← Акыда

Акыда · id 21517

التعليقات السنية على العقيدة الواسطية - فيصل آل مبارك

فيصل آل مبارك

Полный текст (104 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

تَألِيْفُ الشَّيْخِ العَلاَّمَةِ فَيْصَلْ بنِ عَبْدِ العَزِيْزِ آل مُبَارَك ت ١٣٧٦ هـ أهمية الكتاب لعلَّ هذا الكتاب: (التَّعلِيقَاتُ السَّنِيَّة على العَقِيَدة الوَاسِطِيَّة) - كما يظهر لي - هو أول تعليق على (العقيدة الواسطية) وهناك شرح للواسطية لعالم معاصر للشيخ فيصل ومتوفٍ في نفس العام الذي توفي فيه الشيخ فيصل، ألا وهو العلاَّمة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀، وشرحه هو المعروف بـ (التعليقات المنيفة على ما في الواسطية من المباحث الشريفة) ، وقد ألَّفه الشيخ السعدي عام١٣٧٢هـ. إلاَّ أن كتابنا هذا فيما يظهر - أُلِّف تأليفاَ من هذا التاريخ، إذ أنَّ الشيخ فيصل ﵀ وهو المتوفى عام ١٣٧٦هـ قد اهتمَّ في أُخريات حياته بـ (الروض المربع) فشرَحَه في كتابه (المرتع المشبع) في أربعة مجلدات ضخمة وكان تأليفه لهذا الكتاب قبل عام ١٣٧١ هـ كما يدل على ذلك رسالة من الشيخ عبد الرحمن بن سعدي إلى الشيخ فيصل - رحمهما الله - بتاريخ الأول من رجب من عام ١٣٧١ هـ، ثمَّ شرحه الشيخ فيصل " المرتع المشبع " بكتابه (مجمع الجواد) وهو

стр. 2

كتاب ضخم وصلنا منه شرح كتاب البيوع في مجلد كبير، ممَّا يدلُّ على تقدُّم تأليف الشيخ فيصل ﵀ لشرح الواسطيَّة. لا سيَّما إذا علمنا أن الشيخ فيصل أدرج شرحه على الواسطية في موسوعته المسمَّاة بـ (زبدة الكلام في الأصول والآداب والأحكام) وفيه عدَّة مؤلفاتٍ له، وجُلُّها من أقدم مؤلفاته، والله أعلم.

стр. 3

ترجمة المؤلف هو الشيخ فيصل بن عبد العزيز بن فيصل بن حمد المبارك المحدث الفقيه الأصولي المفسِّر النحوي الفرضي، العالم العامل الزاهد الورع، ولد ﵀ في حريملاء عام ١٣١٣هـ، وطلب العلم على علماء حريملاء في وقته، ومنهم جدِّه لأُّمِّه الشيخ العالم ناصر بن محمد الراشد، وعمِّه العلاَّمة الشيخ محمد بن فيصل المبارك. ثمَّ طلب العلم على علماء الرياض فأخذ عن الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف مفتي الديار النجدية، والعلاَّمة سعد بن حمد بن عتيق محدِّث الديار النجدية، وأجازه الشيخ سعد في التفسير، وكذلك أجازه في تدريس أمهات كتب الحديث ومذهب الإمام أحمد، وأجازه الشيخ عبد العزيز النمر إجازة الفتوى عام ١٣٣٣ هـ، وهو في العشرين من عمره، وأخذ علم النحو عن سيبويه عصره الشيخ حمد بن فارس، وعلم الفرائض عن أفرض أهل زمانه الشيخ عبد الله بن راشد الجلعود، وغيرهم من أفذاذ العلماء ﵏ أجمعين. له عِدَّة مؤلفات في جميع العلوم الشرعيَّة - تصل إلى أكثر من ثلاثين مؤلفاً، فمن كتبه المطبوعة: ١. ... توفيق الرحمن في دروس القرآن. ٢. ... السبيكة الذهبية في علم الفرائض. ٣. ... كلمات السداد على متن الزاد في علم الفقه ٤. ... خلاصة الكلام شرح عمدة الأحكام في علم الحديث ٥. ... تطريز رياض الصالحين في علم الحديث. ٦. ... مفاتيح العربية شرح الآجرُّوميَّة في علم النحو. وله ﵀ الكثير من المؤلفات التي لم تطبع بعد. ولي القضاء في عِدَّة بلدان، كان آخِرها منطقة الجوف، والتي توفي بها عام ١٣٧٦هـ، عن ثلاثةٍ وستين عاماً قضاها في الجهاد، وفي العلم والتعليم والتصنيف ﵀. (١)

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الَّذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا. وأَشْهَدُ أَن لاَّ إلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ إِقْرَارًا بِهِ وَتَوْحِيدًا. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ - وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تسليمًا مَزِيدًا. أَمَّا بَعْدُ؛ فَهَذَا اعْتِقَادُ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ الْمَنْصُورَةِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ: أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ: وَهُوَ الإِيمانُ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، والإِيمَانِ بِالْقَدَرِ خِيْرِهِ وَشَرِّهِ. هذا الكتاب هو العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن أبي القاسم ابن تيميّة الحرَّاني شيخ الإسلام والمسلمين وقامع أهل البدع والملحدين، ولد سنة إحدى وستين وستمائة، وتوفي سنة ثمانٍ وعشرين وسبعمائة رحمه الله تعالى. قوله: (أما بعد فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة) يشير إلى قوله ﷺ : (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمَّة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلاَّ واحدة) ، قالوا من هي يا رسول الله، قال مَنْ كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) ،

стр. 5

وقوله ﷺ : (لا تزال طائفة من أمَّتي على الحق منصورة لا يضرُّهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ﵎ . قوله: (وهو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره) يشير إلى ما وقع في حديث سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان، وفيه قال - أي: جبريل - فأخبرني عن الإيمان، قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشرِّه) ، قال: صدقت، وقال النبي ﷺ في آخره -: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم) .

