Полный текст (373 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
فصل في بيان ِ ضَلال ِ مَنْ شَدَّ رَحْلهُ إلىَ مَشْهَدٍ أَوْ قبْرٍ، وَتَحْرِيْمِ شَدِّ الرِّحَال ِ إلىَ كلِّ مَسْجِدٍ غيْرِ المسَاجِدِ الثلاثةِ، وَالتَّنْبيْهِ عَلى عِلةِ النَّهْيِّ التي غابَتْ عَنْ كثِيْرٍ مِنْ قاصِرِي العِلمِ وَالمعْرِفة
رَوَى الإمَامُ أَحْمَدُ في «مُسْنَدِه» (٢/ ٢٣٤)، (٣/ ٣٤) وَالبُخارِيُّ في «صَحِيْحِهِ» (١١٨٩)، (١٨٦٤)، (١٩٩٦) وَمُسْلِمٌ في «صَحِيْحِهِ» أَيْضًا (٣٩٧)، (٨٢٧) وَجَمَاعَة ٌ، مِنْ حَدِيْثِ أَبي سَعِيْدٍ الخدْرِيِّ وَأَبي هُرَيْرَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا عَن ِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «لا تشَدُّ الرِّحَالُ إلا َّ إلىَ ثلاثةِ مَسَاجِدَ: المسْجِدِ الحرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُوْل ِ، وَالمسْجِدِ الأَقصَى».
وَفي هَذَا الحدِيْثِ: تَحْرِيْمُ شَدِّ الرِّحَال ِ إلىَ كلِّ مَسْجِدٍ أَوْ بُقعَةٍ يُظنُّ فضْلهَا بعَيْنِهَا، سِوَى هَذِهِ المسَاجِدِ الثلاثةِ، سَوَاءٌ كانتْ تِلك َ البقاعُ مَذْكوْرَة ً بفضْل ٍ أَوْ بَرَكةٍ كالطوْرِ، أَوْ لمْ تذْكرْ، وَسَوَاءٌ كانتْ قبْرَ نبيٍّ مِنَ الأَنبيَاءِ، أَوْ أَثرًا مِنْ آثارِهِ، وَلوْ كانَ قبْرَ نبيِّنَا محمَّدٍ ﷺ .
وَلا شَك َّ أَنَّ زِيَارَة َ القبوْرِ الزِّيارَة َ الشَّرْعِيَّة َ، خَاصة ً قبْرَ نبيِّنَا محمَّدٍ ﷺ : قرْبة ٌ مِنَ القرَبِ، وَطاعَة ٌمِنَ الطاعَات.
إلا َّ أَنَّ ذلِك َ مَشْرُوْط ٌ بعَدَمِ شَدِّ رَحْل ٍ، وَلا إعْمَال ِ مُطِيٍّ، لِلحدِيْثِ السّابق.
فمَنْ شَدَّ رِحَالهُ قاصِدًا المسْجِدَ النَّبَوِيَّ لِلصَّلاةِ فِيْهِ: شُرِعَ لهُ بَعْدَ وُصُوْلِهِ وَسُنَّ، زِيَارَة ُ قبْرِ النَّبيِّ ﷺ ، وَالسَّلامُ عَليْهِ، وَعَلى صَاحِبَيْهِ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا.
стр. 72
أَمّا إنْ كانَ شَدُّهُ لِرَحْلِهِ قاصِدًا القبْرَ الشَّرِيْفَ: فهَذَا آثِمٌ، مُخالِفٌ لِقوْل ِ النَّبيِّ ﷺ ، مُرْتكِبًا لِنَهْيه.
وَمِنَ المعْلوْمِ: أَنَّ كلَّ مَنْ زَارَ المسْجِدَ النَّبَوِيَّ: زَارَ قبْرَ النَّبيِّ ﷺ ، سَوَاءٌ كانَ بَاعِثهُ عَلى السَّفرِ المسْجِدُ أَوِ القبْرُ، إلا َّ أَنَّ الأَوَّلَ مُثابٌ لِمُوَافقتِهِ السُّنَّة َ، وَامْتِثالِهِ أَمْرَ النَّبيِّ ﷺ ، وَالآخرَ آثِمٌ لِمُخالفتِهَا.
وَقدْ سُئِلَ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمية َ عَمَّنْ شَدَّ رَحْلهُ لِزِيَارَةِ شَيْءٍ مِنْ قبوْرِ الأَنبيَاءِ وَالصّالِحِيْنَ، أَيَجُوْزُ لهُ ذلك؟ وَهَلْ لهُ التَّرَخُّصُ برُخص ِ المسَافِرِيْنَ أَوْ لا؟ وَمَاصِحَّة ُ مَا جَاءَ في ذلِك َ مِنْ أَحَادِيْثَ بالمنْعِ أَوِ الإبَاحَة؟
فأَجَابَ ﵀ ُ جَوَابًا وَافِيًا شَافِيًا، هَذَا نصُّهُ:
(الحمْدُ للهِ رَبِّ العَالمِينَ، أَمّا مَنْ سَافرَ لِمُجَرَّدِ زِيَارَةِ قبوْرِ الأَنبيَاءِ وَالصّالِحِينَ، فهَلْ يجُوْزُ لهُ قصْرُ الصَّلاةِ؟ عَلى قوْليْن ِ مَعْرُوْفيْن ِ:
أَحَدُهُمَا - وَهُوَ قوْلُ مُتَقدِّمِي العُلمَاءِ الذِيْنَ لا يُجَوِّزُوْنَ القصْرَ فِي سَفرِ المعْصِيَةِ، كأَبي عَبْدِ اللهِ ابْن ِ بَطة َ، وَأَبي الوَفاءِ ابْن ِ عَقِيْل ٍ، وَطوَائِفَ كثِيْرَةٍ مِنَ العُلمَاءِ المتقدِّمِيْنَ-: أَنهُ لا يَجُوْزُ القصْرُ فِي مِثْل ِ هَذَا السَّفرِ، لأَنهُ سَفرٌ مَنْهيٌّ عَنْه.
وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ: أَنَّ السَّفرَ المنْهيَّ عَنْهُ فِي الشَّرِيْعَةِ لا يُقصَرُ فِيْه.
وَالقوْلُ الثانِي: أَنهُ يَقصِرُ، وَهَذَا يَقوْلهُ مَنْ يُجَوِّزُ القصْرَ فِي السَّفرِ المحَرَّمِ، كأَبي حَنِيْفة.
стр. 73
وَيقوْلهُ بَعْضُ المتأَخِّرِيْنَ مِنْ أَصْحَابِ الشّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، مِمَّنْ يُجَوِّزُ السَّفرَ لِزِيَارَةِ قبوْرِ الأَنبياءِ وَالصّالِحِيْنَ، كأَبي حَامِدٍ الغزّالِيِّ، وَأَبي الحسَن ِ ابْن ِعَبْدُوْس ٍ الحرّانِيِّ، وَأَبي مُحَمَّدٍ ابْن ِ قدَامة َالمقدِسِيّ.
وَهَؤُلاءِ يَقوْلوْنَ: إنَّ هَذَا السَّفرَ ليْسَ بمُحَرَّمٍ، لِعُمُوْمِ قوْلِهِ ﷺ : «زُوْرُوْا القبوْر» (١).
وَقدْ يَحْتَجُّ بَعْضُ مَنْ لا يَعْرِفُ الحدِيْثَ باِلأَحَادِيْثِ المرْوِيةِ فِي زِيارَةِ قبْرِ النَّبيِّ ﷺ ، كقوْلِهِ «مَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَمَاتِي: فكأَنمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي» رَوَاهُ الدّارَقطنِيّ (٢/ ٢٧٨).
وَأَمّا مَا ذكرَهُ بَعْضُ النّاس ِ مِنْ قوْلِهِ: «مَنْ حَجَّ وَلمْ يَزُرْنِي: فقدْ جَفانِي»: فهَذَا لمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِن العُلمَاء.
وَهُوَ مِثْلُ قوْلِهِ ﷺ : «مَنْ زَارَنِي وَزَارَ أَبي إبْرَاهِيْمَ فِي عَامٍ وَاحِدٍ: ضَمِنْتُ لهُ عَلى اللهِ الجنة».
فإنَّ هَذَا أَيضًا باتفاق ِ العُلمَاءِ: لمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ، وَلمْ يَحْتَجَّ بهِ أَحَدٌ، وَإنمَا يَحْتَجُّ بَعْضُهُمْ بحدِيْثِ الدّارَقطنِيِّ وَنَحْوِه.
وَقدِ احْتَجَّ أَبوْ مُحَمَّدٍ المقدِسِيُّ (٢) عَلى جَوَازِ السَّفرِ لِزِيارَةِ стр. 74
القبورِ، بأَنهُ ﷺ كانَ يَزُوْرُ مَسْجِدَ قباء (١).
وَأَجَابَ عَنْ حَدِيثِ «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ» بأَنَّ ذلك مَحْمُوْلٌ عَلى نفي الاسْتِحْبَاب. стр. 75
وَأَمّا الأَوَّلوْنَ فإنهُمْ يَحْتَجُّوْنَ بمَا فِي «الصَّحِيحَيْن» ِ عَن ِ النَّبيِّ ﷺ أَنهُ قالَ: «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلا َّ إلىَ ثلاثةِ مَسَاجِدَ: المسْجدِ الحرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالمسْجدِ الأَقصَى».
وَهَذَا الحدِيْثُ مِمَّا اتفقَ الأَئِمَّة ُ عَلى صِحَّتِهِ وَالعَمَل ِ به.
فلوْ نذَرَ الرَّجُلُ أَنْ يَشُدَّ الرَّحْلَ، لِيُصَليَ بمَسْجدٍ، أَوْ مَشْهَدٍ، أَوْ يَعْتَكِفَ فِيْهِ، أَوْ يُسَافِرَ إليْهِ غيْرَ هَذِهِ الثلاثةِ: لمْ يَجِبْ عَليْهِ ذلِك َ باتفاق ِ الأَئِمَّة.
وَلوْ نذَرَ أَنْ يُسَافِرَ وَيَأْتِيَ المسْجدَ الحرَامَ، لِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ: وَجَبَ عَليْهِ ذلِك َ باتفاق ِ العُلمَاء.
وَلوْ نذَرَ أَنْ يَأْتِيَ مَسْجِدَ النَّبيِّ ﷺ ، أَوْ المسْجِدَ الأَقصَى، لِصَلاةٍ أَوِ اعْتِكافٍ: وَجَبَ عَليْهِ الوَفاءُ بهَذَا النَّذْرِ عِنْد مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قوْليْهِ وَأَحْمَدَ. وَلمْ يَجِبْ عَليْهِ عِنْدَ أَبي حَنِيْفة َ، لأَنهُ لا يَجِبُ عِنْدَهُ بالنَّذْرِ إلا َّ مَا كانَ جِنْسُهُ وَاجِبًا باِلشَّرْع.
أَمّا الجمْهُورُ فيوجِبُوْنَ الوَفاءَ بكلِّ طاعَةٍ، كمَا ثبتَ فِي «صَحِيْحِ البُخارِيِّ» (٦٦٩٦) عَنْ عَائِشَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ نذَرَ أَنْ يُطِيْعَ الله َ فليطِعْهُ، وَمَنْ نذَرَ أَنْ يَعْصِيَ الله َ فلا يَعْصِه». وَالسَّفرُ إلىَ المسْجِدَيْن ِ طاعَة ٌ: فلِهَذَا وَجَبَ الوَفاءُ به.
وَأَمّا السَّفرُ إلىَ بُقعَةٍ غيْرَ المسَاجِدِ الثلاثةِ: فلمْ يُوْجِبْ أَحَدٌ مِنَ العُلمَاءِ السَّفرَ إليْهِ إذا نذَرَهُ، حَتَّى نصَّ العُلمَاءُ عَلى أَنهُ لا يُسَافرُ إلىَ مَسْجِدِ
стр. 76
قباءَ، لأَنهُ ليْسَ مِنَ المسَاجِدِ الثلاثةِ.
