← Акыда

Акыда · id 21517

التعليقات السنية على العقيدة الواسطية - فيصل آل مبارك

فيصل آل مبارك

Полный текст (104 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وذكر بسنده عن قتادة قال: علِمَ عدوُّ الله أنه ليست له عزَّة. قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: تبارك ذكرُ ربك يا محمد، ﴿ذِي الْجَلالِ﴾ يعني: ذي العظمة، ﴿وَالإكْرَامِ﴾ يعني: ومن له الإكرام من جميع خلقه. وذكر بسنده عن ابن عباس: قوله: ﴿ذِي الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ يقول ذو العظمة والكبرياء. وقال ابن كثير: أي: هو أهلٌ أن يُجَلَّ فلا يُعصَى، وأن يُكرمَ فيُعبد، ويُشكَر ولا يُكفَر، وأن يُذكرَ فلا يُنسى، وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: " ألِظُّوا بيا ذا الجلال والإكرام ". وفي الحديث الآخر أن رسول الله ﷺ كان إذا انصرف من صلاته استغفر الله ثلاثاً وقال: " اللهم أنت السلام، ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام ". قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ قال ابن جرير: وقوله ﴿فَاعْبُدْهُ﴾ يقول: فالزم طاعته، وذل لأمره ونهيه، ﴿وَاصْطَبِرْ

стр. 37

لِعِبَادَتِهِ﴾ . يقول: واصبر نفسك على النفوذ لأمره ونهيه، والعمل بطاعته، تفز برضاه عنك، فإنه الإله الذي لا مثل له ولا عِدْلَ ولا شبيه في جُوده وكرمه وفضله، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ . ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] . وَقَوْلُهُ: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] . ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١] . يقول: هل تعلمُ يا محمد لربك هذا الذي أمرناك بعبادته، والصبر على طاعته مِثْلاً في كرمه وجوده، فتعبده رجاء فضله وطوله دونه؟ كلا، ما ذلك بموجود. وذكر بسنده عن ابن عباس في قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ قال: شبيهاً. قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ قال أبو العالية: لم يكن له شبيهٌ ولا عِدلٌ وليس كمثله شيء. قوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قال ابن جرير: الأندادُ جمعُ نِدِّ، والنِّدُّ: العِدْلُ والمِثْلُ. وذكر بسنده عن ابن عباس في قوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ قال: أشباهاً. وعن قتادة في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعلمون أن الله خلقكم وخلق السماوات والأرض، ثم تجعلون له أنداداً. وقال البغوي: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ أي: أمثالاً تعبدونهم كعبادة الله.

стр. 38

قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ قال ابن كثير: يذكر تعالى حال المشركين في الدنيا وما لهم في الدار الآخرة، حيث جعلوا له أنداداً، أي: أمثالاً ونظراء، يعبدونهم معه، ويحبونهم كحبه، وهو الله لا إله إلا هو، ولا ضد له ولا ند، ولا شريك له.

стр. 39

قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ ، قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره لنبيه .......................................................................... محمد ﷺ ﴿وَقُلْ﴾ يا محمد ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ فيكون مربوباً لا رباً؛ لأن رب الأرباب لا ينبغي أن يكون له ولد، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ عاجزاً ذا حاجةٍ إلى معونة غيره ضعيفاً، ولا يكون إلها من يكون محتاجاً إلى مُعين على ما حاول، ولم يكنْ منفرداً بالملك والسلطان، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ يقول: ولم يكن له حليفٌ حالفَه من الذُّلِّ الذي به؛ لأن من كان ذا حاجة إلى نُصرة غيره، فذليل مهين، ولا يكون من كان

стр. 40

ذليلاً مهيناً يحتاج إلى ناصر إلهاً يطاع، ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ يقول: وعظِّم ربك يا محمد بما أمرناك أن تعظمه به من قول وفعل، وأطعه فيما أمرك ونهاك. وقال ابن كثير: لمَّا أثبت تعالى لنفسه الكريمة الأسماء الحسنى، نزَّه نفسه عن النقائص فقال: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ بل هو الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ أي: ليس بذليل فيحتاج أن يكون له ولي أو وزير أو مشير، بل هو تعالى خالق الأشياء وحده لا شريك له. قال مجاهد في قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ لم يحالف أحداً، ولم يبتغ نصرة أحد. ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ أي: عظِّمه وأجلّه عما يقول الظالمون المعتدون علواً كبيراً. قال ابن جرير: حدثني يونس: أنبأنا ابن وهب، أخبرني أبو صخر، عن القرظي أنه كان يقول هذه الآية: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ الآية قال: إن اليهود والنصارى قالوا: اتخذ الله ولداً. وقالت العرب: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك، وقال الصابئون والمجوس: لولا أولياء الله لذل، فأنزل الله هذه الآية ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ . ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن: ١] قَوْلُهُ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ١: ٢] ،

стр. 41

قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: يسجد له ما في السماوات السبع، وما في الأرض من خلقه ويعظمه. وقوله ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ : يقول تعالى ذكره: له ملك السماوات والأرض، وسلطانه ماضٍ قضاؤه في ذلك كله، نافذ فيه أمره. وقوله: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ يقول: وله حَمْدُ كل ما فيها من خلقٍ؛ لأن جميع مَنْ في ذلك من الخلقٍ لا يعرفون الخيرَ إلا منه وليس لهم رازقٌ سواه، فله حمدُ جميعهم. ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يقول: وهو على كل شيء ذو قدرة، يقول: يخلق ما يشاء، ويميت من يشاء، ويغني من أراد، ويفقر من يشاء، ويعز من يشاء. ويذل من يشاء، ولا يتعذر عليه شيءٌ أراده؛ لأنه ذو القدرة التامة التي لا يُعجزُه معها شيء. قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ذكر ابن جرير بسنده عن ابن عباس قال: تبارك تفاعل من البركة، وهو كقول القائل: تقدَّس ربنا. فقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ يقول: تبارك الذي نزل الفصل بين الحق والباطل فصلاً بعد فصل، وسورةً بعد سورة. ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ محمد ﷺ ليكون محمدٌ لجميع الجن والإنس الذين بعثه الله إليهم داعياً إليه.