стр. 6

وَمِنَ الإيمَانِ بِاللهِ: الإِيمَانُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتِابِهِ الْعَزِيزِ، وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلاَ تَعْطِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلاَ تَمْثِيلٍ. بَلْ يُؤْمِنُونَ بِأَنَّ اللهَ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] . فَلاَ يَنْفُونَ عَنْهُ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَلاَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ، وَلاَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَاءِ اللهِ وآيَاتِهِ، وَلاَ يُكَيِّفُونَ وَلاَ يُمَثِّلُونَ صِفَاتِهِ بِصِفَاتِ خَلْقِهِ. لأَنَّهُ سُبْحَانَهُ: لاَ سَمِيَّ لَهُ، وَلاَ كُفْءَ لَهُ، وَلاَ نِدَّ لهُ. ولاَ يُقَاسُ بِخَلْقِهِ . فَإنَّهُ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ، وَأَصْدَقُ قِيلاً، وَأَحْسَنُ حَدِيثًا مِنْ خَلْقِهِ. ثُمَّ رُسُلُه صَادِقُونَ مُصَدَّقُون؛ بِخِلاَفِ الَّذِينَ يَقُولُونَ عَلَيْهِ مَا لاَ يَعْلَمُونَ. وَلِهَذَا قَالَ: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِين وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠: ١٨٢] . فَسَبَّحَ نَفْسَهُ عَمَّا وَصَفَهُ بِهِ الْمُخَالِفُونَ لِلرُّسُلِ، وَسَلَّمَ عَلَى الْمُرْسَلِينَ؛ لِسَلاَمَةِ مَا قَالُوهُ مِنَ النَّقْصِ وَالْعَيْبِ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ قَدْ جَمَعَ فِيما وَصَفَ وَسَمَّى بِهِ نَفْسَهُ بينَ النَّفْيِ وَالإِثْبَاتِ. فَلاَ عُدُولَ لأَهْلِ السُّنَّةٌ وَالْجَمَاعَةِ عَمَّا جَاءَ بِهِ الْمُرْسَلُونَ؛ فَإِنَّهُ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، صِرَاطُ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ والصَالِحِينَ. وَقَدْ دَخَلَ فِي هِذِهِ الْجُمْلَةِ مَا وَصَفَ اللهُ بِهِ نَفْسَهُ فِي سُورَةِ الإِخْلاَصِ الَّتِي تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، حَيثُ يَقُولُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَد لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١: ٤] وَمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي أَعْظَمِ آيَةٍ فِي كِتِابِهِ؛ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن

стр. 7

ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ علْمِهِ إلاَّ بمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] . قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ، أي هو الواحد الأحد الذي لا نظير له ولا وزير، لأنَّه الكامل في جميع صفاته وأفعاله، ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ قال ابن عباس يعني الذي يصمد إليه الخلائق في حوائجهم ومسائلهم، وعنه أيضاً الصمد الذي لا جوف له، وقاله كثيرٌ من المفسِّرين. ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ أي: ليس له ولدٌ ولا والدٌ ولا صاحبةٌ، ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . وعن أبي بن كعب ﵁ أن المشركين قالوا للنبي ﷺ انسب لنا ربَّك فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ رواه أحمد وغيره. قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ أي هو المتفرِّد بالإلهِيَّة. ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ أي: الحي الذي لا يموت، ومعنى القيوم أي: القائم على

стр. 8

كلِّ شيء، فجميع الموجودات مفتقرة إليه، وهو غنيٌّ عنها. ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ أي نعاس ولا نوم، ﴿لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ ملكاً وخلقاً. وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾ [الحديد: ٣] . وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] . ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ بأمره. ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ من أمر الدنيا والآخرة. ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ﴾ أي: لا يحيطون بشيءٍ من علم الغيب إلاَّ بما شاء أن يطلعهم عليه ممَّا أخبر به الرسل. ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ﴾ أي: ملأ وأحاط، قال ابن عباس: الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدِّرُ أحدٌ قدره. ﴿وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ أي: لا يثقله ولا يشُقُّ عليه. ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ قال البغوي: وهو العليُّ الرفيع فوق خلقه، والمتعالي عن الأشباه والأنداد. العظيم: الكبير الذي لا أعظم منه.

