ونؤمن بالملائكة والنبيين:
ــ
لموسى ﵊ على غيره من النبيين في هذه الخصلة، ولا يلزم إذا كان عند نبي من الأنبياء ميزة خاصة أن يكون أفضل من غيره على الإطلاق، بل هو أفضل من غيره من الأنبياء في هذه الخصلة.
هذا من أركان الإيمان، التي أولها: الإيمان بالله، وثانياً: الإيمان بالملائكة، وهم عالم من عالم الغيب لا يعلمه إلا الله ، خلقهم الله تعالى من النور؛ لعبادته وتنفيذ أوامره في مخلوقاته، أوكل إليهم أعمالاً يقومون بها وينفذونها في مخلوقاته، منهم الموكل بالوحي، ومنهم الموكل بالقطر والنبات، ومنهم الموكل بقبض الأرواح، ومنهم الموكل بالنفخ في الصور، ومنهم الموكل بحفظ أعمال بني آدم، ومنهم الموكل بالجبال، ومنهم الموكل بالأجنّة في بطون الحوامل، كما في حديث ابن مسعود (ثم يرسل إليه الملك فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد) (١) .
فهم موكلون بأعمال يقومون بها كما أمر الله تعالى بها: (لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون) [الأنبياء: ٢٧] ، (يسبحون الليل والنهار لا يفترون) [الأنبياء: ٢٠] .
فهم يعبدون الله عبادة متواصلة ومع ذلك يقومون بما أوكل إليهم
стр. 107
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من تنفيذ الأوامر في المخلوقات ولهم مهام عظيمة، وخلقتهم لا يعلمها إلا الله (١) ، تختلف عن خلقة بني آدم (جاعل الملائكة رسلاً أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع) [فاطر: ١] ولبعضهم أكثر من ذلك (يزيد في الخلق ما يشاء) [فاطر: ١] فجبريل ﵇ له ستمائة جناح، كل جناح منها سد الأفق، فلا يعلم خلقتها ولا كيفيتها إلا الله. أما البشر فلا يستطيعون رؤية الملك على صورته، وإنما يأتي الملك في صورة إنسان كما كان جبريل يأتي إلى النبي ﷺ في صورة إنسان، ويجلس إليه ويكلمه، ولم يره النبي ﷺ على صورته الملكية إلا مرتين، مرة وهو في بطحاء مكة رآه في الأفق، ومرة عند سدرة المنتهى في ليلة الإسراء والمعراج، وما عدا هاتين المرتين فإن جبريل يأتي النبي ﷺ في صورة إنسان، وكثيراً ما يأتي في صورة دحية الكلبي ﵁.
وقوله: (والنبيين) النبيين جمع نبي وهو من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، والرسول: من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه ويجب الإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين ومن آمن ببعضهم وكفر
стр. 108
والكتب المنزلة على المرسلين ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين:
ــ
ببعضهم فهو كافر بالجميع (لا نفرق بين أحد من رسله)
من أصول الإيمان وأركانه: الإيمان بالكتب التي أنزلها الله على الرسل لهداية الخلق؛ فالله تعالى أنزل الكتب على الرسل من كلامه ووحيه وتشريعه، أنزلها على الرسل ليبلغوها إلى أممهم، فيها الأوامر وفيها النواهي، وفيها شرع الله جل وعلا.
منها ما سماه الله في القرآن ومنها ما لم يسمه، ونحن نؤمن بجميع الكتب، ما سماه لنا وما لم يسمه، كالتوراة التي أنزلها على موسى، والإنجيل الذي أنزله على عيسى، والقرآن الذي أنزله على محمد ﷺ ، والزبور الذي أنزله على داود (وآتينا داود زبورا) [النساء: ١٦٣] وصحف إبراهيم ﵊، فنؤمن بها كلها وأنها في مصلحة الخلق وهداية الخلق وإقامة الحجة، فمن آمن ببعض الكتب وكفر ببعضها فهو كافر بالجميع؛ لأنها كلها من كلام الله فلا يجوز الإيمان ببعضها والكفر بالبعض الآخر، قال تعالى: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا) [البقرة: ٨٥] .
وكذلك الكتاب الواحد يجب الإيمان به كله والعمل به كله، فلا نأخذ ما يوافق شهواتنا وندع ما يخالفها.
فمن جحد كتاباً من كتب الله، أو بعضاً من الكتاب، أو كلمة من الكتاب، أو حرفاً من الكتاب، فهو كافر بالله .
стр. 109
ونسمّي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين:
ــ
هذا من العقيدة، أنه من نطق بالشهادتين واستقام عليهما فإنه مسلم، ولو صدر منه بعض المعاصي، ولو كانت من الكبائر، وما دامت المعاصي دون الشرك، ولكن يكون مسلماً ناقص الإسلام وناقص الإيمان وفاسقاً، ولكنه لا يُحكم بكفره إن كانت معاصيه دون الشرك، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة، لا يُكفِّرون بالمعاصي التي هي دون الشرك، ولكن ينقص بها الإيمان، وصاحبها يفسق بها الفسق الأصغر الذي لا يخرج من الملة. خلافاً للخوارج الذين يُكفّرون بالكبائر ويخرجون بها من الملة، ويخلدون صاحبها في النار. وخلافاً للمعتزلة الذين يُخرِجون صاحب الكبيرة من الإسلام، ولكن لا يدخلونه في الكفر، ويقولون: هو في منزلة بين المنزلتين، ولكن لو ماتوا على الكبيرة فالمعتزلة مثل الخوارج في الحكم عليهم، وخلاف عقيدة المرجئة الذين يقولون: إنه لا يضر مع الإيمان معصية، من صدق بالله فإنه يكون مؤمناً، وإن فعل ما فعل، ولو ترك جميع أركان الإسلام عندهم لا يكون كافراً، المهم التصديق والاعتقاد، أما الأعمال فلا تزيد في الإيمان ولا تنقصه وليست منه، فهو مؤمن تام الإيمان ما دام مصدقاً.
стр. 110
ما داموا بما جاء به النبي ﷺ معترفين، وله بكل ما قاله وأخبر مصدّقين:
ــ
هذا مذهب المرجئة، وهو مذهب ضال.