стр. 42

﴿نَذِيرًا﴾ يعني منذراً ينذرهم عقابه ويخوفهم عذابه، إن لم يوحدوه، ويخلصوا له العبادة، ويخلعوا كل ما دونه من الآلهة والأوثان. ......................................................................... ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ . يقول تعالى ذكره: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ ، ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾ الذي له سلطان السموات والأرض يُنفذ في جميعها أمره وقضاءه، ويُمضي في كلها أحكامه، يقول: فحق على من كان كذلك أن يطيعه أهل مملكته، ومن في سلطانه، ولا يعصوه. يقول: فلا تعصوا نذيري إليكم أيها الناس واتبعوه، واعملوا بما جاءكم به من الحق. ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ يقول تكذيباً لمن أضاف إليه الولدَ، وقال: الملائكة بنات الله: ما اتخذ الذي نزَّل الفرقان على عبده ولداً، فمن أضاف إليه ولداً فقد كذب وافترى على ربه. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ يقول تكذيباً لمن يُضيف الألوهية إلى الأصنام ويعبدها من دون الله من مشركي العرب - ويقول في تلبيته: لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك -: كذب قائلوا هذا القول، ما كان لله من شريكٍ في مُلكه وسلطانه فيصلح أن يُعبد من دونه، يقول تعالى ذكره: فأفردوا أيها الناس لربكم - الذي نزل الفرقان على عبده محمد نبيه ﷺ الألوهية، وأخلصوا له العبادة دون كل ما تعبدونه من دونه من الآلهة والأصنام والملائكة والجن والإنس؛ فإن كل ذلك خلقه وفي ملكه، فلا تصلح العبادة إلا لله الذي هو مالك جميع ذلك.

стр. 43

وقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يقول تعالى ذكره: وخلق الذي نزَّل على محمد الفرقان كلَّ شيء، فالأشياء كلها خلقه وملكه، وعلى المماليك طاعة مالكهم وخدمة سيدهم دون غيره، يقول: وأنا خالقكم ومالِكُكم، فأخلصوا لي العبادة دون غيري. وقوله: ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ يقول: فسوَّى كلَّ ما خلق، وهيَّأه لما يصلح له فلا خلل فيه ولا تفاوت. وَقَوْلُهُ: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُم عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١] . ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٢] ، ﴿فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤] . ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] . قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يقول تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ أي لو كان معه آلهة لذهب كل إله بما خلق ﴿وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي لغلب بعضهم بعضاً كالعادة بين الملوك، ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ من الولد والشريك، ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي: ما غاب عن خلقه وما رأوه. ﴿فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: فارتفع الله وعلا عن شرك هؤلاء المشركين، ووصفِهِم إياه بما يصفون. قوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ قال ابن جرير: يقول: فلا تمثلوا لله الأمثال، ولا تشبهوا له الأشباه؛ فإنه لا مِْثلَ له ولا شِبه، فإنه أحدٌ صمدٌ، لم يلد ولم يُولد، ولم يكن له كُفُواً أحد.

стр. 44

﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ يقول: والله أيها الناس يعلم خطأ ما يمثِّلون ويضربون من الأمثال، وصوابه، وغير ذلك من سائر الأشياء، ﴿وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ صواب ذلك من خطئه. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ ما تزايد قبحه من الكبائر، ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ جهرها وسرها. ﴿وَالإثْمَ﴾ كل ذنب. ﴿وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: الظلم.

стр. 45

وَقَوْلُهُ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] . فِي [سَبْعَةِ] مَوَاضِعَ: فِي سُورَةِ الأَعْرَافِ؛ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] . وَقَالَ فِي سُورَةِ يُونُسَ ﵇: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش﴾ [يونس: ٣] . ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ برهاناً، ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ بالافتراء عليه، والكذب من دعوى أنَّ له ولداً، ونحو ذلك مما لا علم لكم به. قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: إن سيدكم ومصلح أموركم أيها الناس، هو المعبود الذي له العبادة من كل شيء. ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ ، وذلك يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة. وقال ابن كثير: أما قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ، فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جداً، ليس هذا موضع بسطها، وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح: مالك والأوزاعي، والثوري والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديماً وحديثاً، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا

стр. 46

تعطيل، والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبِّهين منفيٌ عن الله، فإن الله لا يشبهه شيءٌ من خلقه، و ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ، بل الأمر كما قال الأئمة منهم نُعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري قال: من شَبَّه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر. وليس في ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة، على الوجه الذي يليق بجلال الله، ونفى عن الله تعالى النقائص فقد سلك سبيل الهدى. انتهى. وَقَالَ فَي سُورَةِِ الرَّعْدِِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد: ٢] . وَقَالَ فِي سُورَةِ طَهَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اْستَوَى﴾ [طه: ٥] . وَقَالَ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٥٩] . وَقَالَ فِي سُورَةِ آلم السَّجْدَةِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا في سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة: ٤] . وَقَالَ فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤] . وقال البغوي: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال الكلبي ومقاتل: استقر، وقال أبو عبيدة: صعد، وأوَّلت المعتزلة الاستواءَ بالاستيلاء، فأمَّا أهل السنة فيقولون: الاستواء على العرش صفة لله تعالى بلا كيف يجب على الرجل الإيمان به، ويكل العلم فيه إلى الله . وسأل رجلٌ مالكَ بن أنس عن قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ فأطرق رأسه مليّاً وعلاه الرحضاء (١) ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أظنك إلا ضالاًّ، فأمر به فأخرج.

