ينزل على بني إسرائيل؛ لأنه كان يحصل لهم بلا كُلْفة ولا علاج، والكمأة كذلك تحصل بلا كلفة ولا علاج ولا زرع بزرٍ ولا سقي ولا غيره. وقيل: هي فعلاً من أصناف المنِّ الذي أنزله الله تعالى على بني إسرائيل حقيقةً، عملاً بظاهر اللفظ] (١٣٧) . وقد صحَّ في الحديث: «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ ﵎ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ» (١٣٨) .
وأما العلة في كون مائها شفاء للعين [فإنما اختُصّت بهذه الفضيلة لأنها من الحلال المحض الذي ليس في اكتسابه شبهة، ويُستنبط منه أن استعمال الحلال
стр. 72
المحض يجلو البصر، والعكس بالعكس] (١٣٩) ، وفي معنى قوله ﷺ : «وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ» ، احتمالات ثلاثة (١٤٠) :
١- أن ماءها مجردًا هو شفاء مطلقًا (١٤١) . (ويستخرج منها بشيِّها واستقطار مائها؛ لأن النار تُلطِّفه وتُنضِجه، وتذيب فضلاته ورطوبته المؤذية، وتُبقِي منافعَه) (١٤٢) .
٢- أن ماءها شفاء للعين إذا خُلِط بدواء - كالإثمد وغيره من الأكحال - ثم عولجت به العين.
٣- أن التداوي بها يعتمد على نوع الداء في العين؛ فإن كان لتبريد حرارة
стр. 73
العين وحسب فماؤها مجردًا شفاء، وإن كان لغير ذلك فلا بد من تركيب مائها مع غيره.
(والكمأة فيها جوهر مائي لطيف، يدل على خِفَّتها، والاكتحال بها نافع من ظلمة البصر والرَّمَد الحارِّ، وقد اعترف فضلاء الأطباء بأن ماءها يجلو العين) (١٤٣) .
تنبيه: (إن عصر الكمأة مطلقًا دون تقشيرها خطأ؛ لأن ماءها هنا يختلط بالمواد البروتينية، وفي هذه الحالة يسبب عصيرها حساسية للعين) (١٤٤) .
(والكمأة أنواع، منها أبيض، ومنها
стр. 74
أحمر أو أصفر، وإن الكمأة التي ذكرها رسول الله ﷺ هي الكمأة البيضاء، التي تنمو في الجزيرة العربية غالبًا، وهي كمأة لذيذة الطعم، وليست حِرِّيفة (حادة الطعم) . وقد أثبتت تجربة علمية شملت الماء المأخوذ من الكمأة بعد تقطيعها إلى قطع صغيرة، أن ماءها يحتوي على مضادٍّ حيويٍّ واسع المدى يعمل ضد كل أنواع البكتيريا المُوجِبة الجرام، أو السالبة الجرام، لذلك فإن استخدامها في علاج الرَّمَد أمرٌ نفعه مُتيقَّن - إن شاء الله - سواء أُخِذ ماؤها من تقطيع الكمأة الطازجة، أو بعد تسخينها في الماء لدرجة حرارة تقل عن ٤٥ درجة مئوية) (١٤٥) .
стр. 75
٦- التلبينة:
(هو الحساء الرقيق المتخذ من دقيق الشعير بنخالته مطحونًا، وربما جُعل فيها عسل، وقد سميت تلبينة تشبيهًا لها باللبن، لبياضها ورقتها، وهي تسمية بالمَرَّة الواحدة من التلبين، يقال: لبَّن القومَ إذا سقاهم اللبن. والفرق بينها وبين ماء الشعير أنه يُطبخ من صحاح الشعير بنخالته، والتلبينة تطبخ من الشعير مطحونًا، وهي أنفع من ماء الشعير لخروج خاصية الشعير بالطحن، فتكون التلبينة أكثر تغذية وأقوى فعلاً وأعظم جِلاءً، وألطف على فؤاد المريض إذا قلَّ اشتهاؤه للطعام، فيغذيه غذاء لطيفًا) (١٤٦) .
