أما السُّنَّة الكريمة، فقد صحّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُعْجِبُهُ الْحَلْوَاءُ وَالْعَسَلُ» (٦٣) ، وقد سبق قوله ﷺ : «إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ، فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ عَسَلٍ، أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ» (٦٤) ، وقد أتى رجلٌ النبيَّ ﷺ ، فقال: أخي يشتكي بطنه، فقال: «اِسقِهِ عَسَلاً» ، ثم أتاه الثانية، فقال: «اِسْقِهِ عَسَلاً» ، ثم أتاه الثالثة، فقال: «اِسْقِهِ عَسَلاً» ، ثم أتاه فقال: قد فعلتُ، فقال ﷺ : «صَدَقَ اللهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ، اِسْقِهِ عَسَلاً» ، فسقاه، فبرأ (٦٥) .
[والعسل فيه منافع عظيمة، فإنه جِلاء للأوساخ التي في العروق والأمعاء
стр. 37
وغيرِها، محلِّلٌ للرطوبات، أكلاً وطِلاءً، نافع للمشايخ - أي: للمُسِنِّين - وأصحابِ البلغم، ومن كان مزاجه باردًا رطبًا، (حيث إنه من الأغذية الحارّة) ، وهو مغذٍّ مليّن للطبيعة (مسهِّل) ، منقٍّ للكبد والصدر، مُدِرٌّ للبول، موافق للسعال الكائن عن البلغم، وإن اسْتُنَّ به - أي: دُلِكت به الأسنان - بيَّضَ الأسنان وصقلها وحفظ صحتها، وصحة اللثة، ثم إنَّ لَعْقَه على الريق يُذهِب البلغم، ويغسل خَمْل المعدة، ويدفع الفضلات عنها، ويسخِّنها تسخينًا معتدلاً، ويفتح سُدَدَها، ويفعل ذلك بالكبد والكلى والمثانة، وهو أقلُّ ضررًا
стр. 38
لسُدَد الكبد والطِّحال من كل حلو. وهو - مع هذا كلِّه - مأمون الغائلة، قليل المضارِّ.
والعسل غذاء مع الأغذية، ودواء مع الأدوية، وشراب مع الأشربة، وحلو مع الحلوى، وطِلاء مع الأطلية، ومُفَرِّحٌ مع المفرِّحات، فما خُلِق لنا شيءٌ في معناه أفضلَ منه، ولا مثلَه، ولا قريبًا منه] (٦٦) .
[وأما هدي النبيِّ ﷺ في الشراب، فهو أكملُ هديٍ تُحفَظ به الصحة، فإنه كان يشرب العسل الممزوج بالماء البارد، وفي هذا من حفظ الصحة ما لا يهتدي
стр. 39
إلى معرفته إلا أفاضل الأطباء، فإن الشراب إذا جَمع وَصْفَيِ الحلاوةِ والبرودة، كان من أنفعِ شيءٍ للبدن، ومن أكثر أسباب حفظ الصحة، ويكون عندها للأرواح والقوى والكبد والقلب عشق شديد له، واستمداد منه، وإذا كان فيه الوصفان حصلت به التغذية، وتنفيذ الطعام إلى الأعضاء، وإيصاله إليها أتمَّ تنفيذٍ] (٦٧) .
هذا، ومما خصَّه هديُ النبيِّ ﷺ من العلاج بالعسل، داء استطلاق البطن (الإسهال) وقد [قال بعض العلماء بالطب: كان هذا الرجل - الذي استطلق بطنه كما مرّ في الحديث آنفًا - عنده
стр. 40
فضلات، فلما سقاه عسلاً، وهو حارٌّ، تحلَّلَتْ، فأسرعت في الاندفاع، فزاد إسهالُه، فاعتقد الأعرابيُّ أن هذا يضرُّه، وهو - في حقيقته - مصلحةٌ لأخيه، ثم سقاه فازداد التحلل والدفع، ثم سقاه فكذلك، فلما اندفعت الفضلات الفاسدة المُضِرَّة بالبدن استمسك بطنُه، وصَلَح مِزاجه، واندفعت الأسقام والآلام ببركة إشارته، عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام] (٦٨) .
