤب إلى قبر إذا لم يكن قبرُ ستبكي لهذا العيد بعدك فتنة ... زفيرهمُ نظم وأدمعهمْ نثرُ تؤمّل هل يبيضّ وجهك طالعاً ... فيسودّ في ألحاظها العيد والفطرُ

стр. 45

ليرعاك منّي مشفق ذو حفيظة ... عليك إذا لم يرعك الذئب والنسرُ نجز خبر المتوكل بحمد الله المعتصم بالله أبو يحيى محمد بن معن بن صمادح ﵀ ملك أقام سوق المعارف على ساقها، وأبدع في انتظام مجالسها واتساقها، وأوضح رسمها، واثبت في جبين أوانه وسمها، لم تخل أيامه من مناظرة، ولا عمرت إلا بمذاكرة أو محاصرة، إلا ساعات أوقفها على المدام، وعطلها من ذلك النظام، وكانت دولته مشرعاً للكرم، ومطلعاً للهمم، فلاحت بها شموس، وارتاحت فيها نفوس، ونفقت فيها أقدار الأعلام، وتدفقت بحار الكلام، كإجادة ابن عمار وإبداعه، في قوله معتذراً من وداعه: طويل أمعتصماً بالله والحرب ترتمي ... بأبطالها والخيل بالخيل تلتقي دعتني المطايا للرحيل وإنّني ... لأفرق من ذكر النوى والتفرقِ وإنّي إذا غرّبتُ عنك فإنمّا ... جبينك شمسي والمريّة مشرقي هذا على انكماش ولايته، وقلة جبايته، فإن نظرة لم يزد على امتداد ناظر، ولم يجد الغمام منه على يانع ولا ناضر، لأن أكثره منابت شيح، ومهامه فيح، استغفر الله إلا ضفتي نهر بجاية الممتد كالحبل، المستمد من الطل والوبل، فإن في جانبيه كاتساع الشبر، ما يفي بانتجاع ورق ولا تبر، فاقتصر هو على صمادحيته البديعة، وقصبته المنيعة، واشتغل بترميق أساطيله، وتنميق أباطيله، لم تمتد همته إلى مزاحمة ملك في ملكه، ولم يزد على مراعاة أمر جواريه وفلكه، ولا انتقل إلا من مجلس مدارسة، إلى مكنس موانسة، فكثيراً ما كان يعمر أندية اللهو، ويداولها من مجلس الحافة إلى البهو، كلاهما سري المنظر، قمري المرمر، وكان له نظم أرج النفحة، بهج الصفحة، يصف به مجالس إيناسه، ويصرفه بين ندمائه وكاسه، ولم يزل كذلك إلى ان نازلته المحلات، وطاولته المحلات، ففاضت نفسه في أثناء منازلتهم جزعاً، وذهبت روحه مقسماً بالأنكاد موزعاً، ونغصت عليه منيته حتى ما كان يلتفت إلا إلى رهج يغشاه، ولا يصيخ غلا إلى رجة تقلقل حشاه، فأكثر القتال أنما كان تحت مجلسه الذي كان به مضجعه، وفيه تألمه وتوجعه، ولقد أخبرني من سمعه يقول وقد علمت أصواتهم، وتقلقلت لغاتهم، نغص علينا كل شيء

стр. 46

حتى الموت فبكت إحدى حظاياه فرمقها بطرفه الكليل، وقال وهو يتنفس الصعداء من حر الغليل: متقارب ترفّق بدمعك لا تفنه ... فبين يديك بكاء طويل وبقي ابنه عز الدولة مختبل التلفت، مرتقباً للتفلت، لا يحكم تدبيراً، ولا يملك من أمره قليلاً ولا كثيراً، قد نهك بالغصص، وذهل خوفاً من القنص، إلى أن ركب في البحر طريقاً غير يبس، وساعدته الريح بنفس، فامتطى ثبجه، وأورد غربانه لججه، فكانت أطوع من غربان نوح، وبلغت بأجنحة إلى حيث شاء الجنوح، فأصبح ناس وأطراف شراعه تلوح، وإطلاله تبكي عليه وتنوح، فأزجاه إلى بجاية سكانه، وحياه منها موضعه ومكانه، فاستقر فيها تحت رعاية المنصور بن الناصر، وأوى منها إلى جنات ومقاصر، وتوقد له شهابه، وجدد له العز ذهابه، فمن بديع أفعال المعتصم أن النحلي دخل المرية وعليه إسمال لا تقتضيها الآداب، ولا يرتضها إلا الانتحاب والانتداب، والناس قد لبسوا البياض، وتصرفوا في حضرتهم، في مثل قطع الرياض، والنحلي ظمأن يسعره جواده، عريان لا يستره إلا سواده، فكتب إليه: وافر أيا من لا يضاف إليه ثان ... ومن ورث العلي بابا فبابا أيجهل أن تكون سواد عيني ... وأبصر دون ما أبغى حجابا ويمشي الناس كلّهمُ حماما ... وأمشى بينهم وحدي غرابا فأدر له حباه، ووصله وحاباه، وبعث إليه من البياض ما لبسه، وجلل به مجلسه، وكتب إليه مع ذلك: طويل وردتَّ ولليل إليهم مطارف ... عليك وهذي للصباح برودُ وأنت لدينا ما بقيت مقرّب ... ومعيشك سلسال الجمام برودُ واخبرني الوزير أبو خالد ابن بشتغير أنه ركب ليتطلع بعض أقطاره، ويتودع فيها بقية نهاره، وقدم بين يديه من آلات أطرابه، وأدوات شرابه، ما تخذه لأنسه جالباً، وللوعته غالباً، فإن إحدى خطاياه المكينات عنده تركها تجود بنفسها، وترود مكان رمسها، فخرج فاراً من قصتها، مستريحاً من غصتها، فلما وضع رجله في ركابه، ودمعه يغلب جلله بانسكابه، خرج من أعلمه بموتها، وعزاه على فوتها، فأمر أن توضع في قبرها، ووصى من ينظر في أمرها، ولم ينصرف من وجهته، ولم ينحرف

стр. 47

عن نزهته، وقال: بسيط لمّا غدا القلب مفجوعاً بأسودهِ ... وفصّ كلّ ختامٍ من عزائمهِ ركبت ظهر جوادي كي أسليه ... وقلتُ للسيف كن لي من تمائمهِ وأخبرني الوزير المذكور أنه حضر مجلسه بالصمادحية في يوم وفيه أعيان الوزراء، ونبهاء الشعراء، فقعد على موضع يتداخل الماء فيه، ويتلوى في نواحيه، والمعتصم منشرح النفس، مجتمع الأنس، فقال: بسيط انظر إلى حسن هذا الماء في صببه ... كأنّه أرقم قد جدّ في هربه فاستبدعوه، ونيموه به وأولعوه، فاسكب عليهم شأبيب نداه، وأغرب بما أظهره من بشره وأبداه، واتفق أن غني بقول النابغة: متقارب ولمّا نزلنا بجسر النتاج ... ولم نعرف الحيّ إلا التماساً أضاءت لنا النار وجهاً أغرّ ... وملتبساً بالفؤاد التباساً فاستطابه واستحسنه، وجعله أبدع منا للنابغة وأحسنه، وأمر ابن الحداد بمعارضته فقال على البديهة: متقارب إذا ما التمست الغنا بابن معن ... ظفرتَ وأحمدت منه التماساً ومن يرج شمس العلى من نجيب ... فليس يرى من رجاه شماساً وبلغته عن ابن عمار هنات، لم تطرق جفونهه بهاسنات، وقرر عنه أنه يدب إليه دبيب الضراء، وينسبه إلى افن الآراء، ويكشف عن عوراته، ويستخف ببوادره وفوراته، فضاق بها ذرعاً، واعتقدها على ابن عمار أصلاً وفرعاً، ونوى غاية هجره، وزوى عينيه عن صباحه وفجره، فكتب إليه ابن عمار فلم يلتفت إلى ما كتبه، وعذل مبلغه وأنبه، واجتاز على المرية فما استدعاه، ولا أخصب له مرعاه، ولا بره على عادته ولا رعاه، فلما تمادى في تقاطعهما الأمد، وتوالى عليه بما يبلغه عنه الكمد، كتب إليه مراجعاً عن قطعة خاطبه بها: طويل وزهّدني في الناس معرفتي بهم ... وطول اختباري صاحباً بعد صاحبِ فلم ترني الأيّام خلاّ تسرّني ... مباديه إلاّ ساءني في العواقبِ ولا قلت أرجوه لدفع ملمّة ... من الدهر إلاّ كان إحدى المصائبِ فراجعه ابن عمار بهذه الأبيات: طويل

стр. 48

فديتك لا تزهد فثمّ بقيّة ... سيرغب فيها عند وقع التجاربِ وأبق على الخلصان أنّ لديهم ... على البدء كرّاتٍ بحسن العواقبِ تكنّفتني بالنظم والنثر جاهداً ... وسقت عليّ القول من كلّ جانبِ وقد كان لي لو شئتُ ردّ وإنّما ... أجرّ لساني بعضُ تلك المواهبِ ولابدّ من شكوى ولو بتنفّس ... يبرّد من حرّ الحشا والترائبِ كتبت على رسمي وبعد نسية ... قرأت جوابي من سطور المواكبِ ثلاثة أبيات وهيهات إنّما ... بعثت إلى حربي ثلاث كتائبِ وكيف يلّذ العيش في عتب سيّد ... وما لذّ لي يوماً على عتب صاحبِ وقبل جرت عن بعض كتبيّ جفوة ... ألحّت على وجهي بغمز الحواجبِ سلكت سبيلي للزيارة قبلها ... فقابلت دفعاً في صدور الركائبِ وما كنت مرتاداً ولكن لنفحة ... تعودتُّ من ريحان تلك الضرائبِ ولو لمعت لي من سمائك برقة ... ركبت إلى مغناك هوج الجنائبِ فقبّلت من يمناك أعذب مورد ... وقضيّت من لقياك أوكد واجبِ وأبت خفيف الظهر إلاّ من النوى ... وخلّفت للعافي ثقال الحقائبِ سواك يعي قول الوشاة من العدى ... وغيرك يقضي بالظنون الكواذبِ وأقام عنده في بعض سفراته مقاماً امتد زمامه، وتوالت أيامه، حتى أقلقته دواعي شوقه، وشب صبره عن طوقه، والمعتصم يقيه ببره، ويعتمده بموالات لجبينه وتبره، ويرعيه ما شاء من بشره، ويستدعيه لبسط الأنس ونشره، ولما سئم الثواء ومله، وأنهله القلق وعله، وحن إلى حمص حنين نصيب للجفر، والمحرمين ليلة النفر، وهام بها هيام عمر بالثريا، وحارثه بن بدر بالحميا، كتب إليه يستسرحه، بشعر تتماه النفس وتقترحه، وهو: كامل مجزوء يا واضحاً فضح السحا ... ب يجود في معنى السماح ومطابقاً يأتي وجو ... هـ الجدّ من طرق المزاح أسرفت في برّ الضيا ... فِ فجد قليلاً بالسراح فراجعه المعتصم: كامل مجزوء يا فاضلاً في شكره ... أصل المساء مع الصباح هلاّ رفقت بمهجتي ... عند أتكلّم بالسراح