فهم مع الخوارج على طرفي نقيض؛ قوم تشددوا، وهم الخوارج، وقوم ذابوا وماعوا وقالوا: إن هذه المعاصي لا تضر، وهم المرجئة، وأما أهل السنة والجماعة فتوسطوا، ومذهبهم مأخوذ من الكتاب والسنة، وهو العدل، وفيه الجمع بين الأدلة. أما الخوارج والمعتزلة فأخذوا نصوص الوعيد وتركوا نصوص الوعد، وأما المرجئة فأخذوا بنصوص الوعد وتركوا نصوص الوعيد، لكن أهل السنة والجماعة أخذوا بنصوص الوعد وبنصوص الوعيد، وجمعوا بينها، وهذا الحق (والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا) [آل عمران: ٧] فيردون هذا إلى هذا، ولا يأخذون بطرف ويتركون الطرف الآخر كما هو مذهب أهل الزيغ (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه) [آل عمران: ٧] يأخذون بالمتشابه ويتركون المحكم الذي يفسر المتشابه.
وقول المصنف: (مسلمين مؤمنين) ليس على إطلاقه؛ لأنهم قد يكونون ناقصين في الإسلام والإيمان، ومتوعدين من الله .
أما لو جحدوا شيئاً مما جاء به النبي صلى لله عليه وسلم ولم يعترفوا، صاروا
стр. 111
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كفاراً، ولو آمنوا ببعض ما جاء به، فإن جحدوا بعضه فهم كافرون بجميع ما جاء به، فالواجب الإيمان به كله، سواء وافق أهواءنا أو خالفها؛ لأنه حق.
أما من كذب ببعض الأحاديث الصحيحة فهو كافر، فلو رد حديثاً في البخاري، والحديث صحيح، وقال: أنا لا أومن بهذا الحديث ولا أصدقه؛ لأنه يخالف العلم الحديث، فسبحان الله! كلام النبي ﷺ يُتهم، وكلام البشر لا يتهم؟ أيضاً العلم الحديث قد لا يخالف الأحاديث الصحيحة، والحمد لله، فمثلاً ورد في حديث الذباب الذي ينكره هؤلاء أن في أحد جناحيه داءً وفي الآخر دواءً، والطب يقر بهذا أن السم يعالج بضده، وبما يناقضه، والذباب فيه النقيضان، فإنه إذا وقع في الماء فإنه يرفع الجناح الذي فيه الدواء، ويغمس الجناح الذي فيه السم، فالنبي ﷺ أمر بغمسه بجناحه الذي فيه الدواء (١) ، فيغالب السم، فهذا يقره الطب ولا يرده، ولكنه لما خالف أذواق هؤلاء الجهال صاروا يتكلمون بهذا الكلام، وهذا كفر والعياذ بالله، ولهم مقالات شنيعة نحو السنة، يردونها ويشككون
стр. 112
ولا نخوض في الله، ولا نماري في دين الله:
ــ
فيها، ويقولون إن النبي ﷺ قال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" (١) ، يقولون هذا وهم يدعون أنهم دعاة للإسلام، وهذا موقفهم من سنة النبي ﷺ ، فهؤلاء الجهال يقولون: هذه من أمور الدنيا، والنبي ﵊ يقول: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" فمعناه: أنهم يُجهِّلون النبي ﷺ .
وقوله: (معترفين) (مصدقين) لا يكفي الاعتراف والتصديق إلا على مذهب المرجئة، بل لابد مع ذلك من العمل بما جاء به، ولابد من الإخلاص في ذلك.
لا نخوض في الله، بل نؤمن به وبصفاته وأسمائه، ولا نؤولها ونصرفها عن ظاهرها، ونأتي بمعانٍ ما أرادها الله ولا أرادها النبي ﷺ ، اتباعاً لأهوائنا وعقولنا القاصرة، وهذا كفر بالله .
وكذلك في دين الله لا نماري -أي نجادل- ونقول: هذا نؤمن به وهذا نتوقف في الإيمان به، فما دام ثبت في الكتاب والسنة فليس فيه مجال للخوض، بل نؤمن به ونُسَلّم، وإن كان في عقولنا ما لا يدرك هذا الشيء، فعقولنا قاصرة، ولو كانت كاملة لما احتاجت إلى النبي ﷺ ، ولما احتاجت البشرية إلى الرسل، فدل على أن العقول
стр. 113
ولا نجادل في القرآن، ونشهد أنه كلام رب العالمين:
ــ
قاصرة، وأنه لابد من إرسال الرسل؛ لإحقاق الحق وإبطال الباطل.
قوله: (لا نجادل في القرآن) يشمل عدم القول بأنه ليس من عند الله، كما يقوله الكفار، ويقولون: هو من عند محمد ﷺ .
وكذلك الجدال في تفسير معاني القرآن، فلا نفسر القرآن من عند أنفسنا، فالقرآن لا يفسر إلا بما جاء في كتاب الله أو ما جاء في سنة رسول الله ﷺ ، أو ما قاله الصحابة أو ما قاله التابعون، أو ما اقتضته اللغة العربية التي نزل بها.
فلا نقول فيه بعقولنا القاصرة، إنما يفسره الله سبحانه الذي نزله، أو النبي ﵊ الذي وُكل إليه بيانه، أو الصحابة الذين تتلمذوا على المصطفى ﵊، أو التابعون الذين رووا عن تلاميذ النبي ﷺ ، أو اللغة التي نزل بها؛ لأنه نزل بلسان عربي مبين. أما تفسيره بما يقوله الطبيب الفلاني أو المفكر الفلاني أو الفلكي الفلاني، فالنظريات تختلف، فاليوم نظرية وغداً نظرية تبطلها؛ لأنها من عمل البشر، فلا يُفسَّر كلام الله بهذه الأشياء التي تتبدل وتتغير كما يفعله الجهال اليوم ويقولون: هذا من الإعجاز العلمي.
قوله: (ونشهد أنه كلام رب العالمين) نشهد أن القرآن كلام الله تكلم الله به حقيقة، وسمعه جبريل من الله، وبلغه إلى النبي ﷺ ،
стр. 114
نزل به الروح الأمين، فعلّمه سيد المرسلين محمداً صلى الله عليه وعلى آله وسلم:
ــ
وبلغه محمد ﵊ إلى أمته، وبلغته أمته كل جيل إلى الجيل الذي بعده، نحن نكتبه ونقرؤه ونحفظه، وهو بذلك كلام الله ما هو بكلامنا، ولا كلام النبي ﷺ ، ولا كلام جبريل ﵇.