стр. 9

قوله تعالى: ﴿هُوَ الأوَّلُ﴾ أي الذي ليس قبله شيء. ﴿وَالآخِرَ﴾ الذي ليس بعده شيء. ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ الذي ليس فوقه شيء. ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ الذي ليس دونه شيء. ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ظاهره وباطنه وأوله وآخره. في هامش الصفحة التي فيها آية الكرسي مقابل السطر الذي فيه قوله ﴿وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ كتب الشيخ أي لا يكرثُه ولا يثقِله ثم رمز لها بالتصحيح (صح) . قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ أي فإنَّه حقيقٌ بالتوكل عليه، لأنَّه باقٍ على الأبد، والحياة صفةٌ لله تعالى. وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ٢] . ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِير﴾ [سبأ: ١] . ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [سبأ: ٢] . ﴿وَعِندَه مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِين﴾ [الأنعام: ٥٩] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِه﴾ [فصلت: ٤٧] . قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ﴾ أي: يدخُلُ فيها من الماء والأموات وغير ذلك. ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ من النبات وغيره، والأموات إذا حُشِروا. ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من الملائكة والأمطار وغير ذلك.

стр. 10

﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ من الملائكة والأعمال الصالحة وغير ذلك. قوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ﴾ مفاتح الغيب: خزائنه. وعن ابن عمر ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: (مفاتح الغيب خمس لا يعلمهنَّ إلاَّ الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ) رواه البخاري. ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا﴾ أي ويعلم الحركات حتى من الجمادات. ﴿وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ، يعني: مكتوبٌ في اللوح المحفوظ. قوله تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ﴾ أي هو عالمٌ بذلك لا يخفى عليه من ذلك شيء. وَقَوْلُهُ: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] . وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨] . وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] . وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨] . قوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ ، وأوَّل الآية ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ ، فالوحي من السماء السابعة إلى الأرض السفلى، قال قتادة: (في كل أرضٍ من أرضه وسماءٍ من سمائه، خلقٌ من خلقه، وأمرٌ من أمره، وقضاءٌ من قضائه، ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ فلا يخفى عليه شيء.

стр. 11

قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ أي: الرزاق لجميع خلقه، وهو القوي المقتدر المبالغ في القوة والقدرة. قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ لأنًَّه الفرد الصمد الذي لا نظير له ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، ففي قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ردٌّ للتشبيه، وفي قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ردٌّ للتعطيل، فتضَمَّنَت (الآية) إثباتاً لصفات الكمال لله تعالى، ونفيَ التشبيهِ عنه ﵎. قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ، وأوَّلُ الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا﴾ أي نعم الشيء الذي يعظكم به ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ أي: سميعاً لأقوالكم بصيراً بأفعالكم.

стр. 12

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] . وَقَوْلُهُ: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١] . وعن أبي هريرة ﵁ أنَّه قرأ هذه الآية ويضع إبهامه على إذنه والتي تليها على عينه ويقول: (هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقرؤها ويضع إصبعيه) رواه أبو داود وغيره، ومعنى ذلك إثبات السمع والبصر حقيقةً لا تشبيه السمع بالسمع والبصر بالبصر، فكما أنَّ ذاته لا تشبه الذوات فصفاته لا تشبه الصفات ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ . قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ﴾ أي هي بمشيئة الله إن شاء أبقاها وإن شاء أفناها. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ وأول الآية قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ أي كل ذلك عن قضاء الله وقدره، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ فيوفق من يشاء فضلاً، ويخذل من يشاء عدلاً. قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ أي أحلت لكم بهيمة الأنعام كلها إلاَّ ما كان منها وحشياً فإنَّه صيد لا يحل لكم في حال الإحرام، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ أي: هو الحكيم في جميع ما يأمر به وينهى عنه. وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء﴾ [الأنعام: ١٢٥] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] . ﴿وَأَقْسِطُوا إِنّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَْ﴾ [الحجرات: ٩] . ﴿فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧] . قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ أي: يفتح قلبه

стр. 13

وينوره حتى يقبل الإسلام ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ أي لا يتسع لشيء من الهدى ولا يخلُصُ إليه ما ينفعه من الإيمان، وليس للخير فيه منفذٌ، ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ أي يشُقُّ عليه الإيمانُ كما يشقُّ عليه صعود السماء ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .

стр. 14

قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ الإحسان: هو أعلى مقامات الطاعة، قال ابن جرير: (يعني جلَّ ثناؤه بقوله: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾ أحسنوا أيها المؤمنون في أداء ما ألزمتكم من فرائضي، وتجنب ما أمرتكم بتجنبه من معاصي، ومن الإنفاق في سبيلي، وعَودِ القوي منكم على الضعيف ذي الخلة فإنِّي أحب المحسنين في ذلك. قوله تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا﴾ أي: اعدلوا في الحكم في الفئتين المتقاتلتين. إن الله يحب المقسطين﴾ ، وفي الحديث عن النبي ﷺ : (إنَّ المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن ، وكلتا يديه يمين،

стр. 15

الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا) رواه مسلم. قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: متى استقاموا على العهد فاستقيموا لهم. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] . وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] . وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] . وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] . قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ قال ابن كثير: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ أي: من الذنب وإن تكرر غشيانه. ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ أي المتنزهين عن الأقذار والأذى، وهو ما نهى عنه من إتيان الحائض, أو في غير المأتى. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ قال ابن كثير: أي يحصلُ لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إيَّاه، وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض العلماء والحكماء: (ليس الشأن أن تُحِبّ، إنما الشأن أن تُحَبّ) . ثم قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وهذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنَّه كاذبٌ في نفس الأمر. قال الحسن البصري: (زعم قومٌ أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية. قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ فيه إثبات صفة محبة الله تعالى لعباده على ما يليق بجلاله. قال الحسن: علم الله ﵎ أن قوماً