стр. 49

عن السماح ببعدكم ... والله ليس من السماح وخرج إلى برجه ولادية وهما نظران لم يجل في مثلهما ناظر، ولم تدع حسنهما الخدود النواضر، غصون تثنيها الرياح، ومياه لها انسياح، وحدائق تهدي الأرج والعرف، ومنازل تبهج النفس وتمتع الطرف، فأقام فيها اياماً يتدرج في مسارحها، ويتصرف في منازهها ومسايحها، وكانت نزهة أربت على نزهة هشام بدير الرصافة، وأنافت عليها أي إنافة، وفي أثناء مقامه، وخلال اتساق الأنس له وانتظامه، عن له ذكر إحدى خطاياه فهيجه وأقلقه، وأزعجه وأرقه، فكتب إليها رقعة وطيرها وفيها: طويل وحمّلت ذات الطوق منّي تحيّةً ... تكون على أفق المريّة مجمراً كمل ذكر المعتصم والحمد لله الحاجب ذو الرياستين أبو مروان عبد الملك ابن رزين رحمه الله تعالى ورث والرياسة من ملوك عضدوا مؤازرهم، وشدوا دون النساء مأزرهم، ولم يتوشحوا إلا بالحمائل، ولا جنحوا للباس إلا في أعنة الصبا والشمائل، وركبوا الصعاب فذللوها، وابتغوا سبباً للنجوم حتى انتعلوها، وملكوا الملك بأيد، وعقلوه من النخوة بقيد، وكان ذو الرياستين منتهى فخارهم، وقطب مدارهم، شيد بناءهم، وقيد غناءهم، رجلاً اتخذته البسالة قلباً، وضمت عليه شغافاً وخلباً، لا يعرف جبناً ولا خوراً، ولا يتلو غير سور الندى سورا، وكانت دولته موقف البيان، ومقذف الأعيان، ترتضع فيها للمكارم أخلاف، وتدار بها للأماني سلاف، فوردت الآمال نداه نميراً، ووجد الإجمال في سراه سميراً، إلا أنه كان يتشطط على ندامه، ولا يرتبط في مجلس مدامه، فربما عاد إنعامه بوساً، وانقلب ابتسامه عبوساً، فلم تتم معه سلوة، ولا فقدت في ميدانه كبوة، وقليلاً ما كان يقبل، ولا يناجي المذنب عنده إلا الحسام الصقيل، ومع هذا فإنه كان غيثاً للندى، وليثاً على العدى، وبدراً في المحفل، وصدراً في الجحفل، وله نظم ونثر ما قصرا عن الغاية، ولا اقصرا عن تلقي الراية، وقد اثبت منهما نبذا تروق شموساً، وتكاد تشرب كؤوساً. أخبرني الوزير أبو عامر بن سنون أنه اصطبح يوماً والجو سماكي العوارف، لازوردي المطارف، والروض أنيقة لباته، رقيقة هباته، والنور مبتل، والنسيم معتل، ومعه

стр. 50

قومه، وقد راقهم يومه، وصلاته تصافي معتفيهم، ومبراته تشافه موافيهم، والراح تشعشع، وماء الأماني ينشع، فكتب إلى ابن عمار وهو ضيفه: طويل ضمان على الأيّام أن أبلغ المنى ... إذا كنت في ودّي مسّرا ومعلناً فلو تسئلِ الأيام من هو مفردٌ ... بودّ ابن عمّارٍ لقلتُ لها أنا فإن حالتِ الأيّام بيني وبينهُ ... فكيف يطيب العيش أو يحسن الغنا فلما وصلت الرقعة إليه تأخر عن الوصول، واعتذر بعذر مختل المعاني والفصول، فقال أحد الحاضرين أني لا عجب من ابن عمار، وكيف قعد عن هذا المضمار، مع ميله إلى السماع، وكلفه بمثل هذا الاجتماع، فقال ذو الرياستين أن الجواب تعذر، فلذلك اعتذر، لأنه يعاني قوله ويعلله، ويرويه ولا يرتجله، ويقوله في المدة، الممتدة، فرأى أن الوصول بلا جواب إخجال لأدبه، وإخلال بمنازله في الشعر ورتبه، فلما كان من الغد ورد ابن عمار ومعه الجواب وهو: طويل هصرتَ ليّ الآمال طيّبة الجنى ... وسوّغتني الأحوال مقبلة الدنا والبستني النُّعمى أغصّ من الندى ... وأجمل من وشي الربيع وأحسنا وكم ليلة أحظيتني بحضورها ... فبتّ سميراً للسناء وللسنا أعلل نفسي بالمكارم والعلى ... وأذني وكفيّ بالغناء وبالغنا ساقرن بالتمويل ذكرك كلّما ... تعاورتِ الأسماء غيرك والكنى زلا وسعتني قولا وطولا كلاهما ... يطوّق أعناقاً ويخرس السنا وشرّفتني من قطعة الروض بالتي ... تناثر فيها الطبعُ وردوا وسوسنا تروق بجيد الملك عقداً مرصّعاً ... وتزها على عطفيه وشياً معيّنا فدم هكذا يا فارس الدست والوغى ... لتطعن بالأقلام فيها وبالقنا وأخبرني الوزير الكاتب أبو جعفر ابن سعدون أنه أصبح يوماً بحضرته وللرذاذ رش، وللربيع على وجه الأرض فرش، وقد صقل الغمام الأزهار حتى اذهب نمشها، وسقاها فأروى عطشها، فكتب إليه: طويل فديناك لا يسطيعك النظم والنثر ... فأنت مليك الأرض وانفصل الأمرُ مرينا نداك الغمر فانهلَّ صيّباً ... كما سكبت وطفاءُ أو فتق الزهرُ وجاءَ الربيع الطلق يندي غضارة ... فحيَّتك منه الشمس والروض والنهرُ

стр. 51

وما منهمُ إلاَّ إليك انتماؤه ... جبينك والجود المتمّم والبشرُ خلا منك دهر قد مضى بعبوسه ... فلمَّا أتت أيَّامك ابتسم العصرُ فبشرت أمالي بملك هو الورى ... ودار هي الدنيا ويوم هو الدهرُ وقاك الردى من يبتغي عندك المنى ... وساعدك الأسعاد واليمن والنصرُ فراجعه بقوله: طويل إليك فلولا أنت أم ينظم الدرُّ ... ولا التام في مدح نظام ولا نثرُ إذا قلتَ لم يتطلق فصيح مدرّب ... ولا ساغ في سمع غناءُ ولا زمرُ لك السبق كم روّضت من عاطل الربى ... وحلّلت من سحر وقد حرم السحرُ ولمَّا ملكت القول قسراً وعنوة ... أطاعك جيش النظم وائتمر النثرُ فلا نقل غلاَّ ما تقول بديهة ... ولا خمر ما لم تأتِ من فمك الخمرُ ثم توجه فيه إلى روضة قد أرجت نفحاتها، وتدبجت ساحاتها، وتفتحت كمامها، وأفصحت حمامها، وتجردت جداولها كالبواتر، ورمقت أزهارها بعيون فواتر، فأقاموا يعملون كاسهم، ويشملون إيناسهم، فقال ذو الرياستين: طويل وروض كساه الطلُّ وشياً مجدداً ... فأضحى مقيماً للنفوس ومقعداً إذا صافحته الريح خلت غصونه ... رواقص في خضر من العصف ميَّداً إذا ما انسكاب الماءِ عاينت خلته ... وقد كسرته راحة ريح مبرداً وإن سكنت عنه حسبت صفاءه ... حساماً صقيلاً صافي المتن جرّداً وغنَّت به ورق الحمائم بيننا ... غناءَ ينسّيك القريض ومعبداً فلا تجفونَّ الدهر مادام مسعدا ... ومدَّ إلى ما قد حباك به يدا وخذها مداماً من غزال كأنَّه ... إذا ما سقى بدر تحمَّل فرقدا وركب متصيداً في يوم غيم نضح رذاذه وجه الثرى، وتلفعت الشمس بمطرفه فلا ترى، والأرض لا تثبت حوافز الخيل في زلقها، ولا نهش الجياد إلى طلقها، والأفق لو مرت به دهمة الليل لغابت في نوه، وما بانت في جوه، والمدام قد علته، وأراؤها قد تولته، فقام بين يديه قنص فطارده في ميدان الجد لاهياً، وسايره في طريق الحذر ساهياً، وقد تفرد من عبيده، وتوحد في بيده، فسقط به فرسه سقطة أوهنت قواه، وانتهت به إلى ملازمة مثواه، وبلغه أن أحد عداته شمت بوقعته، وسر بصرعته، فقال: بسيط

стр. 52

إنّي سقطت ولا جبن ولا خور ... وليس يدفع ما قد شاءه القدر لا يشمتنَّ حسودي أن سقطت فقد ... يكبو الجواد وينبو الصارم الذكرُ هذا الكسوف يرى تأثيره أبداً ... ولا يعاب به شمس ولا قمرُ وأخبرني الكاتب أبو عبد الله ابن خلصة أنه لما دخل بيطرة بتخلي أبي عيسى ابن لبون عنها أنشدته طائفة من الشعراء والكتاب فحوم ووصل وأدنى قوماً وأبعد آخرين، وأصاخ من وزيره إلى اسوأ قرين، فأشار في جانب أبي عيسى بإخلال، وأصار عزته في قبضة الإخمال والإذلال، فتفرق القوم فرقاً، وسلكوا من التشغيب عليه طرقاً، وتشوفوا إلى المستعين، وأنفوا من الورود على غير عذب ولا معين، وكان في الجملة المنحرفة، والفئة المتطلعة إلى ابن هود المستشرفة، الكاتب أبو الحسن ابن سابق فقال: بسيط من كان يطلب من أصحابنا صلةٌ ... على فراق أبي عيسى ابن لبُّونِ فليس يقنعني من بعده عوض ... ولو جعلت على أموال قارونِ قد كان كنزي فطفَّ الدهر عنه يدي ... والدهر يمتع بالنعمى إلى حينِ كأنَّ قلبي إذا ذكّرت فرقته ... مقلَّب فوق أطراف الساكينِ فلما سمعه ابن رزين قال مطفئاً للوعته، ونازعاً كنزعته، نوعاً من السياسة سكن بها أنفه، وأعاد عليه الأهواء مؤتلفه: بسيط هبوا لنا حظّكم من آل لبُّون ... كم تبخلون علينا بالرياحينِ لا تعذلونا فحقّا إن ننافسكم ... في أكرم الناس للدنيا وللدينِ ذاك الكريم الذي نيطت تمائمه ... عند الفطام على علم ابن سيرينِ اختارنا فتخيّرناه صاحبنا ... وكلّنا في أخيه غير مغبونِ إن كان أنشر ذكري في بلادكمُ ... لأنش رنَّ له يحيى بن ذي النونِ وكلُّ من حوله حاظ بحظوته ... يشجي الحسود بترفيع وتمكينِ حتىّ تقول الليالي وهي صادقة ... هذا السموءَل في هذي السلاطينِ وخاطب ابن طاهر مستدعياً إلى الكون لديه برسالة ندل على أنافته في الفخر، دلالة النسيم على الزهر، والشاطئ على النهر، وتشهد له بالعلاء والمجد، شهادة النار بطيب الند، وكرم الزند، فإنه استدعاه والأذان قد صممت عن دعائه، وحكمه في ملكه والكل قد ضن عليه بما في وعائه، وهي.. أنت أدام الله عزك عالم