الروح الأمين هو جبريل، وسمي بهذا لأنه مؤتمن لا يغير ولا يبدل؛ مؤتمن على ما حمله الله، لا يتهم بالخيانة كما تقوله اليهود يقولون: جبريل عدونا. أو كما يقوله غلاة الشيعة: إن الرسالة لعلي ولكن جبريل خان وبلغها إلى محمد ﷺ . فهذا تكذيب لله؛ لأن الله سماه أميناً.
فأنزل الله في اليهود: (من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقاً لما بين يديه) [البقرة: ٩٧] ، ثم قال: (من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين) [البقرة: ٩٨] .
من عادى جبريل، أو ملكاً من الملائكة، فإن الله عدوه وكذا من عادى رسولاً من الرسل، فهو كافر، ومن عادى ولياً من أولياء الله فإنه مبارز الله بالمحاربة، كما صح في الحديث (١) ، فجبريل علّمه
стр. 115
وهو كلام الله تعالى لا يساويه شيء من كلام المخلوقين:
ــ
للنبي ﷺ ، قال تعالى: (علمه شديد القوى) [النجم: ٥] وضمير المفعول في (علمه) راجع إلى النبي ﷺ ، وشديد القوى: جبريل ﵊، فعلّم النبي ﷺ بأمر الله.
هو كلام الله، تكلم به سبحانه حقيقة، وسمعه جبريل من الله حقيقة، وبلغه إلى النبي ﷺ من غير زيادة ولا نقصان (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) [فصلت: ٤٢] ، (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلاً*ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً*إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً) [الإسراء: ٧٣، ٧٥] فالرسول يبلغ القرآن، لا ينقص ولا يزيد ولا يبدل (ولو تقول علينا بعض الأقاويل*لأخذنا منه باليمين*ثم لقطعنا منه الوتين) [الحاقة: ٤٤، ٤٦] .
وهو كلام الله، كما نزل، فالله حفظه من الزيادة والنقص: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) [الحجر: ٩]
стр. 116
ولا نقول بخلقه، ولا نخالف جماعة المسلمين:
ــ
لا نقول: القرآن مخلوق، كما تقول الجهمية، فهذا كفر وجحود لكلام الله، ووصف لله بالنقص وأنه لا يتكلم، والذي لا يتكلم يكون ناقصاً ولا يكون إلهاً.
ولهذا لما قال قوم السامري: هذا إلهكم وإله موسى، يعنون العجل أو التمثال، قال الله جل وعلا: (أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولاً ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً) [طه: ٨٩] فقال: (ألا يرجع إليهم قولاً) أي: لا يتكلم، فدل على بطلان عبادتهم له.
وفي الآية الأخرى: (ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً) [الأعراف: ١٤٨] والكلام صفة كمال، وعدم الكلام صفة نقص، فالله منزه عن صفات النقص، ومتصف بصفات الكمال.
(ولا نخالف جماعة المسلمين) فجماعة المسلمين يؤمنون بأنه منزل حقيقة غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، هذه عقيدة المسلمين في القرآن.
وكذلك لا نخالف جماعة المسلمين في كل ما اجتمعوا عليه من أمور الدين. قال تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً) .
(من الله بدأ) وليس كما يقول بعض الضلال: إن جبريل أخذه من اللوح المحفوظ، بل سمعه من الله مباشرة، (وإليه يعود) أي:
стр. 117
ولا نكفَّر أحداً من أهل القبلة بذنب، ما لم يستحله:
ــ
في آخر الزمان، يرفع القرآن إلى الله ، وهذا من علامات الساعة، فيُنزع القرآن من المصاحف وصدور الرجال، فلا يبقى في الأرض.
(ولا نكفّر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله) هذا كما سبق أن الذنب إذا لم يكن كفراً أو شركاً مخرجاً من الملة، فإننا لا نُكَفّر به المسلم، بل نعتقد أنه مؤمن ناقص الإيمان، معرض للوعيد وتحت المشيئة. هذه عقيدة المسلم، ما لم يستحله، فإذا استحل ما حرم الله فإنه يكفر، كما لو استحل الربا أو الخمر أو الميتة أولحم الخنزير أو الزنا، إذا استحل ما حرم الله كفر بالله، وكذلك العكس: لو حرم ما أحل الله كفر: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم) [التوبة: ٣١] وجاء تفسير الآية بأنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم (١) .
أما لو فعل الذنب وهو لم يستحله بل يعترف أنه حرام فهذا لا يكفر ولو كان الذنب كبيرة دون الشرك والكفر لكنه يكون مؤمناً ناقص الإيمان أو فاسقاً بكبيرته مؤمن بإيمانه.
стр. 118
ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله:
ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته، ولا نأمن عليهم، ولا نشهد لهم بالجنة:
ــ
وقوله: (لا نكفر بذنب) ليس على إطلاقه، فتارك الصلاة متعمداً يكفر (١) ، كما دل على ذلك الكتاب والسنة.
كما تقوله المرجئة، يقولون: ما دام مصدقاً بقلبه فهو مؤمن كامل الإيمان، أما الأعمال فأمرها هيّن، فالذي لا يصلي ولا يصوم ولا يحج ولا يزكي ولا يعمل شيئاً من أعمال الطاعة، يقولون: هو مؤمن بمجرد ما في قلبه! وهذا من أعظم الضلال.
فالرد عليهم أن الذنوب تضر على كل حال، منها ما يزيل الإيمان بالكلية، ومنها ما لا يزيله بالكلية بل ينقصه وصاحبها معرض للوعيد المرتب عليها.
هذا بحث للشهادة لمعين أنه من أهل الجنة، أو أنه من أهل النار، نحن لا نشهد لأحد بجنة أو نار إلا بدليل، إلا من شهد له المصطفى ﵊ أنه من أهل الجنة، شهدنا له بذلك، ومن شهد له النبي ﷺ بالنار شهدنا له بذلك، هذا بالنسبة إلى
стр. 119
ونستغفر لمسيئهم، ونخاف عليهم، ولا نُقَنِّطُهُم:
والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام:
ــ
المعينين، أما بالنسبة إلى العموم فنعتقد أن الكافرين في النار، وأن المؤمنين في الجنة.
