← Акыда

Акыда · id 21511

مجانبة أهل الثبور المصلين في المشاهد وعند القبور

عبد العزيز بن فيصل الراجحي

Полный текст (373 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مُجَانَبَة ُ أَهْل ِ الثُّبُوْر، المُصَلِّيْنَ في المَشَاهِدِ وَعِنْدَ القُبُوْر الشَّيْخِ عَبْدِ العَزِيْزِ بْن ِ فَيْصَل الرّاجِحِيّ

стр. 2

تقدِيْمُ مَعَالِي الشَّيْخِ العَلامَةِ الدّكتورِ صَالِحِ بن ِفوْزَان بن ِعَبْدِ اللهِ الفوْزَان عُضْوِ هَيْئةِ كِبَارِ العُلمَاءِ، وَعُضْوِ اللجْنةِ الدّائِمَةِ للإفتَاء بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمْدُ للهِ، وَالصَّلاة ُوَالسَّلامُ عَلى رَسُوْل ِ اللهِ نبينا محمَّدٍ، وَعَلى آلِهِ وَصَحْبهِ وَمَنْ وَالاه، وَتَمَسَّك َ بسنتهِ وَاتبعَ هُدَاه، أَمّا بَعْدُ: فقدِ اطلعْتُ عَلى رِسَالةٍ لِلأَخِ الشَّيْخِ عَبْدِ العَزِيزِ بن ِ فيْصَل الرّاجِحِيّ، بعنوَان ِ «مُجَانبة ُ أَهْل ِ الثبوْر، المصَليْنَ في المشاهِدِ وَعِنْدَ القبوْر». وَهِيَ رَدٌّ عَلى مَنْ أَجَازَ الصَّلاة َ في المقابرِ وَعِندَ القبوْر. وَلمّا تأَملتها: وَجَدْتها رِسَالة ًجَيِّدَة ً في مَوْضُوْعِهَا، تدْحَضُ شبهَاتِ القبوْرِيِّيْنَ، وَتسُدُّ وَسِيْلة ً مِنْ وَسَائِل ِ الشِّرْكِ المشِيْن. فجزَاهُ الله ُ خيْرَ الجزَاءِ، وَنفعَ بهَذِهِ الرِّسَالةِ وَغيْرِهَا مِنَ الكتبِ المفِيْدَةِ، وَالأَجْوِبةِ السَّدِيدَةِ،

стр. 3

وَصَلى الله ُ وَسَلمَ عَلى نبينا محمَّدٍ، وَآلِهِ وَصَحْبه،،، كتبهُ صَالح بن فوْزان بن عَبْدِ الله الفوْزان عُضْو هَيْئَةِ كِبارِ العُلمَاء (التَّوقيع) في ٢٥/ ٣/١٤٢٤هـ

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمْدُ للهِ رَبِّ العالمِيْنَ، وَالصَّلاة ُوَالسَّلامُ عَلى إمَامِ وَخَاتَمِ الأَنبيَاءِ وَالمرْسَلِيْنَ، نبيِّنا مُحَمَّدٍ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبهِ أَجْمَعِيْنَ، وَبعْدُ: فقدْ قبضَ الله ُسُبْحَانهُ نبيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ ، وَلم يَتْرُك ْ خَيْرًا إلا َّ دَلَّ الأُمَّة َعَليْهِ، وَحَثهَا إليْهِ، وَلا شرًّا إلا َّحَذّرَهَا مِنْهُ، وَأَبعَدَهَا عَنْه. بَلْ وَمَا مِنْ سَبيْل ٍ وَلا ذرِيْعَةٍ إلىَ شَرٍّ إلا َّ وَقدْ حَذَّرَ مِنْهَا، مَخافة َ أَنْ يَنْتَهيَ الحالُ بسَالِكِهَا إلىَ مَغبَّةٍ لا يَحْمَدُ عُقبَاهَا. خاصّة ً مَا كانَ خَطرُهُ عَلى مَعاقِدِ الإيْمَان ِ، وَمَعَاصِمِ الإسْلامِ، كالشرْكِ باِللهِ تَعَالىَ، وَذرَائِعِهِ وَوَسَائِلِه. بَلْ حَذَّرَ ﷺ مِنْ مُشَابَهَةِ المشْرِكِيْنَ، وَمُحَاكاةِ الكافِرِيْنَ، وَلوْ كانَ ذلك فِي اللبْس ِ وَالهيْئَةِ، فكيْفَ باِلعِبَادَةِ وَالطاعَة؟! فأَمَرَ ﷺ بتَغْييرِ الشَّيْبِ، وَحَفِّ الشَّوَارِبِ، وَإيْفاءِ اللحَى، مُخالفة ً لِلكافِرِيْن. وقالَ ﷺ : «فصْلُ مَا بيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْل ِ الكِتابِ: أَكلة ُ السَّحَر» رَوَاهُ مُسْلِمٌ في «صَحِيْحِه» (١٠٩٦) عَنْ عَمْرِو بْنِ العَاص ِ رَضِيَ الله ُ عَنْه.

стр. 5

قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمية َ ﵀ ُ بَعْدَهُ في «اقتِضَاءِ الصِّرَاطِ المسْتَقِيْمِ» (١/ ١٨٦ - ١٨٧): (وَهَذَا يَدُلُّ عَلى أَنَّ الفصْلَ بَيْنَ العِبَادَتيْن ِ: أَمْرٌ مَقصُوْدٌ لِلشّارِعِ، وَقدْ صَرَّحَ بذَلِك َ فِيْمَا رَوَاهُ أَبو دَاوُوْدَ (٢٣٥٣) عَنْ أَبي هُرَيْرَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ عَن ِ النَّبيِّ ﷺ : «لا يَزَالُ الدِّينُ ظاهِرًا، مَا عَجَّلَ الناسُ الفِطرَ، لأَنَّ اليَهُوْدَ وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُوْن». وَهَذا نصٌّ في أَنَّ ظهُوْرَ الدِّين ِ، الحاصِلَ بتَعْجِيْل ِ الفِطرِ، لأَجْل ِ مُخالفةِ اليَهُوْدِ وَالنَّصَارَى. وَإذا كانَ مُخالفتهُمْ سَبَبًا لِظهُوْرِ الدِّين ِ، فإنمَا المقصُوْدُ بإرْسَال ِالرُّسُل ِ: أَنْ يَظهرَ دِيْنُ اللهِ عَلى الدِّين ِ كلهِ، فيَكوْنُ نفسُ مُخالفتهمْ، مِنْ أَكبَرِ مَقاصِدِ البعْثة) اه. وَكانَ مِنْ أَشَدِّ مَا خَشِيَهُ النَّبيُّ ﷺ عَلى أُمَّتِهِ: الشِّرْك ُ باِللهِ، وَمَا يُفضِي إليْه. وَلمّا مَرِضَ ﷺ مَرَضَ مَوْتهِ، وَكانَ وَعْكهُ شَدِيْدًا: لمْ يَشْغلهُ مَرَضُهُ الشَّدِيْدُ، وَلا مَا كانَ فِيْهِ ﷺ مِنْ تَحْذِيْرِ أُمَّتِهِ مِنَ الشِّرْكِ وَوَسَائِلِهِ قبْلَ قبْض ِ رُوْحِهِ الطاهِرَةِ بخمْس ِ ليَال ٍ، فقالَ ﷺ -وَهُوَ كذَلِك َ-: «أَلا وَإِنَّ مَنْ كانَ قبْلكمْ، كانوْا يَتَّخِذُوْنَ قبوْرَ أَنبيَائِهمْ وَصَالحِيْهمْ مَسَاجِدَ، أَلا فلا تتَّخِذُوْا القبوْرَ مَسَاجدَ، فإني أَنهَاكمْ عَنْ ذلك) رَوَاهُ مُسْلِمٌ في «صَحِيْحِهِ» (٥٣٢) عَنْ جُنْدُبِ بْن ِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ الله ُ عَنْه.

стр. 6

فصل وَقدْ رَأَيْتُ كاتِبا قبْلَ أَيامٍ، أُعْجِمَ قلبُهُ عَنْ هَذَا، فلمْ يُدْرِكِ المُرَادَ، فرَجَّحَ مَا ليْسَ عَليْهِ اعْتِمَادٌ، وَلا لهُ عِمَادٌ، وَكتبَ مَقالا ً يَعِيْبُ فِيْهِ عَلى الناس ِ في بلادِنا وفي بلادٍ أُخْرَى، مَا رَآهُمْ فِيْهِ مِنْ خَيْرٍ وَنِعْمَةٍ، وَبُعْدٍ عَنْ مَوَاطِن ِ الشرِّ وَالنِّقمَةِ، فقالَ: (يتلقى أَكثرُ النّاس ِحُكمَ حُرْمَةِ الصَّلاةِ فِي المقبَرَةِ باِلتَّسْلِيْمِ، وَكأَنهُ مِنَ المتفق ِ عَليْهِ، أَوْ كأَنَّ نصًّا مُحْكمًا وَرَدَ فِيْه!). ثمَّ زَادَ فقالَ: (وَالحقِيْقة ُ أَنَّ المسْأَلة َخِلافُ ذلِك َ، وَمَذْهَبَ السَّلفِ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ: الجوَازُ، إلا َّ مَا كانَ مِنَ الإمَامِ أَحْمَدَ ﵀. فالصَّلاة ُ فِي المقبَرَةِ إذنْ جَائِزَة ٌ لِلأَدِلةِ التالِيَةِ: قوْلُ رَسُوْل ِ اللهِ ﷺ : «جُعِلتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجدًا وَطهُوْرًا»، وَهَذَا يعُمُّ الأَرْضَ كلهَا. بنَاءُ رَسُوْل ِ اللهِ ﷺ مَسْجِدَهُ فِي مَقبَرَةٍ لِلمُشْرِكِيْنَ، وَهَذَا أَمْرٌ مَشْهُوْرٌ، وَهُوَ فِي «الصَّحِيْحَيْن». صَلاة ُ رَسُوْل ِاللهِ ﷺ عَلى المِسْكِيْنَةِ، التي كانتْ تقمُّ المسْجِدَ فِي المقبَرَةِ مَعَ أَصْحَابهِ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمْ. صَلاة ُ الصَّحَابَةِ فِي المقبَرَةِ مِنْ غيْرِ نكِيْر. عَدَمُ وُجُوْدِ دَلِيْل ٍصَحِيْحٍ صَرِيْحٍ فِي النَّهْيِّ عَن ِ الصَّلاةِ فِي المقبَرَة.

стр. 7

هَذَهِ بَعْضُ الأَدِلةِ عَلى جَوَازِ الصَّلاةِ فِي المقبَرَةِ عَلى وَجْهِ الاخْتِصَار) اه كلامُ المعْتَرِض. ثمَّ أَحَالَ عَلى رِسَالةِ «الجوْهَرَة، فِي جَوَازِ الصَّلاةِ فِي المقبرَة»، وَليْسَ فِيْهَا شَيْءٌ يُحْتَجُّ بهِ، غيْرُ مَا ذكرَ هُوَ، وَسَيَأْتِي (ص١٠٩ - ١٢٥) إبْطالهُ بمَشِيْئَةِ الله (١)

стр. 8

فصل في تَحْرِيْرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ في هَذِهِ المسْأَلةِ، وَبيان ِ مَا أَجْمَعَ العُلمَاءُ عَلى تَحْرِيْمِهِ فِيْهَا، وَمَا فِيْهِ خِلافٌ بَيْنَهُمْ قبْلَ الجوَابِ عَمّا أَوْرَدَهُ المعْترِضُ، أُبيِّنُ مَسْأَلتَيْن ِ: إحْدَاهُمَا: أَنَّ بنَاءَ المسَاجِدِ عَلى القبوْرِ، بدْعة ٌ مُحَرَّمَة ٌ باِتفاق ِ الأَئِمَّة. قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمية َ ﵀ ُ كمَا فِي «مَجْمُوْعِ الفتَاوَى» (٢٧/ ٤٨٨): (فإنَّ بناءَ المسَاجِدِ عَلى القبوْرِ، ليْسَ مِنْ دِيْن ِ المسْلِمِيْن. بَلْ هُوَ مَنْهيٌّ عَنْهُ باِلنُّصُوْص ِالثابتَةِ عَن ِ النَّبيِّ ﷺ ، وَاتفاق ِ أَئِمَّةِ الدِّين. بَلْ لا يَجُوْزُ اتِّخاذ ُ القبوْرِ مَسَاجِدَ، سَوَاءٌ كانَ ذلِك َ ببناءِ المسْجدِ عَليْهَا، أَوْ بقصْدِ الصَّلاةِ عِنْدَهَا. بَلْ أَئِمَّة ُ الدِّين ِ مُتَّفِقوْنَ عَلى النَّهْيِّ عَنْ ذلك). ثمَّ قالَ ﵀ ُ (٢٧/ ٤٨٨): (بلْ ليْسَ لأَحَدٍ أَنْ يُصَليَ فِي المسَاجِدِ التي بُنِيَتْ عَلى القبوْرِ، وَلوْ لم يَقصِدِ الصَّلاة َ عِنْدَهَا، فلا يُقبَلُ ذلِك َ، لا اتفاقا، وَلا ابْتغاءًا، لِمَا فِي ذلِك َ مِنَ التَّشَبُّهِ باِلمشْرِكِيْنَ، وَالذَّرِيْعَةِ إلىَ الشِّرْك).