مَعَ أَنّ مَسْجِدَ قباءَ يُسْتحَبُّ زِيارَتهُ لِمَنْ كانَ فِي المدِيْنَةِ ; لأَنَّ ذلِك َ ليْسَ بشَدِّ رَحْل ٍ كمَا فِي الحدِيْثِ الصَّحِيْحِ: «مَنْ تطهَّرَ فِي بَيْتهِ، ثمَّ أَتى مَسْجِدَ قباءَ، لا يرِيدُ إلا َّ الصَّلاة َ فِيْهِ، كانَ كعُمْرَة» (١).
قالوْا: وَلأَنَّ السَّفرَ إلىَ زِيَارَةِ قبوْرِ الأَنبياءِ وَالصّالِحِيْنَ بدْعَة ٌ، لمْ يَفعَلهَا أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابةِ وَلا التّابعِيْنَ، وَلا أَمَرَ بهَا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ ، وَلا اسْتَحَبَّ ذلِك َ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ المسْلِمِيْن.
فمَن ِ اعْتَقدَ ذلِك َ عِبَادَة ً وَفعَلهُ: فهُوَ مُخالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَلإجْمَاعِ الأَئِمَّة.
وَهَذَا مِمَّا ذكرَهُ أَبوْ عَبْدِ اللهِ ابْنُ بَطة َ فِي «الإبانةِ الصُّغْرَى» (ص٨٩) مِنَ البدَعِ المخالِفةِ لِلسُّنَّةِ وَالإجْمَاع.
وَبهَذَا يَظهَرُ بُطلانُ حُجَّةِ أَبي مُحَمَّدٍ المقدِسِيِّ، لأَنَّ زِيَارَة َ النَّبيِّ ﷺ لِمَسْجِدِ قباءَ، لمْ تَكنْ بشَدِّ رَحْل ٍ، وَهُوَ يُسَلمُ لهُمْ أَنَّ السَّفرَ إليْهِ لا يَجِبُ بالنذْر.
وَقوْلهُ بأَنَّ الحدِيْثَ الذِي مَضْمُونهُ «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ»، مَحْمُوْلٌ عَلى نفي الاسْتِحْبَابِ: يجَابُ عَنْهُ بوَجْهَيْن ِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا تَسْلِيْمٌ مِنْهُ أَنَّ هَذَا السَّفرَ ليْسَ بعَمَل ٍ صَالِحٍ، وَلا قرْبةٍ، وَلا طاعَةٍ، وَلا هُوَ مِنَ الحسَنات. стр. 77
فإذنْ مَن ِ اعْتَقدَ أَنَّ السَّفرَ لِزِيَارَةِ قبوْرِ الأَنبياءِ وَالصّالِحِينَ قرْبة ٌ، وَعِبَادَة ٌ، وَطاعَة ٌ: فقدْ خَالفَ الإجْمَاع.
وَإِذا سَافرَ لاعْتِقادِ أَنَّ ذلِك َ طاعَة ٌ: كانَ ذلك مُحَرَّمًا بإجْمَاعِ المسْلِمِين.
فصَارَ التَّحْرِيْمُ مِنْ جهةِ اتخاذِهِ قرْبة ً، وَمَعْلومٌ أَنَّ أَحَدًا لا يُسَافِرُ إليْهَا إلا َّ لِذَلِك.
وَأَمّا إذا نذَرَ الرَّجُلُ أَنْ يُسَافِرَ إليْهَا لِغرَض ٍ مُبَاحٍ: فهَذَا جَائِزٌ، وَليْسَ مِنْ هَذَا الباب.
الوَجْهُ الثانِي: أَنَّ هَذَا الحدِيْثَ يَقتضِي النَّهْيَ، وَالنَّهْيُ يَقتضِي التَّحْرِيْم.
وَمَا ذكرُوْهُ مِنَ الأَحَادِيْثِ فِي زِيارَةِ قبْرِ النَّبيِّ ﷺ : فكلهَا ضَعِيْفة ٌ، باِتفاق ِ أَهْل ِ العِلمِ باِلأَحَادِيْث.
بَلْ هِيَ مَوْضُوْعَة ٌ، لمْ يَرْوِ أَحَدٌ مِنْ أَهْل ِ السُّنَن ِ المعْتَمَدَةِ شَيْئًا مِنْهَا، وَلمْ يَحْتَجَّ أَحَدٌ مِنَ الأَئِمَّةِ بشَيْءٍ مِنْهَا.
بَلْ مَالِك ٌ- إمَامُ أَهْل ِ المدِيْنَةِ النبَوِيةِ، الذِيْنَ هُمْ أَعْلمُ النّاس ِ بحُكمِ هَذِهِ المسْأَلةِ -: كرِهَ أَنْ يَقوْلَ الرَّجُلُ: «زُرْتُ قبْرَهُ ﷺ ».
وَلوْ كانَ هَذَا اللفظ ُ مَعْرُوْفا عِنْدَهُمْ، أَوْ مَشْرُوْعًا، أَوْ مَأْثوْرًا عَن ِ النَّبيِّ ﷺ : لمْ يَكرَهْهُ عَالِمُ أَهْل ِ المدِينة.
وَالإمَامُ أَحْمَدُ أَعْلمُ النّاس ِ فِي زَمَانِهِ باِلسُّنَّةِ: لمَّا سُئِلَ عَنْ ذلِك َ، لمْ يَكنْ عِنْدَهُ مَا يَعْتَمِدُ عَليْهِ فِي ذلِك َ مِنَ الأَحَادِيْثِ إلا َّ حَدِيْثُ أَبي هُرَيرَة َ
стр. 78
رَضِيَ الله ُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: «مَا مِنْ رَجُل ٍ يُسَلمُ عَليَّ إلا َّ رَدَّ الله ُ عَليَّ رُوْحِي حَتَّى أَرُدَّ ﵇»، وَعَلى هَذَا اعْتَمَدَ أَبوْ دَاوُوْدَ في «سُنَنِه» (٢٠٤١).
وَكذَلِك َ مَالِك ٌ فِي «الموَطإ»: رَوَى عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن ِ عُمَرَ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا: أَنهُ كانَ إذا دَخَلَ المسْجِدَ قالَ: «السَّلامُ عَليْك َ يَا رَسُوْلَ اللهِ، السَّلامُ عَليْك َ يَا أَبا بَكرٍ، السَّلامُ عَليْك َ يا أَبةِ» ثمَّ يَنْصَرِف.
وَفي «سُنَن ِ أَبي دَاوُوْدَ» (٢٠٤١) عَن ِ النَّبيِّ ﷺ أَنهُ قالَ: «لا تتخِذُوْا قبْرِي عِيْدًا، وَصَلوْا عَليَّ فإنَّ صَلاتكمْ تبْلغنِي حَيْثمَا كنتمْ».
وَفِي «سُنَن ِسَعِيْدِ بْن ِ مَنْصُوْرٍ»: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ حَسَن ِ بْن ِ حَسَن ِ بْن ِ عَلِيِّ بْن ِ أَبي طالِبٍ رَأَى رَجُلا ً يَخْتَلِفُ إلىَ قبْرِ النَّبيِّ ﷺ ، وَيَدْعُوْ عِنْدَهُ فقالَ: (يَا هَذَا! إنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا تَتَّخِذُوْا قبْرِي عِيْدًا، وَصَلوْا عَليَّ، فإنَّ صَلاتَكمْ حَيْثمَا كنتمْ تبْلغنِي» فمَا أَنتَ وَرَجُلٌ باِلأَندَلس ِ مِنْهُ إلا َّ سَوَاء).
وَفِي «الصَّحِيْحَيْنِ» عَنْ عَائِشَة َرَضِيَ الله ُ عَنْهَا: عَن ِ النَّبيِّ ﷺ أَنهُ قالَ فِي مَرَض ِ مَوْتِهِ: «لعَنَ الله ُ اليَهُوْدَ وَالنَّصَارَى، اتخذُوْا قبوْرَ أَنبيائِهمْ مَسَاجِدَ» يُحَذِّرُ مَا فعَلوْا، وَلوْلا ذلِك َ لأُبرِزَ قبْرُهُ، وَلكِنْ كرِهَ أَنْ يُتَّخذَ مَسْجِدًا [خ (٤٣٥) م (٥٣١)].
وَهُمْ دَفنوْهُ ﷺ فِي حُجْرَةِ عَائِشَة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهَا خِلافَ مَا اعْتَادُوْهُ مِنَ الدَّفن ِ فِي الصَّحْرَاءِ، لِئَلا ّ يصَليَ أَحَدٌ عِنْدَ قبْرِهِ وَيتخِذَهُ مَسْجِدًا، فيتخذَ قبْرُهُ وَثنًا.
стр. 79
وَكانَ الصَّحَابة ُ وَالتّابعُوْنَ - لمّا كانتِ الحجْرَة ُ النَّبَوِيَّة ُ مُنْفصِلة ً عَن ِ المسْجِدِ إلىَ زَمَن ِ الوَلِيْدِ بْن ِعَبْدِ الملِكِ (ت٩٦هـ) -: لا يَدْخُلُ أَحَدٌ إليْهِ، لا لِصَلاةٍ هُنَاك َ، وَلا تمَسُّحٍ باِلقبرِ، وَلا دُعَاءٍ هُنَاك َ، بَلْ هَذَا جَمِيْعُهُ إنمَا كانوْا يَفعَلوْنهُ فِي المسْجد.
وَكانَ السَّلفُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتّابعِينَ إذا سَلمُوْا عَلى النَّبيِّ ﷺ ، وَأَرَادُوْا الدُّعَاءَ: دَعَوْا مُسْتَقبلِي القِبْلةِ، وَلمْ يَسْتَقبلوْا القبْر.
وَأَمّا الوُقوْفُ لِلسَّلامِ عَليْهِ صَلوَاتُ اللهِ عَليْهِ وَسَلامُهُ: فقالَ أَبوْ حَنِيْفة َ: «يَسْتَقبلُ القِبْلة َ أَيضًا، وَلا يَسْتَقبلُ القبرَ».
وَقالَ أَكثرُ الأَئِمَّةِ: «بَلْ يَسْتَقبلُ القبْرَ عِنْدَ السَّلامِ خَاصَّة».
وَلمْ يَقلْ أَحَدٌ مِنَ الأَئِمَّةِ: «إنهُ يَسْتَقبلُ القبْرَ عِنْدَ الدُّعَاء».
وَليْسَ فِي ذلِك َ إلا َّ حِكاية ٌ مَكذُوبة ٌ، ترْوَى عَنْ مَالِكٍ، وَمَذْهَبُهُ بخِلافِهَا.
وَاتفقَ الأَئِمَّة ُ عَلى أَنهُ لا يَتَمَسَّحُ بقبْرِ النَّبيِّ ﷺ ، وَلا يُقبله.
وَهَذَا كلهُ مُحَافظة ٌ عَلى التَّوْحِيْدِ، فإنَّ مِنْ أُصُوْل ِ الشِّرْكِ باِللهِ: اتخاذَ القبوْرِ مَسَاجِدَ، كمَا قالَ طائِفة ٌ مِنَ السَّلفِ فِي قوْلِهِ تَعَالىَ: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾.
قالوْا: «هَؤُلاءِ كانوْا قوْمًا صَالِحِينَ فِي قوْمِ نوْحٍ، فلمّا مَاتوْا عَكفوْا عَلى قبوْرِهِمْ، ثمَّ صَوَّرُوْا عَلى صُوَرِهِمْ تمَاثِيْلَ، ثمَّ طالَ عَليْهمُ الأَمَدُ فعَبَدُوْهَا».
стр. 80
وَقدْ ذكرَ البُخارِيُّ فِي «صَحِيْحِهِ» (٤٩٢٠) هَذَا المعْنَى عَن ِ ابْن ِ عَبّاس.
وَذكرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطبَرِيُّ وَغيْرُهُ فِي «التَّفسِيرِ» عَنْ غيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلف.
وَذكرَهُ وَثِيْمَة ُ وَغيْرُهُ فِي «قصَص ِ الأَنبياءِ» مِنْ عِدَّةِ طرُق.
وَقدْ بَسَطتُ الكلامَ عَلى أُصُوْل ِ هَذِهِ المسَائِل ِ فِي غيْرِ هَذَا الموْضِع.
