ومن أحبِّ ما تطيب به نفس المريض: تبشيره بالشفاء، مع تكفير ذنوبه، حتى وإن كانت حاله على شفير الهلاك، فقد دخل رسول الله ﷺ على رجل أعرابيٍ يعودُه من حُمّى أصابته؛ فقال: «لاَ بَأْسَ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللهُ» فقال الرجل، قلتَ: طُهور؟ كلا، بل حُمّى تفور، على شيخ كبير، كيما تُزِيرَه القبور!! فقال ﵊: «فَنَعَمْ إِذًا» (٢٤٧) . تأمّل - رحمك الله - إلى الفأل بالكلمة الطيبة التي بشره بها رسول الله ﷺ ، ثم انظر إلى اليأس الذي تملَّك نفسَ هذا الرجل فأورده التهلكة، ما يدل دلالة يقين على أن الحال النفسية للمريض مؤثرة عادة على صحة أعضائه.
стр. 142
ومن حُسن الإشفاق على المريض، والتلطُّفِ البالغ به: العمدُ إلى رقيته بالمشروع، والدعاء له. فقد رقى جبريلُ رسولَ ﷺ حين اشتكى - فقال _ج: «بِسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ اللهُ يَشْفِيكَ، بِسْمِ اللهِ أَرْقِيك» (٢٤٨) .
وقالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى منا إنسان، مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ ﷺ ، ثم قال: «أَذْهِبِ الْبَاس، رَبَّ النَّاس، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لا شِفَاءَ إِلا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا» (٢٤٩) .
وكان ﵊ إِذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ، نَفَثَ عَلَيْهِ بِالْمُعوِّذَاتِ» (٢٥٠) .
стр. 143
وَكَانَ ﵊ يَنْفُثُ عَلَى نَفْسِهِ فِي مَرَضِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ» (٢٥١) .
هذا، وإن مما يُفرِح قلبَ المريض للغاية: أن يجهر العائد بالدعاء له - مكررًا ذكر اسمه - ماسحًا بيده موضع ألمه، وقد صحّ في السُّنة فعلُ النبيِّ ﷺ ذلك، حين جاء سعدَ بنَ أبي وقّاص ﵁ يعوده، لمّا تشكّى بمكة شكوى شديدة، فوضع النبيُّ ﷺ يده على جبهته ثم مسح يده على وجه سعدٍ وبطنه، ثم دعا له قائلاً: «اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا، اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا، اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا، وَأَتْمِمْ لَهُ هِجْرَتَهُ» ، قال سعدٌ: فما زلت أجد
стр. 144
بَرْده على كبدي - فيما يُخال إليَّ - حتى الساعةِ (٢٥٢) .
ومما يُريح فؤاد المريض كذلك تغذيتُه بألطف ما اعتاده من الأغذية حالَ صحَّتِه؛ وذلك بأن يُخصَّص بنوع غذاءٍ كان يُفضِّله، وهو محبَّب إليه، مُفرح لقلبه، ومما أرشدت إليه السُّنة في ذلك: التلبينة، وهي حساء نضيج يُعمل من دقيق أو نخالة يجعل فيه عسل (٢٥٣) ، فقد قال ﷺ : «التَّلْبِينَةُ مَجَمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ تَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ» (٢٥٤) ، فهذا الطعام شبّهه النبيُّ ﷺ بمكان الاستراحة للمريض، يخرج به من صعوبة ما يعانيه من مرض، إلى تذكُّر حال صحته
стр. 145
واجتماعِه مع أحبابه على ذلك الطعام المحبَّب، فيريح ذلك فؤاده، ويُذهب إعياءه، ويقوّي روحه، ويكشف عنه حزنه؛ وهذه أسباب لها تأثير عجيب في شفاء علته وخفَّتها، فهي تعمل وكأن طبيبًا بارعًا قد قام فعلاً بمعالجته!!