стр. 9

ثمَّ قالَ ﵀ ُ (٢٧/ ٤٨٩): (وَأَمّا المسَاجِدُ المبْنِيَّة ُ عَلى القبوْرِ: فقدْ نهَوْا عَنْهُ، مُعَللِيْنَ بخوْفِ الفِتْنَةِ بتَعْظِيْمِ المخْلوْق ِ، كمَا ذكرَ ذلِك َ الشّافِعِيُّ وَغيْرُهُ مِنْ سَائِرِ أَئِمَّةِ المسْلِمِيْن). وَقالَ ﵀ ُفِي مَوْضِعٍ آخَرَ (٢٤/ ٣١٨): (وَأَمّا بنَاءُ المسَاجِدِ عَلى القبوْرِ، وَتسَمَّى «مَشَاهِدَ»: فهَذَا غيْرُ سَائِغٍ، بَلْ جَمِيْعُ الأُمَّةِ يَنْهَوْنَ عَنْ ذلك)، ثمَّ ذكرَ ﵀ ُ بَعْضَ الأَدِلة. المسْأَلة ُ الثانية ُ: أَنَّ مَنْ ظنَّ أَنَّ الصَّلاة َ عِنْدَ أَيِّ قبَرٍ كانَ، لهَا فضِيْلة ٌ تخصُّهَا، أَوْ أَنَّ الصَّلاة َ عِنْدَهُ مُسْتَحَبَّة ٌ: فهُوَ ضَالّ. قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ﵀ ُ (٢٧/ ٤٨٨): (بَلْ أَئِمَّة ُ الدِّين ِ مُتَّفقوْنَ عَلى النَّهْيِّ عَنْ ذلِك َ، وَأَنهُ ليْسَ لأَحَدٍ أَنْ يقصِدَ الصَّلاة َ عِنْدَ قبْرِ أَحَدٍ، لا نبيٍّ وَلا غيْرِ نبيّ. وَكلُّ مَنْ قالَ: «إنَّ قصْدَ الصَّلاةِ عِنْدَ قبْرِ أَحَدٍ، أَوْ عِنْدَ مَسْجِدٍ بُنِيَ عَلى قبْرٍ أَوْ مَشْهَدٍ أَوْ غيْرِ ذلِك َ: أَمْرٌ مَشْرُوْعٌ»، بحيْثُ يَسْتَحِبُّ ذلِك َ، وَيَكوْنُ أَفضَلَ مِنَ الصَّلاةِ فِي المسْجِدِ الذِي لا قبَرَ فِيْهِ: فقدْ مَرَقَ مِنَ الدِّين ِ، وَخَالفَ إجْمَاعَ المسْلِمِيْنَ، وَالوَاجِبُ أَنْ يُسْتتَابَ قائِلُ هَذَا وَمُعْتَقِدُهُ، فإنْ تابَ وَإلا َّ قتِل). وَقالَ ﵀ ُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ (٢٤/ ٣١٨): (فمَن ِ اعْتقدَ أَنَّ الصَّلاة َ عِنْدَهَا، فِيْهَا فضْلٌ عَلى الصَّلاةِ عَلى غيْرِهَا، أَوْ أَنها أَفضَلُ

стр. 10

مِنَ الصَّلاةِ فِي بَعْض ِالمسَاجِدِ: فقدْ فارَقَ جَمَاعَة َ المسْلِمِيْنَ، وَمَرَقَ مِنَ الدِّين. بَلْ الذِي عَليْهِ الأُمَّة ُ: أَنَّ الصَّلاة َ فِيْهَا، مَنْهيٌّ عَنْهَا نهْيَ تَحْرِيْم) اه. وَقدْ قدَّمْتُ هَاتيْن ِ المسْأَلتيْن ِ، لِيظهَرَ مَحَلُّ النِّزَاعِ، وَأَنهُمَا ليْسَتَا دَاخِلتَيْن ِ فِيْهِ، وَأَنَّ حُرْمَتَهُمَا بإجْمَاعٍ لا نِزَاعَ فِيْه. وَالمعْتَرِضُ لا يُنَازِعُ كذَلِك َ فِي تَحْرِيْمِهمَا. أَمّا مَحَلُّ النزَاعِ، وَمَا فِيْهِ خِلافٌ بَيْنَ أَهْل ِ العِلمِ: فهُوَ حُكمُ الصَّلاةِ ذاتِ الرُّكوْعِ وَالسُّجُوْدِ فِي المقابرِ وَعِنْدَ القبوْرِ، مِنْ غيْرِ قصْدٍ لِلصَّلاةِ فِيْهَا، وَلا تَعْظِيْمِ مَقبوْر. وَهَذِهِ المسْأَلة ُ، هِيَ التي أَجَازَهَا المعْتَرِضُ، وَرَجَّحَهَا، وَضَعَّفَ قوْلَ مُحَرِّمِيْهَا! وَهَذِهِ المسْأَلة ُ- أَعْنِي حُكمَ الصَّلاةِ ذاتِ الرُّكوْعِ وَالسُّجُوْدِ فِي المقابرِ وَعِنْدَ القبوْرِ، مِنْ غيْرِ قصْدِ قبْرٍ، وَلا تَعْظِيْمِ مَقبوْرٍ: فِيهَا خِلافٌ بيْنَ أَهْل ِالعِلمِ: * فحَرَّمَهَا جَمَاعَة ٌ، مِنْهُمْ: عُمَرُ بْنُ الخطابِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبي طالِبٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاس ٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وَعَطاءُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَابْنُ المنذِر. وَإليْهِ ذهَبَ الإمَامُ أَحْمَدُ، وَإسْحَاقُ، وَأَبوْ ثوْر. * وَأَباحَ الصَّلاة َ في المقبرَةِ، أَوْ كرِهَهَا مِنْ غيْرِ تَحْرِيْمٍ: آخَرُوْن.

стр. 11

قالَ البَغوِيُّ في «شَرْحِ السُّنَّةِ» (٢/ ٤١١): (اِخْتَلفَ أَهْلُ العِلمِ في الصَّلاةِ في المقبرَةِ وَالحمّامِ: فرُوِيَتِ الكرَاهِيَة ُ فِيْهمَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلف. وَإليْهِ ذهَبَ أَحْمَدُ، وَإسْحَاقُ، وَأَبوْ ثوْرٍ، لِظاهِرِ الحدِيْثِ، وَإنْ كانتِ الترْبة ُ طاهِرَة ً، وَالمكانُ نظِيْفا. وَقالوْا: قدْ قالَ النَّبيُّ ﷺ : «اِجْعَلوْا فِي بُيُوْتِكمْ مِنْ صَلاتِكمْ، وَلا تَتَّخِذُوْهَا قبوْرًا». فدَلَّ عَلى أَنَّ مَحَلَّ القبْرِ ليْسَ بمَحَلٍّ لِلصَّلاة. وَمِنْهُمْ: مَنْ ذهَبَ إلىَ أَنَّ الصَّلاة َ فِيْهمَا جَائِزَة ٌ، إذا صَلى في مَوْضِعٍ نظِيْفٍ مِنْه. وَرُوِيَ: أَنَّ عُمَرَ رَأَى أَنسَ بْنَ مَالِكٍ يُصَلي عِنْدَ قبْرٍ فقالَ: «القبْرَ القبْرَ» (١)، وَلمْ يَأْمُرْهُ باِلإعادَة. وَحُكِيَ عَن ِالحسَن ِ: أَنهُ صَلى في المقابر. وَعَنْ مَالِكٍ: «لا بَأْسَ باِلصَّلاةِ في المقابر») اه. قلتُ: وَقوْلُ البَغوِيِّ: (وَعَنْ مَالِكٍ: «لا بَأْسَ باِلصَّلاةِ في المقابر»): غيْرُ مُسَلمٍ، فقدِ اخْتَلفتِ الرِّوَايَة ُ عَنْ مَالِكٍ في ذلك.

стр. 12

قالَ أَبوْ بكرٍ ابْنُ المنْذِرِ في «الأَوْسَطِ» (٢/ ١٨٥): (وَاخْتُلِفَ في هَذِهِ المسْأَلةِ عَنْ مَالِكٍ: فحَكى ابْنُ القاسِمِ عَنْهُ أَنهُ قالَ: «لا بَأْسَ باِلصَّلاةِ في المقابر». وَحُكِيَ عَنْ أَبي مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنهُ قالَ: «لا أُحِبُّ الصَّلاة َ في المقابر») اه. قلتُ: وَالذِي يَظهَرُ لِي: أَنْ لا نِزَاعَ وَلا اخْتِلافَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْن ِ، فالأُوْلىَ: يُرِيْدُ بهَا الصَّلاة َ في المقابرِ عَلى الجنائِزِ، وَالأُخْرَى: أَرَادَ بهَا الصَّلاة َ ذاتَ الرُّكوْعِ وَالسُّجُود. وَقدْ أَطلقَ جَمَاعَة ٌ مِنَ الأَئِمَّةِ، جَوَازَ الصَّلاةِ في المقابرِ، أَوْ كرَاهَتَهَا، وَهُمْ يَعْنُوْنَ صَلاة َ الجنازَةِ فِيْهَا، لا الصَّلاة َ المعْهُوْدَة َ، ذاتَ الرُّكوْعِ وَالسُّجُوْد. وَمَنْ مَنَعَ مِنْ هَؤُلاءِ الصَّلاة َ عَلى الجنازَةِ في المقبَرَةِ: فهُوَ يَمْنَعُ الصَّلاة َ ذاتَ الرُّكوْعِ وَالسُّجُوْدِ فِيْهَا مِنْ بابِ أَوْلىَ. أَمّا مَنْ أَجَازَ مِنْهُمْ صَلاة َ الجنازَةِ بهَا: فلا يَلزَمُ مِنْ ذلِك َ تَجْوِيْزُهُ الصَّلاة َ ذاتَ الرُّكوْعِ وَالسُّجُودِ بهَا. بَلْ إنَّ جَمَاعَاتٍ مِنَ السَّلفِ، قدْ أَجَازُوْا الصَّلاة َ عَلى الجنازَةِ في المقبَرَةِ، وَحَرَّمُوْا غيْرَهَا مِنَ الصَّلوَاتِ، وَقدْ جَاءَتْ بذَلِك َ السُّنَّة. وَالذِي عَليْهِ المحَققوْنَ مِنْ أَهْل ِالعِلمِ: أَنَّ الصَّلاة َ ذاتَ الرُّكوْعِ وَالسُّجُوْدِ، مُحَرَّمَة ٌ بلا شَكٍّ وَلا رَيْبٍ، لِكثْرَةِ الأَحَادِيْثِ