стр. 47

وروي عن سفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك وغيرهم من علماء السنة في هذه الآيات التي جاءت في الصفات المتشابهات: أمرُّها كما جاءت بلا كيف. انتهى. وقال في "جامع البيان": أجمع السلف على أن استواءه على العرش صفةٌ له بلا كيف، نؤمن به، ونكِلْ العلم إلى الله تعالى. .......................................................................... قوله تعالى سورة يونس: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال ابن جرير: قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾ الذي له عبادة كل شيء، لا تنبغي العبادة إلا له، هو الذي خلق السماوات السبع، والأرضين السبع في ستة أيام، وانفرد بخلقها بغير شريك ولا ظهير، ثم استوى على عرشه مُدبِّراً للأمور، وقاضياً في خلقه ما أحب، لا يضادُّه في قضائه أحد، ولا يتعقَّب تدبيره متعقِّب، ولا يدخُل أموره خللٌ. وقال ابن كثير: يخبر تعالى أنه رب العالم جميعه، وأنه خَلَق السماوات والأرض في ستة أيام، قيل: كهذه الأيام، وقيل كل يومٍ كألف سنة ممَّا تعدُّون. ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ، والعرش أعظم المخلوقات وسقفها.

стр. 48

قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: الله -يا محمد- الذي رفع السماوات السبع بغير عمدٍ ترونها، فجعلها للأرض سقفاً مسموكاً ... إلى أن قال: وأمَّا قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ فإنه يعني: عَلاَ عليه. وقال ابن كثير: يخبر تعالى عن كمال قدرته، وعظيم سلطانه: أنه الذي بإذنه وأمره رفع السماوات بغير عمد، بل بإذنه وأمره وتسخيره، رفعها عن الأرض بُعداً لا تنال، ولا يدرك مداها، فالسماء الدنيا محيطةٌ بجميع الأرض وما حولها من الماء والهواء من جميع نواحيها وجهاتها وأرجائها، مرتفعةٌ عليها من كل جانب على السواء، وبُعدُ ما بينها وبين الأرض من كل ناحية مسيرة خمسمائة عام. وسمكها في نفسها مسيرة خمسمائة عام، ثم السماء الثانية محيطة بالسماء الدنيا وما حوت، وبينهما من بعد المسير خمسمائة عام وسُمْكها خمسمائة عام، وهكذا الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ الآية. .......................................................................... وفي الحديث: " ما السماوات السبع وما فيهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرضٍ فلاة والكرسي في العرش المجيد كتلك الحلقة في تلك

стр. 49

الفلاة"، وفي رواية: "والعرش لا يقدر قدره إلا الله ". وجاء عن بعض السلف أن بُعْدَ ما بين العرش إلى الأرض مسيرة خمسين ألف سنة، وبُعدَ ما بين قطبيه مسيرة خمسين ألف سنة، وهو من ياقوتةٍ حمراء. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ تقدَّم تفسيره في سورة الأعراف، وأنَّه يُمَرُّ كما جاء من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: الرحمن على عرشه ارتفع وعلا. وقال ابن كثير وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ : تقدَّمَ الكلام على ذلك في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته أيضاً، وأنًَّ المسلك الأسلم في ذلك طريقةُ السلف: إمرارُ ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة من غير تكييف، ولا تحريف، ولا تشبيه، ولا تعطيل، ولا تمثيل. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ . قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ قيل: كان ابتداء ذلك يوم الأحد، والفراغ يوم الجمعة، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ وعلا عليه، وذلك يوم السبت فيما قيل.

стр. 50

وقوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ يقول: فاسأل يا محمد بالرحمن خبيراً بخلقه, فإنه خالق كل شيء، ولا يخفى عليه ما خلقه. قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: هو الذي أنشأ السماوات السبع والأرضين، فدبَّرهنَّ وما فيهنَّ, ثم استوى على عرشه، فارتفع عليه وعلا.

стр. 51

وَقَوْلُهُ: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] . ﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْه﴾ [النساء: ١٥٨] . ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] . ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦: ٣٧] قوله تعالى: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ قال ابن جرير: يعني بذلك جلَّ ثناؤه، ومكر الله بالقوم الذين حاولوا قتل عيسى مع كفرهم بالله، وتكذيبهم عيسى فيما أتاهم به من عند ربهم، إذ قال الله جل ثناؤه: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ فـ (إن) صلة من قوله ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ يعني: ومكر الله بهم حين قال الله لعيسى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ فتوفاه الله ورفعه إليه. وقال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي رفعي إياك إلى السماء. قوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ قال ابن جرير: يعني بل رفعَ اللهُ المسيحَ إليه، يقول: لم يقتلوه ولم يصلبوه، ولكنَّ الله رفعه إليه، فطهَّره من الذين كفروا. قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ قال ابن