стр. 76
قال النبيُّ ﷺ : «التَّلْبِينَةُ مَجَمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ، تَذْهِبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ» (١٤٧) . وكان رسول الله ﷺ إذا أخذ أهلَه الوَعَكُ أمر بالحساء فصُنِع، ثم أَمَرَهم فحسَوْا منه، وكان يقول: «إِنَّهُ لَيَرْتُو فُؤَادَ الْحَزِينِ، وَيَسْرُو عَنْ فُؤَادِ السَّقِيمِ، كَمَا تَسْرُو إِحْدَاكُنَّ الْوَسَخَ عَنْ وَجْهِهَا» (١٤٨) .
إن ما ذكر آنفًا دالُّ - ولا ريب - على عظيم رأفة النبيِّ ﷺ ورحمته بالمريض، مع بالغ عنايته بالحال النفسية له، وكذلك بمن أصابته مصيبة عظيمة فاغتمّ لها؛ حيث أرشد ﵊ إلى تغذية المريض بألطف ما اعتاده من الأغذية، ليكون ذلك مدعاة لراحة قلبه،
стр. 77
وجِلاء حزنه، مع كونه نافعًا مغذِّيًا [فإن قوى الحزين تضعف باستيلاء اليُبس على أعضائه، وعلى معدته خاصة لتقليل الغذاء، وهذا الحساء يرطِّبها، ويقوِّيها ويغذِّيها، ويفعل مثل ذلك بفؤاد المريض، لأن المريض كثيرًا ما يجتمع في معدته خَلْط مراريٌّ، أو بلغمي، أو صديدي، وهذا الحساء يجلو ذلك عن المعدة ويَسْرُوه، ويَحْدُره، ويُميعه، ويعدِّل كيفيته، ويكسر سَوْرته، فيريحها - أي: المعدة - ولاسيما لمن عادته الاغتذاء بخبز الشعير، وهي عادة أهلِ المدينة إذ ذاك، وكان هو غالبَ قُوْتهم، وكانت الحنطة غزيرة عندهم، والله أعلم] (١٤٩) .
стр. 78
٧- السَّنا والسَّنُوت .
السَّنا، أو السَّنى، هو نبت حجازي أفضله المكيُّ، وهو دواء شريف مأمون الغائلة (١٥٠) ، له حَمْل إذا يَبِس وحرَّكته الريح سَمِعْتَ له زَجَلاً (١٥١) - أي: صوتًا لحركته -، وهو نبات شجيري من الفصيلة القرنسية، زهره مصفرٌّ، وحبُّه أبيض مفلطح رقيق (١٥٢) .
وأما السَّنُوت، فالأقرب إلى الصواب في معناه: أنه العسل الذي يكون في زقاق السمن، فيُخلط السنا مدقوقًا بالعسل المخالط للسمن. فيسمى عندها السَّنوت (١٥٣) .
стр. 79
وفي الحديث الشريف: «عَلَيْكُمْ بِالسَّنَا وَالسَّنُوتِ، فَإِنَّ فِيهِمَا شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلاَّ السَّامَ» ، قيل: يا رسول الله، وما السامُ؟ قال: «الْمَوْتُ» (١٥٤) .
(وهذا السنا الحجازي والذي يعرف بالسنا المكي أفضل من الأصناف الأخرى - كالسنا الهندي مثلاً - وأكثرها قيمة علاجية، حيث إنه شاع استخدامه في الطب الشعبي في الجزيرة العربية على أنه علاج نافع للصداع المزمن والصداع النصفي (الشقيقة) ، ويقال: إن المطبوخ منه يُذهب البواسير، وأوجاع الظهر، وطبيخه مع الخلِّ يزيل الحكة والجَرَب، كما يساعد على التئام الجروح، ويمنع تساقط الشعر، وتستعمل
стр. 80
أوراق هذا النبات فقط بعد نقعها بالماء لمدة اثنتي عشرة ساعة، ويشرب المنقوع بدون الورق) (١٥٥) .
