وكانت راية المهاجرين مع سالم مولى أبي حنيفة.
وكانت مع عبد الله بن حفص بن غانم فقتل فقالوا لسالم (نخشى عليك من نفسك) فقال (بئس حامل القرآن أنا إذا) .
وكانت راية الأنصار مع ثابت بن قيس بن شماس وكان أول من لقي المسلمين نَهَار الرَّجَّال بن عُنْفُوَة (١) ، فقتله زيد بن الخطاب واشتد القتال ولم يلق المسلمون حربا مثلها قط وانهزم المسلمون وخلص بنو حنيفة إلى مجاعة وإلى خالد فزال خالد عن الفسطاط ودخلوا مجاعة وهو عند زوجة خالد يحرسها فأرادوا قتلها فنهاهم مجاعة عن قتلها وقال (أنا لها جار) فتركوها، وقال لهم (عليكم بالرجال) فقطعوا الفسطاط وحاق الخطر بالمسلمين في هذه الساعة وأخذ بعضهم يحث على القتال ويستفز الهمم. فقال ثابت بن قيس:
(بئس ما عودتم أنفسكم يا معشر المسلمين. اللهم إني أبرأ إليك مما يصنع هؤلاء - يعني أهل اليمامة - وأعتذر إليك مما يصنع هؤلاء - يعني المسلمين ثم قاتل حتى قتل.
وقال زيد بن الخطاب:
стр. 72
(لا تحوز بعد الرجال. والله لا أتكلم اليوم حتى نهزمهم، أو أقتل فأكلمه بحجتي. غضوا أبصاركم. وعضوا على أضراسكم أيها الناس واضربوا في عدوكم وامضوا قدما) .
وقال أبو حذيفة:
(يا أهل القرآن زينوا القرآن بالفعال) .
وقد كانت لهذه الكلمات الحماسية أثرها في النفوس فحمل خالد في الناس حتى ردهم إلى أبعد مما كانوا واشتد القتال وقاتل العدو قتال المستميت. وكانت الحرب يومئذ تارة للمسلمين، وتارة ابني حنيفة. وقتل سالم وأبو حذيفة وزيد بن الخطاب وغيرهم من كبار المسلمين.
ولما رأى خالد ما الناس فيه واختلاط جيشه، أراد أن يميزهم لتدب فيهم روح الغيرة فقال:
(امتازوا أيها الناس لنعلم بلاء كل حي ولنعلم من أين نؤتى) .
وكان أهل البوادي قد جنبوا المهاجرين والأنصار، وجنبهم المهاجرين والأنصار. فلما امتازوا قال بعضهم لبعض (اليوم يستحى من الفرار) فما رئي يوم أعظم نكاية، غير أن القتل كان في المهاجرين والأنصار وأهل القرى أكثر منه في البوادي.
وثبت مسيلمة فدارت رحاهم عليه، وأدرك خالد أن الحالة لا تهدأ إلا إذا قتل مسيلمة فحمل عليهم ودعا إلى البراز ونادى بشعار المسلمين يومئذ وكان (يا محمداه) فلم يبرز إليه أحد إلا قتله، وحمل على
стр. 73
مسيلمة ففر وفر أصحابه، وصاح خالد في الناس فهجموا عليهم فكانت الهزيمة، ونادى المحكم بن الطفيل وهو أحد قواد بني حنيفة المشهورين (يا بني حنيفة الحديقة. الحديقة (١)) ثم رماه عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق بسهم فوضعه في نحره فقتله. وكان ممن دخل الحديقة مسيلمة. وقال البراء بن مالك (يا معشر المسلمين ألقوني عليهم في الحديقة) فتردد المسلمون خوفا عليه. ثم احتملوه فألقوه. فلما أشرف على الحديقة من الجدار اقتحم فقاتلهم عن باب الحديقة التي كانت مغلقة حتى فتحها للمسلمين فاندفع المسلمون إليها كالسيل الجارف، فأغلق الباب عليهم بعد دخولهم جميعا، ورمى بالمفتاح من وراء الجدار حتى لا يتمكن أحد من الخروج فاقتتلوا قتالا شديدا وقتل مسيلمة. قتله وحشي مولى جبير بن مطعم ورجل من الأنصار كلاهما قد أصابه. ووحشي هذا هو قاتل حمزة كما تقدم في السيرة النبوية. فولت بنو حنيفة عند قتله منهزمة وأخذهم السيف من كل جانب حتى قتلوا عن آخرهم وأخبر خالد بقتل مسيلمة فخرج بمجاعة يرسف في الحديد ليدله على مسيلمة وأخذ يكشف له عن جثث القتلى حتى عثر عليه. فقال مجاعة لخالد (ما جاءك إلا سرعان الناس (٢) وإن جماهير الناس لفي الحصون) . فقال ويلك ما تقول؟ قال هو والله الحق فهلم لأصالحك عن قومي، وكان خالد
стр. 74
نهكته الحرب وأصيب معه من أشراف الناس من أصيب فقد رق وأحب الدعة والصلح. ثم قال مجاعة: (أنطلق إليهم فأشاورهم وننظر في هذا الأمر فأرجع إليك) فانطلق ودخل الحصون، وليس فيها إلا النساء والصبيان، ومشيخة فانية ورجال ضعفى فظاهر الحديد على النساء وأمرهن أن ينشرن شعورهن وأن يشرفن على رؤوس الحصون حتى يرجع إليهم ثم رجع فأتى فقال: قد أبوا ما صالحتك عليه وقد أشرف لك بعضهم نقضا علي وهم مني براء - فنظر خالد إلى رؤوس الحصون وقد اسودت - ولكن إن شئت صنعت شيئا فعزمت على القوم. قال ما هو؟ قال تأخذ مني ربع السبي وتدع ربعا. فقال قد فعلت. قال: قد صالحتك. فلما فرغ فتحت الحصون فإذا ليس فبها إلا النساء والصبيان والشيوخ فقال خالد لمجاعة: ويحك! خدعتني. قال: قومي ولم أستطع إلا ما صنعت.