стр. 52

جرير: يقول تعالى ذكره إلى الله يصعد ذكر العبد إياه, وثناؤه عليه، ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ يقول: ويرفع ذكر العبد ربه إليه العمل الصالح، وهو العمل بطاعته، وأداء فرائضه، والانتهاء إلى ما أمره به. ثم ذكر بسنده عن عبد الله قال: إذا حدثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله، إن العبد المسلم إذا قال: سبحان الله وبحمده، الحمد لله، لا إله إلا الله، والله أكبر، تبارك الله، أخذهن مَلَك فجعلهن تحت جناحيه، ثم صعد بهن إلى السماء، فلا يمر على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يجيء بهن وجه الرحمن, ثم قرأ عبد الله ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ . قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: وقال فرعون لما وعظه المؤمنُ من آلِهِ بما وعظه به، وزجره عن قتل موسى نبي الله، وَقَوْلُهُ: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: ١٦] . ﴿أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٧] . ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤] . وحذره من بأس الله على قيله (اقتله) ما حذره لوزيره هامان وزير السوء: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ﴾ يعني: بناءً. ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ﴾ : لعلي أبلغ من أسباب السموات أسباباً أتسبَّبُ بها إلى رؤية إله موسى. وقوله: ﴿وَإِنِّي لأظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ يقول: وإني لأظن موسى كاذباً فيما يقول ويدَّعي من أن له في السماء رباً أرسله إلينا.

стр. 53

قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ أيها [الناس] الكافرون ﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ يقول: فإذا الأرض تذهب بكم وتجيء وتضطرب، ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ وهو الله ﴿أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ وهو التراب فيه الحصباء الصغار، ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ يقول: فستعلمون أيها الكفرة كيف عاقبةُ نذيري لكم، إذ كذبتم به، ورددتموه على رسولي. وقال البغوي: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ قال ابن عباس: أي عذاب من في السماء إن عصيتموه.

стр. 54

قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ . وَقَوْلُهُ: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧] . قال ابن جرير: وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ يقول تعالى ذكره مخبراً عن صفته وأنه لا يخفى عليه خافية من خلقه: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ﴾ من خلقه، يعني بقوله: ﴿يَلِجَ﴾ يدخل، ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ منهم، ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى الأرض من شيء قط، ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ فيصعد إليها من الأرض، ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ يقول: وهو شاهدكم أيها الناس، أينما كنتم يعلمكم، ويعلم أعمالكم ومتقلبكم ومثواكم، وهو على عرشه فوق سماواته السبع، ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ يقول: والله بأعمالكم التي تعملونها من حسن وسيء، وطاعة ومعصية، ذو بصر، وهو لها محصٍ ليجازيَ المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيء

стр. 55

بإساءته يوم تجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون. قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وأول الآية ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ الآية، قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : ألم تنظر يا محمد بعين قلبك فترى أن الله يعلم ما في السماوات والأرض من شيء، لا يخفى عليه صغير ذلك وكبيره. يقول جل ثناؤه: فكيف يخفى على من كانت هذه صفته أعمال هؤلاء الكافرين وعصيانهم ربهم. ثم وصفهم -جلَّ ثناؤه- قُربَه من عباده وسماعَه نجواهم، وما يكتمونه الناس من أحاديثهم، فيتحدثون سراً بينهم، فقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ﴾ من خلقه ﴿إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ يعلم سرهم ونجواهم، لا يخفى عليه شيء من أسرارهم، ﴿وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ يقول: ولا يكون نجوى خمسةٍ، إلا هو سادسهم كذلك، ﴿ِلاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] .، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] . ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨] . ﴿وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ﴾ يقول: ولا أقل من ثلاثة، ﴿وَلا أَكْثَرَ﴾ من خمسة، ﴿إِلا هُوَ مَعَهُمْ﴾ إذا تناجوا، ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ يقول: في أي موضع ومكان كانوا. وعنى بقوله: ﴿هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ يعني: أنه شاهدهم بعلمه وهو على عرشه. ثم ساق بسنده عن الضحاك في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ﴾ إلى

стр. 56

قوله: ﴿هُوَ مَعَهُمْ﴾ قال: هو فوق العرش وعلمه معهم ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . وقال ابن كثير: وحكى غير واحد الإجماع على أن المراد بهذه الآية معيَّة علمه تعالى، ولا شك في إرادة ذلك، ولكن سمعه أيضاً مع علمه بهم وبصره نافذٌ فيهم، فهو مطلع على خلقه، لا يغيب عنه من أمورهم شيء، قال الإمام أحمد: افتتح الآية بالعلم واختتمها بالعلم. قوله تعالى: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ قال ابن جرير: يقول إذ يقول رسول الله لصاحبه أبي بكر: ﴿لا تَحْزَنُ﴾ ، وذلك أنه خاف من الطلب أن يعلموا بمكانهما، فجزع من ذلك، فقال له رسول الله ﷺ : " لا تحزن إن الله معنا، والله ناصرنا، فلن يعلم المشركون بنا، ولن يصلوا إلينا ". قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ قد تقدمت هذه الآية في الآيات التي فيها إثبات السمع والبصر، والمراد بها هنا إثبات المعيَّة الخاصة. قال ابن كثير: ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ أي لا تخافا من فرعون، فإنني معكما أسمع كلامكما وكلامه, وأرى مكانكما ومكانه، لا يخفى عليَّ من أمركم شيء، واعلما أن ناصيته بيدي؛ فلا يتكلم ولا يتنفس

стр. 57

ولا يبطش إلا بإذني وبعد أمري، وأنا معكما بحفظي ونظري وتأييدي. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ قال ابن جرير: يقول ﴿وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦] . ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] . تعالى ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ يا محمد ﴿مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الله في محارمه فاجتنبوها وخافوا عقابه عليها، فأحجموا عنه التقدم عليها، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ يقول: وهو مع الذين يُحسنون رعاية فرائضه، والقيام بحقوقه ولزوم طاعته فيما أمرهم به ونهاهم عنه. وقال ابن كثير: وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ أي: معهم بتأييده ونصره ومعونته، وهذه معيَّة خاصَّة، كقوله: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ ، وقوله لموسى وهارون: ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ ، وقول النبي ﷺ للصديق وهما في الغار: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ . وأمَّا المعيَّة العامَّة فبالسمع والبصر والعلم، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ، وكقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ ، وكما قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ الآية.