стр. 13

النّاهِيَةِ عَن ِ الصَّلاةِ فِيْهَا، وَاتخاذِهَا مَسَاجِدَ، وَلعْن ِ رَسُوْل ِاللهِ ﷺ لِليهُوْدِ وَالنَّصَارَى لاتخاذِهِمْ إياهَا مَسَاجِدَ يُصَلوْنَ فِيْهَا، وَتَغْلِيْظِهِ فِي التَّحْذِيْرِ وَالزَّجْرِ عَنْ ذلِك َ، حَتَّى قبيْلَ وَفاتِهِ بليَال ٍ، وَسَيَأْتِي ذِكرُ طرَفٍ مِنْ هَذِهِ الأَحَادِيْث. إلا َّ أَنهُمْ اخْتَلفوْا في صِحَّةِ صَلاةِ المصَلي فِيْهَا، فقالَ جَمَاعَة ٌ مِنْهُمْ: هِيَ بَاطِلة ٌ، لأَنَّ النَّهْيَ يَقتضِي التَّحْرِيْمَ وَالفسَاد. وَقالَ آخَرُوْنَ: هُوَ آثِمٌ عَاص ٍ، إلا َّ أَنَّ صَلاتهُ صَحِيْحَة ٌمَعَ إثمِهِ، وَسَيَأْتِي تفصِيْلهُ (ص٤٥ - ٦٥) بمشِيْئَةِ الله. قالَ ابنُ المنذِرِ في «الأَوْسَطِ» (٢/ ١٨٥): (وَالذِي عَليْهِ الأَكثرُ مِنْ أَهْل ِ العِلمِ: كرَاهِيَة ُ الصَّلاةِ في المقبَرَةِ، لحدِيْثِ أَبي سَعِيْدٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ، وَكذَلِك َ نقوْل) اه. قلتُ: مُرَادُ ابْن ِ المنذِرِ ﵀ ُ باِلكرَاهَةِ هُنَا: كرَاهَة َ التَّحْرِيْمِ، لِذَا قالَ قبْلَ ذلِك َ (٢/ ١٨٣) عَلى حَدِيْثِ ابْن ِ عُمَرَ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا «اِجْعَلوْا في بُيُوْتِكمْ مِنْ صَلاتِكمْ، وَلا تَتَّخِذُوْهَا قبوْرًا» قالَ: (ففِي قوْلِهِ: «وَلا تَتَّخِذُوْهَا قبوْرًا»: دَلِيْلٌ عَلى أَنَّ المقبَرَة َ ليْسَتْ بمَوْضِعِ صَلاةٍ، لأَنَّ في قوْلِهِ «اِجْعَلوْا في بُيُوْتِكمْ مِنْ صَلاتِكمْ»: حَثا عَلى الصَّلوَاتِ في البيوْت. وَقوْلِهِ «وَلا تَجْعَلوْهَا قبوْرًا»: يدُلُّ عَلى أَنَّ الصَّلاة َ غيْرُ جَائِزَةٍ في المقبَرَة).

стр. 14

وَقالَ ابنُ المنْذِرِ في مَوْضِعٍ آخَرَ (٥/ ٤١٧ - ٤١٨): (وَفي حَدِيْثِ ابْن ِ عُمَرَ عَن ِ النَّبيِّ ﷺ أَنهُ قالَ: «اِجْعَلوْا في بُيوْتِكمْ مِنْ صَلاتِكمْ، وَلا تتخِذُوْهَا قبوْرًا»: أَبيَنُ البيان ِ عَلى أَنَّ الصَّلاة َ في المقبَرَةِ غيْرُ جَائِزَة) اه. وَقدْ أَطلقَ ابْنُ المنْذِرِ هُنَا الكرَاهَة َ، وَأَرَادَ بهَا التَّحْرِيْمَ، كإطلاق ِ جَمَاعَاتٍ مِنَ الأَئِمَّةِ ذلِك َ، وَهُمْ لا يُرِيْدُوْنَ بهِ إلا َّ ذلك. وَوَهِمَ مَنْ ظنَّهُمْ أَرَادُوْا كرَاهَة َ التَّنْزِيْهِ التي اصْطلحَ عَليْهَا الأُصُوْلِيُّوْنَ بَعْدَهُمْ! وَسَيَأْتِي تقرِيْرُ هَذَا في فصْل ٍ قادِمٍ (ص١٧٩ - ١٩١) بمشِيْئَةِ الله.

стр. 15

فصل فِي الأَحَادِيْثِ النبَوِيَّةِ الناهِيَةِ عَن ِالصَّلاةِ فِي المقابرِ، وَعِنْدَ القبور أَمّا الأَحَادِيْثُ النَّبَوِيَّة ُ التِي نهَتْ عَنْ الصَّلاةِ في المقابرِ وَعِنْدَ القبوْرِ وَحَرَّمَتْهَا: فكثِيْرَة ٌ، ذكرَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمية َ ﵀ ُ طرَفا مِنْهَا - كمَا فِي «مَجْمُوْعِ الفتَاوَى» - فقالَ (٢٧/ ١٥٧ ١٥٩): (وَالأَحَادِيْثُ عَن ِ النَّبيِّ ﷺ فِي النَّهْيِّ عَن ِ اتِّخاذِ القبوْرِ مَسَاجِدَ، وَالصَّلاةِ فِي المقبَرَةِ، كثِيْرَة ٌجدًّا، مِثلُ: (١) مَا فِي «الصَّحِيْحَيْن» وَ «السُّنَن» عَنْ أَبي هُرَيْرَة َ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قالَ: «قاتلَ الله ُ اليَهُوْدَ، اتخذُوْا قبوْرَ أَنبيَائِهمْ مَسَاجِد» (١). (٢) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْن ِمَسْعُوْدٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يَقوْلُ: «إنّ مِنْ شِرَارِ الناس ِ، مَنْ تدْرِكهُمُ السّاعَة ُ وَهُمْ أَحْياءٌ، وَمَنْ يَتَّخِذُ القبوْرَ مَسَاجِد» رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي «المسْنَدِ» (١/ ٤٠٥، ٤٣٥، ٤٥٤)، وَأَبوْ حَاتِمٍ ابْنُ حِبّانَ فِي «صَحِيْحِه» (٢٣٢٥). (٣) وَعَن ِابْن ِعَباس ٍ قالَ: «لعَنَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ زُوّارَاتِ القبوْرِ، وَالمتَّخِذِينَ عَليْهَا المسَاجِدَ وَالسُّرُج» رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي «المسْندِ».

стр. 16

(١/ ٢٢٩، ٢٨٧، ٣٢٤)، وَأَهْلُ السُّنَن ِ الأَرْبَعَةِ (١)، وَأَبوْ حَاتِمٍ ابْنُ حِبّانَ فِي «صَحِيْحِه» (٣١٧٩)، (٣١٨٠). (٤) وَرَوَى أَيْضًا في «صَحِيْحِهِ» (٢٣٢٧) عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ : قالَ: «لعَنَ الله ُ مَن ِ اتخذُوْا قبوْرَ أَنبيَائِهمْ مَسَاجِد». (٥) وَفِي «الصَّحِيْحَيْن» عَن ِ ابْن ِعُمَرَ قالَ: قالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «اِجْعَلوْا مِنْ صَلاتِكمْ فِي بُيوْتِكمْ، وَلا تتَّخِذُوْهَا قبوْرًا» [خ (٤٣٢)، (١١٨٧) م (٧٧٧)]. (٦) وَفِي «صَحِيْحِ مُسْلِمٍ» (٩٧٢) عَنْ أَبي مَرْثدٍ الغنوِيِّ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لا تصَلوْا إلىَ القبوْرِ، وَلاَ تجْلِسُوْا عَليْهَا». (٧) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْن ِعَمْرٍو رَضِيَ الله ُعَنْهُمَا قالَ: «نهَى رَسُوْلُ اللهِ ﷺ عَن ِ الصَّلاةِ فِي المقبرَة» رَوَاهُ أَبوْ حَاتِمٍ فِي «صَحِيْحِه» (٢٣١٩). (٨) وَرَوَىأَيْضًا (١٦٩٨)، (٢٣١٥)، (٢٣١٨)، (٢٣٢٢)، (٢٣٢٣) عَنْ أَنس ٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ: «أَنَّ النَّبيَّ ﷺ نهَى أَنْ يُصَلى بَيْنَ القبوْر». (٩) وَعَنْ أَبي سَعِيْدٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «الأَرْضُ كلهَا مَسْجِدٌ، إلا َّ المقبَرَة َ وَالحمّام» (٢) رَوَاهُ الإمَامُ أَحْمَدُ (٣/ ٨٣، ٩٦)،

стр. 17

وَأَهْلُ الكتبِ الأَرْبَعَةِ (١)، وَابْنُ حِبّانَ فِي «صَحِيْحِه» (١٦٩٩)، (٢٣١٦)، (٢٣٢١). وَقالَ التِّرْمِذِيُّ: «فِيْهِ اضْطِرَابٌ» لأَنَّ سُفيانَ الثوْرِيَّ أَرْسَله. لكِنَّ غيْرَ التِّرْمِذِيِّ جَزَمَ بصِحَّتِهِ، لأَنَّ غيْرَهُ مِنَ الثقاتِ أَسْنَدُوْهُ، وَقدْ صَحَّحَهُ ابنُ حَزْمٍ أَيضًا. (١٠) وَفِي «سُنَن ِأَبي دَاوُوْدَ» (٤٩٠) عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ قالَ: «إنَّ خَلِيْلِي نهَانِي أَنْ أُصَليَ فِي المقبَرَةِ، وَنهَانِي أَنْ أُصَليَ فِي أَرْض ِ بابل». وَالآثارُ في ذلِك َكثِيْرَة ٌ جدًّا) اه كلامُهُ ﵀. وَمِنَ الأَحَادِيثِ في ذلِك َ أَيضا: (١٢) مَا رَوَاهُ البُخارِيُّ فِي «صَحِيْحِهِ» (٤٣٥)، (١٣٣٠)، (١٣٩٠)، (٣٤٥٣)، (٤٤٤١)، (٥٨١٥)، ومُسْلِمٌ (٥٣١) عَنْ عَائِشَة َ رَضِيَ الله ُعَنْهَا قالتْ: (لمّا نزِلَ برَسُوْل ِاللهِ ﷺ طفِقَ يَطرَحُ خَمِيْصَة ً لهُ عَلى وَجْههِ، فإذا اغتمَّ بهَا كشفهَا عَنْ وَجْههِ فقالَ وَهُوَ كذَلِك َ: «لعْنَة ُ اللهِ عَلى الْيَهُوْدِ وَالنَّصَارَى، اتخذُوْا قبوْرَ أَنبيَائِهمْ مَسَاجِدَ» يُحَذِّرُ مَا صَنعُوْا، لوْلا ذلِك َ أُبرِزَ قبْرُهُ، غيْرَ أَنهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخذَ مَسْجِدًا). (١٣) وَعَنْ جُنْدُبِ بْن ِ عَبْدِ اللهِ البَجَلِيِّ رَضِيَ الله ُعَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ قبْلَ أَنْ يَمُوْتَ بخمْس ٍ وَهُوَ يقوْلُ: «إني أَبرَأُ إلى اللهِ أَنْ يَكوْنَ لِي مِنْكمْ خَلِيْلٌ، فإنَّ الله َ تَعَالىَ قدِ اتخذَني خَلِيْلا ً، كمَا

стр. 18

اتخذَ إبْرَاهِيْمَ خَلِيْلا ً، وَلوْ كنتُ مُتخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيْلا ً، لاتخذْتُ أَبا بَكرٍ خَلِيْلا ً. أَلا وَإنَّ مَنْ كانَ قبْلكمْ كانوْا يتخذُوْنَ قبوْرَ أَنْبيَائِهمْ وَصَالِحِيْهمْ مَسَاجِدَ، أَلا فلا تتخِذُوْا الْقبُوْرَ مَسَاجِدَ، إني أَنهَاكمْ عَنْ ذلك» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١) في «صَحِيْحِه» (٥٣٢). (١٤) وَعَنْ أَبي عُبيْدَة َ عَامِرِ بْن ِ الجرّاحِ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ قالَ: (كانَ آخِرَ مَا تَكلمَ بهِ نبيُّ اللهِ ﷺ : أَنْ أَخْرِجُوْا يَهُوْدَ الحِجَازِ مِنْ جَزِيْرَةِ العَرَبِ، وَاعْلمُوْا أَنَّ شِرَارَ النّاس ِ الذِيْنَ يَتَّخِذُوْنَ الْقبوْرَ مَسَاجِد) رَوَاهُ الإمَامُ أَحْمَدُ فِي «مُسْنَدِهِ» (١/ ١٩٥)، وَرَوَاهُ الدّارِمِيُّ (٢٤٩٨) بشَطرِهِ الأَوَّل ِدُوْنَ الأَخِيْر. (١٥) وَرَوَى الإمَامُ أَحْمَدُ فِي «مُسْنَدِهِ» (٢/ ٢٤٦) عَنْ أَبي هُرَيْرَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ عَن ِالنَّبيِّ ﷺ : «اللهُمَّ لا تَجْعَلْ قبْرِي وَثنَا، لعنَ الله ُ قوْمًا اتخذُوْا قبوْرَ أَنبيَائِهمْ مَسَاجِد».