وقيل صالحه خالد على الذهب والفضة والسلاح ونصف السبي ولما عرض هذا الصلح عارض قوم من بني حنيفة، ومنهم سلمة بن عمير الحنفي فإنه أبى إلا الحرب وتجنيد أهل القرى والعبيد غير أن مجاعة أصر على الصلح وكتب خالد كتاب الصلح وهذا نصه:
(هذا ما قاضى عليه خالد بن الوليد مجاعة بن مرارة وسلمة بن عمير
стр. 75
وفلانا وفلانا: قاضاهم على الصفراء، والبيضاء (١) ونصف السبي والحلقة (٢) والكراع (٣) وحائط من كل قرية ومزرعة على أن يسلموا ثم أنتم آمنون بأمان الله ولكم ذمة خالد بن الوليد، وذمة أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ وذمم المسلمين على الوفاء) .
ثم وصل كتاب أبي بكر إلى خالد أن يقتل كل محتلم لكنه وصل متأخرا لأن خالدا كان قد صالحهم فوفى لهم ولم يغدر، والذي أوصل كتاب أبي بكر هو سلمة بن سلامة بن وقش.
وحشرت بنو حنيفة إلى البيعة والبراءة مما كانوا عليه إلى خالد، وخالد في عسكره.
محاولة اغتيال خالد
- لما اجتمعت بنو حنيفة للبيعة، قال سلمة بن عمير لمجاعة استأذن لي على خالد أكلمه في حاجة له عندي ونصيحة، وقد أراد أن يفتك به فأذن له. فأقبل سلمة بن عمير مشتملا على السيف يريد ما يريد. فقال خالد: من هذا المقبل؟ قال مجاعة: هذا الذي كلمتك فيه وقد أذنت له. قال: أخرجوه عني. فأخرجوه عنه ففتشوه فوجدوا معه السيف
стр. 76
فلعنوه وشتموه وأوثقوه وقالوا: لقد أردت أن تهلك قومك، وايم الله ما أردت إلا تستأصل بنو حنيفة، وتسبى الذرية والنساء، وايم الله لو أن خالدا علم أنك حملت السلاح لقتلك وما نأمنه إن بلغه أن يقتل الرجال ويسبي النساء بما فعلت فأوثقوه وجعلوه في الحصن وتتابع بنو حنيفة على البراء مما كانوا عليه وعلى الإسلام. وعاهدهم سلمة على أن لا يحدث حدثا ويتركوه فأبوا ولم يثقوا بحمقه أن يقبلوا منه عهدا. فأفلت ليلا فعمد إلى عسكر خالد فصاح به الحرس وفزعت بنو حنيفة فأتبعوه فأدركوه في بعض الحوائط، فشد عليهم بالسيف، فاكتنفوه بالحجارة، وأجال السيف على حلقه فقطع أوداجه (١) .
زواج خالد للمرة الثانية .
- تقدم عند ذكر قصة مالك بن نويرة أن خالد بن الوليد تزوج أم تميم امرأة مالك بعد قتله، وأن أبا بكر لما استدعاه إليه عنفه على ذلك لكنه في هذه المرة أراد أن يتزوج أيضا بابنة مجاعة فعرض عليه ذلك. فقال له مجاعة: (مهلا إنك قاطع ظهري، وظهرك معي عند صاحبك)
стр. 77
قال: أيها الرجل زوجني فزوجه. فبلغ ذلك أبا بكر فكتب إليه كتابا شديد اللهجة وهذا ما جاء فيه:
(لعمري يا ابن أم خال إنك لفارغ تنكح النساء وبفناء بيتك دم ألف ومائتي رجل من المسلمين لم يجف بعد) .
فلما نظر خالد في الكتاب جعل يقول: (هذا عمل الأعيسر يعني عمر بن الخطاب (١)) .
ثم ذهب وفد من بني حنيفة إلى أبي بكر وقص عليه ما كان من أمر مسيلمة، وسألهم عن بعض أسجاع مسيلمة فقالوا له شيئا منها فقال (ويحكم إن هذا الكلام ما خرج إلا من إلّ ولا بِرّ فأين يذهب بكم) ؟
خسائر بني حنيفة: قتل بعقرباء ٧٠٠٠، وبالحديقة نحو ٧٠٠٠، وفي الطلب نحو منها، وكانت موقعة عقرباء أعظم مواقع أهل الردة.
خسائر المسلمين: قتل من المهاجرين والأنصار من المدينة ٣٦٠ ومن المهاجرين من غير المدينة ٣٠٠ أو يزيدون عدا الجرحى.
أسماء من قتل باليمامة من مشهوري الصحابة
- أبو حبة بن غزية الأنصاري.
أبو دجانة الأنصاري.
أبو عقيل البلوي.
стр. 78
أبو قيس بن الحارث بن قيس بن عدي السهمي. جنادة بن عبد الله المطلبي القرشي.
زرارة بن قيس الأنصاري.
السائب بن عثمان بن مظعون الجمحي.
السائب بن العوام أخو الزبير لأبويه سعد بن جماز الأنصاري.
سعد بن جماز الأنصاري.
سلمة بن مسعود بن سنان الأنصاري.
شجاع بن وهب الأسدي.
صفوان بن عمرو.
ضرار بن الأزور الأسدي.
الطفيل بن عمرو الدوسي.
عامر بن ثابت بن سلمة الأنصاري.
عائذ بن ماعص الأنصاري.
عباد بن بشر الأنصاري.
عباد بن الحارث الأنصاري.
عبد الله بن الحارث بن قيس بن عدي السهمي.
عبد الله بن عبد الله بن أبي سلول.
عبد الله بن عتيك الأنصاري.
عبد الله بن مخرمة بن عبد العزى العامري.
علي بن عبيد الله بن الحارث.
стр. 79
عمارة بن حزم الأنصاري.
عمير بن أوس بن عتيك الأنصاري.
فروة بن النعمان.
قيس بن الحارث بن عدي الأنصاري.
مالك بن أمية السلمي.
مالك بن عمرو السلمي.
مالك بن أوس بن عتيك الأنصاري.
مسعود بن سنان الأسود.
معن بن عدي بن الجد البلوي.
النعمان بن عصر بن الربيع البلوي.
هريم بن عبد الله المطلبي القرشي.
ورقة بن إياس بن عمرو الأنصاري.
الوليد بن عبد شمس بن المغيرة المخزومي ابن عم خالد.
يزيد بن أوس.
يزيد بن ثابت أخو زيد بن ثابت.