[وفي تكرار أمر النبيِّ ﷺ سقيَه العسل معنى طِبي بديع، وهو: أن الدواء يجب أن يكون له مقدار وكمية، بحسب حال الداء، إنْ قَصُر عنه لم يُزِلْه بالكلية، وإن
стр. 41
جاوزه أوهى القُوى، فأحدث ضررًا آخر، واعتبار مقادير الأدوية، وكيفياتها ومقدار قوة المرض والمريض من أكبر قواعد الطب] (٦٩) .
[والغريب حقًا أن الأطباء في الأزمنة الغابرة كانوا يَرَوْن أن العسل يسبِّب تليين البطن، لذا فإنه لا يصلح لمعالجة الإسهال، وقد استنكر ابنُ خلدون في مقدمته مداواةَ المبطون بالعسل، واعتبر أن حدوث الشفاء هو من التأثير النفسي لإيمان الصحابي ﵁، وليس راجعًا لخصائص العسل! إلا أن الطب الحديث قد أثبت فائدة العسل في معالجة التهاب المعدة والأمعاء (النزلات المعوية) ،
стр. 42
عند الأطفال، وقد تبين من خلال دراسة نشرتها «المجلة الطبية البريطانية» عام ١٩٨٥م، فائدة العسل في علاج الإسهال الناتج عن غزو بكتيري، وكانت النتائج جيدة في هذا الصدد، وقد سبق ذلك دراسةٌ نُشرت في «أعمال مؤتمر الطب الإسلامي» عام ١٩٨٢م، حول معالجة الإسهال المزمن بالعسل، وقد أكدت الدراسة فائدة العسل في علاج المبطون] (٧٠) .
هذا؛ وإن العسل ليس مداويًا لما ذكر وحسب، لكن ثبتت أيضًا فعاليته في معالجة صنوف عديدة من الأمراض، منها: الزكام والوقاية منه، ومعالجة
стр. 43
أمراض الجهاز التنفسي، والتهاب الأنف التحسُّسي، وقد صُنِّف في تفصيل الاستدواء بالعسل مصنفات عديدة؛ من كتب وأبحاث ومقالات (٧١) .
وفي بيان أنواع العسل وبعض منافعه، يرشد الإمام الزُّهري ﵀ فيقول: [عليك بالعسل، فإنه جيد للحفظ، وأجوده أصفاه وأبيضُه، وألينُه حِدَّة، وأصدقه حلاوة، وما يؤخذ من الجبال، والشجر، له فضل على ما يؤخذ من الخلايا، وهو بحسب مرعى نحله] (٧٢) .
وإن شئت، أخي القارئ، فإن لك أن تتأمَّل - في ترتيب تفاضل أنواع العسل-
стр. 44
قولَه تعالى: [النّحل: ٦٨] ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ *﴾ .
ثالثًا: الكيُّ ، وهو: التداوي بقطع عرقٍ، ثم حسم نزيفه بلذعةٍ من نار. (والكيّ بالنار من العلاج المعروف في كثير من الأمراض) (٧٣) ، وهو إنما يستعمل في الخلط الباغي، الذي لا تنحسم مادته إلا به، فهو يقع آخرًا لاستخراج ما يتعسر إخراجُه من الفضلات، وهو خاص بالمرض المزمن؛ لأنه يكون عن مادة باردة قد تُفسِد مزاج العضو، فإذا كُوي خرجت منه (٧٤) .
стр. 45
وقد كوى النبيُّ ﷺ سعدَ بن معاذ وأبيَّ بن كعب ﵄، يوم الأحزاب، كما اكتوى غيرُ واحد من الصحابة ﵃. «فقد بعث رسول الله ﷺ إلى أبيِّ بنِ كعبٍ ﵁ طبيبًا - لما رُمِي يوم الأحزاب في أَكْحَله - فقطع منه عِرْقًا، ثم كواه عليه» (٧٥) ، وقد «حَسَم النبيُّ ﷺ سعدَ بن معاذ في أكحله - لما رمي يوم الأحزاب أيضًا - بمِشْقَصٍ (٧٦) بيده، ثم وَرِمت أَكْحَلُه، فحسمه الثانية» (٧٧) . وقال أنسُ ابنُ مالكٍ ﵁: (كُوِيت من ذات الجَنْب (٧٨) ، ورسولُ الله ﷺ حيٌّ، وشَهِدني أبو طلحةَ، وأنسُ بنُ النَّضْر، وزيدُ بنُ ثابتٍ، وأبو طلحةَ كواني) (٧٩) .