стр. 19

(١٦) وَعَنْهُ رَضِيَ الله ُعَنْهُ قالَ: قالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «لا تَجْعَلوْا بُيوْتكمْ قبوْرًا، وَلا تَجْعَلوْا قبْرِي عِيْدًا، وَصَلوْا عَليَّ فإنَّ صَلاتَكمْ تبْلغُنِي حَيْثُ كنْتُمْ» رَوَاهُ الإمَامُ أَحْمَدُ فِي «مُسْنَدِهِ» (٢/ ٣٦٧) وَأَبوْ دَاوُوْدَ في «سُننِهِ» (٢٠٤٢)، وَحَسَّنهُ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمية َ، وَالحافِظ ُ ابْنُ حَجَرٍ، وَوَافقهُمَا الشَّيْخُ محمّدُ بنُ عَبْدِ الوَهّابِ، وَغيْرُهُمْ. (١٧) وَعَنْ زَيدِ بْن ِثابتٍ رَضِيَ الله ُعَنْهُ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قالَ: «لعَنَ الله ُ اليَهُوْدَ، اتخذُوْا قبوْرَ أَنبيَائِهمْ مَسَاجِد» رَوَاهُ الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِه» (٥/ ١٨٤، ١٨٦). (١٨) وَعَنْ عَلِيِّ بْن ِأَبي طالِبٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ عَنْ رَسُوْل ِاللهِ ﷺ قالَ: «لا تتخِذُوْا قبْرِي عِيْدًا، وَلا بيوْتكمْ قبوْرًا، وَصَلوْا عَليَّ فإنَّ تَسْلِيْمَكمْ يَبْلغنُِي أَينَ كنْتُمْ» رَوَاهُ ابْنُ أَبي شَيْبَة َ في «مُصَنَّفِهِ» (٢/ ٣٧٥)، وَإسْحَاقُ القاضِي في «فضْل ِالصَّلاةِ عَلى النَّبيِّ ﷺ » (٢٠)، وَأَبوْ يَعْلى الموْصِليُّ في «مُسْنَدِهِ» (١/ ٣٦١ - ٣٦٢) (٤٦٩)، وَالبُخارِيُّ في «التّارِيْخِ الكبيْرِ» (٢/ ١٨٦) لكنْ بجزْئهِ الأَوَّل ِ دُوْنَ بَاقِيْهِ، وَالضِّيَاءُ المقدِسِيُّ فِي «الأَحَادِيْثِ المخْتَارَة». وَسَمِعْتُ شَيْخنا ابنَ بازٍ ﵀ ُ يَقوْلُ عَقِبَهُ: (لا بَأْسَ به). وَالأَحَادِيْثُ في البابِ وَالآثارُ كثيْرَة ٌ، ترَكتُ مِنْهَا طرَفا، اكتفاءًا بما سَلف.

стр. 20

فصل في تَحْقِيْق ِ العِلةِ الكبْرَى للنَّهْيِّ عَن ِ الصَّلاةِ في المقابرِ وَعِنْدَ القبوْر اخْتَلفَ أَهْلُ العِلمِ مِنَ المحَرِّمِيْنَ لِلصَّلاةِ في المقابرِ في عِلةِ ذلِك َ وَسَبَبهِ: فقالَ جَمَاعَة ٌمِنْهُمْ: «عِلة ُ ذلِك َ وَسَبَبُهُ: نجَاسَة ُ ترَابِ المقبَرَةِ، أَوْ مَظِنَّة ُ ذلِك َ، لاخْتِلاطِهِ بلحُوْمِ الموْتى، وَمَا فضُلَ عَنْهُمْ مِنْ نجَاسَات». لهِذَا فرَّقَ هَؤُلاءِ بَيْنَ الصَّلاةِ في مَقبَرَةٍ عَتيْقةٍ، وَبينَ الصَّلاةِ في مَقبَرَةٍ جَدِيْدَةٍ، فحَرَّمُوْا الصَّلاة َ في الأُوْلىَ وَأَجَازُوْهَا في الثّانِيَة. وَفرَّقوْا بيْنَ الصَّلاةِ في المقبَرَةِ عَلى بُسُطٍ وَفرُش ٍ، تَحُوْلُ دُوْنَ أَرْضِهَا وَبينَ الصَّلاةِ عَليْهَا دُوْنَ حَائِل ٍ، فأَجَازُوْا الأُوْلىَ، وَحَرَّمُوْا الأُخْرَى. وَفي حَالاتٍ أُخْرَى جَرَى عِنْدَهُمْ فِيْهَا التَّفرِيْقُ، مُرَاعَاة ً لِلعِلةِ التِي ظنُّوْهَا. وَقالَ جَمَاعَة ٌ آخَرُوْنَ - وَهُوَ قوْلُ المحَققِيْنَ، وَعَليْهِ الأَدِلة ُ-: إنَّ عِلة َ ذلِك َ وَسَبَبَهُ أَمْرَان ِ: أَحَدُهُمَا: كوْنهَا ذرِيْعَة ً إلىَ الشِّرْكِ بعِبَادَةِ أَصْحَابهَا، بصَرْفِ شَيْءٍ مِنْ أَنوَاعِ العِبَادَةِ لهمْ، أَوْ ظنِّ فضْل ِ الصَّلاةِ في تِلك َ البقاعِ عَلى غيْرِهَا لأَجْل ِ ذلِك َ القبْرِ، وَنحْوِ ذلِك َ مِنَ الأُمُوْرِ الفاسِدَة.

стр. 21

وَالآخَرُ: مُشَابَهَة ُ اليَهُوْدِ وَالنَّصَارَى المتخِذِيْنَ قبوْرَ أَنبيَائِهمْ وَصَالِحِيْهمْ مَسَاجِدَ، وَقدْ نهيْنَا عَنْ مُشَابَهَتِهمْ في دَقِيْق ِ الأُمُوْرِ، فكيْفَ بعَظِيْمِهَا؟! وَقدِ اسْتَدَلَّ هَؤُلاءِ المحَققوْنَ عَلى صِحَّةِ عِلتِهمْ تِلك َ، بأَدِلةٍ كثِيْرَةٍ قوِيةٍ، وَرَدُّوْا قوْلَ السّابقِيْنَ وَضَعَّفوْه. وَلا شَك َّ وَلا رَيْبَ: أَنَّ العِلة َ الحقِيْقيَّة َ الكبْرَى لِلنَّهْيِّ عَن ِ الصَّلاةِ في المقابرِ وَعِنْدَ القبوْرِ: هِيَ مَا ذكرَهُ هَؤُلاءِ المحَققوْنَ مِنْ كوْنِهَا ذرِيْعَة ً إلىَ الشِّرْكِ، وَفتْحَ بَابٍ لهُ، وَمُشَابَهَة ً لأَهْل ِ الكِتَاب. أَمّا قوْلُ المعَللِيْنَ بنجَاسَةِ التُّرَابِ: فهُوَ قوْلٌ ضَعِيْفٌ مُطرَحٌ، يُبَيِّنُ ذلِك َ أُمُوْرٌ عِدَّة ٌ، سَاقهَا شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمية َ ﵀ ُ فقالَ: (وَأَبلغُ مِنْ هَذَا: أَنهُ نهَى عَن ِ الصَّلاةِ إلىَ القبْرِ، فلا يَكوْنُ القبْرُ بَيْنَ المصَلي وبَيْنَ القِبْلةِ، فرَوَى مُسْلِمٌ في «صَحِيْحِهِ» (٩٧٢) عَنْ أَبي مَرْثدٍ الغنوِيِّ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا تَجْلِسُوْا عَلى القبوْرِ، وَلا تُصَلوْا إليْهَا». وَفِي هَذَا إبْطالُ قوْل ِمَنْ زَعَمَ أَنَّ النَّهْيَ عَن ِ الصَّلاةِ فِيْهَا: لأَجْل ِ النَّجَاسَةِ، فهَذَا أَبعَدُ شَيْءٍ عَنْ مَقاصِدِ الرَّسُوْل ِ ﷺ ، وَهُوَ بَاطِلٌ مِنْ عِدَّةِ أَوْجُهٍ: ١ - مِنْهَا: أَنَّ الأَحَادِيْثَ كلهَا، ليْسَ فِيْهَا فرْقٌ بَيْنَ المقبَرَةِ الحدِيْثةِ وَالمنْبُوْشَةِ، كمَا يَقوْلُ المعَللوْنَ باِلنَّجَاسَة.

стр. 22

٢ - وَمِنْهَا: أَنهُ ﷺ لعَنَ اليَهُوْدَ وَالنَّصَارَى عَلى اتخاذِ قبوْرِ أَنبيَائِهمْ مَسَاجِدَ. وَمَعْلوْمٌ قطعًا أَنَّ هَذَا ليْسَ لأَجْل ِ النَّجَاسَةِ، فإنَّ ذلِك َ لا يَخْتَصُّ بقبوْرِ الأَنبيَاءِ، وَلأَنَّ قبوْرَ الأَنبيَاءِ مِنْ أَطهَرِ البقاعِ، وَليْسَ لِلنَّجَاسَةِ عَليْهَا طرِيْقٌ البتة َ، فإنَّ الله َ حَرَّمَ عَلى الأَرْض ِ أَنْ تأْكلَ أَجْسَادَهُمْ، فهُمْ في قبوْرِهِمْ طرِيوْن. ٣ - وَمِنْهَا: أَنهُ ﷺ نهَى عَن ِ الصَّلاةِ إليْهَا. ٤ - وَمِنْهَا: أَنهُ أَخْبَرَ أَنَّ «الأَرْضَ كلهَا مَسْجِدٌ، إلا َّ المقبَرَة َ وَالحمّام». وَلوْ كانَ ذلِك َ لأَجْل ِ النَّجَاسَةِ، لكانَ ذِكرُ الحشوْش ِ وَالمجَازِرِ وَنحْوِهَا أَوْلىَ مِنْ ذِكرِ القبوْر. ٥ - وَمِنْهَا: أَنَّ مَوْضِعَ مَسْجِدِهِ ﷺ ، كانَ مَقبَرَة ً لِلمُشْرِكِيْنَ، فنبشَ ﷺ قبوْرَهُمْ وَسَوّاهَا، وَاتخذَهُ مَسْجِدًا. وَلمْ يَنْقلْ ذلِك َ التُّرَابَ، بَلْ سَوَّى الأَرْضَ وَمَهَّدَهَا، وَصَلى فِيْهِ، كمَا ثبتَ في «الصَّحِيْحَيْن» عَنْ أَنس ِ بْن ِمَالِكٍ رَضِيَ الله ُ عَنْه). ثمَّ قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: (٦ - وَمِنْهَا: أَنَّ فِتْنَة َ الشِّرْكِ باِلصَّلاةِ فِي القبوْرِ، وَمُشَابَهَةِ عُبّادِ الأَوْثان ِ، أَعْظمُ بكثِيْرٍ مِنْ مَفسَدَةِ الصَّلاةِ بَعْدَ العَصْرِ وَالفجْر. فإذا نهى عَنْ ذلِك َ سَدًّا لِذَرِيْعَةِ التَّشَبُّهِ التِي لا تَكادُ تَخْطرُ ببال ِ المصَلي، فكيْفَ بهَذِهِ الذّرِيْعَةِ القرِيْبَةِ، التِي كثِيْرًا مَا تدْعُوْ صَاحِبَهَا إلىَ الشِّرْكِ، وَدُعَاءِ الموْتى وَاسْتغاثتِهمْ، وَطلبِ الحوَائِجِ مِنْهُمْ،