стр. 53

بالزمان وانقلابه، عارف بإعارته واستلابه، ومن عرفه حق معرفته لم تزده شدته إلا معتبراً، وشكر الله وتدبراً، وما زلت ألقاك بالود، على البعد، فأعلمك بتقدمك في الأعيان، وإن لم أرك بالعيان، واستخبر الأخبار فاسمع، ما يقرع صفاة الكبد ويصدع، بأنحاء الزمان عليك، تنكره لديك، إلى أن ورد فلان فاستفهمته عن حالك فذكر، ما أزعج وكدر، ارتماضاً لمثلك أن يعوزه مرام، أو ينبو به مقام، فجردت عن ساعد الشفاعة عند القائد الأجل أبي عبد الله في صرف مات يمكن من أملاكك فوقع الاعتذار بأنه أمر محظور، تقدم فيه حد محذور، وأشار بإجراء ما يلم بالاكتفاء وأنا أعزك الله أعرض ما هو الأوفق ليث، والأليق بي، عن عزيمة مكينة، ورغبة وكيدة، من الانتقال إلى جهتي، والانبساط في دولتي، فأقاسمك خاص ضياعي ومعلوم أملاكي وإن شق عليك الكون بجهتي لبرد هوائها، وبعد أنهائها، فهاهي شنت مريه أقف طاعتها عليك، وأصرف أمرها إليك، وعندي من العون على الارتحال، ما يقتضيه لك رفيع الحال، ولك الفضل في مراجعتي بما يستقر عليه رأيك، ويأتي به أنحاؤك، إن شاء الله تعالى.. وله يتشوق إلى خليط ودعه، وأجرى بعده أدمعه: طويل دع الدمع يفني الجفن ليلة ودّعوا ... إذا انقلبوا بالقلب لا كان مدمعُ سروا كاقتداء الطير لا الصبر بعدهم ... جميل ولا طول الندامة ينفعُ أضيق بحمل الحادثات من النوى ... وصدري من الأرض البسيطة أوسعُ وإن كنت خلاّع العذار فغنّني ... لبست من العلياءِ ما ليس يخلعُ إذا سلَّت الألحاط سيفاً خشيته ... وفي الحرب لا أخشى ولا أتوقَّعُ وأخبرني الوزير أبو عامر ابن سنون، أنه كان معه في منية العيون، في يوم مطرز الأديم، ومجلس معزز النديم، والأنس يغازلهم من كل ثنية، ويواصلهم بكل أمنية، فسكر أحد الحاضرين سكراً مثل له ميدان الحرب، وسهل عليه مستوعر الطعن والضرب، فقلب مجالس الأنس حرباً وقتالاً، وطلب الطعن وحده والنزالا، فقال ذو الرياستين: كامل نفس الذليل تعزُّ بالجريالِ ... فيقاتل الأقران دون قتالِ كم من جبان ذي افتخار باطلٍ ... بالخمر تحسبه من الأبطالِ كبش الندى تخمُّطا وعرامة ... وإذا تشبُّ الحرب شاة نزالِ

стр. 54

وله يحن إلى نازح من أحبابه، ألفه أيام شبابه، فاختلسه النوى من بين يديه، وترك الصبابة عوضاً منه لديه: كامل أترى الزمان يسرنا بتلاقي ... ويضمُّ مشتاقاً إلى مشتاقِ وتعض تفَّاح النهود شفاهنا ... ونرى مني الأحداق بالأحداقِ وتعود أنفسنا إلى أجسادنا ... فلطالما شردت على الآفاق وله: خفيف برحّ السقم بي وليس صحيحاً ... من رأت عينه عيوناً مراضاً إنَّ للأعين المراض سهاماً ... صيَّرت أنفس الورى أغراضاً وتجنى عليه ذو الوزارتين أبو بكر بن عمار وتعتب، ولامه وذنب، فكتب ابن رزين إليه، معرضاً بعينيه، وهو مما أبدع فيه تعريضاً وتصريحاً، وسقاه التنديد منه صريحاً: طويل تحقَّق أبا بكر ودادي وحقّق ... وصدّق ظنوني في وفائك وأصدقِ أيجمل يعي في كساد ببهرج ... وقد كان ظنّي ضدّ ذا بل تحقّقي ثنائي على مرّ والزمان مخلّق ... عليك وإن أبديت بعض التخلُّقِ وما كنت ممَّن يدخل العشق قلبه ... ولكنَّ من يبصر جفونك يعشقِ وله في شمعة: رمل مجزوء ربَّ صفراءَ تردّت ... برداءِ العاشقينَ مثل فعل النار فيها ... تفعل الآجال فينا ولما افترس ملوك الأندلس الليث، وطمس رسومهم الغيث، وخوصموا بالنسبة بالأغماد، ورموا بداهية ناد، بقي ذو الرياستين طالعاً بأفق الملاك وقد أفلت نجومه، محترساً من ذلك الليث الذي افترسهم هجومه، يحمي دولته من انقراضها، ويرمي من سعي في انتقاضها، فلم يرمه رام، ولم يجسر عليه عدو مترام، إلى أن خطبته المنية، وتخطت إليه تلك الثنية، وبقي ابنه على رسمه، مخطوباً له في منابرها باسمه، إلى ان دبت إليه تلك الأفاعي، واشتملت عليه تلك المساعي، فخر من عرشه، وأقيم من فرشه، فتبارك من لا يكيد به كائد، ولا يبيد ملكه وكل شيء بائد. كمل ذكره. الرئيس الأجل أبو عبد الرحمن محمد بن طاهر رحمه الله تعالى

стр. 55

به بدئ البيان وختم، ولديه ثبت الإحسان وارتسم، وعنه افتر الزمان وابتسم، واستقر الملك لديه، استقرار الطرس في يديه، واختال التاج بمفرقه، اختيال اليراع في مهرقه، وتمنى المسك أن يستمده، كما رجا القطر أن يمده، إن جد رأيت الطود وقارا، وأن هزل خلته يعاطيك عقارا، إلا ان نكباته تتابعت ولاء، وأعقبت الانتهاب جلاء، فخلع عن سلطانه وما سوغ المقام في أوطانه، وكانت له تنديدات تنفذ المجن، وتدرك كالليل إذا جن، يرسلها إلى الغرض فتصميه، وينكابها القرح فتدميه، عدت من هناته، ومحت أكثر حسناته، ودعت إلى رفضه، وسعت في نقضه، فبقي في قبضة ابن عمار محبوساً، ولقي من دهره المبتسم عبوساً، واشتدت عليه المحن، وبدت إليه تلك الأحن، إلى أن سعى له الوزير الأجل أبو بكر بن عبد العزيز، وسكن من ذلك الأزيز، فتسنى انطلاقه، وانفرجت أغلاقه، وعندما خلص من ذلك الثقاف، خلوص القناة من الثقاف، جنح إلى الاستقرار ببلنسية حضرة الوزير الأجل ابي بكر، جنوح الطائر المنتشل إلى الوكر، فلقي السعد إليه آتياً، ونزل على آل المهلب شاتياً، فوجد ما أراد، واحمد المراد، ودعا أبا بكر لما شاء فأجاب، وأراه زمن بشره الأفق المنجاب، فأقام بين مبرات والطاف، وجنى لما أحب وقطاف، إلى أن دار ببلنسية ما دار، وعطل العدو دمره الله ذلك القطب المدار، فعلقته حبالة الأسر، واتبع هيضه بالكسر، ولم يزل يكشف للعدو دفينه ويجدف، والموج يعوق سفينه ويصرف، إلى ظأن هبت ريحطه فجرى، وتسنّى تسريحه فأدلج وسرى، ووافى شاطبة خالياً إلا من الوجد، عارياً غلا من المجد، وقد انتشى من الذل، فأوى إلى الظل، وأقام مشتملاً بالخمول، موملاً غير المأمول، إلى أن برئت بلنسية من آلامها، فبادر إلى استلامها، وعاد إليها عود الحلي إلى العاطل، وأنجز له قربها بعد وعد من مماطل، فحل بها حلول الهائم في وصل الحبيب المسعد، وأنشد، ويجمعنا شتى على غير موعد، ولزم مطلعه متوارياً، وأقام بها ثابتاً لا سارياً، لم يطا رقعة أرض، ولا خرج لأداء سنة ولا فرض، حتى أدرج في كفنه، وأخرج إلى مدفنه، شهدت وفاته سنة سبع وخمسمائة وقد نيف على التسعين، وجف ماء المعين، وحين قضى دخل عليه الوزير أبو العلاء ابن ازرق شبيهه في التعمير، وحليفه منذ خلع عن تدمير، وهو يبكي ملء عينيه، ويقلب على مافاته.

стр. 56

بسيط مجزوء كان الذي خفت أن يكونا ... إنّا إلى الله راجعونا فوضع على أعواده، وودع من القلب بسويدائه ومن العين بسواده، وصلي عليه ببلنسية، ودفن بمرسية، فانقرض الكلام بانقراضه، وبكت البلاغة على أغراضه، وقد اثبت من نثره ما ترده عذباً نميراً، وتروده روضاً نضيراً، فمن ذلك رقعة كتب بها إلى المعتصم بالله صاحب المرية رياسته يصف العدو العائث بجزيرة الأندلس، كتابي أعزك الله وقد ورد كتاب المنصور ملاذي المعتد بك أيدك الله وقد أودعه ما أودع من حيات، ولم يدع مكاناً لمسلاة، فإنه للقلوب موذ، وللعيون مقذ، وللظهور قاصم، ولعرى الحزم فاصم، فليندب الإسلام نوادبه، وليبك له شاهدة وغائبة، فقد طفي مصباحه، ووطئ ساحه، وهيض عضده ثمده، إلى الله نفرغ، وإليه نضرع، في طارق الخطب ومنتابه، ولا حول ولا قوة إلا به، هو فارج الكروب، وناصر الحروب، وعالم الغيوب، ولا رب سواه، وذلك أن فرديناند وقمه الله نزل على قلعة أيوب محاصراً لمن فيها، ومغيراً على نواحيها، بجموع يضيق عنها الفضاء، وتتساقط لملاحظتها الأعضاء، وأنه قد بنى على قصد جهاتنا، ووطئ جنباتنا، إلا أن يدارا الله في نحره، ويحمي من شره، وغرسيه دملارة الله بسرقسطة كذلك وزميرا أهلكه بوشقة وما والاها ينكي، بما يبكي، والمسلمون بينهم سوام ترتع، وأموالهم نهب توزع، والقتل يأخذ منهم فوق ما يدع، فاطل الفكرة في هذا الحزم الداخل، والبلاء الشامل، وأسبل العبرة، وأطل العبرة، والله المرجو لتلافي الأمة، وكشف هذه الغمة، بمنه، وله مراجعاً إلى المأمون، ذي المجدين ابن ذي النون.. الآن أيدك الله عاد الشباب خير معاده، وأبيض الرجاء بعد سواده، وترك الزمان فضل عنانه، فلله الشكر المردد بإحسانه، وافاني أعزك الله لك كتاب كريم كما طرز البدر النهر، أو كما بلل الغيث الزهر، طوقتني به طوق الحمامة، وألبستني ظل الغمامة، وأثبت لي فوق النجوم منزلة، واراني الخطوب نائية عني ومعتزلة، فوضعته على رأسي إجلالاً، ولثمت كل سطوره احتفاء واحتفالاً، وناولنيه الوزير الكاتب أبو الحسن عبدك ونصيحتك اعزه الله وبشر بدنو الدار، واشار إلى ما لديك كما يشار إلى النهار، واخبرني عن ذلك المجمل بغاية الأمل، ويعلم الله أني ما أعدني لك الشيعة، ولا أرى ودك إلا د يناً وشريعة، فإنك الموثوق بوفائه وشرفه، والمسكون إلى برد أمنه وطرفه،