стр. 46
مسألة: قد كوى النبيُّ ﷺ بعضًا من الصحابة، واكتوى بعضُهم في حياته - كما ذُكر آنفًا -، وقد صحَّ في الحديث قولُه ﷺ : «وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ» (٨٠) ، وقوله ﵊: «وَأَنْهى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ» (٨١) ، فكيف يُجمَع بين ظاهر هذه الأدلة؟
وصفَ النبيُّ ﷺ الكيَّ ثم نهى عنه لأمور، منها (٨٢) :
* إرشاد الأمة إلى تجنب الكيِّ ما أمكن، لما فيه من الألم الشديد، والخطر العظيم على حياة المتداوي به.
* تنبيه الأمة إلى ضرورة ترك تعظيم
стр. 47
أمر التداوي بالكيِّ؛ ولزوم التوكل على الله تعالى، فقد كانوا في الجاهلية يَرَوْن أن الكي يحسِم الداء، وإذا لم يُكو العضوُ عَطِب وبَطَل جزمًا، فنهاهم ﷺ إذا كان على هذا الوجه من الاعتقاد، وأباحه لهم إذا جعلوه سببًا للشفاء - وحسب - لا عِلَّةً له، فإن الله هو الذي يبرئه ويشفيه، لا الكيُّ والدواء.
* ويحتمل أن يكون النهي عن الكيِّ إذا استُعمل على سبيل الاحتراز والتحوُّط من حدوث المرض وقبل الاحتياج إليه، وذلك مكروه، وإنما أبيح للتداوي والعلاج عند الحاجة إليه.
стр. 48
هذا، وقد جاء في الحديث ما يشير إلى جميع ما سبق؛ وذلك في تقييد النبيِّ ﷺ فائدة الكيِّ، بما إذا وافق الكيُّ علاجَ داءٍ بعينه، ولم يكن ثمة معالجة لهذا الداء إلا الكيّ، فقال ﷺ : «أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ تُوافِقُ الدَّاءَ» (٨٣) .
كلام نفيس للإمام ابن القيم ﵀ (٨٤) في تعليل جَعْلِه ﷺ الشفاءَ في ثلاث، وأن القصد التمثيلُ في ذلك لا حصر الشفاء في هذه الأدوية:
إن أصل الأمراض المِزاجية هي التابعة لأقوى كيفيات الأخلاط، التي هي: الحرارة والبرودة، فجاء كلام النبوَّةِ في أصل معالجة الأمراض التي هي الحارّة
стр. 49
والباردة على طريق التمثيل؛ فإن كان المرض حارًا عالجناه بإخراج الدم، بالفصد كان أو بالحجامة، لأن في ذلك استفراغًا للمادة، وتبريدًا للمزاج، وإن كان باردًا عالجناه بالتسخين، وذلك موجود بالعسل، وأما الكيُّ فإن كان المرض مزمنًا وقد استقرت المادة الباردة الغليظة في العضو وأفسدت مِزاجه، فيُستخرَج بالكيِّ تلك المادة من ذلك المكان؛ وذلك بإفناء الجزء الناري الموجود بالكي لتلك المادة الباردة.
стр. 50
الفصل الرابع:
بيان صنوفٍ من العلاج النبويِّ ...
بمفردات الأدوية الطبيعية
بعد بيان الأصول الثلاثة للتداوي، أشرع في بيان أفرادٍ مشتهرة من الأدوية الطبيعية في العلاج النبوي؛ من ذلك:
١- الماء، وبخاصة منه (ماء زمزم) .
[الماء: مادة الحياة، وسيد الشراب، وقد جعل الله من الماء كلَّ شيء حي، والماء بارد رطب، يقمع الحرارة، ويحفظ على البدن رطوباته، ويردُّ عليه بدلَ ما تحلَّل منه، ويرقِّق الغذاء، ويُنفِذه في العروق، والماء الذي ينبع من المعادن يكون على طبيعة ذلك المَعْدِن،
стр. 51
ويؤثر في البدن تأثيره. أما ماء زمزم فهو سيد المياه وأشرفها وأجلُّها قدرًا، وأحبها إلى النفوس] (٨٥) ، وقد ثبت في سُنّة نبيِّنا محمَّدٍ ﷺ في فضل هذا الماء وشرفه ما لا يتسع المقام لحصره، لكن نذكر بعضه، فمن ذلك:
١- أن قلب النبيِّ ﵊ قد غُسل بهذا الماء مرات، «فقد أتى جبريلُ ﵇ رسولَ الله ﷺ ، وهو يلعب مع الغِلمان، فأخذه فصرعه (٨٦) ، فشقَّ عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه عَلَقة، فقال: هذا حَظُّ الشيطان منك، ثم غسله في طَسْتٍ من ذهب بماء زمزم، ثم لَأَمه، ثم أعاده في
стр. 52
مكانه (٨٧) ، قال أنس ﵁: وكنت أرى ذلك المِخْيَطِ في صدره ﷺ » (٨٨) .