هذا، ومن فوائد السنا، أنه مسهِّل للطبيعة مأمون الغائلة، قريب من الاعتدال، وإن خلط السنا مدقوقًا بالعسل المخالط للسمن، ليصير سَنُوتًا ثم يُلعق فيكون ذلك أصلح من استعماله منفردًا؛ لما في العسل والسمن من إصلاح السنا، وإعانته على الإسهال، والله أعلم (١٥٦) .
٨- الوَرْس:
وهو نبت أصفر - مثل نبات السمسم - يُصبغ به (١٥٧) ، وهو
стр. 81
يزرع زرعًا وليس ببريٍّ، وأكثر ما يكون في بلاد العرب، وبخاصة منها أرض اليمن (١٥٨) .
«وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْعَتُ الزَّيْتَ وَالْوَرْسَ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ» ، قال قتادة: ويُلَدُّ - أي: يُجعل منه في أحد شِقَّيِ الفم - من الجانب الذي يشتكيه (١٥٩) .
[والورس في منافعه قريب من منافع القُسْط البحري، وإذا لُطخ به على البهق والحكة والبثور والسفعة - صفرة الوجه - نَفَع منها، والثوب المصبوغ بالورس يقوي على الباه] (١٦٠) ، أي: يزيد الرغبة في الجماع.
стр. 82
٩- الحِنَّاء (سيِّد الخِضاب) (١٦١) :
وهو نبت يزرع ولا يوجد بدون الماء، وشجره يعيش طويلاً، وهو متساقط الأوراق، ونَوْرُه - أي: أزهاره - بيضاء تسمى «الفَاغِية» ، أو «الفَغْو» ، وهي المسماة أيضًا (التَّمْر حِنّة) ، وهي ذات رائحة زكية. ولورق الحنة لونان: الأول ذهبي، والثاني مائل إلى السواد (١٦٢) .
وفي الإرشاد النبويِّ إلى الاختضاب بورق هذه النبتة، أن النبيَّ ﷺ ما كان أحدٌ يشتكي إليه وَجَعًا في رِجْلَيْه إلا قال: «اِخْضِبْهُمَا» (١٦٣) ، وقالت سلمى (١٦٤) - خادمُ النبيِّ ﷺ : «مَا كَانَ يَكُونُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ قُرْحَةٌ وَلاَ نَكْبَةٌ
стр. 83
إِلاَّ أَمَرَنِي أَنْ أَضَعَ عَلَيْهَا الْحِنَّاءَ» (١٦٥) .
هذا، وقد توصل علم الطب حديثًا إلى أن الحناء تحتوي على مواد قابضة، فهي تحتوي على سلاسل بِبْتيدية، ذات أحماض أَمِينيَّة من نوع بيتاأمين وبيتاكربوكسيل، وهي ذات فعالية عظيمة كمضاد حيوي قوي واسع المفعول؛ لذلك فهي تستخدم في علاج فِطْريات التَنْيا بين الأصابع، ومُطهِّر للجروح والقروح والتهابات القدمين وتشققها (١٦٦) .
وعليه، فإن الحناء (نافع لبعض أمراض القدمين؛ كالداء الفطري للمسافات بين
стр. 84
الأصابع. - أي: داء أقدام الرياضيين - والسَّحْجات والوَّخْزات والقروح السطحية، التي قد تنجم عن السير في الطرقات الوعرة؛ حيث إن الحناء فيها مادة قابضة، والتقبيض يُجفف الجلد ويقسِّيه ويمنع تعطينه، ما يعمل على تخفيف الخمائر والفطور، ويكافح تحكُّمَها) (١٦٧) .