وَأَوَّلُ مَنْ وَضَعَ هَذِهِ الأَحَادِيْثَ فِي السَّفرِ لِزِيَارَةِ المشَاهِدِ التي عَلى القبوْرِ: أَهْلُ البدَعِ مِنَ الرّافِضَةِ وَنحْوِهِمْ، الذِيْنَ يُعَطلوْنَ المسَاجِدَ، وَيُعَظمُوْنَ المشَاهِدَ، يَدَعُوْنَ بيوْتَ اللهِ التي أَمَرَ أَنْ يُذْكرَ فِيْهَا اسْمُهُ، وَيُعْبَدَ وَحْدَهُ لا شَرِيْك َ لهُ، وَيُعَظمُوْنَ المشَاهِدَ التي يُشْرَك ُ فِيْهَا، وَيُكذَبُ، وَيُبْتَدَعُ فِيْهَا دِيْنٌ لمْ يُنَزِّل ِ الله ُ بهِ سُلطانا.
فإنَّ الكِتَابَ وَالسُّنَّة َ، إنمَا فِيْهمَا ذِكرُ المسَاجِدِ دُوْنَ المشَاهِدِ، كمَا قالَ تَعَالىَ: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.
وَقالَ تَعَالىَ: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾.
وَقالَ تَعَالىَ: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾.
وَقالَ تَعَالىَ: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾.
وَقالَ تَعَالىَ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾.
стр. 81
وَقدْ ثبتَ عَنْهُ ﷺ في «الصَّحِيْحِ»: أَنهُ كانَ يَقوْلُ: «إنَّ مَنْ كانَ قبْلكمْ، كانوْا يَتَّخِذُوْنَ القبوْرَ مَسَاجِدَ، أَلا فلا تَتَّخِذُوْا القبوْرَ مَسَاجِدَ، فإني أَنهَاكمْ عَنْ ذلك»، وَالله ُ أَعْلم) اه كلامُ شَيْخِ الإسْلامِ ﵀.
فصل وَكانتْ فتْوَاهُ هَذِهِ نَحْوَ سَنَةِ (٧٠٩هـ) وَبَعْدَ سِنِينَ: أَنكرَ فتيَاهُ هَذِهِ جَمَاعَة ٌ مِنْ أَهْل ِ البدَعِ سَنَة َ (٧٢٦هـ)، وَحَصَلَ لهُ ﵀ ُ بسَببهَا، مِحَنٌ عَظِيْمَة ٌ، وَضَجَّ المبطِلوْنَ مِنْهَا، وَشَرِقوْا بهَا، وَلمْ يَسْتَطِيْعُوْا دَفعَهَا، فكذَبوْا عَليْهِ، وَحَرَّفوْا مُرَادَهُ، لِينفرُوْا النّاسَ مِنْهُ، وَيَحْمِلوْا بذَلِك َ عَليْهِ، وَزَعَمُوْا أَنهُ يُحَرِّمُ زِيَارَة َ قبْرِ النَّبيِّ ﷺ مُطلقا، وَمَزَاعِمَ أُخْرَى كاذِبة ً، وَكتبُوْا إلىَ السُّلطان ِ بذَلِك َ، فحَبسَهُ سُلطانُ مِصْرَ بقلعَةِ دِمَشْقَ، بكتَابٍ وَرَدَ مِنْهُ في شَهْرِ شَعْبَانَ سنة (٧٢٦هـ).
قالَ الحافِظُ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدِ بْن ِعَبْدِ الهادِي المقدِسِيُّ (ت٧٤٤هـ) في «العُقوْدِ الدُّرِّيةِ» بَعْدَ أَنْ سَاقَ هَذِهِ الفتْيَا كامِلة ً (ص٣٣٠ - ٣٤١): (هَذَا آخِرُ مَا أَجَابَ بهِ شَيْخُ الإسْلامِ، وَالله ُ أَعْلم.
وَلهُ مِنَ الكلامِ في مِثْل ِ هَذَا كثِيرٌ كمَا أَشَارَ إليْهِ في الجوَاب.
وَلمّا ظفِرُوْا في دِمَشْقَ بهَذَا الجوَابِ: كتبوْهُ وَبعَثوْا بهِ إلىَ الدِّيارِ المِصْرِيةِ، وَكتبَ عَليْهِ قاضِي الشّافِعِيَّةِ: «قابلتُ الجوَابَ عَنْ
стр. 82
هَذَا السُّؤَال ِ المكتوْبِ عَلى خَط ِّ ابْن ِ تَيْمية َ فصَحَّ».
إلىَ أَنْ قالَ: «وَإنمَا المخزِي جَعْلهُ: زِيَارَة َ قبْرِ النَّبيِّ ﷺ وَقبوْرِ الأَنْبيَاءِ رِضْوَانُ اللهِ تَعَالىَ عَليْهمْ أَجْمَعِيْنَ مَعْصِيَة ً باِلإجْمَاعِ، مَقطوْعًا بهَا» هَذَا كلامُه.
فانْظرْ إلىَ هَذَا التَّحْرِيْفِ عَلى شَيْخِ الإسْلامِ، وَالجوَابُ ليْسَ فِيْهِ المنْعُ مِنْ زِيَارَةِ قبوْرِ الأَنْبيَاءِ وَالصّالِحِينَ، وَإنمَا ذكرَ فِيْهِ قوْليْن ِ: في شَدِّ الرَّحْل ِ، وَالسَّفرِ إلىَ مُجَرَّدِ زِيَارَةِ القبُوْر.
وَزِيَارَة ُ القبُوْرِ مِنْ غيْرِ شَدِّ رَحْل ٍ إليْهَا مَسْأَلة ٌ، وَشَدُّ الرَّحْل ِ لِمُجَرَّدِ الزِّيارَةِ مَسْأَلة ٌ أُخْرَى.
وَالشَّيْخُ لا يَمْنَعُ الزِّيارَة َ الخالِية َ عَنْ شَدِّ رَحْل ٍ، بَلْ يَسْتَحِبُّهَا وَيَنْدُبُ إليْهَا. وَكتبُهُ وَمَنَاسِكهُ تَشْهَدُ بذَلِك َ، وَلمْ يَتَعَرَّض ِ الشَّيْخُ إلىَ هَذِهِ الزِّيارَةِ فِي الفتْيَا، وَلا قالَ: «إنهَا مَعْصِيَة ٌ»، وَلا حَكى الإجْمَاعَ عَلى المنْعِ مِنْهَا، وَالله ُسُبْحَانهُ وَتعَالىَ لا تَخْفى عَليْهِ خَافِيَة.
وَلمّا وَصَلَ خَط ُّ القاضِي المذْكوْرِ إلىَ الدِّيارِ المِصْرِيَّةِ: كثرَ الكلامُ، وَعَظمَتِ الفِتْنَة ُ، وَطلِبَ القضَاة ُ بهَا، فاجْتَمَعُوْا وَتكلمُوْا، وَأَشارَ بَعْضُهُمْ بحَبْس ِ الشَّيْخِ، فرَسَمَ السُّلطانُ بهِ، وَجَرَى مَا تقدَّمَ ذِكرُه.
ثمَّ جَرَى بَعْدَ ذلِك َ أُمُوْرٌ عَلى القائِمِيْنَ في هَذِهِ القضِيَّةِ، لا يُمْكِنُ ذِكرُهَا في هَذَا الموْضِع.
стр. 83
وَقدْ وَصَلَ مَا أَجَابَ بهِ الشَّيْخُ فِي هَذِهِ المسْأَلةِ إلىَ عُلمَاءِ بَغْدَادَ، فقامُوْا في الانْتِصَارِ لهُ، وَكتبُوْا بمُوَافقتِهِ، وَرَأَيتُ خُطوْطهُمْ بذَلِك َ، وَهَذَا صُوْرَة ُ مَا كتبوْا) ثمَّ أَوْرَدَهَا ابنُ عَبْدِ الهادِي ﵀ ُ، وَرَحِمَهُمْ.
وَذكرَ الحافِظ ُ عَلمُ الدِّيْن ِ أَبوْ مُحَمَّدٍ القاسِمُ بنُ مُحَمَّدِ بن ِ يُوْسُفَ البرْزَالِيُّ (ت٧٣٩ هـ) في «تارِيْخِهِ»: أَنَّ شَيْخَ الإسْلامِ اعْتقِلَ بقلعَةِ دِمَشْقَ، عَصْرَ الاثنيْن ِ سَادِسَ عَشْرَ شَعْبَانَ سَنَة َ (٧٢٦هـ).
ثمَّ قالَ: (وَفي يَوْمِ الجمْعَةِ عَاشِرِ الشَّهْرِ المذْكوْرِ: قرِئَ بجَامِعِ دِمَشْقَ الكِتَابُ السُّلطانِيُّ، الوَارِدُ باِعْتِقالِهِ وَمَنْعِهِ مِنَ الفتيا.
وَهَذِهِ الوَاقِعَة ُ سَببهَا: فتيا وُجِدَتْ بخطهِ في السَّفرِ وَإعْمَال ِ المطِيِّ إلىَ زِيارَةِ قبوْرِ الأَنبيَاءِ عَليْهمُ الصَّلاة ُ وَالسَّلامُ، وَقبوْرِ الصّالحِيْن) اه مِنَ «البدَايَةِ وَالنِّهَايَة» (١٤/ ١٠٧).
وَقالَ الحافِظ ُ العِمَادُ ابْنُ كثِيْرٍ في «البدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ» (١٤/ ١٠٨) في حَوَادِثِ سَنَةِ (٧٢٦هـ): (ثمَّ يَوْمَ الخمِيْس ِ [١١/ ١١/٧٢٦هـ] دَخَلَ القاضِي جَمَالُ الدِّين ِابنُ جملة َ، وَناصِرُ الدِّين ِ مَشَدُّ الأَوْقافِ، وَسَأَلاهُ عَنْ مَضْمُوْن ِ قوْلِهِ في مَسْأَلةِ الزِّيارَة. فكتَبَ ذلِك َ في دَرْجٍ، وَكتبَ تَحْتَهُ قاضِي الشّافِعِيَّةِ بدِمَشْقَ: «قابَلتُ الجوَابَ عَنْ هَذَا السُّؤَال ِ المكتوْبِ عَلى خَطِّ ابْن ِ تَيْمية َ» إلىَ أَنْ قالَ: «وَإنمَا المخزِي جَعْلهُ زِيارَة َ قبْرِ النَّبيِّ ﷺ وَقبوْرِ الأَنبيَاءِ صَلوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَليْهمْ مَعْصِيَة ً باِلإجْمَاعِ، مَقطوْعًا بهَا».
стр. 84
قالَ ابْنُ كثِيْرٍ بَعْدَهُ: (فانظرْ الآنَ هَذَا التَّحْرِيْفَ عَلى شَيْخِ الإسْلامِ، فإنَّ جَوَابهُ عَلى هَذِهِ المسْأَلةِ، ليْسَ فِيْهِ مَنْعُ زِيَارَةِ قبوْرِ الأَنبيَاءِ وَالصّالحِيْنَ، وَإنمَا فِيْهِ ذِكرُ قوْليْن ِ في شَدِّ الرَّحْل ِ، وَالسَّفرِ إلىَ مُجَرَّدِ زِيارَةِ القبوْر. وَزِيارَة ُ القبوْرِ مِنْ غيْرِ شَدِّ رَحْل ٍ إليْهَا مَسْأَلة ٌ، وَشَدُّ الرَّحْل ِ لِمُجَرَّدِ الزِّيارَةِ، مَسْأَلة ٌ أُخْرَى.
وَالشَّيْخُ لمْ يَمْنَعِ الزِّيارَة َ الخالِيَة َ عَنْ شَدِّ رَحْل ٍ، بَلْ يَسْتَحِبُّهَا وَيَنْدُبُ إليْهَا، وَكتبهُ وَمَنَاسِكهُ تَشْهَدُ بذَلِك َ، وَلمْ يتعَرَّضْ إلىَ هَذِهِ الزِّيارَةِ في هَذَا الوَجْهِ مِنَ الفتْيَا، وَلا قالَ «إنهَا مَعْصِيَة ٌ»، وَلا حَكى الإجْمَاعَ عَلى المنْعِ مِنْهَا، وَلا هُوَ جَاهِلٌ قوْلَ الرَّسُوْل ِ ﷺ «زُوْرُوْا القبوْرَ فإنهَا تذَكرُكمُ الآخِرَة»، وَالله ُ سُبْحَانهُ لا يَخْفى عَليْهِ شَيْءٌ، وَلا يَخْفى عَليْهِ خَافِيَة ٌ، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾) اه.