стр. 80
أسجاع مسيلمة
- كان مسيلمة يصانع قومه ويلاطفهم مع ادعائه النبوة ليلتفت قومه حوله وليكثر أتباعه وأنصاره، وقد ساعده على ذلك نهار الرجال بن عنفوة الذي كان قد هاجر إلى النبي ﷺ وقرأ القرآن وفقه في الدين وبعثه معلما لأهل اليمامة وليشغب على مسيلمة، لكنه ما لبث أن انضم إلى مسيلمة وصدقه في الظاهر. لذلك قيل إنه كان أعظم فتنة على بني حنيفة من مسيلمة، وهو الذي شهد أن محمدا ﷺ شهد لمسيلمة أنه رسول الله. وقد اتفق المؤرخون على أن مسيلمة ادعى النبوة قبل وفاة رسول الله (١) ، غير أن الأستاذ مرجوليث يزعم أنه تنبأ قبل مبعث رسول الله، وهذا من الغرابة بمكان وليس في التاريخ ما يؤيد زعمه. فما الذي ألجأه إلى ذلك؟ إن السبب الذي دعاه إلى ذلك هو نفس السبب الذي دفعه إلى الاعتراض والطعن في السيرة النبوية لتشويهها، إنه يريد أن يفهم القارئ أن رسول الله هو الذي قلد مسيلمة وحذا حذوه، فادعى النبوة، وهو يعلم حق العلم أن مسيلمة كذاب، وأنه مقلد طامع في الملك، ولهذا قدم إلى النبي ﷺ في وفد بني حنيفة
стр. 81
وسأله أن يشركه معه في النبوة فأبى وحاول أن يضاهي القرآن تغريرا بعقول السذج من قومه فجاء كلامه سخيفا.
وإنا بعد ذلك نورد من أسجاعه ما عثرنا عليه ليتبين القارئ هذا المتنبئ ومبلغ علمه.
- ١ - والليل الدامس. والذئب الهامس (١) . ما قطعت أسيد من رطب ولا يابس.
- ٢ - والليل الأطحم (٢) : والذئب الأدلم (٣) . والجذع الأزلم (٤) . ما انتهكت أسيد من محرم.
- ٣ - إن بني تميم قوم طهر لقاح لا مكروه عليهم ولا إتاوة. نجاورهم ما حيينا بإحسان. نمنعهم من كل إنسان. فإذا متنا فأمرهم إلى الرحمن.
- ٤ - والشاء وألوانها. وأعجبها السود وألبانها. والشاة السوداء واللبن الأبيض، إنه لعجب محض. وقد حرم المذق فما لكم لا تمجعون.
- ٥ - يا ضفدع ابنة ضفدعين. نقي ما تنقين أعلاك في الماء وأسفلك في الطين. لا الشارب تمنعين. ولا الماء تكدرين.
- ٦ - والبذرات زرعا. والحاصدات حصدا. والذاريات قمحا. والطاحنات طحنا. والخابزات خبزا. والثاردات ثردا. واللاقمات لقما. إهالة وسمنا. لقد فضلتم على أهل الوبر. وم سبقكم أهل المدر. ريفكم فامنعوه. والباغي فناوئوه.
стр. 82
أعمال مسيلمة المشؤمة .
- لما ادعى مسيلمة النبوة لم يكتف قومه بسماع أسجاعه لتصديقه فيما يدعي ولا سيما أنه كان يبلغهم معجزات النبي التي بهرت ألباب العرب، فكانوا يأتون إليه ملتمسين منه المعونة عند الحاجة وليروا قدرته على إتيان المعجزات كجميع الأنبياء، فكان يرى نفسه مضطرا إلى إجابة مطالبهم وإلا كذبوه وسخروا منه وانصرفوا من حوله، فحاول أن يظهر لهم بعض أعماله بيد أنه لم يوفق في واحد منها، ويا ليته لم يوفق فقط، بل كانت تأتي أعمال بعكس المقصود. وهذا خذلان وخزي من الله تعالى ليتجلى للخلق كذبه وشؤمه على من أتباعه.
أتته امرأة فقالت: إن نخلنا لسحق (١) وإن آبارنا لجرز (٢) فادع الله لمائنا ونخلنا كما دعا محمد ﷺ لأهل هزمان، فسأل نهارا عن ذلك فذكر أن النبي ﷺ دعا لهم وأخذ من ماء آبارهم فتمضمض منه ومجه في الآبار ففاضت ماء وأنجبت كل نخلة وأطلعت فسيلا قصيرا مكمما، ففعل مسيلمة مثله فغار ماء الآبار ويبس النخل والعياذ بالله.
стр. 83
وقال له نهار: أمرر يدك على أولاد بني حنيفة مثل محمد، ففعل وأمر يده على رؤوسهم وحنكهم (١) ، فقرع كل صبي مسح رأسه، ولثغ (٢) كل صبي حنكه.
وجاء أبو طلحة النمري فسأله عن حاله فأخبره أنه يأتيه رجل في ظلمة فقال: (أشهد أنك الكذاب وأن محمدا صادق، ولكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر) فقتل معه يوم عقرباء كافرا.
وقالوا لمسيلمة تتبع حيطانهم كما كان محمد يصنع فصل بها. فدخل حائطا من حوائط اليمامة فتوضأ، فقال نهار لصاحب الحائط: ما يمنعك من وضوء الرحمن فتسقي به حائطك حتى يروى ويبتل كما صنع بنو المهرية - أهل بيت من بني حنيفة - وكان رجل من المهرية قدم على النبي ﷺ فأخذ وضوءه فنقله إلى اليمامة فأفرغه في بئره ثم نزع وسقى وكانت أرضه تهوما فرويت وجزأت فلم تلف إلا خضراء مهتزة، ففعل الرجل فعادت يبابا لا ينبت مرعاها.
وأتاه رجل فقال: ادع الله لأرضي فإنها مسبخة كما دعا محمد لسلمى على أرضه، فقال ما يقول يا نهار، فقال قدم عليه سلمى وكانت أرضه سبخة فدعا له وأعطاه سجلا من ماء (٣) ومج له فيه (٤) فأفرغه في
стр. 84
بئره ثم نزع فطابت وعذبت ففعل ذلك، فانطلق الرجل ففعل بالسجل كما فعل سلمى فغرقت أرضه فما جف ثراها ولا أدرك ثمرها. وأتته امرأة فاستجلبته إلى نخل لها يدعو لها فيها فجذت كبائسها (١) يوم عقرباء كلها.
