بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ» (٢٠٣) .
قَالَتْ: فَأَتَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، وَاللهِ لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ (٢٠٤) ، وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ» . قَالَتْ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلاَ أَحْرَقْتَهُ؟ قَالَ: «لاَ، أَمَّا أَنَا، فَقَدْ عَافَانِيَ اللهُ، وَكَرِهْتُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا، فَأَمَرْتُ بِهَا فَدُفِنَتْ» (٢٠٥) .
٢- ... استخراج السحر، وتبطيلُه: وهذا العلاج - إن تيسَّر - هو من أبلغ ما يُعالج به المسحور، ويمكن معرفة موضع عمل السحر ابتداءً بتكرير الدعاء وصدق التوجُّه إلى الله تعالى
стр. 107
بكشف الضر، [ثم إن لوليِّ الأمر إلزام الساحر بالدلالة على موضع السحر، وكذلك إلزامه بإزالة ما تسبّب به من ضرر؛ فإذا عُرف موضعه فإن هذا الشيء يُزال إما بحرق أو بإتلاف أو برمي في ماء جارٍ ونحو ذلك، فإذا عُرف واستخرج وأتلف بطل السحر، بإذن الله] (٢٠٦) .
تنبيه: لو نطق الجني المتلبِّس بالمريض، فدلَّ على المتسبِّب بالسحر أو أرشد إلى موضع السحر، فإن كلامه في ذلك ينبغي ألاّ يُغترَّ به وألاّ يُحمل على محمل الصدق ابتداءً؛ حيث إن
стр. 108
كثيرًا من الجن المتلبِّس ينطق بذلك تلاعبًا، قاصدًا بذلك إيقاع العداوة والبغضاء فيما بين الناس، وبخاصة الأقارب منهم، والله أعلم.
مسألة (٢٠٧) : هل استخرج النبيُّ ﷺ السحر الذي وضع له في بئر ذروان؟
إن المتتبع لروايات «حديث السحر» ، يجد اختلافاً ظاهرًا في نصوصها فيما يتعلق بهذا الاستخراج، فقد ثبت ذلك في بعض الروايات، وانتفى حصولُه في بعضها! ولا يلزم من ذلك تناقض كما قد يُتوهم، فإن أهل الحديث أمكنهم الجمع بينها بطرق، منها: أن الاستخراج حصل
стр. 109
فعلاً حتى رآه النبيُّ ﷺ وعَلِم أنه على صفته التي أُرِيها في منامه، وأن الاستخراج المنفيَّ الذي كرهه رسول الله ﷺ هو: استخراجه ثم إظهاره للناس حتى يعاينوه (٢٠٨) فيتسبَّب ذلك بإحداث فتنة وشر عظيم، ويُهراق بسببه دم كثير، ومعلوم أن إظهاره للناس - على ما فيه من مصلحة كشف الساحر، والحذر منه ومن قومه - إلا أن النبيَّ ﷺ كره ذلك درءًا للمفسدة المتوقعة من كشفه، حتى إنه ﷺ لم يذكر ذلك الأمر لِلَبِيدٍ الساحرِ، ولا أَشْعره بأثر غضبٍ في وجهه قَطّ. وكل ذلك كان مردُّه إلى بالغ حكمة النبيِّ ﷺ .
стр. 110
ثم إن الرواية التي أثبتت الاستخراج قد رجَّحها أهل الحديث - من جهة اختصاصهم - على تلك التي نفت ذلك، لأمور، منها:
مزيد ضبط الراوي لها - وهو سفيان ابن عيينة - ورسوخ قدمه في إتقان جملة الرواية وتأديته لها، فضلاً عن أنه كرر ذكر ذلك الاستخراج في روايته (٢٠٩) ، فيَبْعُد بذلك حصولُ وَهْمٍ في تأدية الرواية، ومن وجوه الجمع عند أهل الحديث أيضًا: أن سؤال أمِّ المؤمنين عائشة ﵂ عن الاستخراج - في الروايات التي نفت ذلك - كان قبل حصول ذلك الاستخراج، أو أنه كان
стр. 111
بعد استخراج السحر جملةً، إلا أن ما حواه السحر مما بداخل الجُفِّ هو الذي لم يُخرج، والله أعلم (٢١٠) .