стр. 16

يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيهم ﷺ فأخبر أنه سيأتي بقوم يحبهم ويحبونه. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ روى أحمد وغيره عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ثلاثة يضحك الله إليهم: الرجل يقوم من الليل، والقوم إذا صفُّوا للصلاة، والقوم إذا صفوا للقتال) . وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] . وَقَوْلُهُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١] . ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] . ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] . ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء﴾ [الأعراف: ١٥٦] . ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] . قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ قال ابن كثير: أي: يغفر ذنب من تاب إليه وخضع لديه، ولو كان الذنب من أي شيءٍ كان. والودود: قال ابن عباس وغيره: هو الحبيب. قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في الحديث: " أن عيسى ﵇ قال للمعلم؟ الرحمن رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة ". قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ وأول الآية: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ أي: رحمتك تسع ذنوبهم وخطاياهم، وعلمك محيط بجميع أعمالهم وأحوالهم ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ .

стр. 17

قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره وكان بالمؤمنين به ورسوله ذا رحمة أن يعذبهم وهم له مطيعون, ولأمره متبعون. ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ . قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي: عمَّت كلَّ شيء، قال الحسن: وسعت رحمته في الدنيا البر والفاجر، وهي يوم القيامة للمتقين خاصَّة. قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ قال ابن كثير: أي: أوجبها على نفسه الكريمة؛ تفضلاً منه وإحساناً وامتناناً. ﴿ِوَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧] . ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٦٤] . قَوْلُهُ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩] . ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣] . وَقَولُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ [محمد: ٢٨] . قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أي: الغفور لذنوب من تاب وأناب من عباده حتى من الشرك، الرحيم بمن آمن به وأطاعه. قوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ أي: فسيرحم كِبَري وضَعفي، ووجدي بولدي، وأرجو من الله أن يردَّه علي، ويجمع شملي به، إنه أرحم الراحمين، فهو أرحم لعباده من كلِّ أحد.

стр. 18

قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى : رضي الله عن هؤلاء الصادقين الذين صدقوا في الوفاء له ما وعدوه، من العمل بطاعته واجتناب معاصيه، ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ يقول: ورضوا هم عن الله تعالى في وفائه لهم بما وعدهم على طاعتهم إياه، فيما أمرهم ونهاهم من جزيل ثوابه ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ . قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ أي: عامداً قتله ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ بقتله إياه متعمداً ﴿وَلَعَنَهُ﴾ أبعده عن رحمته وأخزاه وأعدَّ له عذاباً عظيماً، وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن فعل مثل هذا الذنب العظيم. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ من طاعة الشيطان ﴿وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ من طاعة الرحمن ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ لأنها عُمِلت في غير مرضاته. ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦] . وَقَوْلُهُ: ﴿كَبُرَ مقْتًا عندَ اللَّهِ أن تقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] . َقَولُهُ: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [البقرة: ٢١٠] . ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ ربِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] . قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آَسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ أي: أغضبونا ﴿انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ بعاجل العذاب ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ .

стр. 19

قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ أي: منعهم وحبسهم عن الخروج ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ . قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ قال البغوي: أي: عظم ذلك في المقت والبغض عند الله، أي، أنَّ الله يبغض بغضاً شديداً أن تقولوا ما لا تفعلون، أي: أن تعِدوا من أنفسكم شيئاً ثم لم تفوا به. وقال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين آمنوا اصدقوا الله ورسوله، ﴿لِمَ تَقُولُونَ﴾ القول الذي لا تُصدِّقونه بالعمل، فأعمالكم مخالِفة أقوالَكم ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ يقول: عظُم مقتا [عند ربكم قولكم ما لا تفعلون] .

стр. 20

وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأمْرُ﴾ قال ابن كثير: يقول تعالى مهدداًُ الكافرين: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ يعني: يوم القيامة، لفصل القضاء بين الأولين والآخرين، فيجزي كل عامل بعمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ الأمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ﴾ . ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢١: ٢٢] . ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلاً﴾ [الفرقان: ٢٥] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] . ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] . قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ﴾ قال ابن جرير: (يقول جلَّ ثناؤه هل ينظر هؤلاء العادلون بربهم الأوثان والأصنام إلا أن تأتيهم الملائكة بالموت، فتقبض أرواحهم، أو أن يأتيهم ربك - يا محمد - للقضاء بين خلقه في موقف القيامة، ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ﴾ يقول: أو أن يأتيهم بعض آيات ربك, وذلك - فيما قال بعض أهل التأويل -: طلوع الشمس من مغربها. قوله تعالى: ﴿كَلا إِذَا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ قال ابن كثير: أي: وطِّئت ومُهِّدت وسُوِّيت الأرض والجبال، وقام الخلائق من قبورهم لربهم، و ﴿جَاء

