Полный текст (373 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
لا يَفعَلوْنهَا في مَوَاضِعِ العِبَادَاتِ، وَلا أَوْقاتِ الإجَابةِ، وَيَرْجُوْنَ مِنْ بَرَكةِ ذلِك َ مَا لا يَرْجُوْنَ في المسَاجِدِ الثلاثةِ التي تشدُّ إليْهَا الرِّحَال).
ثمَّ قالَ (ص١٣٢): (وَلأَجْل ِهَذِهِ المفسَدَةِ النّاشِئَةِ مِنْ تَعْظِيْمِ المخْلوْق ِ بمَا لا يَسْتَحِقهُ: حَسَمَ النَّبيُّ ﷺ مَادَّتهَا، حَتَّى نهَى عَن ِ الصَّلاةِ في المقبَرَةِ مُطلقا، وَقالَ: «الأَرْضُ كلهَا مَسْجِدٌ إلا َّ المقبَرَة» صَحَّحَهُ ابْنُ حِبّانَ (١٦٩٩)، (٢٣١٦)، (٢٣٢١) وَالحاكِمُ (١/ ٢٥١)، وَإليْهِ مَالَ ابْنُ دَقِيْق ِالعِيْدِ في «الإمَام».
وَأَوْضَحُ مِنْ هَذَا: أَنهُ ﷺ نهَى عَن ِ الصَّلاةِ إلىَ القبْرِ، فرَوَى مُسْلِمٌ في «الصَّحِيْحِ» (٩٧٢) عَنْ أَبي مَرْثدٍ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا تَجْلِسُوْا عَلى القبوْرِ، وَلا تصَلوْا إليْهَا»، وَإنْ لمْ يَقصِدِ المصَلي بَرَكة َ البقعَةِ، فذَاك َ في لعْنَةِ رَسُوْل ِ اللهِ ﷺ اه كلامُ الحازِمِيّ.
стр. 37
فصل في اخْتِلافِ الأَئِمَّةِ في صِحَّةِ الصَّلاةِ في المقبَرَةِ، مَعْ قوْلِهمْ بتَحْرِيْمِهَا
قدِ اخْتَلفَ الأَئِمَّة ُ مِنَ المحَرِّمِيْنَ للصَّلاةِ في المقابرِ في صِحَّتِهَا فِيْهَا، مَعَ اتفاقِهمْ عَلى إثمِ فاعِلِهَا.
فعَن ِ الإمَامِ أَحْمَدَ رِوَايتان ِ فِيْهَا:
إحْدَاهُمَا: أَنهَا مُحَرَّمَة ٌ وَلا تَصِحُّ، وَهِيَ ظاهِرُ المذْهَب.
وَالثانِيَة ُ: أَنهَا تُكرَهُ، وَتُسْتَحَبُّ الإعَادَة.
وَمِنْ أَصْحَابنَا مَنْ يَحْكِي هَذِهِ الرِّوَاية َ باِلتَّحْرِيْمِ مَعَ الصِّحَّة. وَلفظ ُ أَحْمَدَ فِيْهَا هُوَ الكرَاهَة ُ، وَقدْ يُرِيْدُ بهَا تارَة ً التَّحْرِيْمَ، وَتارَة ً التَّنْزِيه.
وَلِذَلِك َ اخْتَلفوْا في كرَاهِيتهِ المطلقةِ عَلى وَجْهَيْن ِ مَشْهُوْرَيْن ِ، قالهُ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْميةَ في «شَرْحِ العُمْدَة» (٢/ ٤٣٤ - ٤٣٥).
ثمَّ قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ﵀ ُ بَعْدَ ذلك (٢/ ٤٣٥ - ٤٣٦): (وَالأَوَّلُ أَصَحُّ، لأَنَّ قوْلهُ ﷺ «الأَرْضُ كلهَا مَسْجِدٌ، إلا َّ المقبَرَة َ وَالحمّام»: إخْرَاجٌ لها عَنْ أَنْ تَكوْنَ مَسْجِدًا، وَالصَّلاة ُ لا تَصِحُّ إلا َّ في مَسْجِدٍ، أَعْنِي فِيْمَا جَعَلهُ الله ُ لنا مَسْجِدًا.
وَهَذَا خِطابُ وَضْعٍ وَإخْبَارٌ، فِيْهِ أَنَّ المقبَرَة َ وَالحمّامَ، لمْ يُجْعَلا مَحَلا ًّ للسُّجُوْدِ، كمَا بيَّنَ أَنَّ مَحَلَّ السُّجُوْدِ، هُوَ الأَرْضُ الطيبة.
стр. 38
فإذا لمْ تَكنْ مَسْجِدًا: كانَ السُّجُوْدُ وَاقِعًا فِيْهَا فِي غيْرِ مَوْضِعِهِ،
فلا يَكوْنُ مُعْتَدًّا بهِ، كمَا لوْ وَقعَ في غيْرِ وَقتهِ، أَوْ إلىَ غيْرِ جِهَتِهِ، أَوْ فِي أَرْض ٍ خَبيْثة.
وَهَذَا الكلامُ مِنْ أَبلغِ مَا يدُلُّ عَلى الاشْتِرَاطِ، فإنهُ قدْ يتوَهَّمُ أَنَّ العِبَادَة َ تَصِحُّ مَعَ التَّحْرِيْمِ، إذا كانَ الخِطابُ خِطابَ أَمْرٍ وَتَكلِيْف.
أَمّا إذا وَقعَتْ في المكان ِ أَوِ الزَّمَان ِ الذِي بينَ أَنهُ ليْسَ مَحِلا ًّ لها وَلا ظرْفا: فإنهَا لا تَصِحُّ إجْمَاعًا.
وَأَيضًا، فإنَّ نهْيَهُ عَنْ صَلاةِ المقبَرَةِ، وَأَعْطان ِ الإبل ِ، وَالحمّامِ، مَرَّة ً بَعْدَ مَرَّة: أَوْكدُ شَيْءٍ في التَّحْرِيْمِ وَالفسَادِ، لا سِيَّمَا وَهُوَ نهْيٌ يَخْتَصُّ الصَّلاة َ بمعْنى فِي مَكانِهَا.
فإنَّ الرَّجُلَ إذا صَلى في مَكان ٍ نهَاهُ الله ُ وَرَسُوْلهُ ﷺ أَنْ يُصَليَ فِيْهِ، نهْيًا يَخْتَصُّ الصَّلاة َ: لمْ يَفعَلْ مَا أَمَرَهُ الله ُ بهِ، فيبْقى فِي عُهْدَةِ الأَمْرِ، بلْ قدْ عَصَى الله َ وَرَسُوْلهُ، وَتعَدَّى حُدُوْدَه.
وَأَيضًا، لعْنتهُ ﷺ مَنْ يتخِذُ القبوْرَ مَسَاجِدَ، وَوَصِيَّتُهُ بذَلِك َ في آخِرِ عُمْرِهِ وَهُوَ يُعَالِجُ سَكرَاتِ الموْتِ، بَعْدَ أَنْ نهَى عَنْ ذلِك َ قبْلَ مَوْتِهِ ﷺ بخمْس. وَبيانهُ أَنَّ فاعِلِي ذلِك َ شِرَارُ الخلق ِ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَمِنَ الأُمَمِ قبْلهَا: بيانٌ عَظِيْمٌ لِقبْحِ هَذَا العَمَل ِ، وَدَلالة ٌ عَلى أَنهُ مِنَ الكبائِرِ، وَأَنهُ مُقارِبٌ لِلكفرِ، بَلْ رُبمَا كانَ كفرًا صَرِيْحًا.
стр. 39
وَأَيضًا، فإنَّ قوْلهُ «لا تَجُوْزُ الصَّلاة ُ فِيْهَا»: صَرِيْحٌ فِي التَّحْرِيْمِ، وَالتَّحْرِيْمُ يَقتَضِي الفسَادَ، خُصُوْصًا هُنَا، وَلِذَلِك َ لا يَصِحُّ أَنْ يُقالَ هُنَا باِلتَّحْرِيْمِ مَعَ الصِّحَّة).
ثمَّ قالَ (٢/ ٤٣٧): (وَأَيْضًا، فإنَّ الصَّلاة َ فِي المكان ِ النَّجِس ِ فاسِدَة ٌ، مَعَ أَنهُ لمْ يَنْطقْ كِتَابٌ وَلا سُنَّة ٌ بأَنهَا فاسِدَة ٌ، وَلا أَنهَا غيْرُ مُجْزِئة. وَإنمَا فهمَ المسْلِمُوْنَ ذلِك َ مِنْ نهْي الشّارِعِ عَن ِ الصَّلاةِ فِيْهَا، وَتَخْصِيْصُ الإباحَةِ باِلأَرْض ِ الطيبة.
فهذِهِ الموَاضِعُ التِي سُلِبَتِ اسْمَ المسْجِدِ، وَترَادَفتْ أَقاوِيْلُ رَسُوْل ِ اللهِ ﷺ باِلنَّهْيِّ عَن ِالصَّلاةِ فِيْهَا: أَوْلىَ أَنْ لا تُجْزِئَ الصَّلاة ُ فِيْهَا) اه.
стр. 40
فصل في بَيان ِ بُطلان ِ الصَّلاةِ في كلِّ مَسْجِدٍ بُنِيَ عَلى قبْرٍ، أَوْ كانَ فِيْهِ قبْر
وَلا تَجُوْزُ الصَّلاة ُ في كلِّ مَسْجِدٍ بُنِيَ عَلى قبْرٍ كمَا تَقدَّمَ، وَلا تَصِحُّ الصَّلاة ُ فِيْهِ بحَال ٍ، لأَنَّ أَرْضَهُ جُزْءٌ مِنَ المقبَرَةِ، إلا َّ أَنْ يُنْبَش.
سَوَاءٌ صَلى خَلفَ القبْرِ أَوْ أَمَامَهُ، بغيْرِ خِلافٍ في المذْهَبِ، لأَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ مَنْ كانَ قبْلكمْ، كانوْا يَتَّخِذُوْنَ قبوْرَ أَنبيَائِهمْ وَصَالِحِيْهمْ مَسَاجِدَ، أَلا فلا تتَّخِذُوْا القبوْرَ مَسَاجِدَ، فإني أَنهَاكمْ عَنْ ذلك»، وَغيْرَ ذلِك َ مِنَ الأَحَادِيْثِ المتقدِّمةِ في النَّهْيِّ عَنْ ذلك.
وَسَوَاءٌ كانَ لِذَلِك َ المسْجِدِ حِيْطانُ تحْجزُ بيْنَهُ وَبينَ القبوْرِ، أَمْ كانَ مَكشُوْفا.
فإنْ كانَ المسْجِدُ خَارِجَ المقبَرَةِ، مُنْفصِلا ً عَنْهَا، إلا َّ أَنَّ المقبَرَة َخلفهُ، أَوْ عَنْ يَمِيْنِهِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ: جَازَتِ الصَّلاة ُ فِيْه.
