لا تنزل ووالله لا أركب وما علي أن أغبر قدمي في سبيل الله ساعة. فإن للغازي بكل خطوة يخطوها سبعمائة حسنة تكتب له وسبعمائة درجة ترفع له وترفع عنه سبعمائة خطيئة) حتى إذا انتهى قال إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل، ومعنى ذلك أنه يستأذن أسامة - قائد الجيش - أن يترك له عمر لأنه كان في الجيش فأذن له (١) وكان إرسال الجيش بعد بيعة أبي بكر بيوم أعني يوم الأربعاء ١٤ من ربيع الأول.
وصية أبي بكر الجيش
- أوصى أبو بكر جيش أسامة فقال:
(يا أيها الناس قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عني:
لا تخونوا، ولا تَغُلُّوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً أو شيخاً كبيراً ولا امرأة، ولا تعقروا نحلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له. وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام فإذا أكلتم منها شيئا فاذكروا اسم الله عليها. وتلقون أقواما قد فحصوا أوساط رؤوسهم وتركوا حولها مثل العصائب فأخفقوهم بالسيف خفقاً. اندفعوا باسم الله) .
стр. 37
وقال لأسامة (إصنع ما أمرك به نبي الله ﷺ . ابدأ ببلاد قضاعة ثم ائت آبِلَ (١) ولا تقصرن من شئ من أمر رسول الله ﷺ ولا تعجلن لما خلفت عن عهده) .
فسار أسامة وأوقع بقبائل من قضاعة التي ارتدت وغنم وعاد وكانت غيبته أربعين يوما سوى مقامه ومنقلبه راجعا من غير أن يفقد أحدا من رجاله.
وكان إنفاذ جيش أسامة أعظم الأمور نفعا للمسلمين؛ فإن العرب قالوا لو لم يكن بالمسلمين قوة لما أرسلوا هذا الجيش فكفوا عن كثير مما كانوا يريدون أن يفعلوه.
ولم نعثر في المراجع التاريخية عن عدد جيش أسامة ولا على قوة جيش العدو وخسائره، ولم نعلم ما هي الغنائم التي غنمها المسلمون
стр. 38
إمارة باذان (١) على اليمن في عهد رسول الله.
- باذان رجل من الفرس بعثه كسرى أبرويز إلى اليمن نائبا عليها فبقي إلى بعثة رسول الله ﷺ وهو آخر من قدم من اليمن من ولاة العجم.
ولما كاتب النبي كسرى بما كاتبه مزق كسرى الكتاب وبعث إلى باذان أن أرسل إلى هذا الرجل الذي بالحجاز رجلين وكتب مهما إلى النبي يأمره بالمسير معهما إلى كسرى فقال لهم رسول الله: إرجعا وقولا لباذان أسلم فإن أسلم أؤمره على ما تحت يده وأملكه على قومه. فأتيا إلى باذان وكان كسرى قد مات. فقال باذان: إني لأراه نبيا ولننظرن فإن كان ما قال حقا فهو فإنه لنبي مرسل، وإن لم يكن فنرى فيه رأينا. فلم يلبث أن قدم عليه كتاب شيرويه بن كسرى بقتل كسرى ويأمره بأخذ الطاعة له باليمن، فأسلم باذان وأسلم معه جماعة منة العجم وبعث بذلك سنة ١٠ هجرية. فجمع له النبي عمل اليمن وأمره
стр. 39
على جميع مخاليفه فلم يزل عاملا عليها حتى مات.
فلما مات باذان فرق رسول الله أمراءه في اليمن بالكيفية الآتية:
- ١ - عمرو بن حزم على نجران.
- ٢ - خالد بن سعيد بن العاص على ما بين نجران وزبيد.
- ٣ - عامر بن شهر الهمذاني على همدان.
- ٤ - شهر بن باذان على صنعاء.
- ٥ - الطاهر بن أبي هالة على عَكّ والأشعريين.
- ٦ - أبو موسى الأشعري على مأرب.
- ٧ - يعلى بن أمية على الجند.
- ٨ - زياد بن لبيد الأنصاري على أعمال حَضْرَمَوْت.
- ٩ - عكاشة بن ثور على السَّكاسِك والسكون.
- ١٠ - عبد الله بن قيس أبو موسى الأشعري على بني معاوية بن كندة.
وكان معاذ بن جبل معلما يتنقل في عمالة كل عامل باليمن وحضرموت.
стр. 40
ظهور المتنبئين في بلاد العرب
- ادعى النبوّة بعض العرب في الجهات النائية عن المدينة ومكة مثل اليمامة واليمن توصلا إلى الملك والرياسة والتغلب على القبائل المجاورة لهم، فمنهم من حاول محاكاة القرآن تغريرا بعقول السذج من العرب فجاء كلامه سخيفا مضحكا لا معنى له، ومنهم من لم يقتصر على ذلك بل أتى بالأعاجيب، وما هي إلا شعبذة وكهانة وكحر مبين، لكنهم افتضحوا وظهر كذبهم ونفاقهم. وعدا ذلك فإنهم أحلوا المحرمات وارتكبوا الفواحش فكان مصيرهم الخذلان والفشل. وقد خضعت جميع هذه القبائل إلى الإسلام بفضل حزم أبي بكر الصديق ومحاربته أهل الردة كما سيأتي ذكر ذلك مفصلا. والآن نبدأ بأخبار الأسود العنسي الكذاب:
الأسود العَنْسي النبي الكذاب
- الأسود العنسي يلقب بذي الخمار لأنه كان معتمّاً متخمراً دائماً (١)
стр. 41
واسمه عيهلة بن كعب بن عوف العنسي، وعنس بطن من مَذْحِج (١) وكان كاهناً مشعبذاً يري قومه الأعاجيب ويجلبهم بحلاوة منطقة. ادعى النبوة حين مرض النبي واتبعه مذحج عامة وكانت ردته أول ردة في الإسلام على عهد رسول الله. وقد سمى نفسه رحمن اليمن أي أنه يتكلم باسم الرحمن، كما سمى مسيلمة رحمن اليمامة. ويقال كان له شيطان يخبره بكل شيء.