٣-[الاستفراغ في المحلِّ الذي يصل إليه أذى السحر، [فإن للسحر تأثيرًا في الطبيعة وهيجانِ أخلاطها وتشويشِ مِزاجها، فإذا ظهر أثر السحر في عضو، وأمكن استفراغُ المادة الرديئة من ذلك العضو نَفَع جدًا - وذلك الاستفراغ يكون غالبًا بالاحتجام، كما قد يكون بالقيء أو بالإسهال - فإذا عرف الموضع الذي انتهى السحر إليه، واستُعمِلت الحجامةُ على ذلك المكان الذي تضررت أفعاله بالسحر
стр. 112
كان ذلك من أنفع المعالجة، إذا استعملت الحجامة على القانون الذي ينبغي] (٢١١) .
٤- ... تناول سبع تَمْرات صباحًا قبل تناول أي طعام أو شراب، وأنفع أنواع التمر لعلاج المسحور، صنف من تمر المدينة، هو العجوة؛ وهو: (ضرب من أجود تمر المدينة وألينه، وهو أكبر من الصَّيْحَاني، يضرب بلونه إلى السواد، وهو مما غرسه النبيُّ ﷺ بيده الشريفة في المدينة النبويَّة المنوَّرة) (٢١٢) ، وبخاصة من هذا التمر ما كان من عجوة عوالي المدينة (٢١٣) . فقد صحَّ عن النبيِّ ﷺ
стр. 113
قولُه: «مَنْ تَصَبَّحَ سَبْعَ تَمْرَاتٍ عَجْوَةً مِنْ تَمْرِ الْعَالِيَةِ لَمْ يَضُرُّهُ ذَلِكَ الْيَوْمِ سُمٌّ وَلاَ سِحْرٌ» (٢١٤) .
فائدة: [إن نفع هذا العدد (سبعة) من هذا التمر (العجوة) من هذا البلد (المدينة) من هذه البقعة (عالية المدينة) ، من السُّم والسحر؛ بحيث تمنع إصابته، هو من الخواص لهذا التمر التي لو قالها بقراط أو جالينوس (من أكابر أطباء اليونان) ، وغيرهما من الأطباء، لتلقاها عنهم الأطباء بالقبول والإذعان والانقياد، مع أن القائل إنما معه الحَدْس والتخمين، فمَنْ كلامُه يقينٌ، وقطع وبرهان ووحي: أَوْلَى أن تُتلقّى
стр. 114
أقوالُه بالقبول والتسليم وترك الاعتراض] (٢١٥) .
٥- ... [ومن أنفع علاجات السحر: الأدوية الإلهية، بل هي أدويته النافعة بالذات، فإنه - أي: السحر - من تأثيرات الأرواح الخبيثة السُّفْلية، ودفعُ تأثيرها إنما يكون بما يعارضها ويقاومها من الأذكار والآيات والدعوات التي تبطل فعلها وتأثيرها، وكلما كانت - هذه الأدوية الإلهية - أقوى وأشد، كانت أبلغ في النُّشْرة، أي: في إحداث شفاء المسحور؛ وذلك بمنزلة التقاء جيشين مع كل واحد منهما عدته
стр. 115
وسلاحه، فأيهما غلب الآخر قَهَره، وكان الحكم له] (٢١٦) .
هذا، وقد سبق في الفصل الأول المختصِّ بالرقى ثُلَّة مباركة من النصوص من الكتاب وصحيح السنّة مما يُرقى به المسحور، ويضاف إليه هنا أمور - مُحصِّنات - لا بدّ منها، هي:
أ- ... تحقيق الإخلاص في توحيد الله سبحانه، قال تعالى: [الحِجر: ٤٢] ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ *﴾ ، وقال ﵊ مبشرًا عمر ﵁: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ: مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا إِلاَّ سَلَكَ فَجًّا غَيْرَهُ» (٢١٧) .
стр. 116
ب- ... التحصُّن المستمرُّ بالأذكار المشروعة، وبخاصةٍ منها ما يُقال صباحًا ومساءً، وبعد الصلوات المفروضة، وعند النوم. [فالقلب إذا كان ممتلئًا من الله تعالى مغمورًا بذكره، وله من التوجُّهات والدعوات والأذكار والتعوُّذات وِرْد لا يُخِلُّ به، يطابق فيه قلبُه لسانَه، كان هذا من أعظم الاسباب التي تمنع إصابة السحر له، ومن أعظم العلاجات له بعدما يصيبه] (٢١٨) .