إلا َّ أَنْ يَكوْنَ المسْجدُ قدْ بُنِيَ لأَجْل ِ مُجَاوَرَتِهِ المقبرَة َ، أَوْ لأَحَدٍ فِيْهَا: فالصَّلاة ُ فِيْهِ حِيْنَئِذٍ مُحَرَّمَة ٌ فاسِدَة ٌ، غيْرُ صَحِيْحَةٍ وَلا مُجْزِئة.
وَهَذَا هُوَ بعَيْنِهِ مَا نهَى عَنْهُ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ ، وَإنْ كانَ المسْجِدُ مُنْفصِلا ً عَن ِ المقبَرَةِ. ذكرَ ذلِك َ كلهُ وَقرَّرَهُ، شَيْخُ الإسْلامِ في «شَرْحِ العُمْدَة» (٢/ ٤٥٩و٤٦١).
стр. 41
كمَا أَنهُ لا فرْقَ فِي ذلِك َ، بَينَ الصَّلاةِ فِي مَسْجِدٍ بنِيَ عَلى قبرٍ، وَبَينَ الصَّلاةِ فِي مَسْجِدٍ أُحْدِثَ دَاخِلهُ قبرٌ، لِتَحَقق ِ عِلةِ النَّهْيِّ والتَّحْرِيْمِ فِي المسْجِدَيْن ِ وَالحالين ِ، وَالصَّلاة ُفِيْهمَا مُحَرَّمَة ٌ باطِلة.
غيرَ أَنَّ القبرَ إنْ كانَ طارِئا عَلى المسْجِدِ: وَجَبَ نبشهُ وَإخْرَاجُهُ مِنْهُ. وَإنْ كانَ المسْجِدُ هُوَ الطارِئَ عَلى القبرِ: وَجَبَ هَدْمُهُ وَإزَالته.
стр. 42
فصل في حُكمِ صَلاةِ مَنْ صَلى عِنْدَ قبْرٍ غيْرَ عَالمٍ باِلنَّهْيّ
أَمّا مَنْ صَلى عِنْدَ قبْرٍ، أَوْ فِي مَقبَرَةٍ جَاهِلا ً باِلحكمِ، غيْرَ عَالِمٍ باِلنَّهْيِّ: فقدِ اخْتَلفَ العُلمَاءُ فِي صِحَّةِ صَلاتِهِ تلِك َ: أَتصِحُّ أَمْ تجِبُ عَليْهِ إعَادَتهَا؟
فعَن ِالإمَامِ أَحْمَدَ رِوَايتان ِ في ذلِك َ، وَكثيرٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابنَا يَنْصُرُوْنَ البُطلانَ مُطلقا، لِلعُمُوْمَاتِ لفظا وَمَعْنَى.
وَالذِي ذكرَهُ الخلالُ: أَنْ لا إعَادَة َ عَليْهِ، وَهَذِهِ أَشْبَهُ، لا سِيَّمَا عَلى قوْل ِ مَنْ يَخْتَارُ مِنْهُمْ أَنَّ مَنْ نسِيَ النَّجَاسَة َ أَوْ جَهلهَا، لا إعَادَة َ عَليْهِ.
فيَكوْنُ الجهْلُ باِلحكمِ، كالجهْل ِ بوُجُوْدِ النَّجَاسَةِ، إذا كانَ مِمَّنْ يُعْذَر. وَلأَنَّ النَّهْيَ لا يَثْبُتُ حُكمُهُ فِي حَقِّ المنْهيِّ حَتَّى يَعْلمَ، فمَنْ لمْ يَعْلمْ: فهُوَ كالنّاسِي وَأَوْلىَ.
وَلأَنهُ لوْ صَلى صَلاة ً فاسِدَة ً، لِنَوْعِ تأْوِيْل ٍ، ثمَّ تبينَ لهُ رُجْحَانُ مَا اخْتَارَهُ حِيْنَ صَلى تِلك َ الصَّلاة َ: لمْ تَجِبْ عَليْهِ الإعَادَة ُ مَعَ سَمَاعِهِ لِلحُجَّةِ، وَبُلوْغِهَا إياه.
فالذِي لمْ يَسْمَعِ الحجَّة َ: يَجِبُ أَنْ يُعْذَرَ لِذَلِك َ، إذْ لافرْقَ بَيْنَ أَنْ يتجَدَّدَ لهُ فهْمٌ لِمَعْنًى لمْ يَكنْ قبْلَ ذلِك َ، أَوْ سَمَاعٍ لِعِلمٍ لمْ
стр. 43
يَكنْ قبْلَ ذلِك َ إذا كانَ مَعْذُوْرًا بذَلِك َ، بخلافِ مَنْ جَهلَ بُطلانَ الصَّلاةِ فِي الموْضِعِ النَّجِس ِ، فإنَّ هَذَا مَشْهُوْرٌ، قالهُ شَيْخُ الإسْلامِ في «شَرْحِ العُمْدَة» (٢/ ٤٤١) وَرَجَّحَه.
стр. 44
فصل في حُكمِ صَلاةِ مَنْ صَلى عِنْدَ قبْرٍ، غيْرَ عَالِمٍ به
أَمّا لوْ صَلى فِي مَوْضِعٍ لمْ يَعْلمْ أَنهُ مقبَرَة ٌ، أَوْ أَنَّ فِيْهِ قبْرًا، ثمَّ عَلِمَ بهِ، مَعَ عِلمِهِ بتَحْرِيْمِ الصَّلاةِ: فحُكمُ صَلاتِهِ، كحُكمِ صَلاةِ مَنْ صَلى فِي مَوْضِعٍ نجس ٍ، لمْ يَعْلمْ بنجَاسَتِهِ، ثمَّ عَلِمَ بَعْدَ ذلك.
وَقدْ تقدَّمَ قوْلُ عُمَرَ لأَنس ٍ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا مُنبهًا لهُ عَن ِ الصَّلاةِ عِنْدَ قبْرٍ لمْ يَعْلمْ بهِ: «القبْرَ القبْرَ» وَلمْ يَأْمُرْهُ باِلإعَادَةِ، لأَنهُ لمْ يَكنْ يَعْلمُ أَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ قبْرًا، ذكرَ هَذَا شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمية َ في «شَرْحِ العُمْدَة» (٢/ ٤٤١).
وَيُحْتَجُّ لهِذَا وَمَا قبْلهُ أَيْضًا، بحدِيْثِ أبي سَعِيْدٍ الخدْرِيِّ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ صَلى فخلعَ نعْليْهِ، فخلعَ النّاسُ نِعَالهمْ، فلمّا انْصَرَفَ قالَ: «لِمَ خَلعْتُمْ نِعَالكمْ؟!».
فقالوْا: يَارَسُوْلَ اللهِ، رَأَينَاك َ خَلعْتَ فخلعْنَا.
قالَ: «إنَّ جِبْرِيْلَ أَتانِي فأَخْبَرَنِي أَنَّ بهمَا خبثا، فإذا جَاءَ أَحَدُكمُ المسْجِدَ، فليقلِبْ نعْلهُ، فلينْظرْ فِيْهمَا، فإنْ رَأَى بهَا خبثا، فليَمْسَحْهُ باِلأَرْض ِ، ثمَّ لِيصَلِّ فِيْهمَا».
رَوَاهُ الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (٣/ ٢٠) وَأَبوْ دَاوُوْدَ في «سُننِهِ» (٦٥٠) وَابنُ أَبي شيبة َفي «مُصَنفِهِ» (٢/ ٤١٧) وَالبَيْهَقِيُّ في «سُننِهِ الكبْرَى»
стр. 45
(٢/ ٤٠٢ - ٤٠٣)، وَصَحَّحَهُ ابنُ خُزَيْمَة َ (١/ ٣٨٤)، (٢/ ١٠٧)، وَالحاكِمُ في «مُسْتَدْرَكِهِ» (١/ ٢٦٠)، وَقالَ: (حَدِيْثٌ صَحِيْحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلمْ يُخْرِجَاه)، وَهُوَ كمَا قال.
стр. 46
فصل في بُطلان ِصَلاةِ مَنْ صَلى عِنْدَ قبْرٍ اتفاقا مِنْ غيْرِ قصْدٍ له
أَمّا مَنْ صَلى عِنْدَ قبْرٍ اتفاقا مِنْ غيْرِ قصْدٍ لهُ، وَهُوَ عَالِمٌ بهِ وَباِلحكمِ: فلا تجُوْزُ صَلاتهُ أَيضًا وَلا تصِحُّ، كمَا لا يَجُوْزُ السُّجُوْدُ للهِ سُبْحَانهُ بيْنَ يَدَيْ صَنَمٍ أَوْ نارٍ، أَوْ غيْرِ ذلِك َ مِمّا يُعْبَدُ مِنْ دُوْن ِ اللهِ .
لِمَا في ذلِك َ مِنَ التَّشَبُّهِ بعُبّادِ الأَوْثان ِ، وَفتْحِ بَابٍ لِلصَّلاةِ عِنْدَهَا، وَاتهَامِ مَنْ يَرَاهُ أَنهُ قصَدَ الصَّلاة َ عِنْدَهَا، أَوْ أَنْ يَقتَدِيَ بَعْضُ الجهّالُ بهِ إنْ كانَ مَتْبُوْعًا.
وَلأَنَّ ذلِك َ مَظِنة ُ تِلك َ المفسَدَةِ، فيعلقُ الحكمُ بهَا، لأَنَّ الحِكمَة َ قدْ لا تنْضَبط ُ، وَلأَنَّ في ذلِك َ حَسْمًا لِهَذِهِ المادَّةِ، وَتَحْقِيْقَ الإخْلاص ِ وَالتَّوْحِيْدِ، وَزَجْرًا لِلنفوْس ِ أَنْ تتعَرَّضَ لِلقبوْرِ بعِبَادَةٍ، وَتقبيْحًا لِحَال ِ مَنْ يَفعَلُ ذلك.
وَلِهَذَا نهَى النَّبيُّ ﷺ عَن ِ الصَّلاةِ عِنْدَ طلوْعِ الشَّمْس ِ، لأَنَّ الكفارَ يَسْجِدُوْنَ لِلشَّمْس ِحِيْنَئِذٍ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ في «صَحِيْحِهِ» (٨٣٢) إبْعَادًا لِلمُؤْمِنِيْنَ عَنْ مُشابَهَةِ المشْرِكِيْنَ، وَحَذَرًا مِنْ سُلوْكِ طرِيْقِهمْ المهيْن.
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ في «شَرْحِ العُمْدَةِ» بَعْدَ أَنْ ذكرَ مَا سَبقَ (٢/ ٤٦١): (وَكذَلِك َ قصْدُهُ - أَي القبْرَ - لِلصَّلاةِ فِيْهِ، وَإنْ كانَ
стр. 47
أَغلظ َ، لكِنْ هَذَا البَابُ سَوَّى في النَّهْيِّ فِيْهِ بَيْنَ القاصِدِ وَغيْرِ القاصِدِ، سَدًّا لِبَابِ الفسَاد).
وَقالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمية َ ﵀ ُ في مَوْضِعٍ آخَرَ - كمَا في «مَجْمُوْعِ الفتَاوَى» (٢٧/ ٤٨٩) -: (وَقدْ نهَى النَّبيُّ ﷺ عَن ِ الصَّلاةِ عِنْدَ طلوْعِ الشَّمْس ِ وَعِنْدَ غرُوْبهَا، وَعِنْدَ وُجُوْدِهَا فِي كبدِ السَّمَاءِ، وَقالَ: «إنهُ حِيْنَئِذٍ يَسْجُدُ لهَا الكفار» [م (٨٣٢)] فنَهَى عَنْ ذلِك َ، لِمَا فيْهِ مِنَ المشابهَةِ لهمْ، وَإنْ لمْ يَقصِدِ المصَلي السُّجُوْدَ إلا َّ لِلوَاحِدِ المعْبُوْد) اه.
стр. 48
فصل في اسْتِوَاءِ الحكمِ في الصَّلاةِ عِنْدَ قبْرٍ وَاحِدٍ أَوْ أَكثرَ، وَأَنهَا صَلاة ٌ بَاطِلة ٌ عَلى كلِّ حَال
قدْ فرَّقَ بَعْضُ أَهْل ِ العِلمِ، المحَرِّمِيْنَ لِلصَّلاةِ في المقابرِ وَعِنْدَ القبوْرِ، بَيْنَ صَلاةِ مَنْ صَلى عِنْدَ قبْرٍ وَاحِدٍ أَوْ قبْرَيْن ِ، وَبَيْنَ مَنْ صَلى عِنْدَ أَكثرَ مِنْ ذلِك َ، فخصُّوْا التَّحْرِيْمَ بثلاثةٍ فصَاعِدًا!
وَهَذَا قوْلٌ مُطرَحٌ، وَالصَّوَابُ خِلافهُ، وَأَنهُ لا فرْقَ بَيْنَ الصَّلاةِ في مَوْضِعٍ فِيْهِ قبْرٌ أَوْ قبْرَان ِ، وَبَيْنَ أَكثرَ مِنْ ذلك.
وَعِلة ُ النَّهْيِّ وَالتَّحْرِيْمِ - كمَا عَلِمْتَ - مُتَحَققة ٌ وَمُعَلقة ٌ بوُجُوْدِ القبْرِ، وَلا تعَلقَ لهَا باِلعَدَد.
وَليْسَ في الأَحَادِيْثِ النبَوِيةِ النّاهِيَةِ عَنْ ذلِك َ، هَذَا الفرْقُ، وَالأَصْلُ بَقاءُ عُمُوْمِهَا مَا لمْ يأْتِ مُقيِّدٌ أَوْ مُخصِّص. وَمَنْ قيَّدَهَا أَوْ خَصَّصَهَا دُوْنَ ذلِك َ: لزِمَهُ الدَّلِيْلُ، وَقدْ عَلِمْتَ أَنْ لا دَلِيْل.
كمَا أَنهُ ليْسَ في كلامِ الإمَامِ أَحْمَدَ وَعَامَّةِ أَصْحَابهِ: هَذَا الفرْقُ. بَلْ عُمُوْمُ كلامِهمْ وَتَعْلِيْلِهمْ وَاسْتِدْلالِهمْ: يُوْجِبُ مَنْعَ الصَّلاةِ عِنْدَ كلِّ قبْرٍ، وَاحِدًا كانَ أَوْ أَكثر.
وَالمفسَدَة ُ المخوْفة ُ في الصَّلاةِ عِنْدَ قبوْرٍ كثِيْرَةٍ: مُتَحَققة ٌ في الصَّلاةِ عِنْدَ قبْرٍ فرْدٍ مُنْفرِد. بَلْ رُبمَا كانتْ فِيْهِ أَعْظمَ وَأَشَدَّ،
стр. 49
لِشُبْهَةِ اخْتِصَاص ِ ذلِك َ القبْرِ بمَزِيدِ فضْل ٍ وَنفعٍ، ليْسَ في عَامَّةِ القبوْرِ غيْرِه.
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمية َ في «شَرْحِ العُمْدَةِ» (٢/ ٤٦١): (فمَنْ صَلى عِنْدَ شَيْءٍ مِنَ القبوْرِ، فقدِ اتخذَ ذلك القبْرَ مَسْجِدًا، إذِ المسْجدُ في هَذَا البابِ المرَادُ بهِ: مَوْضِعُ السُّجُوْدِ مُطلقا.
لا سِيَّمَا وَمُقابلة ُ الجمْعِ باِلجمْعِ، يَقتضِي توْزِيْعَ الأَفرَادِ عَلى الأَفرَادِ، فيكوْنُ المقصُوْدُ: لا يُتخذُ قبْرٌ مِنَ القبوْرِ مَسْجِدًا مِنَ المسَاجِدِ، وَلأَنهُ لوِ اتخِذَ قبْرُ نبيٍّ، أَوْ قبْرُ رَجُل ٍ صَالِحٍ مَسْجِدًا: لكانَ حَرَامًا باِلاتفاق ِ، كمَا نهَى عَنْهُ ﷺ ، فعُلِمَ أَنَّ العَدَدَ لا أَثرَ له) اه.
стр. 50
فصل في حُكمِ الصَّلاةِ في عُلوِّ المقبَرَةِ، وَبيان ِ أَنهَا باطِلة ٌ، لِتَحَقق ِ العِلةِ وَعُمُوْمِ الأَدِلة
أَمّا الصَّلاة ُ في عُلوِّ المقبَرَةِ، وَعُلوِّ بقِيَّةِ الموَاضِعِ المنْهيِّ عَن ِ الصَّلاةِ فِيْهَا: فقدِ اخْتَلفَ مُحَرِّمُو الصَّلاةِ فِيْهَا في ذلك:
فقالَ مُحَققوْهُمْ: لا فرْقَ بَيْنَ سُفلِهَا وَعُلوِّهَا، لأَنَّ الاسْمَ يتناوَلُ الجمِيْعَ، وَالحكمُ مُعَلقٌ باِلاسْم.
وَقالوْا: وَيَدْخُلُ في كلِّ مَوْضِعٍ مِنْهَا، مَا يَدْخُلُ فِيْهِ مُطلقُ البَيْعِ وَالهِبَةِ مِنْ حُقوْق ٍ، مِنْ سُفلِهِ وَعُلوِّهِ، اعْتِبَارًا بمَا يقعُ عَليْهِ الاسْمُ عِنْدَ الإطلاق ِ، فمَنْ باعَ دَارًا: دَخَلَ في ذلِك َ سُفلهَا وَعُلوُّهَا، لِوُقوْعِ الاسْمِ عَلى الجمِيْعِ عِنْدَ الإطلاق ِ، وَلأَنَّ الحكمَ تَعَبُّدٌ، فيناط ُ بمَا يَدْخُلُ في الاسْم.
ثمَّ قالَ المحَرِّمُوْنَ لِلصَّلاةِ في عُلوِّ المقابرِ: إنْ كانَ قدْ بُنِيَ عَلى المقابرِ:
بناءٌ مَنْهيٌّ عَنْهُ كمَسْجِدٍ،
أَوْ بناءٌ في مَقبَرَةٍ مُسَبَّلةٍ:
كانتِ الصَّلاة ُ في عُلوِّ هَذَيْن ِ المبْنَيَيْن ِ: صَلاة ً مُحَرَّمَة ً غيْرَ صَحِيْحَةٍ، لأَنهُمَا مَوْضِعَان ِ مُحَرَّمَان.
стр. 51
أَمّا الأَوَّلُ: فلأَنهُ صَلى في مَسْجِدٍ في القبوْرِ، وَاتخاذ ٌ لِلقبوْرِ مَسَاجِدَ، وَدُخُوْلٌ في لعْن ِالنَّبيِّ ﷺ أَهْلَ الكِتَابِ عَليْهِ. فإنهُمْ لمّا اتخذُوْا الأَبنِيَة َ عَلى قبوْرِ أَنْبيَائِهمْ وَصَالِحِيْهمْ: لعِنوْا عَلى ذلِك َ، سَوَاءٌ صَلوْا في قرَارِ المبْنَى أَوْ عُلوِّه.
أَمّا الثانِي: فلأَنَّ الصَّلاة َ فِيْهِ صَلاة ٌعَلى مَكان ٍ مَغْصُوْبٍ، وَالخِلافُ في صِحَّةِ الصَّلاةِ في المكان ِ المغْصُوْبِ مَعْلوْمٌ مَشْهُوْرٌ، مَعَ تَحَقق ِ العِلةِ الأُوْلىَ فِيْهِ كذَلِك.
أَمّا إنْ كانَ الميِّتُ مَدْفوْنا في دَارٍ، أَعْلاهَا باق ٍ عَلى الإعْدَادِ لِلسُّكنَى: فذَكرَ بَعْضُ الأَصْحَابِ جَوَازَ الصَّلاةِ فِيْه.
وَالذِي عَليْهِ المحَققوْنَ مِنْ أَهْل ِ العِلمِ، حَنَابلة ً وَغيْرَهُمْ، وَالذِي يَدُلُّ عَليْهِ كلامُ الإمَامِ أَحْمَدَ، وَأَكثرِ أَصْحَابهِ: أَنهُ لا يُصَلى فِيْهِ، لأَنَّ هَذَا البناءَ مَنْهيٌّ عَنْهُ، وَهُوَ تابعٌ لِلقرَارِ في الاسْم.
وَلأَنَّ الصَّلاة َ في عُلوِّ هَذَا المكان ِ باِلنِّسْبةِ إلىَ الميِّتِ، كالصَّلاةِ في أَسْفلِه.
وَلأَنَّ حِكمَة َ النَّهْيِّ عَن ِ الصَّلاةِ عِنْدَ القبْرِ: هُوَ مَا فِيْهِ مِنَ فتْحِ ذرِيْعَةٍ لِلشِّرْكِ، وَمُشابهَةِ أَهْل ِ الكِتَابِ، باِلتَّعْظِيْمِ المفضِي إلىَ اتخاذِ القبوْرِ أَوْثانا.
وَهَذِهِ الحِكمَة ُ مَوْجُوْدَة ٌ باِلصَّلاةِ في قرَارِ الأَبنِيَةِ وَعُلوِّهَا، سَوَاءٌ قصَدَ المصَلي ذلِك َ، أَوْ تشَبَّهَ بمَنْ يَقصِدُ ذلِك َ، وَخِيْفَ أَنْ يَكوْنَ
стр. 52
ذرِيْعَة ً إلىَ ذلك.
وَقدْ ذكرَ ذلِك َ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمية َ في «شَرْحِ العُمْدَةِ»، وَرَجَّحَهُ بمَا سَبَقَ (٢/ ٤٧١ - ٤٧٥).
وَكذَلِك َ الحالُ في كلِّ مَا دَخَلَ في اسْمِ المقبَرَةِ، مِمّا حَوْلَ القبوْرِ: لا يُصَلى فِيْه.
فعَلى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكوْنَ المنْعُ مُتَنَاوِلا ً لِحَرِيْمِ القبْرِ المفرَدِ، وَفِنَائِهِ المضافِ إليْهِ، قالهُ الأَصْحَابُ، وَذكرَهُ وَرَجَّحَهُ شَيْخُ الإسْلامِ في «شَرْحِ العُمْدَةِ» (٢/ ٤٦١).