وكان أبو ذرٍّ الغِفاري ﵁ يحدِّث: أن رسول الله ﷺ قال: «فُرِجَ عَنْ سَقْفِ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ، فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ، مُمْتَلِىءٍ حِكْمَةً وَإِيْمَانًا فَأَفْرَغَهُ فِي صَدْرِي، ثُمّ أَطْبَقَهُ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ... » الحديث (٨٩) . وقد ثبت أن هذا الشرح لصدر النبيِّ ﷺ حصل عند موضع بئر زمزم، كما في الحديث - الصحيح -: «أُتِيتُ فَانْطَلَقُوا بِي إِلَى زَمْزَمَ، فَشُرِحَ عَنْ
стр. 53
صَدْرِي، ثُمَّ غُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ أُنْزِلْتُ» (٩٠) .
٢- ومن فضل هذا الماء، أن ريق النبيِّ ﷺ قد خالَطَه، فلم يزدد الماءُ إلا بركةً على بركته (٩١) قال ابن عباس ﵄: «جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى زَمْزَمَ فَنَزَعْنَا لَهُ دَلْوًا، فَشَرِبَ، ثُمَّ مَجَّ فِيهَا» ، ثم أفرغناها في زمزم، ثم قال: «لَوْلاَ أَنْ تُغْلَبُوا عَلَيْهَا، لنَزَعْتُ بِيَدَيَّ» (٩٢) .
٣- ومن فضل هذا الماء المبارك كذلك، أنه خير ماء على وجه الأرض، وأن شاربه يمكنه الاستغناء به عن الطعام، بخلاف سائر المياه، وأنه
стр. 54
يُستشفى بشربه، ويُتداوى به، كما وتُحقَّق به المطالب الطيبة، عند صلاح قصد شاربه. قال رسول الله ﷺ : «إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ» (٩٣) [وَشِفَاءُ سُقْمٍ] (٩٤) ، وقال ﵊: «خَيْرُ مَاءٍ عَلَى وَجْهِ الأَْرْضِ مَاءُ زَمْزَمَ، فِيهِ طَعَامُ الطُّعْمِ وَشِفَاءُ السُّقْمِ» (٩٥)
وقال أبو ذرٍّ ﵁ وكان قد تغذّى بشرب ماء زمزم ثلاثين، بين ليلة ويومٍ - (ما كان لي طعامٌ إلا ماءُ زمزمَ، فسَمِنْتُ حتى تكسَّرَتْ عُكَنُ (٩٦) بطني، وما أجد على كبدي سُخْفَةَ (٩٧) جوع) (٩٨) .
وقال ﵊: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» (٩٩) ، [فَإِنْ شَرِبْتَهُ تَسْتَشْفِي
стр. 55
بِهِ شَفَاكَ اللهُ، وَإِنْ شَرِبْتَهُ مُسْتَعِيذًا عَاذَكَ اللهُ، وَإِنْ شَرِبْتَهُ لِيَقْطَعَ ظَمَأَكَ قَطَعَهُ] (١٠٠) .
وقد «حَمَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَمْزَمَ فِي الأَْدَاوِي وَالْقِرَبِ، وَكَانَ ﵊ يَصُبُّ مِنْهُ عَلَى الْمَرْضى وَيَسْقِيهِمْ» (١٠١) . كذلك، فإن السيدة عائشة ﵂ كانت تحمل من ماء زمزم وتخبر: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَحْمِلُهُ» (١٠٢) .