أما على وجه الخصوص فلا نحكم لأحد إلا بالدليل، لكن نرجو للمحسن ونخاف على المسيء. هذه عقيدة المسلمين.
نستغفر للمسيء؛ لأنه أخونا، وندعو له بالتوبة والتوفيق؛ وإن كان مذنباً، وهذا حق الإيمان علينا (واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) [محمد: ١٩] .
ولا نُقنّطُ المذنب من رحمة الله كما تقوله الخوارج والمعتزلة، لا نقنطه من رحمة الله، بل هو معرض للوعيد وتحت المشيئة، وإن تاب تاب الله عليه : (إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون) [يوسف: ٨٧] (ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون) [الحجر: ٥٦] (ياعبادي الذي أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله) [الزمر: ٥٣] .
والوعيدية الذين هم الخوارج ومن سار في ركابهم، هم الذين يُقنّطون الناس من رحمة الله، ويخرجونهم من الملة بذنوبهم، وإن كانت دون الشرك.
من أصول العقيدة الإسلامية: الخوف والرجاء، وهما من أعظم أصول العقيدة، والخوف والرجاء لابد من الجمع بينهما، لا
стр. 120
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يكفي الاقتصار على واحد منهما فقط، كما قال تعالى في وصف أنبيائه: (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً) [الأنبياء: ٩٠] .
رغباً: هذا هو الرجاء، ورهباً: هذا هو الخوف، وقال : (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذوراً) [الإسراء: ٥٧] فهم يجمعون بين الخوف والرجاء.
وقال جل وعلا: (أمن هو قانت ءانآء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه) [الزمر: ٩] . ولابد معهما من المحبة لله، فلابد من هذه الأمور الثلاثة: المحبة لله، والخوف منه ، والرجاء لفضله.
فمن اقتصر على المحبة فقط فهو صوفي، فالصوفية يعبدون الله بالمحبة، ولا يخافون ولا يرجون، يقول قائلهم؛ أنا لا أعبده طمعاً في جنته، ولا خوفاً من ناره، وإنما أعبده للمحبة فقط، وهذا ضلال والعياذ بالله.
ومن عبد الله بالخوف فقط فهو من الخوارج؛ لأن الخوارج أخذوا جانب الخوف والوعيد فقط، فكفروا بالمعاصي.
ومن عبد الله بالرجاء فقط فهو من المرجئة، الذين أخذوا
стр. 121
وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة:
ــ
جانب الرجاء فقط، وتركوا جانب الخوف.
أما أهل التوحيد فيعبدون الله بجميع الثلاث: بالحب والخوف والرجاء، ثم إن الخوف لا يكون معه قنوط، فإن كان معه قنوط من رحمة الله صار كفراً (إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون) [يوسف: ٨٧] قال الخليل ﵊: (ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون) [الحجر: ٥٦] .
وكذلك الرجاء لا يكون رجاء مع الأمن من مكر الله وعدم الخوف، وهذا مذهب المرجئة، وهو مذهب ضال (أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون) [الأعراف: ٩٩] فالرجاء فقط كفر، والخوف دون الرجاء كفر، ولذلك قال المصنف: ينقلان عن ملة الإسلام.
لذا يقول بعض السلف: يجب على العبد أن يكون بين الخوف والرجاء؛ يعني: يسوي بينهما، كجناحي الطائر، وجناحا الطائر معتدلان، لو اختل واحد منهما سقط، فكذلك العبد بين الخوف والرجاء كجناحي الطائر.
(الحق بينهما) أي: الخوف والرجاء (لأهل القبلة) أي: المسلمين، سُمُّوا أهل القبلة؛ لأنهم يصلون إلى الكعبة، أما من لا يصلي إلى الكعبة فليس من المسلمين لأن الله أمر بالتوجه إلى
стр. 122
ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه:
ــ
الكعبة، فالواجب اتباع أمره سبحانه حينما نسخ الاستقبال لبيت المقدس، فالمؤمن يدور مع الأوامر؛ لأنه عبد لله (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه) [البقرة: ١٤٣] .
هذا الكلام فيه مؤاخذة؛ لأن قصر الكفر على الجحود مذهب المرجئة، ونواقض الإسلام كثيرة منها: الجحود، ومنها: الشرك بالله ، ومنها: الاستهزاء بالدين أو بشيء منه ولو لم يجحد، وهي نواقض كثيرة ذكرها العلماء والفقهاء في أبواب الردة، ومنها: تحليل الحرام وتحريم الحلال.
وذكر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب منها عشرة، وهي أهمها، وإلا فالنواقض كثيرة. فقصرُ نواقض الإسلام على الجحود فقط غلط. وبعض الكتّاب المتعالمين اليوم يحاولون إظهار هذا المذهب من أجل أن يصير الناس في سعة من الدين، ما دام أنه لم يجحد فهو عندهم مسلم، إذا سجد للصنم وقال: أنا ما جحدت، وأنا معترف بالتوحيد، إنما هو ذنب من الذنوب. أو ذبح لغير الله أو سب الله أو سب الرسول أو سب الدين، يقولون: هذا مسلم لأنه؛ لم يجحد، وهذا غلط كبير، وهذا يضيع الدين تماماً، فلا يبقى دين فالواجب الحذر من هذا الخطر العظيم.
стр. 123
والإيمان: هو الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان:
ــ
هذا تعريف المرجئة، قصروا الإيمان على الإقرار باللسان والتصديق بالجنان.
فالقول الحق: أن الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، فالأعمال داخلة في حقيقة الإيمان، وليست بشيء زائد عن الإيمان، فمن اقتصر على القول باللسان والتصديق بالقلب دون العمل، فليس من أهل الإيمان الصحيح.
فالإيمان -كما قال العلماء-: قول باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان.
قال تعالى: (وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون) [الأنفال: ٢] وقال: (فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً) [التوبة: ١٢٤] وقال: (ويزداد الذين آمنوا إيماناً) [المدثر: ٣١] هذه الآيات تدل على زيادة الإيمان والنقص، كما في قوله ﵊: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" (١) فدل على أن الإيمان ينقص.
стр. 124
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفي رواية: "وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" (١) دل على أن الإيمان ينقص، حتى يكون على وزن حبة خردل.