هذه بعض أعمال مسيلمة المشئومة التي أراد الله أن يفضحه بها، وقد أشرنا إلى أن مستر مرجوليث زعم أن مسيلمة ادعى النبوة قبل النبي ﷺ ، لكن هناك ما يثبت عكس زعمه، فإنه حول تقليد الإسلام فأخفق، فمن ذلك أن عبد الله بن النواحة كان يؤذن له، وكان الذي يقيم له حجير بن عمير فيزيد في صوته ويبالغ (٢) لتصديق نفسه وتصديق نهار وتضليل من كان قد أسلم.
стр. 85
ردة أهل البحرين (١) سنة ١١هـ (٦٣٢ - ٦٣٣ م) .
- بينما كان خالد بن الوليد يواصل انتصاراته من شمال شبه الجزيرة العربية إلى وسطها كانت الجيوش التي أرسلها أبو بكر تحارب القبائل المرتدة والثائرة في الجهات الأخرى. وكان المنذر بن ساوى العبدي عاملا على البحرين في زمن رسول الله غير أنه مرض فمات بعد النبي ﷺ بقليل فارتد بعده أهل البحرين وارتدت بكر.
وكان الجارود بن المعلى قدم على رسول الله ﷺ في وفد عبد قيس سنة عشر، فأسلم وكان نصرانيا، ففرح النبي ﷺ بإسلامه فأكرمه وقربه. وبعد أن تفقه في الدين رده إلى قومه عبد القيس (٢) فلما توفي رسول الله بلغه أنهم قالوا (لو كان محمد نبيا لم يمت) فجمعهم وقال لهم:
(أتعلمون أنه كان لله أنبياء فيما مضى؟ قالوا نعم. قال فما فعلوا؟
стр. 86
قالوا ماتوا. قال فإن محمدا ﷺ قد مات كما ماتوا، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) . فأسلموا وثبتوا على إسلامهم.
وكان أبو بكر بعث العلاء بن الحضرمي على قتال أهل الردة بالبحرين، فلما كان بحيال اليمامة لحق به ثمامة بن أثال الحنفي في مسلمة بني حنيفة، ولحق به أيضا قيس بن عاصم المنقري، وانضم إليه عمرو والأبناء، وسعد بن تميم، والرباب لحقته في مثل عدته فسلك بهم الدهناء (١) حتى كانوا في بحبوحتها نزل وأمر الناس بالنزول في الليل فنفرت إبلهم بأحمالها فما بقي عندهم بعير ولا زاد ولا ماء، فلحقهم من الغم ما لا يعلمه إلا الله ووصى بعضهم بعضا، فدعاهم العلاء فاجتمعوا إليه فقال: (ما هذا الذي غلب عليكم من الغم؟) .
فقالوا: (كيف نلام ونحن إن بلغنا غدا لم تحم الشمس حتى نهلك) ؟.
فقال: (لن تراعوا أنتم المسلمون وفي سبيل الله وأنصار الله فأبشروا فوالله لن تخذلوا) .
كرامة العلاء بن الحضرمي
- كان العلاء بن الحضرمي مجاب الدعوة فلما صلى الجيش صلاة الصبح
стр. 87
جثا العلاء لركبتيه وجثا الناس فنصب في الدعاء ونصبوا معه، فلمع لهم سراب الشمس فالتفت إلى الصف. فقال رائد ينظر ما هذا، ففعل ثم رجع فقال (سراب) فأقبل على الدعاء ثم لمع لهم آخر فكذلك، ثم لمع لهم آخر. فقال (ماء) فقام وقام الناس فمشوا إليه حتى نزلوا إليه، فشربوا واغتسلوا، فما ارتفع النهار حتى أقبلت الإبل من كل وجه فأناخت وشربت، ولم يكن بهذا المكان غدير ولا ماء قبل اليوم، ثم ساروا فنزلوا بهجر (١) ، وأرسل العلاء إلى الجارود يأمره أن ينزل بعبد القيس على الحطم مما يليه، وسار هو فيمن معه حتى نزل عليه فيما بلى هجر.
تجمع المشركون كلهم إلى الحطم بن ربيعة إلا أهل دارين (٢) وتجمع المسلمون كلهم إلى العلاء بن الحضرمي.
حرب الخنادق
- كان كل فريق متخوفا من الآخر فخندق المسلمون والمشركون ولبثوا يتراوحون القتال ويراجعون إلى خنادقهم شهرا.
стр. 88
جيش العدو يلهو ويسكر
- طال مكث الجيشين في الخندق، ففي ذات ليلة سمع المسلمون في عسكر المشركين ضوضاء شديدة، فأرسل العلاء عبد الله بن حذف ليأتيهم بخبر القوم، فعاد وأخبرهم أن القوم سكارى، فخرج المسلمون عليهم، واقتحموا الخندق، ووضعوا السيوف فيهم، واستولى المسلمون على ما في العسكر، وقتل الحطم، قتله قيس بن قيس بن عاصم بعد أن قطع عفيف بن المنذر التيمي ساقه، وقسم العلاء الأنفال ونفل رجالا من أهل البلاء ثيابا. فأعطى ثمامة بن أثال الحنفي خميصة ذات أعلام كانت للحطم يباهي بها وهي التي كانت سببا في قتله (١) .
المسير إلى دارين وكرامة أخرى للعلاء
- ثم قصد معظم الجيش إلى دارين وهي فرضة بالبحرين، وإن ما بين الساحل ودارين مسيرة يوم وليلة لسفر البحر في بعض الحالات. فركبوا إليها السفن ولحق باقي الجيش ببلاد قومهم، فكتب العلاء إلى من ثبت على إسلامه من بكر وائل يأمرهم بالقعود للمنهزمين والمرتدين بكل طريق ففعلوا، وجاءت رسلهم إلى العلاء بذلك فأمر أن يؤتى من وراء ظهره فندب الناس إلى دارين وقال لهم:
стр. 89
(قد أراكم الله من آياته في البر لتعتبروا بها في البحر فانهضوا إلى عدوكم واستعرضوا البحر) .
وبعد ذلك ارتحلوا واقتحموا البحر على الخيل والإبل وغير ذلك وفيهم الماشي على قدميه ودعا ودعوا وهذا دعاؤهم:
(يا أرحم الراحمين، يا كريم يا حليم يا أحد يا صمد يا حي يا محيي الموتى يا حي يا قيوم. لا إله إلا أنت يا ربنا) .
فاجتازوا ذلك الخليج بإذن الله يمشون على رمل فوقه ماء يغمر أخفاف الإبل.