جـ- ... التحصُّن بالإكثار من الاستعاذة بالله تعالى من الشيطان الرجيم، قال تعالى: [فُصّلَت: ٣٦] ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ
стр. 117
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *﴾ . وقال سبحانه: [المؤمنون: ٩٧-٩٨] ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ *وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ *﴾ ، وقال ﵊ عن رجلٍ مُغضَب قد احمرَّ وجهُه وانتفخت أوداجُه: «إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» (٢١٩) .
د- ... التحصُّن بالاجتهاد في تحقيق حُسْن الاقتداء بالنبيِّ ﷺ ، ومن ذلك:
- ... ذكر الله تعالى عند كل أمر ذي بال من قول أو عمل يريد الشروع به؛
стр. 118
كتلاوة القرآن، والوضوء، ودخول المسجد والخروج منه، ودخول البيت والخروج منه، وركوب الدابَّة، وعند البدء بطعام أو شراب، وعند ذبح مأكول اللحم، وعند إرادة الجماع، وذلك لقوله ﷺ : «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ، لاَ يُفْتَحُ بِذِكْرِ اللهِ فَهُوَ أَبْتَرُ» (٢٢٠) .
- ... قصد التيمُّنِ في جميع الشأن المُستحسَن، فقد: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» (٢٢١) .
هـ- ... من مُهِمَّات التحصُّن كذلك: أن يعمد المسلم إلى مخالفة الشيطان
стр. 119
ومحبوبِه وما يميل إليه، ومن ذلك:
...
الكِبْر والاستعلاء، والعجَلة في إنجاز الأمور، والغضب لغير الله تعالى، والحَيْرة، وهي كثرة التردد عند إرادة أمرٍ ما، والتبذير ويكون بالإسراف في الإنفاق بغير وجه حق، وكثرة المراء وهو الجدال بالباطل، ومن أخطر أنواع التشبه بالشياطين العمد إلى تغيير خلق الله كما نشهد كثيرًا منه في عصرنا بمسمى (عمليات تجميل) ، فإنك لا تكاد تميز وجهًا - أُجريت له مثل هذه العمليات الجراحية - عما كان عليه من قبل!!
стр. 120
.. وختامًا لهذه المُحصِّنات الضرورية، أذكر أمورًا صحَّ النَّهيُ عنها في السُّنَّة المطهَّرة، وقد يستصغر شأنَها المؤمنُ فلا يُلقي لها بالاً، لكنها أفعال تحبها الشياطين وتستهوي من يفعلها، ومن ذلك:
- ... الإكثار من التثاؤب، مع عدم كظمه - ما أمكن - بالشفتين، أو عدم وضع اليد اليمنى مقبوضة على الفم.
- ... ترك نوم القيلولة (وهو نومة يسيرة قبيل وقت الزوال) .
- ... الجلوس في مجلس شيطانٍ، وهو الموضع الذي يتخلله الظل والشمس.
- ... التصرف باليد الشمال، عند أكل وشرب، أو أخذٍ وإعطاءٍ.
стр. 121
- ... النوم الطويل، وترك قيام الليل مطلقًا.
- ... المكث على غير طهارة تامة.
- ... اقتناء كلب (لغير صيد أو حراسة أو زرع) .
- ... وضع الصور المجسمة لذوات أرواح في البيوت.
- ... العمد إلى الأكل منفردًا.
- ... الإكثار من المأكل والمشرب، لحدّ الشِّبَع والتُّخَمة.
أخي القارئ، إن أهمية تحصين نفسك بجميع ما ذكر آنفًا، من الضرورة بمنزلةٍ تفوق ضرورةَ الأكل والشرب، فهذه
стр. 122
الأخيرة قد تحصِّن الجسد من التهالك، أما التحصين للقلب فهو وقاية له من التعرض لسهام الأنفس الخبيثة الفتاكة، فإن التزمتَ بمجمل هذه التحصينات، فإن حصول ضُرٍّ - من أثر سحر أو عين ونحوه - هو أمر في غاية النُّدْرة في حقك، إن لم يكن ذلك معدومًا، أما لو أنك أهملت ذلك، مستخِفًّا بشأن هذه المحصِّنات، فإنك لا تأمن عندها كيدَ ساحر، أو عين عائن، أو حسد حاسد، عياذًا بالله تعالى.