وَهُوَ الذِي تَدُلُّ عَليْهِ الأَدِلة ُ كمَا سَبَقَ، وَإخْرَاجُ هَذِهِ الموَاضِعِ مِنْ عُمُوْمِ الأَدِلةِ، تَحَكمٌ غيْرُ مَقبوْل.
стр. 53
فصل في حُكمِ الصَّلاةِ إلىَ القبوْر
أَمّا الصَّلاة ُ إلىَ القبْرِ: فصَلاة ٌ مُحَرَّمَة ٌ غيْرُ صَحِيْحَةٍ كذَلِك َ، لِحَدِيْثِ أَبي مَرْثدٍ الغنوِيِّ عَن ِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «لا تُصَلوْا إلىَ القبوْرِ، وَلا تَجْلِسُوْا عَليْهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ في «صَحِيْحِه» (٩٧٢).
وَبهَذَا قالَ كثِيْرٌ مِنَ الأَصْحَابِ، مِنْهُمُ الآمِدِيُّ، وَأَبوْ عَبْدِ اللهِ ابنُ حَامِدٍ، وَأَبوْ محمَّدٍ ابنُ قدَامَة َ، وَشَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمية َ ﵏.
وَذكرَ القاضِي أَبُوْ يَعْلى مُحَمَّدُ بْنُ الحسَين ِ ابْنُ الفرّاءِ البَغدَادِيُّ (ت٤٥٨هـ): أنَّ حُكمَهُ حُكمُ المصَلي فِيْهَا، لأَنَّ الهوَاءَ تابعٌ لِلقرَارِ، فيَثبتُ فِيْهِ حُكمُهُ، وَلِذَلِك َ لوْ حَلفَ لا يدْخُلُ دَارًا، فدَخَلَ سَطحَهَا: حَنِثَ. وَلوْ خَرَجَ المعْتكِفُ إلىَ سَطحِ المسْجِدِ: كانَ لهُ ذلِك َ، لأَنَّ حُكمَهُ حُكمُ المسْجِد) (١).
وَجَوَّزَ بَعْضُ أَهْل ِ العِلمِ الصَّلاة َ في عُلوِّ الموَاضِعِ المنْهيِّ عَنْهَا، وَقالوْا: (الصَّحِيْحُ قصْرُ النَّهْيِّ عَلى مَا تناوَلهُ، وَأَنهُ لا يُعَدَّى إلىَ غيْرِهِ، لأَنَّ الحكمَ إنْ كانَ تَعَبُّدِيًّا: فالقِيَاسُ فِيْهِ مُمْتَنِعٌ، وَإنْ عُللَ: فإنمَا يُعَللُ بكوْنهِ لِلنجَاسَةِ، وَلا يتخيلُ هَذَا في سَطحِهَا). стр. 54
وَكلامُهُمْ هَذَا مَرْدُوْدٌ إنْ أُطلِقَ، فإنهُ لا يَصِحُّ إطلاقهُ إلا َّ عَلى الموَاضِعِ التِي عِلة ُ النَّهْيِّ فِيْهَا النَّجاسَة ُ، مَعَ مَنْعِ جَمَاعَاتٍ مِنْ أَهْل ِ العِلمِ إطلاقهُ فِيْهَا، وإنْ كانتِ العِلة ُ النَّجَاسَة ُ كمَا تقدَّمَ في كلامِ القاضِي وَكلامِ غيْرِه.
إلا َّ أَنهُ لا يَصِحُّ إدْخَالُ عُلوِّ المقبَرَةِ في ذلِك َ البتة َ، لاخْتِلافِ العِلةِ، وَتَحَقق ِ عِلةِ النَّهْيِّ الحقِيْقِيَّةِ عَن ِالصَّلاةِ في المقبَرَةِ في العُلوِّ وَفي السُّفل. وَقدْ قرَّرْنا في فصْل ٍ تقدَّمَ (ص٢٧ - ٤٣): أَنَّ عِلة َ النَّهْيِّ عَن ِ الصَّلاةِ في المقابرِ وَعِنْدَهَا، هُوَ مَا في ذلك مِنْ فتْحِ بَابٍ لِلشِّرْكِ وَذرِيْعَةٍ إليْهِ، وَمَا فِيْهِ مِنْ مُشَابَهَةِ اليَهُوْدِ وَالنَّصَارَى المتخِذِيْنَ قبوْرَ أَنبيَائِهمْ مَسَاجِد.
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمية َفي «شَرْحِ العُمْدَةِ» (٢/ ٤٨٠ - ٤٨١): (وَذهَبَتْ طائِفة ٌ مِنْ أَصْحَابنا إلىَ جَوَازِ الصَّلاةِ إلىَ هَذِهِ الموَاضِعِ مُطلقا - أَي الموَاضِعَ المنْهيَّ عَن ِالصَّلاةِ فِيْهَا- مِنْ غيْرِ كرَاهَةٍ! وَهُوَ قوْلٌ ضَعِيْفٌ، لا يَلِيْقُ باِلمذْهَب.
وَمِنْهُمْ: مَنْ لمْ يَكرَهْ ذلِك َ إلا َّ في القبْرِ خَاصَّة ً، لأَنَّ النَّهْيَ عَن ِ النَّبيِّ ﷺ إنمَا صَحَّ في الصَّلاةِ إلىَ القبوْرِ كمَا تقدَّم.
وَلأَنهَا هِيَ التِي يُخافُ أَنْ تُتَّخذَ أَوْثانا، فالصَّلاة ُ إليْهَا شَبيْهَة ٌ باِلصَّلاةِ بيْنَ يَدَيْ الصَّنَمِ، وَذلِك َ أَعْظمُ مِنَ الصَّلاةِ بَيْنَهَا.
وَلِهَذَا يَكرَهُوْنَ مِنَ الصَّلاةِ إلىَ القبْرِ، مَا لا يَكرَهُوْنهُ مِنَ الصَّلاةِ إلىَ المقبَرَة.
стр. 55
وَهَذِهِ حُجَّة ُ مَنْ رَأَى التَّحْرِيْمَ وَالإبطالَ، مُخْتَصًّا باِلصَّلاةِ إلىَ القبْرِ، وَإنْ كرِهَ الصَّلاة َ إلىَ تِلك َ الأَشْيَاءِ، وَهُوَ قوْلٌ قوِيٌّ جِدًّا، وَقدْ قالهُ كثِيْرٌ مِنْ أَصْحَابنا.
وَوَجْهُ الكرَاهَةِ في الجمِيْعِ: مَا تقدَّمَ عَن ِ الصَّحَابةِ وَالتابعِيْنَ مِنْ غيْرِ خِلافٍ عَلِمْنَاهُ بَيْنَهُمْ، وَلأَنَّ القبوْرَ قدِ اتخِذَتْ أَوْثانا وَعُبدَتْ، وَالصَّلاة ُ إليْهَا يُشبهُ الصَّلاة َ إلىَ الأَوْثان ِ، وَذلِك َ حَرَامٌ، وَإنْ لمْ يقصِدْهُ المرْءُ، وَلِهَذَا لوْ سَجَدَ إلىَ صَنَمٍ بَيْنَ يدَيهِ لمْ يَجُزْ ذلك) اه.
وَقالَ الشَّيْخُ العَلامَة ُ عَبْدُ الرَّحْمَن ِ بْنُ حَسَن ِ بْن ِ مُحَمَّدِ بْن ِ عَبْدِ الوَهّابِ آل الشَّيْخِ ﵏ ُ في «فتْحِ المجِيْدِ» (ص٢٠٧): (قوْلهُ: «وَالذِيْنَ يَتَّخِذُوْنَ القبوْرَ مَسَاجِدَ» أَي: وَإنَّ مِنْ شِرَارِ النّاس ِ الذِيْنَ يَتَّخِذُوْنَ القبوْرَ مََسَاجِدَ، أَي باِلصَّلاةِ عِنْدَهَا وَإليْهَا، وَبناءِ المسَاجِدِ عَليْهَا، وَتقدَّمَ في الأَحَادِيْثِ الصَّحِيْحَةِ أَنَّ هَذَا مِنْ عَمَل ِاليَهُوْدِ وَالنَّصَارَى) اه.
стр. 56
فصل في فسَادِ ظنِّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الفِتْنَة َ قدْ أُمِنَتْ مِنْ تَعْظِيْمِ أَصْحَابِ القبوْرِ، وَتَصْوِيْرِ التَّمَاثِيْلِ، وَبيان ِأَنهَا فِتْنَة ٌ عَمْيَاءُ خَطِيْرَة ٌ لا تؤْمَن
قدْ ظنَّ بَعْضُ مَنْ لمْ يَعْرِفْ مَلة َ إبْرَاهِيْمَ الحنِيْفِيَّة َ حَقَّ المعْرِفةِ (١)
، عَليْهِ وَعَلى نبيِّنَا أَفضَلُ الصَّلاةِ وَالتَّسْلِيْمِ: أَنَّ مَا خَشِيَه ُ النَّبيُّ ﷺ عَلى أُمَّتِهِ مِنْ تَعْظِيْمِ القبوْرِ وَآثارِ الصّالِحِيْنَ، وَتَصْوِيْرِ تمَاثِيْلِهمُ المفضِي إلىَ عِبَادَتِهَا وَعِبَادَتِهمْ: إنمَا كانَ ذلِك َ في أَوَّل ِ الأَمْرِ، لِقرْبِ العَهْدِ بعِبَادَةِ الأَوْثان. أَمّا اليوْمَ: فلا، فقدْ أُمنَتْ هَذِهِ الفِتْنَة! стр. 57
وَهَذَا باطِلٌ، بَلْ إنْ كانَ النَّبيُّ ﷺ قدْ خَشِيَ تِلك َ الفِتْنة َ عَلى أُمَّتِهِ وَصَحَابتهِ، وَهُوَ فِيْهمْ بيْنَ أَظهُرِهِمْ، وَفِيْهمْ أَصْحَابهُ، وَهُمْ حَدِيثو عَهْدٍ باِلوَحْيِّ، وَقدْ ظهرَ التَّوْحِيْدُ وَاسْتَقرَّ، وَزَهَقَ الباطِلُ وَالشِّرْك ُ وَاندَحَرَ: فمَا يُخْشَى عَلى مَنْ بَعْدَهُمْ - بَعْدَ وَفاتِهِ ﷺ ، وَذهَابِ أَصْحَابهِ، وَتصَرُّمِ القرُوْن ِ المفضَّلةِ، وَتخرُّمِ أَئِمَّةِ الإسْلامِ فِيْهَا - لهُوَ أَكثرُ وَأَكبر.
لِهَذَا لمّا حَذَّرَ النَّبيُّ ﷺ أُمَّتَهُ مِنْ فِتْنَةِ المسِيْحِ الدَّجّال ِ، وَبالغَ في التَّحْذِيْرِ حَتَّى قالَ ﷺ : «مَا بَعَثَ الله ُمِنْ نبيٍّ إلا َّ أَنذَرَ أُمَّتَهُ، أَنذَرَهُ نوْحٌ
стр. 58
وَالنَّبيُّوْنَ مِنْ بَعْدِهِ، وَإنهُ يَخْرُجُ فِيْكمْ فمَا خَفِيَ عَليْكمْ مِنْ شَأْنِهِ، فليْسَ يَخْفى عَليْكمْ أَنَّ رَبَّكمْ ليْسَ عَلى مَا يَخْفى عَليْكمْ (ثلاثا).