стр. 58

ومعنى ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أي: تركوا المحرمات، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ أي: فعلوا الطاعات، فهؤلاء يحفظهم ويكلؤهم، وينصرهم ويؤيدهم، ويُظفِرُهم على أعدائهم ومخالفيهم. قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ قال ابن جرير: ﴿وَاصْبِرُوا﴾ يقول: اصبروا مع النبي ﷺ عند لقاء عدوكم، ولا تنهزموا عنه وتتركونه، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ يقول: اصبروا فإني معكم. وأورد البغوي في تفسير هذه الآية حديث: "لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا" الحديث. قوله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧] . ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ [النساء: ١٢٢] قال ابن جرير على قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ الآية، تأويل الكلام: قال الذين يوقنون بالمعاد ويصدِّقون بالمرجع إلى الله للذين قالوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ يعني بـ ﴿كَمَ﴾ كثيراً غلبت فئة قليلة فئة كثيرة ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ يعني بقضاء الله وقدره، ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ يقول: مع الحابسين أنفسهم على رضاه وطاعته، يعني والله معين الصابرين على الجهاد في سبيله، وغير ذلك من طاعته، وظهورهم ونصرهم على

стр. 59

أعدائه الصادين عن سبيله المخالفين منهاج دينه، وكذلك يقال لمعين الرجل على غيره: هو معه. بمعنى: هو معه بالعون والنصرة.

стр. 60

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ ، وأول الآية ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ ، قال ابن جرير: يعني بذلك فاعلموا حقيقة ما أخبرتكم من الخبر، فإني جامعكم إلى يوم القيامة للجزاء والعرض والحساب، والثواب والعقاب يقيناً، فلا تَشُكّوا في صحته، ولا تمتروا في حقيقته، فإن قولي الصدق الذي لا كذب فيه، ووعدي الصدق الذي لا خُلْفَ فيه. ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ ، يقول: وأي ناطقٍ صدق من الله حديثاً، وذلك أن الكاذب إنما يكذب ليجتلب بكذبه إلى نفسه نفعاً، أو يدفع به عنها ضراً، والله تعالى ذكره خالق الضر والنفع، فغير جائز أن يكون منه كذب؛ لأنه لا يدعوه إلى اجتلاب نفع، ولا دفع ضر عن نفسه، أو دفع ضر عنها سواه تعالى ذكره، فيجوز أن يكون له في استحالة الكذب منه نظير، ومن أصدق من الله حديثاً وخبراً.

стр. 61

وقال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ أي لا أحد أصدق منه في حديث وخبره، ووعده ووعيده، فلا إله إلا هو، ولا ربَّ سواه. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا﴾ ، قال ابن جرير يقول: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ﴾ ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١١٦] . ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا .......................................................................... وَعَدْلاً﴾ [الأنعام: ١١٥] . أيها الناس، ﴿مِنَ اللَّهِ قِيلا﴾ أي لا أحد أصدق منه قيلاً، فكيف تتركون العمل بما وعدكم على العمل به ربكم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً، وتكفرون به، وتخافون أمره، وأنتم تعلمون أنه لا أحد أصدق منه قيلاً، وتعملون بما يأمركم به الشيطان رجاء لإدراك ما يعدكم من عداته الكاذبة وأمانيه الباطلة، وقد علمتم أن عِداتِه غرور لا صحة لها، ولا حقيقة، وتتحذونه ولياً من دون الله، وتتركون أن تطيعوا الله فيما يأمركم به وينهاكم عنه، فتكونوا له أولياء، ومعنى القيل والقول واحد. وقال ابن كثير: " ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا﴾ أي: لا أحد أصدق منه قولاً أي خبراً، لا إله إلا هو، ولا رب سواه، وكان النبي ﷺ يقول في خطبته: " إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدى هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار ". قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ ... ، قال ابن جرير: يقول

стр. 62

تعالى ذكره: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ فيقول: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ إذ قال الله ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وقيل: إن الله قال هذا القول لعيسى حين رفعه إليه في الدنيا. وساق بسنده عن السُدِّي قال: لما رفع الله عيسى ابن مريم إليه، قالت النصارى ما قالت، وزعموا أن عيسى أمرهم بذلك، فسأله عن قوله فقال: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ . وعن ابن جريج ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال: والناس يسمعون، فراجعه بما قد رأيت، وأقر له بالعبودية على نفسه، فعلم من كان يقول في عيسى ما يقول أنه إنما كان كان باطلاً. .......................................................................... وقال ابن كثير على قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ الآيات: هذا أيضاً مما يخاطب الله به عبدَه ورسولَه عيسى ابن مريم ﵇، قائلاً له يوم القيامة بحضرة من اتخذه وأمه إلهين من دون الله ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ , وهذا