ثانيًا: علاج العين:
العين: هي النظر باستحسان مَشُوب - أي: مختلط - بحسد، من خبيث الطبع،
стр. 123
يحصل بسببه للمنظور ضرر (٢٢٢) ؛ [فإذا نظر خبيث الطبع المتشهِّي لزوال النعمة عن غيره، الكارهِ لتوجُّهِها إليه، إذا نظر إلى مُنعَم عليه خرج من نفسه سهام، تصيب المعيون تارة، وتخطئة تارة، فإن صادفت تلك السهام نفسَ المعيون مكشوفة، غير متحصِّنة، ولا وقاية عليها بذكر الله والتبريك، أثرت فيه تلك النظرة ولا بد، وإن صادفته حَذِرًا شاكي السلاح متخذًا وقاية، لم تنفذ فيه، ولم تؤثر، بل ربما رُدَّت السهام على صاحبها] (٢٢٣) .
قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ *﴾ [القَلَم: ٥١] .
стр. 124
قال الحافظ ابن كثير ﵀: (قال ابن عباس، ومجاهد، وغيرُهما: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ : ليَنْفُذونك بأبصارهم، أي: ليَعِينُونك بأبصارهم، بمعنى: يحسدونك لبغضهم إياك، لولا وقاية الله لك، وحمايته إياك منهم. وفي هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرَها حق، وذلك بأمر الله الكوني القدري، كما وردت بذلك الأحاديث المَرْوِيَّة من طرق متعددة كثيرة) (٢٢٤) . ثم إنه ﵀ ساق نحوًا من عشرين رواية في ذلك؛ منها: قول رسول الله ﷺ : «الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، وَإِذَا استُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا» (٢٢٥) .
стр. 125
ولنشرع بعد بيان معنى العين، وأن تأثيرها حق، وأن نفوذها بالإصابة - لقوته - يكاد يسبق القدر، لولا أن القدر لا يردُّه شيء، وأن النبيَّ ﷺ لما حذَّر أمَّتَه من أثر العين أعظمَ تحذير، لم يَدَعْهم عُرْضةً لسهام الأعين تنهشهم وتهلكهم، لكنه وصف لهم دواءً شافيًا - بإذن الله - يحصِّنهم ابتداءً، وينجيهم بعدها إذا ما وقعت سهام عين عليهم.
ومن هديه الكريم في ذلك:
١- ... إذنه ﷺ بالاسترقاء من النظر، قال ﷺ لما رأى في بيت أم سلمةَ ﵂ جارية في وجهها سَفْعة (٢٢٦) : «اسْتَرْقُوا لَهَا، فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ» (٢٢٧) .
стр. 126
٢- ... أمرُه ﷺ مَن عَلِم من نفسه ضررَ عينه، أن يبرِّك إذا رأى شيئًا أو إنسانًا أعجبه، كما قال ﵊ لعامر بن ربيعة لما عان سهلَ بن حُنيف ﵄: «أَلاَ بَرَّكْتَ» (٢٢٨) ، أي: هلاّ قلتَ: اللهم بارك عليه، ليندفع بذلك شرُّ النظرة عن أخيك.
٣- ... في حال عُرف العائن - يقينًا - فإن للمعيون أن يأمره بالاغتسال، وليس للعائن الامتناع عن ذلك، فقد أمر النبيُّ ﷺ عامرًا لما عان سهلاً أن يغتسل له، وطريقة ذلك أن يؤتى بقدح فيه ماء كافٍ، ثم يغسل العائن
стр. 127
وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه، وداخلة إزاره - أي طرف إزاره الداخل الذي يلي جسده من الجانب الأيمن (٢٢٩) -، ثم يَصُبُّ ذلك الماء الذي في القدح (قبل أن يوضع على الأرض) رجلٌ على المعيون من خلفه صبةً واحدة بغتة، ثم يكفأ القدح.
هذا وقد ذكر الإمام ابن شهاب الزُّهْري ﵀ كيفيةً مُفصَّلة لهذا الغُسل، فقال:
١- ... [الغُسْل الذي أدرَكْنا علماءنا يصِفُونه: أن يؤتى الرجلُ العائنُ بالقدح فيه الماء، فيُمسَك له مرفوعًا من الأرض، فيُدخِل العائن يدَه اليمنى في الماء
стр. 128
فيصب على وجهه صبة واحدة في القدح.
٢- ... ثم يدخل يده فيمضمض، ثم يَمُجُّه في القدح.