إنَّ رَبَّكمْ ليْسَ بأِعْوَرَ، وَإنهُ أَعْوَرُ عَيْن ِ اليمْنَى، كأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَة ٌ طافِيَة» رَوَاهُ البُخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (٤٤٠٣)، (٣٠٥٧)، (٣٣٣٧) وَمُسْلِمٌ (١٦٩) مِنْ حَدِيْثِ ابن ِ عُمَرَ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا.
فلمّا حَذَّرَهُمْ ﷺ مِنْهُ، وَخَشِيَ أَصْحَابهُ عَلى أَنفسِهمْ فِتْنَتهُ وَشَرَّهُ: قالَ لهُمْ ﷺ مُطمْئِنًا: «غيْرُ الدَّجّال ِ أَخْوَفنِي عَليْكمْ، فإنْ يخْرُجْ وَأَنا فِيْكمْ فأَنا حَجِيْجُهُ دُوْنكمْ. وَإنْ يَخْرُجْ وَلسْتُ فِيْكمْ، فامْرُؤٌ حَجِيْجُ نفسِهِ، وَالله ُ خَلِيْفتِي عَلى كلِّ مُسْلم.
إنهُ شَابٌّ جَعْدٌ قطط ٌ، عَيْنُهُ طافِيَة ٌ، وَإنهُ يَخْرُجُ مِنْ خلةٍ بينَ الشّامِ وَالعِرَاق ِ، فعاثٍ يَمِيْنًا وَشِمَالا ً، يَا عِبَادَ اللهِ اثبتوْا» رَوَاهُ الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِهِ» (٤/ ١٨١) وَمُسْلِمٌ في «صَحِيْحِهِ» (٢٩٣٧) وَالتِّرْمِذِيُّ (٢٢٤٠) وَأَبوْ دَاوُوْدَ (٤٣٢١) وَابنُ مَاجَهْ (٤٠٧٥) مِنْ حَدِيْثِ النوّاس ِ بْن ِسَمْعَانَ رَضِيَ الله ُ عَنْه.
فخشْيَة ُ النَّبيِّ ﷺ العُظمَى كانتْ عَلى أُمَّتِهِ بَعْدَ وَفاتِهِ ﷺ ، لا في حَيَاتِه. مَعَ أَنَّ الدَّجّالَ يدَّعِي الإلهِيَّة َ! وَدَعْوَاهُ ظاهِرَة ُ البطلان ِ عِنْدَ المؤْمِنِينَ لا رَيْبَ فِي فسَادِهَا عِنْدَهُمْ وَلا شَك ّ.
فإذا كانتْ فِتْنتهُ عَظِيْمَة ً مَعَ ظهُوْرِ فسَادِهَا، فكيْفَ بمَثيْلتِهَا شَرًّا وَخُبْثا، مَعَ خفائِهَا عَلى كثِيرٍ مِنَ المسْلِمِينَ، وَرَوَاجِهَا عِنْدَ طوَائِفَ مِنْهُمْ؟!
стр. 59
وَقدْ خَشِيَ فِتْنَة َ الشِّرْكِ أَنبيَاءُ اللهِ وَرُسُلهُ - صَلوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَليْهمْ- عَلى أَنفسِهمْ، فكيْفَ بمَنْ دُوْنهُمْ؟! قالَ خَلِيْلُ الرَّحْمَن ِ إبْرَاهِيْمُ: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾.
لِهَذَا كانَ يَقوْلُ إبْرَاهِيْمُ التَّيْمِيُّ ﵀ ُ: «مَنْ يَأْمَنُ مِنَ البَلاءِ بَعْدَ خَلِيْل ِاللهِ إبْرَاهِيْمَ حِيْنَ يَقوْلُ: رَبِّ ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾» رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيْرٍ الطبَرِيُّ في «تفسِيْرِه» عِنْدَهَا.
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ في «شَرْحِ العُمْدَةِ» (٢/ ٤٥٢): (وَلعَلَّ بَعْضُ النّاس ِ يُخيَّلُ إليْهِ: أَنَّ ذلِك َ كانَ أَوَّلَ الأَمْرِ، لِقرْبِ العَهْدِ بعِبَادَةِ الأَوْثان ِ، وَأَنَّ هَذِهِ المفسَدَة َ قدْ أُمِنَتِ اليَوْمَ! وَليْسَ الأَمْرُ كمَا تخيَّله.
فإنَّ الشِّرْك َ وَتعَلقَ القلوْبِ بغيرِ اللهِ عِبَادَة ً وَاسْتغاثة ً، غالِبٌ عَلى قلوْبِ النّاس ِ في كلِّ وَقتٍ، إلا َّ مَنْ عَصَمَ الله.
وَالشَّيْطانُ سَرِيْعٌ إلىَ دُعَاءِ النّاس ِ إلىَ ذلِك َ، وَقدْ قالَ الحكِيْمُ الخبيْرُ: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾.
وَقالَ إمَامُ الحنفاءِ: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنْ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ ... وَسَيَعُوْدُ الدِّينُ غرِيبا كمَا بدَأَ، وَيَصِيْرُ الصَّغِيْرُ كبيْرًا، فكيْفَ تؤْمَنُ الفِتْنَة؟! بَلْ هِيَ وَاقِعة ٌ كثِيْرَة.
فهَذِهِ هِيَ العِلة ُ المقصُوْدَة ُ لِصَاحِبِ الشَّرْعِ في النَّهْيِّ عَن ِ الصَّلاةِ في المقبَرَةِ، وَاتخاذِ القبوْرِ مَسَاجِدَ لِمَنْ تأَمَّلَ الأَحَادِيْثَ وَنظرَ فِيْهَا،
стр. 60
وَقدْ نصَّ الشّارِعُ عَلى هَذِهِ العِلةِ كمَا تقدَّم) اه كلامُهُ ﵀.
وَكمَا أَبطلتِ الأَدِلة ُ ظنَّ أُوْلئِك َ الظانيْنَ -لِجَهْلِهمْ- أَمْنَ الفِتْنَةِ: فقدْ أَبطلَ ظنَّهُمْ أَيضًا، حَالُ المسْلِمِيْنَ بَعْدَ وَفاةِ نبيِّهمْ ﷺ ، وَتأَخُّرِ سِنِيِّهمْ.
فوَقعَ كثِيْرٌ مِنْهُمْ فِيْمَا حَذَّرَ مِنْهُ النَّبيُّ ﷺ وَخَشِيَهُ، حَتَّى عَمَّ ذلِك َ كثِيْرًا مِنْ بلادِ المسْلِمِيْنَ، فبُنِيَتِ المشاهِدُ عَلى القبوْرِ، وَعُظمَ مَنْ فِيْهَا مِنْ مَقبُوْرٍ، وَصُرِفتْ لهُ أَنوَاعٌ مِنَ العِبَادَاتِ، فهُمْ يَدْعُوْنهُ! وَيَسْتَغِيْثوْنَ وَيَسْتَشْفِعُوْنَ، وَيتوَسَّلوْنَ إلىَ اللهِ بهِ! وَيطوْفوْنَ حَوْلهُ! وَيَذْبَحُوْنَ وَينْذُرُوْنَ لهُ! وَيَحْلِفوْنَ بهِ! يَرْجُوْنَ رَحْمَتَهُ وَيَخافوْنَ عِقابهُ! حَتَّى أَصْبَحَ الرَّجُلُ لا يكادُ يجدُ في بلادٍ كثِيْرَةٍ مِنْ بلادِ المسْلِمِيْنَ، مَسْجِدًا خالِيًا مِنْ قبْر.
بَلْ بَلغَ الحالُ بكثِيْرٍ مِنْ أَصْحَابهَا: أَنْ حَجُّوْا إليْهَا، وَعَظمُوْا تُرْبتهَا، وَتبرَّكوْا بجَنَبَاتِهَا، وَفضلوْا الصَّلاة َ فِيْهَا عَلى كثِيْرٍ مِنْ بيوْتِ اللهِ الخالِيَةِ مِنْ ذلك.
بَلْ إنَّ حَالَ جَمَاعَاتٍ مِنْهُمْ، يَقتضِي تفضِيْلهَا عَلى المسَاجِدِ الثلاثةِ التِي لا تشَدُّ الرِّحَالُ إلا َّ إليْهَا، فمِنْهُمْ مَنْ يَحُجُّ إليْهَا كلَّ عَامٍ، وَلمْ يَحُجَّ حَجَّة َ الإسْلامِ! أَوْ حَجَّ مَرَّة ً وَكفته. أَمّا مَشَاهِدُ المشْرِكِيْنَ وَمَعَابدُهُمْ حَوْلَ القبوْرِ وَفِيْهَا: فلا تكفِيْهِ فِيْهَا مَرَّة ٌ، عِيَاذاً باِللهِ مِنَ الخذْلان.
وَمِمّا زَادَ مِنْ ضَلال ِهَؤُلاءِ وَإغوَائِهمْ، وَتحَكمِ أَدْوَائِهمْ
стр. 61
بأِبدَانِهمْ: عُلمَاءُ السُّوْءِ، وَشُيُوْخُ الضَّلالةِ، نوّابُ إبْلِيْسَ، وَأَئِمَّة ُ كلِّ مُفلِس ٍ بَئِيْس ٍ، الذِيْنَ زَينوْا لهمْ سُوْءَ أَعْمَالِهمْ، وَقبيْحَ أَفعَالِهمْ.
إمّا تعَبُّدًا مِنْهُمْ للهِ تَعَالىَ بهَذِهِ الأَعْمَال ِ الشِّرْكِيَّةِ، مِنْ جِنْس ِ تعَبُّدِ مُشْرِكِي الجاهِلِيَّة.
وَإمّا تكسُّبًا، وَأَكلا ً لأَمْوَال ِ النّاس ِ باِلبَاطِل ِ، حِيْنَ يبْذُلوْنهَا لِتِلك َ الأَجْدَاثِ، فإذا انصَرَفوْا - مُفلِسِيْنَ مِنْ دِيْنِهمْ وَمِنْ كرَائِمِ أَمْوَالهِمْ - خلصَ أُوْلئِكَ اللصُوْصُ المبْطِلوْنَ إليْهَا، فأَخذُوْهَا وَاسْتَأْثرُوْا بهَا.
стр. 62
فصل في بيان ِ وَاجِبِ المسْلِمِيْنَ تِجَاهَ المشاهِدِ المبْنِيَّةِ عَلى القبور
إذا تقرَّرَ مَا سَبَقَ بدَلِيْلِهِ، وَعَلِمْتَ أَنَّ سَببَ شِرْكِ قوْمِ نوْحٍ وَكثِيْرٍ مِنَ الأُمَمِ بَعْدَهُمْ: هُوَ غلوُّهُمْ في الصّالِحِيْنَ، باِتخاذِهِمْ قبُوْرَهُمْ مَسَاجِدَ، يُصَلوْنَ فِيْهَا وَإليْهَا، أَوْ تَصْوِيْرِ تمَاثِيْلِهمْ مِمّا تقدَّمَ تَفصِيْلهُ، حَتَّى بَالغَ وَشَدَّدَ الشّارِعُ في النَّهْيِّ عَنْ ذلِك َ، وَلعَنَ فاعِلهُ، وَأَغلظ َ في الوَعِيْدِ، وَزَادَ في التَّهْدِيد.