стр. 21

َ رَبُّكَ﴾ يعني: لفصل القضاء بين خلقه، وذلك بعد ما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق - صلوات الله وسلامه عليه - فيذهب فيشفع عند الله تعالى في أن يأتي لفصل القضاء، فيشفِّعه الله تعالى في ذلك -وهي أول الشفاعات-، وهي المقام المحمود، فيجيء الرب ﵎ لفصل القضاء كما يشاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفاً صفوفاً. قوله تعالى ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلا﴾ قال ابن جرير: وتأويل الكلام: ويوم تشقق السماء عن الغمام، وقيل أن ذلك غمام أبيض مثل الغمام الذي ظُلِّل على بني إسرائيل، ثم ذكر عن مجاهد قوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ قال: هو الذي قال: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ ، الذي يأتي الله فيه يوم القيامة, ولم يكن قط إلا لبني إسرائيل. قال ابن جريج: الغمام الذي يأتي الله فيه ......................................................................... غمامٌ زعموا في الجنة. وذكر بسنده عن عبد الله بن عمرو قال: يهبط الله حين يهبط، بينه وبين خلقه سبعون [ألف] حجاب منها النور والظلمة والماء، فيضرب الماء في تلك صوتاً تنخلع له القلوب. وعن عكرمة في قوله: ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ يقول: والملائكة حوله. وعن ابن عباس قال: إن هذه السماء إذا انشقت نزل منها من الملائكة أكثر من الجن والإنس، وهو يوم التلاق، يوم يلتقي أهل السماء وأهل

стр. 22

الأرض، فيقول أهل الأرض: جاء ربنا. فيقولون: لم يجئ وهو آتٍ، ثم تشقق السماء الثانية، ثم سماءٌ سماءٌ، على قدر ذلك من التضعيف، إلى السماء السابعة، فينزل منها من الملائكة أكثر من جميع من نزل من السماوات، ومن الجن والإنس. قال: فتنزل الملائكة الكروبيون، ثم يأتي ربنا ﵎ في حملة العرش الثمانية، بين كعب كل ملك وركبته مسيرة سبعين سنة، وبين فخذه ومنكبه مسيرة سبعين سنة، قال: وكل ملك منهم لم يتأمل وجه صاحبه، وكل ملك منهم واضع رأسه بين يديه يقول: سبحان الملك القدوس، وعلى رؤوسهم شيء مبسوط كأنه القَباءُ، والعرش فوق ذلك، ثم وقف. انتهى. قال سفيان بن عيينة: كل ما وصف الله نفسه في كتابه فتفسيره قراءته، والسكوت عليه، ليس لأحد أن يفسره (١) إلاَّ الله تعالى ورسوله.

стр. 23

قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ ، وقبلها ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ ، قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: كل من على ظهر الأرض من جن وإنس فإنه هالك، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ يا محمد ﴿ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ . وَقَوْلُهُ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] . ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ [المائدة: ٦٤] . ﴿ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ من نعت الوجه، فلذلك رفع ﴿ذُو﴾ . وقد ذكر أنها في قراءة عبد الله بالياء - ﴿ذِي الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ - على أنه من نعت الرب وصفته، قال ابن عباس: ﴿ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ ذو العظمة والكبرياء. قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ أي: كل شيء هالكٌ إلاَّ هو، قال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ يخبر تعالى أن جميع أهل الأرض سيذهبون ويموتون أجمعون، وكذلك أهل السموات إلاَّ من شاء الله، ولا يبقى أحد سوى وجهه الكريم، فإن الرب تعالى وتقدس لا يموت، بل هو الحي الذي لا يموت أبداً.

стр. 24

وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ وقد نعت تعالى وجهه الكريم في هذه الآية بأنه ذو الجلال والإكرام. قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى: قال الله لإبليس, إذ لم يسجدْ لآدمَ وخالفَ أمرَه: يا ﴿إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ يقول: أيُّ شيءٍ منعك من السجود ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ يقول: لخلق يدي. يخبر تعالى ذكره بذلك، أنه خلق آدم بيده، ثم ساق بسنده عن ابن عمر: خلق الله أربعةً بيده: العرش، وعدن، والقلم, وآدم. ثم قال لكل شيءٍ: كن فكان. قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ قال ابن عباس: ليس يعنون بذلك أنَّ يدَ الله موثقة، ولكنهم يقولون أنه بخيل أمسكَ ما عنده, تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. وقال الضحاك: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ يقولون: إنه بخيل ليس بجواد. قال الله: ﴿غُلَّتْ وَقَولُهُ: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨] . ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١٣: ١٤] . ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] . أَيْدِيهِمْ﴾ أمسِكت أيديهم عن النفقة والخير، ثم قال يعني نفسه: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ، وقال: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ ، يقول لا تمسك يدك عن النفقة، قال البغوي: ويد الله صفة من صفات ذاته كالسمع والبصر والوجه، وقال جل ذكره: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ، وقال النبي ﷺ : " كلتا يديه يمين". والله أعلم بصفاته, فعلى العباد فيها الإيمان

стр. 25

والتسليم، وقال أئمة السلف من أهل السنة في هذه الصفات: أمرُّوها كما جاءت بلا كيف. قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ ، يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ يا محمد الذي حكم به عليك، وامض لأمره ونهيه وبلِّغ رسالاته ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ يقول جلَّ ثناؤه: فإنك بمرأى منا نراك ونرى عملَك, ونحن نحوطُك ونحفظُك فلا يصِلُ إليك من أرادك بسوء من المشركين. قوله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ قال ابن كثير: أي: تجري بأمرنا وبمرأى منا ونحو حفظنا وكلاءتنا ﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ أي: جزاءً لهم على كفرهم بالله وانتصاراً لنوحٍ ﵇. قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ أي: بمرأى مني. قال قتادة: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ هو غذاؤه, ولتغذُ على عيني. قال ابن كثير: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ أي: عند عدوك جعلته يحبك. قال سلمة بن كهيل: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ قال: حببتك إلى عبادي. ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ قال أبو عمران الجوني: تُربى بعين الله. وقال قتادة: تغذى على عيني. وقال معمر بن المثنى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ بحيث أرى. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني أجعله في بيت الملك ينعم ويترف، وغذاؤه عندهم غذاء الملك، فتلك الصنعة. انتهى.