ولنختم هذه الإرشادات النبوية بإذنٍ نبويٍّ ووصية؛ أما الإذن فهو بترخيص النبيِّ ﷺ للمريض أن يعبِّر عن شكواه إذا اشتد وجعه، بما ينفِّس به من كربته، فقد سأل النبيُّ ﷺ كعبَ بنَ عُجْرةٍ ﵁ وكان كعبٌ مُحرِمًا - فقال: «لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ» ؟ قال كعبٌ: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : «اِحْلِقْ
стр. 146
رَأْسَكَ، وَصُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوِ انْسِكْ بِشَاةٍ» (٢٥٥) .
كذلك فقد اشتكى سعدٌ - حين اشتد وَجَعُه - وذلك في حضرة النبيِّ ﷺ حين جاءه يعوده، فقال: (يا رسول الله، إني قد بلغ بي من الوجع) (٢٥٦) ، بل إن النبيَّ ﷺ قال في مرض وفاته: «بَلْ أَنَا وَارَأْسَاهُ» (٢٥٧) .
وأما الوصيَّة النبويَّة، فهي متوجِّهة للمريض الذي اشتد عليه مرضه - نسأل الله العافية - فقد نهاه ﵊ عن تمني الموت وأمره بالصبر على ما ابتلي به، فقال ﷺ : «لاَ يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ
стр. 147
لاَ بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيْرًا لِي» (٢٥٨) . بل إن النبيَّ ﷺ قد رغَّب المؤمنَ - إذا غلب على ظنه أنه في مرض الوفاة - أن يُغِلِّب جانب الرجاء بواسع رحمة الله تعالى، وأن يزداد شوقًا إلى لقاء مولاه سبحانه، فقال ﷺ : «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ - أو بعضُ أزواج النبيِّ ﷺ (٢٥٩)
- إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللهِ وَكَرَامَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ
стр. 148
وَأَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللهِ وَعُقُوبَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهُ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ وَكَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ» (٢٦٠) .
هذا - جميعه - غيضٌ من فيض الهَدْي النبويِّ في علاج أدواء النفس، فلقد كان من صفة النبيِّ ﷺ أنه يَعِزُّ عليه الشيءُ الذي يعنَتُ أُمَّتَه ويَشُقُّ عليها، فيا أيها المريض المؤمن: أبشرْ وأمِّلْ وارجُ رحمةَ الله، واتَّبِعْ في الاسترقاء والاستشفاء سبيلَ رسولِ الله ﷺ ، يُكتَبْ لك الأجرُ والشفاء والمعافاة التامة، بإذن الله تعالى.
خاتمة
تَمَّ بحمد الله وحسنِ توفيقِه ما أردت تسطيرَه من معالمَ في هدي النبوَّة، تدلُّ بوضوح على أن شريعة المصطفى ﷺ لم تكن لِتَدَعَ الناسَ يستَجْدُون رقىً يتخيَّرُها الحكماء، أو يجود بسَبْكها الفصحاء، أو يتوارثها أقوام يَرْقون بها ويسترقون، ثم هم لا يدرون لها معنى، سوى أنها كلمات مُجرَّبات نافعات، كما دلت هذه المعالمُ النبويَّة على أن سنَّة المختارِ ﷺ هي أجلُّ من أن تُغْفِل أصول استطباب وعافيةِ الأبدان، فقد أرشدت - بحمد الله - المهتدين بهَدْيها
стр. 151
والمُسْتَنِّين بها، إلى علاج تامٍّ للروح بالرقى الإلهية، وإلى هديٍ مُعْجِزٍ في طِبِّ الأبدان، ما زال أهل العلم فيه إلى يومنا هذا تبهرهم حقائقُه، ثم هم ينهلون من مَعِينه الذي لا ينضب آياتٍ على صدق رسالة النبيِّ ﷺ ، وكمال شريعته، وعظَمة هَدْيِه الكريم.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ *وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ *وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *﴾ [الصَّافات] .