بَلْ بَلغتْ شِدَّة ُ خَطرِهِ إلىَ أَنْ حَذّرَ النَّبيُّ ﷺ أُمَّتَهُ مِنْ ذلِك َ، قبيْلَ وَفاتِهِ بخمْس ِ ليال ٍ وَهُوَ في السِّيَاق ِ، مَعَ مَا كانَ يُعَانِيْهِ ﷺ في تِلك َ الحال ِ، وَكانَ يُوْعَك ُ كمَا يُوْعَك ُ الرَّجُلان ِ مِنْ أُمتِهِ، قالتْ أُمُّ المؤْمِنِيْنَ عَائِشَة ُ رَضِيَ الله ُ عَنْهَا: (لمّا نزِلَ برَسُوْل ِاللهِ ﷺ طفِقَ يَطرَحُ خَمِيْصَة ً لهُ عَلى وَجْههِ، فإذا اغتمَّ بهَا كشفهَا عَنْ وَجْههِ، فقالَ وَهُوَ كذَلِك َ: «لعْنَة ُ اللهِ عَلى الْيَهُوْدِ وَالنَّصَارَى، اتخذُوْا قبوْرَ أَنبيَائِهمْ مَسَاجِد» يحَذِّرُ مَا صَنعُوْا، وَلوْلا ذلِك َ أُبرِزَ قبْرُهُ، غيْرَ أَنهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخذَ مَسْجِدًا) رَوَاهُ البُخارِيُّ فِي «صَحِيْحِهِ» (٤٣٥)، (١٣٣٠)، (١٣٩٠)، (٣٤٥٣)، (٤٤٤١)، (٥٨١٥) ومُسْلِم (٥٣١).
وَعَنْ جُنْدُبِ بْن ِ عَبْدِ اللهِ البجَلِيِّ رَضِيَ الله ُعَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ قبْلَ أَنْ يَمُوْتَ بخمْس ٍ وَهُوَ يَقوْلُ: «إني أَبرَأُ إلى اللهِ أَنْ
стр. 63
يَكوْنَ لِي مِنْكمْ خَلِيْلٌ، فإنَّ الله َ تَعَالىَ قدِ اتخذَني خَلِيْلا ً، كمَا اتخذَ إبْرَاهِيْمَ خَلِيْلا ً، وَلوْ كنتُ مُتخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيْلا ً، لاتخذْتُ أَبا بَكرٍ خَلِيْلا ً، أَلا وَإنَّ مَنْ كانَ قبْلكمْ كانوْا يتخذُوْنَ قبوْرَ أَنْبيَائِهمْ وَصَالِحِيْهمْ مَسَاجِدَ، أَلا فلا تتخِذُوا الْقبُوْرَ مَسَاجِدَ، إني أَنهَاكمْ عَنْ ذلك» رَوَاهُ مُسْلِمٌ في «صَحِيْحِه» (٥٣٢).
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمية َ في «شَرْحِ العُمْدَةِ» (٢/ ٤٤٨ - ٤٤٩): (فإنمَا نهَى عَنْ ذلِك َ، لأَنَّ الصَّلاة َ عِنْدَهَا، وَاتخاذهَا مَسَاجِدَ، ضَرْبٌ مِنْ عِبَادَةِ الأَوْثان ِ، وَسَبَبٌ إليْهِ، لأَنَّ عُبّادَ الأَوْثان ِ مَا كانوْا يقوْلوْنَ: إنَّ تِلك َ الحِجَارَة َ وَالخشَبَ خَلقتْهُمْ! وَإنمَا كانوْا يقوْلوْنَ إنهَا تمَاثِيْلُ أَشْخاص ٍ مُعَظمِيْنَ مِنَ الملائِكةِ أَوِ النُّجُوْمِ أَوِ البشرِ، وَإنهُمْ بعِبادَتِهمْ، يتوَسَّلوْنَ إلىَ الله.
فإذا توَسَّلَ العَبْدُ باِلقبْرِ إلىَ اللهِ: فهُوَ عَابدُ وَثن ٍ، حَتَّى يَعْبُدَ الله َ مُخْلِصًا لهُ الدِّينَ، مِنْ غيْرِ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شُفعَاءَ وَشُرَكاءَ، كمَا أَمَرَ الله ُ تَعَالىَ بذَلِك َ في كِتَابهِ، وَيَعْلمَ أَنهُ ليْسَ مِنْ دُوْن ِ اللهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيْعٌ كمَا أَخْبَرَ تعَالىَ.
وَلهذَا جَمَعَ النَّبيُّ ﷺ بيْنَ مَحْق ِ التَّمَاثِيْل ِ، وَتسْوِيةِ القبوْرِ المشْرِفةِ، إذْ كانَ بكليْهمَا يتوَسَّلُ بعِبَادَةِ البَشَرِ إلىَ الله.
قالَ أَبوْ الهيّاجِ الأَسَدِيُّ: قالَ لِي عَلِيٌّ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ: «أَلا أَبعَثك َ عَلى مَا بعَثنِي عَليْهِ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ ؟ أَلا َّ تدَعَ تِمْثالا ً إلا َّ طمَسْتهُ،
стр. 64
وَلا قبْرًا مُشْرِفا إلا َّ سَوَّيته» رَوَاهُ الجمَاعَة ُ إلا َّ البخارِيَّ وَابْنَ مَاجَهْ (١)) اه.
وَقالَ شَيْخُ الإسْلامِ أَبوْ العَبّاس ِ ابْنُ تَيْمية َ في «اخْتِيَارَاتِهِ» (ص١٣٣): (وَيَحْرُمُ الإسْرَاجُ عَلى القبوْرِ، وَاتّخاذُ المسَاجِدِ عَليْهَا، وَبَيْنَهَا، وَيتعَينُ إزَالتهَا، وَلا أَعْلمُ فِيْهِ خِلافا بَيْنَ العُلمَاءِ المعْرُوْفِين) اه.
وَقالَ أَيضًا ﵀ ُ- كمَا في «مَجْمُوْعِ فتاوَاهُ» (١٧/ ٤٥٤) -: (كذَلِك َ قالَ العُلمَاءُ: يَحْرُمُ بناءُ المسَاجِدِ عَلى القبوْرِ، وَيَجِبُ هَدْمُ كلِّ مَسْجِدٍ بُنيَ عَلى قبر).
وَقالَ العَلامَة ُ أَبوْ عَبْدِ اللهِ ابْنُ قيِّمِ الجوْزِيةِ ﵀ ُ في «إغاثةِ اللهْفان» (١/ ٢٠٩ - ٢١٠): (فمِنَ الأَنْصَابِ: مَا قدْ نصَبهُ الشَّيْطانُ لِلمُشْرِكِيْنَ، مِنْ شَجَرَةٍ، أَوْ عَمُوْدٍ، أَوْ وَثن ٍ، أَوْ قبْرٍ، أَوْ خَشَبَةٍ، أَوْ عَيْن ٍ وَنحْوِ ذلك.
وَالوَاجِبُ: هَدْمُ ذلِك َ كلهِ، وَمَحْوُ أَثرِهِ، كمَا أَمَرَ النَّبيُّ ﷺ عَلِيًّا رَضِيَ الله ُ عَنْهُ بهَدْمِ القبوْرِ المشْرِفةِ وَتَسْوِيَتِهَا باِلأَرْض ِ، كمَا رَوَى مُسْلِمٌ في «صَحِيْحِهِ» (٩٦٩) عَنْ أَبي الهيّاجِ الأَسَدِيِّ قالَ: قالَ لِي عَلِيٌّ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ: «أَلا أَبعَثك َعَلى مَا بَعَثنِي عَليْهِ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : أَنْ لا أَدَعَ تِمْثالا ً إلا َّ طمَسْتهُ، وَلا قبْرًا مُشْرِفا إلا َّ سَوَّيته». стр. 65
وَعَمَّى الصَّحَابة ُبأَمْرِ عُمَرَ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ قبْرَ دَانيالَ وَأَخْفوْهُ عَن ِالنّاس.
وَلما بَلغهُ أَنَّ النّاسَ يَنْتَابوْنَ الشَّجَرَة َ التي بَايَعَ تَحْتَهَا رَسُوْلَ اللهِ ﷺ أَصْحَابهُ: أَرْسَلَ فقطعَهَا.
رَوَاهُ ابْنُ وَضّاحٍ في كِتَابهِ فقالَ: سَمِعْتُ عِيْسَى بْنَ يُوْنسَ يَقوْلُ: «أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الخطابِ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ بقطعِ الشَّجَرَةِ التي بوْيعَ تَحْتَهَا النَّبيُّ ﷺ ، فقطعَهَا، لأَنَّ النّاسَ كانوْا يَذْهَبُوْنَ فيصَلوْنَ تَحْتَهَا، فخافَ عَليْهمُ الفِتْنة».
قالَ عِيْسَى بْنُ يُوْنسَ: «وَهُوَ عِنْدَنا مِنْ حَدِيْثِ ابْن ِ عَوْن ٍ عَنْ نافِعٍ: أَنَّ النّاسَ كانوْا يَأْتوْنَ الشَّجَرَة َ، فقطعَهَا عُمَرُ رَضِيَ الله ُعَنْه» (١) стр. 66
فإذا كانَ هَذَا فِعْلُ عُمَرَ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ باِلشَّجَرَةِ التي ذكرَهَا الله ُ تَعَالىَ في القرْآن ِ، وَبايعَ تَحْتَهَا الصَّحَابة ُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ : فمَاذا حُكمُهُ فِيْمَا عَدَاهَا مِنْ هَذِهِ الأَنْصَابِ وَالأَوْثان ِ، التي قدْ عَظمَتِ الفِتنة ُ بهَا، وَاشْتَدَّتِ البَلِيَّة ُ بهَا.
وَأَبلغُ مِنْ ذلِك َ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ هَدَمَ مَسْجِدَ الضِّرَارِ، ففِي هَذَا دَلِيْلٌ عَلى هَدْمِ مَا هُوَ أَعْظمُ فسَادًا مِنْهُ، كالمسَاجِدِ المبْنِيَّةِ عَلى القبوْر.
فإنَّ حُكمَ الإسْلامِ فِيْهَا: أَنْ تهْدَمَ كلهَا حَتَّى تُسَوَّى باِلأَرْض ِ، وَهِيَ أَوْلىَ باِلهدْمِ مِنْ مَسْجِدِ الضِّرَار.
وَكذَلِك َ القِبَابُ التي عَلى القبوْرِ: يَجِبُ هَدْمُهَا كلهَا، لأَنهَا أُسِّسَتْ عَلى مَعْصِيَةِ الرَّسُوْل ِ ﷺ ، لأَنهُ ﷺ قدْ نهَى عَن ِ البنَاءِ عَلى القبوْرِ كمَا تقدَّم.