стр. 63

تهديدٌ للنصارى وتوبيخٌ وتقريع على رؤوس الأشهاد. هكذا قاله قتادة وغيره. قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: وكملت كلمة ربك، يعني القرآن، سمّاه كلمةً كما تقول العربُ للقصيدة من الشعر يقولها الشاعر: هذه كلمة فلان. [ ﴿صِدْقًا وَعَدْلا﴾ يقول: كملت كلمة ربك من الصدق والعدل، والصدق والعدل نُصبا على التفسير للكلمة] كما يقال عندي عشرون درهماً. ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ يقول: لا مغيِّر لما أخبر في كتبه أنه كائن من وقوعه في حينه وأجله الذي أخبر الله أنه واقعٌ فيه، وذلك نظير قوله جل ثناؤه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ . وقال ابن كثير: وقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا﴾ قال قتادة: صدقاً فيما قال، وعدلاً فيما حكم، يقول: صدقاً في الإخبار، وعدلاً في الطلب، فكل ما أخبر به فحقٌّ لا مرية فيه ولا شك، وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكل ما نهى عنه فباطل، فإنه لا ينهى إلا عن مفسدة.

стр. 64

﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ أي: ليس أحد يعقب حكمه تعالى لا في الدنيا ولا في الآخرة. وقال البغوي: قوله : ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ قرأ أهل الكوفة ويعقوب ﴿كَلِمَتُ﴾ على التوحيد، وقرأ آخرون: ﴿كَلِمَاتٍ﴾ بالجمع والمراد بالكلمات أمره ونهيه، ووعده ووعيده. ﴿صِدْقًا وَعَدْلا﴾ ، أي صدقاً في الوعد ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] . ﴿مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] . ﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣] . ﴿َنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] . والوعيد، وعدلاً في الأمر والنهي، قال قتادة ومقاتل: صدقاً فيما وعد، وعدلاً فيما حكم، ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ قال ابن عباس: لا رادَّ لقضائه ولا مغيِّر لحكمه، ولا خُلف لوعده، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قيل: أراد بالكلمات القرآن ﴿لا مبدل له﴾ يريد لا يزيد فيه المفترون ولا ينقصون. انتهى. قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ : قال ابن جرير: يعني بذلك جل ثناؤه: وخاطب الله بكلامه موسى خطاباً. وساق بسنده عن نوح بن أبي مريم، وسُئل: كيف كلم الله موسى تكليماً؟ قال: مشافهة. وقال ابن كثير: قوله ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ وهذا تشريفٌ لموسى ﵇ بهذه الصفة، ولهذا يقال له الكليم.

стр. 65

وقال صاحب " الوجيز ": أخبر الله بأنه شرَّف موسى بكلامه وأكَّده بالمصدر دلالةً على وقوع الفعل على حقيقته لا على المجاز. قوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ قال ابن جرير: يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ الذين قصَّ الله قَصَصَهم في هذه السورة؛ كموسى بن عمران، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، وشمويل، وداود، وسائر من ذكر نبأهم في هذه السورة. يقول تعالى ذكره: "هؤلاء رسُلي فضلت بعضهم على بعض، والذي كلَّمته منهم موسى ﷺ ، ورفعت بعضهم درجات على بعض بالكرامة ورفعة المنزلة". وساق بسنده عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ قال: يقول: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ منهم من كلم الله، ورفع بعضهم على بعض درجات، يقول: كلَّّم الله موسى، وأرسل محمداً إلى الناس كافةً. .......................................................................... وقال البغوي: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ أي: كلمه الله تعالى، يعني موسى ﵇، ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ درجات﴾ يعني: محمداً ﷺ ، وما أوتي نبيٌّ آيةً إلا أوتي نبينا مثل تلك الآية، وفُضِّل على غيره بآيات مثل: انشقاق القمر بإشارته، وحنين الجذع على مفارقته، وتسليم الحجر والشجر عليه، وكلام البهائم والشهادة برسالته، ونبع الماء من بين أصابعه، وغير ذلك من المعجزات والآيات التي لا تُحصى، وأظهرها

стр. 66

القرآن الذي أعجز أهل السماء والأرض على الإتيان بمثله. انتهى. قوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ ، قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: ونادينا موسى من ناحية الجبل، ويعني بالأيمن يمين موسى؛ لأن الجبل لا يمين له ولا شمال، وإنما ذلك كما يقال قام عن يمين القبلة وعن شمالها. وقوله ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ يقول تعالى ذكره: وأدنيناه مُناجياً كما يقال: فلان نديم فلان ومُنادِمه، وجليس فلان ومُجالسُه، وذُكر أن الله جل ثناؤه أدناه حتى سمع صريف القلم. ثم ساق بسنده عن ابن عباس: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ قال: أُدنِيَ حتى سمع صريف القلم. وقال ابن كثير: وقوله ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ﴾ [أي: الجبل، ﴿الأيْمَنِ﴾ ] أي: الجانب الأيمن من موسى حين ذهب يبتغي من تلك النار جذوة فرآها تلوح فقصدها فوجدها في جانب الطور الأيمن من غربيه عند شاطئ الوادي، فكلَّمه اللهُ تعالى وناداه وقرَّبه فناجاه. قال ابن عباس: أُدني حتى سمع صريف القلم، وهكذا قال مجاهد وأبو العالية وغيرهم، يعنون صريف القلم بكتابة التوراة، وقال السدي ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ قال: أُدخل في