(ومن منافع الحناء كذلك أنه محلِّلٌ نافع من حرق النار، وفيه قوة موافقة للعصب إذا ضُمِّد به، وينفع -إذا مُضغ- من قروح الفم، ويبرئ القُلاع الحادث في أفواه الصِّبْيان. والضِّماد به ينفع من الأورام الحارة الملهبة، وإذا خُلِط نَوْرُه
стр. 85
(أي: زهره الأبيض) مع الشمع المصفّى ودُهْنِ الوردِ، ينفع من أوجاع الجنب. والحِناء إذا أُلزِمت به الأظفار معجونًا حسَّنها ونفعها، وإذا عُجن بالسمن وضُمِّد به بقايا الأورام الحارة التي ترشح ماءً أصفرَ نَفَعها، وينفع من الجَرَب - وهو مرض جلدي سريع العدوى - المتقرِّح المزمن منفعة بليغة، وهو يُنبت الشعر ويقوِّيه، ويحسِّنه، وينفع من: الانتفاخات المائية الناتجة عن مرض الجدري مثلاً، ويزيل البثور التي تظهر على الجلد، في الساقين والرجلين، وسائر البدن) (١٦٨) .
١٠- الذَّرِيرة:
(دواء هندي يُتخذ من قصب الذريرة) (١٦٩) ، وهي نوع من
стр. 86
الطِّيب مُركَّب مخصوص يعرفه أهل الحجاز وغيرهم، وهو من فتات قصب الطِّيب الذي يُجاء به من الهند، كقصب النُّشَّاب وغيره. وقيل: إن كل طيب مركب تُجمع مفرداته ثم تسحق وتنخل ثم تُذَرُّ في الشعر والطَّوْق فهو ذريرة (١٧٠) .
عن عائشةَ ﵂ قالت: (طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِيَدِي بِذَرِيرَةٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، لِلْحِلِّ وَالإِْحْرَامِ) (١٧١) .
وعن بعض أزواج النبيِّ ﷺ (١٧٢) ، قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ وقد خرج في أصبعي بَثْرة، فقال: «عِنْدَكِ ذَرِيرَةٌ؟» ، قلت: نعم، قال: «ضَعِيهَا عَلَيْهَا،
стр. 87
وَقُولِي: اللَّهُمَّ مُطْفِئَ (مُطْفِي) الْكَبِيرِ، وَمُكَبِّرَ الصَّغِيرِ، أَطْفِهَا عَنِّي» (١٧٣) .
(والذريرة حارة يابسة تنفع من أورام المعدة والكبد والاستسقاء، وتقوي القلب لطِيبها وهي نافعة في معالجة البَثْرة، وهي خراج صغير يكون عن مادة حارة تدفعها الطبيعة فتسترق مكانًا من الجسد تخرج منه، فهي محتاجة إلى ما يُنضِجها ويُخرِجها، والذريرة أحد ما يفعل ذلك، فإن فيها إنضاجًا وإخراجًا، مع طِيب رائحتها، مع أن فيها تبريدًا للناريَّة التي في تلك المادة) (١٧٤) .
١١- أَلْيَة شاةٍ أعرابية .
والألية هي: طَرَف الشاة، أو ما كان على العَجُز من اللحم
стр. 88
والشحم (١٧٥) ، والحكمة في أن تكون الشاة من شياه الأعراب، (قلة فضول هذه الشاة - أي: قلة ما تخرجه من فَضْلات -، وصغر مقدارها، ولطف جوهرها، وخاصيَّة مرعاها، لأنها ترعى أعشاب البر الحارة، كالشِّيْح والقَيْصُوم، وهذه النباتات إذا تغذَّى بها الحيوان، صار في لحمه من طَبْعها، بعد أن يلطِّفَها تغذِّيه بها، ويُكسبها مزاجًا ألطف منها، ولاسيما الألية، وظهور فعل هذه النباتات في اللبن أقوى منه في اللحم، ولكن الخاصية التي في الألية من الإنضاج والتليين لا توجد في اللبن) (١٧٦) .
стр. 89
قال أنس ﵁: سمعت رسولَ الله ﷺ يقول: «شِفَاءُ عِرْقِ النَّسَا: أَلْيَةُ شَاةٍ أَعْرَابِيَّةٍ تُذَابُ، ثُمَّ تُجَزَّأُ ثَلاَثَةَ أَجْزَاءٍ، ثُمَّ يُشْرَبُ عَلَى الرِّيقِ، فِي كُلِّ يَوْمٍ جُزْءٌ» (١٧٧) .