فغزا نجران وكان عليها عمرو بن حزم وخالد بن سعيد فأخرجهما ومعه ٧٠٠ فارس إلى صنعاء وعليها شهر بن باذان فخرج إليه شهر فقتله الأسود. كان قواده قيس بن عبد يغوث المرادي ومعاوية بن قيس الجنبي ويزيد بن محرم ويزيد بن حصين الحارثي ويزيد بن الأفكل الأزدي. استولى الأسود على صنعاء وغلب على حضرموت إلى أعمال الطائف إلى البحرين والأحساء إلى عدن، وقد استولى على جنوب غربي بلاد الرب في أقل من شهر وأسند أمر جنده إلى قيس بن عبد يغوث وأسند أمر الأبناء (٢) إلى فيروز وداذويه فلما أثخنا في الأرض استخف بقيس وبفيروز الديلمي وداذويه.
стр. 42
خاف من بحضرموت من المسلمين أن يحاربهم الأسود أو يظهر كذاب آخر مثله فأتى من باليمن كتاب من رسول الله يأمرهم بقتال الأسود فقام معاذ يتنقل في القبائل فقويت نفوس المسلمين. وكان الذي قدم بكتاب النبي ﷺ وَبَر بن يُحَنّس الأزدي.
стр. 43
قتل الأسود العنسي
- من سخافة عقل الأسود استخفافه بقائد جيشه وبفيروز وداذويه وهم الذين أعانوه على إخضاع اليمن له في مدة قصيرة. ثم إنه بعد أن قتل شهر بن باذان تزوج امرأته آزاد وهي ابنة عم فيروز. فلما علم المسلمون تغيره على رئيس جنده دعوه وأنبأوه بكتاب رسول الله بقتل الأسود ففرح فيروز لذلك النبأ وكلموا آزاد زوجته في قتله، وكانت تبغضه لأنه قتل زوجها ولأنه كان سيء الخلق فاسقاً.
تمكن فيروز، وداذويه، وقيس من دخول القصر بالرغم من وجود الحراس وذلك بواسطة نقب نقبوه بإشارة من آزاد ثم انقضوا عليه وقتلوه وحزوا رأسه. ولما طلع الفجر نادوا بشعار المسلمين وهو الأذان. ولما اجتمع المسلمون والكفار ألقوا إليهم الرأس، وبذلك خلصت صنعاء والجَنَد (١) من هذا الشر المستطير، واتفق الناس على تولية معاذ بن جبل فكان يصلي بالناس، وعاد عمال رسول الله إلى أعمالهم
стр. 44
وكتبوا إليه ﷺ بالخبر، فوصل الرسول المدينة صبيحة اليوم الذي توفي فيه رسول الله، وكان بين خروج الأسود ومقتله نحو أربعة أشهر.
وقد جاء في أسد الغابة عند ترجمة باذان أن باذان كان له أثر كبير في قتل الأسود مع أنه لم يكن له أي أثر في ذلك لأن باذان مات في عهد رسول الله وفرق ﷺ أمراءه على اليمن فكان شهر بن باذان علىصنعاء ثم استولى عليها الأسود الذي قتل غيلة كما تقدم.
стр. 45
قتال أهل الردة
- لما توفي رسول الله اشتد الأمر على المسلمين لارتداد العرب وخافوا الإغارة على المدينة بعد أن سير أبو بكر جيش أسامة إذ قد استفحل أمر مسيلمة وطليحة واجتمع على طليحة عوام طيء وأسد، وارتدت غطفان تبعا لعيينة بن حصين فإنه قال لنبي من الحليفين - يعني أسدا وغطفان - أحب إلينا من نبي من قريش. وقد مات محمد وطليحة حي فاتبعه وتبعته غطفان وكان عيينة من المؤلفة قلوبهم، ومن الأعراب الجفاة.
وقدمت رسل النبي ﷺ من اليمامة وأسد وغيرهما ودفعوا كتبهم لأبي بكر، وأخبروه الخبر عن مسيلمة، وطليحة، فعزم أبو بكر على قتالهم واستعد لصد هجمات المغيرين إلى أن يأتي جيش أسامة، والآن نذكر ما كان من أمر طليحة الذي ادعى النبوة.
طليحة الأسدي
- طليحة بن خويلد الأسدي من بني أسد بن خزيمة كان كاهنا فأسلم ثم ارتد وادعى النبوة في حياة رسول الله، وظهر في بني أسد واتبعه
стр. 46
أفاريق (١) من العرب ونزل سميراء (٢) بطريق مكة، فوجه إليه النبي صلة الله عليه وسلم ضرار بن الأزور عاملا على بني أسد، وأمرهم بالقيام على من ارتد فضعف أمر طليحة حتى لم يبق إلا أخذه فضربه به بسيف فلم يصنع شيئا، فاعتقد الناس أن السلاح لا يؤثر فيه فكثر جمعه، ومات النبي ﷺ وهم على ذلك. وأكثر من تبعه من أسد، وغطفان، وطيء، وفزارة وغيرهم، وفر ضرار ومن معه إلى المدينة. وكان طليحة يدعي أن جبرائيل كان يأتيه. وكان يسجع للناس الأكاذيب، وكان يأمرهم بترك السجود في الصلاة يقول: إن الله لا يصنع بتعفير وجوهكم، وتقبيح أدباركم شيئاً فاذكروا الله قياماً فإن الرغوة فوق الصريح. وأنفذ طليحة وفوده إلى أبي بكر في الموادعة على الصلاة (٣) وترك الزكاة، فأبى أبو بكر ذلك وكان لطليحة أخ يدعى حبال جعله على فريق من أتباعه. ولما عرض الوفد على أبي بكر ترك الزكاة قال: (والله لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه (٤)) .
стр. 47
الإغارة على المدينة
- توقع أبو بكر الإغارة على المدينة فجعل بعد سير الوفد على أنقاب المدينة عليا وطلحة، والزبير، وابن مسعود، وألزم أهل المدينة بحضور المسجد خوف الإغارة من العدو لقربهم. فما لبثوا إلا ثلاثا حتى طرقوا المدينة ليلا، وخلفوا بعضهم بذي حُسىً (١) ليكونوا لهم رِداءً (٢) فوافوا ليلاً الأنقاب، وعليها المقاتلة فمنعوهم خارج المدينة وأرسلوا إلى أبي بكر بالخبر فخرج إليهم جيش المدينة واتبعوهم حتى إذا كانوا بذي حُسىً خرج إليهم أصحاب طليحة بقرب قد نفخوها وفيها الحبال فدهدهوها (٣) على الأرض فنفرت إبل المسلمين وهم عليها ورجعت بهم إلى المدينة، ولم يصرع مسلم. وظن الكفار بالمسلمين الوهن ثم انضم إلى رجال طليحة غيرهم من أصحابه، وبات أبو بكر بالمدينة يعبئ الجيش ثم خرج ليلا يمشي وعلى ميمنته النعمان بن مقرن وعلى ميسرته عبد الله بن مقرن وعلى الساقة سويد بن مقرن. فما طلع الفجر إلا وهم والعدو على صعيد واحد، فقاتلهم المسلمون حتى ولوا مدبرين، واقتفى أثرهم أبو بكر حتى نزل بذي القَصَّة (٤) . وكان ذلك أول فتح فوضع
стр. 48
بها الحامية وعليها النعمان بن مقرن، وحلف أبو بكر ليقتلن من المشركين بمن قتلوا من المسلمين وزيادة وازداد المسلمون قوة وثباتا.
كانت هذه الموقعة صغيرة، ولكن كان للنصر الذي أحرزه أبو بكر شأن كبير، ووقع عظيم في النفوس. وقد كان المرتدون يتحدثون فيما بينهم بقلة عدد المسلمين فلو أنهم انهزموا لكان الخطب فادحا. وعلى أثر هذا الانتصار طرقت المدينة الصدقات فانتعش المسلمون وقويت عزيمتهم وكان أول من جاء بالصدقات إلى الخليفة وفود بني تميم وبني طيء.
стр. 49
عودة أسامة سنة ١١هـ (سبتمبر سنة ٦٣٢ م) .
- وأخيراً عاد أسامة من غزوته، وأصبحت المدينة في مأمن من الخطر، ووزع أبو بكر الغنائم على الناس، وقد نال أبو بكر ما أراد من إرسال أسامة واعتقد العرب بقوة المسلمين. ثم إن أبا بكر استفاد من الفرصة التي سنحت له بطرد المرتدين من ذي القَصَّة إلى الرَّبذَة (١) واستخلف أسامة على المدينة وقال له ولجنده استريحوا وأريحوا ظهوركم ثم خرج في الذين خرج معهم إلى ذي القصة وهم قوة صغيرة. فقال له المسلمون: ننشدك الله يا خليفة رسول الله ألا تعرض نفسك فإنك إن تصب لم يكن للناس نظام، ومقامك أشد على العدو فابعث رجلا فإن أصيب أمرت آخر. فقال: (لا والله لا أفعل ولأواسينكم بنفسي) .
سار أبو بكر إلى ذي حسى، وذي القصة حتى نزل بالأبرق (٢) فاقتتلوا فهزم الحارث، وعوف، وأخذ الحطيئة أسيرا، فطارت
стр. 50
عبس، وبنو بكر وأقام أبو بكر على الأبرق أياما، وغلب على بني ذبيان وبلادهم وحماها لدواب المسلمين وصدقاتهم. ولما انهزمت عبس وذبيان رجعوا إلى طليحة وهو ببُزَاخَة (١) وكان رحل من سميراء إليها، فأقام عليها، وعاد أبو بكر إلى المدينة.
стр. 51
إرسال البعوث إلى المرتدين شعبان سنة ١١هـ (تشرين الأول أكتوبر سنة ٦٣٢ م) .
- لما استراح أسامة وجنده وكان قد جاءتهم صدقات كثيرة تفضل عنهم نظم أبو بكر البعوث، وعقد الألوية فعقد أحد عشر لواء. وفيما يلي أسماء القواد ووجهتهم:
- ١ - خالد بن الوليد: سار إلى طليحة بن خويلد الأسدي فإذا فرغ منه سار إلى مالك بن نويرة بالبطاح إن أقام له.
- ٢ - عكرمة بن أبي جهل: إلى مسيلمة.
- ٣ - المهاجر بن أبي أمية: إلى جنود العنسي ومعون الأبناء على قيس بن المكشوح ثم يمضي إلى كِندة بحضر موت.
- ٤ - خالد بن سعيد إلى مشارف الشام.
- ٥ - عمرو بن العاص: إلى قضاعة ووديعة.
- ٦ - حذيفة بن محصن الغلفاني: إلى أهل دبا.
- ٧ - عرفجة بن هيثنة: إلى مهرة.
- ٨ - شرحبيل بن حسنة: في أثر عكرمة بن أبي جهل فإذا فرغ من اليمامة لحق بخيله إلى قضاعة.
стр. 52
- ٩ - معن بن حاجز: إلى بني سليم ومن معهم من هوازن.
- ١٠ - سويد بن مقرن: إلى تهامة باليمن.
- ١١ - العلاء بن الحضرمي: إلى البحرين.
هؤلاء هم القواد الذي اختارهم أبو بكر لقتال أهل الردة وعقد لكل واحد منهم لواء ومن هذا يتبين أنهم أرسلوا إلى جميع العرب الذين كانوا قد ارتدوا، فما أصعب مهمة أبي بكر ومهمة قواده الذين كلفوا بإخضاع المرتدين وإعادتهم إلى لواء الإسلام، ولم يبق بالمدينة غير قوة صغيرة. وبقي أبو بكر في المدينة ولم يبعث عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، والزبير مع كفايتهم الحربية، بل أبقاهم معه لاستشارتهم.
فصلت الأمراء من ذي القصة ونزلوا على قصدهم فلحق بكل أمير جنده وقد عهد إليهم عهده وكتب إلى من بعث إليه من جميع المرتدين.
وهذا نص الكتاب الذي أرسله أبو بكر إلى المرتدين من العرب وأعطى كل أمير نسخة منه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(من أبي بكر حليفة رسول الله ﷺ إلى من بلغه كتابي هذا من عامة وخاصة، أقام على إسلامه أو رجع عنه. سلام على من اتبع الهدى ولم يرجع بعد الهدى إلى الضلالة والعمى، فإني أحمد
стр. 53
إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. نقر بما جاء به ونكفر من أبى ونجاهده) .
(أما بعد فإن الله أرسل محمدا بالحق من عنده إلى خلقه بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين. فهدى الله بالحق من أجاب إليه وضرب رسول الله ﷺ بإذنه من أدبر عنه حتى صار إلى الإسلام طوعا أو كرها، ثم توفى الله رسوله ﷺ وقد نفذ أمر الله ونصح لأمته وقضى الذي عليه. وكان الله قد بين له ذلك ولأهل الإسلام في الكتاب الذي أنزل، فقال ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ الزمر ٣٠، وقال ﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفئن مت فهم الخالدون﴾ الأنبياء ٣٤، وقال للمؤمنين ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين﴾ آل عمران ١١٤، من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله وحده لا شريك له فإن الله له بالمرصاد، حي قيوم لا يموت ولا تأخذه سنة ولا نوم. حافظ لأمره، منتقم من عدوه يجزيه، وإني أوصيكم بتقوى الله وحظكم ونصيبكم من الله، وما جاءكم به نبيكم ﷺ وأن تهتدوا بهداه، وأن تعتصموا بدين الله فإن كل من لم يهده الله ضال وكل من لم يعافه مبتلى، وكل من لم يعنه الله مخذول، فمن
стр. 54
هداه الله كان مهتديا ومن أضله كان ضالا. قال الله تعالى ﴿من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً﴾ الكهف ١٧، ولم يقبل منه في الآخرة صرف ولا عدل. وقد بلغني رجوع من رجع منكم عن دينه بعد أن أقر بالإسلام وعمل به اغترارا بالله وجهالة بأمره وإجابة للشيطان. قال الله تعالى ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه. أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو. بئس للظالمين بدلا﴾ الكهف ٥١. وقال: ﴿إن الشيطان كان لكم عدو فاتخذوه عدوا. إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير﴾ فاطر ٦، وإني بعثت إليكم (فلانا) في جيش من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان وأمرته أن لا يقاتل أحدا ولا يقتله حتى يدعوه إلى داعية الله فمن استجاب له وأقر وكف وعمل صالحا قبل منه وأعانه عليه. ومن أبى أمرته أن يقاتله على ذلك ثم لا يبقى على أحد منهم قدر عليه وأن يحرقهم بالنار ويقتلهم كل قتلة، ويسبي النساء والذراري ولا يقبل من أحد إلا الإسلام، فمن اتبعه فهو خير له ومن تركه فلن يعجز الله. وقد أمرت رسولي أن يقرأ كتابي في كل مجمع لكم. والداعية الأذان. فإذا أذن المسلمون فأذنوا فكفوا عنهم وإن لم يؤذنوا عاجلوهم وإن أذنوا
стр. 55
اسألوهم ما عليهم فإن أبوا عاجلوهم وإن أقروا اقبلوا منهم واحملوهم على ما ينبغي لهم) .
هذا إعلان عام للمرتدين وقد أمرهم بالخضوع والعودة إلى الإسلام حالا بمجرد الدعوة وإلا كان كل أمير في حل من قتل من أبى وحرقه واستعمال الشدة معه وسبي الذراري والنساء.
وأعطى لكل قائد عهدا بوصية بما يجب عليه أن يتبعه ويسلكه للقيام بالمهمة التي عهد إليه بها. وهذا نص العهد:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(هذا عهد من أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ "لفلان" حين بعثه لقتال من رجع عن الإسلام وعهد إليه أن يتقي الله ما استطاع في أمره كله. سره وعلانيته. وأمره بالجد في أمر الله ومجاهدة من تولى عنه ورجع عن الإسلام إلى أماني الشيطان بعد أن يعذر إليهم فيدعوهم بداعية الإسلام، فإن أجابوه أمسك عنهم وإن لم يجيبوه شن غارته عليهم حتى يقروا له ثم ينبئهم بالذي عليهم والذي لهم فيأخذ ما عليهم ويعطيهم الذي لهم لا ينظرهم ولا يرد المسلمين عن قتال عدوهم، فمن أجاب إلى أمر الله قبل ذلك منه وأعانه عليه بالمعروف. إنما يقاتل بالمعروف وإنما يقتل من كفر بالله على الإقرار بما جاء من عند الله فإذا أجاب الدعوة لم يكن عليه سبيل وكان الله حسيبه بعد فما استيسر به. ومن لم يجب داعية الله قتل وقوتل حيث كان وحيث بلغ مرغمه لا يقبل
стр. 56
من أحد شيئا أعطاه إلا الإسلام. فمن أجابه وأقر قبل منه وعلمه، ومن أبى قاتله. فإن أظهره الله عليه قتل منهم كل قتلة بالسلاح والنيران. ثم قسم ما أفاء الله عليه إلا الخمس فإنه يبلغناه، وأن يمنع أصحابه العجلة والفساد، وأن لا يدخل فيهم حشوا حتى يعرفهم ويعلم ما هم لئلا يكونوا عيونا ولئلا يؤتى المسلمون من قبلهم، وأن يقتصد بالمسلمين ويرفق بهم في السير والمنزل ويتفقدهم ولا يعجل بعضهم عن بعض ويستوصي بالمسلمين في حسن الصحبة ولين القول) .
стр. 57
موقعة بزاخة وفرار طليحة إلى الشام .
- وجه أبو بكر خالد بن الوليد لمحاربة طليحة فإذا فرغ من قتاله سار إلى مالك بن نويرة بالبُطاح (١) .
وكان أبو بكر بعث عدي بن حاتم (٢) قبل خالد بن الوليد إلى طيء وأَتْبعه خالدا وأمره أن يبدأ بطيء ومنهم يسير إلى بُزَاخة ثم إلى البطاح ولا يبرح إذا فرغ من قوم حتى يأذن له وأظهر للناس أنه خارج بجيش إلى خيبر حتى يلاقي خالدا وذلك بقصد إرهاب العدو.
قدم عدي بن حاتم إلى طيء كما أمره أبو بكر ليدعوهم إلى الإسلام قبل أن يحاربهم خالد. فلما دعاهم وخوفهم طلبوا إليه أن يتوسط في تأخير الجيش عنهم ثلاثة أيام حتى يتمكنوا من سحب من انضم إليهم
стр. 58
إلى طليحة بن خويلد الأسدي لئلا يقتلهم. فعاد عدي وأخبر خالدا بالخبر وتأخر وأرسلت طيء إلى إخوانهم عند طليحة فلحقوا بهم فعادت طيء إلى خالد بإسلامهم.
بعد ذلك هم خالد بالرحيل إلى جَديلة (١) فاستمهله عدي أيضا ريثما يكلمهم. فذهب إليهم يدعوهم إلى الإسلام فلم يزل بهم حتى أجابوه، فعاد إلى خالد بإسلامهم ولحق بالمسلمين ألف راكب منهم وكان خير مولود في أرض طيء وأعظمه بركة عليهم لأنه كفاهم شر القتال بدخولهم في الإسلام وأفاد جيش المسلمين وأراحهم من قتالهم وأفادهم بما انضم إليهم منهم، وفي الحقيقة فإن الخدمة التي أداها عدي بن حاتم للطرفين جليلة لا تقدر.
وكان خالد قد أرسل عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم طليعة فلقيها حبال أخو طليحة فقتلاه فبلغ خبره طليحة فخرج هو وأخوه سلمة فقتل سلمة فقتل طليحة عكاشة وقتل أخوه ثابتا ورجعا. فلما أقبل خالد بجيشه رأوا عكاشة وثابتا عكاشة قتيلين فتحرج المسلمون لذلك وقالوا قتل سيدان من سادات المسلمين وفارسان من فرسانهم.
سار خالد بجيشه إلى بزاخة والتقى بجيش طليحة فتقاتلوا قتالا شديدا وطليحة ملتف في كسائه يتنبأ لهم. وكان عيينة بن
стр. 59
حِصْن (١) يقاتل مع طليحة في ٧٠٠ من بني فزارة قتالا شديدا.
ولما اشتدت الحرب كر عيينة بن محصن على طليحة وقال له: هل جاءك جبريل؟ قال لا. فرجع فقاتل ثم عاد إلى طليحة فقال له لا أبالك هل جاءك جبريل؟ قال لا فقال عيينة حتى متى؟ قد والله بلغ منا. ثم رجع فقاتل قتالا شديدا. ثم كر على طليحة. فقال هل جاءك جبريل؟ فقال نعم. قال: فماذا قال لك؟ قال: قال لي: إن لك رحى كرحاه، وحديثا لا تنساه. فقال عيينة قد علم الله أنه سيكون حديث لا تنساه. (انصرفوا بني فزارة فإنه كذاب) فانصرفوا، وانهزم الناس.
وكان طليحة قد أعد فرسه وراحلة لامرأته (النوار) فلما غشوه ركب فرسه وحمل امرأته ثم نجا بها وقال:
(يا معشر فزارة من استطاع أن يفعل هكذا وينجو بامرأته فليفعل) ثم انهزم فلحق بالشام ثم نزل على كلب وأسلم حين بلغه أن أسدا وغطفان قد أسلموا، ولم يزل مقيما في كلب حتى مات أبو بكر وكان قد خرج معتمرا، ومر بجنبات المدينة؛ فقيل لأبي بكر: هذا طليحة فقال: ماذا أصنع به قد أسلم؟
стр. 60
ولما أوقع الله بطليحة وفزارة ما أوقع أقبل أولئك يقولون: ندخل فيما خرجنا منه ونؤمن بالله ورسوله ونسلم لحكمه في أموالنا وأنفسنا. وقد بايع خالد من خضع وأسلم من القبائل، وهذا نص البيعة:
(عليكم عهد الله وميثاقه، لتؤمنن بالله ورسوله، ولتقيمن الصلاة ولتؤتن الزكاة وتبايعون على ذلك أبناءكم ونساءكم) .
ولم يقبل من أحد من أسد، وغطفان، وطيء، وعامر إلا أن يأتوه بالذين حرقوا ومثلوا وعدوا على الإسلام في حال ردتهم فأتوا بهم فمثل بهم وحرقهم ورضخهم بالحجارة ورمى بهم من الجبال ونكسهم في الآبار وأرسل إلى أبي بكر يعلمه ما فعل وأرسل إليه قرة بن هبيرة ونفرا معه وزهيرا موثقين.
أم زمل بنت مالك بن حذيفة بن بدر فكانت قد سبيت أيام أمها أم قرفة (١) ، فوقعت لعائشة فأعتقتها ورجعت إلى قومها وارتدت، واجتمع إليها الفل، فإمرتهم بالقتال، وكثف جمعها، وعظمت شوكتها. فلما بلغ خالدا أمرها سار إليها فاقتتلوا قتالا شديدا أول يوم وهي واقفة على جمل كان لأمها وهي في مثل عزها فاجتمع على الجمل فوارس فعقروه وقتلوها، وقتل حول الجمل مائة رجل، وبعث خالد بالفتح إلى أبي بكر.
стр. 61
أسر عيينة بن حصن
- كان خالد بن الوليد أسر عيينة بن حصن فقدم به إلى أبي بكر فكان صبيان المدينة يقولون له وهو مكتوف: يا عدو الله أكفرت بعد إيمانك؟ فيقول ما آمنت بالله طرفة عين فتجاوز عنه أبو بكر وحقن دمه.
مثال من كلام طليحة
- وأخذ من أصحاب طليحة رجلا كان عالما به فسأله خالد عما كان يقول فقال: إن مما أتي به:
(والحمامِ واليَمَام، والصُّرَدِ والصًّوام (١) ، قد صمن قبلكم بأعوام ليبلغنَّ مُلْكنا العراق والشام) ولم يبلغ ملك طليحة لا العراق ولا الشام بل هو الذي فر إلى الشام.
ويغلب على ظني أن خالدا لما سمع هذا السجع السخيف لم يتمالك من الضحك مع أن طليحة كان شاعراً.
стр. 62
هزيمة بني تميم وقصة مالك بن نُوَيرة .
- بعد أن أخضع خالد بن الوليد القبائل التي تقطن التلال الواقعة شمالي المدينة سار لقتال بني تميم بهضبة عند الخليج الفارسي وهم قسمان: نصارى وعباد أصنام منتشرون في المراعي الواسعة بين اليمامة ومصب الفرات، وكانوا قد أسلموا في زمن النبي ﷺ كسائر القبائل العربية وفرق فيهم عماله، فكان الزبرقان منهم وسهيل بن منجاب وقيس بن عاصم وصفوان بن صفوان وسبرة بن عمر ووكيع بن مالك ومالك بن نويرة. ثم ارتدوا ومنعوا الزكاة بعد وفاة رسول الله ولما تولى أبو بكر الخلافة وانتصر في أول موقعة له سار صفوان بن صفوان إلى أبي بكر بصدقات بني عمرو إلا أنه في هذه الأثناء تشاغلت تميم بعضها ببعض، وبينما هم كذلك جاءتهم سجاح بنت الحارث بن سويد بن عقفان التميمية قد أقبلت من الجزيرة وادعت النبوة وكانت ورهطها في أخوالها من تغلب تقود ربيعة ومعها الهذيل بن عمران في بني تغلب وكان نصرانيا فترك دينه وتبعها، كما أن سجاح كانت قد اعتنقت الديانة المسيحية قبل أن تتنبأ ومعها عقة بن هلال في النمر وزياد
стр. 63
بن فلان في إياد والسليل بن قيس في شيبان، فأتاهم أمر أعظم مما هم فيه لاختلافهم.
وكانت سجاح تريد غزو المدينة، فأرسلت إلى مالك بن نويرة تطلب الموادعة فأجابها إلا أن قبائل تميم الأخرى أبوا اتباعها، وحاربوها في عدة مواقع فانهزمت هي ومالك، وبعد أن صالحتهم وبادلتهم الأسرى سارت في جنود الجزيرة قاصدة اليمامة وقالت:
(عليكم باليمامة ودفُوُّا (١) دفيف الحمامة. فإنها غزوة صَرَّامة (٢) لا يلحقكم بعدها ملامة) .
وكانت سجاح تريد مهاجمة مسيلمة، فقصدت بني حنيفة. فبلغ ذلك مسيلمة فخاف إن هو شغل بها أن يغلب ثمامة وشرحبيل بن حسنة والقبائل التي حولهم على حجر وهي اليمامة فأهدى لهم ثم أرسل يستأمنها على نفسه حتى يأتيها فجاءها في أربعين من بني حنيفة. فقال مسيلمة: لنا نصف الأرض وكان لقريش نصفها لو عدلت، وقد رد الله عليك النصف الذي ردت قريش.
واجتمع مسيلمة بسجاح وضرب لها قبة وتزوجها وصالحها على غلات اليمامة سنة تأخذ النصف وتترك النصف، فأخذت النصف وانصرفت إلى الجزيرة وخلفت الهذيل وعقبة وزيادا لأخذ النصف
стр. 64
الباقي فلم يفاجئهم إلا دنو خالد إليهم فانفضوا، ويلاحظ أن سجاح لم تقم مع زوجها مسيلمة الذي آمنت به، بل تركته وعادت إلى الجزيرة.
أما مالك بن نويرة فإنه ندم على ما فعل لاتباعه سجاح وتحير في أمره وسار خالد بن الوليد بعد أن فرغ من فزارة وغطفان وأسد وطيء يريد البطاح، وبها مالك بن نويرة قد تردد عليه أمره. وتخلفت الأنصار عن خالد وقالوا ما هذا بعهد الخليفة إلينا إن نحن فرغنا من بزاخة أن نقيم حتى يكتب إلينا فتركهم خالد ومضى، وندمت الأنصار ولحقوه ثم سار حتى قدم البطاح فلم يجد فيها أحدا، وكان مالك بن نويرة قد فرقهم ونهاهم عن الاجتماع فلما قدم خالد البطاح بث السرايا وأمرهم بداعية الإسلام وأن يأتوه بكل من لم يجب، وإن امتنع أن يقتلوه. فجاءته الخيل بمالك بن نويرة في نفر من بني ثعلبة بن يربوع. وكان فيهم أبو قتادة، فشهد أنهم قد أذنوا وأقاموا وصلوا. وقال قوم إنهم لم يفعلوا ذلك. فلما اختلفوا في أمرهم أمر خالد بن الوليد بحبسهم فحبسوا في ليلة باردة وأمر مناديا فنادى أدفئوا أسراكم، وهي في لغة كنانة القتل فظن القوم أنه أراد القتل ولم يرد إلا الدفء فقتلوهم فقتل ضرار بن الأزور مالكا، وسمع خالد الداعية (١) فخرج وقد فرغوا منهم فقال: (إذا أراد الله أمرا أصابه) .
стр. 65
زواج خالد
- تزوج خالد أم تميم امرأة خالد بن نويرة. ولما وصل الخبر إلى المدينة قال عمر لأبي بكر إن سيف خالد فيه رهق (١) وأكثر عليه في ذلك. فقال يا عمر: (تأول فأخطأ فارفع لسانك عن خالد فإني لا أشيم (٢) سيفا سلَّه الله على الكافرين) ووَدَى مالكاً (٣) ، وكتب إلى خالد أن يقدم عليه ففعل ودخل المسجد وعليه قباء (٤) وقد غرز في عمامته أسهما، فقام عمر فنزعها وحطمها، وقال له: قتلت امرأ مسلما ثم نزوت على امرأته (٥) والله لأرجمنك بأحجارك وخالد لا يكلمه يظن أن رأي أبي بكر مثله، ودخل على أبي بكر فأخبره الخبر واعتذر إليه فعذره، وتجاوز عنه وعنفه في التزويج الذي كانت عليه العرب من كراهته أيام الحرب فخرج خالد وعمر جالس. فقال: هلم إلي يا ابن أم شملة فعرف عمر أن أبا بكر قد رضي عنه فلم يكلمه. وقدم أخوه متمم بن نويرة على أبي بكر يطالب بدم أخيه ويسأله أن يرد عليهم سبيهم فأمر أبو بكر برد السبي وودى مالكا من بيت المال. غير أن سير ويليام موير يقول في كتابه (الخلافة) طبعة ١٩٢٤ صفحة ٢٦ (٦) إن
стр. 66
أبا بكر أمر برد الأسرى لكنه رفض أن يدي مالكا من غير أن يشير إلى المصدر الذي استند إليه في الرفض، وهذا يخالف ما جاء في تاريخ الطبري والكامل لابن الأثير وأسد الغابة. فقد ورد في هذه المراجع أن أبا بكر أمر برد السبي وودى مالكا. وقد كانت زوجة مالك بن نويرة غاية الجمال. وكان خالد بن الوليد يحبها فقتل زوجها مالكا ليتزوجها مع أنه أقر بالإسلام. وقال مالك عندما أمر خالد بقتله: (إن هذه التي قتلتني) يريد زوجته، وهذا الذي استوجب غضب عمر على خالد. وكان يريد أن يرجمه باعتباره زانيا.
وفي زواج خالد بزوجة مالك بن نميرة يقول أبو نمير السعدي:
ألا أقل لحي أوطئوا بالسنابك ... تطاول هذا الليل من بعد مالك
قضى خالد بغيا عليه بعرسه ... وكان هوى فيها قبل ذلك
فأمضى هواه خالد غير عاطف ... عنان الهوى عنها ولا متمالك
فأصبح ذا أهل وأصبح مالك ... إلى غير أهل هالكا في الهوالك (١)(٢) .
كان ممن شهد لمالك بالإسلام أبو قتادة الحارث بن ربعي أخو بني سلمة وقد كان عاهد الله أن لا يشهد مع خالد بن الوليد حربا أبدا بعدها وكان يحدث أنهم لما غشوا القوم راعوهم تحت الليل فأخذ القوم السلاح
стр. 67
قال فقلنا إنا مسلمون. فقالوا ونحن مسلمون. قلنا فما بال السلاح معكم؟ قالوا فما بال السلاح معكم؟ قلنا فإن كنتم كما تقولون فضعوا السلاح. قال فوضعوها ثم صلينا وصلوا. وكان خالد يعتذر في قتله أنه كان يقول كذا وكذا. قال أو ما تعده لك صاحبا؟ ثم قدمه وضرب عنقه وعنق أصحابه.
стр. 68
موقعة اليمامة آخر سنة ١١هـ وبدء سنة ٦٣٣ م .
- كان خالد بن الوليد يحارب المرتدين في اليمامة من أتباع مسيلمة. واليمامة موطن بني حنيفة في وسط شبه جزيرة العرب وفي اتجاه الشرق قليلا. الشرق منها يوالي البحرين وبني تميم، والغرب يوالي أطراف اليمن والحجاز والجنوب نجران، والشمال أرض نجد. وطول اليمامة عشرون مرحلة وهي على أربعة أيام من مكة. بلاد نخل وزرع.
بلغ عدد جيوش مسيلمة ٤٠. ٠٠٠٠ مقاتل وهؤلاء هم الذين سار خالد لمحاربتهم.
كان مسيلمة رجلا صغير الجسم دميم الوجه له كفاءة تؤهله للزعامة. وكان قد قدم إلى النبي ﷺ في وفد بني حنيفة واجتمع برسول الله ﷺ ثم رجع إلى قومه وادعى أنه شريك رسول الله في النبوة، فاتبعه بنةو حنيفة. وكتب مسيلمة إلى رسول الله يذكر أنه شريكه في النبوة وأرسل كتابا مع رسولين فسألهما رسول الله عنه فصدقاه، فقال لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكما. وكان كتاب مسيلمة:
стр. 69
(من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله. أما بعد فإني أشركت معك في الأمر وإن لنا نصف الأرض، ولقريش نصفها ولكن قريش قوم يعتدون) .
فكتب إليه رسول الله:
(بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب أما بعد فالسلام على من اتبع الهدى فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين) .
فلما مات رسول الله وبعث أبو بكر السرايا إلى المرتدين أرسل عكرمة بن أبي جهل في عسكر إلى مسيلمة، وأتبعه شرحبيل بن حسنة فاستعجل وانهزم وأقام شرحبيل بالطريق حين أدركه الخبر وكتب عكرمة إلى أبي بكر بالخبر، فكتب إليه أبو بكر:
(لا أرينك ولا تراني. لا ترجعن فتوهن الناس، امض إلى حذيفة وعرجفة فقاتل أهل عمان ومهرة ثم تسير أنت وجندك لا تستبرئون الناس حتى تلقى بها مهاجر بن أبي أمية (١) باليمن وحضرموت) .
وكتب إلى شرحبيل بالمقام إلى أن يأتي خالد فإذا فرغوا من مسيلمة تلحق بعمرو بن العاص تعينه على قضاعة.
فلما رجع خالد من البطاح إلى أبي بكر واعتذر إليه فقبل عذره وأوعب معه المهاجرين والأنصار، وعلى الأنصار (ثابت بن قيس بن
стр. 70
شماس) وعلى المهاجرين (أبو حذيفة وزيد بن الخطاب) وأقام خالد بالبطاح ينتظر وصول البعث إليه. فلما وصلوا إليه سار إلى اليمامة بجيشه لملاقاة العدو.
ولما بلغ مسيلمة دنو خالد ضرب عسكره بعقرباء (١) وخرج إليه الناس وخرج مجاعة بن مرارة في سرية يطلب ثأرا لهم في بني عامر - فلم يكن يقصد قتال المسلمين - فأخذه المسلمون وأصحابه وقتلهم خالد واستبقاه لشرفه في بني حنيفة وكانوا ما بين أربعين إلى ستين وترك مسيلمة الأموال وراء ظهره.
وفي صباح اليوم التالي التقى الجيشان بسهل عقرباء وقال شرحبيل بن مسيلمة: (يا بني حنيفة قاتلوا فإن اليوم يوم الغيرة فإن انهزمتم تستردف النساء سبيات وينكحن غير خطيبات. فقاتلوا عن أحسابكم وامنعوا نساءكم) فاقتتلوا بعقرباء.
стр. 71
وكانت راية المهاجرين مع سالم مولى أبي حنيفة.
وكانت مع عبد الله بن حفص بن غانم فقتل فقالوا لسالم (نخشى عليك من نفسك) فقال (بئس حامل القرآن أنا إذا) .
وكانت راية الأنصار مع ثابت بن قيس بن شماس وكان أول من لقي المسلمين نَهَار الرَّجَّال بن عُنْفُوَة (١) ، فقتله زيد بن الخطاب واشتد القتال ولم يلق المسلمون حربا مثلها قط وانهزم المسلمون وخلص بنو حنيفة إلى مجاعة وإلى خالد فزال خالد عن الفسطاط ودخلوا مجاعة وهو عند زوجة خالد يحرسها فأرادوا قتلها فنهاهم مجاعة عن قتلها وقال (أنا لها جار) فتركوها، وقال لهم (عليكم بالرجال) فقطعوا الفسطاط وحاق الخطر بالمسلمين في هذه الساعة وأخذ بعضهم يحث على القتال ويستفز الهمم. فقال ثابت بن قيس:
(بئس ما عودتم أنفسكم يا معشر المسلمين. اللهم إني أبرأ إليك مما يصنع هؤلاء - يعني أهل اليمامة - وأعتذر إليك مما يصنع هؤلاء - يعني المسلمين ثم قاتل حتى قتل.
وقال زيد بن الخطاب:
стр. 72
(لا تحوز بعد الرجال. والله لا أتكلم اليوم حتى نهزمهم، أو أقتل فأكلمه بحجتي. غضوا أبصاركم. وعضوا على أضراسكم أيها الناس واضربوا في عدوكم وامضوا قدما) .
وقال أبو حذيفة:
(يا أهل القرآن زينوا القرآن بالفعال) .
وقد كانت لهذه الكلمات الحماسية أثرها في النفوس فحمل خالد في الناس حتى ردهم إلى أبعد مما كانوا واشتد القتال وقاتل العدو قتال المستميت. وكانت الحرب يومئذ تارة للمسلمين، وتارة ابني حنيفة. وقتل سالم وأبو حذيفة وزيد بن الخطاب وغيرهم من كبار المسلمين.
ولما رأى خالد ما الناس فيه واختلاط جيشه، أراد أن يميزهم لتدب فيهم روح الغيرة فقال:
(امتازوا أيها الناس لنعلم بلاء كل حي ولنعلم من أين نؤتى) .
وكان أهل البوادي قد جنبوا المهاجرين والأنصار، وجنبهم المهاجرين والأنصار. فلما امتازوا قال بعضهم لبعض (اليوم يستحى من الفرار) فما رئي يوم أعظم نكاية، غير أن القتل كان في المهاجرين والأنصار وأهل القرى أكثر منه في البوادي.
وثبت مسيلمة فدارت رحاهم عليه، وأدرك خالد أن الحالة لا تهدأ إلا إذا قتل مسيلمة فحمل عليهم ودعا إلى البراز ونادى بشعار المسلمين يومئذ وكان (يا محمداه) فلم يبرز إليه أحد إلا قتله، وحمل على
стр. 73
مسيلمة ففر وفر أصحابه، وصاح خالد في الناس فهجموا عليهم فكانت الهزيمة، ونادى المحكم بن الطفيل وهو أحد قواد بني حنيفة المشهورين (يا بني حنيفة الحديقة. الحديقة (١)) ثم رماه عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق بسهم فوضعه في نحره فقتله. وكان ممن دخل الحديقة مسيلمة. وقال البراء بن مالك (يا معشر المسلمين ألقوني عليهم في الحديقة) فتردد المسلمون خوفا عليه. ثم احتملوه فألقوه. فلما أشرف على الحديقة من الجدار اقتحم فقاتلهم عن باب الحديقة التي كانت مغلقة حتى فتحها للمسلمين فاندفع المسلمون إليها كالسيل الجارف، فأغلق الباب عليهم بعد دخولهم جميعا، ورمى بالمفتاح من وراء الجدار حتى لا يتمكن أحد من الخروج فاقتتلوا قتالا شديدا وقتل مسيلمة. قتله وحشي مولى جبير بن مطعم ورجل من الأنصار كلاهما قد أصابه. ووحشي هذا هو قاتل حمزة كما تقدم في السيرة النبوية. فولت بنو حنيفة عند قتله منهزمة وأخذهم السيف من كل جانب حتى قتلوا عن آخرهم وأخبر خالد بقتل مسيلمة فخرج بمجاعة يرسف في الحديد ليدله على مسيلمة وأخذ يكشف له عن جثث القتلى حتى عثر عليه. فقال مجاعة لخالد (ما جاءك إلا سرعان الناس (٢) وإن جماهير الناس لفي الحصون) . فقال ويلك ما تقول؟ قال هو والله الحق فهلم لأصالحك عن قومي، وكان خالد
стр. 74
نهكته الحرب وأصيب معه من أشراف الناس من أصيب فقد رق وأحب الدعة والصلح. ثم قال مجاعة: (أنطلق إليهم فأشاورهم وننظر في هذا الأمر فأرجع إليك) فانطلق ودخل الحصون، وليس فيها إلا النساء والصبيان، ومشيخة فانية ورجال ضعفى فظاهر الحديد على النساء وأمرهن أن ينشرن شعورهن وأن يشرفن على رؤوس الحصون حتى يرجع إليهم ثم رجع فأتى فقال: قد أبوا ما صالحتك عليه وقد أشرف لك بعضهم نقضا علي وهم مني براء - فنظر خالد إلى رؤوس الحصون وقد اسودت - ولكن إن شئت صنعت شيئا فعزمت على القوم. قال ما هو؟ قال تأخذ مني ربع السبي وتدع ربعا. فقال قد فعلت. قال: قد صالحتك. فلما فرغ فتحت الحصون فإذا ليس فبها إلا النساء والصبيان والشيوخ فقال خالد لمجاعة: ويحك! خدعتني. قال: قومي ولم أستطع إلا ما صنعت.
وقيل صالحه خالد على الذهب والفضة والسلاح ونصف السبي ولما عرض هذا الصلح عارض قوم من بني حنيفة، ومنهم سلمة بن عمير الحنفي فإنه أبى إلا الحرب وتجنيد أهل القرى والعبيد غير أن مجاعة أصر على الصلح وكتب خالد كتاب الصلح وهذا نصه:
(هذا ما قاضى عليه خالد بن الوليد مجاعة بن مرارة وسلمة بن عمير
стр. 75
وفلانا وفلانا: قاضاهم على الصفراء، والبيضاء (١) ونصف السبي والحلقة (٢) والكراع (٣) وحائط من كل قرية ومزرعة على أن يسلموا ثم أنتم آمنون بأمان الله ولكم ذمة خالد بن الوليد، وذمة أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ وذمم المسلمين على الوفاء) .
ثم وصل كتاب أبي بكر إلى خالد أن يقتل كل محتلم لكنه وصل متأخرا لأن خالدا كان قد صالحهم فوفى لهم ولم يغدر، والذي أوصل كتاب أبي بكر هو سلمة بن سلامة بن وقش.
وحشرت بنو حنيفة إلى البيعة والبراءة مما كانوا عليه إلى خالد، وخالد في عسكره.
محاولة اغتيال خالد
- لما اجتمعت بنو حنيفة للبيعة، قال سلمة بن عمير لمجاعة استأذن لي على خالد أكلمه في حاجة له عندي ونصيحة، وقد أراد أن يفتك به فأذن له. فأقبل سلمة بن عمير مشتملا على السيف يريد ما يريد. فقال خالد: من هذا المقبل؟ قال مجاعة: هذا الذي كلمتك فيه وقد أذنت له. قال: أخرجوه عني. فأخرجوه عنه ففتشوه فوجدوا معه السيف