← Акыда

Акыда · id 21523

التعليقات المختصرة على متن العقيدة الطحاوية

صالح الفوزان

Полный текст (245 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأخبر ﵊ أنه يرده أقوامٌ ثم يذادون ويمنعون من الشرب منه، فيقول الرسول ﷺ : "يارب، أمتي، أمتي" فيقول الله : "إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك" فيقول ﵊: "سُحقاً وبُعداً لمن بدّل وغير" (١) ، ويمنع من وروده أهل البدع المضلة المخالفون لرسول الله ﷺ الذين كفروا وارتدوا على أعقابهم، تاركين السنة، وذاهبين بأهوائهم وآرائهم المذاهب المنحرفة، هؤلاء يمنعون من حوض النبي ﷺ ؛ لأنهم بدلوا وغيروا من هدي النبي ﷺ ، ولا يرده إلا من كان متبعاً لسنة رسول الله ﷺ قولاً وعملاً واعتقاداً، وبعض العلماء يرى أن الكوثر المذكور في قوله تعالى: (إنا أعطيناك الكوثر) [الكوثر: ١] هو الحوض، وبعض العلماء يرى أن معنى الكوثر: الخير الكثير، ولا شك أن الحوض يدخل في هذا الخير الكثير؛ لأنه خير لهذه الأمة (٢) ، فهذا

стр. 72

والشفاعة التي ادخرها لهم حق، كما رُوي في الأخبار: ــ هو حوض النبي ﷺ ، فيجب الإيمان به واعتقاده، وأن يتمسك الإنسان بالسنة، حتى يرد هذا الحوض، ولا يُردّ عنه يوم القيامة. الشفاعة أيضاً من مسائل العقيدة المهمة (١) ؛ لأنه قد ضل في إثباتها أناس، وغلا في إثباتها أناس، وتوسط فيها أناس. فالشفاعة يوم القيامة الناس فيها على ثلاثة أقسام: قوم غلوا في إثباتها حتى طلبوها من الأموات ومن القبور ومن الأصنام والأشجار والأحجار (ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله) [يونس: ١٨] ، (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) [الزمر: ٣] .

стр. 73

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وطائفة غلت في نفي الشفاعة كالمعتزلة والخوارج، فإنهم نفوا الشفاعة في أهل الكبائر، وخالفوا ما تواترت به الأدلة من الكتاب والسنة في إثبات الشفاعة. وأهل السنة والجماعة توسطوا فأثبتوا الشفاعة على الوجه الذي ذكره الله ورسوله، وآمنوا بها من غير إفراط ولا تفريط. والشفاعة في اللغة مأخوذة من الشفع، وهو ضد الوتر، فالوتر هو الفرد الواحد. والشفع هو أكثر من واحد، اثنين أو أربعة أو ستة، وهو ما يسمى بالعدد الزوجي. وشرعاً: الوساطة في قضاء الحاجات، وساطة بين من عنده الحاجة وصاحب الحاجة، وهي على قسمين: شفاعة عند الله، وشفاعة عند الخلق. فالشفاعة عند الخلق على قسمين: شفاعة حسنة، وهي الأمور الحسنة النافعة المباحة، تتوسط عند من عنده حاجات الناس من أجل أن يقضيها لهم، قال سبحانه: (من يشفع شفاعةً حسنة يكن له نصيب منها) [النساء: ٨٥] ، وقال ﵊: "اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان

стр. 74

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رسوله ما شاء" (١) . هذه شفاعة حسنة وفيها أجر؛ لأن فيها نفعاً للمسلمين في قضاء حاجاتهم وحصولهم على مطلوبهم الذي فيه نفع لهم، وليس فيها تعدّ على أحد أو ظلمٌ لأحد. والقسم الثاني: شفاعة سيئة، وهي التوسط في أمور محرمة، كالشفاعة في إسقاط الحدود إذا وجبت، وهذا يدخل فيمن لعنه النبي ﷺ في قوله: "لعن الله من آوى محدثاً" (٢) . والشفاعة أيضاً في أخذ حقوق الآخرين وإعطائها لغير مستحقها، قال تعالى: (ومن يشفع شفعة سيئة يكن له كفلٌ منها) [النساء: ٨٥] . أما الشفاعة عند الله فليست كالشفاعة عند المخلوق، فالشفاعة عند الخالق: أن يكرم الله جل وعلا بعض عباده في أن يدعو لأحد المسلمين المستحقين للعذاب بسبب كبيرة ارتكبها، فيشفع عنده الشافع في أن يعفو عنه ولا يعذبه؛ لأنه مؤمن موحد،

стр. 75

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فيشفع الشافع عند الله جل وعلا بأن يعفو عنه، أو فيمن دخل النار في معصية فيشفع الشافع عند الله في أن يخرج ويرفع عنه العذاب، وهي ما تسمى بالشفاعة في أهل الكبائر. لكن الشفاعة عند الله يشترط لها شرطان: الشرط الأول: أن تكون بإذن الله، فلا أحد يشفع عند الله إلا بإذن، فهو الذي يأذن للشافع أن يشفع، أما من قبل أن يأذن فلا أحد يتقدم إلى الله : (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) [البقرة: ٢٥٥] ، وليس كالمخلوق الذي يتقدم الناس للشفاعة عنده وإن لم يأذن، فالله جل وعلا لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه. الشرط الثاني: أن يكون المشفوع فيه من أهل التوحيد وأهل الإيمان، ممن يرضى الله عنهم قولهم وعملهم، (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) [الأنبياء: ٢٨] ، أي: رضي الله قوله وعمله، وجاء الشرطان في قوله تعالى: (إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى) [النجم: ٢٦] . أن يأذن الله هذا الشرط الأول، ويرضى هذا الشرط الثاني. أما الكافر فإنه لا تنفعه الشفاعة (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) [المدثر: ٤٨] ، (ما للظالمين من حميم ولا شفيع

стр. 76

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يطاع) [غافر: ١٨] فالشفاعة في القرآن شفاعتان؛ شفاعة منفية وهي التي انتفت شروطها، وشفاعة مثبتة وهي التي تحققت شروطها. فالكافر لا تنفعه الشفاعة؛ لو شفع فيه أهل السماوات وأهل الأرض ما قبل الله فيه شفاعتهم؛ لأنه مشرك كافر بالله ، لا يرضى الله قوله ولا عمله، إلا ما جاء في شفاعة النبي ﷺ في عمه أبي طالب، فهي شفاعة خاصة، وأيضاً ليست شفاعة من أجل خروجه من النار، إنما هي شفاعة من أجل تخفيف العذاب عن هذا الرجل؛ لما حصل منه من مؤازرة النبي ﷺ وحمايته له ﵊ والمدافعة عنه، فالنبي ﷺ يشفع في تخفيف العذاب عنه فقط. هذه هي الشفاعة الثابتة بشروطها، وهي أنواع: منها أنواع خاصة بالنبي ﷺ ، وأنواع مشتركة بينه وبين غيره من الأنبياء، والملائكة والصالحين والأفراط الذين ماتوا قبل البلوغ، كل هؤلاء يشفعون عند الله . وأما الشفاعة الخاصة بالنبي ﷺ فهي أنواع: أولها: شفاعته ﵊ في أهل الموقف إذا طال

стр. 77

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الموقف يوم القيامة، واشتد الكرب، واشتد الزحام، ودنت الشمس من الرؤوس، وحصل الكرب العظيم، أهل المحشر يريدون من يشفع لهم لفصل القضاء بينهم وصرفهم من هذا الموقف: إما إلى جنة وإما إلى نار؛ فيذهبون إلى آدم ﵇ فيعتذر لهيبة المقام وجلالته، ثم يذهبون إلى نوح ﵇ أول الرسل فيعتذر، ثم يذهبون إلى موسى كليم الله فيعتذر، ثم يذهبون إلى عيسى ﵇ فيعتذر أيضاً، ثم يذهبون إلى محمد ﷺ فيقول: "أنا لها، أنا لها" ثم يأتي فيخر ساجداً بين يدي الله ، ويحمده ويثني عليه ويدعوه حتى يقال له: "ارفع رأسك، وسل تُعطه، واشفع تشفع" (١) بعد الدعاء والاستئذان، لا يشفع مباشرة، بل يسجد ويدعو ويثني على الله ويتوسل إليه بأسمائه وصفاته، ثم يؤذن له بالشفاعة، ثم يشفع للفصل بين الخلائق فيقبل الله شفاعته، ويأتي لفصل القضاء بين عباده، قال سبحانه: (كلا إذا دكت الأرض دكاً دكاً* وجاء ربك والملك صفاً صفاً) [الفجر: ٢١، ٢٢] وقال سبحانه: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر) [البقرة: ٢١٠] .

стр. 78

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هذه شفاعته ﵊ في الفصل بين الخلائق، وهي مقام عظيم شرّف الله به النبي ﷺ ، وهي المقام المحمود الذي قال الله سبحانه فيه: (ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً) [الإسراء: ٧٩] ؛ لأنه يحمده عليه الأولون والآخرون، ويظهر فضله ﵊ في هذا الموقف العظيم. الشفاعة الثانية: الخاصة بالنبي ﷺ : شفاعته في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة (١) ، فأول من يستفتح باب الجنة هو محمد ﷺ ، وهو أول من يدخلها (٢) ، وأول من يدخلها من الأمم أمته ﵊.

стр. 79

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الشفاعة الثالثة: الخاصة بالنبي ﷺ : شفاعته لأهل الجنة بأن يرفع الله منازلهم ودرجاتهم، فيشفع في أناس في أن يرفع الله درجاتهم في الجنة، فيرفعهم الله بشفاعته ﵊. الشفاعة الرابعة: -وهي مشتركة- الشفاعة في أهل الكبائر من المؤمنين فيمن استحق دخول النار أن لا يدخلها، وفي من دخلها أن يخرج منها، وهذه هي محط الخلاف بين الفرق؛ فالجهمية والخوارج وأضرابهم أنكروها وقالوا: من دخل النار لا يخرج منها، وأهل السنة والجماعة أثبتوها كما جاءت واعتقدوها، ويجب على المسلم أن يعتقدها ويؤمن بها، وأن يسأل الله أن يُشفع فيه نبيه ﵊؛ لأنه بحاجة إليها. الشفاعة الخامسة: وهي خاصة بالنبي ﷺ ، وهي شفاعته في عمه أبي طالب، أبو طالب مات على الشرك وعلى دين عبد المطلب المشرك، قال: هو على ملة عبد المطلب، ومات على ذلك، فصار من أهل النار الخالدين فيها. ولكن الله يشفع رسوله ﵊ في تخفيف العذاب عنه، فيكون في ضحضاح من نار، ما يرى أن أحداً أشد منه عذاباً، مع أنه أهون أهل النار

стр. 80

والميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته حق: ــ عذاباً (١) . والشفاعة في أهل الكبائر مشتركة، فالملائكة يشفعون، والأنبياء يشفعون، والأولياء والصالحون يشفعون (٢) ، والأفراط يشفعون لآبائهم. الميثاق الذي أخذه الله تعالى من آدم وذريته أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً حق، كما جاء في الحديث أن النبي ﷺ أخبرنا أن الله استخرج ذرية آدم من ظهره كأمثال الذر، وأشهدهم على أنفسهم بالوحدانية، وأخذ عليهم الميثاق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً (٣) ،

стр. 81

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فنحن نؤمن بذلك، وهذا العهد والميثاق لا يكفي، بل لابد معه من إرسال الرسل، ولذلك أرسل الله الرسل، ولو كان هذا يكفي وحده لما أرسل الله الرسل، ولكن أرسل الرسل من أجل أن تذكر به وتدعو الناس إلى ما تضمنه. وأما قوله تعالى: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم) [الأعراف: ١٧٢] فذهب بعض المفسرين إلى أن هذا هو العهد الذي أخذه الله على ذرية آدم والميثاق، وليس كذلك، بل هذا شيء آخر، والله يقول: (من ظهورهم) ولم يقل: من ظهر آدم، وتكملة الآية: (وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى) ، وقال بعض العلماء: معنى ذلك: الفطرة التي فطرهم الله عليها، والآيات الكونية التي نصبها الله لهم؛ ليعرفوا منها ربهم. فالله سبحانه فطرهم على التوحيد وعلى الإسلام (١) (فأقم

стр. 82

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وجهك للدين حنيفاً فطرت الله التي فطر الناس عليها) [الروم: ٣٠] وهي دين الإسلام ودين التوحيد، فالإسلام معناه التوحيد الذي جاءت به الرسل، ومعناه: عبادة الله وحده لا شريك له، هذا هو الدين القيم. ومع هذا نصب الأدلة على ربوبيته فيما يشاهدونه في أنفسهم من خلقهم العجيب، وما فيهم من الآيات العجيبة التي تدل على الخالق ، وكذلك ما نصبه أمامهم من السماوات والأرض والمخلوقات التي تدل على الخالق، إن هذه المخلوقات لابد لها من خالق، لم توجد صدفة أو توجد بدون خالق (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون * أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون) [الطور: ٣٥، ٣٦] . فيا عجباً كيف يعصى الإله *** أم كيف يجحده الجاحد وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه واحد كل ما أمامك يدل على وحدانية الله، ويشهد لله بالانفراد في خلق هذه المخلوقات (إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا

стр. 83

وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار جملة واحدة، فلا يزداد في ذلك العدد، ولا ينقص منه: ــ ذباباً ولو اجتمعوا له) [الحج: ٧٣] فالخالق الله سبحانه، ولا أحد يخلق معه، فكيف يُعبد غيره ممن لا يخلق ولا يرزق ولا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً؟! فمعنى الآية (وإذ أخذ ربك...) [الأعراف: ١٧٢] شهادة الفطرة وشهادة الكائنات على وحدانية الله ، وليس لأحد أن يعتذر يوم القيامة ويقول: (إنا كنا عن هذا غافلين) [الأعراف: ١٧٢] . فالاحتجاج بالتقليد لا يصلح أمام البراهين القاطعة والأدلة الساطعة. هذا الكلام وما بعده من كلام الشيخ ﵀ كله في موضوع القضاء والقدر. والإيمان بالقضاء والقدر هو أحد أركان الإيمان الستة، كما قال ﵊: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره" (١) ، وفي القرآن قوله جل وعلا: (إنا كل شيء خلقناه بقدر) [القمر: ٤٩] وقوله: (وخلق كل شيء فقدره تقديراً) [الفرقان: ٢] . فليس هناك شيء بدون تقدير، أو أن هناك أشياء تقع صدفة،

стр. 84

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أو أن الأمر أُنف؛ إن كل شيء يحدث فإنه مقدر ومكتوب. والإيمان بالقضاء والقدر يتضمن أربع درجات، نلخصها فيما يلي: المرتبة الأولى: الإيمان بعلم الله الشامل المحيط بكل شيء، وأن الله علم الأشياء أزلاً، علم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، لا يخفى على علمه شيء . وهي الكتابة العامة الشاملة لكل شيء، وفي الحديث: "إن أول ما خلق الله القلم، قال: أكتب، قال: ما أكتب؟ قال: أكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة" (١) فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة. المرتبة الثانية: أن الله جلا وعلا كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلائق، بعد أن علمها سبحانه. المرتبة الثالثة: مرتبة المشيئة، لا يكون في هذا الكون شيء إلا بإرادة الله ومشيئته مما هو في اللوح المحفوظ، وفي علمه

стр. 85

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ، لا يحدث شيء بدون إرادته، ولا يكون في ملكه ما لا يريد سبحانه، (إن الله يفعل ما يريد) [الحج: ١٤] ، (كذلك الله يفعل ما يشاء) [آل عمران: ٤٠] ، فما يحدث في هذا الكون من حياة وموت، وغنىً وفقر، وإيمان وكفر، كل ذلك شاءه الله وأراده، شاء الخير وشاء الشر، وشاء الإيمان وشاء الكفر، فدخل في مشيئته كل شيء، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. المرتبة الرابعة: مرتبة الخلق والإيجاد، فما شاءه وأراده فإنه يوجده ويخلقه (الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل) [الزمر: ٦٢] (ألا له الخلق والأمر) [الأعراف: ٥٤] ، (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها) [الحديد: ٢٢] . وأدلة العلم أدلة كثيرة جداً. ومن جملة الذي وصف الله به نفسه، العلم، فإنه يعلم عدد من يدخل الجنة ومن يدخل النار، وذلك في علمه الأزلي. وأن ما قدره الله تعالى، لا يزاد فيه ولا ينقص، ومن ذلك: أنه يعلم أهل الجنة وأهل النار، ويعلم ما هم عاملون، نؤمن بذلك

стр. 86

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ونتجه إلى العمل، ولا نتناقش في القضاء والقدر: كيف؟ ولماذا؟ وكيف يُحاسبُ على شيء قد قدره؟ إلى آخر الهذيانات وإضاعة الأوقات، والاعتراض على الله . الواجب عليك فعل الطاعات واجتناب المعاصي، فليس شأن العبد التفتيش في سر الله ومخاصمة الرب جل وعلا، إنما شأنه العمل، ولذلك لما أخبر النبي ﷺ أصحابه أن ما منهم من أحد إلا مكتوب مقعده من الجنة أو مقعده من النار، قالوا: يا رسول الله، ألا نتكل على كتابنا ونترك العمل؟ قال: "لا، اعملوا فكل ميسر لما خُلق له" (١) ، قال تعالى: (إن سعيكم لشتى *فأما من أعطى وأتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره

стр. 87

وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه: وكلٌ ميسرٌ لما خُلق له: ــ لليسرى) [الليل: ٤، ٧] السبب من العبد نفسه، إما أن يسعد وإما أن يشقى (وأما من بخل واستغنى*وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى) [الليل: ٨، ١٠] فالمطلوب منا العمل الصالح وترك العمل السيئ أما الاحتجاج بالقضاء والقدر فليس بعذر، فإن الله قد بين لنا الخير والشر فليس هناك عذر، فالناس يقعون في مشاكل بسبب دخولهم في أشياء ليست من اختصاصهم، فيقول: إن كان الله

стр. 88

والأعمال بالخواتيم: ــ قد كتب لي أن أدخل الجنة دخلتها، وإن كان قد كتب لي أن أدخل النار دخلتها، ولا يعمل شيئاً. فيقال له: أنت لا تقول بهذا في نفسك، هل تقعد في البيت وتترك طلب الرزق وتقول: إن كان الله قد كتب لي رزقاً فسييسره لي؟ أو تخرج وتسعى وتطلب الرزق؟ البهائم والطيور لا تقعد في أوكارها، بل تخرج وتطلب الرزق، وجاء في الحديث: "لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً " (١) فالله فطرها على طلب الرزق، وعلى فعل الأسباب، وهي بهائم، وأنت رجل عاقل! . وأيضاً: لو أن أحداً سرق منك شيئاً، هل تقول: هذا قضاء وقدر، أم تشتكيه؟ بل تشتكيه وتطلب وتخاصم، ولا تحتج بالقضاء والقدر! أي: علم أفعالهم في الأزل قال تعالى: (فأما من أعطى وأتقى * وصدق بالحسنى* فسنيسره لليسرى* وأما من بخل واستغنى* وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى) [الليل: ٥، ١٠] . (والأعمال بالخواتيم) : الإنسان لا يغتر بعمله وإن كان أصلح الصالحين، بل يخاف من سوء العاقبة، ولا يحكم على أحد بأنه من أهل النار بموجب أفعاله؛ لأنه لا يدري بماذا يختم له، ويوضح ذلك حديث النبي ﷺ من حديث ابن مسعود: "إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها" (٢) . فالإنسان يخاف من سوء الخاتمة، ولا يحكم على أحد بسوء الخاتمة؛ لأنه لا يدري بما يختم له. فالتوبة تجبُّ ما قبلها: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ...) [الأنفال: ٣٨] .

стр. 89

والسعيد من سعد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله: وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه: لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل: ــ فالأعمال بالخواتيم، ولكن من لطف الله بعباده أن من عاش على الخير فإنه يختم له بالخير، ومن عاش على الشر فإنه يختم له بالشر، فالإنسان يعمل الأسباب ويحسن الظن بالله . وبعض الناس يقول: أتوب قبل الموت، فنقول له: وهل تدري متى تموت؟ يمكن أن تموت في لحظة لا يمكن معها التوبة، ولا تدري هل التوبة مقبولة أم لا؛ لأن التوبة لها شروط. لا يشقى بقضاء الله ، إنما يشقى بعمله الذي قدره الله له. من قدر الله أنه يشقى أو يسعد فسييسره له. أي: لن تصل إلى سره، مهما حاولت التفتيش في القضاء والقدر. فلا تكلف نفسك، ولكن آمن بالقضاء والقدر، واعمل الأعمال الصالحة واجتنب الأعمال السيئة، وأما أن تبحث عن أسرار القدر فهذا ليس من اختصاصك، ولا هو من شأنك، وما كلفت به. هذا من شأن الله ، ومن الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، ولا يعلمه غيره، لا الملائكة ولا الأنبياء ولا غيرهم، وأفضل الرسل

стр. 90

والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلّم الحرمان، ودرجة الطغيان: فالحذر كل الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسة: فإن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه: ونهاهم عن مرامه: ــ يقول: (ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير) [الأعراف: ١٨٨] . هذا كلام عظيم، أي التعمق في القضاء والقدر ومسائله، وإشغال الوقت والنفس والقلب، مما يورث الشكوك ويخذل عن العمل، فهذا من اللعب والخذلان. إذا خذل الله العبد شغله في هذه الأمور، وإذا أكرم الله العبد شغله في طاعته، واغتنام وقته. فنحن لنا حدود لا نتعداها، فالله ما كلفنا بالبحث في القضاء والقدر، ولكن كلفنا باعتقاد ذلك بالعمل الصالح وترك العمل السيئ. أي احذر من هذه الأمور، والنظر في هذه الأمور، والتفكير فيها، والوسوسة وهي: التردد والشك، اترك هذه الأمور، وسد هذا الباب أصلاً. هذا تأكيد لما سبق "القدر سر الله تعالى" ومعنى طوى: أخفى، فطوى الله هذه المعلومات عن خلقه؛ لأنه ليس لهم فيها مصلحة. عن مرام القدر أن يبحثوا فيه، والنبي ﷺ غضب لما رأى

стр. 91

كما قال تعالى في كتابه: (لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون) : فمن سأل: لِمَ فعل؟ فقد رد حكم الكتاب: ــ الصحابة يتساءلون في هذا فقال: "أبهذا أُمرتم؟ أم لهذا خُلقتم؟ " (١) . أنت لا تسأل الله ولا تناقشه عن أفعاله وعن قضائه وقدره، تأدب مع الله؛ لأنك عبد، فلا تتدخل في شؤونه جل وعلا، فالله لا يسأل عما يفعل؛ لأن الله لا يفعل شيئاً إلا لحكمة، والحكمة قد تظهر وقد تخفى علينا، فنؤمن بأن الله لا يفعل شيئاً عبثاً؛ إنما يفعله لحكمة، سواءً ظهرت لنا أو لم تظهر. فالإنسان مسؤول عن عمله، ليس مسؤولاً عن أعمال الله ، فاعتن بما أنت مسؤول عنه يوم القيامة، وهو عملك، فعلى العبد التسليم لله. أي قال: لم فعل الله كذا؟ لم قدّر الله كذا وكذا؟ فمن قال

стр. 92

ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين: فهذا جملة ما يحتاج إليه من هو منّور قلبه من أولياء الله تعالى: وهي درجة الراسخين في العلم: ــ هذا، فقد رد حكم الكتاب؛ لأن الله يقول: (لا يسأل عما يفعل) [الأنبياء: ٢٣] . فمن رد حكم الكتاب والسنة، واعترض على ذلك، وذهب إلى العقل والتفكير صار من الكافرين (١) ؛ لأن الإيمان بالكتاب والسنة هما ركنان من أركان الإيمان. أي يحتاجه في أمور القضاء والقدر، فأنت تؤمن بالقدر ومراتبه الأربع؛ تؤمن بتفاصيلها التي جاءت في الكتاب والسنة، ولا تدخل في المناقشات والاعتراضات، بل تعمل العمل الصالح والأسباب المناسبة. الراسخون، يعني: الثابتين في العلم، الذين عندهم علم راسخ، وليس عندهم شكوك ولا جهل، فهم يؤمنون بالقضاء والقدر، ويعملون الأعمال الصالحة، ويتركون الأعمال السيئة، ولا يتدخلون مع الله في سر من أسراره، ولا يناقشونه ويعترضون

стр. 93

لأن العلم علمان: علم في الخلق موجود، وعلم في الخلق مفقود: فإنكار العلم الموجود كفرٌ، وادعاء العلم المفقود كفرٌ: ــ عليه، هذا شأن الراسخين في العلم، وأما الجهّال فيدخلون في ضلالات وأمور ابتدعوها. العلم علمان: علم استأثر به الله، فلا يعلمه إلا هو ، وهو علم الغيب. وعلم في الخلق موجود، علّمهم الله إياه، وهو ما لهم فيه مصلحة وذلك بما أنزل الله من الكتاب، وما أرسل به الرسول (ويعلمهم الكتاب والحكمة) [البقر: ١٢٩] الكتاب: القرآن، والحكمة: السنة، وقيل: الفقه في دين الله فالله علمنا والرسول علمنا (ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون) [البقر: ١٥١] . إنكار العلم الشرعي وما فيه من الأمر والنهي والإخبار عن الماضي والمستقبل، إنكاره كفر. وادعاء علم الغيب كفر (قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله) [النمل: ٦٥] ، وأكمل الخلق ﵊ يقول: (ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير) [الأعراف: ١٨٨] فالنبي ﵊ لا يعلم الغيب إلا ما علمه الله (ولا يحيطون بشيء من عمله إلا بما شاء) [البقرة: ٢٥٥] .

стр. 94

ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود، وترك طلب العلم المفقود: ونؤمن باللوح والقلم وبجميع ما فيه قد رُقم: ــ لا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود، وهو علم الكتاب والسنة، وترك علم الغيب لله (فقل إنما الغيب لله) . هذا تابع لما سبق من الكلام عن القضاء والقدر، وقد سبق أن من مراتب الإيمان بالقضاء والقدر: الإيمان بما كتب في اللوح المحفوظ، وأن الله لما علم كل شيء كتب ذلك في اللوح المحفوظ، وذلك أن الله خلق الخلق، وأول ما خلق القلم، فقال له: "اكتب"، قال: ما أكتب؟ قال: "أكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة"، فجرى القلم بأمر الله بكتابة ما هو كائن إلى يوم القيامة، كما جاء في الحديث (١) . ولا يعلم كيفية اللوح والقلم إلا الله، وهما مخلوقان من مخلوقات الله ، نؤمن بذلك، ولذلك قال المؤلف: (نؤمن باللوح والقلم وبما فيه قد رقم) ؛ يعني اللوح المحفوظ، والكتابة فيه. وهذه هي المرتبة الثانية من مراتب الإيمان بالقضاء والقدر،

стр. 95

فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائن، ليجعلوه غير كائن- لم يقدروا عليه. ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه، ليجعلوه كائناً-لم يقدروا عليه: ــ وهي: الإيمان بالكتابة في اللوح المحفوظ. الكتابة التي كتبها الله تعالى في اللوح المحفوظ لا يقدر أحد على تغييرها، فلو اجتمع الخلق على أن يغيروا شيئاً كتبه الله لما استطاعوا، ولو اجتمعوا على أن يوجدوا شيئاً لم يكتبه الله في اللوح المحفوظ لم يوجدوه، كما جاء ذلك في حديث ابن عباس لما قال له النبي ﷺ : "واعلم أن الخلق لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف" (١) . فلا تغيير ولا تبديل لما كتبه الله جلا وعلا في اللوح المحفوظ.

стр. 96

جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه: ــ هذا معنى الإيمان بالقضاء والقدر، أن تعلم أنه لن يصيبك إلا ما كتبه الله عليك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. فإذا أصابتك مصيبة مما تكره، فإنك تعلم أن هذا مكتوب في اللوح المحفوظ، ولابد أن يقع، فتتسلى بذلك عن الجزع والسخط، وتؤمن بالله . وما أخطأك لم يكن ليصيبك، لو حرصت على طلب شيء وبذلت كل وسعك وجهدك فلن تحصل عليه، فإذا فعلت السبب وبذلت كل شيء ولم تحصل عليه، فإنك تسلم وتؤمن بالقضاء والقدر، ولا تنزعج ويكون عندك هواجس وهموم، فالنبي ﷺ يقول: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجزن، فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أنِّني فعلت كذا وكذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدّر الله وما شاء فعل، فإن (لو) تفتح عمل الشيطان" (١) ، إذا علمت هذا هان عليك الأمر، ولا يحصل منك جزع، ولا تحسر، الأمور بيده سبحانه، نعم أنت تفعل الأسباب وتحرص على ما ينفعك، ولكن النتائج من لدن الله ، وما تدري ما الخيرة؟

стр. 97

وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه: ــ فلا يعطيك الله ذلك الشيء؛ لأنك لو حصلت عليه يكون عليك منه ضرر، فالله يعلم، وأنت لا تعلم، عليك أن ترضى بقضاء الله وقدره. وفي القرآن الكريم يقول الله لنبيه ﷺ : (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون) [التوبة: ٥١] . ويقول رداً على الكفار لما قالوا في شأن الذين قتلوا في يوم أحد: (لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا) [آل عمران: ١٥٦] ، قال : (قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كُتب عليهم القتل إلى مضاجعهم) [آل عمران: ١٥٤] . فما كُتب على الإنسان لابد من نفاذه فيه، ولو تحرز وتحصن وعمل من الاحتياطات ما عمل، لم يمنعه ذلك من قضاء الله وقدره، قال تعالى: (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة) [النساء: ٧٨] . هذه هي المرتبة الأولى من مراتب الإيمان بالقضاء والقدر:

стр. 98

فقدّر ذلك تقديراً محكماً مبرماً: ليس فيه ناقض، ولا معقّب، ولا مزيل، ولا مغير، ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه: ــ على العبد أن يؤمن ويعتقد أن الله علم ما كان وما لم يكن بعلمه الأزلي، الذي هو موصوف به أبداً وأزلاً، علم الأشياء كلها بعلمه المحيط قبل وقوعها، فلابد من اعتقاد ذلك. عَلِمَهُ وقدّره (وخلق كل شيء فقدّره تقديراً) [الفرقان: ٢] . فالأمور ليست فوضى أو ليست لها ضوابط، كلها مرتبة ومنضبطة بقضاء الله وقدره وكتابته، والله منزه عن الفوضى والعبث. لا أحد يتصرف، فيغير ما قضاه الله وقدّره، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه (والله يحكم لا معقب لحكمه) [الرعد: ٤١] . فلا أحد ينقص شيئاً من قضاء الله، ولا يزيد شيئاً أبداً، هذا شيء قضي منه وانتهى منه. إذا اعتقد المسلم ذلك أراحه من كثير من الشكوك والأوهام، ولكن ليس معنى ذلك أنه يتكل على القضاء والقدر والكتاب، ويترك العمل (١) ، هو مأمور بالعمل وطلب الرزق وفعل الأسباب، هذا من

стр. 99

وذلك من عُقد الإيمان، وأصول المعرفة: والاعتراف بتوحيد الله تعالى وربوبيته، كما قال تعالى في ــ ناحية العمل، وأما من ناحية النتائج فهي بيد الله . هذه العقيدة، عقيدة القضاء والقدر، من عقيدة الإيمان بالله ، فالذي لا يكون مؤمناً بالقضاء والقدر لا يكون مؤمناً بالله جل وعلا، بل كان متنقصاً لله ، فالإيمان به من العقيدة وليس من الأشياء الثانوية أو الفرعية، فالإيمان بالقضاء والقدر من صميم العقيدة، وهو ركن من أركان الإيمان، كما قال ﵊: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" (١) . الإيمان بالقضاء والقدر يدخل في توحيد الربوبية؛ لأنه من أفعال الله جل وعلا، فمن جحد القضاء والقدر لم يكن مؤمناً بتوحيد الربوبية.

стр. 100

كتابه (وخلق كل شيء فقدره تقديراً) وقال تعالى: (وكان أمر الله قدراً مقدوراً) : فويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيماً: وأحضر للنظر فيه قلباً سقيماً: ــ (وخلق كل شيء فقدره تقديراً) [الفرقان: ٢] (وكان أمر الله قدراً مقدوراً) [الأحزاب: ٣٨] ، (إنا كل شيء خلقناه بقدر) [القمر: ٤٩] ، هذه الآيات الثلاث مع غيرها من الآيات تدل على الإيمان بالقضاء والقدر (ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله) [التغابن: ١١] ، (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب) [الحديد: ٢٢] . يعني اللوح المحفوظ. الذي يدخل في أمور القضاء ويشكك فيه خصيم الله، ولا يصح الإيمان إلا بالإيمان بالقضاء والقدر بمراتبه الأربع، حسب ما جاء في الكتاب والسنة، ولا تتدخل في السؤالات والإشكالات والشكوك والأوهام، فإن هذا معناه مخاصمة الله ، فالذين تدخلوا في القضاء والقدر لم يتوصلوا إلى شيء، بل وقعوا في حيرة واضطراب وإفساد للعقيدة. فأمور القضاء والقدر وشؤون الله لا يدركها النظر والتفكير والعقل، فلا تكلف عقلك شيئاً لا يستطيعه، فالعقل محدود، لا يمكنه أن يدرك كل شيء، فلا تدخله في متاهات وأمور لا يطيقها.

стр. 101

لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سراً كتيماً: وعاد بما قال فيه أفاكاً أثيماً: والعرش والكرسي حق: ــ لأن القضاء والقدر سر الله جل وعلا في خلقه، فلا تبحث عنه، ولا تُكلف بذلك، إنما كُلفت بالعمل والطاعة والامتثال. أي يكون كل كلامه وكل بحثه إفكاً، يعني: كذباً وإثماً -والعياذ بالله- لأنه فعل ما لم يؤمر به، وتدخل فيما ليس من شأنه. الله خلق السماوات، وخلق الأرض، وخلق الكرسي، وخلق العرش، كلها مخلوقات لله ، السماوات فوق الأرض، وفوق السماوات البحر، وفوق البحر الكرسي، وفوق الكرسي العرش، فهو أعلى المخلوقات، وذلك كما جاء في الحديث: "إن السماوات السبع بالنسبة للكرسي كسبع دراهم ألقيت في ترس"، يعني: السماوات السبع وعظمها وما فيها -مقارنة بالكرسي- كسبعة دراهم ألقيت في مثل الصحن الذي يتترس به المقاتل، فما نسبة سبعة دراهم في ترس مستدير؟ نسبتها قليلة، وفي ذلك قوله تعالى: (وسع كرسيه السموات والأرض) [البقرة: ٢٥٥] ، والعرش أعظم من الكرسي، فالكرسي بالنسبة إلى العرش كحلقة

стр. 102

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ملقاة في أرض فلاة، كما جاء في الحديث، فلو ألقيت حلقة في أرض واسعة فما نسبتها إلى هذه الفلاة؟ لا شيء. هذه مخلوقات عظيمة وواسعة لا يعلمها إلا الله . فالعرش أعلى المخلوقات، والله سبحانه عالٍ فوق عرشه فوق مخلوقاته. والكرسي تحت العرش، وجاء في الأثر أنه موضع القدمين، فالكرسي مخلوق، وليس المقصود به العلم، كما نسب ذلك لابن عباس ﵁، أنه قال في قوله: (وسع كرسيه) أي: علمه، أي: وسع علمه السماوات والأرض. المعنى صحيح، ولكن ليس هذا المقصود من الآية، فالكرسي مخلوق، والعلم صفة من صفات الله ليست من مخلوقاته، فيجب الإيمان بالعرش وبالكرسي، هذا حق على حقيقته، وليس العرش كما يقوله الأشاعرة -ومن نحا نحوهم- إن العرش هو الملك، فيقولون في قوله تعالى: (استوى على العرش) [الأعراف: ٥٤] ، أي: استولى على الملك، وهذا ضلال، فالعرش مخلوق: (وكان عرشه على الماء) [هود: ٧] ، فالعرش تحته الكرسي، والكرسي تحته السماوات، والأرض تحت السموات. في الحديث: "فإذا سألتم

стр. 103

وهو مستغن عن العرش وما دونه: ــ الله الجنة فاسألوه الفردوس الأعلى، فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن" (١) فالفردوس هو أعلى الجنان وفوقه عرش الرحمن. فعرشه مخلوق وله حملة، وهم طائفة من الملائكة: (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) [الحاقة: ١٧] قبل يوم القيامة يحمله أربعة، فإذا جاء يوم القيامة تضاعفوا وصاروا ثمانية، فكل واحد من الملائكة لا يُتصور خلقه وعظمته وقوته. وهل يقال: إذا قيل إن العرش هو الملك. إن المُلك تحمله الملائكة؟ لا تتصور أن معنى قوله تعالى: (ثم استوى على العرش) [الأعراف: ٥٤] أنه محتاج إلى العرش كاستواء المخلوق على المخلوق، بل الله مستوٍ على العرش، وهو غني عن العرش وما دون العرش. جميع المخلوقات محتاجة إلى الله (إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده) [فاطر: ٤١] فهو الذي يمسك العرش، ويمسك السماوات، ويمسك الأرض

стр. 104

محيط بكل شيء وفوقه: وقد أعجز عن الإحاطة خلقه: ونقول: إن الله اتخذ إبراهيم خليلاً، وكلم الله موسى تكليماً، إيماناً وتصديقاً وتسليماً: ــ والمخلوقات، بقدرته وعزته، فهي المحتاجة إليه، وهو غني عنها . ولا يلزم من كون الشيء فوق الشيء أن يكون الأعلى محتاجاً إلى ما تحته، فالسماوات فوق الأرض وليست محتاجة إلى الأرض. محيط بكل شيء (إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء) [آل عمران: ٥] وإحاطته بالأشياء: علمه بها، وإلا فالله في جهة العلو. فالله يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علماً، قال الله : (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض) [البقرة: ٢٥٥] فالله محيط بكل شيء علماً (لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً) [الطلاق: ١٢] . من عقيدة المسلمين أن الرسل أفضل الخلق وأن الرسل يتفاضلون فهم يعتقدون أن الله اتخذ إبراهيم خليلاً، كما قال الله تعالى: (واتخذ الله إبراهيم خليلاً) [النساء: ١٢٥] والخلة هي أعلى درجات المحبة، فالله جل وعلا يحب عباده المؤمنين والمتقين

стр. 105

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والمحسنين، ويحب التوابين ويحب المتطهرين، ولكن الخلة لم يحصل عليها إلا اثنان من العالم: إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وقد قال ﵊: "إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً" (١) . (وكلم الله موسى تكليماً) [النساء: ١٦٤] ففضل بعض النبيين على بعض، وإن كانوا كلهم بالمرتبة العليا، لكن الله جل وعلا فضل بعضهم على بعض (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات) [البقرة: ٢٥٣] فكل نبي يعطيه الله تفضيلاً خاصاً به، فضل إبراهيم ومحمداً عليهما الصلاة والسلام بالخلة، وفضل موسى بأنه كلمه تكليماً بدون واسطة الملك، وسمع موسى كلامه، ناداه سبحانه وناجاه؛ والمناداة: الصوت المرتفع، والمناجاة: الصوت الخفي، كل هذا حصل لموسى ﵊، وهذه فضيلة لم يحصل عليها غيره، وقال: (تكليماً) للتأكيد، حتى لا يقول أحد: إن هذا مجاز، فلما أكده بالمصدر، دل على أنه تكليم حقيقي من الله ، وهذا فيه إثبات الكلام لله ، وفيه إثبات الفضيلة

стр. 106

ونؤمن بالملائكة والنبيين: ــ لموسى ﵊ على غيره من النبيين في هذه الخصلة، ولا يلزم إذا كان عند نبي من الأنبياء ميزة خاصة أن يكون أفضل من غيره على الإطلاق، بل هو أفضل من غيره من الأنبياء في هذه الخصلة. هذا من أركان الإيمان، التي أولها: الإيمان بالله، وثانياً: الإيمان بالملائكة، وهم عالم من عالم الغيب لا يعلمه إلا الله ، خلقهم الله تعالى من النور؛ لعبادته وتنفيذ أوامره في مخلوقاته، أوكل إليهم أعمالاً يقومون بها وينفذونها في مخلوقاته، منهم الموكل بالوحي، ومنهم الموكل بالقطر والنبات، ومنهم الموكل بقبض الأرواح، ومنهم الموكل بالنفخ في الصور، ومنهم الموكل بحفظ أعمال بني آدم، ومنهم الموكل بالجبال، ومنهم الموكل بالأجنّة في بطون الحوامل، كما في حديث ابن مسعود (ثم يرسل إليه الملك فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد) (١) . فهم موكلون بأعمال يقومون بها كما أمر الله تعالى بها: (لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون) [الأنبياء: ٢٧] ، (يسبحون الليل والنهار لا يفترون) [الأنبياء: ٢٠] . فهم يعبدون الله عبادة متواصلة ومع ذلك يقومون بما أوكل إليهم

стр. 107

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ من تنفيذ الأوامر في المخلوقات ولهم مهام عظيمة، وخلقتهم لا يعلمها إلا الله (١) ، تختلف عن خلقة بني آدم (جاعل الملائكة رسلاً أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع) [فاطر: ١] ولبعضهم أكثر من ذلك (يزيد في الخلق ما يشاء) [فاطر: ١] فجبريل ﵇ له ستمائة جناح، كل جناح منها سد الأفق، فلا يعلم خلقتها ولا كيفيتها إلا الله. أما البشر فلا يستطيعون رؤية الملك على صورته، وإنما يأتي الملك في صورة إنسان كما كان جبريل يأتي إلى النبي ﷺ في صورة إنسان، ويجلس إليه ويكلمه، ولم يره النبي ﷺ على صورته الملكية إلا مرتين، مرة وهو في بطحاء مكة رآه في الأفق، ومرة عند سدرة المنتهى في ليلة الإسراء والمعراج، وما عدا هاتين المرتين فإن جبريل يأتي النبي ﷺ في صورة إنسان، وكثيراً ما يأتي في صورة دحية الكلبي ﵁. وقوله: (والنبيين) النبيين جمع نبي وهو من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، والرسول: من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه ويجب الإيمان بجميع الأنبياء والمرسلين ومن آمن ببعضهم وكفر

стр. 108

والكتب المنزلة على المرسلين ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين: ــ ببعضهم فهو كافر بالجميع (لا نفرق بين أحد من رسله) من أصول الإيمان وأركانه: الإيمان بالكتب التي أنزلها الله على الرسل لهداية الخلق؛ فالله تعالى أنزل الكتب على الرسل من كلامه ووحيه وتشريعه، أنزلها على الرسل ليبلغوها إلى أممهم، فيها الأوامر وفيها النواهي، وفيها شرع الله جل وعلا. منها ما سماه الله في القرآن ومنها ما لم يسمه، ونحن نؤمن بجميع الكتب، ما سماه لنا وما لم يسمه، كالتوراة التي أنزلها على موسى، والإنجيل الذي أنزله على عيسى، والقرآن الذي أنزله على محمد ﷺ ، والزبور الذي أنزله على داود (وآتينا داود زبورا) [النساء: ١٦٣] وصحف إبراهيم ﵊، فنؤمن بها كلها وأنها في مصلحة الخلق وهداية الخلق وإقامة الحجة، فمن آمن ببعض الكتب وكفر ببعضها فهو كافر بالجميع؛ لأنها كلها من كلام الله فلا يجوز الإيمان ببعضها والكفر بالبعض الآخر، قال تعالى: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا) [البقرة: ٨٥] . وكذلك الكتاب الواحد يجب الإيمان به كله والعمل به كله، فلا نأخذ ما يوافق شهواتنا وندع ما يخالفها. فمن جحد كتاباً من كتب الله، أو بعضاً من الكتاب، أو كلمة من الكتاب، أو حرفاً من الكتاب، فهو كافر بالله .

стр. 109

ونسمّي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين: ــ هذا من العقيدة، أنه من نطق بالشهادتين واستقام عليهما فإنه مسلم، ولو صدر منه بعض المعاصي، ولو كانت من الكبائر، وما دامت المعاصي دون الشرك، ولكن يكون مسلماً ناقص الإسلام وناقص الإيمان وفاسقاً، ولكنه لا يُحكم بكفره إن كانت معاصيه دون الشرك، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة، لا يُكفِّرون بالمعاصي التي هي دون الشرك، ولكن ينقص بها الإيمان، وصاحبها يفسق بها الفسق الأصغر الذي لا يخرج من الملة. خلافاً للخوارج الذين يُكفّرون بالكبائر ويخرجون بها من الملة، ويخلدون صاحبها في النار. وخلافاً للمعتزلة الذين يُخرِجون صاحب الكبيرة من الإسلام، ولكن لا يدخلونه في الكفر، ويقولون: هو في منزلة بين المنزلتين، ولكن لو ماتوا على الكبيرة فالمعتزلة مثل الخوارج في الحكم عليهم، وخلاف عقيدة المرجئة الذين يقولون: إنه لا يضر مع الإيمان معصية، من صدق بالله فإنه يكون مؤمناً، وإن فعل ما فعل، ولو ترك جميع أركان الإسلام عندهم لا يكون كافراً، المهم التصديق والاعتقاد، أما الأعمال فلا تزيد في الإيمان ولا تنقصه وليست منه، فهو مؤمن تام الإيمان ما دام مصدقاً.

стр. 110

ما داموا بما جاء به النبي ﷺ معترفين، وله بكل ما قاله وأخبر مصدّقين: ــ هذا مذهب المرجئة، وهو مذهب ضال. فهم مع الخوارج على طرفي نقيض؛ قوم تشددوا، وهم الخوارج، وقوم ذابوا وماعوا وقالوا: إن هذه المعاصي لا تضر، وهم المرجئة، وأما أهل السنة والجماعة فتوسطوا، ومذهبهم مأخوذ من الكتاب والسنة، وهو العدل، وفيه الجمع بين الأدلة. أما الخوارج والمعتزلة فأخذوا نصوص الوعيد وتركوا نصوص الوعد، وأما المرجئة فأخذوا بنصوص الوعد وتركوا نصوص الوعيد، لكن أهل السنة والجماعة أخذوا بنصوص الوعد وبنصوص الوعيد، وجمعوا بينها، وهذا الحق (والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا) [آل عمران: ٧] فيردون هذا إلى هذا، ولا يأخذون بطرف ويتركون الطرف الآخر كما هو مذهب أهل الزيغ (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه) [آل عمران: ٧] يأخذون بالمتشابه ويتركون المحكم الذي يفسر المتشابه. وقول المصنف: (مسلمين مؤمنين) ليس على إطلاقه؛ لأنهم قد يكونون ناقصين في الإسلام والإيمان، ومتوعدين من الله . أما لو جحدوا شيئاً مما جاء به النبي صلى لله عليه وسلم ولم يعترفوا، صاروا
следующие страницы →