وكما في الحديث الصحيح: "أخرجوا من النار من كان في قلبه أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان" (٢) .
فالإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالأركان يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، هذا تعريفه الصحيح المأخوذ من الكتاب والسنة.
فليس كما تقوله الحنفية: قول باللسان واعتقاد بالجنان فقط.
وليس كما تقوله الكرامية: قول باللسان فقط.
وليس كما تقوله الأشاعرة: اعتقاد القلب فقط.
وليس كما تقوله الجهمية: هو المعرفة بالقلب فقط.
فالمرجئة أربع طوائف، أبعدها الجهمية، وعلى قولهم يكون فرعون مؤمناً؛ لأنه عارف، وإبليس يكون مؤمناً؛ لأنه عارف بقلبه.
وعلى قول الأشاعرة: إنه التصديق بالقلب، يكون أبو لهب وأبو طالب وأبو جهل وسائر المشركين يكونون مؤمنين؛ لأنهم
стр. 125
وجميع ما صح عن رسول الله ﷺ من الشرع والبيان كله حق:
ــ
موقنون بقلوبهم ومصدقون، يصدقون النبي ﷺ في قلوبهم، ولكن منعهم الكبر والحسد من اتباعه ﷺ .
واليهود يعترفون أنه رسول الله ﷺ في قلوبهم، ولكن الحسد والكبر: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم) [البقرة: ١٤٦] ، وقال في المشركين: (قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) [الأنعام: ٣٣] ، فمعنى (لا يكذبونك) أي أنهم يصدقونك.
وأبو طالب يقول:
ولقد علمت أن دين محمد *** من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذار مسبةٍ *** لرأيتني سمحاً بذاك مبينا
هذا كلام طيب، كل ما صح عن رسول الله ﷺ فهو حق، بخلاف من يقولون: إن ما ورد عن رسول الله ﷺ ينقسم إلى متواتر وآحاد، فلا يأخذون إلا بالمتواتر، ويقولون: أحاديث الآحاد تفيد العلم، ولا تفيد اليقين، ولا يستدل بها في العقيدة، وهذا باطل، فكل ما صح عن النبي ﷺ -متواتراً أو آحاداً، فإنه يفيد العلم،
стр. 126
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وتبنى عليه العقيدة؛ لأنه صح عن الرسول ﷺ ، وقال تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه...) [الحشر: ٧] .
فإذا صح عن النبي ﷺ حديث عمل به في كل شيء، بشرط أن يكون قد صح عن النبي ﷺ ، فهناك طوائف الآن يشككون في السنة؛ منهم من يقول: لا يجوز العمل بالسنة مطلقاً، ويكفي العمل بالقرآن فقط (١) ، وهناك من يقول: يؤخذ من السنة المتواتر فقط، وكلا الطائفتين ضال.
فالواجب على المسلم أن يعتقد أن كل ما صح عن النبي ﷺ
стр. 127
والإيمان واحد. وأهله فيه سواء:
ــ
فهو حق، والرسول ﷺ عمل بخبر الواحد في وقائع كثيرة؛ رؤية الهلال؛ جاءه ابن عمر وأخبره بأنه رأى الهلال فأمر الناس بالصيام، وجاءه أعرابي وأخبره أنه رأى الهلال فقال له: "أتشهد أن لا إله إلا الله؟ أتشهد أن محمداً رسول الله؟ " قال: نعم، فأمر النبي ﷺ الناس بالصيام (١) ، وهو خبر واحد.
كان الرسول ﷺ يرسل رسله آحاداً، وما كان يرسل جماعات، والمرسل إليهم يعملون بما بلغهم المندوب عن الرسول ﷺ .
هذا غلط؛ لأن الإيمان ليس واحداً، وليس أهله سواء، بل الإيمان يتفاضل، ويزيد وينقص، إلا عند المرجئة.
والتصديق بالقلب ليس الناس فيه سواءً، فليس إيمان أبي بكر الصديق كإيمان الفاسق من المسلمين؛ لأن الفاسق من المسلمين إيمانه ضعيف جداً، وإيمان أبي بكر الصديق يعدل إيمان الأمة
стр. 128
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كلها (١) ، فليس الناس في أصله سواءً. هذا من ناحية أصله.
كذلك من ناحية العمل، الناس يتفاضلون في العمل، منهم كما قال الله : (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه) [فاطر: ٣٢] هذا العاصي الذي معصيته دون الشرك، فإنه ظالم لنفسه؛ لأنه معرض نفس للخطر (ومنهم مقتصد) وهو الذي يعمل الواجبات ويتجنب المحرمات.
(ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله) [فاطر: ٣٢] وهذا هو الذي يعمل الواجبات والمستحبات، ويترك المحرمات والمكروهات وبعض المباحات من باب الاحتياط. فالأمة ليست سواء، فصارت
стр. 129
والتفاضل بينهم بالخشية والتقى، ومخالفة الهوى، وملازمة الأولى:
والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن، وأكرمهم عند الله أطوعهم وأتبعهم للقرآن:
ــ
ثلاث طوائف، فمنها الظالم لنفسه، ومنها المقتصد، ومنها السابق بالخيرات، فدل على أن الإيمان متفاضل.
هذا لا يكفي لأن معناه إخراج الأعمال عن مسمى الإيمان، وأنه إذا صدق بقلبه ونطق بلسانه فهو مؤمن كامل الإيمان، والناس لا يتفاضلون في ذلك. وهذا خطأ كبير؛ لأن التفاضل يحصل بما ذكره وبالأعمال الصالحة.
هذا حق، فالمؤمنون كلهم أولياء الله، يعني: أحبابه، فالله يحب المؤمنين ويحب المتقين ويحب المحسنين ويحب التوابين ويحب المتطهرين، كما أنه يبغض الكافرين ويبغض الفاسقين، فالله يحب ويبغض على الأعمال.
فكل مؤمن يكون ولياً لله، وتتفاضل الولاية، بعضهم أفضل من بعض، قال جل وعلا: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون* الذين آمنوا وكانوا يتقون) [يونس: ٦٢، ٦٣] فمن الناس من ولايته مع الله تامة، ومنهم من ولايته مع الله ناقصة، ومنهم من هو عدو لله بعيد عن الله .