стр. 57

الذي لا توجد الأيام الفضل متمماً غلا لديه، ولا تعقد الأحرار الأصفاق إلا عليه، ولن أزال العالم بحقك ومقدارك، الناظم في سلكك واختيارك، إن شاء الله تعالى. وله إلى إقبال الدولة مهنئاً برجوع أحد معاقله إليه، والظفر بالمنتزي فيه عليه.. جراحات الأيام أيدك له هدر، وجناياتها قدر، وليس للمرء حيلة، وإنما هي أطاف لله جميلة، تستنزل الأعصم من هضابه، وتأخذ المغتربا ثوابه، أحمده عودا وبدءاً على النعمة التي ألبسك سربالها، والفتنة التي أطفأ عنك اشتعالها، والرياسة التي حمى فيها حماك، ورد ختامها إلى يمناك، وقد تناولته للباطل يد خشناء، فاستقالته يدك الحسناء، فلم يكن عنده أهلاً لتلك النيابة، ولا راءه حليا لنحصر الحبابة، والأعناق تقطعها المطامع، والنفاق يستوعر فيه المطامع، فأقر الله الحال في نصابها، وأبرزها في كمالها تتراءى بين أترابها، ووضعت الحرب أوزارها، وأخفت الأسود أخياسها وزءارها، ومن كانت مذاهبه كمذاهبك، وجوانبه للسلامة كجوانبك، أعطته القلوب أسرارها، وأعلقته المعاقل أسوارها، وانجلت عنه الظلماء، وأكرم قرضه والجزاء، فليهنئك الإياب والغنيمة، وهما المنة العظيمة، وليكن لها من نفسك مكان، ومن شكرك لله بالموهبة أسرار وإعلان، وأما حظي منها فحظ مسلوب أمكنه سلبه، وذي مشيب عاوده شبابه وطربه، ولما اقترنا لي، وكانا معظم آمالي، وعلمت أن بهما زوال الخلاف، وتوطئ الأكناف، وأن بالصدر تثلج الصدور، ويبتهج السرور، بادرت إلى توفية الحق لك، وتعرف الحال بك، مشيعا بالدعاء في مزيدك، ضارعا في الأدامة لتأييدك، فإن الوقت إساءة وأنت إحسانه، والخير طرف وأنت إنسانه، فإن مننت، بما سألته أفضلت وأحسنت، إن شاء الله ، وله إلى ناصر الدولة صاحب ميورقة، أطال الله بقاء الأمير الأجل ناصر الدولة، ومعز الملة، منيعا حرمه، رفيعا علمه، إن الذي بثته الدنيا أعزك الله من مناقبك العليا فتجلت منه أقاصيها، وتكللت به نواصيها، لجاذب إليك أحرارها، وجالب إلى ظلك أعيانها وأخيارها، بقلوب تملكها هواها، وحركها نهاها، وهذا الوزير الكاتب أبو جعفر ابن النبي عبدك الأمل أبقاه الله صممت به إلى ذراك همم عوال، كأنها للرماح عوال، يحملها السفين، والعزم النافذ المكين، وريح جد ما تلين، إلى حلي من البيان يتقلدها، يكاد السحر يحسدها، وخلائق محمودة كأنها الخلوق، تنفح مسكا وتشوق، وأن

стр. 58

الوشي ما خطه، وربما أزرى به أو حطه، والخبر يغنيه عن الخبر، ويعلمه بالعين لا بالأثر، والتبر تعلمه منيف القدر والأثر، فلا زلت كلفا بالإحسان، منصفاً من الزمان، إن شاء الله تعالى، وله أيضاً، أطال الله بقاء الأمير الأجل ناصر الدولة ومعز الملة، وأيده، وأعلى يده، الشفاعات أيدك الله على أقدار ملتحفيها، ولكل عندك منزلة يوافيها، ولما تأمل ذو الوزراتين الفاضل أبو الحسن العامري أبقاه الله مالك في الناس، من الطول والإيناس، بما جلبت عليه من شرف السجية، والهمم السنية، حتى مالت إليك الأهواء، وارتفع لك بالحمد اللواء، قصد ذراك، واعتقد اليمن في أن يراك، فيملأ من زهر العلي أجفانا، ومن نهر الندى جفانا، ويستبدل من صد الزمان إقبالا، ومن تهاون الأيام ابتهالا، وله قدم الوجاهة، وقدم النباهة، ويدل عليه بيانه، كما يدل على الجواد عنانه، وأرجو أن ينال بك الآمال غضة، والأيادي منك مبيضة، فأقوم عنه على منبر الثناء خطيبا، وأوقد على جمر الآلاء عودا رطيبا، لازلت للقاصدين ملاذا، وللراغبين معاذا، إن شاء الله تعالى، ولما حصل بمنت قوط معتقلا قام الوزير الأجل أبو بكر بن عبد العزيز في أمره وقعد وأبرق على ابن عمار وأرعد وخاطب المعتمد فيه شافعا، ووقف مناضلاً عنه ومدافعا، لم ينم عنه ولا أغفى، ولا استناب سواه في تخلصه ولا استكفى، فوقع الاتفاق على إخلاء جملة وكان قريبه أبو بكر بن موسى ممتنعا فيها وكانت في صدر مرسية شجا، وفي صباحها دجا، قد سدت مسالكها، وصدت سالكها، وروعت طارقها، وقطعت مرافقها، فأجاب ابن طاهر إلى تمكينهم من أزمتها، وإعطائها لهم برمتها بعد أن يحل من عقاله، ويخرج من موقع اعتقاله، وأعطى في ذاك عهودا، وموثقا وكيدا، وابن عبد العزيز قد واطاه على النكث، ورخص له في الخنث، ومهد له في فنائه موضعا، وأحله من سمائه مطلعا، فلما، حصل منجاه، وعلم أنه قد فاز بنجاه، ركب إلى بلنسية متجه، ورمى في أعينهم رهجه، فلما حل بجزيرة شقر وهي أول عمل الوزير الأجل كتب إليه، كتابي إليك وقد طفل العشي، ومال بنا إليك المطي، ولها من ذكراك حاد، ومن لقياك هاد، وسنوافيك المساء، فنغفر للزمان ما قد أساء، ونرد ساحة الأمن، ونشكر عظيم ذلك المن، فهذه النفس أنت مقيلها، وفي برد ظلك يكون ملقيها، فلله مجدك وما تأتيه، لازلت للوفاء تحييه ودانت لك الدنيا، ودامت لك العليا،

стр. 59

إن شاء الله تعالى، فلما وافت رقعته الوزير الأجل أبا بكر ركب إليه في جملته، وتلقاه في أعيانه وجلته، وأنزل في قصر مجاور لقصره، وجامله مجاملة لم تعهد في عصره، وأشركه معه في نهيه وأمره، وأطلعه على سره وجهره، لم ينفرد عنه بقصة، ولا اختص دونه من الملك بحصة، إلى أن فرق بينهما مفرق الجموع، ومجثث الأصول والفروع، ولما عاين من بره ما أعظمه، وبهره ما نسقه منه ونظمه، كتب إليه، من ذا يضاهيك، وإلى النجم مراقيك، فشاوك لا يدرك، وشعبك لا يسلك، اقسم لأعقدن على علاك من الثناء إكليلا، يذر اللحظ من سناه كليلا، ولأطوفنه شرق البلاد وغربها، ولا حملنه عجم الرجال وعربها، وكيف لا وقد نصرتني نصرا مؤزرا، وصرفت عني الضيم عفيرا معفرا، وألبستني البأو بردا مسنما، وأوليتني البر متمما، ولم تزل الشعراء تسليه عن نكبته، وتمنيه بالعودة إلى رتبته، بأفصح مقال: وأملح انتقال: فمن ذلك قول الوزير أبي جعفر البني، طويل أترضى عن الدنيا فقد تتشوق ... لعمر المعالي أنها بك تكلف يقولون ليث الغاب فارق غيله ... فقلت لهم انتم له الآن أخوف ولن ترهبوا الصمام إلا إذا غدا ... لكم خارجاً من غمده وهو مرهف ستفرغ يمناه لتكتب أسطرا ... يرى الموت في أثناءه كيف يدلف إذا غضبت أقلامه قالت القنا ... فديناك أنا بالمقاتل أعرف ستكتشف عن سر الكتيبة مثل ما ... رأيناك عن سر البلاغة تكشف ويعتز لي هذا الزمان بجولة ... على من به دون الورى كان يشرف رويدا قليلاً يا زمان فإنه ... يغيظك منه بالذي أنت تعرف ولما كان ابن عبد العزيز الذي سهل طريق نجاته، ودس له الكنث أثناء مراسلته ومناجاته، اعتقدها ابن عمار غدرة جرت على يديه، وخديعة نسب عارها إليه، ولم يزل يعمل في الإضرار به فكره، ويقبح وصفه وذكره، ويغري به نفوس رعيته، ويريش ويبري في بليته، فمن ذلك قول يحرض أهل بلنسية على القيام عليه، كامل بشّر بلنسية وكانت جنة ... أن قد تدلت في سواء النارِ جاروا بني عبد العزيز فإنهم ... جرّوا إليكم أسوأ الأقدارِ

