ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة، والعرض والحساب، وقراءة الكتاب، والثواب والعقاب، والصراط والميزان:
ــ
إلى يوم النشور" ذكر عجائب، وذكر ابن القيم في كتابه "الروح" عجائب.
وقوله: (على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ ؛ لأن ما في القبر من النعيم والعذاب من أمور الغيب، فلا نثبت إلا ما جاء به الدليل، ولا ننكر ما جاء به، هذا مذهب أهل السنة والجماعة.
بعد البرزخ يبعث الناس من قبورهم، فهذه القبور تضم الأجساد وتحفظها، فإذا جاء البعث فإن الله ينشئ هذه الأجسام كما خلقها أول مرة، لا ينقص منها شيء (كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين) [الأنبياء: ١٠٤] .
فتعاد كما كانت، بحيث لو مر شخص على رجل يعرفه لقال: هذا فلان، ثم يأمر الله إسرافيل فينفخ في الصور النفخة الثانية، فتطير الأرواح إلى أجسادها.
والمحشر: مجمع الأمم، يجمع الله الأولين والآخرين بعد البعث، فالله على كل شيء قدير، والإيمان بالعبث أحد أركان الإيمان الستة، كما في الحديث.
стр. 177
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأنكر البعث المشركون والملاحدة بناء على عقولهم، فقالوا: (أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أءنا لمبعوثون*أو آباؤنا الأولون) [الواقعة: ٤٧، ٤٨] وذكر الله إنكارهم هذا في عدة مواضع، مثل: (قال من يحي العظام وهي رميم) [يس: ٧٨] .
والله ذكر أدلة عقلية على البعث (وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه) [الروم: ٢٧] . وهذا من باب ضرب المثل، فالذي خلقهم من ماء مهين، ألا يقدر أن يخلقهم من تراب ويعيدهم كما كانوا؟ (أيحسب الإنسان أن يترك سدى*ألم يك نطفة من مني يمنى*ثم كان علقة فخلق فسوى* فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى*أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى) [القيامة: ٣٦: ٤٠] .
ومن الأدلة: إحياء أرض يابسة قاحلة بيضاء ما فيها شيء، ثم ينزل الله عليها المطر، ففي أيام قليلة تهتز بالنبات.
أليس الذي يحيي الأرض بعد موتها بقادر على أن يعيد خلق الإنسان؟ فهذا شيء معقول وشيء محسوس (وآية لهم الأرض الميتة أحييناها) [يس: ٣٣] بعد أن كانت ميتة فأحياها بالنبات (وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت) [الحج: ٥٦] .
ومن الأدلة على البعث أيضاً: أن الله لو لم يبعث
стр. 178
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الناس ويجازيهم لكان خلقه عبثاً، والله منزه عن العبث (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون * فتعالى الله الملك الحق) [المؤمنون: ١١٥، ١١٦] .
فالإنسان الذي يفني نفسه بالعبادة والطاعة في الدنيا فيموت ولا يبعث!؟ كذلك الكافر يعيث في الأرض فساداً ويفعل الفواحش ويموت ولا يبعث!؟ هذا لا يكون من حكمة الله (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون) [الجاثية: ٢١] ، وقال سبحانه: (أفنجعل المسلمين كالمجرمين * ما لكم كيف تحكمون) [القلم: ٣٥، ٣٦] ، (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار* أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار) [ص: ٢٧، ٢٨] .
فالمؤمن قد لا ينعم في الدنيا، ويكون في ضيق وشدة، فلا ينال جزاء عمله!؟ والكافر ينعم ويبطش ويفسد في الأرض ولا ينال جزاءه!؟ هذا لا يليق بحكمة الله .
والبعث معناه القيام من القبور (يوم يقوم الناس لرب العالمين) [المطففين: ٦] (وجزاء الأعمال) كما سبق: أن المحسنين والمسيئين لا ينالون جزاءهم في الدنيا، إنما ذلك في دار الآخرة.
стр. 179
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(والعرض) يعني: على الله (يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية) [الحاقة: ١٨] ، (وعرضوا على ربك صفاً لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة) [الكهف: ٤٨] يعرضون على الله حفاة عراة، غرلاً، أي: غير مختونين.
(والحساب) على الأعمال: تقرير الحسنات وتقرير السيئات، هذا بالنسبة للمؤمنين، أما الكافر فإنه لا يحاسب حساب موازنة بين حسناته وسيئاته، وإنما يقرر بذنوبه وكفره؛ لأنه ليس له حسنات.
والمؤمنون منهم من يدخل الجنة بغير حساب، ومنهم من يحاسب حساباً يسيراً وينقلب إلى أهل مسروراً، وهو العرض، ومنهم من يُناقش الحساب، وفي الحديث: "من نوقش الحساب عُذِّب" (١) . وهذه درجات المؤمنين.
(والكتب) : صحائف الأعمال التي عملوها في الدنيا، كل يعطى يوم القيامة كتابه وصحيفة أعماله التي عملها في الدنيا، مكتوب فيها كل شيء (ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا
стр. 180
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أحصاها) [الكهف: ٤٩] ، وقال سبحانه: (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً* اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً) [الإسراء: ١٣، ١٤] ، وقال سبحانه: (فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه * إني ظننت أني ملاق حسابيه* فهو في عيشة راضية* في جنةٍ عالية) [الحاقة: ١٩، ٢٢] فهذا الصنف من الناس يفرح ويسره أن يطلع الناس على كتابه.
(وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول ياليتني لم أوت كتابيه * ولم أدر ما حسابيه* ياليتها كانت القاضية) [الحاقة: ٢٥، ٢٧] يعني: يا ليتني لم أبعث، وكان الموت هو القاضي عليّ ولم أبعث (ما أغنى عني ماليه* هلك عني سلطانيه) [الحاقة: ٢٨، ٢٩] .
وهذا تطاير الصحف، إما باليمين أو بالشمال.
(والثواب والعقاب) الثواب على الحسنات، والعقاب على السيئات.