وقد كان ﵊ مُحِبًّا لهذا الماء، يُرسِل في طلبه من مكةَ المكرمة، وهو في المدينة النبوية، قبل فتح مكة، وقد كَتَبَ ﷺ إِلى سُهَيْلِ بْنِ
стр. 56
عَمْرٍو ﵁: «إِنْ جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا لَيْلاً فَلاَ تُصْبِحَنَّ وَإِنْ جَاءَكَ نَهَارًا فَلاَ تُمْسِيَنَّ حَتَّى تَبْعَثَ إِلَيَّ بِمَاءِ زَمْزَمَ، فَمَلَأَ لَهُ مَزَادَتَيْنِ، وَبَعَثَ بِهِمَا عَلَى بَعِيرٍ» (١٠٣) .
يتبين مما ذكر آنفًا أن سقيا زمزم شفاء للمرضى من كل داء، بإذن الله تعالى، وبأن مَن شربها لأي نية أو مطلب - وقد صَلَح يقينه بتحقُّق ذلك - فإن الله يحقق له ما نواه، كما يستفاد: (أن فضل ماء زمزم هو لِعَينِه لا لأجل البقعة التي هو فيها، ولهذا، فإن الصُّلَحاء يشربونه ويحملونه معهم في أسفارهم اتباعًا للنبيِّ ﷺ ، فإنه أول من حمل زمزم عند رجوعه من حجَّ البيت تبرُّكًا به واستشفاءً) (١٠٤) .
стр. 57
علاوة على ما سبق من خاصية زمزمَ - بإذن ربها - في تحقيق المطلوب لشاربها، مع مشروعية الاستشفاء بشربها من عموم الأدواء، فإنها كذلك يُسْتشفى بها من أمراض بعينها، ومن ذلك: أنها تُبرد الحُمَّى، لقولِ رسول الله ﷺ : «الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَابْرُدُوها بِالْمَاءِ، أَوْ قَالَ: بِمَاءِ زَمْزَمَ» (١٠٥) ، ويكون ذلك الإبراد بصب الماء عند الجَيْبِ (١٠٦) ، أو بِرَشِّه رشًّا بين يدي المريض وثوبه (١٠٧) .
وقد (كانت أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄، إذا أُتِيَتْ بالمرأة - قد حُمَّت - تدعو لها، أخذت الماء فصبَّتْه بينها وبين جيبها، وقالت: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنَا أَنْ نَبْرُدَهَا بِالْمَاءِ) (١٠٨) .
стр. 58
٢- التمر، وبخاصةٍ منه (تمر العجوة) .
التمر: هو ما تؤول إليه ثمرة النخلة المباركة (١٠٩) في نهاية المطاف، وإن لهذه الثمرة فوائد تكاد لا تحصى، وقد أرشد رسول الله ﷺ إلى ألا يخلو بيت مسلم من تمر، وبخاصة تمر المدينة، واختَصَّ منه ﷺ صنفًا كريمًا، هو عجوة المدينة، [وهو من أنفع تمر الحجاز على الإطلاق، ملذِّد، متين للجسم والقوة، من ألين التمر وأطيبِه وألذِّه] (١١٠) ، وهو نافع - بإذن الله - في الوقاية من أثر السُّم والسحر، كما سيأتي تفصيله في الفصل المختص بالأمراض المعنوية.
قال رسول الله ﷺ : «يَا عَائِشَةُ، بَيْتٌ
стр. 59
لاَ تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ -أو: جَاعَ أَهْلُهُ -، قَالَهَا ﷺ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلاَثًا» (١١١) وقال عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام: «مَنْ تَصَبَّحَ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً لَمْ يَضُرُّهُ، ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ وَلاَ سِحْرٌ» (١١٢) .
كما أن التمر عامة [يساعد على تليين الأمعاء وتنشيط حركتها لاحتواء أنواعه جميعًا على نسب متفاوته من الألياف السليولوزية، كما أن التمر يحتوي على عناصر غذائية هامة، مثل: السكريات والنشويات والبروتينات والأملاح والمعادن والفيتامينات والماء والسيليولوز، والتمر مفيد في الوقاية من البواسير، وفي منع النزف بسببها، أو
стр. 60
التقليل من حدوثه لاحتوائه على فيتامين (ج) ، والذي يعمل على تقوية جُدُر الأوعية الدموية] (١١٣) .
ومن أحسن ما وُصف به التمر إجمالاً: أنه [فاكهة وغذاء ودواء وشراب وحلوى] (١١٤) . هذا، وقد صُنِّف في ذكر التمر ومنافعه المطوَّلات من الكتب (١١٥) ، فيحسُن بالمسلم الاطلاع على بعضها، فإن رُمْت ذلك فاستعن بالله ولا تعجز.
٣- الحبة السوداء .
الحبة السوداء، أو الحُبَيْبة السوداء، وهي (الشُّونِيز) - وهو لفظ فارسي (١١٦) ،
стр. 61
اشتهرت تسميتها بذلك في زمن النبيِّ ﷺ ، ويسميها كثير من الناس اليوم: (حبة البَرَكة) .
يقول رسول ﷺ في شأنها: «فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ، إِلاَّ السَّامَ» (١١٧) ، وقال الإمام الزُّهري ﵀: [والسامُ: الموت، والحبة السوداء، الشُّونِيز] . اهـ (١١٨) .
* مسألة: كيف يُتداوى بالحبة السوداء؟
الجواب: تُستعمل مفردةً، وربما استُعمِلت مركبة (مسحوقة تنقع في زيت، أو في ماء) ، وربما أكلاً وشربًا لخلاصتها، أو سَعُوطاً (١١٩) - قطرات
стр. 62
تُصَبُّ في الأنف -، أو ضِمادًا.
هذا، وقد ذكر الأطباء كيفياتٍ لعلاج الزكام العارض، المصاحب لعطاسٍ كثير، بالحبة السوداء، أذكر منها:
-[أن تقلى الحبة السوداء، ثم تدق ناعمًا، ثم تنقع في زيت، ثم يقطر منه في الأنف ثلاث قطرات] (١٢٠) ، [وكذلك لعلاج نزلات البرد: يضاف زيت الحبة السوداء (ملعقة كبيرة) إلى ماءٍ مغلي، ومن ثَم يستنشق المريض البخارَ الصاعد منه، ورأسه مغطىً ببطانية أو نحو ذلك، ويُستحسن تكرار ذلك صباحاً ومساءً إلى أن يتم الشفاء بإذن الله (١٢١) . ويذكر في
стр. 63
هذا المقام، أن لزيت الحبة السوداء طعم لا يستسيغه كثير من الناس، فضلاً عمّا له من تأثير مهيِّج في الأغشية المخاطية للجهاز الهضمي، وقد تمكن مؤخرًا فريق طبي (من الباحثين المصريين) ، منهم د. محمد المحفوظ، ود. محمد الدخاخني من فصل المُركَّب الفعَّال لهذا الزيت في حالة نقية وخالية من الثأثيرات المذكورة، كما أثبت هؤلاء خُلُوَّ المركب - وهو بمسمى (نِيْجِلُّلون) (١٢٢) -، من أي تأثير سامٍّ أو ضارّ] (١٢٣) .
مسألة: ما المراد بقول النبيِّ ﷺ : «شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ» ؟ هل هو عام لكل داء؟ أم
стр. 64
هو عام مخصوص، يُراد به خصوص نزلات البرد، والزكام، وأمراض الجهاز التنفسي الواقعة بتأثير رطوبة أو برد ونحو ذلك؟
الجواب (١٢٤) : من وجهين؛ الأول: أن الحديث عام - بمنطوق الروايات جميعًا- ولا وجه للتخصيص إلا بحمله على تجربة الأطباء في الاستشفاء بالحبة السوداء، حيث اقتصرت في غالبها على معالجة الأمراض الباردة، وليس من اللائق تخصيص كلام خير الخلق ﷺ بناءً على تجارب ما زالت تُجرى وتستجدّ. هذا، وقد سبق (١٢٥) ذكر ثبوت فائدة العلاج بالعسل في حالات الإسهال،
стр. 65
بعد أن جزم بعض أهل الطِبّ بعدم جدوى المعالجة به رَدْهًا من الزمن.
والثاني: أن بعض الأطباء قد توصلوا فعلاً بأبحاثهم إلى تأثير مركّب النِّيْجِلُّلون في ترخية العضلات، وفي تخفيف آلام المغص الكلوي، وتأثيره في تقوية جهاز المناعة العام، وغير ذلك، فما المانع - عند تكرار الأبحاث - من معرفة تأثيرات أخرى لهذه المادة، تعمّ أجهزة الجسم كافة؟ فصلاة ربي وسلامه على عبده ورسوله محمد، الموصوف بقوله تعالى: [النّجْم: ٣-٤] ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى *﴾ .