٣- ... ثم يدخل يده اليسرى فيغترف من الماء فيغسل يده اليمنى إلى المِرْفق بيده اليسرى صبة واحدة في القدح.
٤- ... ثم يدخل يديه جميعًا في الماء صبة واحدة في القدح.
٥- ... ثم يدخل يده فيمضمض، ثم يَمُجُّه في القدح.
٦- ... ثم يدخل يده اليسرى فيغترف من الماء، فيصبه على ظهر كفه اليمنى صبة واحدة في القدح.
стр. 129
٧- ... ثم يدخل يده اليسرى فيصب على مرفق يده اليمنى صبة واحدة في القدح، وهو ثانٍ يده إلى عنقه.
٨- ... ثم يفعل مثل ذلك في مرفق يده اليسرى.
٩- ... ثم يفعل مثل ذلك في ظهر قدمه اليمنى من عند الأصابع.
١٠- ... واليسرى كذلك.
١١- ... ثم يدخل يده اليسرى فيصب على ركبته اليمنى.
١٢- ... ثم يفعل باليسرى مثل ذلك.
١٣- ... ثم يغمس داخلة إزاره اليمنى في الماء.
١٤- ... ثم يقوم الذي في يده القدح بالقدح فيصبه على رأس المعيون من ورائه.
стр. 130
١٥- ... ثم يكفأ القدح على وجه الأرض من ورائه.
... وعن الزهري أيضًا: زاد يحيى بن سعيد:
١٦- ... ثم يُعطى ذلك الرجلُ الذي أصابته العين القدحَ - قبل أن يضعه على الأرض - فيحسو منه ويتمضمض، ويهريق منه على وجهه، ثم يصب على وجهه، ثم يكفى القدح على ظهره] (٢٣٠) .
فائدة: هذا، ويستحسن للتحرُّز من وقوع أثر العين، بعد التحصُّن بالأذكار والدعوات والتعوُّذات (٢٣١) ، أن تُستر محاسنُ من يُخاف عليه العين بما يَرُدُّها
стр. 131
عنه، ومن ذلك قول عثمان ﵁ لما رأى صبيًا مليحًا: (دسِّموا نونته - النقرة التي تكون في ذقن الصبي الصغير - لِتَرُدَّ العينَ عنه) (٢٣٢) .
قال الإمام ابن القيم ﵀: وهذا - أي: العلاج للعين باغتسال العائن وصبِّ الغَسول على المعين - مما لا يناله علاج الأطباء، ولا ينتفع به من أنكره، أو سَخِر منه، أو شكّ فيه، أو فعله مجرِّبًا لا يعتقد أن ذلك ينفعه. اهـ. ثم فصَّل ﵀ في مناسبة ذلك العلاج لدفع شر العائن، ومناسبته لانتفاع المعين، تفصيلاً مفيدًا للغاية (٢٣٣) .
стр. 132
الفصل السادس
الهَدْي النبويُّ في اعتبار ... الحال النفسية للمرضى
لقد أرشدت السُّنة النبوية إلى ضرورة التوقي والحِمْية تحرُّزًا من الداء، فإن وقع المرض فقد أوجبت على المريض التداوي بشقَّيْه؛ الروحاني والطبيعي، لكنها - مع هذا الكمال في التطبيب - لم تقتصر عليه، حيث حوت كذلك هديًا بالغ الشرف في الإرشاد إلى الأهمية القصوى للناحية النفسية للمريض؛ فإن كثيرًا من الأمراض النفسية - كما ثبت حديثًا - قد تظهر في صورة أعراض عضوية (٢٣٤) ، لذلك فإن السُّنَّة قد عمدت
стр. 133
إلى معالجة أثر المصيبة كما عملت على تخفيف وقعها، فأسهمت في علاج الهم والغم والكرب والحزن، وكذلك الفزع والأرق المانع من النوم، وواست المرضى ابتداءً بالترغيب المؤكَّد بعيادتهم، ثم بتطييب نفوسهم وتقوية قلوبهم، وفي اختيار ألطف ما اعتاده المريض من الأغذية، مع عدم إكراهه على تناول غذاء لا يستسيغه، كما أَعْلمتِ المريضَ بأن المرض إنما هو في حقيقته خير له، يُكفَّر به من خطاياه، وكذلك فقد أذنت له بالاسترقاء، فإذا تيسر راقٍ صالح لهذا المريض استحبت له أن يتلطف به؛ وذلك بوضع اليد على
стр. 134
جبهته والمسحِ على موضع الألم، ورخَّصَتْ للمريض - بعد ذلك كله - التعبيرَ عن شكواه وما يجده من ألم، حتى إذا اشتدَّ وَعْكُه وأَيِس من حياته كرِهَتْ له حتى أن يتمنَّى موت نفسه!
هذا بالإجمال بعض ما صحَّت به السُّنة المطهرة من الاهتمام البالغ بعلاج نفس المريض، وهاك تفصيلَ ذلك بأدلته:
١- علاج حَرِّ المصيبة، وتخفيفها بالإكثار من قول: (إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) ، قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ *الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ *﴾ [البَقَرَة: ١٥٥-١٥٦] .
стр. 135
وقال النبيُّ ﷺ : «مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلاَّ أَجَرَهُ اللهُ فِي مُصِيبَتِهِ، وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا» (٢٣٥) .
[هذه الكلمة الطيبة: (إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) هي من أبلغ علاج المصاب، وأنفعِه له في عاجلته وآجلته، ذلك أنها تتضمن أصلين عظيمين، إذا تحقق العبد بمعرفتهما تسلَّى عن مصيبته:
أحدهما: أن العبد وأهله وماله مُلك لله ، وأن ملك العبد لذلك إنما هو متعة مُعارة في زمن يسير، فلا بد أن
стр. 136
يكون تصرفه فيها تصرُّفَ العبد المأمورِ المنهيِّ لا تصرُّف المُلاَّك.
والثاني: أن مصير العبد ومرجعه إلى الله مولاه الحق، ولا بدّ أنه يُخلِّف الدنيا بأكملها وراء ظهره، فكيف يفرح عندئذٍ بموجود، أو يأسى على مفقود؟!] (٢٣٦) .
٢- علاج الكرب والهمِّ والغمِّ والحَزَن .
قال النبيُّ ﷺ ، مرشدًا أمَّتَه إلى علاج هذه الآفات النفسية بالدعاء، ومن ذلك:
- ... «لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لاَ إلهَ إِلاَّ اللهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ رَبُّ السَّموَاتِ وَرَبُّ الأَْرْضِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ» (٢٣٧) .
هَمِّي، إِلاَّ أَذْهَبَ اللهُ هَمَّهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَ حُزْنِهِ فَرَحًا» (٢٣٩) .
- ... «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا رَبَّهُ، وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: ﴿لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلاَّ اسْتَجَابَ اللهُ لَهُ» (٢٤٠) .
هذه الدعوات المباركات مما ينبغي لكل مسلمٍ حفظُه؛ حيث إنها سبب مُتيقَّن - إن شاء الله - لإذهاب الكرب عن العبد، ولا يخفى ما للكرب من أثر مقرر - في علم الطب - في إحداث أو تفاقم كثير من الأمراض العضوية، فصلى الله
стр. 139
وسلم وبارك على من هو بالمؤمنين رؤوف رحيم.
٣- علاج الفزع والأَرَق المانعِ من النوم:
كان النبيُّ ﷺ إذا راعه شيءٌ، قال: «هُوَ اللهُ، اللهُ رَبِّي، لاَ شَرِيكَ لَهُ» (٢٤١) .
وكان ﵊ يُعلِّم الصحابة إذا فزع أحدهم في منامه أن يقول كلمات هي: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ، وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ، وَأَنْ يَحْضُرُونِ» (٢٤٢) .
стр. 140
٤- علاج قلق المرضى بالتلطُّف بهم؛ بتطييب نفوسهم، وتقويةِ قلوبهم .
إن مما يُثلِج صدر المريض ويفرح قلبه أن يرى القريب والبعيد قد اهتم بأمره؛ يرجو له الشفاء العاجل والعافية التامة، وقد رغّب النبيُّ ﷺ بعيادة المريض، بل أمر بذلك (٢٤٣) ، فقال: «عَائِدُ الْمَرِيضِ فِي مَخْرَفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ» (٢٤٤) ، وقال ﵊: «أَطْعِمُوا الجَائِعَ، وَعُودُوا الْمرَيضَ، وَفُكُّوا الْعَانِي» (٢٤٥) [ومما يلتحق بعيادة المريض: تعهُّدُه وتفقُّد أحواله والتلطُّفُ به، وربما كان ذلك - في العادة - سببًا لوجود نشاطه وانتعاش قوته] (٢٤٦) .