فبنَاءٌ أُسِّسَ عَلى مَعْصِيَتِهِ وَمُخالفتِهِ: بناءٌ غيْرُ مُحْتَرَمٍ، وَهُوَ أَوْلىَ باِلهدْمِ مِنْ بناءِ الغاصِبِ قطعًا.
وَقدْ أَمَرَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ بهَدْمِ القبوْرِ المشْرِفةِ كمَا تقدَّم.
فهَدْمُ القِبَابِ وَالبناءِ وَالمسَاجِدِ التي بُنِيَتْ عَليْهَا أَوْلىَ وَأَحْرَى، لأَنهُ ﷺ لعَنَ مُتَّخِذِي المسَاجِدِ عَليْهَا، وَنهَى عَن ِ البناءِ عَليْهَا.
فيَجِبُ المبادَرَة ُ وَالمسَاعَدَة ُ إلىَ هَدْمِ مَا لعَنَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ فاعِلهُ، وَنهَى عَنْه.
وَالله ُ يُقِيْمُ لِدِينِهِ وَسُنةِ رَسُوْلِهِ ﷺ مَنْ يَنْصُرُهُمَا، وَيَذُبُّ عَنْهُمَا، فهُوَ أَشدُّ غيْرَة ً، وَأَسْرَعُ تَغْييْرًا.
стр. 67
وَكذَلِك َ يَجِبُ إزَالة ُ كلِّ قِنْدِيْل ٍ، أَوْ سِرَاجٍ عَلى قبْرٍ وَطفيه. فإنَّ فاعِلَ ذلِك َ مَلعُوْنٌ بلعْنَةِ رَسُوْل ِ اللهِ ﷺ ، وَلا يَصِحُّ هَذَا الوَقفُ، وَلا يَحِلُّ إثباتهُ وَتنْفِيْذُه).
وَقالَ ابْنُ القيِّمِ ﵀ ُ أَيْضًا في «زَادِ المعَادِ» عِنْدَ ذِكرِهِ وَتعْدَادِهِ فوَائِدَ غزْوَةِ تبوْكٍ وَشَيْئًا مِنْ فِقههَا (٣/ ٥٧١ - ٥٧٢) قالَ: (وَمِنْهَا: تَحْرِيْقُ أَمْكِنَةِ المعْصِيَةِ التي يُعْصَى الله ُ وَرَسُوْلهُ ﷺ فِيْهَا وَهَدْمُهَا، كمَا حَرَقَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ مَسْجِدَ الضِّرَارِ، وَأَمَرَ بهَدْمِهِ. وَهُوَ مَسْجِدٌ يُصَلى فِيْهِ، وَيُذْكرُ اسْمُ اللهِ فِيْهِ، لمّا كانَ بناؤُهُ ضِرَارًا، وَتفرِيْقا بَيْنَ المؤْمِنِيْنَ، وَمَأْوَىً لِلمُنَافِقِيْن.
وَكلُّ مَكان ٍ هَذَا شَأْنهُ: فوَاجِبٌ عَلى الإمَامِ تعْطِيْلهُ:
إمّا بهَدْمٍ وَتَحْرِيْق ٍ، وَإمّا بتغْييْرِ صُوْرَتِهِ، وَإخْرَاجِهِ عَمّا وُضِعَ له.
وَإذا كانَ هَذَا شَأْنُ مَسْجِدِ الضِّرَارِ: فمَشَاهِدُ الشِّرْكِ التي تدْعُوْ سَدَنتُهَا إلىَ اتخاذِ مَنْ فِيْهَا أَندَادًا مِنْ دُوْن ِ اللهِ: أَحَقُّ باِلهدْمِ، وَأَوْجَب) اه كلامُه.
إذا عَلِمْتَ ذلِك َ كلهُ: فوَاجِبُ المسْلِمِيْنَ تِجَاهَ هَذِهِ المسَاجِدِ المبنِيَّةِ عَلى قبوْرِ الأَنْبيَاءِ وَالعُلمَاءِ وَالشُّيُوْخِ وَالملوْكِ وَغيْرِهِمْ: أَنْ لا تتخذَ مَسَاجِدَ، بَلْ يُقطعُ ذلِك َ عَنْهَا، إمّا بهَدْمِهَا، أَوْ سَدِّهَا، أَوْ نحْوِ ذلك مِمّا يَمْنَعُ أَنْ تتخذَ مَسْجِدًا.
стр. 68
فصل في بيان ِ تَحْرِيْمِ الوَقفِ لِلمَشاهِدِ وَالنذْرِ لها وَإسْرَاجِهَا
وَكمَا لا تَصِحُّ الصَّلاة ُ مُطلقا في شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ المسَاجِدِ المبْنِيَّةِ عَلى القبوْرِ، أَوْ فِيْهَا شَيْءٌ مِنْهَا: فلا يجُوْزُ الوَقفُ عَليْهَا، وَلا يَصِحُّ، فإنْ أَوْقفَ: لمْ يُعْمَلْ بهِ، وَكانَ الوَاقِفُ آثِمًا.
وَلا يجُوْزُ إسْرَاجُ ضَوْءٍ فِيْهَا، لأَنهُ ﷺ لعَنَ مَنْ يتَّخِذُ القبوْرَ مَسَاجِدَ، وَلعَنَ مَنْ يتَّخِذُ عَليْهَا السُّرُج.
وَقدْ عَدَّ ابنُ حَجَرٍ الهيْتَمِيُّ في «الزَّوَاجِرِ، عَن ِ اقتِرَافِ الكبَائِر» (١/ ٣٢٠): إيْقادَ السُّرُجِ عَلى القبوْرِ مِنَ الكبَائِرِ العِظامِ، وَجَعَلهَا كبيْرَة ً في مَوْضِعَيْن ِ مِنْ كِتَابهِ، فجَعَلهَا الكبيْرَة َ الرَّابعَة َ وَالتِّسْعِيْنَ، ثمَّ أَعَادَهَا (١/ ٣٦١) وَجَعَلهَا الكبيْرَة َ الثّانِيَة َ وَالعِشْرِيْنَ بَعْدَ المِئَة.
وَلا يَصِحُّ النذْرُ لها، بَلْ هُوَ نذْرُ مَعْصِيَةٍ، تجبُ فِيْهِ التوْبة ُ وَالكفارَة ُ، وَكفارَتهُ كفارَة ُ يَمِيْن ٍ، كمَا ثبتَ فِي «صَحِيْحِ البُخارِيِّ» (٦٦٩٦) عَنْ عَائِشَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ نذَرَ أَنْ يُطِيْعَ الله َ فليطِعْهُ، وَمَنْ نذَرَ أَنْ يَعْصِيَ الله َ فلا يَعْصِه».
وَذكرَ هَذَا شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمية َ ﵀ ُ في «شَرْحِ العُمْدَةِ» وَرَجَّحَهُ، وَلا يَسَعُ أَحَدًا خِلافه (٢/ ٤٥٠).
стр. 69
وَقالَ العَلامَة ُ أَبوْ عَبْدِ اللهِ ابْنُ قيِّمِ الجوْزِيةِ في كِتَابهِ «زَادِ المعادِ» (٣/ ٥٧٢) في ذِكرِ فوَائِدِ غزْوَةِ تبوْكٍ: (وَمِنْهَا: أَنَّ الوَقفَ لا يَصِحُّ عَلى غيْرِ برٍّ وَلا قرْبةٍ، كمَا لمْ يَصِحَّ وَقفُ هَذَا المسْجِدِ [يَعْني مَسْجِدَ الضِّرَار].
وَعَلى هَذَا: فيُهْدَمُ المسْجِدُ إذا بُني عَلى قبْرٍ، كمَا يُنْبَشُ الميِّتُ إذا دُفِنَ في المسْجِدِ، نصَّ عَلى ذلِك َ الإمَامُ أَحْمَدُ وَغيْرُه.
فلا يَجْتَمِعُ في دِيْن ِالإسْلامِ مَسْجِدٌ وَقبْرٌ، بَلْ أَيهُمَا طرَأَ عَلى الآخَرِ: مُنِعَ مِنْهُ، وَكانَ الحكمُ لِلسّابق.
وَلوْ وُضِعَا مَعًا: لمْ يَجُزْ.
وَلا يَصِحُّ هَذَا الوَقفُ وَلا يَجُوْز.
وَلا تَصِحُّ الصَّلاة ُ في هَذَا المسْجِدِ، لِنَهْيِّ رَسُوْل ِاللهِ ﷺ عَنْ ذلِك َ، وَلعْنِهِ مَن ِ اتخذَ القبْرَ مَسْجِدًا، أَوْ أَوْقدَ عَليْهِ سِرَاجًا.
فهَذَا دِيْنُ الإسْلامِ الذِي بعَثَ الله ُ بهِ رَسُوْلهُ وَنبيَّهُ ﷺ ، وَغرْبتهُ بيْنَ النّاس ِ كمَا ترَى).
وَقالَ ﵀ ُ أَيْضًا في «إغاثةِ اللهْفان» (١/ ٢١٠): (وَكذَلِك َ يجبُ إزَالة ُ كلِّ قِنْدِيْل ٍ، أَوْ سِرَاجٍ عَلى قبْرٍ وَطفيه. فإنَّ فاعِلَ ذلِك َ مَلعُوْنٌ بلعْنَةِ رَسُوْل ِ اللهِ ﷺ ، وَلا يَصِحُّ هَذَا الوَقفُ، وَلا يحِلُّ إثباتهُ وَتنْفِيْذُه) اه.
стр. 70
وَقالَ الحافِظ ُ العِرَاقِيُّ ﵀ ُ: (وَالظاهِرُ أَنهُ لا فرْقَ (١): فلوْ بَنى مَسْجِدًا يَقصِدُ أَنْ يُدْفنَ في بَعْضِهِ: دَخَلَ في اللعْنَةِ، بَلْ يَحْرُمُ الدَّفنُ في المسْجِد.
وَإنْ شَرَط َ أَنْ يُدْفنَ فِيْهِ: لمْ يَصِحَّ الشَّرْط ُ، لِمُخالفتِهِ وَقفهُ مَسْجِدًا) اه نقلهُ عَنْهُ المنَاوِيُّ في «فيْض ِ القدِيْر» (٥/ ٢٧٤). стр. 71
فصل في بيان ِ ضَلال ِ مَنْ شَدَّ رَحْلهُ إلىَ مَشْهَدٍ أَوْ قبْرٍ، وَتَحْرِيْمِ شَدِّ الرِّحَال ِ إلىَ كلِّ مَسْجِدٍ غيْرِ المسَاجِدِ الثلاثةِ، وَالتَّنْبيْهِ عَلى عِلةِ النَّهْيِّ التي غابَتْ عَنْ كثِيْرٍ مِنْ قاصِرِي العِلمِ وَالمعْرِفة
رَوَى الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِه» (٢/ ٢٣٤)، (٣/ ٣٤) وَالبُخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (١١٨٩)، (١٨٦٤)، (١٩٩٦) وَمُسْلِمٌ في «صَحِيْحِهِ» أَيْضًا (٣٩٧)، (٨٢٧) وَجَمَاعَة ٌ، مِنْ حَدِيْثِ أَبي سَعِيْدٍ الخدْرِيِّ وَأَبي هُرَيْرَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا عَن ِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «لا تشَدُّ الرِّحَالُ إلا َّ إلىَ ثلاثةِ مَسَاجِدَ: المسْجِدِ الحرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُوْل ِ، وَالمسْجِدِ الأَقصَى».