стр. 66
٤- العُود الهِنْدِيُّ، وهو القُسْط أو الكُسْت (١٢٦) .
وهو ضرب من البخور، وليس من مقصوده الطِّيب (١٢٧) ، وهو نوعان: أسود، وهو المسمى: الهندي، وأبيض، وهو البحري، والهندي أشدهما حرارة (١٢٨) . أما البحريُّ الأبيض فهو أَلْينهما؛ ويُتداوى بكلا النوعين، ومنافعهما كثيرة جدًا (١٢٩) . وقد دلت السُّنّة على طريق التداوي بالقسط، قال ﵊: «عَلاَمَهْ تَدْغَرْنَ أَوْلاَدَكُنَّ بِهَذَا العِلاَقِ؟! عَلَيْكُنَّ بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ، فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ؛ يُسْتَعَطُ بِهِ مِنَ العُذْرَةِ، وَيُلَدُّ بِهِ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ» (١٣٠) . [فإذا أصابت العُذْرة (١٣١)
стр. 67
طفلاً - وهي دم رَطِب يغلب عليه البلغم، يجتمع في الحلق - فيأخذ الطفل عندئذٍ وجع في حلقه بسبب هذا التهيج بالدم، أو يصيبه بسببه وجع في الخُرْم الذي بين الأنف والحلق، وهو موضع سقوط اللَّهاة، أو تقرُّحٌ فيما بين أنفه وحلقه، وهذا المرض يعرض للصبيان غالبًا وسط شدة الحرّ، عندها يعالج الطفل بأن يُسعط، أي: يُصَبُّ الدواءُ من القُسط الهندي نقاطًا بقَدْرٍ في أنفه، فتعمل حرارة القسط على تجفيف تلك الرطوبات الدموية البلغمية. أما مرض ذات الجَنْب وهو ألمٌ يَعرِض في نواحي الجنب ناتج عن رياح غليظة تحتقن بين
стр. 68
الصفاقات فتحدث ورمًا خطيرًا قلّما ينجو المصاب به، فإن من أدويته النافعة هذا القسط الهندي، حيث يُلَدُّ المريض؛ فيُسقى في أحد شِقَّي فمه مقدارًا من هذا القُسط، فيبرأ بإذن الله تعالى] (١٣٢) .
[وقد كانت النساء من عادتهن في معالجة العُذْرة أن تأخذ المرأة خِرْقة فتفتلَها فَتْلاً شديدًا، ثم تدخلها في أنف الصبيِّ وتطعن بها في الخُرْم الذي بين الحلق والأنف، فينفجر منه دم أسود، وربما أقرحته، وذلك الطعن يسمى دَغْرًا وغدرًا، أو كانت إحداهن تغمز حلق الولد بأصبعها فترفع ذلك الموضع وتكبسه، فتظن أنها بذلك قد أعلقت
стр. 69
الولد، أي: عالجت عذرته ووجع حلقه] (١٣٣) ، فنهى النبيُّ ﷺ النِّسْوة عن فعل ذلك؛ لما فيه من شدة إيلامٍ للولد، مع احتمال إحداث تقرُّح زائدٍ عن تهيُّج الدم، ثم أرشدهنَّ ﷺ إلى علاجهم بقطراتٍ من القُسط الذي حُكّ بالماء، فيُقطَر منه في الأنف، ليقوم بمادته الحارة بتجفيف رطوبة البلغم المختلط بالدم.
٥- الكَمْأَةُ .
[وهي نبات لا ورق لها ولا ساق، توجد في الأرض من غير أن تُزرع، قيل: سميت بذلك لاستتارها، يقال: كَمَأَ الشهادةَ إذا كتمها. ومادة الكَمْأة من
стр. 70
جوهر أرضي بخاريٍّ، يحتقن نحو سطح الأرض بِبَرْد الشتاء ويُنْمِيه مطر الربيع، فيتولَّد ويندفع متجسِّدًا. والعرب تسمي الكمأة: بناتَ الرعد؛ لأنها تكثر بكثرته، ثم تنفطر عنها الأرض؛ وأجودها ما كانت أرضه رملةً قليلةَ الماء] (١٣٤) .