(والصراط) وهو: الجسر المنصوب على متن جهنم، أحدُّ من السيف، وأدَقُّ من الشعر، وأحرُّ من الجمر، يمر الناس عليه على قدر أعمالهم، فمنهم من يمر كالبرق الخاطف، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يمر عدواً ومنهم من يمر مشياً، ومنهم من يمر
стр. 181
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حبواً، ومنهم من تلقطه كلاليب على حافتي الجسر وتقذفه في النار، وهذه أمور غيب، فلا يُدخلُ الإنسان عقله فيها، وكل الناس يمرون على الصراط (وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً* ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً) [مريم: ٧١، ٧٢] .
وتوزن الحسنات، فإن رجحت حسناته فاز، وإن رجحت سيئاته على حسناته خاب وخسر (والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون* ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون) [الأعراف: ٨، ٩] .
وتكرر ذكر الوزن والميزان في آيات كثيرة، وهذا من عدل الله ، وأنه لا يظلم أحداً. والميزان حقيقي، له كفتان: توضع الحسنات في كفّه، وتوضع السيئات في كفة، فأيهم رجحت حسناته فاز، وأيهم رجحت سيئاته فخسر (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين) [الأنبياء: ٤٧] .
стр. 182
والجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان أبداً ولا تبيدان:
ــ
ومما يكون في يوم القيامة: الجنة دار المتقين، والنار دار المجرمين، قال الله تعالى في الجنة: (أعدت للمتقين) [آل عمران: ١٣٣] ، وقال في النار: (أُعدت للكافرين) [البقرة: ٢٤] فهما داران باقيتان، وهما المستقر والنهاية. (وإن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق وخلق لهما أهلاً) . والجنة والنار مخلوقتان الآن، هذا مذهب أهل السنة والجماعة، قال تعالى: (أُعدت للمتقين) ، وقال: (أُعدت للكافرين) وأعدت: فعل ماضٍ، والنبي ﷺ كان عنده أصحابه، فسمعوا وجبة، يعني: شيء سقط، فقال: "أتدرون ما هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "هذا حجر رمي به في جنهم منذ سبعين خريفاً، والآن وصل إلى قعرها" (١) فدل على أن النار قد خلقت. وقال ﵊ في الحر والبرد: "إنهما نفسان لجنهم: نفس في الشتاء وهو أشد ما تجدون من البرد، ونفس في الصيف وهو أشد ما تجدون من شدة الحر" (٢) ، وقال ﵊: "إذا اشتد الحر فأبردوا
стр. 183
وأن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلاً:
فمن شاء منهم إلى الجنة فضلاً منه. ومن شاء منهم إلى النار عدلاً منه:
ــ
بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جنهم" (١) ، وكذلك الميت في قبره يفتح له باب إلى الجنة، والكافر باب إلى النار، فهذا يدل على وجود الجنة والنار، وأنكر هذا أهل الضلال، ويقولون: تخلقان يوم القيامة.
الله قدر للجنة أهلاً، وكذلك للنار أهلاً، فعلى حسب عملهم يجازون.
الجنة لا تُنال بالعمل، إنما هو سبب، وإنما الجنة تنال بفضل الله، فمهما عمل ابن آدم من الأعمال الصالحة وإن كثرت فإنها لا تقابل الجنة، إنما تنال بفضل الله ، والعمل الصالح سبب (ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون) [النحل: ٣٢] أي: بسبب ما كنتم تعملون.
ودخول النار بسبب الكفر، عدلاً من الله، أدخله النار،
стр. 184
وكل يعمل لما قد فرغ له، وصائر إلى ما خُلق له:
والخير والشر مقدران على العباد:
ــ
لا بظلم، إنما أدخله بسبب عمله.
إن كان من أهل السعادة فإنه يعمل بعمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيعمل بعمل أهل الشقاوة، قال ﵊: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" (١) .
وقال تعالى: (إن سعيكم لشتى* فأما من أعطى وأتقى* وصدق بالحسنى* فسنيسره لليسرى* وأما من بخل واستغنى* وكذب بالحسنى* فسنيسره للعسرى) [الليل: ٤، ١٠] . فالأعمال هي التي تحكمك، إن كانت صالحة فأنت ميسر لليسرى، وإن كانت سيئة فأنت ميسر للعسرى.
سبق بحث هذا في القدر، والإيمان بالقدر -كما سبق- هو أحد أركان الإيمان الستة، كما قال ﵊: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" (٢) .
والمؤلف أخذ هذا المعنى من نص الحديث.
فالخير والشر بتقدير الله ؛ لأنه لا يقع شيء في هذا
стр. 185
والاستطاعة التي يجب بها الفعل، من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به -فهي مع الفعل، وأما الاستطاعة من
ــ
الكون إلا بقضاء الله وقدره، لابد من الإيمان بذلك.
فالله خلق الخير والشر لحكمة (ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون) [الأنبياء: ٣٥] يتميز بذلك أهل الإيمان والتوحيد ولانقياد لله، وأهل الكفر والشرك والإلحاد، ولو لم يكن هناك خير لما حصل التمييز.
فالخير يحبه الله ويخلقه ويقدره، والشر يبغضه الله ويسخطه، ولكن يخلقه ويقدره لحكمة، للابتلاء والامتحان، لو لم يوجد الشر ما ظهر الكفر وعداوة الأنبياء والرسل، ولو لم يوجد الخير لما ظهر الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والموالاة والمعاداة، ولا تميز الناس.
قد يعترض معترض ويقول: الله يبغض الشرك والكفر، فكيف يقدر ذلك؟ ونقول: قدر ذلك لحكمة؛ ليتميز الناس (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب) [آل عمران: ١٧٩] فنحن لا نعلم المطيع من العاصي إلا بالأعمال، فهي تميز الشقي من السعيد.
فالأمور لا تصلح إلا إذا وجدت المتضادات.