فصل وَقدِ انْتَصَرَ لِشَيْخِ الإسْلامِ ﵀ ُ ، وَذبَّ عَنْهُ، وَبَيَّنَ مُرَادَهُ، وَرَجَّحَهُ وَأَظهَرَهُ: جَمَاعَاتٌ مِنْ أَهْل ِ العِلمِ مِنْ أَرْبابِ المذَاهِبِ كافة ً، وَعَلى رَأْسِهمْ عُلمَاءُ بَغْدَاد.
وَضَلَّ آخَرُوْنَ عَنْ عِلةِ نهْيِّ النَّبيِّ ﷺ وَضَابطِهِ في شَدِّ الرِّحَال ِ إلىَ غيْرِ المسَاجِدِ الثلاثةِ: فعَارَضُوْهُ - مَعَ أَنهُ في «الصَّحِيْحَيْن» - بإجْمَاعِ العُلمَاءِ عَلى جَوَازِ شَدِّ الرِّحَال ِ إلىَ الثغوْرِ، وَطلبِ العِلمِ،
стр. 85
وَالتِّجارَةِ، وَزِيارَةِ الأَرْحَامِ، وَغيْرِ ذلِك َ مِمّا هُوَ مَشْرُوْعٌ، أَوْ صَرَفوْا مَعْنَاهُ عَنْ حَقِيْقتِهِ بصَوَارِفَ غيْرَ صَحِيْحَةٍ، وَعَمُوْا عَنْ سَببِ الحكمِ وَعِلتِه.
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ مُبَيِّنًا العِلة َ الصَّحِيْحَة َ المعْتَبرَة َ في ذلِك َ، وَرَادًّا عَلى أُوْلئِك َ المتوَهِّمِيْنَ - كمَا في «مَجْمُوْعِ الفتاوَى» - (٢٧/ ٢٤٩ - ٢٥٠): (فالمسَافِرُ إلىَ الثغوْرِ، أَوْ طلبِ العِلمِ، أَوِ التجَارَةِ، أَوْ زِيَارَةِ قرِيبهِ: ليْسَ مَقصُوْدُهُ مَكانا مُعَيَّنًا إلا َّ باِلعَرَض ِ، إذا عَرَفَ أَنَّ مَقصُوْدَهُ فِيْهِ، وَلوْ كانَ مَقصُوْدُهُ في غيْرِهِ لذَهَبَ إليْه.
فالسَّفرُ إلىَ مِثْل ِ هَذَا، لمْ يَدْخُلْ في الحدِيْثِ باِتفاق ِ العُلمَاءِ، وَإنمَا دَخَلَ فِيْهِ مَنْ يُسَافِرُ لِمَكان ٍ مُعَيَّن ٍ، لِفضِيْلةِ ذلِك َ بعَيْنِهِ، كالذِي يُسَافِرُ إلىَ المسَاجِدِ وَآثارِ الأَنْبيَاءِ، كالطوْرِ الذِي كلمَ الله ُ عَليْهِ مُوْسَى، وَغارِ حِرَاءَ ... وَمَا هُوَ دُوْنَ ذلِك َ مِنَ الغارَاتِ وَالجِبَال) اه كلامُهُ ﵀.
وَقالَ آخَرُوْنَ: (قوْلُ النَّبيِّ ﷺ «إلا َّ إلىَ ثلاثةِ مَسَاجِدَ»: اسْتثناءٌ مُفرَّغٌ، وَالتَّقدِيْرُ فِيْهِ: «إلىَ مَسْجِدٍ» أَي: لا تشدُّ الرِّحَالُ إلىَ مَسْجِدٍ إلا َّ إلىَ المسَاجِدِ الثلاثة.
فأَجَازُوْا كلَّ سَفرٍ - وَإنْ كانَ سَفرًا لِبُقعَةٍ فاضِلةٍ، أَوْ يُزْعَمُ فضْلهَا، أَوْ قبْرٍ وَغيْرِهِ - وَلمْ يَمْنَعُوْا إلا َّ مَنْ سَافرَ لِمَسْجِدٍ غيْرَ هَذِهِ الثلاثةِ، وَجَعَلوْا ذلِك َ هُوَ الضّابط َ! وَهَذَا غيْرُ صَحِيْح.
стр. 86
وَلوْ سَلمْنَا لهمْ ذلِك َ، وَجَعَلنَا التَّقدِيْرَ في ذلِك َ الاسْتِثْنَاءِ المفرَّغِ: «إلىَ مَسْجِدٍ»: لكانَ النَّهْيُ عَن ِ السَّفرِ إلىَ مَسْجِدٍ غيْرِ الثلاثةِ باِللفظِ، وَعَنْ سَائِرِ البقاعِ وَالأَمَاكِن ِ التي يعْتقدُ فضْلهَا باِلتَّنْبيْه وَالفحْوَى، وَطرِيْق ِ الأَوْلىَ.
فإنَّ المسَاجِدَ وَالعِبَادَة َ فِيْهَا، أَحَبُّ إلىَ اللهِ مِنَ العِبَادَةِ في تِلك َ البقاعِ باِلنَّصِّ وَالإجْمَاع.
فإذا كانَ السَّفرُ إلىَ البقاعِ الفاضِلة - باِلنَّصِّ وَالإجْمَاعِ-: قدْ نهيَ عَنْهُ: فالسَّفرُ إلىَ المفضُوْلةِ أَوْلىَ باِلتَّحْرِيْمِ وَأَحْرَى.
وَالصَّوَابُ: أَنَّ التَّقدِيْرَ في هَذَا الاسْتِثْنَاءِ هُوَ: «إلىَ بُقعَةٍ وَمَكان ٍ يُظنُّ فضْلهُ» أَي: لا تشدُّ الرِّحَالُ إلىَ بُقعَةٍ يُظنُّ فضْلهَا، إلا َّ إلىَ ثلاثةِ مَسَاجِد.
وَعَلى كِلا التقدِيْرَيْن ِ في هَذَا الاسْتِثْنَاءِ: يَحْرُمُ شَدُّ الرِّحَال ِ، إلا َّ إلىَ ثلاثةِ مَسَاجِد.
إذا تقرَّرَ هَذَا الحكمُ وَاسْتقرَّ: عَلِمْتَ أَنَّ شَدَّ الرِّحَال ِ إلىَ قبوْرِ الأَوْلِيَاءِ وَالصّالِحِيْنَ: مُنْكرٌ عَظِيْمٌ، وَإثمٌ جَسِيْمٌ، وَضَلالة ٌ عَمْيَاءُ، وَجَهَالة ٌ جَهْلاء.
وَأَنَّ ذلِك َ المسَافرَ قدْ سَافرَ مَأْزُوْرًا في سَفرِ مَعْصِيَةٍ، لا يَجُوْزُ لهُ فِيْهِ الجمْعُ وَلا القصْرُ، وَلا التَّرَخُّصُ برُخص ِ المسَافِرِيْن.
стр. 87
فإنْ كانَ صَائِمًا: لمْ يَجُزْ لهُ الإفطارُ، وَإنْ كانَ مُصَليًا: لمْ تصِحَّ صَلاتهُ إلا َّ باِلإتمَام.
ثمَّ إذا عَلِمْتَ أَنَّ كلَّ شَادِّ رَحْل ٍ وَمُسَافِرٍ إلىَ تِلك َ المشَاهِدِ وَالقبوْرِ: لمْ يُسَافرْ لها، إلا َّ لأَجْل ِ الصَّلاةِ عِنْدَهَا، رَجَاءَ بَرَكةِ بقعَتِهَا: عَلِمْتَ أَنَّ أُوْلئِك َ المسَافِرِيْنَ، قدْ بَلغوْا في الضَّلال ِ مَبْلغا عَظِيْمًا.
بَلْ لا يَخْلو أُوْلئِك َ المسَافِرُوْنَ المرْتحِلوْنَ إلىَ القبوْرِ، مِنْ دُعَاءِ أُوْلئِك َ المقبُوْرِيْنَ، وَالاسْتِغاثةِ بهمْ، وَرَجَاءِ نفعِهمْ، وَغيْرِ ذلِك َ مِمّا هُوَ شِرْك ٌ وَكفرٌ باِللهِ مُخْرِجٌ مِنَ المِلةِ، لا يَقبَلُ الله ُ مِنْ فاعِلهِ عَدْلا ً وَلا صَرْفا.
فهَذَا البابُ الذِي خَشِيَ النَّبيُّ ﷺ عَلى أُمَّتِهِ مِنْهُ قدْ فتِحَ، وَهَذَا نهْيُهُ ﷺ عَن ِ اتخاذِهَا مَسَاجِدَ قدْ أُوْتِيَ: فكانَ ذرِيْعَة ً إلىَ إشْرَاكِهمْ باِللهِ وَكفرِهِمْ، كمَا كانَ ذرِيْعَة ً لِشِرْكِ الأُمَمِ قبْلهُمْ.
стр. 88
فصل في بيان ِحَال ِالأَحَادِيْثِ المرْوِيَّةِ في فضْل ِ زِيَارَةِ قبْرِ النَّبيِّ ﷺ ، وَأَنهَا مَوْضُوْعَة ٌ، مَعَ كوْن ِ زِيَارَةِ قبْرِهِ ﷺ قرْبَة ً مِنَ القرَبِ، وَطاعَة ً مِنَ الطاعَاتِ، بشَرْطِ أَنْ لا يَكوْنَ ذلِك َ بشَدِّ رَحْل ٍ إليْه
أَمّا مَا يَحْتَجُّ بهِ بَعْضُ المبْطِليْنَ، مِمّا يُرْوَى في هَذَا البابِ مِنْ أَحَادِيْثَ، كحَدِيْثِ «مَنْ حَجَّ وَلمْ يَزُرْنِي: فقدْ جَفانِي»، وَحَدِيْثِ «مَنْ زَارَنِي وَزَارَ أَبي فِي عَامٍ وَاحِدٍ: ضَمِنْتُ لهُ عَلى اللهِ الجنة»: فليْسَ لهمْ حُجَّة ٌ في شَيْءٍ مِنْهُ، وَكلُّ مَا في هَذَا البابِ، مَوْضُوْعٌ لا يَصِحُّ، ولا يُحْتَجُّ بمِثلِه.
وَقدْ جَمَعَهَا الحافِظ ُ محمَّدُ بْنُ أَحْمَدِ بْن ِعَبْدِ الهادِي المقدِسِيُّ ﵀ ُ في كِتَابهِ «الصّارِمِ المنْكِي، في الرَّدِّ عَلى السُّبْكِيّ»، وَتكلمَ فِيْهِ عَلى كلِّ حَدِيْثٍ بمَا يَشْفِي وَيَكفِي، وَبَيَّنَ أَنهَا جَمِيْعًا بَاطِلة ٌ لا تَصِحّ.
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمية َ ﵀ ُ (٢٧/ ٢١٦):
(وَقدْ يَحْتَجُّ بَعْضُ مَنْ لا يَعْرِفُ الحدِيْثَ، باِلأَحَادِيْثِ المرْوِيَّةِ في زِيَارَةِ قبْرِ النَّبيِّ ﷺ كقوْلِهِ: «مَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَمَاتِي: فكأَنما زَارَنِي فِي حَيَاتِي» رَوَاهُ الدَّارَقطنيّ (٢/ ٢٧٨).
وَأَمّا مَا ذكرَهُ بَعْضُ النّاس ِ مِنْ قوْلِهِ: «مَنْ حَجَّ وَلمْ يَزُرْنِي: فقدْ جَفانِي»: فهَذَا لمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنَ العُلمَاء.
стр. 89
وَهُوَ مِثْلُ قوْلِهِ: «مَنْ زَارَنِي وَزَارَ أَبي فِي عَامٍ وَاحِدٍ: ضَمِنْتُ لهُ عَلى اللهِ الجنة».
فإنَّ هَذَا أَيْضًا بَاطِلٌ باِتفاق ِ العُلمَاءِ، وَلمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ، وَلمْ يَحْتَجَّ بهِ أَحَدٌ، وَإنمَا يَحْتَجُّ بَعْضُهُمْ بحدِيثِ الدَّارَقطنيّ.