стр. 67

السماء فكُلِّم، وعن مجاهد نحوه. وقال البغوي: قوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ﴾ يعني يمين موسى. وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٠] ، ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَة﴾ [الأعراف: ٢٢] . وَقَوْلُه: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] . والطور: جبل بين مصر ومدين، ويقال اسمه الزبير، وذلك حين أقبل من مدين ورأى النار فنودي: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ أي: مناجياً، فالنجي المناجي، كما يقال: جليس ونديم، قال ابن عباس: معناه قرَّبه فكلَّمه، ومعنى التقريب إسماعه كلامه، وقيل: رفعه الحجب حتى سمع صريف القلم. انتهى. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: واذكر يا محمد إذ نادى ربك موسى بن عمران ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يعني: الكافرين ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ﴾ عقاب الله على كفرهم به. قوله تعالى: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: ونادى آدم وحواءَ ربُّهما: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا﴾ عن أكل ثمرة الشجرة التي أكلتما ثمرها، وأعلمكما أن إبليس لكما عدوٌ مبين، يقول: قد أبان عداوته لكما بترك السجود لآدم حسداً وبغياً. وعن ابن عباس قال: لما أكل آدم من الشجرة قيل له: أكلتَ من الشجرة

стр. 68

التي نهيتك عنها؟ قال: حواء أمرتني. قال: فإني قد أعقبتها أن لا تحمل إلا كُرهاً ولا تضعُ إلا كُرهاً. قال: فرنَّت حواءُ عند ذلك، فقيل لها: الرنَّةُ عليك وعلى ولدك. وعن أُبيّ بن كعب قال: كان آدم رجلاً طُوالاً كأنه نخلة سحوق، كثير شعر الرأس، فلما وقع فيما وقع فيه من الخطيئة بدت له عورته عند ذلك وكان لا يراها، فانطلق هارباً في الجنة، فتعلقت برأسه شجرة من شجر الجنة. فقال لها: أرسليني. فقالت: إني غير مرسلتك، فناداه ربه : يا آدم أمنِّي تفر؟ قال: يا رب إني استحييتك. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ . قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: ويوم ينادي الله هؤلاء المشركين فيقول لهم: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] . ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥] . ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ [الفتح: ١٥] . فيما أرسلناهم به إليكم، من دعائكم إلى توحيدنا، والبراءة من الأوثان والأصنام، ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ﴾ . قال مجاهد: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْبَاءُ﴾ قال: الحُجَجُ. يعني الحُجَّة.

стр. 69

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره لنبيه: وإن استأمنك يا محمد من المشركين الذين أمرتك بقتالهم وقتلهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم أحدٌ ليسمع كلام الله منك، وهو القرآن الذي أنزله الله عليك ﴿فَأَجِرْهُ﴾ يقول: فأمِّنه ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ وتتلوه عليه ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ يقول: ثم رُدَّه بعد سماعه كلام الله - إن هو أبى أن يُسلم، ولم يتعظ بما تلوتَه عليه من كلام الله فيؤمَّن إلى ﴿مَأْمَنَهُ﴾ يقول: إلى حيث يأمن منك وممن في طاعتك حتى يلحق بداره وقومه من المشركين. قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قال ابن كثير: يقول تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ أيها المؤمنون ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ أي: ينقاد لكم بالطاعة، هؤلاء الفرقة الضالة من اليهود، الذين شاهد آباؤهم من الآيات البينات ما شاهدوه؛ ثم قست قلوبهم من بعد ذلك ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ

стр. 70

يُحَرِّفُونَهُ﴾ أي: يتأوَّلونه على غير تأويله، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ أي: فهموه على الجلية، ومع هذا يخالفونه على بصيرة، ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنهم مخطئون فيما ذهبوا إليه من تحريفه وتأويله. قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : سيقول يا محمد المخلفون في أهليهم عن صحبتك إذا سرتَ معتمراً تريد بيت الله الحرام، إذا انطلقت أنت ومن ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف: ٢٧] . وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦] . صَحِبك في سفرك ذلك إلى ما أفاء الله عليك وعليهم من الغنيمة لتأخذوها -وذلك ما كان الله وعد أهل الحديبية من غنائم خيبر-: ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾ إلى خيبر فنشهد معكم قتال أهلها. ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ يقول: يريدون أن يُغيِّروا وعد الله الذي وعد أهل الحديبية؛ وذلك أن الله جعل غنائم خيبر لهم، ووعدهم ذلك عوضاً من غنائم أهل مكة، إذا انصرفوا عنهم على صلح، ولم يصيبوا منهم شيئاً. وقوله: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : قل لهؤلاء المخلَّفين عن المسير معك يا محمد: لن تتبعونا إلى خيبر إذا أردنا المسير إليهم من قتالهم، ﴿كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ . يقول: هكذا قال الله لنا من قبل مرجعنا إليكم أن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية معنا، ولستم ممن شهدها، فليس لكم أن تتبعونا إلى

стр. 71

خيبر؛ لأن غنيمتها لغيركم. قوله: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : واتبع يا محمد ما أنزل إليك من كتاب ربك هذا، ولا تتركن تلاوته واتباع ما فيه من أمر الله ونهيه، والعمل بحلاله وحرامه فتكون من الهالكين، وذلك أن مصير من خالفه، وترك اتباعه يوم القيامة إلى جهنم، ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ يقول: لا مغير لما أوعد بكلماته التي أنزلها عليك، أهل، والعاملين بخلاف هذا الكتاب الذي أوحيناه إليك. وقوله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ يقول: إن أنت يا محمد لم تتلُ ما أوحي إليك من كتاب ربك فإنه لا ملجأ لك من الله. قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: إن هذا القرآن الذي أنزلته إليك يا محمد، يقص على بني إسرائيل الحق في أكثر الأشياء التي اختلفوا فيها. ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢] . ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١] ، وذلك كالذي اختلفوا فيه من أمر عيسى، فقالت اليهود فيه ما قالت، وقالت النصارى فيه ما قالت، وتبرَّأ لاختلافهم فيه هؤلاء من هؤلاء، وهؤلاء من هؤلاء، وغير ذلك من الأمور التي اختلفوا فيها، فقال جل ثناؤه لهم: إن هذا القرآن يقص عليكم الحق فيما اختلفتم، فاتبعوه، وأقرُّوا لما فيه، فإنه يقص عليكم بالحق، ويهديكم إلى سبيل الرشاد.