وعِرْق النَّسا: (هو عرق يخرج من الوَرِك فيستبطن الفَخِذ) (١٧٨) ، والمقصود به هنا (مرض يحلُّ بهذا العِرْق يتسبب بحدوث وجع يبتدئ من مفصل الورك، وينزل من خلف على الفخذ، وربما وصل إلى الكعب، وكلما طالت مدته زاد نزوله، وتهزل معه الرجل والفخذ) (١٧٩) .
(ولقد توصل الطب الحديث إلى أن لعِرْق النَّسا أسبابًا متعددة، وأن معظم
стр. 90
حالاته تنتج عن فَتْق النُّواة اللُّبِّية بين الفِقَر - الدِّسْك - ونتوئها في القناة السيسائية بما يترتب عليه انضغاط الجذور العصبية، ومن أسبابه أيضًا الإنتان بالعصيات الكولونية، وهي جراثيم عاطلة تستقر الأمعاء، ثم تنقلب مُمْرضة في ظروف خاصة. ولقد وصف النبيُّ ﷺ لعرق النسا ألية شاة أعرابية ربما بمناسبة إصابة أحدهم بهذا الإنتان بالعصيات الكولونية، فيحدث بالألية المذابة إسهال بالدهن فتطرد تلك الجراثيم المستوطنة المسببة للمرض. هذا، إلى جانب حِكم أخرى الله أعلم بها لم يتوصل إليها العلم بعد) (١٨٠) .
стр. 91
وإن مما يدل دلالة قوية على نفع هذا الدواء أن أنسًا ﵁ قد عالج بذلك ثلاثمائة مصاب بعرق النسا، كلهم تعافوا بإذن الله (١٨١) ، فلا ريب بأن هذا العلاج إذًا نافع لكثير من الأسباب المُحدِثة لعرق النسا؛ ما يفتح الباب لعلماء الطب الحديث إلى توصيف كيفية تلك المعالجة، فصلوات ربي وسلامه على المبعوث رحمة للعالمين.
(وما يجدر ذكره هنا أن المعالجة بشرب دهن ألية الشاة الأعرابية، هو مناسب جدًا لأهل الحجاز ومَن جاورهم، لاسيما أعراب البوادي، وذلك بحسب أماكن نزولهم وأحوالهم،
стр. 92
لأن غالب عادات العرب وأهل البوادي إصابتهم بالأمراض البسيطة السبب، فناسب ذلك أن تكون أدويتهم بسيطة مفردة، أما الأمراض المركبة التي غالبًا ما تحدث عن تركيب الأغذية وتنوعها واختلافها، فإن علاجها يكون بالأدوية المركبة، والله تعالى أعلم) (١٨٢) .
١٢- ألبان الإبِل وأبوالُها .
قد ثبت في السُّنَّة المُطهَّرة مشروعيةُ التداوي بألبان الإبل وأبوالها، وإن ذلك لهو من عظيم الإعجاز النبوي في مسائل التطبيب، فإن المرء - ابتداءً - قد يجد للتداوي بألبان الإبل مسوِّغًا، لكنْ بأبوالها؟! فإن ذلك قد لا يخطر
стр. 93
ابتداءً ببال ولا ينقدح في ذهن، حتى لو طال التفكر بتوقُّعه. لكنّ الواقع يشهد بأن رهطًا قد تداوَوا بذلك لما أشار عليهم رسول الله ﷺ بفعل ذلك. ففي الصحيحين من حديث أنسٍ ﵁: «أن نفرًا من عُكْلٍ (١٨٣) ، ثمانيةً، قَدِموا على رسول الله ﷺ ، فبايعوه على الإسلام، فاستَوْخَموا الأرض (١٨٤) فسَقِمَتْ أجسامُهم، فشكَوْا ذلك إلى رسول الله ﷺ ؛ فقال لهم: «أَفَلاَ تَخْرُجُوَن مَعَ رَاعِيَنا فِي إِبِلِهِ فَتُصِيبُونَ مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا؟» ، قالوا: بلى، فخرجوا فشربوا من ألبانها وأبوالها، فصحُّوا ... » الحديث (١٨٥) . وقال عليه الصلاة
стр. 94
والسلام: «إِنَّ فِي أَبْوَالِ الإِْبِلِ وَأَلْبَانِهَا شِفَاءٌ لِلذَّرِبَةِ (١٨٦)
بُطُونُهُمْ» (١٨٧) .