ثمَّ قالَ ﵀ ُ (٢٧/ ٢١٦ - ٢١٩):
(وَلكِنَّ هَذَا وَإنْ كانَ لمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنَ العُلمَاءِ فِي كتبِ الفِقهِ وَالحدِيْثِ، لا مُحْتَجًّا وَلا مُعْتَضِدًا بهِ، وَإنْ ذكرَهُ بَعْضُ المتأَخِّرِيْنَ: فقدْ رَوَاهُ أَبوْ أَحْمَدَ ابْنُ عَدِيٍّ فِي «كِتَابِ الضُّعَفاءِ» (٨/ ٢٤٨) لِيبيِّنَ ضَعْفَ رِوَايتِه.
فذَكرَهُ بحدِيْثِ النُّعْمَان ِ بْن ِشِبْل ٍالبَاهِلِيِّ البَصْرِيِّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نافِعٍ عَن ِ ابْن ِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: «مَنْ حَجَّ وَلمْ يَزُرْنِي: فقدْ جَفانِي» قالَ ابْنُ عَدِيٍّ (٨/ ٢٤٩): «لمْ يَرْوِهِ عَنْ مَالِكٍ غيْرُ هَذَا!».
يَعْنِي: وَقدْ عُلِمَ أَنهُ ليْسَ مِنْ حَدِيْثِ مَالِكٍ، فعُلِمَ أَنَّ الآفة َ مِنْ جِهَتِه.
قالَ يُوْنسُ بْنُ هَارُوْنَ: «كانَ النُّعْمَانُ هَذَا مُتَّهَمًا».
وَقالَ أَبوْ حَاتِمٍ ابْنُ حِبّانَ: «يأْتِي مِنَ الثقاتِ باِلطامّات».
وَقدْ ذكرَ أَبوْ الفرَجِ ابْنُ الجوْزِيُّ هَذَا الحدِيْثَ في «الموْضُوْعَاتِ» (٢/ ٢١٧)، وَرَوَاهُ مِنْ طرِيْق ِ أَبي حَاتِمٍ ابْن ِ حِبّانَ: «حَدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ عُبيْدٍ حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْن ِ النُّعْمَان ِ بْن ِ شِبْل ٍ حَدَّثنا جَدِّي عَنْ مَالِك».
стр. 90
ثمَّ قالَ أَبو الفرَجِ (٢/ ٢١٧): «قالَ أَبوْ حَاتِمٍ: النُّعْمَانُ يَأْتِي عَن ِ الثقاتِ باِلطامّات. وَقالَ الدَّارَقطنيُّ: الطعْنُ في هَذَا الحدِيْثِ مِنْ مُحَمَّدِ بْن ِ مُحَمَّدٍ، لا مِنْ نُعْمَان» اه.
وَأَمّا الحدِيْثُ الآخَرُ: «مَنْ زَارَنِي وَزَارَ أَبي في عَامٍ وَاحِدٍ: ضَمِنْتُ لهُ عَلى اللهِ الجنَّة»: فهَذَا ليْسَ في شَيْءٍ مِن الكتبِ، لا بإسْنَادٍ مَوْضُوْعٍ، وَلا غيْرِ مَوْضُوْع.
وَقدْ قِيْلَ: إنَّ هَذَا لمْ يُسْمَعْ في الإسْلامِ، حَتَّى فتحَ المسْلِمُوْنَ بَيْتَ المقدِس ِ، فِي زَمَن ِ صَلاحِ الدِّين (ت٥٨٩هـ).
فلِهَذَا لمْ يَذْكرْ أَحَدٌ مِنَ العُلمَاءِ لا هَذَا وَلا هَذَا، لا عَلى سَبيْل ِ الاعْتِضَادِ، وَلا عَلى سَبيْل ِ الاعْتِمَاد.
بخِلافِ الحدِيْثِ الذِي قدْ تقدَّمَ: فإنهُ قدْ ذكرَهُ جَمَاعَة ٌ وَرَوَوْهُ، وَهُوَ مَعْرُوْفٌ مِنْ حَدِيْثِ حَفص ِ بْن ِ سُليْمَانَ الغاضِرِيِّ - صَاحِبِ عَاصِمٍ - عَنْ ليْثِ بْن ِ أَبي سُليْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَن ِ ابْن ِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ حَجَّ فزَارَنِي بَعْدَ مَوْتِي: كانَ كمَنْ زَارَنِي فِي حَيَاتِي» (١).
وَقدِ اتفقَ أَهْلُ العِلمِ باِلحدِيْثِ عَلى الطعْن ِ في حَدِيْثِ حَفص ٍ هَذَا دُوْنَ قِرَاءَتِه. стр. 91
قالَ البَيْهَقِيُّ فِي «شُعَبِ الإيْمَان» (٣/ ٤٨٩): «رَوَى حَفصُ بْنُ أَبي دَاوُوْدَ - وَهُوَ ضَعِيْفٌ - عَنْ ليْثِ بْن ِ أَبي سُليْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَن ِ ابْن ِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ حَجَّ فزَارَنِي بَعْدَ مَوْتِي: كانَ كمَنْ زَارَنِي فِي حَيَاتِي».
قالَ يَحْيَى بْنُ مَعِيْن ٍ عَنْ حَفص ٍ هَذَا: «ليْسَ بثقةٍ، وَهُوَ أَصَحُّ قِرَاءَة ً مِنْ أَبي بَكرٍ ابْن ِ عَيّاش ٍ، وَأَبوْ بَكرٍ أَوْثقُ مِنْه».
وَفي رِوَايةٍ عَنْهُ: «كانَ حَفصٌ أَقرَأَ مِنْ أَبي بَكرٍ، وَكانَ أَبوْ بَكرٍ صَدُوْقا، وَكانَ حَفصٌ كذّابا».
وَقالَ البُخارِيُّ: «ترَكوْه».
وَقالَ مُسْلِمُ بْنُ الحجّاجِ: «مترُوْك».
وَقالَ عَلِيُّ بْنُ المدِيْنِيِّ: «ضَعِيْفُ الحدِيْثِ، ترَكتهُ عَلى عَمْد».
وَقالَ النَّسَائِيُّ: «ليْسَ بثقةٍ، وَلا يُكتَبُ حَدِيْثه» وَقالَ مَرَّة ً: «مَتْرُوْك».
وَقالَ صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ البَغدَادِيُّ: «لا يُكتَبُ حَدِيْثهُ، وَأَحَادِيْثهُ كلهَا مَنَاكِيْر».
وَقالَ أَبوْ زُرْعَة َ: «ضَعِيْفُ الحدِيْث».
وَقالَ أَبوْ حَاتِمٍ الرّازِيُّ: «لا يُكتَبُ حَدِيْثهُ، وَهُوَ ضَعِيْفُ الحدِيْثِ لا يَصْدُقُ، مترُوْك ُ الحدِيْث».
وَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَن ِ ابْنُ خِرَاش ٍ: «هُوَ كذّابٌ مترُوْك ٌ يَضَعُ الحدِيْث».
وَقالَ الحاكِمُ أَبوْ أَحْمَدَ: «ذاهِبُ الحدِيْث».
стр. 92
وَقالَ ابْنُ عَدِيٍّ (٣/ ٢٧٦): «عَامَّة ُ أَحَادِيْثِهِ عَمَّنْ رَوَى عَنْهُ، غيْرُ مَحْفوْظة».
وَفي البَابِ حَدِيثٌ آخَرُ رَوَاهُ البزّارُ وَالدّارَقطنيُّ (٢/ ٢٧٨) وَغيْرُهُمَا، مِنْ حَدِيْثِ مُوْسَى بْن ِ هِلال ٍ: حَدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نافِعٍ عَن ِ ابْن ِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ زَارَ قبْرِي: وَجَبَتْ لهُ شَفاعَتِي» (١).
قالَ البَيْهَقِيُّ (٣/ ٤٩٠) - وَقدْ رَوَى هَذَا الحدِيْثَ، ثمَّ قالَ-: «وَقدْ قِيْلَ: «عَنْ مُوْسَى عَنْ عُبَيْدِ اللهِ» وَسَوَاءٌ «عَبْدُ اللهِ» أَوْ «عُبَيْدُ اللهِ» فهُوَ مُنْكرٌ عَنْ نافِعٍ عَن ِ ابْن ِ عُمَرَ، لمْ يَأْتِ بهِ غيْرُه» اه.
وَقالَ العُقيْلِيُّ (٤/ ١٧٠) في مُوْسَى بْن ِ هِلال ٍ هَذَا: «لا يتابعُ عَلى حَدِيثِه».
وَقالَ أَبوْ حَاتِمٍ الرّازِيُّ: «هُوَ مَجْهُوْل».
وَقالَ أَبوْ زَكرِيّا النَّوَاوِيُّ في «شَرْحِ المهَذِّبِ» (٨/ ٢٥٢) لمّا ذكرَ قوْلَ أَبي إسْحَاقَ «وَتسْتَحَبُّ زِيَارَة ُ قبْرِ رَسُوْل ِ اللهِ ﷺ ، لِمَا رُوِيَ عَن ِ ابْن ِ عُمَرَ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا عَن ِ النَّبيِّ ﷺ أَنهُ قالَ: «مَنْ زَارَ قبْرِي: وَجَبتْ لهُ شفاعَتِي»» قالَ النَّوَاوِيُّ: «أَمّا حَدِيْثُ ابْن ِ عُمَرَ: فرَوَاهُ أَبوْ بَكرٍ الرّازِيُّ وَالدّارَقطنيُّ وَالبَيْهَقِيُّ بإسْنَادَيْن ِ ضَعِيْفيْن ِ جِدًّا» اه) اه كلامُ شَيْخِ الإسْلامِ ﵀. стр. 93
وَخُلاصَة ُ أَحَادِيْثِ البابِ: مَا قالهُ شَيْخُ الإسْلامِ في مَوْضِعٍ آخرَ-كمَا في «مَجْمُوْعِ فتَاوَاهُ» (١/ ٣٥٦): (وَالأَحَادِيْثُ المرْوِية ُ في زِيارَةِ قبرِهِ ﷺ : كلهَا ضَعِيْفة ٌ، بلْ كذِبٌ) اه.
стр. 94
فصل فِي نقض ِشُبُهَاتِ المعْتَرِض ِعَلى تَحْرِيْمِ الصَّلاةِ مُطلقا في المقابرِ وَعِنْدَ القبور
أَمّا مَا ظنهُ هَذَا المعْتَرِضُ حُجَّة ً وَدَلِيْلا ً فِي مَقالِهِ فاسْتَدَلَّ بهِ، فليْسَ كذلك.
وَقدْ ذكرَ خَمْسَة َ أَدِلةٍ أَجَازَ بهَا الصَّلاة َ فِي المقبرَةِ بزَعْمِهِ وَليْسَ فِي شَيْءٍ مِمّا ذكرَهُ حُجَّة ٌ، وَهَذَا بيانُ رَدِّهَا:
أَمّا دَلِيْلهُ الأَوَّلُ:
فقوْلهُ: (قوْلُ رَسُوْل ِاللهِ ﷺ : «جُعِلتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطهُوْرًا» [خ (٣٣٥)، (٤٣٨) م (٥٢١)]، وَهَذَا يَعُمُّ الأَرْضَ كلهَا) انتهَى كلامُه.
وَهَذَا بَاطِلٌ، فإنَّ الأُمَّة َ مُجْمِعَة ٌ عَلى تَخْصِيْص ِ هَذَا العُمُوْمِ، وَأَنَّ مِنَ الأَرْض ِمَا ليْسَ بطهُوْرٍ، وَلا مَسْجِدٍ تَصِحُّ فِيْهِ الصَّلاة.
ثمَّ اخْتَلفوْا في مُخَصِّصَاتِ ذلِك َ العُمُوْمِ، مَعَ إجْمَاعِهمْ عَلى بَعْضِهَا. وَمِنْ ذلِك َ: إجْمَاعُهُمْ عَلى تَحْرِيْمِ الصَّلاةِ عَلى الأَرْض ِ النَّجِسَةِ وَبطلانِهَا لِغيْرِ المضْطرِّ، وَاخْتَلفوْا في المضْطرّ.