стр. 141
ومن أحبِّ ما تطيب به نفس المريض: تبشيره بالشفاء، مع تكفير ذنوبه، حتى وإن كانت حاله على شفير الهلاك، فقد دخل رسول الله ﷺ على رجل أعرابيٍ يعودُه من حُمّى أصابته؛ فقال: «لاَ بَأْسَ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللهُ» فقال الرجل، قلتَ: طُهور؟ كلا، بل حُمّى تفور، على شيخ كبير، كيما تُزِيرَه القبور!! فقال ﵊: «فَنَعَمْ إِذًا» (٢٤٧) . تأمّل - رحمك الله - إلى الفأل بالكلمة الطيبة التي بشره بها رسول الله ﷺ ، ثم انظر إلى اليأس الذي تملَّك نفسَ هذا الرجل فأورده التهلكة، ما يدل دلالة يقين على أن الحال النفسية للمريض مؤثرة عادة على صحة أعضائه.
стр. 142
ومن حُسن الإشفاق على المريض، والتلطُّفِ البالغ به: العمدُ إلى رقيته بالمشروع، والدعاء له. فقد رقى جبريلُ رسولَ ﷺ حين اشتكى - فقال _ج: «بِسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ اللهُ يَشْفِيكَ، بِسْمِ اللهِ أَرْقِيك» (٢٤٨) .
وقالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى منا إنسان، مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ ﷺ ، ثم قال: «أَذْهِبِ الْبَاس، رَبَّ النَّاس، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لا شِفَاءَ إِلا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا» (٢٤٩) .
وكان ﵊ إِذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ، نَفَثَ عَلَيْهِ بِالْمُعوِّذَاتِ» (٢٥٠) .
стр. 143
وَكَانَ ﵊ يَنْفُثُ عَلَى نَفْسِهِ فِي مَرَضِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ» (٢٥١) .
هذا، وإن مما يُفرِح قلبَ المريض للغاية: أن يجهر العائد بالدعاء له - مكررًا ذكر اسمه - ماسحًا بيده موضع ألمه، وقد صحّ في السُّنة فعلُ النبيِّ ﷺ ذلك، حين جاء سعدَ بنَ أبي وقّاص ﵁ يعوده، لمّا تشكّى بمكة شكوى شديدة، فوضع النبيُّ ﷺ يده على جبهته ثم مسح يده على وجه سعدٍ وبطنه، ثم دعا له قائلاً: «اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا، اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا، اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا، وَأَتْمِمْ لَهُ هِجْرَتَهُ» ، قال سعدٌ: فما زلت أجد
стр. 144
بَرْده على كبدي - فيما يُخال إليَّ - حتى الساعةِ (٢٥٢) .
ومما يُريح فؤاد المريض كذلك تغذيتُه بألطف ما اعتاده من الأغذية حالَ صحَّتِه؛ وذلك بأن يُخصَّص بنوع غذاءٍ كان يُفضِّله، وهو محبَّب إليه، مُفرح لقلبه، ومما أرشدت إليه السُّنة في ذلك: التلبينة، وهي حساء نضيج يُعمل من دقيق أو نخالة يجعل فيه عسل (٢٥٣) ، فقد قال ﷺ : «التَّلْبِينَةُ مَجَمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ تَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ» (٢٥٤) ، فهذا الطعام شبّهه النبيُّ ﷺ بمكان الاستراحة للمريض، يخرج به من صعوبة ما يعانيه من مرض، إلى تذكُّر حال صحته
стр. 145
واجتماعِه مع أحبابه على ذلك الطعام المحبَّب، فيريح ذلك فؤاده، ويُذهب إعياءه، ويقوّي روحه، ويكشف عنه حزنه؛ وهذه أسباب لها تأثير عجيب في شفاء علته وخفَّتها، فهي تعمل وكأن طبيبًا بارعًا قد قام فعلاً بمعالجته!!
ولنختم هذه الإرشادات النبوية بإذنٍ نبويٍّ ووصية؛ أما الإذن فهو بترخيص النبيِّ ﷺ للمريض أن يعبِّر عن شكواه إذا اشتد وجعه، بما ينفِّس به من كربته، فقد سأل النبيُّ ﷺ كعبَ بنَ عُجْرةٍ ﵁ وكان كعبٌ مُحرِمًا - فقال: «لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ» ؟ قال كعبٌ: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : «اِحْلِقْ