стр. 72

قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ قال ابن جرير: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ وهذا القرآن الذي أنزلناه إلى نبينا محمد ﷺ ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ﴾ يقول: فاجعلوه إماماً تتبعونه وتعملون بما فيه أيها الناس، ﴿وَاتَّقُوا﴾ يقول: واحذروا الله في أنفسكم أن تضيعوا العمل بما فيه، وتتعدوا حدوده، وتستحلوا محارمه. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ يقول: لتُرحموا؛ فتنجوا من عذاب الله وأليم عقابه. وقال ابن كثير: في الدعوة إلى اتباع القرآن، يرغَِّب سبحانه عباده في كتابه ويأمرهم بتدبره والعمل به والدعوة إليه، ووصفه بالبركة لمن اتبعه وعمل به في الدنيا والآخرة لأنه حبل الله المتين. قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ ، قال ابن جرير: يقول جل ثناؤه ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى

стр. 73

جَبَلٍ﴾ وهو حجر ﴿لَرَأَيْتَهُ﴾ يا محمد ﴿خَاشِعَا﴾ يقول: متذلِّلاً ﴿مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ على قساوته، حذراً من أن لا يؤدِّي حقَّ الله المفترض عليه في تعظيم القرآن، وقد أُنزل على ابن آدم، وهو بحقِّه مستخفّ، وعنه وعمَّا فيه من العبر والذكر مُعرض، كأن لم يسمعها، كأنَّ في أذنيه وقراً، وساق بسنده عن ابن عباس من قوله ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ قال: يقول: لو ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ١٠١] . ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢] . أني أنزلتُ هذا القرآن على جبل حمَّلتُه إياه، تصدَّع وخشع من ثقله ومن خشية الله، فأمر الله الناسَ إذا أُنزل عليهم القرآن أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشُّع. قال: كذلك يضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتفكرون. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره وإذا نسخنا حكم آية، فأبدلنا مكانه حُكمَ أُخرى، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ . يقول: والله أعلم بالذي هو أصلح لخلقه فيما يبدِّل ويغيِّر من أحكامه، ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ . يقول: قال المشركون بالله المكذِّبون لرسولِه: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ﴾ يا محمد ﴿مُفْتَرِ﴾ أي: مكذب، تخرصُ بتقوُّل الباطل على الله، يقول الله تعالى: بل أكثر هولاء القائلين لك يا محمد: إنما أنت مفترٍ. جُهَّالٌ بأن الذي تأتيهم به من عند الله، ناسخه ومنسوخه، لا يعلمون حقيقة صحته. قوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ

стр. 74

آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُلُ﴾ يا محمد للقائلين لك ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ ، فيما تتلو عليهم من آي كتابنا، ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ يقول: قل جاء به جبريل من عند ربي بالحق. وقوله ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ يقول تعالى ذكره: قل نزَّل هذا القرآن ناسخه ومنسوخه روح القدس عليَّ من ربي, تثبيتاً للمؤمنين، وتقوية لإيمانهم، ليزدادوا بتصديقهم لناسخه ومنسوخه إيماناً لإيمانهم، وهدىً لهم من الضلالة، وبشرى للمسلمين الذين استسلموا لأمر الله، وانقادوا لأمره ونهيه، وما أنزله في آي كتابه، فأقرُّوا بكلِّ ذلك, وصدقوا به قولاً وعملاً. ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يعَلِّمَهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] . وَقَوْلُهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢: ٢٣] قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: ولقد نعلم أن هؤلاء المشركين يقولون - جهلاً منهم -: إنما يعلّم محمداً هذا الذي يتلوه بشرٌ من بني آدم، وما هو من عند الله، يقول الله تعالى ذكره مكذِّبهم في قيلهم ذلك: ألا تعلمون كذب ما تقولون؟ إن لسان الذي تلحدون إليه أعجمي، يقول: تميلون إليه بأنه يعلم محمداً أعجمي. وذلك أنهم فيما ذُكِر كانوا يزعمون أن الذي يُعلّم محمداً هذا القرآن عبدٌ رومي، فلذلك قال تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ وهذا القرآن لسانٌ عربيٌ مبين.

стр. 75

قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة، ﴿نَاضِرَةٌ﴾ يقول: حسنة جميلةٌ من النعيم، يقال من ذلك: نَضُرَ وجهُ فلان، إذا حَسُنَ من النعمة، ونضَّر اللهُ وجهه إذا حسَّنه كذلك. وساق بسنده عن الحسن في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ قال: حسنة، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قال: تنظر إلى الخالق، وحُقَّ لها أن تنضُرَ وهي تنظر إلى الخالق. وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : " إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه ألفي سنة ",قال: "وإنَّ أفضلهم منزلة لمن ينظرُ في وجه الله كلَّ يومٍ مرَّتين " قال: ثمَّ تلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قال: بالبياض والصفاء، قال: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قال: " تنظر كلَّ يومٍ في وجه الله ". وقال ابن كثير: وقد ثبتت رؤية المؤمن لله في الدار الآخرة في
следующие страницы →