стр. 26

وَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١] . وَقَوْلُهُ: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء﴾ [آل عمران: ١٨١] . وَقَوْلُهُ: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠] قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ عن عائشة ﵂ قالت: الحمدلله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي ﷺ تكلمه، وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول؛ فأنزل الله : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ إلى آخر الآية. رواه أحمد وغيره. قال ابن جرير: يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ يا محمد، ﴿قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ يقول وتشتكي المجادلةُ - ما لديها من الهم بظهار زوجها منها - إلى الله، وتسأله الفرج. ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ يعني: تحاور رسول الله ﷺ والمجادِلة خولة بنت ثعلبة ﴿أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ يقول تعالى ذكره: إن الله سميع لما يتجاوبانه ويتحاورانه، وغير

стр. 27

ذلك من كلام خلقه، بصير يما يعملون ويعمل جميع عباده. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ عن ابن عباس قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ قالت اليهود: يا محمد، افتقر ربُّك فسأل عبادَه القرض، فأنزل الله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ قال البغوي: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ ما يُسِرّونه ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤] ، ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢١٧: ٢١٩] عن غيرهم ويتناجونه بينهم، ﴿بَلَى﴾ نسمع ذلك ونعلم، ﴿وَرُسُلُنَا﴾ أيضاً من الملائكة يعني الحفظة ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ . قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ قال ابن عباس: أسمع دعاءكما فأجيبه، وأرى ما يراد بكما فأمنعه، لست بغافل عنكما فلا تهتما. وقال ابن جرير: يقول الله تعالى ذكره: قال الله لموسى وهرون ﴿لا تَخَافَا﴾ فرعون، ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ أعِينكما عليه، وأبصركما ﴿اسْمَعُ﴾ ما يجري بينكما وبينه، فأُفهِمُكما ما تحاورانه به، ﴿وَارَى﴾ ما تفعلان ويفعل، لا يخفى علي من ذلك شيء.

стр. 28

قوله تعالى ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: ألم يعلم أبوجهل إذ ينهى محمداً عن عبادة ربه والصلاة له، بأنَّ الله يراه، فيخاف سطوتَه وعقابَه. وقال ابن كثير: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ أي: أمَا علِمَ هذا الناهي لهذا المهتدي أن الله يراه ويسمع كلامه، وسيجازيه على فعله أتمًَّ الجزاء. قوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ، قال ابن جرير: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ إلى صلاتك، ويرى ﴿تَقَلُّبَكَ﴾ في المؤتمين بك فيها بين قيام وركوع وسجود وجلوس ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ تلاوتك يا محمد، وذكرك في صلاتك ما تتلو وتذكر، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما تعمل فيها ويعمل فيها من يتقلب فيها معك، مُؤتَماً بك، يقول: فرتِّل فيها القرآن، وأقم حدودها فإنك بمرأى من ربك ومسمع. ﴿وَقُل اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَال﴾ [الرعد: ١٣] ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] ، قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ ﴿وَقُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء الذين اعترفوا لك بذنوبهم من المتخلفين عن الجهاد معك، ﴿اعْمَلُوا﴾ بما يرضيه من طاعته وأداء فرائضه، ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ يقول: فسيرى اللهُ إن عملتم عملكم، ويراه رسوله ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ في الدنيا ﴿وَسَتُرَدُّونَ﴾ يوم القيامة إلى من يعلم سرائركم وعلانيتكم فلا يخفى عليه شيء من باطن

стр. 29

أموركم وظواهرها ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يقول: فيخبركم بما كنتم تعملون، وما منه خالصاً وما منه رياءً، وما منه طاعةً وما منه معصيةً، فيجازيكم على ذلك كله جزاءكم، المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.

стр. 30

قوله تعالى: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ ، قال ابن كثير: وقوله: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾ أي: يَشُكُّون في عظمته، وأنه لا إله إلا هو، ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ . قال ابن جرير: شديدةٌ مما حلتُه في عقوبة من طغى عليه وعتَا، وتمادى في كفره. وهذه الآية شبيهةٌ بقوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٥٠ - ٥١] وعن علي ﵁: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ أي: شديد الأخذ. وقال مجاهد شديد القوة. قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ قال ابن