فكل من فيه إيمان وتقوى فهو ولي الله، ولكن الولاية تتفاضل
стр. 130
والإيمان: هو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله،
ــ
بحسب الأعمال، فمنهم من ولايته كاملة، ومنهم من هو ولي من وجه، وهو المؤمن الفاسق، ولي لله بطاعته، عدو لله بمعصيته ومخالفته.
ومنهم من هو عدو خالص كالكافر والمشرك.
هذا هو الحق، أما من يرى أنه ليس لله ولي إلا من بُنيَ على قبره مشهد أو ضريح، والذي ليس عليه ضريح هذا فليس بولي؟ كما عند القبوريين! فهذا باطل.
تعريف الإيمان هو كما سبق: قول باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان (١) ، وأما ما ذكره المصنف هنا فهي أركانه كما بينها النبي ﷺ لما سأله جبريل "قال: أخبرني عن الإيمان، قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره" (٢) .
стр. 131
واليوم الآخر، والقدر: خيره وشره، وحلوه ومره، من الله تعالى:
ونحن مؤمنون بذلك كله:
لا نفرق بين أحد من رسله، ونصدقهم كلهم على ما جاءوا به:
ــ
وله خصال كثيرة، كما في قوله ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون شعبة -أو بضع وستون شعبة- أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" (١) لكن هذه الستة هي الأركان والدعائم التي يقوم عليها.
وتقدم الكلام عن الإيمان بالله، والإيمان بالملائكة، والإيمان بالرسل، والإيمان بالكتب، تقدم كل هذا، ولكنه متفرق في أول هذه العقيدة.
يجب الإيمان بهذا كله، فإن جحد شيئاً من هذه الأركان فإنه ليس بمؤمن؛ لأنه نقص ركناً من أركان الإيمان.
هذا سبق، أنه يجب الإيمان بجميع الرسل من أولهم إلى آخرهم، من سمى الله منهم في القرآن ولم يسمَّ؛ فنؤمن بجميع الرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده، فمن آمن ببعضهم وكفر ببعض فهو كافر بالجميع؛ لو جحد نبياً واحداً فإنه يكون كافراً بجميع الأنبياء (إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين
стр. 132
وأهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم في النار لا يخلدون، إذا ماتوا وهم موحدون:
ــ
الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً* أولئك هم الكافرون حقاً) [النساء: ١٥٠، ١٥١] .
فاليهود كفار؛ لأنهم كفروا بنبيين كريمين، كفروا بعيسى ﵊، وكفروا بمحمد ﷺ ، والنصارى كفار؛ لأنهم جحدوا رسالة النبي محمد ﷺ ، فالذين يقولون اليوم: اليهود والنصارى مسلمون ومؤمنون، وأنهم أهل أديان، ويجب التقارب بين الأديان والحوار بين الأديان، هذا خلط وضلال والعياذ بالله، خلط بين الحق والباطل، والإيمان والكفر لأنه بعد بعثة محمد ﷺ ليس هناك دين صحيح إلا الإسلام (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) [آل عمران: ٨٥] .
فالإسلام نسخ كل ما قبله، وأمر الإنس والجن واليهود والنصارى والأميين وجميع العرب والعجم، أمروا باتباع المصطفى ﷺ ، فلا إيمان إلا باتباع هذا الرسول ﷺ .
الكبائر هي الذنوب التي دون الشرك وفوق الصغائر، وضابط الكبيرة هو: كل ذنب رُتب عليه حد، أو ختم بغضب أو لعنة أو نار، أو تبرى الرسول ﷺ من فاعله، فإن هذا كبيرة، كقوله: "من
стр. 133
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غشنا فليس منا" (١) ، "من حمل علينا السلاح فليس منا" (٢) .
كل هذه الاعتبارات تدل على أن الذنب كبيرة، ولكنها دون الشرك، فصاحبها لا يخرج من الإيمان، وإنما يكون مؤمناً ناقص الإيمان، أو يسمى فاسقاً، هذا مذهب أهل السنة والجماعة، لا يكفرون بالكبائر التي دون الشرك، ولكن لا يمنحون صاحبها اسم الإيمان المطلق، ولكن يمنحونه إيماناً مقيداً؛ فيقال: مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته.
فلا يقال: هو مؤمن كامل الإيمان، كما تقوله المرجئة، ولا يقال: هو خارج من الإسلام، كما تقوله الخوارج والمعتزلة.
إذاً: فالناس في صاحب الكبيرة التي هي دون الشرك ثلاث طوائف:
الخوارج والمعتزلة: أخرجوه من الإسلام، لكن الخوارج أدخلوه في الكفر، والمعتزلة لم يدخلوه، وقالوا: هو في منزلة بين المنزلتين، ولكنهم أخرجوه من الإسلام.
المرجئة قالوا: هو مؤمن كامل الإيمان، طالما أنه يعتقد في قلبه الإيمان عند جمهورهم وينطق بلسانه عند بعضهم، فإنه مؤمن
стр. 134
وإن لم يكونوا تائبين، بعد أن لقوا الله عارفين "مؤمنين" وهم في مشيئته وحكمه، إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله، كما ذكر عز
ــ
كامل الإيمان، ولا تنقص هذه المعاصي من إيمانه، وإن كانت كبائر، وهذا ضلال أيضاً.
أما القول الحق فهو مذهب أهل السنة والجماعة: أن صاحب الكبيرة دون الشرك مؤمن، وليس بكافر، لكنه ناقص الإيمان. فهذا يجب معرفته، ويجب أن ترسخه في عقلك، فأهل الشر زاد شرهم في هذا الوقت، وصاروا يظهرون مذهب الإرجاء ليروجوه على الناس، وليستروا على أنفسهم ما هم فيه من الضلال.
فهذا معرفته من أوجب الواجبات على طالب العلم اليوم.
نعم، هذا هو المذهب الحق: أن أصحاب الكبائر التي دون الشرك ليسوا كفاراً، وأنهم إذا لقوا الله ولم يتوبوا من هذه الكبائر فإنهم تحت المشيئة، إن شاء عذبهم بقدر ذنوبهم، ثم يخرجهم من النار ويدخلهم الجنة بتوحيدهم وإيمانهم، لا يخلدون في النار، والدليل على ذلك قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) [النساء: ٤٨] ، لكن قوله: (عارفين مؤمنين) فيه إجمال، فلو قال: (موحدين) كما قال أولاً لكان أحسن.