هذا، وقد كان الداء الذي اشتكى منه هؤلاء: داء الاستسقاء (١٨٨) ، حيث اصفرّت ألوانهم، وعظمت بطونهم (١٨٩) ، (ولما كانت الأدوية المحتاجُ إليها في علاج هذا الداء هي الأدوية الجالبة، التي فيها إطلاق معتدل، وإدرارٌ بحسب الحاجة، وهذه الأمور موجودة في أبوال الإبل وألبانها، فقد أمرهم النبيُّ ﷺ بشربها، فإن في لبن اللِّقاح جلاءً وتليينًا، وإدرارًا وتلطيفًا، وتفتيحًا للسُّدَد، إذ كان أكثر رعيها الشِّيْح (١٩٠) ، وهذا المرض - الاستسقاء - لا يكون
стр. 95
إلا مع آفةٍ في الكبد خاصة، أو مع مشاركة، وأكثرها عن السَّدَد فيها، ولبن اللِّقاح العربية نافع من السدد، لما فيه من التفتيح والمنافع المذكورة (١٩١) .
انظر: فتح الباري لابن حجر (١١/٢٤١) . وقال ﵀: والأول المعتمد، وسياق الحديث يتنزّل عليه. اهـ.
هذا التمثيل البياني النبويُّ دلَّ - يقينًا - على عظم رأفة النبيِّ ﷺ ورحمتِه بأمته، فلولا جلالة المعنى المشار إليه بهذا الرسم، وعظيم خطر التغافل عنه، لما خطّ ﵊ ذلك رسمًا؛ فالأجل قريب متحقق الوقوع لا محالة، والأمل عظيم يكاد ألا ينحصر، فليس
стр. 98
من شيء من المنافع إلا ويحرص ابن آدم على حيازته والتمتع به، وهو يغضُّ طَرْفًا عما يحيط به من كل جانب، ثم هو -مع ذلك - يتطلع إلى ما لا يدركه بصره لبُعده، فلا يكلّ من التحديق به ولا يملّ، أما الأعراض والآفات الحادثة التي تصيبه مرارًا وتكرارًا فتنهشه كما تنشهه ذوات السموم؛ إنْ سَلِمَ من هذه أصابته أختُها، هذه الأعراض المحيطة به ليست آلامًا أو أسقامًا حسية وحسب، بل إن جُلّها أخطار محدقة؛ هي أدواء روحية معنوية تكون - غالبًا - أسرع فتكًا وأعظم ضررًا من الأمراض الحسية، لذا، فقد أكدت الشريعة
стр. 99
المطهرة عظيم خطرها، وتنزّلت الآيات تأمر بالتعوُّذ من شرها، وأتحفتنا سُنَّة المصطفى ﷺ بدعوات وعُوَذ لا يعرف عظيم نفعها وشدةَ الحاجة إليها إلا الحصيف من المؤمنين، المدرك لخطورة تلك الأدواء.