وَهُوَ عُمُوْمٌ مُقيَّدٌ أَيْضًا بأَحَادِيْثِ النَّهْيِّ عَن ِ الصَّلاةِ فِي المقابرِ وَعِنْدَ القبوْرِ، وَقدْ تقدَّمَ طرَفٌ مِنْهَا. وَمُقيَّدٌ بأَحَادِيْثَ أُخْرَى عَنْ مَوَاضِعَ أُخْرَى كذَلك.
стр. 95
قالَ القاضِي أَبوْ بكرٍ ابنُ العَرَبيِّ فِي «عَارِضَةِ الأَحْوَذِيِّ» (٢/ ١١٤ - ١١٥) بَعْدَ حَدِيْثِ أَبي سَعِيْدٍ الخدْرِيِّ «الأَرْضُ كلهَا مَسْجِدٌ إلا َّ المقبَرَة َوَالحمّامَ» قالَ: (الحدِيْثُ الصَّحِيْحُ «جُعِلتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطهُوْرًا».
وَهِيَ خَصِيْصَة ٌفضِّلتْ بهَا هَذِهِ الأُمَّة ُ عَلى سَائِرِ الأُمَمِ، في حُرْمَةِ سَيِّدِ البَشرِ، لا يُسْتَثْنى مِنْهَا إلا َّ البقاعُ النَّجسَة ُ وَالمغْصُوْبة ُ، التي يَتَعَلقُ بهَا حَقُّ الغير.
وَكلُّ حَدِيْثٍ سِوَى هَذَا: ضَعِيْفٌ، حَتَّى حَدِيث السَّبْعَةِ مَوَاطِنَ، التي وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهَا: لا يَصِحُّ عَن ِ النَّبيِّ ﷺ ، وَقدْ ذكرَهُ التِّرْمِذِيّ (٣٤٦).
وَالموَاضِعُ التِي لا يُصَلى بهَا، ثلاثة َ عَشرَ مَوْضِعًا: الأَوَّلُ المزْبَلة ُ، وَالمجْزَرَة ُ، وَالمقبرَة ُ، وَالحمّامُ، وَالطرِيْقُ، وَأَعْطانُ الإبل ِ، وَظهْرُ الكعْبَةِ، وَأَمَامَك َ جدَارُ مِرْحَاض ٍ عَليْهِ نَجَاسَة ٌ، وَالكنِيْسَة ُ، وَالبيْعَة ُ، وَفي قِبْلتِك َ تمَاثِيلُ، وَفي دَارِ العَذَاب) اه.
وَقدْ ذكرَ ابْنُ العَرَبيِّ هُنَا اثنَيْ عَشَرَ مَوْضِعًا، وَلمْ يَذْكرِ الثالِثَ عَشَرَ! وَلعَلهُ الحشُّ، أَوِ الأَرْضُ المغْصُوْبة.
أَمّا الحنابلة ُ: فقدْ ذكرُوْا عَشَرَة َ مَوَاضِعَ، هِيَ: المقبَرَة ُ، وَالمجْزَرَة ُ، وَالمزْبلة ُ، وَالحشُّ، وَالحمّامُ، وَقارِعَة ُالطرِيْق ِ، وَأَعْطانُ الإبل ِ، وَظهْرُ الكعْبَةِ، وَالموْضِعُ المغْصُوْبُ، وَالموْضِعُ النَّجِس.
وَقدْ ذكرَهَا شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمية َ في «شَرْحِ العُمْدَةِ» (٢/ ٤٢٥)، ثمَّ قالَ: (وَأَمّا ثلاثة ٌمِنْهَا: فقدْ تَوَاطأَتِ الأَحَادِيْثُ
стр. 96
وَاسْتَفاضَتْ باِلنَّهْيِّ عَن ِالصَّلاةِ فِيْهَا، وَهِيَ: المقبرَة ُ، وَأَعْطانُ الإبل ِ، وَالحمّامُ. وَسَائِرُهَا جَاءَ فِيْهَا مِنَ الحدِيْثِ مَا هُوَ دُوْنَ ذلك) اه. وَالمسْأَلة ُمَبْسُوْطة ٌ فِي كتبِ الفِقهِ، وَلا تخْفى.
وَلمّا ذكرَ أَبوْ محمَّدٍ ابْنُ قدَامَة َ فِي «المغنِي» (٢/ ٤٦٨ - ٤٦٩) قوْلَ مَن ِاسْتَدَلَّ بعُمُوْمِ قوْلِهِ ﷺ «جُعِلتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطهُوْرًا» وَنَحْوِهِ: خَصَّصَهُ أَبوْ محمَّدٍ بقوْلِهِ ﷺ «الأَرْضُ كلهَا مَسْجِدٌ إلا َّ الحمّامَ وَالمقبَرَة».
ثمَّ قالَ: (وَهَذَا خَاصٌّ مُقدَّمٌ عَلى عُمُوْمِ مَا رَوَوْه).
وَقالَ (٢/ ٤٨٠) فِي الحدِيْثِ الأَوَّل ِ- أَي حَدِيْثَ «جُعِلتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطهُوْرًا» -: (وَهُوَ صَحِيْحٌ مُتَّفقٌ عَليْهِ، وَاسْتُثْنِيَ مِنْهُ المقبَرَة ُ، وَالحمّامُ، وَمَعَاطِنُ الإبل ِ بأَحَادِيْثَ صَحِيْحَةٍ خَاصَّةٍ، ففِيْمَا عَدَا ذلِك َ يبقى عَلى العُمُوْم).
وَكذَلِك َ أَبوْ حَاتِمٍ ابْنُ حِبّانَ في «صَحِيْحِهِ» لمّا رَوَى (٤/ ٥٩٥) (١٦٩٧): حَدِيثَ حُذيفة َ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : «فضِّلنَا عَلى النّاس ِ بثلاثٍ: جُعِلتِ الأَرْضُ كلهَا مَسْجِدًا، وَجُعِلَ تُرْبتهَا لنا طهُوْرًا، وَجُعِلتْ صُفوْفنَا كصُفوْفِ الملائِكة» وَهُوَ عِنْدَ الإمَامِ أَحْمَدَ فِي «مُسْندِهِ» (٥/ ٣٨٣) ومُسْلِمٍ فِي «صَحِيْحِه» (٥٢٢): خَصَّصَ ابنُ حِبّانَ هَذَا العُمُوْمَ وَالإطلاقَ بثلاثةِ أَبوَابٍ:
стр. 97
أَوَّلها (٤/ ٥٩٦): «ذِكرُ وَصْفِ التَّخْصِيْص ِالأَوَّل ِالذِي يَخصُّ عُمُوْمَ تِلك َ اللفظةِ التِي تقدَّمَ ذِكرُنا لهَا».
وَالثّانِي (٤/ ٥٩٨): «ذِكرُ التَّخْصِيْص ِالثّانِي الذِي يَخُصُّ عُمُوْمَ اللفظةِ التِي ذكرْناهُ قبْلُ».
وَالثّالِثُ (٤/ ٥٩٩): «ذِكرُ التَّخْصِيْص ِ الثّالِثِ الذِي يَخُصُّ عُمُوْمَ قوْلِهِ ﷺ : «جُعِلتْ لِيَ الأَرْضُ كلهَا مَسْجِدًا».
وَأَوْرَدَ تحْتهَا ثلاثة َأَحَادِيْثَ:
أَوَّلها (١٦٩٨): حَدِيْثُ أَنس ِ بْن ِمَالِكٍ رَضِيَ الله ُعَنْهُ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ نهَى أَنْ يُصَلى بَيْنَ القبوْرِ. وَهَذَا صَحَّحَهُ الضِّيَاءُ المقدِسِيُّ فِي «الأَحَادِيْثِ المخْتَارَة».
وَالثّانِي (١٦٩٩): حَدِيْثُ أَبي سَعِيْدٍ الخدْرِيِّ رَضِيَ الله ُ عَنْهُ مَرْفوْعًا: «الأَرْضُ كلهَا مَسْجِدٌ إلا َّ الحمّامَ وَالمقبَرَة».
وَالثّالِثُ (١٧٠٠): حَدِيْثُ أَبي هُرَيْرَة َرَضِيَ الله ُ عَنْهُ مَرْفوْعًا: «إذا لمْ تَجِدُوْا إلا َّ مَرَابضَ الغنمِ، وَمَعَاطِنَ الإبل ِ: فصَلوْا فِي مَرَابض ِ الغنمِ، وَلا تصَلوْا فِي أَعْطان ِ الإبل» وَهُوَ عِنْدَ الإمَامِ أَحْمَدَ فِي «مُسْنَدِهِ» (٢/ ٤٩١) وَابْن ِمَاجَهْ (٧٦٨).
وَبوَّبَ ابْنُ حِبّانَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ (٦/ ٨٨) عَلى حَدِيْثِ أَبي هُرَيْرَة َ هَذا السّابق ِ: (ذِكرُ الخبَرِ المصَرِّحِ بأَنَّ قوْلهُ ﷺ : «جُعِلتْ لِيَ الأَرْضُ طهُوْرًا وَمَسْجِدًا» أَرَادَ بهِ بَعْضَ الأَرْض ِلا الكلّ).
стр. 98
وَبوَّبَ قبْلهُ (٦/ ٨٧): (ذِكرُ خَبَرٍ قدْ يُوْهِمُ غيْرَ المتَبَحِّرِ فِي صِناعَةِ العِلمِ أَنَّ الأَرْضَ كلهَا طاهِرَة ٌ، يَجُوْزُ لِلمَرْءِ الصَّلاة ُ عَليْهَا).
ثمَّ سَاقَ حَدِيْثَ أَبي هُرَيْرَة َ رَضِيَ الله ُعَنْهُ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «فضِّلتُ عَلى الأَنبيَاءِ بسِتٍّ: أُعْطِيْتُ جَوَامِعَ الكلِمِ، وَنصِرْتُ بالرُّعْبِ، وَأُحِلتْ لِيَ الغنائِمُ، وَجُعِلتْ لِيَ الأَرْضُ طهُوْرًا وَمَسْجِدًا، وَأُرْسِلتُ إلىَ الخلق ِ كافة ً، وَخُتِمَ بيَ النبيوْن».
وَهَذَا الحدِيْثُ عِنْدَ الإمَامِ أَحْمَدَ فِي «مُسْنَدِهِ» (٢/ ٤١١ - ٤١٢) وَمُسْلِمٍ في «صَحِيْحِه» (٥٢٣).
وَبوَّبَ ابْنُ حِبّانَ بَعْدَهُ أَبوَابا عِدَّة ً، أَوْرَدَ تَحْتَهَا جُمْلة َ أَحَادِيْثَ فِي الأَمَاكِن ِ المخْصُوْصَةِ وَالمسْتثناةِ مِنْ ذلِك َ العُمُوْمِ، كالمقبَرَةِ، وَالحمّامِ، وَأَعْطان ِ الإبل ِ، وَقدْ تقدَّمَ ذِكرُهَا.
وَكذَلِك َ الحافِظ ُ أَبوْ بكرٍ ابنُ المنذِرِ في «الأَوْسَطِ» (٢/ ١٨٠ - ١٨٢): ذكرَ في «جِمَاعِ أَبوَابِ الموَاضِعِ التِي تَجُوْزُ الصَّلاة ُ عَليْهَا، وَالموَاضِعِ المنْهيِّ عَن ِ الصَّلاةِ فِيْهَا»: أَرْبعَة َ أَبوَابٍ:
أَوَّلها: ذِكرُ الأَخْبَارِ التِي يدُلُّ ظاهِرُهَا، عَلى أَنَّ الأَرْضَ كلهَا مَسْجِدٌ وَطهُوْر.
وَالثاني: ذِكرُ الخبرِ الدّالِّ عَلى أَنَّ المرَادَ مِنْ قوْلِهِ ﷺ «جُعِلتِ الأَرْضُ لِي مَسْجِدًا» كلُّ أَرْض ٍ طيِّبَةٍ دُوْنَ النَّجِس ِ مِنْهَا.
стр. 99
وَالثالِثُ: ذِكرُ النَّهْيِّ عَن ِ اتخاذِ القبوْرِ مَسَاجِد.
وَالرّابعُ: ذِكرُ النَّهْيِّ عَن ِ الصَّلاةِ في المقبَرَةِ وَالحمّام.