стр. 31

جرير: يعني بذلك جل ثناؤه: ومكر الذين كفروا من بني إسرائيل، وهم الذين ذكر الله أن عيسى أحَسَّ منهم الكفر. وقَوْلُهُ: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ٥٠] ، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥: ١٦] . وكان مكرهم الذي وصفهم الله به مواطأة بعضهم بعضاً على الفتك بعيسى وقتله. قال: وأما مكر الله بهم فإنَّه -فيما ذكر السُدِّي-: إلقاؤُه شَبَهَ عيسى على بعض أتباعه، حتى قتله الماكرون بعيسى، وهم يحسبونه عيسى، وقد رفع الله عيسى قبل ذلك ... إلى أن قال: وقد يحتمل أن يكون معنى مكر الله بهم استدراجه إياهم، ليبلُغَ الكتاب أجله. وقال البغوي: المكر من المخلوقين الخبث والخديعة والحيلة، ومن الله استدراج العبد وأخذه بغتةً من حيث لا يعلم، كما قال: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢] . قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: وغدر هؤلاء التسعة الرهط الذين يفسدون في الأرض بصالح؛ بمصيرهم إليه ليلاً ليقتلوه وأهله، وصالح لا يشعر بذلك ﴿وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ يقول: فأخذناهم بعقوبتنا إياهم وتعجيل العذاب لهم، و ﴿هُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ بمكرنا. وقد بينَّا فيما مضى معنى مكر الله بمن مكر به، وما وجه ذلك، وأنَّه أخذُهُ من أخذَهُ منهم على غِرَّةٍ، أو استدراجُه من استدرجَ منهم على كفرِه

стр. 32

به ومعصيتِه إيَّاه، ثمَّ إحلالهُ العقوبةَ على غِرَّةٍ وغفلةٍ. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥ - ١٦] قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: إن هؤلاء المكذبين بالله ورسوله والوعد والوعيد يمكرون مكراً، وقوله: ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ يقول وأمكر مكراً، ومكره جلَّ ثناؤه بهم إملاؤه إياهم على معصيتهم وكفرهم به. وقَوْلُهُ: ﴿إِن تُبْدُواْ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩] . وقال البغوي: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ يخافون النبي ﷺ ويظهرون ما هم على خلافه، ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ وكيد الله استدرجه إياهم من حيث لا يعلمون. قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩] ، قال ابن جرير: يعني بذلك جلَّ ثناؤه ﴿إِنْ تُبْدُوا﴾ أيها الناس ﴿خَيْرَا﴾ يقول: إن تقولوا جميلاً من القول لمن أحسن إليكم، فتُظهروا ذلك شكراً منكم له على ما كان منه من حَسَنٍ إليكم، ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ يقول: أو تتركوا إظهار ذلك فلا تُبدوه، ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ يقول: أو تصفحوا لمن أساء إليكم عن إساءته، فلا تجهروا له بالسوء من القول الذي قد أذنتُ لكم أن تجهروا له به ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا﴾ يقول: لم يزل ذا عفوٍ عن خلقه، يصفح لهم عمَّن عصاه، وخالف أمره، ﴿قَدِيرًا﴾ يقول: ذا قدرةٍ على الانتقام منهم، وإنما يعني بذلك: أن الله لم يزل ذا عفوٍ عن عباده مع قدرته على عقابهم على معصيتهم إياه، يقول: فاعفوا أنتم أيضاً أيها الناس عمن أتى إليكم ظلماً، ولا

стр. 33

تجهروا له بالسوء من القول إلاَّ من ظُلم. وقال ابن كثير: وقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ أي: إن تُظهروا أيها الناس خيراً أو أخفيتموه، أو عفوتم عمَّن أساء إليكم، فإن ذلك مما يقربِّكم عند الله ويجزل ثوابكم لديه، فإنَّ من صفاته تعالى أن يعفوَ عن عباده مع قدرته على عقابهم، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ ولهذا وردَ في الأثر: أنَّ حملة العرش يُسبِّحون الله فيقول بعضهم: سبحانك على حلمك بعد علمك، ويقول بعضهم: سبحانك على عفوك بعد مقدرتك. وفي الحديث الصحيح: "ما نقص مالٌ من صدقةٍ، ولا زادَ الله عبداً بعفوٍ إلاَّ عزاً ومن تواضع لله رفعه". ﴿ِوَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] ، وَقَوْلُهُ عَنْ إِبْلِيسَ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] . قوله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] ، وأول الآية ﴿وَلا يَأْتَلِ﴾ أي: لا يحلف، ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ . قال ابن جرير: يقول: ﴿وَلْيَعْفُوا﴾ عمَّا كان منهم إليهم من جُرم،

стр. 34

وذلك كجُرمِ مِسطحٍ إلى أبي بكر، في إشاعته على ابنته عائشة ما أشاع من الإفك، ﴿وَلْيَصْفَحُوا﴾ يقول: وليتركوا عقوبته على ذلك بحرمانهم ما كانوا يؤتونهم قبل ذلك، ولكن ليعودوا لهم إلى مثل الذي كانوا لهم عليه من الإفضال عليهم، ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يقول: ألا تحبون أن يستر الله عليكم ذنوبكم، بإفضالكم عليهم، فيترك عقوبتكم عليها ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ لذنوب من أطاعه، واتبع أمره ﴿رَّحِيمِ﴾ بهم أن يعذبهم مع اتباعهم أمره وطاعتهم إياه على ما كانت لهم من زلة وهفوة، قد استغفروه منها، وتابوا إليه من فعلها.