وَفي هَذَا الحدِيْثِ: تَحْرِيْمُ شَدِّ الرِّحَال ِ إلىَ كلِّ مَسْجِدٍ أَوْ بُقعَةٍ يُظنُّ فضْلهَا بعَيْنِهَا، سِوَى هَذِهِ المسَاجِدِ الثلاثةِ، سَوَاءٌ كانتْ تِلك َ البقاعُ مَذْكوْرَة ً بفضْل ٍ أَوْ بَرَكةٍ كالطوْرِ، أَوْ لمْ تذْكرْ، وَسَوَاءٌ كانتْ قبْرَ نبيٍّ مِنَ الأَنبيَاءِ، أَوْ أَثرًا مِنْ آثارِهِ، وَلوْ كانَ قبْرَ نبيِّنَا محمَّدٍ ﷺ .
وَلا شَك َّ أَنَّ زِيَارَة َ القبوْرِ الزِّيارَة َ الشَّرْعِيَّة َ، خَاصة ً قبْرَ نبيِّنَا محمَّدٍ ﷺ : قرْبة ٌ مِنَ القرَبِ، وَطاعَة ٌمِنَ الطاعَات.
إلا َّ أَنَّ ذلِك َ مَشْرُوْط ٌ بعَدَمِ شَدِّ رَحْل ٍ، وَلا إعْمَال ِ مُطِيٍّ، لِلحدِيْثِ السّابق.
فمَنْ شَدَّ رِحَالهُ قاصِدًا المسْجِدَ النَّبَوِيَّ لِلصَّلاةِ فِيْهِ: شُرِعَ لهُ بَعْدَ وُصُوْلِهِ وَسُنَّ، زِيَارَة ُ قبْرِ النَّبيِّ ﷺ ، وَالسَّلامُ عَليْهِ، وَعَلى صَاحِبَيْهِ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا.
стр. 72
أَمّا إنْ كانَ شَدُّهُ لِرَحْلِهِ قاصِدًا القبْرَ الشَّرِيْفَ: فهَذَا آثِمٌ، مُخالِفٌ لِقوْل ِ النَّبيِّ ﷺ ، مُرْتكِبًا لِنَهْيه.
وَمِنَ المعْلوْمِ: أَنَّ كلَّ مَنْ زَارَ المسْجِدَ النَّبَوِيَّ: زَارَ قبْرَ النَّبيِّ ﷺ ، سَوَاءٌ كانَ بَاعِثهُ عَلى السَّفرِ المسْجِدُ أَوِ القبْرُ، إلا َّ أَنَّ الأَوَّلَ مُثابٌ لِمُوَافقتِهِ السُّنَّة َ، وَامْتِثالِهِ أَمْرَ النَّبيِّ ﷺ ، وَالآخرَ آثِمٌ لِمُخالفتِهَا.
وَقدْ سُئِلَ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمية َ عَمَّنْ شَدَّ رَحْلهُ لِزِيَارَةِ شَيْءٍ مِنْ قبوْرِ الأَنبيَاءِ وَالصّالِحِيْنَ، أَيَجُوْزُ لهُ ذلك؟ وَهَلْ لهُ التَّرَخُّصُ برُخص ِ المسَافِرِيْنَ أَوْ لا؟ وَمَاصِحَّة ُ مَا جَاءَ في ذلِك َ مِنْ أَحَادِيْثَ بالمنْعِ أَوِ الإبَاحَة؟
فأَجَابَ ﵀ ُ جَوَابًا وَافِيًا شَافِيًا، هَذَا نصُّهُ:
(الحمْدُ للهِ رَبِّ العَالمِينَ، أَمّا مَنْ سَافرَ لِمُجَرَّدِ زِيَارَةِ قبوْرِ الأَنبيَاءِ وَالصّالِحِينَ، فهَلْ يجُوْزُ لهُ قصْرُ الصَّلاةِ؟ عَلى قوْليْن ِ مَعْرُوْفيْن ِ:
أَحَدُهُمَا - وَهُوَ قوْلُ مُتَقدِّمِي العُلمَاءِ الذِيْنَ لا يُجَوِّزُوْنَ القصْرَ فِي سَفرِ المعْصِيَةِ، كأَبي عَبْدِ اللهِ ابْن ِ بَطة َ، وَأَبي الوَفاءِ ابْن ِ عَقِيْل ٍ، وَطوَائِفَ كثِيْرَةٍ مِنَ العُلمَاءِ المتقدِّمِيْنَ-: أَنهُ لا يَجُوْزُ القصْرُ فِي مِثْل ِ هَذَا السَّفرِ، لأَنهُ سَفرٌ مَنْهيٌّ عَنْه.
وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ: أَنَّ السَّفرَ المنْهيَّ عَنْهُ فِي الشَّرِيْعَةِ لا يُقصَرُ فِيْه.
وَالقوْلُ الثانِي: أَنهُ يَقصِرُ، وَهَذَا يَقوْلهُ مَنْ يُجَوِّزُ القصْرَ فِي السَّفرِ المحَرَّمِ، كأَبي حَنِيْفة.
стр. 73
وَيقوْلهُ بَعْضُ المتأَخِّرِيْنَ مِنْ أَصْحَابِ الشّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، مِمَّنْ يُجَوِّزُ السَّفرَ لِزِيَارَةِ قبوْرِ الأَنبياءِ وَالصّالِحِيْنَ، كأَبي حَامِدٍ الغزّالِيِّ، وَأَبي الحسَن ِ ابْن ِعَبْدُوْس ٍ الحرّانِيِّ، وَأَبي مُحَمَّدٍ ابْن ِ قدَامة َالمقدِسِيّ.
وَهَؤُلاءِ يَقوْلوْنَ: إنَّ هَذَا السَّفرَ ليْسَ بمُحَرَّمٍ، لِعُمُوْمِ قوْلِهِ ﷺ : «زُوْرُوْا القبوْر» (١).
وَقدْ يَحْتَجُّ بَعْضُ مَنْ لا يَعْرِفُ الحدِيْثَ باِلأَحَادِيْثِ المرْوِيةِ فِي زِيارَةِ قبْرِ النَّبيِّ ﷺ ، كقوْلِهِ «مَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَمَاتِي: فكأَنمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي» رَوَاهُ الدّارَقطنِيّ (٢/ ٢٧٨).
وَأَمّا مَا ذكرَهُ بَعْضُ النّاس ِ مِنْ قوْلِهِ: «مَنْ حَجَّ وَلمْ يَزُرْنِي: فقدْ جَفانِي»: فهَذَا لمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِن العُلمَاء.
وَهُوَ مِثْلُ قوْلِهِ ﷺ : «مَنْ زَارَنِي وَزَارَ أَبي إبْرَاهِيْمَ فِي عَامٍ وَاحِدٍ: ضَمِنْتُ لهُ عَلى اللهِ الجنة».
فإنَّ هَذَا أَيضًا باتفاق ِ العُلمَاءِ: لمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ، وَلمْ يَحْتَجَّ بهِ أَحَدٌ، وَإنمَا يَحْتَجُّ بَعْضُهُمْ بحدِيْثِ الدّارَقطنِيِّ وَنَحْوِه.
وَقدِ احْتَجَّ أَبوْ مُحَمَّدٍ المقدِسِيُّ (٢) عَلى جَوَازِ السَّفرِ لِزِيارَةِ стр. 74
القبورِ، بأَنهُ ﷺ كانَ يَزُوْرُ مَسْجِدَ قباء (١).
وَأَجَابَ عَنْ حَدِيثِ «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ» بأَنَّ ذلك مَحْمُوْلٌ عَلى نفي الاسْتِحْبَاب. стр. 75
وَأَمّا الأَوَّلوْنَ فإنهُمْ يَحْتَجُّوْنَ بمَا فِي «الصَّحِيحَيْن» ِ عَن ِ النَّبيِّ ﷺ أَنهُ قالَ: «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلا َّ إلىَ ثلاثةِ مَسَاجِدَ: المسْجدِ الحرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالمسْجدِ الأَقصَى».
وَهَذَا الحدِيْثُ مِمَّا اتفقَ الأَئِمَّة ُ عَلى صِحَّتِهِ وَالعَمَل ِ به.
فلوْ نذَرَ الرَّجُلُ أَنْ يَشُدَّ الرَّحْلَ، لِيُصَليَ بمَسْجدٍ، أَوْ مَشْهَدٍ، أَوْ يَعْتَكِفَ فِيْهِ، أَوْ يُسَافِرَ إليْهِ غيْرَ هَذِهِ الثلاثةِ: لمْ يَجِبْ عَليْهِ ذلِك َ باتفاق ِ الأَئِمَّة.
وَلوْ نذَرَ أَنْ يُسَافِرَ وَيَأْتِيَ المسْجدَ الحرَامَ، لِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ: وَجَبَ عَليْهِ ذلِك َ باتفاق ِ العُلمَاء.
وَلوْ نذَرَ أَنْ يَأْتِيَ مَسْجِدَ النَّبيِّ ﷺ ، أَوْ المسْجِدَ الأَقصَى، لِصَلاةٍ أَوِ اعْتِكافٍ: وَجَبَ عَليْهِ الوَفاءُ بهَذَا النَّذْرِ عِنْد مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قوْليْهِ وَأَحْمَدَ. وَلمْ يَجِبْ عَليْهِ عِنْدَ أَبي حَنِيْفة َ، لأَنهُ لا يَجِبُ عِنْدَهُ بالنَّذْرِ إلا َّ مَا كانَ جِنْسُهُ وَاجِبًا باِلشَّرْع.
أَمّا الجمْهُورُ فيوجِبُوْنَ الوَفاءَ بكلِّ طاعَةٍ، كمَا ثبتَ فِي «صَحِيْحِ البُخارِيِّ» (٦٦٩٦) عَنْ عَائِشَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ نذَرَ أَنْ يُطِيْعَ الله َ فليطِعْهُ، وَمَنْ نذَرَ أَنْ يَعْصِيَ الله َ فلا يَعْصِه». وَالسَّفرُ إلىَ المسْجِدَيْن ِ طاعَة ٌ: فلِهَذَا وَجَبَ الوَفاءُ به.
وَأَمّا السَّفرُ إلىَ بُقعَةٍ غيْرَ المسَاجِدِ الثلاثةِ: فلمْ يُوْجِبْ أَحَدٌ مِنَ العُلمَاءِ السَّفرَ إليْهِ إذا نذَرَهُ، حَتَّى نصَّ العُلمَاءُ عَلى أَنهُ لا يُسَافرُ إلىَ مَسْجِدِ
следующие страницы →