قالَ البَغوِيُّ فِي «شَرْحِ السُّنَّةِ»: (أَرَادَ أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ لمْ تُبَحْ لهمُ الصَّلاة ُ إلا َّ فِي بيعِهمْ وَكنَائِسِهمْ، فأَباحَ الله ُ لهِذِهِ الأُمَّةِ، الصَّلاة َ حَيْثُ كانوْا، تَخْفِيْفا عَليْهمْ وَتيْسِيرًا، ثمَّ خَصَّ مِنْ جَمِيْعِ الموَاضِعِ: الحمّامَ، وَالمقبرَة َ، وَالمكانَ النَّجِس) نقلهُ عَنْهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَن ِ بْنُ حَسَن ِ بْن ِ محمَّدِ بْن ِ عَبْدِ الوَهّابِ آل الشَّيْخِ ﵏ ُ في «فتحِ المجيْد» (ص٢٠٦).
وَقالَ شَيْخُ الإسْلامِ في «شَرْحِ العُمْدَةِ» (٢/ ٤٣٩ - ٤٤٠): (وَأَمّا الأَحَادِيْثُ المشْهُوْرَة ُ في جَعْل ِ الأَرْض ِ مَسْجِدًا: فهيَ عَامَّة ٌ، وَهَذِهِ الأَحَادِيْثُ خَاصَّة ٌ، وَهِيَ تفسِّرُ تِلك َ الأَحَادِيْثَ، وَتبينُ أَنَّ هَذِهِ الأَمْكِنَةِ، لمْ تقصَدْ بذَلِك َ القوْل ِ العَامِّ، وَيُوَضِّحُ ذلك أَرْبعة ُ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الخاصَّ يَقضِي عَلى العَامِّ، وَالمقيدُ يُفسِّرُ المطلقَ، إذا كانَ الحكمُ وَالسَّبَبُ وَاحِدًا، وَالأَمْرُ هُنَا كذَلك.
الثاني: أَنَّ قوْلهُ ﷺ «جُعِلتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطهُوْرًا»: بيانٌ لِكوْن ِ جِنْس ِ الأَرْض ِ مَسْجِدًا لهُ، وَأَنَّ السُّجُوْدَ عَليْهَا لا يَخْتَصُّ بأَنْ تكوْنَ عَلى صِفةٍ مَخْصُوْصَةٍ، كمَا كانَ فِي شَرْعِ مَنْ قبْلنَا. لكِنَّ ذلِك َ لا يَمْنَعُ أَنْ تَعْرِضَ للأَرْض ِ صِفة ٌ تَمْنَعُ السُّجُوْدَ عَليْهَا.
стр. 100
فالأَرْضُ التِي هِيَ عَطنٌ، أَوْ مَقبَرَة ٌ، أَوْ حَمّامٌ، هِيَ مَسْجِدٌ، لكِنَّ اتخاذهَا لمّا وُجِدَ لهُ مَانِعٌ عَرَضَ لها: أَخْرَجَهَا عَنْ حُكمِهَا. وَلوْ خَرَجَتْ عَنْ أَنْ تكوْنَ حَمّامًا، أَوْ مَقبَرَة ً: لكانتْ عَلى حَالِهَا.
وَذلِك َ أَنَّ اللفظ َ العَامَّ، لا يُقصَدُ بهِ بيانُ تفاصِيْل ِ الموَانِعِ، كقوْلِهِ تعَالىَ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾.
وَقدْ عُلِمَ أَنَّ العَقدَ لا بُدَّ فِيْهِ مِنْ عَدَمِ الإحْرَامِ، وَعَدَمِ العِدَّةِ، وَلا بُدَّ لهُ مِنْ شُرُوْطٍ وَأَرْكان.
الثالِثُ: أَنَّ هَذَا اللفظ َ العَامَّ، قدْ خُصَّ مِنْهُ الموْضِعُ النَّجِسُ، اعْتِمَادًا عَلى تَقييْدِهِ باِلطهَارَةِ، فِي قوْلِهِ ﷺ «كلُّ أَرْض ٍ طيِّبَةٍ»، وَتَخْصِيْصُهُ باِلاسْتِثْنَاءِ المحَقق ِ، وَالنَّهْيِّ الصَّرِيْحِ أَوْلىَ وَأَحْرَى.
الرّابعُ: أَنَّ تِلك َ الأَحَادِيْثَ إنمَا قصِدَ بهَا بيانُ اخْتِصَاص ِ نبيِّنَا ﷺ وَأُمَّتِهِ باِلتَّوْسِعَةِ عَليْهمْ فِي الصَّلاةِ دُوْنَ مَنْ قبْلنا مِنَ الأَنبيَاءِ وَأُمَمِهمْ، حَيْثُ حُظِرَتْ عَليْهمُ الصَّلاة ُ إلا َّ في المسَاجدِ المبْنِيَّةِ للصَّلاة. فذَكرَ ﷺ أَصْلَ الخصِيْصَةِ وَالمزِيةِ، وَلمْ يَقصِدْ تفصِيْلَ الحكم.
وَاعْتَضَدَ ذلِك َ بأَنَّ هَذِهِ الأَمَاكِنَ قلِيْلة ٌ باِلنِّسْبَةِ إلىَ سَائِرِ الأَرْض ِ، فلمّا اتفقَ قِلتهَا، وَأَنهُ لمْ يَتَمَحَّض ِ المقصُوْدُ لِبيان ِ أَعْيَان ِ أَمَاكِن ِ الصَّلاةِ، ترَك َ اسْتِثْنَاءَهَا.
стр. 101
أَمّا أَحَادِيْثُ النَّهْيِّ: فقصِدَ بهَا بيانُ حُكمِ الصَّلاةِ في أَعْيَان ِ هَذِهِ الأَمَاكِن ِ، وَهَذَا بيِّنٌ لِمَنْ تأَمله.
وَهَذَا المعْتَرِضُ مُتناقِضٌ، فإنهُ لا يُنَازِعُ فِي حُرْمَةِ اتخاذِ قبوْرِ الأَنبيَاءِ مَسَاجِدَ، وَالصَّلاةِ فِيْهَا، فلمَ لمْ يَسْتَثْنهَا مِنَ العُمُوْمِ فِي الحدِيْثِ السّابق ِ؟! أَمْ يَرَاهَا دَاخِلة ً فِيْه؟!
стр. 102
فصل فِي نقض ِدَلِيْلِهِ الثانِي، وَهُوَ بنَاءُ النَّبيِّ ﷺ مَسْجِدَهُ في مَقبَرَةٍ للمُشْرِكِيْن
أَمّا دَلِيْلهُ الثانِي: فقالَ: (بناءُ رَسُوْل ِاللهِ ﷺ مَسْجِدَهُ فِي مَقبَرَةٍ لِلمُشْرِكِيْنَ، وَهَذَا أَمْرٌ مَشْهُوْرٌ وَهُوَ فِي «الصَّحِيْحَيْن ِ» (١)) انتهَى كلامُه.
وَهَذَا فِيْهِ تَلبيْسٌ وَتَدْلِيْسٌ، فإنَّ بناءَ الرَّسُوْل ِ ﷺ لِمَسْجِدِهِ فِي مَقبَرَةٍ لِلمُشْرِكِيْنَ، كانَ بَعْدَ نبْش ِ قبوْرِهِمْ وَإزَالتِها. وَهذَا ليْسَ مَحَلَّ النِّزَاعِ، وَإنمَا النِّزَاعُ فِي جَوَازِ الصَّلاةِ فِي المقبرَةِ قبْلَ النَّبْش.
لِهَذَا لمْ يَذْكرِ المعْتَرِضُ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أَمَرَ الصَّحَابة َ بنَبْش ِ قبوْرِ المشْرِكِيْنَ وَإزَالتِهَا، لِيسْلمَ لهُ اعْتِرَاضُه!
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمية َ ﵀ ُ-كمَا فِي «مَجْمُوْعِ الفتاوَى» (٢١/ ٣٢١) -: (ومَسْجِدُ رَسُوْل ِاللهِ ﷺ قدْ كانَ مَقبَرَة ً لِلمُشْرِكِيْنَ، وَفِيْهِ نخلٌ وَخِرَبٌ، فأَمَرَ النَّبيُّ ﷺ باِلنَّخل ِ فقطِعَتْ، وجُعِلتْ قِبلة َ المسْجدِ، وَأَمَرَ باِلخِرَبِ فسُوِّيتْ، وأَمَرَ باِلقبوْرِ فنبشتْ، فهَذِهِ مَقبَرَة ٌ مَنْبُوْشَة ٌ، كانَ فِيْهَا المشْرِكوْن) انتهَى، وَهَذَا فِي «الصَّحِيْحَيْن» (١) وَتقدَّم. стр. 103
كمَا أَنَّ دَلِيْلَ المعْترِض ِ هَذَا: دَلِيْلٌ عَليْهِ لا لهُ، وَبَيَانهُ: أَنهُ لوْ كانتِ الصَّلاة ُفِي المقبَرَةِ جَائِزَة ً تصحُّ، لمَا نبشَ النَّبيُّ ﷺ قبوْرَ المشْرِكِيْنَ وَأَخْرَجَهَا، وَلصَلوْا عَليْهَا دُوْنَ نبْش.
وَلكِنْ لمّا أَمَرَ النَّبيُّ ﷺ بنَبْشِهَا: دَلَّ ذلِك َ عَلى حُرْمَةِ الصَّلاةِ فِيْهَا قبْلَ النَّبش ِ، وَعَدَمِ صِحَّتِهَا.
يُضَافُ إلىَ ذلك:
أَنَّ اخْتِيَارَ تِلك َ الأَرْض ِ لِتَكوْنَ مَسْجِدًا للنَّبيِّ ﷺ وَالمسْلِمِيْنَ، كانَ بوَحْيٍ مِنَ اللهِ سُبْحَانهُ، كمَا فِي قِصَّةِ ناقةِ رَسُوْل ِاللهِ ﷺ ، وبرُوْكِهَا فِي ذلِك َ المكان.
فوَجَبَ عِنْدَ اخْتِيَارِ اللهِ لهَا: إصْلاحُهَا وتهْيئَتُهَا للمُصَلينَ، وَإزَالة ُ مَا يُفسِدُ ذلك.
فلا يجُوْزُ لِغيْرِهِمْ مِنَ المسْلِمِيْنَ أَنْ يَعْمَدُوْا إلىَ مَقبَرَةِ مُشْرِكِيْنَ أَوْ مُسْلِمِيْنَ، فينبشُوْهَا دُوْنَ حَاجَةٍ، لِيصَلوْا فِيْهَا لِما سَبَق.
стр. 104
فصل فِي نقض ِدَلِيْلِهِ الثالِثِ، وَهُوَ صَلاة ُ النَّبيِّ ﷺ وَأَصْحَابهِ، عَلى قبْرِ امْرَأَةٍ كانتْ تقمُّ المسْجد
أَمّا دَلِيْلُ المعْتَرِض ِالثالِثِ: فقوْلهُ: (صَلاة ُ رَسُوْل ِاللهِ ﷺ عَلى المِسْكِيْنَةِ التِي كانتْ تقمُّ المسْجدَ، فِي المقبَرَةِ مَعَ أَصْحَابهِ رَضِيَ الله ُعَنْهُمْ) انتهَى كلامُه.
وَهَذَا فِيْهِ خَلط ٌوخَبْط ٌ، فإنَّ نِزَاعَ أَهْل ِالعِلمِ فِي جَوَازِ الصَّلاةِ المطلقةِ، ذاتِ الرُّكوْعِ وَالسُّجُوْدِ، لا فِي صَلاةِ الجنازَة!
وَقِياسُ صَلاةِ الجنازَةِ باِلصَّلاةِ المطلقةِ: قِياسٌ مَعَ الفارِق ِ، وَهُوَ فاسِد.
فإنْ كانتِ الصَّلاة ُ المطلقة ُوَصَلاة ُ الجنازَةِ، اتفقتا فِي اسْمِ الصَّلاةِ: فقدِ اخْتَلفتا فِي الشُّرُوْطِ وَالصِّفة.
وَصَلاة ُالجنازَةِ فِيْهَا إظهَارُ ضَعْفِ الميِّتِ وَعَجْزِهِ، وَحَاجَتِهِ هُوَ إلىَ إخْوَانِهِ الأَحْيَاءِ مِنَ المسْلِمِيْنَ لِيدْعُوْا الله َ لهُ، وَيصَلوْا عَليْهِ، عَلَّ الله ُ أَنْ يَرْحَمَهُ ويَنفعَهُ بدُعَائِهمْ. وَليْسَ فِي هَذَا مَظِنة ٌ لِشرْكٍ، وَلا ذرِيْعَة ٌ لهُ وَلا فتْحٌ لِبابه.