стр. 23

وَاعْتِقادِ أَنَّ الصَّلاة َ عِنْدَ قبوْرِهِمْ أَفضَلُ مِنْهَا فِي المسَاجِدِ، وَغيْرِ ذلِك َ مِمّا هُوَ مُحَادَّة ٌ ظاهِرَة ٌ للهِ وَرَسُوْلِهِ ﷺ . فأَينَ التَّعْلِيْلُ بنَجَاسَةِ البُقعَةِ مِنْ هَذِهِ المفسَدَة؟! وَمِمّا يَدُلُّ عَلى أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قصَدَ مَنْعَ هَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ الفِتْنَةِ باِلقبوْرِ، كمَا افتتَنَ بهَا قوْمُ نوْحٍ وَمَنْ بَعْدَهُمْ. ٧ - وَمِنْهَا: أَنهُ ﷺ لعَنَ المتَّخِذِيْنَ عَليْهَا مَسَاجِدَ، وَلوْ كانَ ذلِك َ لأَجْل ِالنَّجَاسَةِ، لأَمْكنَ أَنْ يُتَّخَذَ عَليْهَا المسْجِدُ مَعَ تَطييْنِهَا بطيْن ٍ طاهِرٍ، فتَزُوْلُ اللعْنَة ُ! وَهُوَ بَاطِلٌ قطعًا. ٨ - وَمِنْهَا: أَنهُ ﷺ قرَنَ في اللعْن ِ بَيْنَ مُتَّخِذِي المسَاجِدِ عَليْهَا، وَمُوْقِدِي السُّرُجِ عَليْهَا، فهُمَا في اللعْنَةِ قرِيْنَان ِ، وَفي ارْتِكابِ الكبيْرَةِ صِنْوَان ِ، فإنَّ كلَّ مَا لعَنَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ فهُوَ مِنَ الكبائِر. وَمَعْلوْمٌ أَنَّ إيْقادَ السُّرُجِ عَليْهَا، إنمَا لعِنَ فاعِلهُ، لِكوْنِهِ وَسِيْلة ً إلىَ تَعْظِيْمِهَا، وَجَعْلِهَا نصُبًا يُوْفضُ إليْهِ المشْرِكوْنَ، كمَا هُوَ الوَاقِعُ، فهَكذَا اتخاذُ المسَاجِدِ عَليْهَا. وَلِهَذَا قرَنَ بَيْنَهُمَا، فإنَّ اتخاذَ المسَاجِدِ عَليْهَا تَعْظِيْمٌ لهَا، وَتَعْرِيْضٌ لِلفِتْنةِ بهَا، وَلِهَذَا حَكى الله ُ عَن ِ المتغَلبيْنَ عَلى أَمْرِ أَصْحَابِ الكهْفِ أَنهُمْ قالوْا " لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ". [الكَهْفُ: ٢١]. ٩ - وَمِنْهَا: أَنهُ ﷺ قالَ: «اللهُمَّ لا تَجْعَلْ قبْرِي وَثنا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غضَبُ اللهِ عَلى قوْمٍ اتخذُوْا قبوْرَ أَنبيَائِهمْ مَسَاجِد».

стр. 24

فذِكرُهُ عَقِيبَ قوْلِهِ «اللهُمَّ لا تَجْعَلْ قبْرِي وَثنا يُعْبَدُ»: تَنْبيْهٌ مِنْهُ عَلى سَبَبِ لحُوْق ِ اللعْن ِ لهمْ، وَهُوَ تَوَصُّلهُمْ بذَلك َ إلىَ أَنْ تَصِيْرَ أَوْثانا تعْبَد. وَبالجمْلةِ: فمَنْ لهُ مَعْرِفة ٌ باِلشِّرْكِ وَأَسْبَابهِ وَذرَائِعِهِ، وَفهمَ عَن ِالرَّسُوْل ِ ﷺ مَقاصِدَهُ: جَزَمَ جَزْمًا لا يَحْتَمِلُ النَّقِيْضَ، أَنَّ هَذِهِ المبالغة َ مِنْهُ باِللعْن ِ، وَالنَّهْيِّ بصِيْغتيْهِ: صِيْغةِ «لا تفعَلوْا»، وَصِيْغةِ «إني أَنهَاكمْ»، ليْسَ لأَجْل ِ النَّجَاسَةِ، بَلْ هُوَ لأَجْل ِ نَجَاسَةِ الشِّرْكِ اللاحِقةِ بمَنْ عَصَاهُ، وَارْتكبَ مَا عَنْهُ نهَاهُ، وَاتبعَ هَوَاهُ، وَلمْ يَخْشَ رَبهُ وَمَوْلاهُ، وَقلَّ نَصِيْبُهُ، أَوْ عَدِمُ تَحْقِيْقَ شَهَادَةِ أَنْ لا إلهَ إلا َّ الله. فإنَّ هَذَا وَأَمْثالهُ مِنَ النَّبيِّ ﷺ صِيَانة ٌلِحِمَى التَّوْحِيْدِ أَنْ يَلحَقهُ الشِّرْك ُ وَيَغْشَاهُ، وَتَجْرِيْدٌ لهُ وَغضَبٌ لِرَبهِ أَنْ يُعْدَلَ بهِ سِوَاه. فأَبى المشْرِكوْنَ إلا َّ مَعْصِيَة ً لأَمْرِهِ، وَارْتِكابًا لِنَهْيهِ، وَغرَّهُمُ الشَّيْطانُ فقالَ: «بَلْ هَذَا تَعْظِيْمٌ لِقبوْرِ المشَايخِ وَالصّالِحِيْنَ، وَكلمَا كنْتُمْ أَشَدَّ لهَا تَعْظِيْمًا، وَأَشَدَّ فِيْهمْ غلوًّا، كنْتُمْ بقرْبهمْ أَسْعَدَ، وَمِنْ عِدَائِهمْ أَبعَد». وَلعَمْرُ اللهِ مِنْ هَذَا البابِ بعَيْنِهِ دَخَلَ عَلى عُبّادِ يَغُوْثَ وَيَعُوْقَ وَنسْرٍ. وَمِنْهُ دَخَلَ عَلى عُبّادِ الأَصْنَامِ مُنْذُ كانوْا إلىَ يَوْمِ القِيَامَة. فجَمَعَ المشْرِكوْنَ بَيْنَ الغلوِّ فِيْهمْ، وَالطعْن ِ في طرِيْقتِهمْ. وَهَدَى الله ُ أَهْلَ التَّوْحِيْدِ لِسُلوْكِ طرِيْقتِهمْ، وَإنزَالِهمْ مَنَازِلهُمُ التِي أَنزَلهُمُ الله ُ إياهَا، مِنَ العُبُوْدِيةِ وَسَلبِ خَصَائِص ِ الإلهِيَّةِ عَنْهُمْ،

стр. 25

وَهَذَا غاية ُ تَعْظِيْمِهمْ وَطاعَتِهمْ. فأَمّا المشْرِكوْنَ: فعَصَوْا أَمْرَهُمْ، وَتنقصُوْهُمْ في صُوْرَةِ التَّعْظِيْمِ لهمْ، قالَ الشّافِعِيُّ: «أَكرَهُ أَنْ يُعَظمَ مَخْلوْقٌ، حَتَّى يُجْعَلَ قبْرُهُ مَسْجِدًا، مَخَافة َ الفِتْنَةِ عَليْهِ، وَعَلى مَنْ بَعْدَهُ مِنَ النّاس») اه كلامُ شَيْخِ الإسْلامِ، نقلهُ عَنْهُ العَلامَة ُ ابنُ القيِّمِ في «إغاثةِ اللهْفان» (١/ ١٨٧ - ١٨٩). وَقالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمية َ ﵀ ُ أَيْضًا: (وَهَذِهِ العِلة ُ- التِي لأَجْلِهَا نهَى الشّارِعُ عَن ِ اتخاذِ المسَاجِدِ عَلى القبوْرِ -: هِيَ التي أَوْقعَتْ كثِيْرًا مِنَ الأُمَمِ إمّا في الشِّرْكِ الأَكبَرِ، أَوْ فِيْمَا دُوْنهُ مِنَ الشِّرْك. فإنَّ النُّفوْسَ قدْ أَشْرَكتْ بتَمَاثِيْل ِ القوْمِ الصّالِحِيْنَ، وَتَمَاثِيْلَ يَزْعُمُوْنَ أَنهَا طلاسِمُ لِلكوَاكِبِ، وَنحْو ذلك. فإنَّ الشِّرْك َ بقبْرِ الرَّجُل ِ الذِي يُعْتَقدُ صَلاحُهُ، أَقرَبُ إلىَ النُّفوْس ِ مِنَ الشِّرْكِ بخشبةٍ أَوْ حَجَر. وَلهِذَا نجدُ أَهْلَ الشِّرْكِ كثِيْرًا يَتَضَرَّعُوْنَ عِنْدَهَا، وَيَخْشَعُوْنَ وَيَخْضَعُوْنَ وَيَعْبُدُوْنهُمْ بقلوْبهمْ عِبَادَة ً لا يَفعَلوْنهَا في بُيُوْتِ اللهِ، وَلا وَقتَ السَّحَرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْجُدُ لها! وَأَكثرُهُمْ يَرْجُوْنَ مِنْ بَرَكةِ الصَّلاةِ عِنْدَهَا وَالدُّعَاءِ، مَا لا يرْجُوْنهُ في المسَاجِد! فلأَجْل ِ هَذِهِ المفسَدَةِ: حَسَمَ النَّبيُّ ﷺ مَادَّتهَا، حَتَّى نهَى عَن ِ الصَّلاةِ في المقبَرَةِ مُطلقا، وَإنْ لمْ يقصِدِ المصَلي برَكة َ البقعَةِ

стр. 26

بصَلاتهِ، كمَا يقصِدُ بصَلاتهِ برَكة َ المسَاجِد. كمَا نهَى عَن ِ الصَّلاةِ وَقتَ طلوْعِ الشَّمْس ِ وَغرُوْبهَا، لأَنهَا أَوْقاتٌ يَقصِدُ المشْرِكوْنَ الصَّلاة َفِيْهَا لِلشَّمْس ِ، فنَهَى أُمَّتَهُ عَن ِ الصَّلاةِ حِيْنَئِذٍ، وَإنْ لمْ يَقصِدِ المصَلي مَا قصَدَهُ المشْرِكوْنَ، سَدًّا لِلذَّرِيْعَة. وَأَمّا إذا قصَدَ الرَّجُلُ الصَّلاة َعِنْدَ القبوْرِ، مُتَبَرِّكا باِلصَّلاةِ في تِلك َ البُقعَةِ: فهَذَا عَيْنُ المحَادَّةِ للهِ وَلِرَسُوْلِهِ ﷺ ، وَالمخالفةِ لِدِينِهِ، وَابْتِدَاعُ دِيْن ٍ لمْ يَأْذنْ بهِ الله ُ تَعَالىَ) اه نقلهُ عَنْهُ ابنُ القيِّمِ في «إغاثةِ اللهْفان» (١/ ١٨٤ - ١٨٥). وَقالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمية َ في «شَرْحِ العُمْدَة» (٢/ ٤٤٨ - ٤٤٩): (فإنمَا نهَى عَنْ ذلِك َ لأَنَّ الصَّلاة َ عِنْدَهَا، وَاتخاذهَا مَسَاجِدَ، ضَرْبٌ مِنْ عِبَادَةِ الأَوْثان ِ، وَسَبَبٌ إليْهِ، لأَنَّ عُبّادَ الأَوْثان ِ مَا كانوْا يَقوْلوْنَ «إنَّ تِلك َ الحِجَارَة َ وَالخشَبَ خَلقتْهُمْ»، وَإنمَا كانوْا يَقوْلوْنَ «إنهَا تَمَاثِيْلُ أَشْخاص ٍ مُعَظمِيْنَ مِنَ الملائِكةِ، أَوِ النُّجُوْمِ، أَوِ البَشرِ، وَإنهُمْ بعِبَادَتِهمْ يتوَسَّلوْنَ إلىَ الله». فإذا توَسَّلَ العَبْدُ بالقبْرِ إلىَ اللهِ: فهُوَ عَابدُ وَثن ٍ، حَتَّى يَعْبُدَ الله َ مُخْلِصًا لهُ الدِّينَ، مِنْ غيْرِ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شُفعَاءَ وَشُرَكاءَ، كمَا أَمَرَ الله ُ تَعَالىَ بذَلِك َ في كِتَابهِ، وَيَعْلمَ أَنهُ ليْسَ مِنْ دُوْن ِ اللهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيْعٌ كمَا أَخْبَرَ تَعَالىَ.