فانظر - عافاك الله - إلى المعوِّذتين: [فإن فيهما الاستعاذة من كل مكروه جملة وتفصيلاً؛ فإن الاستعاذة من شرِّ ما خلق تعمُّ كلَّ شرٍّ يُستعاذ منه، سواء كان في الأجسام أو الأرواح، ثم التفصيل بعدها من شرور معنوية، فالاستعاذة من شر الغاسق وهو الليل وآيته وهو القمر إذا غسق - أي: غاب - تتضمن الاستعاذة من شر ما ينتشر بالليل
стр. 100
عند اشتداد ظلمته من الأرواح الخبيثة التي كان نور النهار يحول بينها وبين الانتشار، فلما أظلم الليل عليها، وغاب نور القمر، انتشرت وعاثت، والاستعاذة من شر النفَّاثات في العقد تتضمن الاستعاذة من شر السواحر وسحرهن، والاستعاذة من شر الحاسد تتضمن الاستعاذة من النفوس الخبيثة المؤذية بحسدها ونظرِها. أما سورة الناس فهي تتضمن الاستعاذة من شر شياطين الإنس والجن؛ فقد جمعت السورتان الاستعاذةَ من كل شر، ولهما شأن عظيم في الاحتراس والتحصُّن من الشرور قبل وقوعها] (١٩٣) ، ومما يُلحظ هنا أن
стр. 101
[المطلوب في سورة الناس: تحصيل سلامة الدِّين من كيد هؤلاء الشياطين وشرهم، أما المطلوب في سورة الفلق فسلامة النفس والبدن من ضر هؤلاء الشياطين وجندهم من السحرة، ومن ضر النفوس الحاسدة الخبيثة؛ ولما كانت سلامة الدِّين مطلبًا عظيم الأهمية جاء ذكر المستعاذ به وهو الله بثلاث صفات: الرب والملك والإله، وفي السورة الأولى مذكور بصفة واحدة (رب الفلق) ، وفي ذلك تنبيه على أن مضرة الدين - وإن قلَّت - هي أعظم من مضارِّ الدنيا وإن عَظُمت] (١٩٤) .
وتأسيسًا عليه: فإن العاقل لا يقتصر باستشفائه على
стр. 102
أمراض الجسد وإن عظم خطرها، لكنه يتعداها إلى ما هو أعظم منها خطرًا، وأشد فتكًا: أمراض الروح المتأتِّية من تأثير النفوس الخبيثة؛ من نحو ضر ساحر، أو عين عائن، أو شر حاسد؛، أو وسوسة شيطان يبغي هلاك دين المرء، فإن سلم المؤمن من هذا الخطر الداهم كانت سلامته من غير ذلك أقرب وأَوْلَى؛ [فإن الأدوية الإلهية تنفع من الداء بعد حصوله، وتمنع من وقوعه، وإن وقع لم يقع وقوعًا مُضرًا - وإن كان مؤذيًا - والأدوية الطبيعية إنما تنفع بعد حصول الداء؛ فالتعوُّذات والأذكار إما أن تمنع وقوع هذه الأسباب، وإما أن تحول بينها وبين كمال تأثيرها، وذلك
стр. 103
بحسب كمال التعوُّذ وقوته وضعفه، فالرُّقى والعُوَذ تُستعمل: لحفظ الصحة، ولإزالة المرض] (١٩٥) . وقد قال النبيُّ ﷺ لعبد الله بن خُبيبٍ ﵁: «قُلْ: ﴿قُل هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ وَالمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبِحُ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيءٍ (١٩٦) ، وقال ﵊ لعقبةَ بن عامرٍ ﵁: «يَا عُقْبَةُ تَعَوَّذْ بِهِمَا، فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِهِمَا» .
إن السنَّة المطهَّرة قد دلت على علاج عامة تلك الأمراض المعنوية، لكني - في هذا المقام - سأختص بيان علاج مرضين هما من أكثر ما يبتلى به كثير من الناس، عنيت: السحرَ والعين.
стр. 104
أولاً: علاج السحر .
إن هَدْي النبيِّ ﷺ في علاج السحر يكمن في أربعة أمور، هي:
١- ... تكرير الدعاء، وكثرة التضرُّع إلى الله أن يكشف للمسحور سبب بلائه، وموضع عمل السحر وفيما عُمِل به السحر، بل وكشف الساحر أيضًا، ففي الصحيح عن عائشة ﵂: «سَحَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَهُودِيٌّ مِنْ يَهُودِ بَنِي زُرِيْقٍ، يُقَالُ لَهُ: لَبِيدُ بنُ الأَْعْصَمِ، قَالَتْ: حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُخَيَّلُ إُلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ، وَمَا يَفْعَلُهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ، أَوْ
بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ» (٢٠٣) .