بخلافِ الصَّلاةِ المطلقةِ، ذاتِ الرُّكوْعِ وَالسُّجُوْدِ، وَهِيَ التِي خَصَّهَا الشّارِعُ باِلتَّحْرِيْمِ باِلأَحَادِيْثِ السّابقةِ جَمِيْعًا، وَلعَنَ
стр. 105
رَسُوْلُ اللهِ ﷺ اليَهُوْدَ وَالنَّصَارَى، لاتخاذِهِمْ قبوْرَ أَنبيَائِهمْ مَسَاجِدَ، يصَلوْنَ فِيْهَا الصَّلاة َ المطلقة َ، لا صَلاة َ الجنازَة!
فاسْتِدْلالهُ بهَذَا الدَّلِيْل ِ: اسْتِدْلالٌ في غيْرِ مَحَلهِ، في مَسْأَلةٍ نقوْلُ بهَا، وَلا ننازِعُ فِيْهَا، وَلا تعَلقَ لهِذَا الدَّلِيْل ِ بمَسْأَلةِ النِّزَاع.
وَباعِثهُ عَلى الاسْتِدْلال ِ بهِ أَحَدُ أَمْرَيْن ِ: إمّا جَهْلهُ باِلفرْق ِ بَيْنَ الأَمْرَين ِ، أَوْ إرَادُتهُ التَّلبيْس. وَعَلى كِلا الحاليْن ِ: لا يُعْتَدُّ بصَاحِبِ هَذَيْن.
стр. 106
فصل فِي نقض ِدَلِيْلِهِ الرّابعِ، وَهُوَ زَعْمُهُ صَلاة َ الصَّحَابةِ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمْ في المقبَرَةِ مِنْ غيْرِ نكِيْر
أَمّا دَلِيْلهُ الرّابعُ: فقوْلهُ: (صَلاة ُ الصَّحَابةِ فِي المقبَرَةِ مِنْ غيْرِ نكِيْرٍ) انتهَى كلامُه.
وَهَذَا إنْ قصَدَ بهِ: صَلاتهُمْ صَلاة َ الجنازَةِ: فتقدَّمَ جَوَابه.
وَإنْ كانَ قصْدُهُ الصَّلاة َ المطلقة َ: فعَليْهِ البيَانُ وَالدَّلِيْلُ، وَعَدَمُ الإجْمَال. وَحَدِيْثُ النَّبيِّ ﷺ حُجَّة ٌ عَلى مَنْ خَالف.
كمَا أَنَّ المعْلوْمَ مِنْ حَالهِمْ رَضِيَ الله ُعَنْهُمْ، خِلافُ مَا ذكرَ: فقدْ رَأَى عُمَرُ بْنُ الخطابِ أَنسَ بْنَ مالكٍ رَضِيَ الله ُعَنْهُما يُصَلي عِنْدَ قبرٍ فقالَ عُمَرُ منبهًا لهُ وَمُحَذِّرًا إياهُ: «القبْرَ القبْرَ!» وَهَذَا فِي «صَحِيْحِ البخارِيِّ» مُعَلقا (١/ ٤٣٧)، وَوَصَلهُ ابْنُ أَبي شَيْبَة َ في «مُصَنَّفِهِ» (٢/ ٣٧٩) مِنْ طرِيْقيْن ِ:
أَحَدِهِمَا: حَدَّثنا حَفصٌ عَنْ حُجَيَّة َ عَنْ أَنس ٍ،
وَالآخَرِ: حَدَّثنا وَكِيْعٌ حَدَّثنا سُفيَانُ حَدَّثنا حُمَيْدٌ عَنْ أَنس ٍ، بنَحْوِه.
стр. 107
وَرَوَاهُ مَوْصُوْلا ً أَيْضًا:
عَبْدُ الرَّزّاق ِالصَّنْعَانِيُّ في «مُصَنَّفِهِ» (١/ ٤٠٤ - ٤٠٥): (عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ثابتٍ البُنَانِيِّ عَنْ أَنس ٍ رَضِيَ الله ُ عَنْه).
وَمِنْ طرِيقِهِ: أَبو بكرٍ ابْنُ المنذِرِ في «الأَوْسَطِ» (٢/ ١٨٦): (حَدَّثنا إسْحَاقُ عَنْ عَبْدِ الرَّزّاق).
وَالبَيْهَقِيُّ في «سُننِهِ الكبْرَى» (٢/ ٤٣٥): (أَخْبَرَنا محمَّدُ بْنُ مُوْسَى بْن ِ الفضْل ِحَدَّثنا أَبوْ العَبّاس ِ محمَّدُ بْنُ يَعْقوْبَ حَدَّثنا محمَّدُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثنا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَة َ حَدَّثنا حُمَيْدٌ عَنْ أَنس) بنَحْوِه.
وَقدْ ذكرَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمية َ حَدِيْثَ عُمَرَ هَذَا، وَقالَ عَقِبَهُ: (وَهَذَا يَدُلُّ عَلى أَنهُ كانَ مِنَ المسْتقِرِّ عِنْدَ الصَّحَابةِ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمْ: مَا نهَاهُمْ عَنْهُ نبيهُمْ ﷺ مِنَ الصَّلاةِ عِنْدَ القبوْر.
وَفِعْلُ أَنس ٍ رَضِيَ الله ُعَنْهُ: لا يدُلُّ عَلى اعْتِقادِهِ جَوَازَهُ، فإنهُ لعَلهُ لمْ يرَهُ، أَوْ لمْ يَعْلمْ أَنهُ قبْرٌ، أَوْ ذهَلَ عَنْهُ، فلمّا نبَّهَهُ عُمَرُ رَضِيَ الله ُ تعَالىَ عَنْهُ تنبه) اه، نقلهُ عَنْهُ ابْنُ القيمِ في «إغاثةِ اللهْفان» (١/ ١٨٦).
بَلْ ذكرَ شَيْخُ الإسْلامِ ﵀ ُ فِي «شَرْحِ العُمْدَةِ» (٢/ ٤٣٧): نوْعَ إجْمَاعٍ لِلصَّحَابةِ فِي تَحْرِيْمِ الصَّلاةِ فِي المقابرِ، فقالَ: (وَأَصْرَحُ مِنَ النَّهْيِّ الصَّرِيْحِ، وَالاسْتِثْنَاءِ القاطِعِ، مَعَ كوْنهِ أَصَحَّ وَأَشْهَرَ،
стр. 108
وَهُوَ عَن ِ السَّلفِ أَظهَرُ وَأَكثرُ، وَأَوْلىَ أَنْ يُعْتَمَدَ عَليْهِ، فإنَّ هَذَا كالإجْمَاعِ مِنَ الصَّحَابة).
ثمَّ ذكرَ شَيْخُ الإسْلامِ أَثرَ عُمَرِ بْن ِ الخطابِ في تنْبيْههِ وَنهْيهِ أَنسًا عَن ِ الصَّلاةِ عِنْدَ قبْرٍ، وَأَثرَ عَلِيِّ بْن ِ أَبي طالِبٍ في النَّهْيِّ عَنْ ذلِك َ وَغيْرِهِمْ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمْ.
ثمَّ قالَ شَيْخُ الإسْلامِ (٢/ ٤٣٨) بَعْدَ ذِكرِهِ جَمَاعَة ً مِنَ الصَّحَابةِ: (وَكذَلِك َ رُوِيَ عَن ِ ابن ِعُمَرَ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمَا، ذكرَ ذلِك َ ابنُ حَامِدٍ، وَعَن ِ ابْن ِ عُمَرَ وَابْن ِ عَبّاس ٍ كرَاهَة َ الصَّلاةِ في المقبَرَة.
وَهَذَا أَوْلىَ أَنْ يَكوْنَ صَحِيْحًا، مِمّا ذكرَهُ الخطابيُّ عَن ِ ابْن ِ عُمَرَ «أَنهُ رَخَّصَ في الصَّلاةِ فِي المقابر»، فلعلَّ ذلِك َ- إنْ صَحَّ - أَرَادَ بهِ صَلاة َ الجنازَة).
ثمَّ قالَ شَيْخُ الإسْلامِ (٢/ ٤٣٩): (وَهَذِهِ مَقالاتٌ انتشرَتْ، وَلمْ يُعْرَفْ لها مُخالِفٌ، إلا َّ مَا رُوِيَ عَنْ يَزِيْدِ بْن ِ أَبي مَالِكٍ قالَ: «كانَ وَاثِلة ُ بْنُ الأَسْقعِ يُصَلي بنا صَلاة َ الفرِيْضَةِ فِي المقبَرَةِ، غيْرَ أَنهُ لا يَسْتَتِرُ بقبْر» رَوَاهُ سَعِيْد.
وَهَذَا مَحْمُوْلٌ عَلى أَنهُ تنحَّى عَنْهَا بَعْضَ التَّنَحِّي، وَلِذَلِك َ قالَ: «لا يَسْتَتِرُ بقبْرٍ». أَوْ لمْ يَبْلغْهُ نهْيُ رَسُوْل ِ اللهِ ﷺ عَن ِ الصَّلاةِ فِيْهَا، فلمّا سَمِعَ النَّبيَّ ﷺ يَنْهَى عَن ِ الصَّلاةِ إليْهَا، تنَحَّى عَنْهَا، لأَنهُ هُوَ رَاوِي هَذَا الحدِيْثِ، وَلمْ يَبْلغْهُ النَّهْيُ عَن ِ الصَّلاةِ فِيْهَا، عَمِلَ بمَا بَلغهُ
стр. 109
دُوْنَ مَا لمْ يَبْلغْه) (١) اه.
وَقالَ العَلامَة ُ الشَّرِيْفُ الحسَنُ بْنُ خَالِدٍ الحازِمِيُّ الحسَنيُّ ﵀ ُ (ت١٢٣٤هـ) في «قوْتِ القلوْبِ، في تَوْحِيْدِ عَلامِ الغيوْب» (ص١٣١ - ١٣٢): (وَاعْلمْ أَنَّ المنْعَ مِنَ الصَّلاةِ عِنْدَ القبْرِ: هُوَ مِمّا اسْتقرَّ عِنْدَ الصَّحَابةِ، سَوَاءٌ كانَ مِنْ قبوْرِ الأَنبيَاءِ وَالصّالحِيْنَ أَوْ غيْرِهِمْ، وَعَلِمُوْهُ مِنْ نهْيِّ رَسُوْل ِاللهِ ﷺ عَن ِ الصَّلاةِ عِنْدَ القبوْر) اه.
وَذكرَ أَبوْ محمَّدٍ ابْنُ قدَامَة َ فِي «المغني» (٢/ ٤٦٨): أَنَّ مِمَّنْ كرِهَ الصَّلاة َفِي المقبَرَةِ: عَلِيُّ بنُ أَبي طالِبٍ، وَعَبْدُ اللهِ بنُ عَبّاس ٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ. وَهَؤُلاءِ كلهُمْ صَحَابَة ٌ رَضِيَ الله ُ عَنْهُمْ، وَزَادَ مِنْ غيْرِهِمْ: عَطاءًا وَالنَّخعِيَّ وَابْنَ المنْذِرِ ﵏. стр. 110
فصل فِي نقض ِ دَلِيْلِهِ الخامِس، وَهُوَ زَعْمُهُ عَدَمَ وُجُوْدِ دَلِيْل ٍ صَحِيْحٍ صَرِيْحٍ في النَّهْيِّ عَن ِالصَّلاةِ في المقبَرَة
أَمّا دَلِيْلهُ الخامِسُ: فقوْلهُ: (عَدَمُ وُجُوْدِ دَلِيْل ٍصَحِيْحٍ صَرِيْحٍ فِي النَّهْيِّ عَن ِالصَّلاةِ فِي المقبَرَة) انتهَى كلامُه.
وَجَوَابُ هَذَا تقدَّمَ بحمْدِ اللهِ،
وَليْسَ يصِحُّ فِي الأَذهَان ِ شَيْءٌ إذا احْتَاجَ النَّهَارُ إلىَ دَلِيل ِ
следующие страницы →