الاستطاعة هي القدرة من الإنسان، وهي على قسمين:
стр. 186
جهة الصحة والوسع، والتمكن وسلامة الآلات -فهي قبل الفعل، وبها يتعلق الخطاب، وهو كما قال تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا
ــ
الأول: استطاعة يتعلق بها التكليف والأمر والنهي.
الثاني: استطاعة يستطيع بها الإنسان الفعل والتنفيذ.
القسم الأول: الاستطاعة التي يتعلق بها التكليف، معناها: الوسع، أن يكون عند الإنسان وسع، أن يفعل أو لا يفعل، عنده إمكانية وتمكن، فالتكليف يتعلق بهذه الاستطاعة، فالإنسان الذي ليس عنده تمكن واستطاعة لا يكلف، كالمجنون والصغير، فلا يكلف فلا يُؤمر ولا يُنهى، ولكن الصغير إن بلغ سبع سنوات فإن عنده استطاعة فيُؤمر بالصلاة من باب الاستحباب والتربية، والتدريب على فعل العبادة، فلا تجب عليه إلا إذا بلغ فيكلف، وهذا النوع يكون قبل الفعل.
القسم الثاني: الاستطاعة التي يكون فيها التنفيذ، وإيجاد الشيء، فهذه تكون مع الفعل فالحج مثلاً فيه الاستطاعتان، قال تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع....) [آل عمران: ٩٧] فهذه استطاعة تمكن، فيجب الحج على من يستطيع، والسبيل هو الزاد والراحلة، فيجب عليه الحج إذا وجدهما؛ لأن عنده تمكناً، هذه استطاعة قبل الفعل، أما الاستطاعة مع الفعل -وهو مباشرة الحج- فقد لا يكون عنده قدرة مثل المريض المزمن أو الكبير الهرم، فهذا لا يستطيع استطاعة تنفيذ وفعل، ويستطيع استطاعة
стр. 187
وسعها) :
وأفعال العباد خلق الله، وكسب من العباد:
ــ
تكليف، فهذا يجب عليه الحج في ذمته.
ومثل دخول وقت الصلاة يوجب الصلاة على المكلف، ويكون التنفيذ بحسب استطاعته، فالمريض يصلي قائماً، فإن لم يستطع فقاعداً، فإن لم يستطع فعلى جنب، فالصلاة تجب عليه على كل حال؛ لأنه في استطاعته ذلك، وهذه الاستطاعة قبل الفعل، أما التي مع الفعل قد تكون معدومة نهائياً، وقد تكون موجودة، ولكن ليست تامة، فيجب عليه على قدر استطاعته.
(فاتقوا الله ما استطعتم) [التغابن: ١٦] ، (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) [البقرة: ٢٨٦] .
وفيه فرق بين الاستطاعتين:
فالأولى يتعلق الخطاب بها، كما قال تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) [البقرة: ٢٨٦] ، والثانية يتعلق بها التنفيذ.
هذه المسألة حصل فيها نزاع ومزلة أقدام ومضلة أفهام، هل الأفعال مخلوقة لله أو هي من خلق العباد؟
القول الأول: قول الجبرية والجهمية: إن العبد مجبور، ليس له دخل في الأفعال، فهي محض خلق الله ، فصلاته التي يؤديها ليس باختياره، إنما هو مجبور وهؤلاء غلوا في إثبات قدرة الله.
وقولهم هذا ضلال مبين، ومعناه أن الله يظلمهم ويعذبهم على شيء
стр. 188
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ليس لهم فيه اختيار، وليس لهم فيه استطاعة، وإنما الله يعذب العبد على فعل غيره، ويثيبه على شيء لم يفعله، وهذا المذهب أخبث المذاهب.
القول الثاني: وهو مضاد للقول الأول تماماً، وهو قول المعتزلة، يقولون: الأفعال من إنتاج العبد وإرادته المطلقة ومشيئته، وليس لله تدخل فيها، وإنما العبد هو الذي يخلق فعل نفسه، فهؤلاء غالوا في إثبات قدرة العبد.
ويلزم من قولهم أن الله عاجز، وأن الله يشاركه غيره في الخلق والإيجاد، وهذا قول المجوس، ولذلك المعتزلة سُمُّوا: مجوس هذه الأمة (١) ، فالمجوس يقولون: إن للكون خالقين، خالق للخير وخالق للشر، والمعتزلة زادوا عليهم وقالوا: كل يخلق فعل نفسه، فأثبتوا خالقين.
والمذهب التوسط مذهب أهل السنة والجماعة، على ضوء الكتاب والسنة، قالوا: أفعال العباد هي فعلهم بإرادتهم ومشيئتهم، وهي خلق الله (والله خلقكم وما تعملون) [الصافات: ٩٦]
стр. 189
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل) [الزمر: ٦٢] (هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض) [فاطر: ٣] فالله منفرد بالخلق والتقدير، والعبد له مشيئته وإرادته، وله فعل، فهو باختياره يذهب إلى المسجد، وباختياره يذهب إلى المسارح؛ لأن عنده قدرة، والإنسان الذي لم يعطه الله قدرة ولا استطاعة فهذا قد عذره الله، مثل المجنون والمكره، فليس عنده إرادة، وليس عنده قصد، أما من عنده إرادة وقصد، فهذا الذي يختار الفعل لنفسه، والعقاب والثواب يقع على فعله، وليس على فعل الله .
قال الله تعالى: (إن الذين آمنوا) [البقرة: ٦٢] [النساء: ٥٩] ، (إن الذين كفروا) [آل عمران: ١١٦] أسند الإيمان إليهم، وكذلك أسند الكفر (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) [النساء: ٥٩] (ومن يطع الله ورسوله) [النور: ٥٢] أسند الأفعال إلى العباد.
والدليل على أن العبد له إرادة وقصد: قوله تعالى: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً) [الإنسان: ٣٠] ، فأثبت الله سبحانه له مشيئة وللعبد مشيئة، وجعل مشيئة العبد تحت مشيئته سبحانه (لمن شاء منكم أن يستقيم) [التكوير: ٢٨] شاء،
стр. 190
ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون:
ولا يطيقون إلا ما كلفهم:
ــ
أي: باختياره، وفي هذا رد على الجبرية. (إلا أن يشاء الله) [الإنسان: ٣٠] في هذا رد على القدرية.
قال تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) [البقرة: ٢٨٦] ، (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) [البقرة: ٢٨٦] ، (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) [البقرة: ١٨٥] ، فالله لا يكلف العباد ما لا يطيقون، إلا من باب العقوبة، كما حمّل بني إسرائيل بسبب تعنتهم (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيراً* وأخذهم الربا) [النساء: ١٦٠، ١٦١] ، فالله عاقبهم فكلفهم بما لا يطيقون، ولذلك جاء في الدعاء (ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا) [البقرة: ٢٨٦] فالله -فضلاً منه وإحساناً- لا يكلف العباد إلا ما يطيقون، رحمة منه، فهو رحيم (إن الله بالناس لرءوف رحيم) [البقرة: ١٤٣] .
هذا فيه نظر؛ بل يطيقون أكثر مما كلفهم، ولكن الله يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر، فالله وضع عنهم المشقة، وشرع لهم الدين اليسر، ونهاهم عن الزيادة على الاعتدال، فلا يجوز للإنسان أن يصلي كل الليل، وكذلك لا يجوز له ترك الزواج، قال ﵊: "أما أنا فأصلي وأنام وأتزوج النساء وأصوم
стр. 191
وهو تفسير: "لا حول ولا قوة إلا بالله". نقول: لا حيلة لأحد، ولا حركة لأحد ولا تحوّل لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله:
وكل شيء يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره:
ــ
وأفطر، فمن رغب عن سنتي فليس مني" (١) ، فالله لا يكلف ما يشق عليهم، والله لو كلفهم لأطاقوا، ولكن لا يرضى لهم المشقة والعسر.
(لا حول) أي: لا تحول من حال إلى حال (إلا بالله) وإعانته. وكذلك: ليس لك قوة إلا من قوة الله ، ففي هذا تسليم وبراءة من الحول والقوة، فالإنسان لا يُعجب بحوله ولا بقوته، وإنما يرجع إلى الله ، فتستعين بالله، فيعينك على الطاعة، ومن التحول من المعصية إلى الطاعة، ومن الكفر إلى الإسلام، فكل شيء بحول الله وقوته، ولو وكلك إلى حولك لم تستطع، وكذلك الكد والكسب لطلب المال، هذا الكد والتعب منك، ولكن التوفيق ووضع البركة من الله .
لا يقع في ملكه شيء إلا بعلمه وتقديره (وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين) [التكوير: ٢٩] .
فهو ما قضاه وقدره، وكتبه في اللوح المحفوظ، فكل ما
стр. 192
غلبت مشيئته المشيئات كلها:
وغلب وقضاؤه الحيل كلها:
يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبداً، تقدّس عن كل سوءٍ وحين، وتنزه عن كل عيب وشين .
ــ
يجري في الكون فهو بقضاء الله وقدره.
قال تعالى: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله) [التكوير: ٢٩] اثبت للعبد مشيئته، ولكنها داخلة تحت مشيئة الله، وأن العبد لا يستطيع المشيئة إلا بمشيئة الله.
مهما عملت من الأسباب ومن الأمور، إذا لم يقدر الله المسبب فلا تنفعك الأسباب، وجميع الأعمال لا تنفع إذا لم يُقدِّر الله لك النفع بها، فأنت عليك فعل السبب، والتوفيق على الله، فأنت مأمور بفعل الأسباب.
فالله يفعل ما يشاء من الخير والشر، والنعمة والنقمة، وهو غير ظالم لعباده؛ لأنه يضع الأشياء في مواضعها، فيضع النعمة والتوفيق لمن يتأهل لذلك، ويحرم من التوفيق ومن الطاعة من لا يستحق ذلك، وهو غير ظالم، فلا يعذب المطيع الصالح، ولا يثيب العاصي على معصيته.
فالله سبحانه الكامل في ذاته، والكامل في أسمائه وصفاته،
стр. 193
(لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون) :
وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات:
ــ
والكامل في أفعاله وخلقه .
وكذلك لا يُسأل سبحانه عما يفعل؛ لأن كل شيء يفعله لحكمة، وواقع موقعه، فأما العباد فيسألون؛ لأنهم يخطئون، ويضعون الأمور في غير مواضعها، ففيه فرق بين الخالق والمخلوق، فالله لا يقع في أفعاله خلل، أما العبد فعنده ظلم وحسد وكبر، وعنده أمور تقتضي أنه يخطئ في أموره وتصرفاته.
هذه مسألة فقهية، ولها تعلق بالعقيدة:
قال ﵊: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (١) .
فالعبد ينقطع عمله بموته، إلا ما تسبب في بقائه بعد موته، مثل الصدقة الجارية، كوقف مسجد أو مدرسة يدرس فيها، فما دام نفعها فأجرها يجري ما دام هذا الوقف ينتفع به.
(أو علم) بأن يكون قد درّس الفقه أو العقيدة، وصار له تلاميذ، فيجري عليه أجر تعليمه، أو ألّف كتباً تنفع الناس، فيجري أجره، وهذا من العلم الذي علَّمه.
стр. 194
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(أو ولد صالح يدعو له) فهو تزوج من أجل إعفاف نفسه، وطلباً للذرية الصالحة، فجاءه ولد صالح، وهذا مما تسبب فيه، قال ﵊: "إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم" (١) .
فإن كان صالحاً يدعو له بعد موته، فإن دعاءه يصل إليه، وهذا من عمله الذي تسبب فيه فينفعه عمل غيره.
وغير هذه المسألة محل الخلاف، قال سبحانه: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) [النجم: ٣٩] منطوق الآية: أن عمل الإنسان لا ينفع غيره، إلا ما تسبب فيه، فأخذ طائفة من العلماء بهذه الآية، وقال: لا ينفعه إلا عمله مطلقاً، لكن النبي ﷺ أخبر بأشياء تنفع الميت من عمل غيره، مثل الدعاء والاستغفار (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان) [الحشر: ١٠] (واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) [محمد: ١٩] ، هذا يشمل الأموات أيضاً.
والنبي ﷺ أمر المسلمين إذا دفنوا أخاهم أن يقفوا على قبره،
стр. 195
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأن يستغفروا له ويسألوا له التثبيت (١) ، كذلك الصدقة تنفع الميت، جاء رجل إلى النبي ﷺ وأخبره بأن أمة ماتت، ولو تكلمت لتصدقت، أفأتصدّق عنها؟ قال: "نعم" (٢) .
كذلك الحج ينفع غيره، كما جاءت به الأدلة، كما في حديث شبرمة، قال ﵊: "حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة" (٣) فهذا عمل للغير ينفع الميت، كذلك لما جاءت امرأة تسأل النبي ﷺ عن الحج عن أمها: أنها أدركتها فريضة الحج ولم تحج، أفأحج عنها؟ قال: "نعم، حجي عن أمك" (٤) . فتكون هذه الأشياء: الدعاء والاستغفار والصدقة والحج والعمرة، تكون نافعة للميت من عمل غيره، فتكون مخصصة للآية (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) [النجم: ٣٩] .
стр. 196
والله تعالى يستجيب الدعوات، ويقضي الحاجات:
ــ
وغلت طائفة في هذا وقالت: ينفع الميت كل شيء من عمل غيره، فيستأجرون المقرئين يقرءون للميت، فمثل هذا العمل لا ينفع الميت ولا الحي؛ لأن القارئ أخذ على قراءته أجرة، فليس له ثواب، ومن ناحية ثانية: أن هذا الأمر مبتدع، ليس عليه دليل، وسبحان الله! لو جعل الأجرة التي يعطيها المقرئ صدقة عن الميت صار تابعاً للسنة وينفع الميت، أما على وجه البدعة فلا ينفع الميت ولا الحي، وهذا نتيجة ترك السنة.
هذه من صفات الله أنه يجيب من دعاه، قال سبحانه (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) [البقرة: ١٨٦] .
وأمر الله بدعائه فقال: (ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) [غافر: ٦٠] ، وقال سبحانه: (أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض) [النمل: ٦٢] إلى غير ذلك من الآيات التي فيها الأمر بالدعاء وإجابة الدعاء، وهذا من كرمه وجوده وإحسانه، يأمر عباده بدعائه ليستجيب لهم، مع أنه غني عنهم، ولكن لعلمه بحاجتهم أمرهم بدعائه، وفي الحديث: "من لا يسأل الله
стр. 197
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يغضب عليه" (١) .
والدعاء أعظم أنواع العبادة؛ لقوله ﵊: "الدعاء هو العبادة" (٢) .
وكما أنه أمر بدعائه، نهى عن دعاء غيره والإشراك به في الدعاء، فقال: (وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا) [الجن: ١٨] ، (قل إنما ادعوا ربي ولا أشرك به أحداً) [الجن: ٢٠] ، (ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون) [المؤمنون: ١١٧] .
فلا يجوز دعاء غير الله، ومن دعا غير الله فهو مشرك، سواء كان المدعو ملكاً أو نبياً أو ولياً، فقد أشرك الشرك الأكبر (ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون) [الأحقاف: ٥] ، (إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم) [فاطر: ١٤]
стр. 198
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فسماه شركاً، وقال سبحانه (قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وماله منهم من ظهير* ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له) [سبأ: ٢٢، ٢٣] .
فالدعاء لا يكون إلا لله، فلا يدعى أحد من دونه من الأحياء أو الأموات، أيّاً كان هذا المدعو.
والدعاء على قسمين:
الأول: دعاء عبادة، وهو الثناء على الله في أسمائه وصفاته وأفعاله، فالذي يسبحه ويكبره ويحمده ويثني عليه قد دعاه دعاء عبادة.
الثاني: دعاء مسألة، وهو طلب الحوائج من الله ، وكلاهما تضمنته سورة الفاتحة، فأولها إلى نصفها دعاء عبادة، إلى قوله (إياك نعبد) وآخر السورة مسألة.
والعلماء يقولون: دعاء العبادة مستلزم لدعاء المسألة، ودعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة.
والله وعد من دعاه أن يستجيب له، وقد يقول قائل: أنا دعوت ولم يستجب لي.
стр. 199
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والجواب أن يُقال: المانع من عندك أنت، الدعاء سبب من الأسباب، والنتيجة لا تحصل إلا إذا انتفت الموانع، فقد يكون مانع من الموانع منع استجابة دعوتك، إما أن تكون دعوت بقلب غافل لاهٍ فأنى يُستجاب لقلب غافل لاهٍ؟ كما في الحديث، أو أنك تأكل الحرام وتشرب الحرام وتلبس الحرام، قال ﵊ في الذي: "يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يارب، يارب، ومطعمه حرام وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يُستجاب له" (١) ؟
أو يدعو بإثم أو قطيعة رحم، فلا يُستجاب له، هذا من ناحية.
ومن ناحية ثانية: أن الله أعلم بمصالحك، قد يعجل لك الإجابة وقد يؤخرها، وقد يصرف عنك من السوء مثلها، وأنت لا تدري، كما في الحديث: "ما من رجل يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل دعوته، وإما أن يؤخرها له، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها" (٢) .
أهل الضلال يقولون: لا حاجة للدعاء؛ لأن الأمر إذا كان قدر فلا يحتاج إلى دعاء؛ لأنه إذا كان الأمر قدر لك فإنه سيأتيك، ولو لم
стр. 200
ويملك كل شيء، ولا يملكه شيء:
ــ
تدع، وإن كان لم يقض لك ويقدر فإنك لو دعوت لم يحصل لك ولا يقدر، وهذا ضلال، والعياذ بالله، ومخالف لكلام الله .
والجواب: أنه لا تعارض بين الدعاء والقضاء والقدر، الذي قضى وقدر هو الذي أمر بالدعاء، والدعاء سبب من الأسباب، والمسبب هو الله ، وهناك بعض الأشياء قدرت على أسباب، إذا وجدت أسبابها وجدت مسبباتها، والدعاء سبب.
من صفات الله : أنه يملك كل شيء، فكل ما في الكون فهو ملك له (تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير) [الملك: ١] ، وقال تعالى: (له ملك السموات والأرض) [الحديد: ٢] .
فلا يخرج شيء عن ملكه، والناس وما يملكون فهم ملكه : (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير) [آل عمران: ٢٦] .
فلا أحد يفرض ويلزم ويملي على الله شيئاً؛ لأن الناس عباد لله فقراء إليه، كما قال سبحانه: (وربك يخلق ما يشاء ويختار) [القصص: ٦٨] ، وقال سبحانه: (إن الله يفعل ما يشاء) [الحج: ١٨] .
стр. 201
ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين:
ومن استغنى عن الله طرفة عين، فقد كفر وصار من أهل الحين:
والله يغضب ويرضى، لا كأحد من الورى:
ــ
وإنما هو سبحانه يدبر الأمر بمفرده، ويجريه على حكمته .
الله جل وعلا هو الغني الحميد، والخلق كلهم فقراء إلى الله، وما أحد منهم يمكن أن يستغني عن الله.
قال تعالى: (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد) [فاطر: ١٥] . فلا أحد يمكن أن يستغني عن الله، ولو كان عنده ملك الدنيا، فالملوك فقراء إلى الله، وكذلك الأغنياء، فلا أحد يستغني عن الله، لا الملائكة المقربون ولا من دونهم من الخلق.
من زعم أنه في غنىً عن الله، وأنه مستغن عن الله، فقد كفر وخرج من الملة، فالواجب على العبد أن يظهر لله ضعفه، ولا يعجبه ما هو فيه من القوة والصحة والغنى؛ لأن الأمور بيد الله ، فلا يمكن الاستغناء عن الله .
من صفات الله الفعلية: أنه يغضب ويرضى، قال سبحانه: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه) [التوبة: ١٠٠] فالله يرضى عن عباده، قال تعالى: (ورضوان من الله أكبر) [التوبة: ٧٢] ،
стр. 202
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال تعالى: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) [الفتح: ١٨] ، وهو كذلك يغضب : (قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه) [المائدة: ٦٠] فالله يغضب على من عصاه ويمقته، والمقت هو أشد البغض، قال تعالى: (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً) [النساء: ٩٣] .
والمخلوق يغضب ويرضى، ولا مشابهة بين غضب ورضا المخلوق وغضب ورضا الخالق، رضا الله وغضبه يليقان به سبحانه، ورضا وغضب المخلوق يليقان به كسائر الصفات (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) [الشورى: ١١] ، ليس له مثل في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته، وإن كانت له أسماء وصفات، وللمخلوق أسماء وصفات، فلا تشابه.
وهذا مذهب أهل السنة ولجماعة، يثبتون الرضا والغضب لله وغير ذلك من الصفات، وإن كان جنس هذه الصفات موجوداً في المخلوقين، لكن مع الفارق (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) [الشورى: ١١] كذلك المخلوق سميع بصير، وقال الله عن نفسه: (وهو السميع البصير) وقال في أول الآية: (ليس كمثله شيء) فدل على أن هناك فرقاً بين صفات الخالق
стр. 203
ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم:
ــ
وصفات المخلوق وهذا شيء معلوم من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ واعتقاد أهل السنة والجماعة، أما أهل التأويل والضلال فينفون الأسماء والصفات عن الله؛ لأن جنسها موجود في المخلوقين، ولو أثبتها اقتضى هذا المشابهة -بزعمه- وفي الحقيقة هذا لا يقتضي المشابهة.
ولكن هذا الفهم عقيم، ويأولون الغضب بالانتقام، والرضا بالإنعام، فالواجب التسليم لله ولرسوله وما ثبت عنهما، وأن يترك هذه الترهات والتأويلات.
ولذلك لما سئل مالك عن كيفية استواء الله على عرشه؟ أطرق مالك رأسه خوفاً وحياء من الله، ثم رفع رأسه وقال: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) .
أصحاب: جمع صاحب، والصحابي هو: الذي لقي الرسول وهو مؤمن به ومات على ذلك، فإن آمن به ولم يلقه فليس بصحابي، ولو كان معاصراً للنبي ﷺ ، كالنجاشي، وكذلك يشترط الإيمان به والموت على ذلك، فبمجرد الردة والموت عليها تبطل الصحبة وسائر الأعمال، وصحابة رسول الله ﷺ هم أفضل القرون والأمم بعد الأنبياء والرسل، وذلك لأنهم أدركوا المصطفى ﵊ وآمنوا به وجاهدوا معه وتلقوا عنه العلم، وأحبهم
стр. 204
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النبي ﷺ واختارهم الله لنبيه أصحاباً.
والله يقول: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً) [الفتح: ١٨] ، وقال سبحانه: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطئه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغظ بهم الكفار وعد الله الذي آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً) [الفتح: ٢٩] ، والصحابة أفضل القرون؛ لقوله ﵊: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" فهم خير القرون بفضل صحبتهم للنبي ﵊، فحبهم إيمان وبغضهم نفاق، قال تعالى: (ليغيظ بهم الكفار) [الفتح: ٢٩] .
فالواجب على المسلمين عموماً حب الصحابة جميعاً، بنص الآية؛ لمحبة الله لهم، ولمحبة النبي ﷺ ، ولأنهم جاهدوا في سبيل الله، ونشروا الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وآزروا
стр. 205
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الرسول وآمنوا به واتبعوا النور الذي أُنزل معه، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة.
فالله لما ذكر المهاجرين والأنصار في سورة الحشر، قال سبحانه: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون * والذين تبوءو الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون* والذين جاءو من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا) [الحشر: ٨-١٠] فهذا موقف المسلمين من صحابة رسول الله ﵊، يستغفرون لهم، ويسألون الله أن لا يجعل في قلوبهم بغضاً للصحابة، وكذلك آل بيت الرسول فلهم حق القرابة وحق الإيمان، ومذهب أهل السنة والجماعة: موالاة أهل بيت النبي ﵊.
وأما النواصب: فيوالون الصحابة، ويبغضون بيت النبي ﵊، ولذلك سموا بالنواصب؛ لنصبهم العداوة لأهل بيت النبي ﵊.
والروافض: على العكس، والوا أهل البيت بزعمهم،
стр. 206
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأبغضوا الصحابة، ويلعنونهم ويكفرونهم ويذمونهم.
والصحابة يتفاضلون، فأفضلهم الخلفاء الراشدون الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، رضي الله عن الجميع، الذين قال فيهم النبي ﵊: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ" (١) ثم باقي العشرة المبشرين بالجنة وهم: أبو عبيدة عامر بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، ﵃.
ثم أهل بدر ثم أهل بيعة الرضوان، قال تعالى: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً) [الفتح: ١٨] .
ثم الذين آمنوا وجاهدوا قبل الفتح، فهم أفضل من الصحابة الذين آمنوا وجاهدوا بعد الفتح، قال تعالى: (لا يستوي منكم من انفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا
стр. 207
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكلاً وعد الله الحسنى) [الحديد: ١٠] والمراد بالفتح: صلح الحديبية.
ثم المهاجرون عموماً، ثم الأنصار؛ لأن الله قدّم المهاجرين على الأنصار في القرآن، قال سبحانه: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار) [التوبة: ١٠٠] ، وقال سبحانه: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون) [الحشر: ٨] وهؤلاء هم المهاجرون.
ثم قال سبحانه في الأنصار: (والذين تبوءو الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة زن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) [الحشر: ٩] .
فقدّم المهاجرين وأعمالهم على الأنصار وأعمالهم، مما دل على أن المهاجرين أفضل؛ لأنهم تركوا أوطانهم وأموالهم وهاجروا في سبيل الله، فدل على صدق إيمانهم، فجميع الصحابة يجب حبهم وموالاتهم، ولا نتدخل فيما حصل بينهم من حروب، فما حصل بينهم من الحروب فبتأويل منهم، فهم مجتهدون، فمن أصاب منهم فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد، وكذلك عندهم
стр. 208
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من الحسنات والفضائل العظيمة التي تُكفِّر ما يقع من الخطأ من بعضهم.
فالواجب على المسلمين الترضّي عنهم، وطلب العذر لهم، والدفاع عنهم، فمذهب أهل السنة والجماعة: أنهم لا يتدخلون فيما شجر بين الصحابة ﵃؛ لما لهم من الفضل والسابقة؛ ولقوله ﵊: "لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" (١) لفضلهم، فمن تدخل فيما حصل بين الصحابة وصار في قلبه شيء، فهذا زنديق، فأما من قال: نتدخل فيما حصل بين الصحابة من باب البحث، فهذا خطر عظيم ولا يجوز، ولذلك لما سُئل عمر بن عبد العزيز عما حصل بين الصحابة قال: "أولئك قوم طهّر الله أيدينا من دمائهم، فيجب أن نطهر ألسنتنا من أعراضهم".
وقال ﵊: "هل أنتم تاركو لي أصحابي؟ " (٢) فلا نتدخل فيما حصل بين الصحابة؛ لأنه من مقتضى الإيمان ومن مقتضى النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولعامة المسلمين وخاصتهم.
стр. 209
ولا نفرط في حب أحد منهم:
ولا نتبرأ من أحد منهم:
ــ
الإفراط: الغلو، أي: لا نغلوا في حب أحد منهم، كما غلت الرافضة في حب علي ﵁ على زعمهم، وإلا الظاهر أنهم لا يحبونه ولا يحبون المسلمين عموماً، فغلوا فيه حتى قال بعضهم: إن علياً هو الله، وذلك في زمن علي ﵁، فخدَّ لهم الأخاديد وأحرقهم بالنار غيرةً لله . فالغلو ممنوع سواء في الصحابة أو غيرهم، قال سبحانه: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق) [المائدة: ٧٧] ، والنبي ﷺ يقول: "إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو" (١) فنحن نحب أصحاب رسول الله ﵊، ولكن لا نغلو فيهم حتى نجعلهم شركاء لله وندعوهم من دون الله، كما تفعل الرافضة والقبوريون، فليس هذا حباً للصحابة، فحبهم باتباعهم والاقتداء بهم والترضي عليهم.
في هذا إشارة إلى الرافضة الذين يتبرؤون من الصحابة، وخاصة أبا بكر، وعمر، وعثمان، بل يكفرون كثيراً من الصحابة، هذا من التفريط، فلا نُفرّط في حبهم؛ لأن التفريط هو ترك محبتهم.
стр. 210
ونبغض من يبغضهم:
وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير:
وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان:
ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ : أولاً
ــ
من يبغض الصحابة فإنه يبغض الدين؛ لأنهم هم حملة الإسلام وأتباع المصطفى ﵊، فمن أبغضهم فقد أبغض الإسلام؛ فهذا دليل على أنه ليس في قلوب هؤلاء إيمان، وفيه دليل على أنهم لا يحبون الإسلام.
على ما سبق فلا يجوز الخوض فيما حصل بينهم؛ بل يجب الإمساك عن ذلك وأن لا يُذكروا إلا بخير.
هذا أصل عظيم يجب على المسلمين معرفته، وهو محبة الصحابة وتقديرهم؛ لأن ذلك من الإيمان، بغضهم أو بغض أحد منهم من الكفر والنفاق، ولأن حبهم من حب النبي ﷺ ، وبغضهم من بغض النبي ﷺ .
لما فرغ مما يجب للصحابة من المحبة والولاء، وترك بغضهم وبغض من يبغضهم، وعدم التدخل فيما جرى بينهم، شرع في ذكر الخلافة بعد النبي ﷺ ، وهي على النحو الذي ذكره؛ لأن النبي ﷺ قدم أبا بكر للصلاة في آخر حياته، وفي هذا إشارة إلى خلافته، ولذلك قال الصحابة لما بايعوه: (رضيك رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 211
لأبي بكر الصديق ﵁، تفضيلاً له وتقديماً على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب ﵁، ثم لعثمان
ــ
لديننا، ألا نرضاك لدنيانا؟) فبايعوه، ولما لأبي بكر من السوابق العظيمة قبل الهجرة وبعدها، وهو أولى الناس بعد النبي ﷺ ، ثم بعده عمر بن الخطاب بعهد من أبي بكر، ثم عثمان بإجماع الصحابة باختيار من أصحاب الشورى الذين عينهم عمر قبل وفاته من العشرة المبشرين بالجنة، وهم خيار الصحابة. وبعد مقتل عثمان وليها علي ﵁، هذا هو ترتيب الخلافة، فمن زعم أن الخلافة بعد النبي ﷺ لعلي ﵁، فهو ضال ومخالف للنبي ﷺ ولإجماع المسلمين.
فالشيعة: يزعمون أنها لعلي، ويسمونه الوصي على الأمة، وإنما قصدهم التهويش وإشعال الفتن بين الناس، فهم ليسوا بأحسن نظراً من الصحابة ﵃. فالشيعة يقولون: الصحابة ظلمة، وكل وصف ذميم في القرآن المعني به الصحابة عندهم فيصفونهم بأنهم ظالمون وكافرون وضالون، وهذا مما جعل العلماء ينصون على ذكر الخلافة في كتب العقائد؛ لئلا يتأثر أحد بهؤلاء الأرجاس. فترتيب الخلفاء الأربعة على هذا الترتيب هو مذهب أهل السنة والجماعة؛ لأن الصحابة رتبوا هذا الترتيب
стр. 212
رضي الله عنه، ثم لعلي بن أبي طالب ﵁، وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهتدون:
وأن العشرة الذين سماهم رسول الله ﷺ وبشرهم بالجنة، على ما شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقوله الحق، وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح وهو أمين هذه الأمة، ﵃ أجمعين:
ــ
وأجمعوا عليه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (من خالف في أمر الخلافة فهو أضل من حمار أهله) .
فهؤلاء هم العشرة المشهود لهم بالجنة، وأبو عبيدة ﵁ وصف بأنه أمين هذه الأمة؛ لأنه لما عقد النبي ﷺ العهد مع أهل نجران، وفرض عليهم الجزية، طلبوا منه أن يبعث إليهم أميناً، فاختار أبا عبيدة وقال ﷺ : "لأبعثن عليكم أميناً، حق أمين" فاستشرف الصحابة لذلك فبعث أبا عبيدة (١) .
стр. 213
ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله ﷺ ، وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذرّيّاته المقدسين من كل رجس؛ فقد برئ من النفاق .
ــ
بعد أن ذكر ما يجب للصحابة انتقل إلى ذكر أهل بيت النبي ﷺ ، وأول أهل البيت هم أزواج النبي ﷺ ؛ قال تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) [الأحزاب: ٣٣] ، هذا خطاب لهن.
فأول من يدخل في أهل البيت: زوجاته، ثم قرابته ﵊، وهم آل العباس وآل أبي طالب، وآل الحارث بن عبد المطلب.
فالرافضة: يقدحون في عائشة ويصفونها بما برأها الله منه، وهذا تكذيب لله ووصف لله بأنه اختار لرسوله امرأة لا تصلح له، وهذا كفر بالله، قال تعالى: (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات) [النور: ٢٦] فالنبي ﷺ طيب فلا يختار الله له إلا الطيبة.
وذرياته المقصود بهم أولاده ﵊، وأولاد ابنته فاطمة، وهم الحسن والحسين وأولادهما، هؤلاء ذريته ﷺ .
стр. 214
وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين -أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر -لا يُذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل:
ــ
لما فرع ﵀ من حقوق الصحابة وأهل البيت، وما يجب لهم من المحبة والموالاة، وعدم التنقُّص لأحد منهم انتقل إلى الذين يلونهم في الفضيلة وهم العلماء، فعلماء هذه الأمة لهم منزلة وفضل بعد الصحابة؛ لأنهم ورثة الأنبياء؛ لقوله ﵊: "العلماء ورثة الأنبياء" (١) والمراد بهم: علماء أهل السنة والجماعة، أهل العلم والنظر والفقه، وأهل الأثر، وهم أهل الحديث.
فالعلماء على قسمين:
القسم الأول: علماء الأثر، وهم المحدثون الذين اعتنوا بسنة النبي ﷺ وحفظوها وذبُّوا عنها، وقدموها للأمة صافية نقية، كما نطق بها رسول الله ﷺ ، وأبعدوا عنها كل دخيل وكل كذب، فنحوا الأحاديث الموضوعة وبينوها وحاصروها، فهؤلاء يسمون: علماء الرواية.
стр. 215
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القسم الثاني: وهم الفقهاء، وهم الذين استنبطوا الأحكام، من هذه الأدلة، وبينوا فقهها، وشرحوها وبينوها للناس، فهؤلاء يسمون: علماء الدراية.
ومنهم من جمع بين العلمين، ويسمون: فقهاء المحدثين، كالإمام أحمد، ومالك، والشافعي، والبخاري.
وكل هؤلاء العلماء لهم فضل، والنبي ﷺ قال: "نضّر الله أمرأً سمع مقالتي فوعاها فأدّاها كما سمعها" (١) فالنبي ﷺ دعا لهم ومدحهم.
فالعلماء قاموا بما أوجب الله عليهم من حماية الدين والعقيدة، فبينوا الأحكام، والمواريث، والحلال والحرام، وبينوا أيضاً فقه الكتاب والسنة، فجعلوا للأمة ثروة عظيمة يستفاد منها ويقاس عليها ما يجد من مشاكل.
والفقه على قسمين:
القسم الأول: الفقه الأكبر، وهو فقه العقيدة.
القسم الثاني: وهو فقه عملي، لا يقل عن الفقه الأكبر من