قَالَتْ: فَأَتَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، وَاللهِ لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ (٢٠٤) ، وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ» . قَالَتْ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلاَ أَحْرَقْتَهُ؟ قَالَ: «لاَ، أَمَّا أَنَا، فَقَدْ عَافَانِيَ اللهُ، وَكَرِهْتُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا، فَأَمَرْتُ بِهَا فَدُفِنَتْ» (٢٠٥) .
٢- ... استخراج السحر، وتبطيلُه: وهذا العلاج - إن تيسَّر - هو من أبلغ ما يُعالج به المسحور، ويمكن معرفة موضع عمل السحر ابتداءً بتكرير الدعاء وصدق التوجُّه إلى الله تعالى
стр. 107
بكشف الضر، [ثم إن لوليِّ الأمر إلزام الساحر بالدلالة على موضع السحر، وكذلك إلزامه بإزالة ما تسبّب به من ضرر؛ فإذا عُرف موضعه فإن هذا الشيء يُزال إما بحرق أو بإتلاف أو برمي في ماء جارٍ ونحو ذلك، فإذا عُرف واستخرج وأتلف بطل السحر، بإذن الله] (٢٠٦) .
تنبيه: لو نطق الجني المتلبِّس بالمريض، فدلَّ على المتسبِّب بالسحر أو أرشد إلى موضع السحر، فإن كلامه في ذلك ينبغي ألاّ يُغترَّ به وألاّ يُحمل على محمل الصدق ابتداءً؛ حيث إن
стр. 108
كثيرًا من الجن المتلبِّس ينطق بذلك تلاعبًا، قاصدًا بذلك إيقاع العداوة والبغضاء فيما بين الناس، وبخاصة الأقارب منهم، والله أعلم.
مسألة (٢٠٧) : هل استخرج النبيُّ ﷺ السحر الذي وضع له في بئر ذروان؟
إن المتتبع لروايات «حديث السحر» ، يجد اختلافاً ظاهرًا في نصوصها فيما يتعلق بهذا الاستخراج، فقد ثبت ذلك في بعض الروايات، وانتفى حصولُه في بعضها! ولا يلزم من ذلك تناقض كما قد يُتوهم، فإن أهل الحديث أمكنهم الجمع بينها بطرق، منها: أن الاستخراج حصل
стр. 109
فعلاً حتى رآه النبيُّ ﷺ وعَلِم أنه على صفته التي أُرِيها في منامه، وأن الاستخراج المنفيَّ الذي كرهه رسول الله ﷺ هو: استخراجه ثم إظهاره للناس حتى يعاينوه (٢٠٨) فيتسبَّب ذلك بإحداث فتنة وشر عظيم، ويُهراق بسببه دم كثير، ومعلوم أن إظهاره للناس - على ما فيه من مصلحة كشف الساحر، والحذر منه ومن قومه - إلا أن النبيَّ ﷺ كره ذلك درءًا للمفسدة المتوقعة من كشفه، حتى إنه ﷺ لم يذكر ذلك الأمر لِلَبِيدٍ الساحرِ، ولا أَشْعره بأثر غضبٍ في وجهه قَطّ. وكل ذلك كان مردُّه إلى بالغ حكمة النبيِّ ﷺ .
стр. 110
ثم إن الرواية التي أثبتت الاستخراج قد رجَّحها أهل الحديث - من جهة اختصاصهم - على تلك التي نفت ذلك، لأمور، منها:
مزيد ضبط الراوي لها - وهو سفيان ابن عيينة - ورسوخ قدمه في إتقان جملة الرواية وتأديته لها، فضلاً عن أنه كرر ذكر ذلك الاستخراج في روايته (٢٠٩) ، فيَبْعُد بذلك حصولُ وَهْمٍ في تأدية الرواية، ومن وجوه الجمع عند أهل الحديث أيضًا: أن سؤال أمِّ المؤمنين عائشة ﵂ عن الاستخراج - في الروايات التي نفت ذلك - كان قبل حصول ذلك الاستخراج، أو أنه كان