стр. 60

ثوروا بهم متأولين وقلدّوا ... ملكاً يقوم على العدو بثارِ هذا مجد أو فهذا أحمد ... وكلاهما أهل لتلك الدارِ جاء الوزير بها يكشف ذيلها ... عن سوأة سوأى وعار عارِ نكث اليمين وحاد عن سنن العلى ... وقضى على الإقبال بالإدبار آوى لينصر من نأي المثوى به ... ودهاه خذلان من الأنصار ما كنتم إلا كأمة صالح ... فرميتم من طاهر بقدارِ هلاّ وخصّكم بأشأم طائر ... ورمى دياركم بآلام جارِ برّ اليمين ولم يعرض نفسه ... ونفوسكم لمصارع الفجّار لا بد من مسح الجبين فإنما ... لطمته عذرا غير ذات سوارِ هيهات يطمع في النجاة لطالب ... ساع إذا ونت الكواكب سارِ كيف التفلت بالخديعة من يدي ... رجل الحقيقة من بني عمارِ رجل تطعّمه الزمان فجأة ... طرفين في الإحلاء والإمرار سلس القياد إلى الجميل فإن يهج ... يدع العنان كهيئة التيارِ طبنٌ بأغراض الأمور مجرّبٌ ... فطن بأسرار المكائد دارِ ماض إذا برزت إليه مصمم ... هون إذا التفت عليه مدارِ مازال مذ عقدت يداه إزاره ... قسماً فأدرك خمسة الأشبارِ كشّاف مظلمة وسائس أمة ... نفاع أهل زمانه الضرارِ عجبا لأشمط راضع ثدي الوغى ... منه وطود في القنا الخطار شراب أكواس المدام وتارةً ... شرّاب أكواس الدم الموارِ جرار أذيال القنا ظنوا به ... قد زاركم في الجحفل الجرارِ وكأنكم بنجومه ورجومه ... تهوي إليكم من سماء غبار وأنا النصيح فإن قبلتم فاتركوا ... آثارها خبراً من الأخبار قوموا إلى الدار الخبيثة فانهبوا ... تلك الذخائر من خبايا الدارِ وتعوضوا من صفرة حبشية ... بأغرّ وضّاح الجبين نصارِ وكتب إلى المنصور بن أبي عامر يعلمه بخير السيل الذي سال بمرسية فعفى آثارها وهد أسوارها، واحتمل ديارها، وكان ورد كتابه مستفهما عن خبره، ومنتهى عبره، وردني أيدك الله كتابك الكريم مستفهما لما طاربه إليك الخبر

стр. 61

من السيل الحافل الذي عظم منه الضرر وقد كنت آخذا في الإعلام، بحوادثه العظام، فإنه أذهل الأذهان، وشغل البيان، إذا أقبل يملأ السهل والجبل، والجنوب كما اضطجعت، والعيون قد هومت للنوم أو هجعت، فمن ماض قد استلبه، وناج قد حربه، وفازع قد أثكله، وحائر لا يدري ما حم له، والبرق يجب فواده، والودق ينسرب مزاده، وقد استسلم للقدر، واعتصم بالله من وزر، حتى أرانا غاية إعجازه وبراهينه، وغيض الماء لحينه، وطلع الصباح على معالم قد غيرها، وأكام قد حدرها، لا ينقضي منها عجب لناظر، ولا يسمع مثلها في الزمن الغابر، فالحمد لله على وافي دفعه، ومتلافي غوثه ونفعه، لا رب غيره، وكتب إليه مع شوذانقات وأني لما شيعته أيده الله وبت في المحلة الكريمة معه قصدني نائل مملوكه في ارتياد أفرخ من الشوذانقات عند أوانها، والبعثة بها وقت تهيئها وإمكانها، فلم أفارق لها ارتقابا، ولا حدرت للمباحثة عنها نقابا، ولمظانها طلابا، إلى أن حان حين ظهورها، وامتلأت منها جحور وكورها، وبدا سعيها، واكتسى عريها، وجهت طبا رفيقا لاستنزالها، يرتقي إلى ذرى أجبالها، ويميز أفرهها، ويحوز أشرهها، فجلب منها عددا، دربت يدا فيدا، إلى أن تخرج منها ثلثه أطيار، كأنها شعل نار، أجل كل صيد، وقيده أيما قيد، تقلب حوادق مقل، وتنظر نظر مختبل، وتسرع في الانقضاض، كالوحي والإيماض، وترجع إلى يد وثاقها، كأنها أشفقت من فراقها، بمخلب دام، وأبهة مقدام، فناهيك بها يا مولاي سعد لك ذخرها، وعبد قن لك تخيرها، وهي واصلة من يد حاملها، تحمل رغبة ناظمها، في إلباسها حلة التشريف والتنويه بالأمر بقبولها، والمراجعة عن وصولها، إن شاء الله تعالى، وكتب إلى الحاجب نظام الدولة، أطال الله بقاء الحاجب نظام الدولة سيدي المعظم، وسندي المقدم المتيم، في اعتلا الجد، ومضاء الحد، أنه سبق إلي من بره أيده الله وتانسيه ما أثقل ظهرا وعاتقا، وبعث الشكر مبراً ورائقا، وكذا الشرف التليد، يكون له السبق الحميد، ووافاني أيده الله كتابه الرفيع فحدر عن الصلة لثامها، واطلع للمبرة غمامها، فألفى الوداد في أمحاضه لم يتعرضه الزمان بأعراضه، ووعيت أيده الله عن مؤيده سلمه الله ما تحمل، وطبق فيه المفصل، بحسن

стр. 62

نظفه، وإمارات صدقه، وراجعته عنه، بما يبلغ الشفاء منه، وقلدته من الثناء على سيد ما يسير في ضيائه، ويتعطر بانهائه، وإني ما دمت على الصفاء لمقيم، وإلى مجده مبستنيم، فلا برح أيده الله والسعد كانفه، والعز موالفه، إن شاء الله ، ولما انحل من أسره، وحل بين سماك ابن عبد العزيز ونسره، واستراح من الشجن، وارتاح ارتياح أبي محجن، عاد إلى عاداته من التنزير، ودسه أثناء الابتداء والتصدير، وأسلك ابن عبد العزيز طريقه، وعلمه تسديده وتوفيقه، وبلغه أن ابن عمار تختم بخاتمين أحدهما للمؤتمن والأخر لأذفرنش بن فرذيناند فأوى في ذلك إلى ابن عبد العزيز ورمز وألمز على رسوله المعلم بذلك وغمز، فلما بلغ ذلك ابن عمار أقلقه، وضيق في التماسك طلقه، فكتب إلى ابن عبد العزيز، كامل قل للوزير وليس رأي الوزير ... أن يتبع التنزير بالتنزيرِ أنّ الوزارة لو سلكت سبيلها ... وقفت على العزيز والتوقيرِ وأرى الفكاهة جل ما تأتي به ... وحماك في التصدير والتظفيرِ وصلت دعابتك التي أهديتها ... في خاتم التأمين والتأميرِ وأظنّها للطاهري فإن تكن ... فخليفة التقديس والتطهيرِ ولعلّ يوماً أن يصير نقشه ... في طينة التقديم والتأخيرِ وترى بلنسية وأنت مدارها ... سينالها التدمير من تدميرِ وجئته يوماً وقد وقفت بباب الخش فقال لي من أين فأعلمته، ووصفت له ما عاينته من حسنه وتأمله، فقال لي كنت أخرج إليه أكثر الليالي مع الوزير الأجل أبي بكر إلى روضته التي ودت الشمس أن يكون منها طلوعها، وتمنى المسك أن تضم عليه ضلوعها، والزمان غلام، والعيش أحلام، والدنيا تحية وسلام، والناس قد انتشروا في جوانبه، وقعدا إلى مذانبه وفي ساقيته الكبرى دولاب يئن كناقة إلى الحوار، أو كثكلى من حر الأوار، وكل مغرم يجعل فيه ارتياحه، بكرته ورواحه، ويغازل عيه حبيبه، ويصرف إليه تشبيبه، فخرجت إليه ليلة، والمتنبي الجزيري واقف وأمامه ظبي أنس، تهيم به المكانس، وفي أذنيه قرطان، كأنهما كوكبان، وهو يتاود تأود غصن البان، والمتنبي يقول: رمل

стр. 63

معشر الناس بباب الحبش ... بدر تم طالع في غبش علق القرط على مسمعيه ... من عليه آفة العين خشي فلما رآني أمسك، وسبح كأنه قد تنسك، وله صك بتقديم إلي الأحكام في إحدى جهاته، قلدت فلانا سلمه الله النظر في أحكام فلانة وتحزينه، لها بعد ما خبرته، واستحلفته عليها وقد عرفته، واثقا بدينه، راجيا لتحصينه، لأنه أن احتاط سلم، وأن أضاع إثم، فليقم الحق على أركانه، وليضع العدل في ميزانه، وليسوا بين خصومه، وليأخذ من الظالم لمظلومه، وليقف في الحكم عند اشتباهه، ولينفذه عند اتجاهه، ولا يقبل غير المرضي في شهادته، ولا يعرف سوى الاستقامة من عادته، وليعلم أن الله مطلع على خفياته، وسائله يوم ملاقاته، لا رب غيره، وله إلى صاحب قليبرة يستدعي منه أقلاما، قد عدمت أطال الله بقاءك بهذا القطر الأقلام، وبها يشخص الكلام، وهي حلية البيان، وترجمان اللسان، عليها تفرع شعاب الفكر، وذكرها منزل في محكم الذكر، ومنابتها بلدك، ويدك فيها يدك، وأريد أن ترداد لي منها سبعة كعدد الأقاليم، حسنة التقليم، فضية الأديم، ولا يعتمد منها إلا صليبها، الطوال أنابيبها، وإذا استمدت من أنفاسها، وافاك الشكر من أنفاسها، إن شاء الله تعالى، وكتب إلى الوزير الأجل أبي عبد الملك بن عبد العزيز عند الحادثة بفونكة، كتبت أعزك الله والحد فليل، والذهن كليل، بما حدث من عظيم الخرق، على جميع الخلق، فلتقم على الدين نوادبه، فقد جب سنامه وغاربه، ولتفض عليه مدامعه وعبراته، فقد غشيه حمامه وغمراته، وكان منيع الذرى، بعيداً عن أن يلحظ أو يرى، تحميه المناصل البتر، والذوابل السمر، والمسومة الجرد، ومشيخة كأنهم من طول ما التثموا مرد، فأبى القدر إلا أن يفجع بأشمخ مآذنه ومعاقله، ولا يترك له سوى سواحله، وكانت لطليطلة أختا، فاستلبها فجأة وبغتا، وقبل ما سلب الجزيرة وسطى عقدها بلنسية جيرها الله وأرجو أن يتلافى جميعها من نظر أمير المسلمين أيده الله ما يعيدها فيملاها خيلا ورجالا. ينفر بهم خفافا وثقالا، عليهم من قواده شيبها وشبانها، وفيهم من أجناده زنجها وعربانها، كامل من كل أبلج باسم يوم الوغى ... يمشي إلى الهيجاء مشي غضنفر يلقي الرماح بوجهه وبنحره ... ويقيم هامته مقام المغفرِ