انتصار المسلمين وهزيمة المشركين
- التقى المسلمون والمشركون واقتتلوا قتالا شديدا فانتصر المشركون وانهزم المشركون. وأكثر المسلمون القتل فيهم وغنموا وسبوا فبلغ نفل الفارس ستة آلاف والراجل ألفين، وقال في ذلك عفيف بن المنذر:
ألم تر أن الله ذلل بحره وأنزل بالكفار إحدى الجلائل
دعونا الذي شق البحار فجاءنا بأعجب من فلق البحار الأوائل
وجاء في أسد الغابة أن العلاء بن الحضرمي هو من حضرموت حليف حرب بن أمية وقد خاض البحر بكلمات قالها ودعا بها.
стр. 90
إسلام راهب
- كان مع المسلمين راهب من أهل هجر فأسلم، فقيل له: ما حملك على الإسلام؟ قال: ثلاثة أشياء خشيت أن يمسخني الله بعدها (١) :
- ١- فيض في الرمال.
- ٢- تمهيد أثباج البحر (أي أعليه أو معظمه) .
- ٣- دعاء سمعته في عسكرهم في الهواء سحرا:
(اللهم أنت الرحمن الرحيم لا إله غيرك، والبديع فليس قبلك شئ، والدائم غير الغافل، الحي الذي لا يموت، وخالق ما يرى وما لا يرى، وكل يوم أنت في شأن علمت كل شئ بغير تعلم) .
فعلمت أن القوم لم يعاونوا بالملائكة إلا وهم على حق، فكان أصحاب النبي ﷺ يسمعون هذا منه بعد، ولم يرو لنا التاريخ اسم هذا الراهب الذي أسلم.
كتاب العلاء لأبي بكر
- كتب العلاء إلى أبي بكر بهزيمة أهل الخندق وقتل الحطم وهذا نص الكتاب:
(أما بعد فإن الله تبارك اسمه سلب عدونا عقولهم وأذهب ريحهم بشراب أصابوه من النهار، فاقتحمنا عليهم خندقهم فوجدناهم سكارى فقتلناهم إلا الشريد وقد قتل الحطم) .
стр. 91
فكتب إليه أبو بكر: (أما بعد فإن بلغك عن بني شيبان بن ثعلبة تمام على ما بلغك وخاض فيه المرجفون فابعث إليهم جندا فأوطئهم وشرد بهم من خلفهم فلم يجتمعوا ولم يصر ذلك من إرجافهم إلى شيء) .
стр. 92
ردة أهل عمان ومهرة
- عمان اسم كورة عربية على ساحل بحر اليمن والهند تشتمل على بلدان كثيرة ذات نخل وزروع إلا أن حرها يضرب به المثل. قال الزجاجي سميت عمان بعمان بن إبراهيم الخليل، وعمان أرض جبلية يكتنفها الجبل الأخضر وسلسلة جبال أخرى صغيرة بالقرب من ساحل البحر، وعاصمتها الآن مسقط على الخليج الفارسي.
ومهرة. قال صاحب معجم البلدان بالفتح والسكون هكذا يرويه عامة الناس، والصحيح مهرة بالتحريك وجدته بخطوط جماعة من أئمة العلم القدماء لا يختلفون فيه، هذا ما أثبته ياقوت في معجمه، غير أن دائرة المعارف الإسلامية كتبتها بالكون هكذا Mahra وكتاب القرون الوسطى لجامعة كامبردج الجزء الثاني وكان الواجب أن تصحح بالتحريك Mahara. كذلك وقع في نفس هذا الخطأ مستر موير في كتاب الخلافة. وتقع مهرة في الجنوب الشرقي من شبه جزيرة العرب على المحيط الهندي بين حضرموت وعمان.
نبغ بعمان ذو التاج لقيط بن مالك الأزدي، وكان يسامى في الجاهلية الجلندي، وادعى النبوة، وغلب على عمان مرتدا، والتجأ جيفر بن الجلندي رئيس أهل عمان وعباد إلى الجبل والبحر، ثم بعث جيفر
стр. 93
إلى أبي بكر يطلب منه النجدة، فأرسل إليه حذيفة بن محصن الغلفاني من حمير (١) ، وأرسل عرفجة البارقي من الأزد إلى مهرة، فإذا قربا من عمان كاتبا جيفرا، فمضيا إلى ما أمرا به، وكان أبو بكر بعث عكرمة إلى مسيلمة باليمامة، واتبعه شرحبيل بن حسنة وأمرهما بما أمر به حذيفة وعرفجة، فإذا فرغا منه سارا إلى اليمن فلحقهما عكرمة قبل عمان، فلما وصلوا رجاما (٢) وهي قريب من عمان كاتبوا جيفرا وعبادا، وبلغ لقيطا مجئ الجيش فجمع جموعه وعسكر بدبا وخرج جيفر وعباد من موضعهما الذي كانا فيه فعسكرا بصحار (٣) وأرسلا إلى حذيفة وعكرمة وعرفجة فقدموا عليهما، وكاتبوا رؤساء مع لقيط وانفضوا عنه ثم التقوا على دبا (٤) فاقتتلوا قتالا شديدا كانت الغلبة فيه للقيط، ورأى المسلمون الخلل والمشركون الظفر، وبينما هم كذلك جاءت المسلمين النجدات من بني ناجية، وعليهم الخريت بن راشد، ومن عبد القيس وعليهم سيحان بن صوحان وغيرهم، فقوى الله المسلمين فولى المشركون الأدبار وقتل منهم في المعركة نحو (١٠. ٠٠٠)
стр. 94
وسبوا الذراري وقسموا الأموال وبعثوا بالخمس إلى أبي بكر مع عرفجة وكان الخمس ٨٠٠ رأس، وبقي حذيفة يسكن الناس ويحفظ النظام.
أما مهرة فإن عكرمة بن أبي جهل سار إليهم بعد أن فرغ من عمان ومعه جيوش من ناجية، وعبد القيس، وراسب، وسعد، فاقتحم بلادهم فوجد جمعين من مهرة، أحدهما مع رجل منهم يقال له شخريت والآخر مع مصبح أحد بني محارب، ومعظم الناس معه غير أنهما كانا مختلفين، فكاتب عكرمة شخريتا قبل أن يحاربه، فأجابه وأسلم وانضم 'ليه ثم كاتب المصبح الذي كان معه معظم الناس فلم يجب اغترارا بكثرة جيشه فسار إليه مع شخريت وحاربه فانهزم المرتدون وقتل رئيسهم، وأصاب المسلمون كثيرا من الغنائم، ومما أصابوا (٢٠٠٠) نجيبة (١) وأرسل عكرمة خمس الغنائم إلى أبي بكر مع شخريت، واشتدت شوكة عكرمة، وأسلم المرتدون.
стр. 95
ردة اليمن
- اتد قيس بن عبد يغوث بن مكشوح باليمن ثانية لما بلغه وفاة رسول الله، مع أنه كان اشترك هو وفيروز وداذويه في قتل الأسود العنسي كما تقدم ذكره، فلما ارتد أراد التخلص من فيروز وداذويه فخدعهما ودعاهما إلى طعام صنعه لهما فدخل عليه داذويه فقتله، وأما فيروز فلما هم بالدخول سمع امرأتين على سطحين تتحدثان فقالت إحداهما: هذا مقتول كما قتل داذويه ففر إلى جبل خولان وهم أخوال فيروز فامتنع بهم وكتب إلى أبي بكر يخبره وعمد قيس إلى تفريق الأنباء، فلما علم فيروز جد في حربه، وأرسل إلى بني عقيل بن ربيعة وإلى عك يستمدهم فمدوه بالرجال فخرج بهم وبمن اجتمع عنده، فلقوا قيسا بالقرب من صنعاء فاقتتلوا قتالا شديدا انهزم قيس وأصحابه. وبينما هم كذلك قدم عكرمة بن أبي جهل من مهرة مع جيشه وقدم أيضا المهاجر بي أبي أمية في جمع من مكة والطائف وبجيلة مع جرير إلى نجران فانضم إليه فروة بن مسيك المرادي فأقبل عمرو بن معدي كرب الذي كان قد ارتد حتى دخل على المهاجر من غير أمان فأوثقه المهاجر وأخذ قيسا أيضا فأوثقه وسيرهما إلى أبي بكر فقال لقيس:
стр. 96
(يا قيس قتلت عباد الله واتخذت المرتدين وليجة (١) من دون المؤمنين) فانتفى قيس من أن يكون قارف من داذويه شيئا، وكان قتله سرا فتجافى له عن دمه.
وقال لعمرو بن معدي كرب:
(أما تستحي أنك كل يوم مهزوم أو مأسور. لو نصرت هذا الدين لرفعك الله) .
فقال: لا جرم لأقبلن ولا أعود فخلى أبو بكر سبيله.
ورجعا إلى عشائرهما فسار المهاجر من نجران (٢) والتقت الخيول على أصحاب العنسي فاستأمنوا فلم يؤمنهم وقتلهم بكل سبيل ثم سار إلى صنعاء فدخلها وكتب إلى أبي بكر بذلك.
стр. 97
ردة حضرموت وكندة
- حضرموت صقع ببلاد العرب قيل سمي بحضرموت بن قحطان لأنه أول من نزله، وكان اسم هذا الرجل عامرا، فكان إذا حضر حربا أكثر من القتل فصاروا يقولون عند حضوره حضرموت ثم جرى ذلك عليه لقبا وسكنوا الضاد للتخفيف، وجعلوا الاسم مركبا مزجيا على الأشهر، ثم صاروا يقولون للأرض التي كانت بها هذه القبيلة حضرموت ثم أطلق على البلاد نفسها.
تحد حضرموت غربا باليمن وشرقا بعمان وشمالا بالدهناء، وقال ياقوت وهي ناحية واسعة في شرقي عدن بقرب البحر وحولها رمال كثيرة تعرف بالأحقاف.
كان الأشعث بن قيس قدم على النبي ﷺ في وفد كندة من حضرموت فأسلموا وسألوا أن يبعث عليهم رجلا يعلمهم السنن ويجبي صدقاتهم فأنفذ معهم زياد بن لبيد البياضي (١) عاملا
стр. 98
للنبي ﷺ يجبيهم، فلما مات رسول الله نكص الأشعث عن بيعة أبي بكر ﵁ ونهاه ابن امرئ القيس بن عابس فلم ينته، فكتب زيا د إلى أبي بكر بذلك فكتب أبو بكر إلى المهاجر بن أبي أمية وكان على صنعاء بعد قتل العنسي أن يمد زيادا بنفسه ويعينه على المرتدين بمن عنده من المسلمين. فجمع زياد جموعه وأوقع بمخاليفه فنصره الله عليهم حتى تحصنوا بالنجير (١) بعد أن رموه، فحصرهم فيه ثم تقدم إليه عكرمة بجيشه فأعيوا عن المقام في الحصن، فاجتمعوا إلى الأشعث وسألوه أن يأخذ لهم الأمان فأرسل إلى زياد بن لبيد يسأله الأمان حتى يلقاه ويخاطبه فأمنه، فلما اجتمع به سأله أن يؤمن أهل النجير ويصالحهم فامتنع عليه وراده حتى آمن سبعين رجلا منهم وفيهم أخو قيس وبنو عمه وأهله ونسى نفسه وأن يكون حكمه في الباقي نافذا، فخرج سبعون فأراد قتل الأشعث وقال له: أخرجت نفسك من الأمان بتكملة عدد السبعين فسأله أن يحمله إلى أبي بكر ليرى فيه رأيه وفتحوا له حصن النجير وكان فيه كثير فعمد إلى أشرافهم نحو ٧٠٠ رجل فضرب أعناقهم ولام القوم الأشعث وقالوا لزياد: إن الأشعث غدر بنا. أخذ الأمان لنفسه وأهله وماله ولم يأخذ لنا وإنما نزل على أن يأخذ لنا جميعا. وأبى زياد أن يوارى جثث من قتل وتركهم للسباع وكان هذا أشد على من بقي من القتل، وبعث السبي مع نهيك
стр. 99
بن أوس بن خزيمة وكتب إلى أبي بكر: 'نا لم نؤمنه إلا على حكمك، وبعث الأشعث في وثاق وماله معه ليرى فيه رأيه، فأخذ أبو بكر يقرع الأشعث ويقول له: فعلت، فعلت. فقال الأشعث: استبقني لحربك، وسأله أن يرد عليه زوجته وقد كان خطب أم فروة بنت أبي قحافة أخت أبي بكر لما قدم على رسول الله فزوجه وأخرها إلى أن يقدم الثانية. فحقن أبو بكر دمه بعد أن أسلم أمامه ورد عليه أهله وقال له (انطلق فليبلغني عنك خير) .
ولما تزوج الأشعث أم فروة اخترط سيفه ودخل سوق الإبل فجعل لا يرى جملا ولا ناقة إلا عرقبه وصاح الناس (كفر الأشعث) فلما فرغ طرح سيفه وقال: إني والله ما كفرت ولكن زوجني هذا الرجل أخته ولو كان ببلادنا لكانت لنا وليمة غير هذه. يا أهل المدينة انحروا وكلوا. ويا أصحاب الإبل تعالوا خذوا أثمانها. فما رؤيت وليمة مثلها.
стр. 100
مسير خالد إلى العراق وصلح الحيرة سنة ١٢هـ - ٦٣٣ م .
- كان المثنى (١) بن حارثة الشيباني ممن حارب وانتصر في البحرين، فاستأذن أبا بكر أن يغزو العراق، فأذن له فكان يغزوهم قبل قدوم خالد فتقدم نحو الخليج الفارسي، وأخضع القطيف، ثم قاد جيشه إلى دلتا الفرات، وبلغ عد جيشه ٨٠٠٠ مقاتل، لكنه وجد مقاومة من جيش العدو، فأرسل أبو بكر إلى خالد بن الوليد وهو باليمامة يأمره بالمسير إلى العراق. وقد أخمدت الثورة في جميع العرب في أوائل السنة الثانية عشرة الهجرية، فاهتم أبو بكر بتوجيه الجنود إلى جهات أخرى فأرسل جيشين إلى الشمال وأمر على أحدهما خالدا، ومعه المثنى للزحف
стр. 101
نحو الأبلة (١) ثم الزحف نحو الحيرة (٢) وأمر على الجيش الثاني عياضا ووجهه إلى دومة بين الخليج الفارسي وخليج العقبة، ثم بالمسير إلى الحيرة أيضا، فإذا سبق أحدهما الآخر كان أميرا على صاحبه. أما عياض الذي كانت وجهته دومة فقد عوقه العدو مدة طويلة، وأما خالد فإنه لم يلق مقاومة في طريقه إلى العراق كما لقي عياض، وانضم إليه عدد كبير من البدو فتقوى بهم، وكثر جيشه حتى صار عدده ١٠. ٠٠٠ مقاتل عدا جيش المثنى البالغ عدده ٨. ٠٠٠ وكان الجميع تحت قيادة خالد. فكان أول من لاقاه هرمز وكان العرب يبغضونه لظلمه، ويضربونه مثلا فيقولون: (أكفر من هرمز) فكتب إليه خالد قبل خروجه:
(أما بعد فأسلم تسلم، أو أعقد لنفسك وقومك الذمة، وأقرر بالجزية، وإلا فلا تلومن إلا نفسك، فقد جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة) .
وقد جعل هرمز على مقدمته قباذ وأنو شجان، وكانا من أولاد
стр. 102
أردشير الأكبر، فسمع بهم خالد فمال بالناس إلى كاظمة (١) فسبقه هرمز إليها، فقدم خالد فنزل على غير ماء. فقال له أصحابه في ذلك: ما نفعل؟ فقال لهم: (لعمري ليصيرن الماء لأصبر الفريقين وأكرم الجندين) وتقدم خالد إلى الفرس، وأرسل الله سحابة فأغدرت وراء صف المسلمين فقويت قلوبهم.
موقعة ذات السلاسل
- خرج هرمز ودعا خالدا إلى البراز، وأوطأ أصحابه على الغدر بخالد فبرز إليه خالد، ومشى نحوه راجلا ونزل هرمز أيضا وتضاربا فاحتضنه خالد وحمل أصحاب هرمز فما شغله ذلك عن قتله، وانهزم الفرس بعد أن قتل منهم عدد عظيم وسميت الموقعة) ذات السلاسل) لأن فريقا من جند الفرس قد قد قرنهم هرمز بالسلاسل خوفا من فرارهم. ونجا قباذ وأنوشجان، وأخذ خالد سلب هرمز، وكانت قلنسوته بمئة ألف لأنه كان قد تم شرفه في الفرس، وكانت هذه عاداتهم إذا تم شرف الإنسان تكون قلنسوته بمائة ألف، وكانت القلنسوة مفصصة بالجواهر، وبعث خالد بالفتح والأخماس إلى أبي بكر، ومما
стр. 103
غنمه المسلمون في ميدان القتال فيل فأرسل إلى المدينة مع الغنائم. فلما طيف به ليراه الناس جعل ضعيفات النساء يقلن (أمن خلق الله هذا؟) فرده أبو بكر.
حصن المرأة وحصن الرجل
- ثم صار خالد حتى نزل بموضع الجسر الأعظم بالبصرة وخرج المثنى بن حارثة حتى انتهى إلى (حصن المرأة) فخلف المثنى بن حارثة عليه أخاه فحاصرها ومضى المثنى إلى زوجها وهو في حصنه المسمى (حصن الرجل) فحاصره واستنزلهم عنوة فقتلهم وغنم أموالهم. ولما بلغ المرأة ذلك صالحت المثنى وأسلمت فتزوجها المثنى، وكان هذا الحصن قصرا واسم المرأة كما جاء في البلاذري (كامور زاد بنت نرسي) لأن أبا موسى الأشعري قد نزل بها فزودته خبيصا فجعل يكثر أن يقول أطعمونا من خبيص (المرأة) فغلب على اسمها.
وقد نال كل فارس في يوم ذات السلاسل ١٠٠٠ درهم والراجل الثلث.
стр. 104
انهزام الفرس ثانياً موقعة الثنى (١) صفر سنة ١٢هـ - سنة ٦٣٣م.
- لما وصل خبر انهزام هرمز إلى المدائن عاصمة الفرس، أرسل ملكهم أردشير جيشا آخر وأمر عليه قارن بن قريانس. فلما انتهى إلى المذار (٢) انضم إلى الجيش المنهزم ورجعوا ومعهم قباذ وأنو شجان ونزلوا الثنى وهو نهر متفرع من الدجلة والتقوا بالمثنى الذي كان قد توقف عند الثنى فأحدق الخطر بالمثنى، فوافاه خالد والتقوا في الوقت المناسب، ودارت رحى القتال بينهم وانتهى الأمر بفرار الفرس، وقتل مهم نحو ٣٠. ٠٠٠ (٣) سوى من غرق وفر من نجا منهم بالقوارب. وقد كان النهر عائقا في سبيا اقتفاء أثر العدو، غير أن الغنائم كانت عظيمة،
стр. 105
وقتل كل رجل قادر على الحرب، وأسر النساء، وأخذ الجزية من الفلاحين، وصاروا ذمة، وصارت أرضهم لهم، وكان في السبي أبو الحسن البصري وكان نصرانيا وأمر على الجند سعيد بن نعمان وعلى الجزية سويد بن مقرن المزني.
أما قارن بن قريانس أمير جيش الفرس الذي أرسله أردشير لإمداد هرمز فقد قتله معقل بن الأعشى بن النباش، وقتل عاصم أنو شجان وقتل عدي بن حاتم قباذ، وكان قارن قد تم شرفه ولم يقاتل المسلمون بعده أحدا تم شرفه في الأعاجم. وزاد سهم الفارس يوم الثنى على سهمه في ذات السلاسل.
стр. 106
موقعة الولجة (١) شهر صفر سنة ١٢هـ - إبريل سنة ٦٣٣ م.
- اضطرب البلاط الملكي في فارس من جراء انتصارات العرب، وتحدثوا فيما بينهم بأنه يجب محاربة العرب بعرب مثلهم يعرفون خططهم الحربية. فجند الملك جيشا عظيما من قبيلة بكر والقبائل الأخرى الموالية له تحت قيادة قائد مشهور منهم يدعى الأندرزغر وكان فارسيا من مولدي السواد. وأرسل بهمن جاذويه في أثره ليقود جيوش الملك وحشر الأندرزغر من بين الحيرة وكسكر، ومن عرب الضاحية، وتقدمت الجيوش المتحدة نحو الولجة بالقرب من ملتقى النهرين.
أما خالد فقد ترك فرقة لحراسة الأراضي التي غزاها في الدلتا وسار للقاء العدو من الثنى، فاشتبك الجيشان في الولجة في قتال طويل عنيف، وقد انتصر المسلمون فيه بفضل تدابير قائدهم الذي باغت العدو وأجهده
стр. 107
بكمين في ناحيتين، وكمين من الخلف، وكانت الهزيمة كاملة، ففر الفرس وفر العرب الموالون لهم بعد أن قتل وأسر منهم عدد عظيم، ومضى الأندرزغر منهزما فمات عطشا في الفلاة، وبذل خالد الأمان للفلاحين فعادوا وصاروا ذمة، وسبى الذراري المقاتلة ومن أعانهم.
خطبة خالد .
- قام خالد في الناس خطيبا يرغبهم في بلاد العجم. ويزهدهم في بلاد العرب وقال:
(ألا ترون إلى الطعام كرفغ التراب (١) ، وبالله لم يلزمنا الجهاد في الله والدعاء إلى الله ، ولم يكن إلا للمعاش لكان الرأي أن نقارع على هذا الريف حتى نكون أولى به، ونولي الجوع والإقلال ممن تولاه، ممن اثاقل عما أنتم عليه) .
стр. 108
موقعة أليس (١) شهر ربيع الأول سنة ١٢هـ - أيار مايو سنة ٦٣٣ م.
- انقسمت قبيلة بني بكر في القتال إلى قسمين، قسم مع خالد وقسم مع الفرس.
ولما أصاب خالد يوم الولجة من أصاب من بكر بن وائل من أنصارهم الذين أعانوا أهل الفرس، غضب لهم نصارى قومهم فكاتبوا الأعاجم فاجتمعوا إلى أليس وعليهم عبد الأسود العجلي، وكان أشد الناس على أولئك النصارى مسلمو بني عجل.
كتب أردشير ملك الفرس إلى بهمن جاذويه وهو بقسيانا: أن سر حتى تقدم أليس بجيشك إلى من اجتمع بها من فارس ونصارى
стр. 109
العرب، فقدم بهمن جاذويه وجابان وسار جابان نحو أليس وهي في منتصف الطريق بين الحيرة والأبلة.
ثم انطلق بهمن إلى أردشير ليعرف رأيه ويتلقى أمره فوجده مريضا فبقي ملازما البلاط.
أما جابان فإنه مضى حتى أتى أليس فنزل بها. وكان خالد قد بلغه تجمع عبد الأسود ومن معهم فسار إليهم وهو لا يشعر بدنو جابان، وترك عند الحفير فرقة قوية لحماية ظهره، وبرز أمام الصف ونادى رؤساءهم إلى البراز له فبرز له مالك بن قيس فقال له خالد (يا بن الخبيثة ما جرأك علي من بينهم وليس فيك وفاء؟) فضربه وقتله. ونشبت الحرب بين الفريقين واقتتلوا قتالاً شديداً.
نهر الدم
- ولما وجد خالد شدة مقاومة العدو قال:
(اللهم إن لك علي إن منحتنا أكتافهم ألا أستبقي منهم أحدا قدرنا عليه حتى أجري نهرهم بدمائهم) .
وأخيرا لم يستطع الفرس مقاومة المسلمين ففروا منهزمين فأمر خالد مناديه فنادى في الناس (الأسر. الأسر. لا تقتلوا إلا من امتنع) .
فأقبلت الخيول بهم أفواجا مستأسرين يساقون سوقا وقد وكل بهم رجالا يضربون أعناقهم في النهر، فجرت الدماء في النهر فسمى
стр. 110
لذلك (نهر الدم) وبعث خالد بالخبر مع رجل يدعى جندلا من بني عجل إلى أبي بكر، يخبره بفتح أليس وبقدر الفيء وبعدة السبي وبما حصل من الأخماس، وبأهل البلاد من الناس، وأمر أبو بكر لجندل بجارية من ذلك السبي. وبلغ قتلى العدو من أليس ٧٠٠٠٠ كما ذكر الطبري وكما جاء في شعر أبي مقرن الأسود بن قرطبة حيث قال:
قتلنا منهم سبعين ألفاً ... بقية حربهم نخب الأسار
موقعة أمغيشيا وهدمها
- لما فرغ خالد من أليس سار إلى أمغيشيا وكانت مصرا كالحيرة فغزا أهلها وأعجلهم أن ينقلوا أموالهم فغنم جميع ما فيها وقد جلا أهلها وتفرقوا في السواد وبلغ سهم الفارس ١٥٠٠ سوى الذي نفله أهل البلاء. أرسل إلى أبي بكر بالفتح ومبلغ الغنائم. فلما بلغ ذلك أبا بكر قال: (أعجزت النساء أن يلدن مثل خالد) وفي رواية (عدا أسدكم على الأسد فغلبه على خراذيله (١) أعجزت النساء أن ينسلن مثل خالد) .