стр. 27

وَلِهَذَا جَمَعَ النَّبيُّ ﷺ بَيْنَ مَحْق ِالتَّمَاثِيْل ِ، وَتَسْوِيةِ القبوْرِ المشْرِفةِ، إذْ كانَ بكليْهمَا يتوَسَّلُ بعِبَادَةِ البَشَرِ إلىَ اللهِ، قالَ أَبوْ الهيّاجِ الأَسَدِيُّ: قالَ لِي عَلِيٌّ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ: «أَلا أَبْعَثُك َ عَلى مَا بَعَثنِي عَليْهِ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ ؟ أَلا َّ تدَعَ تِمْثالا ً إلا َّ طمَسْتهُ، وَلا قبْرًا مُشْرِفا إلا َّ سَوَّيته»، رَوَاهُ الجمَاعَة ُ إلا َّ البُخارِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ [حم (١/ ١٢٩، ٨٩) م (٩٦٩) د (٣٢١٨) ت (١٠٤٩) ن (٢٠٣١)]) اه. وَقالَ أَيْضًا ﵀ ُفي «شَرْحِ العُمْدَةِ» (٢/ ٤٥٠ - ٤٥١): (وَأَمّا مَنْ يُصَلي عِنْدَ القبْرِ اتفاقا مِنْ غيْرِ أَنْ يَقصِدَهُ: فلا يَجُوْزُ أَيضًا، كمَا لا يَجُوْزُ السُّجُوْدُ بَيْنَ يَدَيْ الصَّنَمِ وَالنارِ وَغيْرِ ذلِك َ مِمّا يُعْبَدُ مِنْ دُوْن ِ اللهِ، لِمَا فِيْهِ مِنَ التَّشبهِ بعُبّادِ الأَوْثان ِ، وَفتْحِ بَابِ الصَّلاةِ عِنْدَهَا، وَاتهَامِ مَنْ يَرَاهُ أَنهُ قصَدَ الصَّلاة َ عِنْدَهَا. وَلأَنَّ ذلِك َ مَظِنَّة ُ تِلك َ المفسَدَةِ، فعُلقَ الحكمُ بهَا، لأَنَّ الحِكمَة َ قدْ لا تَنْضَبط ُ، وَلأَنَّ في ذلِك َ حَسْمًا لِهَذِهِ المادَّةِ، وَتَحْقِيْقَ الإخْلاص ِ وَالتَّوْحِيْدِ، وَزَجْرًا لِلنُّفوْس ِ أَنْ تتعَرَّضَ لها بعِبَادَةٍ، وَتَقبيْحًا لِحَال ِ مَنْ يَفعَلُ ذلِك َ، وَلِهَذَا نهَى النَّبيُّ ﷺ عَن ِ الصَّلاةِ عِنْدَ طلوْعِ الشَّمْس ِ، لأَنَّ الكفارَ يسْجُدُوْنَ لِلشَّمْس ِحِيْنَئِذٍ). ثمَّ قالَ ﵀ ُ (٢/ ٤٥٢ - ٤٥٣): (فهَذِهِ هِيَ العِلة ُ المقصُوْدَة ُ لِصَاحِبِ الشَّرْعِ في النَّهْيِّ عَن ِ الصَّلاةِ في المقبَرَةِ، وَاتخاذِ القبوْرِ مَسَاجِدَ، لِمَنْ تَأَمَّلَ الأَحَادِيْثَ وَنظرَ فِيْهَا، وَقدْ نصَّ الشّارِعُ عَلى هَذِهِ العِلةِ كمَا تقدَّم.

стр. 28

فأَمّا الترَابُ إنْ كانَ نجسا: فهَذِهِ عِلة ٌ أُخْرَى، قدْ تُجَامِعُ الأُوْلىَ، لكِنَّ المفسَدَة َ النّاشِئَة َ مِنَ اتخاذِهَا أَوْثانا، أَعْظمُ مِنْ مَفسَدَةِ نجاسَةِ الترَاب. فإنَّ تِلك َ تقدَحُ في نفس ِ التَّوْحِيْدِ وَالإخْلاص ِ، الذِي هُوَ أَصْلُ الدِّين ِ، وَجِمَاعُهُ وَرَأْسُهُ، وَالذِي بُعِثَتْ بهِ جَمِيْعُ المرْسَلِيْنَ ... وَقدْ تفارِقُ الأُوْلىَ إذا كانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الترَابِ حَائِلٌ مِنَ البسَاطِ وَنحْوِهِ، أَوْ كانتِ المقبَرَة ُ جَدِيْدَة ً، لا سِيَّمَا المسْجدُ المبْنِيُّ عَلى قبْرِ نبيٍّ أَوْ رَجُل ٍ صَالِحٍ، فإنَّ ترْبتهُ لمْ يُدْفنْ فِيْهَا غيْرُهُ، فلا نجَاسَة َ هُنَاك َ البَتَّة َ، مَعَ مَا فِيْهِ مِنْ نهْي الشّارِع). ثمَّ قالَ (٢/ ٤٥٨ - ٤٥٩): (وَقدْ بَينا أَنهُ لا يَجُوْزُ أَنْ يُرَادَ بتِلك َ الأَحَادِيْثِ، المقبَرَة َ العَتِيْقة َالمنْبُوْشة َ فقط، لأَنهُ نهَى عَن ِ الصَّلاةِ في المقبَرَةِ، وَنهَى عَن ِ اتخاذِ القبوْرِ مَسَاجِدَ، وَنهَى عَن ِ اتخاذِ قبْرِ النَّبيِّ أَوِ الرَّجُل ِ الصّالِحِ مَسْجِدًا. وَمَعْلوْمٌ أَنَّ قبوْرَ الأَنبيَاءِ لا تنبش. وَلأَنَّ عَامَّة َ مَقابرِ المسْلِمِيْنَ في وَقتِهِ كانتْ جَدِيْدَة ً، وَلا يَجُوْزُ أَنْ يُطلقَ اسْمُ المقبَرَةِ، وَيرِيْدُ بهَا مَقابرَ المشْرِكِيْنَ العُتَّق ِ، مَعَ أَنَّ المفهُوْمَ عِنْدَهُمْ مَقابرُهُمْ، وَلا يَجُوْزُ أَنْ يُرِيْدَ بهَا مَا يتجدَّدُ مِنَ القبوْرِ العُتَّق ِ، دُوْنَ المقابرِ الموْجُوْدَةِ في زَمَانِهِ وَبَلدِهِ، فإنَّ مَا يَعْرِفهُ المتكلمُ مِنْ أَفرَادِ العَامِّ، هُوَ أَوْلىَ باِلدُّخُوْل ِ في كلامِه.

стр. 29

ثمَّ إنهُ لوْ أَرَادَ القبوْرَ المنْبُوْشة َ وَحْدَهَا: لوَجَبَ أَنْ يَقرِنَ بذَلِك َ قرِينة ً تدُلُّ عَليْهِ، وَإلا َّ فلا دَلِيْلَ يَدُلُّ عَلى أَنَّ المرَادَ هُوَ هَذَا. وَمِنَ المحَال ِ أَنْ يُحْمَلَ الكلامُ عَلى خِلافِ الظاهِرِ المفهُوْمِ مِنْهُ، مِنْ غيْرِ أَنْ يُنْصَبَ دَلِيْلٌ عَلى ذلك. ثمَّ إنهُ نهَانا عَمّا كانَ يَفعَلهُ أَهْلُ الكِتَابيْن ِ، مِنَ اتخاذِ القبوْرِ مَسَاجِد. وَأَكثرُ مَا اتخذُوْهُ مِنَ المسَاجدِ مقبَرَة ً جَدِيدَة ً، بَلْ لا يَكوْنُ إلا َّ كذَلِك. ثمَّ هُمْ يَفرُشوْنَ في تِلك َ الأَرْض ِ مَفارِشَ تَحُوْلُ بيْنَهُمْ وَبيْنَ ترْبتهَا، فعلمَ أَنهُ ﷺ نهانا عَنْ ذلك. وَباِلجمْلةِ: فمَنْ جَعَلَ النَّهْيَ عَن ِ الصَّلاةِ في المقبَرَةِ لأَجْل ِ نَجَاسَةِ الموْتى فقط: فهُوَ بَعِيْدٌ عَنْ مَقصُوْدِ النَّبيِّ ﷺ ، كمَا تَقدَّم). ثمَّ قالَ (٢/ ٤٨٠ - ٤٨١): (وَمِنْهُمْ: مَنْ لمْ يَكرَهْ ذلِك َ إلا َّ في القبْرِ خَاصَّة ً، لأَنَّ النَّهْيَ عَن ِ النَّبيِّ ﷺ إنمَا صَحَّ في الصَّلاةِ إلىَ القبوْرِ كمَا تقدَّم. وَلأَنهَا هِيَ التِي يُخافُ أَنْ تُتَّخذَ أَوْثانا، فالصَّلاة ُ إليْهَا شَبيْهَة ٌ باِلصَّلاةِ بَيْنَ يَدَيْ الصَّنَمِ، وَذلِك َ أَعْظمُ مِنَ الصَّلاةِ بَيْنَهَا. وَلِهَذَا يَكرَهُوْنَ مِنَ الصَّلاةِ إلىَ القبْرِ، مَا لا يَكرَهُوْنهُ مِنَ الصَّلاةِ إلىَ المقبَرَة. وَهَذِهِ حُجَّة ُ مَنْ رَأَى التَّحْرِيْمَ وَالإبطالَ، مُخْتَصًّا باِلصَّلاةِ إلىَ القبْرِ، وَإنْ كرِهَ الصَّلاة َ إلىَ تِلك َ الأَشْيَاءِ، وَهُوَ قوْلٌ قوِيٌّ جِدًّا، وَقدْ

стр. 30

قالهُ كثِيْرٌ مِنْ أَصْحَابنا. وَوَجْهُ الكرَاهَةِ في الجمِيْعِ: مَا تقدَّمَ عَن ِ الصَّحَابةِ وَالتابعِيْنَ مِنْ غيْرِ خِلافٍ عَلِمْنَاهُ بَيْنَهُمْ، وَلأَنَّ القبوْرَ قدِ اتخِذَتْ أَوْثانا وَعُبدَتْ، وَالصَّلاة ُ إليْهَا يُشبهُ الصَّلاة َ إلىَ الأَوْثان ِ، وَذلِك َ حَرَامٌ، وَإنْ لمْ يقصِدْهُ المرْءُ، وَلِهَذَا لوْ سَجَدَ إلىَ صَنَمٍ بَيْنَ يدَيهِ لمْ يَجُزْ ذلك). وَقالَ ﵀ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ (٢١/ ٣٢١): (وَكذلك تَعْلِيْلُ النَّهْيِّ عَن ِ الصَّلاةِ فِي المقبَرَةِ بنَجَاسَةِ التُّرَابِ، وَهُوَ ضَعِيْفٌ، فإنَّ النَّهْيَ عَن ِ المقبَرَةِ مُطلقا، وَعَن ِ اتخاذِ القبوْرِ مَسَاجِدَ وَنَحْو ذلِك َ، مِمّا يُبيِّنُ أَنَّ النَّهْيَ لِمَا فِيْهِ مِنْ مَظِنَّةِ الشِّرْكِ، وَمُشَابهَةِ المشْرِكِيْن) اه. وَقالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمية َ ﵀ ُ (٢٧/ ١٥٩): (وَقدْ ظنَّ طائِفة ٌمِنْ أَهْل ِالعِلمِ: أَنَّ الصَّلاة َ فِي المقبرَةِ، نهيَ عَنْهَا مِنْ أَجْل ِ النَّجَاسةِ ... وَالتَّعْلِيْلُ بهذَا ليْسَ مَذْكوْرًا فِي الحدِيْثِ، وَلم يدُلَّ عَليْهِ الحدِيْثُ، لا نصًّا وَلا ظاهِرًا، وَإنمَا هِيَ عِلة ٌ ظنوْهَا. وَالعِلة ُالصَّحِيْحَة ُعِنْدَ غيْرِهِمْ: مَا ذكرَهُ غيْرُ وَاحِدٍ مِنَ العُلمَاءِ مِنَ السَّلفِ وَالخلفِ، فِي زَمَن ِمَالِكٍ وَالشّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغيْرِهِمْ: إنما هُوَ مَا فِي ذلِك َ مِنَ التَّشَبُّهِ بالمشْرِكِيْنَ، وَأَنْ تَصِيْرَ ذرِيْعَة ً إلىَ الشِّرْك. وَلهِذَا نهَى عَن ِ اتِّخاذِ قبوْرِ الأَنْبيَاءِ مَسَاجِدَ، وَقالَ: «إنَّ أُوْلئِكَِ إذا مَاتَ فِيْهمُ الرَّجُلُ الصّالِحُ، بنوْا عَلى قبْرِهِ مَسْجدًا، وَصَوَّرُوْا فِيْهِ تِلك َ التَّصَاوِيْر» [خ (٤٢٧)، (١٣٤١)، (٣٨٧٣) م (٥٢٨)].