стр. 64

حتى يستقال جدها العاثر، ويحيا رسمها الدائر، فتبتهج الأرض بعد غبرتها، ويكتسي الدهر بزهرتها، وما قصر القائد الأعلى في الجد والتشمير، والاحتفال بالإبطال المغاوير، حتى بلغ بنفسه المجهود، والجود بالنفس أقصى غاية الجود، ولكن نفذ حكم من له الحكم، ورمى قضاءه فما أخطأ السهم، والله لا يضيع له مقامه في العالم السالف، وما أورد المشركين فيه من المتالف، فما انقضى فتح حتى أعقبه فتح، كالفجر يتبعه صبح، مد الله بسطته، وثبت وطأته، ولازال للصنع الجميل عن هذا الدين مراميا، وله محاميا، بعزته وكتب إلى القاضي ابن فورتش، كتب أعزك الله عن ضمير اندمج على سر اعتقادك دره، وتبلج في مرافق ودادك بدره، وسال على صفحات ثنائك مسكه، وصار في راحتي سنائك ملكه، ولما ظفرت بفلان حملته من تحيتي زهرا جنيا، يوافيك عرفه ذكيا، ويواليك أنسه نجيا، ويقضي من حقك فرضا ماتيا، على أن شخص جلالك لي ماثل، وبين ضلوعي نازل، لا يمله خاطر، ولا يمسه عرض دائر، إن شاء الله ، وشفع له ذو الرياستين عند القائد الأعلى أبي محمد بن عائشة في أن يسوغه من أملاكه ما يرشيه ارتجاعه، ونعشه انتجاعه، فأعلمه أن أمير المسلمين حد له ألا يخوله شيئان ولا ينوله منها نفسا ولا ريا، فكتب إليه يعرض عليه الوصول إلى دولته، والحصول في جملته، فيوليه غاية أجماله، ويوليه ما شاء من أعماله، فكتب إليه، كل المعالي أيدك الله إليك ابتسامها، وفي يدك انتظامها، وعليك أصفاقها، ولديك إشراقها، وإن كتابك الرفيع وافاني فكان كالزهر الجني، أو البشري أتت بعد النعي، سرى إلى نفسي فأحياها، وأسرى عني كرب الخطوب وجلاها، وتنبه لي وقد نامت عني العيون، وتهتم بي وقد أغفلني الزمن الخؤن، فتملكني بإجماله، واستخفني باهتباله، فلتأتينه بالثناء الركائب، تحمله أعجازها والغوارب، وأما ما وصف به أيده الله الأيام من ذميم أوصافها، وتقلبها واعتسافها، فما جهلته ولقد بلوتها خبراً، ورددتها على أعقابها صغرى، فلم أخضع لجفونها، ولم أتضعضع لنبوتها، وعلمت أن الدنيا قليل بقاؤها، وشيك فناؤها، فاعدت قول القائل: متقارب تفانى الرجال على حبها ... وما يحصلون على طائل وعلى حالاتها فما عدمت فيها من الله صنيعا لطيفا، وسترا كثيفا، له الحمد ما أومض بارق، ولمع شارق، وأما ما عرضه أيده الله، من الانتقال إلى ذراه، والتقلب

стр. 65

في نعماه، والحلول في جنابه، فكيف وأنى به، وقد قيدني الهرم فما أستطيع نهضا، ولا أطيق بسطا ولا قبضا، ولو أمكنني لاستقبلت العمر جديدا، والفضل مشهودا، عند من تقر بسوابقه العجم والعرب، وتوكل خلائقه بالضمير وتشرب، جازاه الله بالحسنى، وأولاه ثواب ما تولى، بعزته تعالى، ولما نهضت بنت الوزير الأجل أبي بكر بن عبد العزيز إلى سرقسطة لتزف إلى المستعين بالله استدعى المؤتمن أعيان الأندلس وأمجادها، وأبطالها وأنجادها، وكتابها ووزراءها، وحجابها وأمرائها، لمشاهدة زفافها فأجابوا مناديه، وانحشروا لناديه، وكان عرسا لم تكتحل مدته بسرقسطة عين بوسن، ولم يحتفل احتفاله فيه المأمون لبوران بنت الحسن، وحشرت إليه الآمال حشرا، وطابت به الأماني عرفا ونشرا، وأبدت له الدنيا تهللا وبشرا، ورمت فيه المسرات جمارها، وفسحت لطراد المستهزئين مضمارها، فكتب أبو عبد الرحمن معتذرا عن الوصول إليه، والحصول لديه، نعمه أيده الله قد أغرقتني مدودها، وأثقلتني لواحقها ووفودها، ووافني كتابه العزيز داعيا إلى المشهد الأعظم، والمحفل الأكرم، الذي ألبس الدنيا إشراقا، والمجد إبراقا، فألفى الدعاء مني سميعا، لاسيما وقد قلدتني به الشرف والسؤدد والبر جميعا، وسما بناظري فيه إلى حيث النجوم شوابك، والمعالي أرائك، إلا أنه أيده الله أتم نظرا، وأصح تدبرا، من أن يلحق بخاصته الزلل، أو يوقع عليه الخلل، وقد علم أن الأيام تركن بالي كاسفا، وخطوي واقفا، فكيف يسوغ إلي أن ألقاه بذهن كليل، وفكر عليل، إذن فقد أخللت بأياديه، وما أجللت رفيع ناديه، وأقسم القسم البر بحياته أطالها الله ما كان من وطري أن أتأخر عنه ولي فيه الآمال العريضة، والقداح المفيضة، وفي يدي منه مواعد زهر النظام، ومواهب رزق الجمام، وإذا عرف أيده الله الحقيقة رأى العذر واضحا، والسر لائحا، وعسى أن يلاحظ سعد، ويستنجز للمنى وعد، وينفسح خاطر، ويهتدي حار، فيقف ببابه ملازما، ويخر على بساطه لائما، إن شاء الله تعالى ودخلت بلنسية سنة ثلاث وخمسمائة فلقيته وقد انحنى، وعوض من نشاطه الحنا، وهو يمسي بالعيش على الضجر، ويمشي على ساق من الشجر، لا تحمله المنساة من الكبر، ولا يملك رأس البعير أن نفر، إلا أنه امتنع بإنسانه، واقطع ما شاء من إبداع فكره ولسانه، فأعاد عصري صبا، واهب ريحي صبا، ودارت بيننا مراسلات أحلى من عطفات الحبيب، وأشهى من رشفات

стр. 66

اللمى الشنيب، وفي أثناء ذلك استدعاني أميرها إلى الالتزام، وعزم فيه كل الاعتزام، بعد أن أرسل مالاً، وملا لي بالرغائب يمينا وشمالا، وجلا علي أمالي شخوصا، وتلاها نصوصا، فأبيت، وتلومت والتويت، وفرقت ما أعطاني، وعطلت صهوة التوجيه التي أمطاني، فكتب إلي الرئيس أبو عبد الرحمن ﵀، أنا أعزك الله عليك شحيح، ولك في ما تأتيه وتحتذيه نصيح، فالزمان لا يساعد، والأيام تعوق وتباعد، فأقصر من هذه الهمة، واقتصر من أمورك على المهمة، التي تفجا مع الأوقات، ولا يلجأ فيها إلى ميقات، واقتصد في مواهبك، وأقصد إلى العدل، في مذاهبك، ولا تكلف في الجود بسرف، ولا تقف من التبذير على شرف، فلو أن البحر لك مشرب، والترب مكسب، لنفذا معاً، ولم يسد موضعا، ولو كان لك النجم مصعدا والفلك مقعدا، لما ثنيت إلى ذلك عنانا، ولا ارتضيت لهمتك مكانا، وقد خطبتك الخطوة سرا وجهرا، وبذلت لك الأمرة أسنى مراتبها مهرا، فازدريت زهوا، وامتطيت باوا، لا تتربص على مسديها، ولا يختص بإجابتك مناديها، وقد كان يجب أن لا ترغب عن راغب، ولا تنكب عنه إلى شغب شاغب، فأين تريد تنزل، وما الذي ترتضى وتستجزل، وقد عرضت عليك الأماني فما تأملتها، وخلعت عليك ملابسها فما اشتملتها، والذي أحظك عليه أن تكف من رسنك قليلا، ومن وسنك مستطيلا، إن شاء الله، وأقمنا نتجاذب أهداب المخاطبة، ونصل أسباب المكاتبة، ونتعاطى أحاديث كأنها رضاب، ونتراضى والأيام غضاب، إلى أن نهضت إلى ميورقة وانصرم في التزاور سببنا، وخوى من سمائه كوكبنا، فكتب إلي، يا كوكب مجد أظلمت بغروبه منيرات الأفاق، وذهب ما كنت عهدته بطلوعه من الإشراق، لقد استرجعت مسراتي أجمعها، وأزلت عن نفسي في السلوة طمعها، فسقيا لعهدك وقل له السقيا، ويا لهفي من بعدك أن قضي لي بالبقيا، وأن بي من الشوق لبعدك والكدر، ما لو كان بالفلك الدوار لم يدر، فلقد كانت غراء أيام تلاقينا، والأنس يساقينا، وإنها لممثلة لعيني، ما يحول السلو بينها وبيني، وعساها تعود، فتطلع معها السعود، إن شاء الله تعالى، ودعيت يوما إلى منية المنصور بن أبي عامر ببلنسية وهي منتهى الجمال، ومزهى الصبا والشمال، على وهي بنائها وسكون الحوادث برهة في قنائها، فوافيتها والصبح قد ألبسها قميصه، والحسن قد شرح بها عويصه،

стр. 67

وبوسطها مجلس قد تفتحت للروض أبوابه، وتوشحت بالأرز المذهبة أثوابه، يخترقه جدول كالحسام المسلول، وينساب فيه انسياب الأيم في الطلول، وضفاته بالأدواح محفوفة، والمجلس يروق كالخريدة المزفوفة، وفيه يقول علي بن أحمد أحد شعرائها، وقد حله مع طائفة من وزرائها. منسرح قم فاسقني والرياض لابسة ... وشيا من النور حاكه القطرُ والشمس قد عصفرت غلائلها ... والأرض تندى ثيابها الخضرُ في مجلس كالسماء لاح به ... من وجه من قد هويته بدرُ والنهر مثل المجرحف به ... من الندامى كواكب زهرُ فحللت في ذلك المجلس وفي أخدان، كأنهم الولدان، وهو في عيش لدن، كأنهم في جنة عدن، فانحنت لديهم ركائبي وعقلتها، وتقلدت بهم رغائبي واعتقلتها، وأقمنا نتنعم بحسنه طول ذلك اليوم، ووافى الليل فذدنا عن الجفون طروق النوم، وظللنا بليلة كان الصبح منها مقدود، والأغصان تميس كأنها قدود، والمجرة تتراءى نهرا، والكواكب تخالها في الجو زهرا، والثريا كأنها راحة تشير، وعطارد لنا بالطرب بشير، فلما كان من الغد وافيت الرئيس أبا عبد الرحمن زائرا فأفضنا في الحديث حتى أفضى بنا إلى ذكر منتزهنا في أمس، وما نلنا فيه من الأنس، فقال لي وما بهجة موضع قد بان قطينه وذهب، واستلب الزمان بهجته وانتهب، وباد فلم يبق إلا رسمه، ومحاه الحدثان فما يكاد يلوح وسمه، عهدي به عندما فرغ من تشييده، وتنوهي في تنميقه وتنضيده، وقد استدعاني إليه المنصور في يوم حلت فيه الشمس بيت شرفها، واكتست الأرض بزخرفها، فحللت به والدوح تميس معاطفه، والنور يخجله قاطفه، والمدام تطلع فيه وتغرب، وقد حل فيه قحطان ويعرب، وبين يدي المنصور ماية غلام أحدهم على العشر غير أربع، ولا يحل غير الفؤاد من مربع، وهم يريدون رحيقا، خلتها في كؤوسها درا وعقيقا، فأقمنا والشهب تغازلنا، وكان الأفلاك منازلنا، ووهب المنصور في ذلك اليوم ما يزيد على عشرين ألفا من صلات، متصلات، وأقطاع، ضياع، ثم توجع لذلك العهد، وأفصح بما بين ضلوعه من الوجد، وأنشد، كامل سقيا لمنزلة اللوى وكثيبها ... إذ لا أرى زمناً كزماني بها قال وأخبرني ﵀ أن أبا أحمد ابن حجاف لما انتزى، وانتمى للرياسة واعتزى،

стр. 68

وظن بقتل القادر أنه يتم له من الاستبداد، ما تم للقاضي ابن عباد، والقدر يضحك من ورائه، ويصك له بقبح آرائه، بادر لحينه بالامتداد إلى حاشيته، والاستطالة على غاشيته، فوجه إليه من قبله رسولا فنجهه، وسبه ومن وجهه، وكتب إلى صاحب المظالم ابن عمه، قد ألبستني من برك أعزك الله ما لا أخلعه، وحملتني من شكرك ما لا أضيعه، فأنا أستريح إليك استراحة المستنيم، واصرف الذنب إلى الزمن المليم، وأن ابن عمك مد الله بسطته لما ثار ثورته التي بلغ بها السماك، وظن أنه قد بذ معها الأفلاك، نظر إلي متخازراً متشاوساً، وظنني حاسداً أو منافساً، ولعن الله من حسده جمالها، فلم تك تصلح إلا له ولم يك يصلح إلا لها، ثم تورم علي أنف عزته، فرماني بصروف محنته، وكل ذلك أتجرعه على مضضه، وأتغافل لغرضه، وأطويه على بلله، وما انتصر بشيء من عمله، إلى أن رام اليوم بسوء رايه، أن يزيد في تعسفه وبغيه، فاستقبلت من الأمر غريبا ما كنت أحسبه، ولا بان لي سببه، ولما جاءه رسولي مستفهما عبس وبسر، وأدبر واستكبر، فأمسكت محافظا للجانب، وعاملا على الواجب، لا أن هيبة أبي محمد قبضتني، ولا أن مبرته عندي اعترضتني، وأنا أقسم بالله حلقة بر لو أن الأيام قذفت بكم إلي وأنا بمكاني لأوردتكم العذب من مناهلي، وحملت جميعكم على عاتقي وكاهلي، ولكن الله يعمر بكم أوطانكم، ويحمي من الغير مكانكم، ويحوط هذه السيادة الطالعة فيكم، البانية لمعاليكم، فلا يسرك مقطعه، وليسوك مصرعه، فما مثله يمطل، ولا ينظر ولا يهمل، أن شاء الله تعالى، ولم أسمع له شعرا إلا ما أنشدني في أبي أحمد هذا عند قتله القادر بالله يحمي بن ذي النون، رمل مجزوء أيها الأخيف مهلا ... فلقد جئت عويصا إذ قتلت الملك يحي ... وتقمصت القميصا رب يوم فيه تجزى ... لم تجد عنه محيصا تم القسم الأول بعون الله القسم الثاني من قلائد العقيان ومحاسن الأعيان في غرر حلية الوزراء وفقر الكتاب والبلغاء ذو الوزارتين أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن زيدون ﵀ وأسكنه دار رحمته ورضاه زعيم الفئة القرطبية، ونشأة الدولة الجهورية، الذي بهر بنظامه، وظهر كالبدر

стр. 69

ليلة تمامه، فجاء من القول بسحر، وقلده أبهى نحر، لم يصرفه إلا بين ريحان وراح، ولم يطلعه إلا في سماء موانسات وأفراح، ولا تعدى به الرؤساء والملوك، ولا تردى منه إلا حظوة الشمس عند الدلوك، فشرف بضائعه، وأرهف بدائعه وروائعه، وكلفت به تلك الدولة حتى صار ملهج لسانها، وحل من عينها مكان إنسانها، وكان له مع أبي الوليد بن جهور تألف أحراما بكعبته وطاف، وسقياه من تصافيهما نطافا، وكان يعتد ذلك حساما مسلولا، ويظن انه يرد به صعب الخطوب ذلولا، إلى أن وقع له طلب أصاره إلى الاعتقال: وقصره عن الوخد والأرقال: فاستشفع بأبي الوليد وتوسل، واستدفع به تلك الأسنة المشرعة والاسل، فما ثنى إليه عنان عطفه، ولا كف عنه استنان صرفهن فتحيل لنفسه، حتى تسلل من حبسه، ففر فرار الخائف، وسرى إلى إشبيلية سرى الخيال الطائف، فوافاها غلسا قبل الإسراج والإلجام، ونجا براس طمرة ولجام، فهشت له الدولة، وتاهت به الجملة، فأحمد إليها فراره، وأرهفت النكبة غراره، وحصل عند المعتضد بالله كالسويداء من الفؤاد، واستخلصه المعتصم لابن أبي داود، والتقى بيده مقاد ملكه وزمامه، واستكفى به نقصه وإبرامه، فأشرقت شمسه وأنارت، وأنجدت محاسنه وغارت، ومازال يلتحف بخطوته، ويقف بربوته، حتى أدركه حمامه، ولقي السرار تمامه، فأجن منه التراب شمسا طالعة، وزهرة يانعة، وقد أثبت من مقاله، في سراحه واعتقاله، ومقامه وانتقاله، ما هو أرق من النسيم، وأشرق من المحيا الوسيم، فمن ذلك ما قاله متغزلا. سريع يا قمرا مظلعه المغرب ... قد ضاق بي في حبك المذهبُ ألزمتني الذنب الذي جئته ... صدقت فأصفح أيها المذنبُ وأن من أغرب ما مر بي ... أن عذابي فيك مستعذبُ ورحل من كان يهواه، وفاجاه بينه ونواه، فسايره قليلا وماشاه، وهو يتوهم ألم الفرقة حتى غشاه، فاستعجل الوداع، وفي كبده ما فيها من الانصداع، فأقام يومه بحالة المفجوع، وبات ليلته نافر الهجوع، يردد الفكر، ويجدد الذكر، فقال: رمل ودع الصبر محب ودعك ... ذائع من سره ما استودعك يقرع السن على أن لم يكن ... زاد في تلك الخطى إذ شيعك يا أخا البدر سناء وسنا ... حفظ الله زمانا أطلعك

стр. 70

أن يطل بعدك ليلي فلكم ... بت أشكو قصر الليل معك وأخبرني الوزير الفقيه أبو الحسين ابن سراج ﵀ أنه في وقت فراره أضحى، غداة الأضحى، وقد ثار له الوجد بمن كان يألفه والغرام، وتراءت لعينه تلك الظباء الأوانس والأرام، وقد كان الفطر وافاه، والشقاء قد استولى على رسم عافيته حتى عفاه، فلما عاده منه ما عاد، وأعياه ذلك النكد المعاد، استراح إلى ذكر عهده الحسن، وأراح جفونه المسهدة بتوهم ذلك الوسن، وذكر معاهد كان يخرج إليها في العيد، ويتفرج بها مع أولئك الغيد، فقال: طويل خليليّ لا فطر يسر ولا أضحى ... فما حال من أمسى مشوقا كما أضحى لئن شاقني شرق العقاب فلم أزل ... أخص بمخصوص الهوى ذلك السفحا وما أنفك جوفي الرصافة مشعري ... دواعي بث تعقب الأسف البرحا ويهتاج قصر الفارسي صبابة ... بقلبي لا يألو زناد الهوى قدحا وليس ذميما عهد مجلس ناصح ... فاقبل في فرط الولوع به نصحا كأنني لم أشهد لدى عين شهدة ... نزال عتاب كان أخره الفتحا وقائع جانيها التجني فإن مشى ... سفير خضوع بيننا أكد الصلحا وأيّام وصل بالعقيق اقتضيته ... فألا يكن ميعاده العيد فالفصحا وآصال لهو في مسناة مالك ... معاطاة ندمان إذا شيت أو سبحا لدى راكد تصبيك من صفحاته ... قوارير خضر خلتها مردّت صرحا معاهد لذات وأوطان صبوة ... أجلت المعلى في الأماني بها قدحا ألا هل إلى الزهراء أوبة نازح ... نقضت مبانيها مدامعه نزحا مقاصير ملك أشرقت جنباتها ... فخلنا العشاء الجون أثناءها صبحا يمثل قرطيها لي الوهم لي جهرة ... فقبتها فالكوكب الرحب فالسطحا محل ارتياح يذكر الخلد طيبه ... إذا عزان يصدى الفتى فيه أو يصحا هناك الحمام الزرق تندا خفافها ... ظلال عهدت الدهر فيها فتى سمحا تعوضت من شدو القيان خلالها ... صدى فلوات قد أطار الكرى صبحا ومن جلي الكاس المفدى مديرها ... تقحم الأهواء جلت لها الرمحا أجل إن ليلي فوق شاطئ نيطة ... لأقصر من ليلي بئانة والبطحا وهذه معاهد لبني أمية قطعت بها ليالي وأياما، وظلت فيها الحوادث عنهم نياما،