стр. 35

قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: يقول هؤلاء المنافقون الذي وصف صفتهم قبلُ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ﴾ فيها، ويعني بالأعز الأشد والأقوى، قال الله جل ثناءه: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾ يعني: الشدة والقوة، ﴿وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بالله ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك. قال البغوي: فعزة الله قهره من دونه، وعزة رسوله إظهار دينه على الأديان كلها، وعزة المؤمنين نصر الله إياهم على أعدائهم. وَقَوْلُهُ: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] . وَقَوْلُهُ: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] . قوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: قال إبليس: ﴿فَبِعِزَّتِكَ﴾ أي: بقدرتك وسلطانك وقهرك من دونك من خلقك، ﴿لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يقول: لأضِلَّنَّ بني آدم أجمعين، ﴿إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ يقول: إلا مَنْ أخلصته منهم لعبادتك، وعَصَمتَه من إضلالي، فلم تجعل لي عليه سبيلاً، فإني لا أقدر على إضلاله وإغوائه.

стр. 36

وذكر بسنده عن قتادة قال: علِمَ عدوُّ الله أنه ليست له عزَّة. قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: تبارك ذكرُ ربك يا محمد، ﴿ذِي الْجَلالِ﴾ يعني: ذي العظمة، ﴿وَالإكْرَامِ﴾ يعني: ومن له الإكرام من جميع خلقه. وذكر بسنده عن ابن عباس: قوله: ﴿ذِي الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ يقول ذو العظمة والكبرياء. وقال ابن كثير: أي: هو أهلٌ أن يُجَلَّ فلا يُعصَى، وأن يُكرمَ فيُعبد، ويُشكَر ولا يُكفَر، وأن يُذكرَ فلا يُنسى، وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: " ألِظُّوا بيا ذا الجلال والإكرام ". وفي الحديث الآخر أن رسول الله ﷺ كان إذا انصرف من صلاته استغفر الله ثلاثاً وقال: " اللهم أنت السلام، ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام ". قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ قال ابن جرير: وقوله ﴿فَاعْبُدْهُ﴾ يقول: فالزم طاعته، وذل لأمره ونهيه، ﴿وَاصْطَبِرْ

стр. 37

لِعِبَادَتِهِ﴾ . يقول: واصبر نفسك على النفوذ لأمره ونهيه، والعمل بطاعته، تفز برضاه عنك، فإنه الإله الذي لا مثل له ولا عِدْلَ ولا شبيه في جُوده وكرمه وفضله، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ . ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] . وَقَوْلُهُ: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] . ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١] . يقول: هل تعلمُ يا محمد لربك هذا الذي أمرناك بعبادته، والصبر على طاعته مِثْلاً في كرمه وجوده، فتعبده رجاء فضله وطوله دونه؟ كلا، ما ذلك بموجود. وذكر بسنده عن ابن عباس في قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ قال: شبيهاً. قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ قال أبو العالية: لم يكن له شبيهٌ ولا عِدلٌ وليس كمثله شيء. قوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قال ابن جرير: الأندادُ جمعُ نِدِّ، والنِّدُّ: العِدْلُ والمِثْلُ. وذكر بسنده عن ابن عباس في قوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ قال: أشباهاً. وعن قتادة في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعلمون أن الله خلقكم وخلق السماوات والأرض، ثم تجعلون له أنداداً. وقال البغوي: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ أي: أمثالاً تعبدونهم كعبادة الله.

стр. 38

قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ قال ابن كثير: يذكر تعالى حال المشركين في الدنيا وما لهم في الدار الآخرة، حيث جعلوا له أنداداً، أي: أمثالاً ونظراء، يعبدونهم معه، ويحبونهم كحبه، وهو الله لا إله إلا هو، ولا ضد له ولا ند، ولا شريك له.

стр. 39

قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ ، قال ابن جرير: يقول تعالى ذكره لنبيه .......................................................................... محمد ﷺ ﴿وَقُلْ﴾ يا محمد ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ فيكون مربوباً لا رباً؛ لأن رب الأرباب لا ينبغي أن يكون له ولد، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ عاجزاً ذا حاجةٍ إلى معونة غيره ضعيفاً، ولا يكون إلها من يكون محتاجاً إلى مُعين على ما حاول، ولم يكنْ منفرداً بالملك والسلطان، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ يقول: ولم يكن له حليفٌ حالفَه من الذُّلِّ الذي به؛ لأن من كان ذا حاجة إلى نُصرة غيره، فذليل مهين، ولا يكون من كان

стр. 40

ذليلاً مهيناً يحتاج إلى ناصر إلهاً يطاع، ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ يقول: وعظِّم ربك يا محمد بما أمرناك أن تعظمه به من قول وفعل، وأطعه فيما أمرك ونهاك. وقال ابن كثير: لمَّا أثبت تعالى لنفسه الكريمة الأسماء الحسنى، نزَّه نفسه عن النقائص فقال: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ بل هو الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ أي: ليس بذليل فيحتاج أن يكون له ولي أو وزير أو مشير، بل هو تعالى خالق الأشياء وحده لا شريك له. قال مجاهد في قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ لم يحالف أحداً، ولم يبتغ نصرة أحد. ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ أي: عظِّمه وأجلّه عما يقول الظالمون المعتدون علواً كبيراً. قال ابن جرير: حدثني يونس: أنبأنا ابن وهب، أخبرني أبو صخر، عن القرظي أنه كان يقول هذه الآية: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ الآية قال: إن اليهود والنصارى قالوا: اتخذ الله ولداً. وقالت العرب: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك، وقال الصابئون والمجوس: لولا أولياء الله لذل، فأنزل الله هذه الآية ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ . ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التغابن: ١] قَوْلُهُ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ١: ٢] ،
следующие страницы →