وإن شاء الله أمضى فيهم الوعيد، ولكنهم لا يخلدون في النار، هذا مذهب أهل السنة والجماعة، وهذا هو المذهب الحق، بخلاف الخوارج الذين يقولون: إنهم في النار على أي حال، وإنهم خالدون
стр. 135
وجل في كتابه: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) وإن شاء عذبهم في النار بعدله:
ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته:
ــ
فيها، فمن دخل النار عندهم لا يخرج منها. وخلاف المرجئة القائلين: إنهم لا يمرون على النار أبداً، فهذا غلط، بل لا نضمن لهم النجاة، فهم تحت المشيئة.
إن شاء عفا عنهم بفضله، وإن شاء عذبهم بعدله، وما ظلمهم الله ، بل عذبهم بأعمالهم التي أوجبت لهم ذلك، فالله لا يعذب من لم يعصه، ولا يساوي بين العاصي وبين المؤمن المستقيم، (أفنجعل المسلمين كالمجرمين*ما لكم كيف تحكمون) [القلم: ٣٥، ٣٦] (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار) [ص: ٢٨] .
هذا استنكار من الله ، (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواءً محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون) [الجاثية: ٢١] .
كما صحت بذلك الأخبار عن رسول الله ﷺ : أن عصاة الموحدين يخرجون من النار (١) ، إما بفضل الله تعالى، وإما بشفاعة
стр. 136
ثم يبعثهم إلى جنته:
وذلك بأن الله تعالى تولى أهل معرفته، ولم يجعلهم في
ــ
الشافعين بإذن الله تعالى، والشفاعة حق، ولكن لا تكون إلا بإذن الله، وأن يكون المشفوع فيه من أهل التوحيد، لا من الكافرين ولا من المشركين ولا من المنافقين.
بعد إخراجهم من النار، ورد أنهم يخرجون من النار كالفحم محترقين، ثم يلقون في نهر يسمى: نهر الحياة، فتنبت أجسامهم ولحومهم، ثم بعد ذلك إذا هُذبوا ونُقوا أُذن لهم في دخول الجنة، فيدخلون في الجنة (١) .
قال تعالى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات) [الجاثية: ٢١] ، وقوله تعالى: (أم نجعل المتقين كالفجار) [ص: ٢٨] إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على
стр. 137
الدارين كأهل نكرته، الذين خابوا من هدايته، ولم ينالوا من ولايته:
اللهم يا وليّ الإسلام وأهله، ثبتنا على الإسلام حتى نلقاك به:
ــ
أن الله لا يسوي بين أهل طاعته وأهل معصيته، ولا بين أهل الإيمان وأهل الكفر، بل يجازي كلاً بعمله. (ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته الذين خابوا من هدايته ولم ينالوا من ولايته) بل ميز بينهم سبحانه في الدنيا وفي الآخرة، ميز بين أهل الطاعة والمعصية، وبين أهل الكفر والإيمان، في الدنيا وفي الآخرة، ميز بينهم في الدنيا في صفاتهم وعلاماتهم وأفعالهم، فليست أفعال أولياء الله وأهل الطاعة مثل أفعال أعدائه ولا أقوالهم ولا تصرفاتهم، انظر إلى الناس الآن، وانظر إلى تصرفاتهم، انظر إلى تصرفات المتقين والمؤمنين، وانظر إلى تصرفات الفسقة والعاصين، وانظر إلى تصرفات الكفار والملحدين، هذا في الدنيا.
وفي الآخرة كذلك يميز الله بينهم، فهؤلاء يكرمهم بجنته، وهؤلاء يعذبهم بناره وعقوبته؛ لأنه سبحانه حكيم يضع الأمور في مواضعها، فلا يضع الرحمة إلا فيمن يستحقها، ولا يضع العذاب إلا فيمن يستحقه. لكن قوله: (أهل معرفته) فيه قصور وإيهام أن الإيمان هو مجرد المعرفة كما يقوله غلاة المرجئة فلو قال: (أهل طاعته) لكان أحسن وأوضح.
هذا من أجمل كلام المصنف يرحمه الله!
стр. 138
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إنه لما ذكر هذه المسائل العظيمة الخطيرة سأل الله التثبيت، ألا يضله الله مع أصحاب هذه الضلالات وأصحاب هذه المقالات الضالة، فهذا من الفقه والحكمة؛ أن الإنسان لا يغتر بعلمه، ويقول: أنا أعرف التوحيد وأعرف العقيدة، وليس عليّ خطر، هذا غرور بل عليه أن يخاف من سوء الخاتمة والضلال، يخاف أن ينخدع بأهل الضلال، كم من معتدل انحرف، خصوصاً إذا اشتدت الفتن، يصبح الرجل مسلماً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، ويبيع دينه بعرض من الدنيا، كما صح الحديث بذلك (١) .
الفتن إذا جاءت يسأل الإنسان الله الثبات (٢) ، ولا يقول: أنا لست
стр. 139
ونرى الصلاة خلف كل برٍّ وفاجرٍ من أهل القبلة، وعلى من مات منهم:
ــ
على خطر، أنا عارف وأنا أصلي، نعم، أنت عارف وتصلي والحمد لله، لكن عليك خطر وعليك أن تخاف، أنت أفضل أم إبراهيم ﵊؟ قال: (واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام) [إبراهيم: ٣٥] إبراهيم خاف على نفسه من عبادة الأصنام، مع أنه هو الذي كسّرها وحطّمها بيده، ولقي في ذلك العذاب والإهانة في سبيل الله ، ومع هذا يقول: (وأجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام) [إبرهيم: ٣٥] ولم يقل: أنا الآن نجوت، بل طلب من الله أن يجنبه وبنيه أن يعبدوا الأصنام، فالإنسان يخاف دائماً من ربه ، وكم من مهتد ضل، وكم من مستقيم انحرف، وكم من مؤمن كفر وارتد، وكم من ضال هداه الله، وكم من كافر أسلم، فالأمر بيد الله .