стр. 31

وَقالَ: «إنَّ مَنْ كانَ قبْلكمْ، كانوْا يَتَّخِذُوْنَ القبُوْرَ مَسَاجِدَ، أَلاَ فلا تَتَّخِذُوْا القبوْرَ مَسَاجِد» [م (٥٣٢)]، وَنهَى عَن ِ الصَّلاةِ إليْهَا). ثمَّ قالَ ﵀ ُ (٢٧/ ١٦٠): (بَلْ قدْ ذكرَ الشّافِعِيُّ وَغيْرُهُ النَّهْيَ عَن ِ اتِّخاذِ المسَاجِدِ عَلى القبوْرِ، وَعَللَ ذلِك َ بخشْيَةِ التَّشَبُّهِ بذَلِك. وَقدْ نصَّ عَلى النَّهْيِّ عَنْ بنَاءِ المسَاجِدِ عَلى القبوْرِ: غيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلمَاءِ المذَاهِبِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَمِنْ فقهَاءِ الكوْفةِ أَيْضًا، وَصَرَّحَ غيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بتَحْرِيْمِ ذلك. وَهَذَا لا رَيْبَ فِيْهِ، بَعْدَ لعْن ِ النَّبيِّ ﷺ وَمُبالغتِهِ فِي النَّهْيِّ عَنْ ذلك). وَقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: (وَمِمَّنْ عَللَ باِلشِّرْكِ وَمُشَابَهَةِ اليَهُوْدِ وَالنَّصَارَى: الأَثرَمُ فِي «كِتَابِ ناسِخِ الحدِيْثِ وَمَنْسُوْخِهِ» فقالَ بَعْدَ أَنْ ذكرَ حَدِيْثَ أَبي سَعِيْدٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «جُعِلتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا إلا َّ المقبَرَة َ وَالحمّامَ»، وَحَدِيْثَ زَيْدِ بْن ِ جُبَيْرٍ عَنْ دَاوُوْدِ بْن ِ الحصَيْن ِ عَنْ نافِعٍ عَنْ ابْن ِعُمَرَ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ نهَى عَن ِ الصَّلاةِ فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ، وَذكرَ مِنْهَا المقبَرَة َ، قالَ الأَثرَمُ: «إنمَا كرِهَتِ الصَّلاة ُ فِي المقبَرَةِ، لِلتَّشَبُّهِ بأَهْل ِ الكِتَابِ، لأَنهُمْ يَتَّخِذُوْنَ قبوْرَ أَنْبيَائِهمْ وَصَالِحِيْهمْ مَسَاجِد) اه كلامُ شَيْخِ الإسْلامِ، نقلهُ عَنْهُ ابْنُ القيِّمِ في «إغاثةِ اللهْفان» (١/ ١٨٩). وَقالَ العَلامة ُ أَبوْ عَبْدِ اللهِ ابْنُ قيِّمِ الجوْزِيةِ ﵀ ُ في «إغاثةِ اللهْفان» (١/ ١٨٢١٨٣): (وَمِنْ أَعْظمِ مَكايدِهِ التِي كادَ بهَا أَكثرَ

стр. 32

النّاس ِ، وَمَا نجَا مِنْهَا إلا َّ مَنْ لمْ يُرِدِ الله ُ تَعَالىَ فِتْنَتهُ: مَا أَوْحَاهُ قدِيْمًا وَحَدِيْثا إلىَ حِزْبهِ وَأَوْلِيَائِهِ، مِنَ الفِتْنَةِ باِلقبوْرِ، حَتَّى آلَ الأَمْرُ فِيْهَا إلىَ أَنْ عُبدَ أَرْبابهَا مِنْ دُوْن ِ اللهِ، وَعُبدَتْ قبوْرُهُمْ، وَاتخِذَتْ أَوْثانا، وَبُنيَتْ عَليْهَا الهيَاكِلُ، وَصُوِّرَتْ صُوَرُ أَرْبَابهَا فِيْهَا، ثمَّ جُعِلتْ تِلك َ الصُّوَرُ أَجْسَادًا لها ظِلٌّ، ثمَّ جُعِلتْ أَصْنَامًا وَعُبدَتْ مَعَ اللهِ تَعَالىَ. وَكانَ أَوَّلُ هَذَا الدّاءِ العَظِيْمِ، فِي قوْمِ نوْحٍ كمَا أَخْبَرَ سُبْحانهُ عَنْهُمْ في كِتَابهِ حَيْثُ يَقوْلُ: " قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا * وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا * وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا "). [نُوحٌ: ٢١ - ٣٢] ثمَّ قالَ: (وَقالَ البُخارِيُّ (٤٩٢٠): حَدَّثنَا إبْرَاهِيْمُ بنُ مُوْسَى حَدَّثنَا هِشَامٌ عَن ِابن ِجُرَيْجٍ قالَ: وقالَ عَطاءٌ عَن ِابن ِ عَبّاس ٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا: «صَارَتِ الأَوْثانُ التي كانتْ في قوْمِ نوْحٍ في العَرَبِ بَعْدُ: أَمّا وَدٌّ فكانتْ لِكلبٍ بدُوْمَةِ الجنْدَل ِ، وَأَمّا سُوَاعٌ فكانتْ لِهُذَيْل ٍ، وَأَمّا يَغوْثُ فكانتْ لِمُرَادٍ، ثمَّ لِبَني غطيْفٍ بالجرْفِ عِنْدَ سَبَإٍ، وَأَمّا يَعُوْقُ فكانتْ لِهَمْدَانَ، وَأَمّا نسْرٌ فكانتْ لِحِمْيَرَ، لآل ِ ذِي الكلاع. أَسْمَاءُ رِجَال ٍ صَالِحِيْنَ مِنْ قوْمِ نوْحٍ، فلمّا هَلكوْا أَوْحَى الشَّيْطانُ إلىَ قوْمِهمْ: أَن ِ انْصبوْا إلىَ مَجَالِسِهمُ التي كانوْا يَجْلِسُوْنَ أَنصَابًا، وَسَمُّوْهُمْ بأَسْمَائِهمْ ففعَلوْا، فلمْ تعْبَدْ، حَتَّى إذا هَلك َ أُوْلئِك َ، وَنسِيَ العِلمُ عُبدَتْ».

стр. 33

وَقالَ غيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلفِ: «كانَ هَؤُلاءِ قوْمًا صَالِحِيْنَ فِي قوْمِ نوْحٍ ﵇، فلمّا مَاتوْا: عَكفوْا عَلى قبورِهِمْ، ثمَّ صَوَّرُوْا تمَاثِيْلهُمْ، ثمَّ طالَ عَليْهمُ الأَمدُ فعَبَدُوْهُمْ». فهَؤُلاءِ جَمَعُوْا بَيْنَ الفِتْنَتَيْن ِ: فِتْنَةِ القبوْرِ، وَفِتْنَةِ التَّمَاثِيْل ِ، وَهُمَا الفِتْنَتَان ِ اللتان ِأَشارَ إليْهمَا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ فِي الحدِيْثِ المتَّفق ِ عَلى صِحَّتِهِ عَنْ عَائِشَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهَا: أَنَّ أُمَّ سَلمَة َ رَضِيَ الله ُعَنْهَا ذكرَتْ لِرَسُوْل ِاللهِ ﷺ كنِيْسَة ً رَأَتهَا بأَرْض ِ الحبشةِ يُقالُ لها «مَارِيََةَ»، فذَكرَتْ لهُ مَا رَأَتْ فِيْهَا مِنَ الصُّوَر. فقالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «أُوْلئِكَِ قوْمٌ إذا مَاتَ فِيْهمُ العَبْدُ الصّالِحُ، أَوِ الرَّجُلُ الصّالِحُ: بنوْا عَلى قبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوْا فِيْهِ تِلك َ الصُّوَرَ، أُوْلئِكَِ شِرَارُ الخلق ِ عِنْدَ اللهِ تعَالىَ». وَفِي لفظٍ آخَرَ فِي «الصَّحِيْحَيْن»: «أَنَّ أُمَّ حَبيْبَة َ وَأُمَّ سَلمَة َ ذكرَتا كنيْسَة ً رَأَينهَا». فجَمَعَ فِي هَذَا الحدِيْثِ، بَيْنَ التَّمَاثِيل ِ وَالقبوْرِ، وَهَذَا كانَ سَبَبَ عِبَادَةِ اللاتِ ... فقدْ رَأَيْتَ أَنَّ سَبَبَ عِبَادَةِ وَدٍّ وَيَغوْثَ وَيَعُوْقَ وَنسْرٍ وَاللاتِ، إنمَا كانتْ مِنْ تَعْظِيْمِ قبوْرِهِمْ، ثمَّ اتخذُوْا لهَا التَّمَاثِيْلَ وَعَبَدُوْهَا، كمَا أَشَارَ إليْهِ النَّبيُّ ﷺ اه. وَقالَ العَلامَة ُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ القادِرِ الأَقحِصَارِيُّ الحنَفِيُّ، المعْرُوْفُ باِلرُّوْمِيِّ (ت١٠٤١هـ) في كِتَابهِ الكبيْرِ «مَجَالِس ِالأَبْرَار،

стр. 34

وَمَسَالِكِ الأَخْيَار» (١) في «المجْلِس ِ السّابعَ عَشَرَ» في شَرْحِهِ حَدِيْثَ عَائِشَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهَا مَرْفوْعًا «لعْنة ُ اللهِ عَلى اليهُوْدِ وَالنَّصَارَى، اتخذُوْا قبوْرَ أَنبيَائِهمْ مَسَاجِدَ» قالَ: (هَذَا الحدِيْثُ مِنْ صِحَاحِ «المصَابيْحِ»، رَوَتهُ أَمُّ المؤْمِنِيْنَ عَائِشَة ُ رَضِيَ الله ُ عَنْهَا. وَسَببُ دُعَائِهِ ﷺ عَلى اليهُوْدِ وَالنَّصَارَى باِللعْنَةِ: أَنهُمْ كانوْا يُصَلوْنَ في الموَاضِعِ التِي دُفِنَ فِيْهَا أَنبيَاؤُهُمْ: إمّا نظرًا مِنْهُمْ، بأَنَّ السُّجُوْدَ لِقبوْرِهِمْ تعْظِيْمٌ لها، وَهَذَا شِرْك ٌ جَلِيٌّ، وَلهِذَا قالَ النَّبيُّ ﷺ : «اللهُمَّ لا تَجْعَلْ قبْرِي وَثنا يُعْبَد». أَوْ ظنًّا مِنْهُمْ، بأَنَّ التَّوَجُّهَ إلىَ قبوْرِهِمْ باِلصَّلاةِ أَعْظمُ وَقعًا عِنْدَ اللهِ تعَالىَ - لاشْتِمَالِهِ عَلى أَمْرَيْن ِ: عِبَادَةِ اللهِ تعَالىَ، وَتَعْظِيْمِ أَنبيَائِهِ -

стр. 35

وَهَذَا شِرْك ٌ خَفِيّ. وَلهِذَا نهَى النَّبيُّ ﷺ أُمَّتهُ عَن ِ الصَّلاةِ في المقابرِ احْتِرَازًا عَنْ مُشابهَتِهمْ بهمْ، وَإنْ كانَ القصْدَان ِ مُخْتَلِفيْن. وَقالَ ﷺ : «أَلا َإنَّ مَنْ كانَ قبْلكمْ، كانوْا يتَّخِذُوْنَ القبوْرَ مَسَاجِدَ، أَلا َفلا تتَّخِذُوْا القبوْرَ مَسَاجِدَ، إني أَنهَاكمْ عَنْ ذلك») اه. وَقالَ العَلامَة ُ الشَّرِيْفُ الحسَنُ بْنُ خَالِدٍ الحازِمِيُّ الحسَنِيُّ (ت١٢٣٤هـ) في كِتَابهِ «قوْتُ القلوْب، في تَوْحِيْدِ عَلاّمِ الغيوْب» (ص١٣٠) بَعْدَ أَنْ ذكرَ سَببَ شِرْكِ قوْمِ نوْحٍ ﵇: (فقدْ رَأَيْتَ أَنَّ سَببَ عِبَادَةِ وَدٍّ وَيَغُوْثَ وَيَعُوْقَ وَنسْرٍ وَاللاتِ: كانَ مِنْ تَعْظِيْمِهمُ المخْلوْقَ، بمَا لمْ يَأْذنْ بهِ الله ُ، حَتَّى عَظمُوْا قبوْرَهُمْ، وَجَعَلوْا لها تَمَاثِيْل. وَلهِذَا نهَى الشّارِعُ الحكِيْمُ عَن ِ اتِّخاذِ المسَاجِدِ عَلى القبوْرِ، وَلعَنَ عَلى ذلك). ثمَّ قالَ ﵀ ُ (ص١٣١): (فاتخاذُ المسَاجِدِ عَلى القبوْرِ تَعْظِيْمٌ لها، وَلِذَا حَكى الله ُ عَن ِ الذِيْنَ غلبوْا عَلى أَمْرِ أَصْحَابِ الكهْفِ أَنهُمْ قالوْا " لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ". [الكَهْفُ: ٢١]. قدْ صَارَ هَذَا التَّعْظِيْمُ لها: وَسِيْلة ً إلىَ الفِتْنَةِ بهَا، وَلهِذَا نهَى ﷺ عَنْهُ آخِرَ حَيَاتِهِ، وَلعَنَ - وَهُوَ في السِّيَاق ِ- فاعِلَ ذلك. لأَنَّ هَذِهِ العِلة َ، هِيَ التي أَوْقعَتْ كثِيْرًا مِنَ الأُمَمِ في الشِّرْكِ الأَكبَرِ وَالأَصْغر. وَلِذَا تَجِدُ أَقوَامًا يَتَضَرَّعُوْنَ عِنْدَهَا، وَيَخْشَوْنَ بعِبَادَةٍ

стр. 36

لا يَفعَلوْنهَا في مَوَاضِعِ العِبَادَاتِ، وَلا أَوْقاتِ الإجَابةِ، وَيَرْجُوْنَ مِنْ بَرَكةِ ذلِك َ مَا لا يَرْجُوْنَ في المسَاجِدِ الثلاثةِ التي تشدُّ إليْهَا الرِّحَال). ثمَّ قالَ (ص١٣٢): (وَلأَجْل ِهَذِهِ المفسَدَةِ النّاشِئَةِ مِنْ تَعْظِيْمِ المخْلوْق ِ بمَا لا يَسْتَحِقهُ: حَسَمَ النَّبيُّ ﷺ مَادَّتهَا، حَتَّى نهَى عَن ِ الصَّلاةِ في المقبَرَةِ مُطلقا، وَقالَ: «الأَرْضُ كلهَا مَسْجِدٌ إلا َّ المقبَرَة» صَحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ (١٦٩٩)، (٢٣١٦)، (٢٣٢١) وَالحاكِمُ (١/ ٢٥١)، وَإليْهِ مَالَ ابْنُ دَقِيْق ِالعِيْدِ في «الإمَام». وَأَوْضَحُ مِنْ هَذَا: أَنهُ ﷺ نهَى عَن ِ الصَّلاةِ إلىَ القبْرِ، فرَوَى مُسْلِمٌ في «الصَّحِيْحِ» (٩٧٢) عَنْ أَبي مَرْثدٍ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا تَجْلِسُوْا عَلى القبوْرِ، وَلا تصَلوْا إليْهَا»، وَإنْ لمْ يَقصِدِ المصَلي بَرَكة َ البقعَةِ، فذَاك َ في لعْنَةِ رَسُوْل ِ اللهِ ﷺ اه كلامُ الحازِمِيّ.

стр. 37

فصل في اخْتِلافِ الأَئِمَّةِ في صِحَّةِ الصَّلاةِ في المقبَرَةِ، مَعْ قوْلِهمْ بتَحْرِيْمِهَا قدِ اخْتَلفَ الأَئِمَّة ُ مِنَ المحَرِّمِيْنَ للصَّلاةِ في المقابرِ في صِحَّتِهَا فِيْهَا، مَعَ اتفاقِهمْ عَلى إثمِ فاعِلِهَا. فعَن ِ الإمَامِ أَحْمَدَ رِوَايتان ِ فِيْهَا: إحْدَاهُمَا: أَنهَا مُحَرَّمَة ٌ وَلا تَصِحُّ، وَهِيَ ظاهِرُ المذْهَب. وَالثانِيَة ُ: أَنهَا تُكرَهُ، وَتُسْتَحَبُّ الإعَادَة. وَمِنْ أَصْحَابنَا مَنْ يَحْكِي هَذِهِ الرِّوَاية َ باِلتَّحْرِيْمِ مَعَ الصِّحَّة. وَلفظ ُ أَحْمَدَ فِيْهَا هُوَ الكرَاهَة ُ، وَقدْ يُرِيْدُ بهَا تارَة ً التَّحْرِيْمَ، وَتارَة ً التَّنْزِيه. وَلِذَلِك َ اخْتَلفوْا في كرَاهِيتهِ المطلقةِ عَلى وَجْهَيْن ِ مَشْهُوْرَيْن ِ، قالهُ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْميةَ في «شَرْحِ العُمْدَة» (٢/ ٤٣٤ - ٤٣٥). ثمَّ قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ﵀ ُ بَعْدَ ذلك (٢/ ٤٣٥ - ٤٣٦): (وَالأَوَّلُ أَصَحُّ، لأَنَّ قوْلهُ ﷺ «الأَرْضُ كلهَا مَسْجِدٌ، إلا َّ المقبَرَة َ وَالحمّام»: إخْرَاجٌ لها عَنْ أَنْ تَكوْنَ مَسْجِدًا، وَالصَّلاة ُ لا تَصِحُّ إلا َّ في مَسْجِدٍ، أَعْنِي فِيْمَا جَعَلهُ الله ُ لنا مَسْجِدًا. وَهَذَا خِطابُ وَضْعٍ وَإخْبَارٌ، فِيْهِ أَنَّ المقبَرَة َ وَالحمّامَ، لمْ يُجْعَلا مَحَلا ًّ للسُّجُوْدِ، كمَا بيَّنَ أَنَّ مَحَلَّ السُّجُوْدِ، هُوَ الأَرْضُ الطيبة.

стр. 38

فإذا لمْ تَكنْ مَسْجِدًا: كانَ السُّجُوْدُ وَاقِعًا فِيْهَا فِي غيْرِ مَوْضِعِهِ، فلا يَكوْنُ مُعْتَدًّا بهِ، كمَا لوْ وَقعَ في غيْرِ وَقتهِ، أَوْ إلىَ غيْرِ جِهَتِهِ، أَوْ فِي أَرْض ٍ خَبيْثة. وَهَذَا الكلامُ مِنْ أَبلغِ مَا يدُلُّ عَلى الاشْتِرَاطِ، فإنهُ قدْ يتوَهَّمُ أَنَّ العِبَادَة َ تَصِحُّ مَعَ التَّحْرِيْمِ، إذا كانَ الخِطابُ خِطابَ أَمْرٍ وَتَكلِيْف. أَمّا إذا وَقعَتْ في المكان ِ أَوِ الزَّمَان ِ الذِي بينَ أَنهُ ليْسَ مَحِلا ًّ لها وَلا ظرْفا: فإنهَا لا تَصِحُّ إجْمَاعًا. وَأَيضًا، فإنَّ نهْيَهُ عَنْ صَلاةِ المقبَرَةِ، وَأَعْطان ِ الإبل ِ، وَالحمّامِ، مَرَّة ً بَعْدَ مَرَّة: أَوْكدُ شَيْءٍ في التَّحْرِيْمِ وَالفسَادِ، لا سِيَّمَا وَهُوَ نهْيٌ يَخْتَصُّ الصَّلاة َ بمعْنى فِي مَكانِهَا. فإنَّ الرَّجُلَ إذا صَلى في مَكان ٍ نهَاهُ الله ُ وَرَسُوْلهُ ﷺ أَنْ يُصَليَ فِيْهِ، نهْيًا يَخْتَصُّ الصَّلاة َ: لمْ يَفعَلْ مَا أَمَرَهُ الله ُ بهِ، فيبْقى فِي عُهْدَةِ الأَمْرِ، بلْ قدْ عَصَى الله َ وَرَسُوْلهُ، وَتعَدَّى حُدُوْدَه. وَأَيضًا، لعْنتهُ ﷺ مَنْ يتخِذُ القبوْرَ مَسَاجِدَ، وَوَصِيَّتُهُ بذَلِك َ في آخِرِ عُمْرِهِ وَهُوَ يُعَالِجُ سَكرَاتِ الموْتِ، بَعْدَ أَنْ نهَى عَنْ ذلِك َ قبْلَ مَوْتِهِ ﷺ بخمْس. وَبيانهُ أَنَّ فاعِلِي ذلِك َ شِرَارُ الخلق ِ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَمِنَ الأُمَمِ قبْلهَا: بيانٌ عَظِيْمٌ لِقبْحِ هَذَا العَمَل ِ، وَدَلالة ٌ عَلى أَنهُ مِنَ الكبائِرِ، وَأَنهُ مُقارِبٌ لِلكفرِ، بَلْ رُبمَا كانَ كفرًا صَرِيْحًا.

стр. 39

وَأَيضًا، فإنَّ قوْلهُ «لا تَجُوْزُ الصَّلاة ُ فِيْهَا»: صَرِيْحٌ فِي التَّحْرِيْمِ، وَالتَّحْرِيْمُ يَقتَضِي الفسَادَ، خُصُوْصًا هُنَا، وَلِذَلِك َ لا يَصِحُّ أَنْ يُقالَ هُنَا باِلتَّحْرِيْمِ مَعَ الصِّحَّة). ثمَّ قالَ (٢/ ٤٣٧): (وَأَيْضًا، فإنَّ الصَّلاة َ فِي المكان ِ النَّجِس ِ فاسِدَة ٌ، مَعَ أَنهُ لمْ يَنْطقْ كِتَابٌ وَلا سُنَّة ٌ بأَنهَا فاسِدَة ٌ، وَلا أَنهَا غيْرُ مُجْزِئة. وَإنمَا فهمَ المسْلِمُوْنَ ذلِك َ مِنْ نهْي الشّارِعِ عَن ِ الصَّلاةِ فِيْهَا، وَتَخْصِيْصُ الإباحَةِ باِلأَرْض ِ الطيبة. فهذِهِ الموَاضِعُ التِي سُلِبَتِ اسْمَ المسْجِدِ، وَترَادَفتْ أَقاوِيْلُ رَسُوْل ِ اللهِ ﷺ باِلنَّهْيِّ عَن ِالصَّلاةِ فِيْهَا: أَوْلىَ أَنْ لا تُجْزِئَ الصَّلاة ُ فِيْهَا) اه.

стр. 40

فصل في بَيان ِ بُطلان ِ الصَّلاةِ في كلِّ مَسْجِدٍ بُنِيَ عَلى قبْرٍ، أَوْ كانَ فِيْهِ قبْر وَلا تَجُوْزُ الصَّلاة ُ في كلِّ مَسْجِدٍ بُنِيَ عَلى قبْرٍ كمَا تَقدَّمَ، وَلا تَصِحُّ الصَّلاة ُ فِيْهِ بحَال ٍ، لأَنَّ أَرْضَهُ جُزْءٌ مِنَ المقبَرَةِ، إلا َّ أَنْ يُنْبَش. سَوَاءٌ صَلى خَلفَ القبْرِ أَوْ أَمَامَهُ، بغيْرِ خِلافٍ في المذْهَبِ، لأَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ مَنْ كانَ قبْلكمْ، كانوْا يَتَّخِذُوْنَ قبوْرَ أَنبيَائِهمْ وَصَالِحِيْهمْ مَسَاجِدَ، أَلا فلا تتَّخِذُوْا القبوْرَ مَسَاجِدَ، فإني أَنهَاكمْ عَنْ ذلك»، وَغيْرَ ذلِك َ مِنَ الأَحَادِيْثِ المتقدِّمةِ في النَّهْيِّ عَنْ ذلك. وَسَوَاءٌ كانَ لِذَلِك َ المسْجِدِ حِيْطانُ تحْجزُ بيْنَهُ وَبينَ القبوْرِ، أَمْ كانَ مَكشُوْفا. فإنْ كانَ المسْجِدُ خَارِجَ المقبَرَةِ، مُنْفصِلا ً عَنْهَا، إلا َّ أَنَّ المقبَرَة َخلفهُ، أَوْ عَنْ يَمِيْنِهِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ: جَازَتِ الصَّلاة ُ فِيْه. إلا َّ أَنْ يَكوْنَ المسْجدُ قدْ بُنِيَ لأَجْل ِ مُجَاوَرَتِهِ المقبرَة َ، أَوْ لأَحَدٍ فِيْهَا: فالصَّلاة ُ فِيْهِ حِيْنَئِذٍ مُحَرَّمَة ٌ فاسِدَة ٌ، غيْرُ صَحِيْحَةٍ وَلا مُجْزِئة. وَهَذَا هُوَ بعَيْنِهِ مَا نهَى عَنْهُ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ ، وَإنْ كانَ المسْجِدُ مُنْفصِلا ً عَن ِ المقبَرَةِ. ذكرَ ذلِك َ كلهُ وَقرَّرَهُ، شَيْخُ الإسْلامِ في «شَرْحِ العُمْدَة» (٢/ ٤٥٩و٤٦١).
следующие страницы →