وفي فضل الكَمْأة، ومداواة العين بها، قال النبيُّ ﷺ : «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ» (١٣٥) . [أما كون الكَمْأة من المنِّ، فالمعنى: أنه من الممنون به من الله تعالى؛ حيث إنه ليس للعبد فيه شائبةُ كَسْبٍ ولا صُنع فيه لأحد؛ فكان بذلك مَنًّا محضًا] (١٣٦) ، [وقد شبَّهها النبيُّ ﷺ بالمنِّ الذي كان
стр. 71
ينزل على بني إسرائيل؛ لأنه كان يحصل لهم بلا كُلْفة ولا علاج، والكمأة كذلك تحصل بلا كلفة ولا علاج ولا زرع بزرٍ ولا سقي ولا غيره. وقيل: هي فعلاً من أصناف المنِّ الذي أنزله الله تعالى على بني إسرائيل حقيقةً، عملاً بظاهر اللفظ] (١٣٧) . وقد صحَّ في الحديث: «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ ﵎ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ» (١٣٨) .
وأما العلة في كون مائها شفاء للعين [فإنما اختُصّت بهذه الفضيلة لأنها من الحلال المحض الذي ليس في اكتسابه شبهة، ويُستنبط منه أن استعمال الحلال
стр. 72
المحض يجلو البصر، والعكس بالعكس] (١٣٩) ، وفي معنى قوله ﷺ : «وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ» ، احتمالات ثلاثة (١٤٠) :
١- أن ماءها مجردًا هو شفاء مطلقًا (١٤١) . (ويستخرج منها بشيِّها واستقطار مائها؛ لأن النار تُلطِّفه وتُنضِجه، وتذيب فضلاته ورطوبته المؤذية، وتُبقِي منافعَه) (١٤٢) .
٢- أن ماءها شفاء للعين إذا خُلِط بدواء - كالإثمد وغيره من الأكحال - ثم عولجت به العين.
٣- أن التداوي بها يعتمد على نوع الداء في العين؛ فإن كان لتبريد حرارة
стр. 73
العين وحسب فماؤها مجردًا شفاء، وإن كان لغير ذلك فلا بد من تركيب مائها مع غيره.
(والكمأة فيها جوهر مائي لطيف، يدل على خِفَّتها، والاكتحال بها نافع من ظلمة البصر والرَّمَد الحارِّ، وقد اعترف فضلاء الأطباء بأن ماءها يجلو العين) (١٤٣) .
تنبيه: (إن عصر الكمأة مطلقًا دون تقشيرها خطأ؛ لأن ماءها هنا يختلط بالمواد البروتينية، وفي هذه الحالة يسبب عصيرها حساسية للعين) (١٤٤) .
(والكمأة أنواع، منها أبيض، ومنها
стр. 74
أحمر أو أصفر، وإن الكمأة التي ذكرها رسول الله ﷺ هي الكمأة البيضاء، التي تنمو في الجزيرة العربية غالبًا، وهي كمأة لذيذة الطعم، وليست حِرِّيفة (حادة الطعم) . وقد أثبتت تجربة علمية شملت الماء المأخوذ من الكمأة بعد تقطيعها إلى قطع صغيرة، أن ماءها يحتوي على مضادٍّ حيويٍّ واسع المدى يعمل ضد كل أنواع البكتيريا المُوجِبة الجرام، أو السالبة الجرام، لذلك فإن استخدامها في علاج الرَّمَد أمرٌ نفعه مُتيقَّن - إن شاء الله - سواء أُخِذ ماؤها من تقطيع الكمأة الطازجة، أو بعد تسخينها في الماء لدرجة حرارة تقل عن ٤٥ درجة مئوية) (١٤٥) .
стр. 75
٦- التلبينة:
(هو الحساء الرقيق المتخذ من دقيق الشعير بنخالته مطحونًا، وربما جُعل فيها عسل، وقد سميت تلبينة تشبيهًا لها باللبن، لبياضها ورقتها، وهي تسمية بالمَرَّة الواحدة من التلبين، يقال: لبَّن القومَ إذا سقاهم اللبن. والفرق بينها وبين ماء الشعير أنه يُطبخ من صحاح الشعير بنخالته، والتلبينة تطبخ من الشعير مطحونًا، وهي أنفع من ماء الشعير لخروج خاصية الشعير بالطحن، فتكون التلبينة أكثر تغذية وأقوى فعلاً وأعظم جِلاءً، وألطف على فؤاد المريض إذا قلَّ اشتهاؤه للطعام، فيغذيه غذاء لطيفًا) (١٤٦) .