стр. 71

فهاموا بشرق العقاب، وشاموا به برقاً يبدو من نقاب، ونعموا بجوفي الرصافة، وطعموا عيشا تولى الدهر جلاءه وزفافه، وأبعدوا نصح الناصح، وحمدوا أنس مجلس ناصح، وعموا بالزهراء، وصموا عن بناء صاحب الزوراء، حتى رحلت الموت عنها وقوضهم، وعوضهم منها ما عوضهم، فصاروا أحاديث وأنباء، ولم يتزودوا منها إلا حنوطا وكباء، وغدت تلك المعاهد تصافحا أكف الغير، وتناوحها نعبات الطير، وراحت بعد الزينة سدا، وأمست مسرحا للسيد وملعبا للصدى، يسمع للجن بها عزيف، ويصرع فيها الباسل والنزيف، وكذا الدنيا أعمالها خراب، وأمالها أل وسراب، أهلكت أصحاب الأخدود، وأذهبت ما كان بمأرب من حيازات وحدود، وله يتغزل بولادة، بسيط يا نازحا وضمير القلب مثواه ... أنستك دنياك عبد أنت دنياهُ ألهتك عنه فكاهات تلذّ بها ... فليس يجري ببال منك ذكراهُ علّ الليالي تبقيني إلى أمل ... الدهر يعلم والأيام معناهُ وكان يكلف بولادة بنت المهدي ويهيم، ويستضيء بنور تخليها في الليل البهيم، وكانت من الأدب والظرف، وتتميم المسمع والطرف، بحيث تختلس القلوب والألباب، وتعيد الشيب إلى أخلاق الشباب، فلما حل بذلك الغرب، وانحل عقد صبره بيد الكرب، كر إلي الزهراء ليتوارى في نواحيها، ويتسلى برؤية موافيها، فوافاها والربيع قد خلع عليها برده، ونثر سوسنه وورده، وانزع جداولها، وانطلق بلابلها، فارتاح ارتياح جميل بواد القرى، وراح بين روض يانع وريح طيبة السرى، فتشوق إلى لقاء ولادة وحن، وخاف تلك النوائب والمحن، فكتب إليها يصف فرط قلقه، وضيق أمده إليها وطلقه، ويعاتبها على إغفال تعهده، ويصف حسن محضره بها ومشهده، بسيط إني ذكرتك بالزهراء مشتاقا ... والأفق طلق ووجه الأرض قد راقا وللنسيم اعتلال في أصائله ... كأنما رق لي فاعتل إشفاقا والروض عن مائه الفضي مبتسم ... كما جللت عن اللبات أطواقا يوم كأيّام لذّات لنا انصرمت ... بتنا لها حين نام الدهر سرّاقا نلهو بها بما يستميل العين من زهر ... جال الندى فيه حتى مال أعناقا كأن أعينه إذ عاينت أرقي ... بكت لما بي فجال الدمع رقراقا

стр. 72

ورد تألق في ضاحي منابته ... فازداد منه الضحى في العين إشراقا سرى بنافجة نيلوفر عبق ... وسنان نبه منه الصبح أحداقا كل يهيج لنا ذكرى تشوقنا ... إليك لم يعد عنها الصدر أن ضاقا لو كان وفي المنى في جمعنا بكم ... لكان من أكرم الأيام أخلاقا لا سكن الله قلبا عن ذكركم ... فلم يطر بجناح الشوق خفاقا ول شاء حملي نسيم الريح حين هفا ... وافاكم بفتى أضناه ما لاقا يا عقلي الأخضر الأسنى الحبيب إلى ... نفسي إذا ما اقتنى الأحباب إعلاقا كان التجازي بمحض الود مذ زمن ... ميدان أنس جرينا فيه إطلاقا فالآن أحمد ما كان لعهدكم ... سلوتم وبقينا نحن عشاقا ولم تزل الأيام تدنيه وتبعده، وتسؤه وتسعده، وتقذف به إلى كل نازح، وتطرف أمله بعين اللاعب المازح، حتى أحلته بلنسية وهلال ذكائه كما أقمر، وغصن نباهته يانع قد أثمر، وبنو عبد العزيز غرر ملكها، ودرر سلكها، يفيضون بحور الندى، ويومضون في كل منتدى، فحل منهم محل الحميا في الكؤوس، ووقع منهم مواقع البشائر في النفوس، وأقام بين مبرة تواصله، ومسرة تغازله، ومجاملة كرائح القطر وغاديه، فلما انفصل، وحصل فيما حصل، تذكر بعد برهة ذلك العيش ونور عمره قد صوح وغصن سنه قد دوح، فلم يجد إلا له طيبا، ولم يهصر غير فننه غصنا رطيبا، فكتب إلى ابن عبد العزيز، كامل مجزوء راحت فصح بها السقيم ... ريح معطرة بالنسيم مقبولة هبت قبوم ... لا فهي تعبق في الشميم افضيض ميك أم بلن ... سية لرياها نميم بلد حبيب افقه ... لفتى يحل به كريم أيه أبا عبد الإل ... هـ نداء مغلوب العريم أن عيل صبري من فرا ... قكم فالعذاب به أليم أو أتبعتك حنينها ... نفسي فأنت لها قسيم ذكري لعهدك كالسها ... د سرى فبرّح بالسليم مهما ذممت فما زما ... ني لي في ذمامك بالذميم زمن كمألوف الرضا ... ع يشوق ذكراه الفطيم

стр. 73

أيام أعقد ناظري ... بذلك المرأى الوسيم فارى الفتوة غضة ... في ثوب أواه حليم الله يعلم أن حب ... بك من فؤادي في الصميم ولئن تحمّل عنك في ... جسم فعن قلب مقيم ثم السلام تبلغن ... نه بقلب مهديه السليم وفي أيام مقامه ببلنسية وتشوقه إلى ولادة قال: طويل غريب بأرض الشرق يشكر للصبا ... تحملها منه السلام إلى الغرب وما ضر أنفاس الصبا في احتمالها ... سلام فتى يهديه جسم إلى قلب وفي نكبته وقعود أبي الحزم عن إقالته من كبوته، يقول يعاتبه من قصيدة وقد بلغه أنه سعى به إليه فقال: طويل أبا الحزم إني في عتابك مائل ... إلى جانب تلوي إليه العلى سهلِ حمائم شكوى صبحتك هوادلا ... تناديك من أفنان آدابي الهدلِ جواد إذا استن الجياد إلى مدى ... تمطر فاستولى على أمد الخصلِ ثوى صافنا في مربط الهون يشتكي ... بتصهاله ما ناله من أذى الشكلِ وإني لتنهاني نهاي عن التي ... أشار بها الواشي ويعقلني عقلي أانفض فيك المدح من بعد قوة ... فلا اقتدي بي إلا بناقضة الغزل هي النعل زلت بي فهل أنت مكذب ... لقيل الأعادي إنها زلة الحسل ألا إن ظني بين فعليك واقف ... وقوف الهوى بين القطيعة والوصل وألا جنيت الأنس من وحشة النوى ... وهول السرى بين المطية والرحلِ وأين جواب منك ترضى به العلى ... إذا سألتني عنك السنة الحفل وله عند ثقافة، وفقد الوفاء من الآفة، يخاطب أبا حفص بن برد وقد حار ولم يجد هاديا، وصار رهينا لا يرجو فاديا، وعلم أن الناس متقلبون، وعلى من انقلب الدهر منقلبون، لا يدنيهم في الشدة إخاء، ولا يثنيهم عن ذي الحظوة زهو ولا انتخاء، رمل مجزوء ما على ظني باس ... يجرح الدهر وياسو ربما أشرف بالمر ... على الأمال ياسُ ولقد ينجيك إغفا ... ل ويؤذيك احتراسُ ولكم أجدى قعود ... ولكم أكدى التماسُ

стр. 74

وكذا الحكم إذا ما ... عزّ ناس ذل ناسُ وبنو الأيام أخيا ... ف سراة وخساسُ تلبس الدنيا ولكن ... متعة ذاك اللباسُ يا أبا حفص وما سا ... واك في فهم اياسُ من سنا رأيك لي في ... غسق الخطب اقتباسُ وودادي لك نصّ ... لم يخالفه القياس أنا حيران وللأم ... ر وضوح والتباس لا يكن عهدك وردا ... أن عهدي لك أسُ وادر ذكري كأسا ... ما امتطت كفك كاسُ فعسى أن يسمح الده ... ر فقد طال الشماسُ واغتنم صفو الليالي ... إنما العيش اختلاسُ ما ترى في معشر حا ... لوا عن العهد وحاسوا ورواني سامريا ... يتقى منه المساسُ أذوب هامت بلحمي ... فانتهاب وانتهاسُ كلهم يسأل عن حا ... لي وللذئب اعتساس إن قسا الدهر فلمأ ... من الصخر انبجاس ولئن أمسيت محبو ... ساً فللغيث احتباسُ ويفت المسك في التر ... ب فيوطأ ويداسُ ولما تعذر فكاكه، وعفر فرقده وسماكه، وعاودته الأوهام والفكر، وخانه من أبي الحزم الصارم الذكر، قال يصف ما بين مسراته وكروبه، ويذكر بعد طلوع أمله من غروبه، ويبكي لما هو فيه من التعذير، ويعذر أبا الحزم وليس له غيره من عذير، ويتعزى بأنحاء الدهر على الأحرار، وإلحاحه على التمام بالسرار، ويخاطب ولادة بوفاء عهده، ويقيم لها البراهين على أرقه وسهده، بسيط ما جال بعدك لحظي في سنا القمر ... إلا ذكرتك ذكر العين بالأثرِ ولا استطلت ذماء النفس من أسف ... إلا على ليلة سرت مع القصرِ في نشوة من شباب الوصل موهمة ... إلا مسافة بين الوهن والسحرِ

стр. 75

يا ليت ذاك السواد الجون متصل ... قد استعار سواد القلب والبصرِ يا للرزايا لقد شافهت منهلها ... غمرا فما اشرب المكروه بالغمرِ لا يهنأ الشامت المرتاح خاطره ... أني معنى الأماني ضائع الخطرِ هل الرياح بنجم الأرض عاصفة ... أم الكسوف لغير الشمس والقمرِ إن طال في السجن إيداعي فلا عجب ... قد يودع الجفن حد الصارم الذكرِ وأن يثبط أبا الحزم الرضى قدرٌ ... عن كشف ضري فلا عتب على القدرِ من لم أزل من تأنيه على ثقة ... ولم أبت من تجنيه على حذرِ وله يتغزل ويعاتب من يستعطفه ويستنزل، بسيط مجزوء يا مستخفاً بعاشقيه ... ومستغشاً لناصحيه ومن أطاع الوشاة فينا ... حتى أطعنا السلوَّ فيه الحمد لله إذ أراني ... تكذيب ما كنت تدعيهِ من قبل أن يهزم التسلي ... ويغلب الشوق ما يليهِ ولما عضته أنياب الاعتقال: ورضته تلك النوب الثقال: وعوض بخشانة العيش من اللين، وكابد قسوة خطب لا تلين، تذكر عهد عيشه الرقيق، ومراحه بين الرصافة والعتيق، وحن إلى سعد زرت عليه جيوبه، واستهدى نسيم عيش طاب له هبوبه، وتأسى بمن باتت له النوآئب بمرصاد، ورمته بسهام أقصاد، وضيم من عهد الأحص إلى ذات الآصاد، فقال: خفيف الهوى في طلوع تلك النجوم ... والمنى في هبوب ذاك النسيم سرنا عيشنا الرقيق الحواشي ... لويدوم السرور للمتسديم وطر ما انقضى إلى أن نقضى ... زمن ما ذمامه بالذميم أيها الموذني بظلم الليالي ... ليس يومي بواحد من ظلوم ما ترى البدران تأملت والشم ... س كما يكسفان دون النجوم وهو الدهر ليس ينفك ينحو ... بالمصاب العظيم نحو العظيم وله يتغزل. وافر أيوحشني الزمان وأنت أنسي ... ويظلم لي النهار وأنت شمسي وأغرس في محبتكك الأماني ... فأجني الموت من ثمرات غرسي لقد جازيت غدراً عن وفاءي ... وبعت مودتي ظلما ببخس
следующие страницы →