هذا فيه مسألتان:
الأولى: أن الصلاة عمل وإحسان، فإذا فعلها الناس خصوصاً ولاة الأمور، فإنهم عملوا معروفاً وإحساناً، وفي ترك الصلاة خلفهم فيه محظور عظيم، من شق العصا، وتفريق الكلمة، وسفك الدماء وهذا خطر عظيم، فيجب أن يُتلافى، قال ﵊: "صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله، وعلى من قال: لا إله
стр. 140
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلا الله" (١) ، هذا من حيث العموم، فكيف بولاة الأمور الذين في منابذتهم ومخالفتهم شق لعصا الطاعة، وتفريق الكلمة، وآثار سيئة على المسلمين؟
هذا مذهب أهل السنة والجماعة، يصلون الجمع والجماعات، ويجاهدون في سبيل الله مع كل أمير، براً كان أو فاجراً، ما لم يخرج عن الإسلام.
هذا أصل من أصول أهل السنة والجماعة، من عهد الصحابة إلى عهد الأئمة، وهو الذي عليه إجماع المسلمين من أهل السنة والجماعة.
المسألة الثانية: الصلاة على جنازة المسلم وإن كان فاسقاً، ما لم يخرج من الإسلام، فهو مسلم له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين، أما إذا خرج عن الإسلام فلا يصلى عليه؛ لأنه ليس بمسلم، وليس كل إنسان يَحكُمُ على الناس بالردة، إنما يحكم بذلك أهل العلم والبصيرة بالرجوع إلى قواعد أهل السنة والجماعة، أما كل أحد فلا يحكم بذلك، وإن كانت نيته طيبة ومقصده حسناً، إنما الحكم لأهل البصيرة والراسخين في العلم.
стр. 141
ولا ننزل أحداً منهم جنة ولا ناراً:
ــ
نحن لا نشهد لأحد، مهما بلغ من الصلاح والتقى، لا نشهد له بالجنة؛ لأننا لا نعلم الغيب، ولا نحكم لأحد من المسلمين بالنار مهما عمل من المعاصي، لا نحكم عليه بالنار؛ لأننا لا ندري بما ختم له وما مات عليه (١) ، وهذا في المعيّن.
فنحن ما لنا إلا الظاهر فقط، وكذلك لا يحكم لأحد بالنار، إلا من شهد له بذلك الرسول ﷺ ، سواء بجنة أو نار، مثل العشرة المبشرين بالجنة، وهم الخلفاء الراشدون الأربعة، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وأبو عبيدة عامر بن الجراح، وطلحة بن عبيد الله، ﵃ (٢) . وكذلك شهد رسول الله ﷺ لثابت بن
стр. 142
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قيس بن شماس الأنصاري، شهد له بالجنة، وكذلك رجل من الأنصار قال: "يدخل عليكم رجل من أهل الجنة" فدخل رجل تنطف لحيته من وضوئه، وبيده اليسرى نعلاه، ثم جلس في الحلقة، وفي اليوم الثاني والثالث قال ﵊ نفس المقالة، ودخل نفس الرجل، وهذا من باب التأكيد، وإلا فشهادة واحدة تكفي، وقد تابعه عبد الله بن عمرو ﵄ حتى يعلم عمله الذي بسببه بشر بالجنة، فلم يجد عنده كثير عبادة، وجده محافظاً على الفرائض، ويقوم من الليل، وكان إذا استيقظ من الليل ذكر الله وسبح وهلل، فلما أراد عبد الله أن يغادر قال للرجل: إني سمعت رسول الله ﵊ يقول كذا وكذا، فأردت أن أسبر عملك، فقال الرجل: ما هو إلا ما رأيت. فلما ولىّ دعاه وقال: إلا أنني لا أجد في قلبي غلاً على مسلم، قال: هذا، الذي لا نطيقه (١) .
الحاصل: أن النبي ﷺ إذا شهد لأحد بالجنة، فإننا نشهد له بالجنة، ونقطع له بالجنة، وأما غيره فلا نقطع له، ولكن نرجو له
стр. 143
ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق، ما لم يظهر منهم شيء من ذلك:
ــ
الخير. وكذلك الكافر المعين لا نحكم عليه بالنار؛ لأنه قد يتوب ويموت على التوبة، يختم له بخير، لكننا نخاف عليه، هذا من حيث التعيين.
أما من حيث العموم: فنقطع أن المسلمين في الجنة، ونقطع أن الكفار من أهل النار.
الأصل في المسلم: العدالة، وهذه قاعدة عظيمة فلا نسيء الظن فيه ولا نتجسس عليه، ولا نتتبعه، لكن إن ظهر لنا شيء حكمنا به عليه، وإن لم يظهر شيء فلا نسيء الظن بالمسلمين، فنعامله بما يظهر منه، ونحن لسنا مكلفين بالبحث عن الناس والتحري عنهم والحكم عليهم، لم يكلفنا الله بذلك (١) .
стр. 144
ونذر سرائرهم إلى الله تعالى:
ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد صلى الله عليه
ــ
نحسن الظن بهم، وسرائرهم إلى الله تعالى، ولم نكلف أن نبحث عن الناس وعن أحوالهم، والواجب ستر المسلم وإحسان الظن به، والتآخي بين المسلمين (١) (إنما المؤمنون إخوة) [الحجرات: ١٠] .
لا يجوز قتل المسلم، واستباحة دمه؛ لأن الله عصمه بالإسلام، قال ﵊: "أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله" (٢) فمن أظهر الإسلام ونطق بالشهادتين، ولم يظهر منه ناقض من نواقض الإسلام، فإن دمه حرام، فلا يجوز الاعتداء عليه وسفك دمه، قال ﵊: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة
стр. 145
وسلم إلا من وجب عليه السيف:
ــ
يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا" (١) قال هذا في خطبته بمنى يوم النحر.
هل هناك أشد من هذا؟ فحرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمة الكعبة؛ لأن النبي ﷺ لما نظر إلى الكعبة قال: "ما أشد حرمتك! وحرمة المسلم أعظم عند الله من حرمتك" أو كما قال ﵊ (٢) .
وجاء عنه ﵊: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" (٣) .
الأول: الثيب الزاني، هو المحصن الذي سبق أن وطأ زوجته في نكاح صحيح وهما عاقلان بالغان حران، فإذا زنى رُجم حتى الموت.
الثاني: المسلم إذا تعدّى على المسلم فقتله ظلماً وعدواناً، وطالب أولياء المقتول بالقصاص فيُقتل (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم