لأبي بكر الصديق ﵁، تفضيلاً له وتقديماً على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب ﵁، ثم لعثمان
ــ
لديننا، ألا نرضاك لدنيانا؟) فبايعوه، ولما لأبي بكر من السوابق العظيمة قبل الهجرة وبعدها، وهو أولى الناس بعد النبي ﷺ ، ثم بعده عمر بن الخطاب بعهد من أبي بكر، ثم عثمان بإجماع الصحابة باختيار من أصحاب الشورى الذين عينهم عمر قبل وفاته من العشرة المبشرين بالجنة، وهم خيار الصحابة. وبعد مقتل عثمان وليها علي ﵁، هذا هو ترتيب الخلافة، فمن زعم أن الخلافة بعد النبي ﷺ لعلي ﵁، فهو ضال ومخالف للنبي ﷺ ولإجماع المسلمين.
فالشيعة: يزعمون أنها لعلي، ويسمونه الوصي على الأمة، وإنما قصدهم التهويش وإشعال الفتن بين الناس، فهم ليسوا بأحسن نظراً من الصحابة ﵃. فالشيعة يقولون: الصحابة ظلمة، وكل وصف ذميم في القرآن المعني به الصحابة عندهم فيصفونهم بأنهم ظالمون وكافرون وضالون، وهذا مما جعل العلماء ينصون على ذكر الخلافة في كتب العقائد؛ لئلا يتأثر أحد بهؤلاء الأرجاس. فترتيب الخلفاء الأربعة على هذا الترتيب هو مذهب أهل السنة والجماعة؛ لأن الصحابة رتبوا هذا الترتيب
стр. 212
رضي الله عنه، ثم لعلي بن أبي طالب ﵁، وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهتدون:
وأن العشرة الذين سماهم رسول الله ﷺ وبشرهم بالجنة، على ما شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقوله الحق، وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح وهو أمين هذه الأمة، ﵃ أجمعين:
ــ
وأجمعوا عليه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (من خالف في أمر الخلافة فهو أضل من حمار أهله) .
فهؤلاء هم العشرة المشهود لهم بالجنة، وأبو عبيدة ﵁ وصف بأنه أمين هذه الأمة؛ لأنه لما عقد النبي ﷺ العهد مع أهل نجران، وفرض عليهم الجزية، طلبوا منه أن يبعث إليهم أميناً، فاختار أبا عبيدة وقال ﷺ : "لأبعثن عليكم أميناً، حق أمين" فاستشرف الصحابة لذلك فبعث أبا عبيدة (١) .
стр. 213
ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله ﷺ ، وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذرّيّاته المقدسين من كل رجس؛ فقد برئ من النفاق .
ــ
بعد أن ذكر ما يجب للصحابة انتقل إلى ذكر أهل بيت النبي ﷺ ، وأول أهل البيت هم أزواج النبي ﷺ ؛ قال تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) [الأحزاب: ٣٣] ، هذا خطاب لهن.
فأول من يدخل في أهل البيت: زوجاته، ثم قرابته ﵊، وهم آل العباس وآل أبي طالب، وآل الحارث بن عبد المطلب.
فالرافضة: يقدحون في عائشة ويصفونها بما برأها الله منه، وهذا تكذيب لله ووصف لله بأنه اختار لرسوله امرأة لا تصلح له، وهذا كفر بالله، قال تعالى: (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات) [النور: ٢٦] فالنبي ﷺ طيب فلا يختار الله له إلا الطيبة.
وذرياته المقصود بهم أولاده ﵊، وأولاد ابنته فاطمة، وهم الحسن والحسين وأولادهما، هؤلاء ذريته ﷺ .
стр. 214
وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين -أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر -لا يُذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل:
ــ
لما فرع ﵀ من حقوق الصحابة وأهل البيت، وما يجب لهم من المحبة والموالاة، وعدم التنقُّص لأحد منهم انتقل إلى الذين يلونهم في الفضيلة وهم العلماء، فعلماء هذه الأمة لهم منزلة وفضل بعد الصحابة؛ لأنهم ورثة الأنبياء؛ لقوله ﵊: "العلماء ورثة الأنبياء" (١) والمراد بهم: علماء أهل السنة والجماعة، أهل العلم والنظر والفقه، وأهل الأثر، وهم أهل الحديث.
فالعلماء على قسمين:
القسم الأول: علماء الأثر، وهم المحدثون الذين اعتنوا بسنة النبي ﷺ وحفظوها وذبُّوا عنها، وقدموها للأمة صافية نقية، كما نطق بها رسول الله ﷺ ، وأبعدوا عنها كل دخيل وكل كذب، فنحوا الأحاديث الموضوعة وبينوها وحاصروها، فهؤلاء يسمون: علماء الرواية.
стр. 215
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القسم الثاني: وهم الفقهاء، وهم الذين استنبطوا الأحكام، من هذه الأدلة، وبينوا فقهها، وشرحوها وبينوها للناس، فهؤلاء يسمون: علماء الدراية.
ومنهم من جمع بين العلمين، ويسمون: فقهاء المحدثين، كالإمام أحمد، ومالك، والشافعي، والبخاري.
وكل هؤلاء العلماء لهم فضل، والنبي ﷺ قال: "نضّر الله أمرأً سمع مقالتي فوعاها فأدّاها كما سمعها" (١) فالنبي ﷺ دعا لهم ومدحهم.
فالعلماء قاموا بما أوجب الله عليهم من حماية الدين والعقيدة، فبينوا الأحكام، والمواريث، والحلال والحرام، وبينوا أيضاً فقه الكتاب والسنة، فجعلوا للأمة ثروة عظيمة يستفاد منها ويقاس عليها ما يجد من مشاكل.
والفقه على قسمين:
القسم الأول: الفقه الأكبر، وهو فقه العقيدة.
القسم الثاني: وهو فقه عملي، لا يقل عن الفقه الأكبر من
стр. 216
ولا نفضل أحداً من الأولياء على أحد من الأنبياء ﵈، ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء:
ــ
حيث الأهمية، وهو فقه الأحكام العملية.
وفي فضل العلماء جاء في الحديث عن النبي ﷺ : "فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب" (١) وذلك لأن نفعهم يتعدّى، وفي رواية: "فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم" (٢) فالعلماء لهم احترام ومنزلة.
فلا يجوز الطعن فيهم وتنقصهم حتى لو حصل من بعضهم خطأ في الاجتهاد، فهذا لا يقتضي تنقصهم؛ لأنهم قد يخطئون، ومع ذلك هم طالبون للحق، قال النبي ﷺ : "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد" (٣) وهذا في حق العلماء وليس المتعالمين؛ لأنه لا يحق لهم أن يدخلوا فيما لا يحسنون.
انتقل المصنف ﵀ من العلماء إلى الأولياء.
والأولياء: جمع ولي، والولاية هي القرب والمحبة، فهم أهل القرب والمحبة من الله ، وسُمُّوا بالأولياء لقربهم من الله، ولأن الله يحبهم، قال تعالى: (إن الله يحب التوابين ويحب
стр. 217
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المتطهرين) [البقرة: ٢٢٢] وقال تعالى: (إن الله يحب المحسنين) [البقرة: ١٩٥] .
وقد بينهم الله في قوله: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون* الذين آمنوا وكانوا يتقون) [يونس: ٦٢، ٦٣] ، فالولي لابد أن يجتمع فيه صفتان:
الأولى: الإيمان.
والثانية: التقوى.
والناس في الولاية والبغض على أقسام ثلاثة:
القسم الأول: أولياء الله الخُلَّص من الملائكة والنبيين والصدّيقين والشهداء وصالح المؤمنين.
القسم الثاني: أعداء لله عداوة خالصة، كالمشرك والكافر والمنافق النفاق الأكبر، فهؤلاء أعداء الله ورسوله (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق) [الممتحنة: ١] ، وقال تعالى: (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم) [المجادلة: ٢٢] ، وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) [المائدة: ٥١] .
стр. 218
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القسم الثالث: من فيهم ولاية من وجه، وعداوة من وجه، وهو المسلم العاصي، ففيه ولاية بقدر ما معه من طاعة، وفيه عداوة بقدر ما معه من معصية، فكل مسلم ولي لله ولكن على حسب ما معه من إيمان.
فمن ادّعى الولاية أو ادعيت له الولاية وليس معه إيمان، وليس فيه تقوى، فإنما هو دجال وكذاب.
وقد يدعون الولاية وهم سحرة وكهنة ومشعوذون وعرافون، وقد كتب شيخ الإسلام كتاباً سمّاه (الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان) وبيّن فيه من يدّعي الولاية، ويُروج على الناس أشياءً يظن أنها كرامات، وهي خوارق شيطانية، وسيأتي بيانه.
فتجب محبة أولياء الله، والاقتداء بهم، وولايتهم، والقرب منهم.
وقوله: (ولا نفضل أحداً من الأولياء على أحد من الأنبياء ﵈ :
رد على الصوفية، فعندهم غلو في الأولياء. وأنهم عندهم أفضل من الأنبياء وأهل السنة والجماعة لا يغلون في الأولياء وينزلونهم منازلهم، أما الصوفية الضلال فيفضلونهم على الأنبياء، يقول قائلهم:
стр. 219
ونؤمن بما جاء من كراماتهم، وصح عن الثقات من رواياتهم:
ــ
مقام النبوة في منزل *** فويق الرسول ودون الولي
وهذا كفر؛ لأن الأفضل الرسل ثم الأنبياء ثم الأولياء، وسبب تقديم الولي على النبي عند الصوفية -على زعمهم- أن الولي يأخذ عن الله مباشرة، والنبي يأخذ بواسطة.
وقوله: (ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء) :
وهذا لا شك فيه، فجميع الأولياء من أول الخلق إلى آخرهم لا يعادلون نبياً واحداً، وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة.
هذا بحث عظيم، وهو بحث الكرامات، فالكرامة هي الخارق للعادة، فإن كانت على يد نبي فهي معجزة، مثل معجزة القرآن، فالإنس والجن عجزوا عن أن يأتوا بمثله، وهي أعظم المعجزات، ومثل معجزة عصا موسى، والتسع الآيات، ومثل إحياء الموتى لعيسى ابن مريم؛ وإن جرت الخارقة على يد رجل صالح فهو كرامة من الله أجراها على يده، وليس من عنده، مثل ما حصل لأصحاب الكهف وما حصل لمريم (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً) [آل عمران: ٣٧] فكان يأتيها رزقها وهي تتعبّد الله ولم تخرج من المحراب، وكذلك ما حصل من كرامات لهذه الأمة، وقد ذكر شيخ الإسلام طرفاً منها في كتابه: الفرقان.
أما إذا جرى الخارق على يد كاهن أو ساحر فهذا خارق
стр. 220
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شيطاني، يجري على يده من أجل الابتلاء والامتحان، فقد يطير في الهواء ويمشي على الماء ويعمل أعمالاً خارقة للعادة وهي من أعمال الشياطين.
والضابط: أننا ننظر إلى عمله، فإن كان موافقاً للإسلام، فما يجري على يده كرامة، وإلا فهو من خدمة الشياطين له.
قال تعالى: (ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض) [الأنعام: ١٢٨] ، فالجني استمتع بالإنسي بالخضوع له وطاعته، والإنسي استمتع بالجني لأنه يخدمه ويحضر له ما يريد، قال تعالى: (قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم* وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون) [الأنعام: ١٢٨، ١٢٩] ، فهذه خوارق شيطانية، فالفارق بينها وبين الكرامة: الإيمان والعمل الصالح؛ وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، أما من عاداهم فقد حصل عنده بسبب فهم الخوارق خلط كثير، فالمعتزلة ومن نحا نحوهم من العقلانيين إلى يومنا هذا ينكرون الكرامات، حتى إن غلاتهم ينكرون بعض المعجزات، ويقولون: هذه لا يثبتها العقل؛ لأنهم يقدمون عقولهم.
الصنف الثاني: وهم القبوريون والصوفيون، غلوا في إثبات الكرامات حتى أثبتوها لأولياء الشيطان، فيثبتونها لمن لا يصلي ولا
стр. 221
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يصوم إذا جرى على يده خارق للعادة، وهي خوارق شيطانية، ومنهم من يغلو في الولي الصالح ويتخذه إلهاً مع الله كما حدث للقبوريين، فلو قرأت كتاب الشعراني المسمى "طبقات الأولياء" لرأيت العجب العجاب والحكايات الباطلة، فالولي عندهم خرج عن التكاليف ولا يحتاج إلى العبادة.
فالإنسان مهما بلغ من الصلاح والعبادة فإنه لا يخرج عن العبودية، لا الملائكة، ولا الأولياء، ولا الأنبياء، حتى نبينا ﷺ يقول: "والله إني لأرجو أن أكون أعلمكم بالله وأتقاكم"، وهو سيد البشر وخير من مشى على الأرض، ويقول الله له: (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) [الحجر: ٩٩] فما أحد بلغ ما بلغه النبي ﷺ وما خرج عن عبادة الله، حتى المسيح ﷺ يقول الله فيه: (لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعاً* فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذاباً أليماً ولا يجدون لهم من دون الله ولياً ولا نصيراً) [النساء: ١٧٢، ١٧٣] فهذا بحث
стр. 222
ونؤمن بأشراط الساعة: من خروج الدجال:
ــ
عظيم يجب معرفته، وبخاصة في أوقات الجهل والخرافة.
الأشراط: جمع شرط، وهو العلامة، ومنه سمي الشرطي: شرطياً؛ لوجود العلامة عليه.
وأشراط الساعة: علاماتها الدالة على قرب وقوعها، قال سبحانة: (فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها) [محمد: ١٨] فقوله: (فهل ينظرون) أي: ينتظرون، وقوله: (بغتة) أي: لا يعلم وقتها إلا الله، قال سبحانه: (ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة) [الأعراف: ١٨٧] ، وقال جبريل للنبي ﷺ : "أخبرني عن الساعة، قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل؟ قال: أخبرني عن أماراتها، قال: "إن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان" (١) .
وقد ذكر العلماء أن أشراط الساعة على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: العلامات الصغرى، وهذه حصلت وانقضت.
القسم الثاني: العلامات الوسطى، هذه ما تزال تحدث مثل ما حدث في زماننا من تقدم الصناعات والاتصالات، واستخراج الكنوز من الأرض، وتقارب البلدان، حتى كأن العالم قرية واحدة،
стр. 223
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واجتماع اليهود في فلسطين انتظاراً للدجال، وتوطئة للملاحم التي ستقوم هناك.
القسم الثالث: العلامات الكبرى، من خروج الدجال، ونزول عيسى ﵊، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، ثم طلوع الشمس من مغربها، فهذه إذا حصل أحدها تتابعت البقية.
وقوله: (من خروج الدجال) :
هو أول العلامات الكبرى، وهو من اليهود، ويدّعي الربوبية، ومعه خوارق شيطانية، تفتن الناس، يأمر السماء فتمطر، ويأمر الأرض فتخرج ما فيها من الكنوز والنبات.
والدجّال هو أشد الفتن؛ لأن الذين يفتنون به كثير؛ لشدة ما معه من الفتن، ومعه جنة ونار، ويأتي على جميع الأرض إلا مكة والمدينة، وهذه الفتنة تميز المؤمن من الكافر، وسُمّي دجالاً من الدجل، وهو الكذب؛ لكثرة كذبه، وسمي المسيح؛ لأنه يسير في الأرض ويمسحها بسرعة؛ لما هيأ الله له من وسائل المواصلات السريعة، التي هي أسرع من الريح، وقيل: سمي بذلك لأن عينه ممسوحة، فهو أعور، ويسمى: مسيح الضلالة. فيخرج الدجال فيتبعه اليهود، فيقودهم، ويحصل بسببه على المسلمين فتنة
стр. 224
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عظيمة، وما من نبي إلا حذر أمته منه، وأشدهم تحذيراً منه نبينا ﷺ ؛ لأنه آخر الأنبياء، وأمته آخر الأمم، وأقربها للدجال، وأمرنا النبي ﷺ بعد التشهد الأخير من الصلاة: "أن نتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال" (١) فهو فتنة عظيمة وشر كبير، فينزل عيسى ﵊ من السماء فيقتله بباب "لد" فيريح الله منه المسلمين، ثم يحكم عيسى بحكم الإسلام، فهو تابع للنبي ﷺ ؛ لأنه ليس بعد نبينا نبي، وليس بعد شريعة الإسلام شريعة.
ثم يخرج في وقته يأجوج ومأجوج، وهم أيضاً فتنة عظيمة، قال تعالى: (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون) [الأنبياء: ٩٦] ، وهم أمة من الأمم من بني آدم، كانوا في زمان الإسكندر ذي القرنين، وبنى دونهم السد، قال الله تعالى: (فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً) [الكهف: ٩٧] فلا يستطيعون الصعود فوق الحائط، ولا يستطيعون نقبة؛ لقوته؛ لأنه من الحديد والبأس الشديد، ولكن إذا جاء وعد الله جعله دكاً،
стр. 225
ونزول عيسى ابن مريم ﵇ من السماء:
ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها:
ــ
فيخرجون ويفتكون بالعالم، وليس لأحد طاقة في قتالهم، ثم يهلكهم الله في ساعة واحدة.
ويسمى بالمسيح؛ لأنه كان يمسح على ذي العاهة فيشفيه الله، ويسمى: مسيح الهداية، ونزوله من السماء إلى الأرض في آخر الزمان متواتر، ومن أنكر ذلك فهو كافر، قال تعالى: (وإنه لعلم للساعة) [الزخرف: ٦١] وفي قراءة: (وإنه لعلم للساعة) -بفتح العين واللام- أي: علامة على قرب الساعة، قال الله سبحانه: (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته) [النساء: ١٥٩] وهذا في آخر الزمان؛ لأنه حي في السماء ولا يموت إلا بعد إنهاء المهمة الموكلة إليه، فيموت فيدفن في الأرض بعد أن يقتل الدجال والخنزير ويضع الجزية ويحكم بالإسلام.
الشمس مسخرة تجري بأمر الله، فتخرج من المشرق، وتغرب من المغرب، ثم إذا كان آخر الزمان وحان قيام الساعة أمرها الله سبحانه بالطلوع من المغرب، فتكون علامة للقيامة، وإذا طلعت من مغربها فلا يقبل الله توبة التائب، قال سبحانه: (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً قل انتظروا إنا منتظرون) [الأنعام: ١٥٨] فالكافر
стр. 226
وخروج دابة الأرض من موضعها:
ولا نصدق كاهناً ولا عرّافاً:
ــ
يسلم، ولكن لا يقبل الله إسلامه، والعاصي يتوب، ولكن لا تقبل توبته.
قال سبحانه: (وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون) [النمل: ٨٢] تخرج هذه الدابة فتسم المؤمن والكافر، أي: تضع عليه علامة يتعارف الناس بها، فيتخاطبون، وهذا يقول: يا مسلم، وهذا يقول: يا كافر، ومعنى قول الله: (تكلمهم) بكلام خارق للعادة. وليس عندنا خبر ثابت عن موضع خروجها، لكن نؤمن بخروجها من موضعها الذي يعلمه عالم الغيب والشهادة، قال سبحانه: (أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم) [النمل: ٨٢] .
سبق أن ذكر المؤلف الكرامات وضابطها، وأن الكرامات حق ثابت، ولا يجوز الاعتماد عليها، ولا يظن بأن للأولياء مرتبة يُدعون فيها مع الله ، كما يقوله القبوريون والخرافيون، فيتعلقون بالأولياء والصالحين من أهل هذه الخوارق.
أما قوله ﵀: (لا نصدق كاهناً ولا عرافاً) ففيه بيان الفرق بين الكرامة والكهانة والعرافة والسحر والشعوذة والتنجيم، فهذه -أي التي مع الكهان والعرافين- خوارق شيطانية وأعمال
стр. 227
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حذقوها وتعلموها بسبب تقربهم من الشياطين فيظن الناس والجهال أن هذه كرامات وأنها بسبب ولا يتهم لله، وهذا غلط، إنما هي من فعل الشياطين؛ لخضوعهم لهم وموافقتهم على الشرك، فالسحرة ما توصلوا إلى السحر إلا لخضوعهم للشياطين، فالسحر من عمل الشيطان وهو كفر بالله، فلا يغتر بهم، فهم يقولون: هذه كرامة أو أعمال رياضية أو أعمال بهلوانية، ويحضرون في المحافل والنوادي، ويتركون يعملون السحر أمام الناس، ويقولون: هذه أمور رياضية، ليضلوا الناس وليأكلوا بسحرهم الأموال، فيجب التنبيه على هؤلاء وبغضهم وعداوتهم؛ لأنهم أعداء الله ولرسوله.
والسحر على قسمين:
القسم الأول: سحر حقيقي: وهو ما يؤثر في بدن المسحور فيمرضه أو يؤثر على عقله أو يقتله، فهذا عمل شيطاني.
القسم الثاني: سحر تخييلي، قال الله تعالى: (يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى) [طه: ٦٦] وهو ما يسمى: القمرة، فيعملون شيئاً على أعين الناس، وهو ليس له حقيقة، فيظهر منه أن يضرب نفسه بالسيف، وأنه يأكل المسامير أو النار أو الزجاج، أو يدخل في النار، أو أن السيارة تمشي عليه، أو ينام على مسامير، أو يجر السيارة
стр. 228
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بشعره، أو يأتي بأوراق عادية، ويروج على الناس أنها نقود، وإذا ذهب سرحه عادت الأوراق إلى أصلها، كما يحصل من النشالين. ومن أعمال السحرة أيضاً: أن يأتي أحدهم بجعلٍ، وهي الحشرة المعروفة، ويُظهر بسحره أمام الناس أنها خروف، وكذلك فهم يروجون على الناس أنهم يمشون على خيط دقيق، وهو ما يسمى السرك، أو ما يسمى بالبهلوان.
فهذا كله كذب وتدجيل على الناس، وسحر لأعين الناس، وهو سحر تخييلي، إذا ذهب هذا السحر عادت الأمور كما هي، فيجب علينا أن لا نغتر بهم ولا نصدقهم ولا نمكنهم من أولادنا ولا بلادنا من أجل ترويج سحرهم.
وأما الكاهن: فهو الذي يدعي علم الغيب وقد أخبرنا النبي ﷺ أن الشياطين يسترقون السمع فيسرقون الكلمة، فيخبرون بها الكاهن فيكذب معها مائة كذبة فيصدقه الناس في كل ما قال بسبب تلك الكلمة، قال سبحانه: (هل أنبئكم على من تنزل الشياطين* تنزل على كل أفاك أثيم* يلقون السمع وأكثرهم كاذبون) [الشعراء: ٢٢١، ٢٢٣] وكانت الكهانة في الجاهلية كثيرة، فكان في كل قبيلة كاهن يتحاكمون إليه ويسألونه عن الأمور الغائبة، ولما جاء الإسلام أبطل الكهانة ومنع النبي ﷺ من الذهاب إلى الكهان، قال عليه الصلاة
стр. 229
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والسلام: "من أتى كاهناً لم يقبل منه صلاة أربعين يوماً" (١) وهذا الحديث في صحيح مسلم.
وجاء في السنن "من أتى كاهناً أو عرافاً فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد" (٢) ، ولما سُئل عن الكهان قال: "ليسوا بشيء"، وقال النبي ﷺ : "لا تأتوهم"
فالكاهن: هو الذي يدّعي علم الغيب، بسبب تعامله مع الشيطان.
وأما العراف: فهو الذي يدّعي علم الغيب، لكن ليس بواسطة الشياطين، وإنما بالحدس والتخمين، فيقول: يمكن أن يقع كذا وكذا، بناء على تنبؤات كاذبة.
وقال بعض أهل العلم: إن العراف هو الكاهن، كل منهما يخبر عن الأمور الغائبة لكن باختلاف الوسيلة، فيجب على المسلم أن يكفر بالكهانة والعرافة، ولا يصدق أهلها، فهم ليسوا من أولياء الله، إنما هم من أولياء الشيطان، ومن أراد التوسع في هذا فليراجع كتاب "الفرقان" لشيخ الإسلام.
стр. 230
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأما التنجيم فالمنجم: هو الذي يخبر عن الأمور المستقبلة بواسطة النظر في النجوم، إذا طلع النجم الفلاني يحصل كذا، وإذا غرب النجم الفلاني يحصل كذا، والبرج الفلاني فيه نحس أو فيه سعادة، وهكذا يستندون إلى هذه الأعمال الكاذبة.
فالتنجيم: (هو نسبة الحوادث الأرضية إلى الأحوال الفلكية) كما عرفه شيخ الإسلام. والتنجيم من أمور الجاهلية، قال ﵊: "أربع في أمتي من أمور الجاهلية لا يتركونهن: الطعن في الأنساب، والفخر بالأحساب، والنياحة على الميت، والاستسقاء بالنجوم" (١) ، أي: طلب السقاية من النجوم، قال : (فلا أقسم بمواقع النجوم* وإنه لقسم لو تعلمون عظيم* إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون* لا يمسه إلا المطهرون* تنزيل من رب العالمين* أفبهذا الحديث أنتم مدهنون* وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون) [الواقعة: ٧٥، ٨٢] ، أي: تنسبون ما يحصل لكم من الرزق للنجوم والحوادث الفلكية، فهذا من اعتقاد الجاهلية، فالنجوم إنما هي خلق من خلق الله مسخرة، وخلقها الله لثلاث حكم:
стр. 231
ولا من يدعي شيئاً يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة:
ونرى الجماعة حقاً وصواباً، والفرقة زيغاً وعذاباً:
ــ
الأولى: أنها زينة للسماء الدنيا.
الثانية: أنها رجوم للشياطين.
الثالثة: أنها علامات يهتدي بها في ظلمات البر والبحر، فمن اعتقد أنها لغير ذلك فهو قد أضاع نصيبه.
وإذا تدبرت القرآن وجدت أن الله ذكر للنجوم ثلاث فوائد، أما ما يحدث في الأرض من حوادث فليس للنجوم فيها تأثير، وإنما المنجمون يُدَلسون ويكذبون على الناس، ويقولون: إن هذه الحوادث بسبب النجوم، قال سبحانه: (والنجوم مسخرات بأمره) [النحل: ١٢] ، فهذه الأمور تخل بالعقيدة، ويبطل إيمانه إذا صدق أن النجوم هي التي فعلت هذا الشيء بالكون.
أي: لا نصدق أحداً يخالف الكتاب أو السنة أو الإجماع؛ لأنها الأدلة التي يعتمد عليها، فما خالفها فهو باطل، سواء من الأقوال أو الأعمال أو الاعتقادات.
نرى -معشر أهل السنة والجماعة- أن الاجتماع حق والفرقة عذاب، فالاجتماع للأمة على الحق رحمة، والفرقة بينهما عذاب، وهذا من صميم عقيدة أهل السنة والجماعة، فيجب الاجتماع ونبذ الفرقة، قال : (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) [آل عمران: ١٠٣] ، فحبل الله القرآن والإسلام، وقوله:
стр. 232
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(جميعاً) أي: اجتمعوا على القرآن والسنة، وقوله: (ولا تفرقوا) لما أمر الله بالاجتماع نهى عن الفرقة، وأخبر أن الاجتماع يكون على حبل الله، وهو القرآن، ولا يجوز الاجتماع على غيره من المذاهب والحزبيات، فهذا يُسبب الفرقة.
فالاجتماع لا يحصل إلا على كتاب الله، قال سبحانه: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) [آل عمران: ١٠٣] .
فأمر الله سبحانه بالاجتماع ونبذ الفرقة في الآراء وفي القلوب، فالمسلمون مهما تفرقوا وبعدت أقطارهم فإنّهم مجتمعون على الحق، وقلوبهم مجتمعة، ويحب بعضهم بعضاً، أما أهل الباطل وإن كانوا في مكان واحد، أحدهم إلى جنب الآخر، فهم مجتمعة أبدانهم متفرقة قلوبهم، قال سبحانه: (تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى) وقال تعالى: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعدما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) [آل عمران: ١٠٥] ، وقال سبحانه: (ولا تكونوا من المشركين* من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون) [الروم: ٣١، ٣٢] ، وقال سبحانه: (أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) [الشورى: ١٣] .
فالواجب على المسلمين أن يكونوا أمة واحدة في عقيدتها وفي عبادتها وفي جماعتها وطاعتها لولي أمرها، فتكون يداً واحدة،
стр. 233
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وجسماً واحداً، وبنياناً واحداً، كما شبهها النبي ﵊، وهذا رحمة للمسلمين، تُحقن دماؤهم، وتتآلف قلوبهم، ويأمن مجتمعهم، فإذا حصل هذا درت عليهم الأرزاق. أما إذا تناحروا وتقاطعوا وتباغضوا تسلط عليهم الأعداء، وسفك بعضهم دماء بعض.
والاختلاف على قسمين:
القسم الأول: اختلاف في العقيدة، وهذا لا يجوز أبداً؛ لأنه يوجب التناحر والعداوة والبغضاء ويفرق الكلمة، فيجب أن يكون المسلمون على عقيدة واحدة، وهي عقيدة لا إله إلا الله، واعتقاد ذلك قولاً وعملاً واعتقاداً، والعقيدة توقيفية ليست محلاً للاجتهاد، فإذا كانت كذلك فليس فيها مجال للتفرق، فالعقيدة مأخوذة من الكتاب والسنة، لا من الآراء والاجتهادات، فالفرقة في العقيدة تؤدّي إلى التناحر والتباغض والتقاطع، كما حصل من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والفرق الضالة التي أخبر عنها النبي ﷺ بقوله: "ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة" قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: "من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي" (١) فما يجمع الناس إلا ما كان مثل ما عليه النبي ﷺ
стр. 234
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأصحابه.
القسم الثاني: اختلاف في الاجتهاد الفقهي، وهذا لا يوجب عداوة؛ لأن سببه هو النظر في الأدلة حسب مدارك الناس، والناس يختلفون في ذلك، وليسوا على حد سواء، فهم يختلفون في قوة الاستنباط وفي كثرة العلم وقلته.
فهذا الخلاف إذا لم يصحبه تعصب للرأي فإنه لا يفضي إلى العداوة، وكان الصحابة يختلفون في المسائل الفقهية، ولا يحدث بينهم عداوة، وهم إخوة، وكذلك السلف الصالح والأئمة الأربعة يختلفون، ولم يحصل بينهم عداوة، وهم إخوة، وكذلك أتباعهم، فإذا تعصب أحدهم للرأي فإن ذلك يوجب العداوة، ويجب على المسلم أن يأخذ الأقوال التي توافق الدليل من الكتاب أو السنة، قال سبحانه: (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) [النساء: ٥٩] ، وقال سبحانه: (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله) [الشورى: ١٠] فيرجع في الخلاف إلى الكتاب والسنة ويؤخذ ما ترجح بالدليل.
стр. 235
ودين الله في الأرض والسماء واحد، وهو دين الإسلام:
ــ
والإسلام عبادة الله وحده لا شريك له، فهذا تدين به الملائكة في السماء والإنس والجن في الأرض، وهو دين الإسلام، ومعناه بمفهومه العام: هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك، كما عرفه شيخ الإسلام ونقله عنه الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الثلاثة الأصول، فالإسلام دين جميع الأنبياء وأتباعهم، فكل نبي دعا قومه إلى ذلك، وكل من اتبعه على ذلك فيعتبر مسلماً، سواء من أول الخلق أو آخرهم، فهو مستسلم لله بالتوحيد ومنقاد إلى الله بالطاعة، فدين الأنبياء واحد، وشرائعهم شتى ومختلفة بسبب حاجة البشر في كل زمان ومكان، ففي الحديث: "الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد" (١) وقال تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً) [المائدة: ٤٨] ، فالله يشرع لكل نبي ما يناسب قومه ويناسب مصالحهم، ثم ينسخ الله لأمة أخرى بحسب مصالحها، فمن كان على دين نبي قبل أن ينسخ فهو مسلم، فعبادة الله بما شرعه لذلك النبي، ولكن بعد البعثة المحمدية صار الدين واحداً ونسخ الله ما قبله، وصار الدين المعتبر دينه ﵊، فلا يجوز لأحد أن يبقى على دين
стр. 236
قال الله تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام) . وقال تعالى: (ورضيت لكم الإسلام ديناً) :
وهو بين الغلو والتقصير:
ــ
من الأديان السابقة؛ لأن رسالته ودينه ﵊ عام لكل الخلق، وشامل لكل زمان ولكل جيل.
فهو الدين الذي رضيه لعباده من بعثة محمد ﷺ إلى أن تقوم الساعة.
فالإسلام وسط بين الغلو، وهو: الزيادة والتشديد، وبين التقصير، وهو: الجفاء، فدين الإسلام وسط لا تشديد فيه ولا تحلل منه، فكلا الطرفين مذموم، والوسط خير، ولهذا قال سبحانه: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق) [المائدة: ٧٧] وقال ﵊: "هلك المتنطعون" قالها ثلاثاً (١) ، والمتنطعون هم المتشددون في أمور الدين، ولما قال نفر على عهد النبي ﷺ .. قال أحدهم: أنا أصوم ولا أفطر، وقال الآخر: أما أنا فأصلي ولا أنام، وقال الثالث: أما أنا فلا آكل اللحم، وقال الرابع: أما أنا فاعتزل النساء، فقال ﵊: "أما إني أتقاكم لله وأخشاكم لله، وإني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس
стр. 237
وبين التشبيه والتعطيل:
ــ
مني" (١) ؛ لأن هذا تشديد ما أمر الله به، قال سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) [المائدة: ٨٧] يعني: من باب التدين، وقال سبحانه: (ولا تعتدوا) [المائدة: ٨٧] فالآية شملت الطرفين، فالدين وسط.
أي: في العقيدة، بين التعطيل والتشبيه، بين تعطيل أسماء الله وصفاته، وبين تشبيه المخلوق بالخالق، والعقيدة وسط، فالمعطلة غلوا في التنزيه، فنفوا الأسماء والصفات، والمشبهة غلوا في الإثبات حتى شبهوا الله بخلقه، والعقيدة، وسط، قال سبحانه: (ليس كمثله شيء) [الشورى: ١١] هذا رد على المشبهة، (وهو السميع البصير) [الشورى: ١١] هذا فيه رد على المعطلة، -ونحن معشر أهل السنة والجماعة- نثبت ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته له رسوله، من الأسماء والصفات، ولا نعطلها ولا ننفيها، ولا نشبه الله بأحد من خلقه، بل: نقول أسماء الله وصفاته تليق به سبحانه وإن كانت هذه الأسماء والصفات موجودة في البشر، لكن الكيفية مختلفة، والصفة تابعة للموصوف.
стр. 238
وبين الجبر والقدر:
ــ
مذهب أهل السنة والجماعة وسط بين الجبرية والقدرية، فالجبرية يغلون في إثبات القدر حتى يسلبوا العبد عن الاختيار، فيقولون: العبد ليس له اختيار، أفعاله كلها مجبور عليها، فهو آلة يحركه القدر، فصلاته وصيامه وأعماله ليس له فيها اختيار، فهو يحرك كما تحرك الآلة، وهذا مذهب باطل. والقدرية غلوا في إثبات اختيار العبد فنفوا القدر، حتى جعلوا العبد يستقل بأفعاله ويخرجونها من إرادة الله ومشيئته، وأن العبد له إرادة مستقلة، فقالوا: هو الذي يخلق فعل نفسه، وليس لله فيها تصرف، وهذا مذهب المعتزلة.
أما أهل السنة والجماعة فتوسطوا في هذه المسألة، وقالوا: إن العبد له اختيار ومشيئة، يفعل باختياره، ولكنه لا يخرج عن قضاء الله وقدره، فأفعاله خلق الله، وهي فعله وكسبه، فهو الذي يفعل المعاصي ويفعل الطاعات، ولكن الله هو المقدر، فلذلك يعاقب على جرائمه، ويثاب على طاعته، ولو كان يفعل هذا بغير اختياره ما حصل على الثواب ولا العقاب، فالمجنون والصغير لا يؤاخذان، وكذلك المكره الذي ليس له اختيار لا يؤاخذ.
стр. 239
وبين الأمن والإياس:
ــ
كذلك، هذا من عقيدة أهل السنة والجماعة، وهو الوسط بين الأمن من مكر الله والإياس من رحمته، فهم يرجون رحمة الله، ولا يأمنون من مكر الله، ولا من العذاب والفتنة، لكن لا يقنطون من رحمة الله، فيجمعون بين الخوف والرجاء، وهو ما كان عليه الأنبياء، قال سبحانه: (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين) [الأنبياء: ٩٠] ، فهؤلاء هم الأنبياء، فخوفهم من الله لم يحملهم على القنوط من رحمة الله، قال سبحانه: (إنه لا يأيئس من روح الله إلا القوم الكافرون) [يوسف: ٨٧] ، وقال سبحانه: (ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون) [الحجر: ٥٦] ، وأيضاً: رجاؤهم من الله لم يحملهم على الأمن من مكر الله، قال سبحانه: (أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون) [الأعراف: ٩٩] .
فإبراهيم أبو الأنبياء يقول: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) [إبراهيم: ٣٥] فإبراهيم ما أمن على نفسه، ولكنه خاف الفتنة؛ لأنه بشر.
فلا يأمن الإنسان على نفسه ويقول: أنا رجل صالح، بل يخاف على نفسه، مع عدم القنوط من رحمة الله، قال تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب
стр. 240
فهذا ديننا واعتقادنا ظاهراً وباطناً. ونحن براء إلى الله من كل من خالف الذي ذكرناه وبيناه:
ــ
جميعاً إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له) [الزمر: ٥٣، ٥٤] .
فالواجب على الإنسان: أن يفعل أسباب الرحمة، وهي التوبة وإسلام الوجه لله سبحانه، عند ذلك يحصل على رحمة الله، فرحمة الله قريب من المحسنين، والإحسان سبب الرحمة، هذا مذهب أهل السنة والجماعة، وهو بين مذهب المرجئة الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، فإذا كان الإنسان مؤمناً بقلبه فلا تضره المعصية، فهؤلاء أمنوا مكر الله، ويقولون: الأعمال لا تدخل في حقيقة الإيمان، فيدخل الجنة وإن لم يعمل شيئاً عندهم، وهذا مذهب أفسد الدنيا، تحلل الناس من الدين بسببه، وقالوا: ما دام أننا ندخل الجنة، فلا حاجة إلى الأعمال، فيفعلون ما يشاءون.
وبين الوعيدية الخوارج الذين يُكفِّرون بالكبائر التي دون الشرك، ويرون إنفاذ الوعيد الذي ذكره الله على من عصاه، فإن الله توعد العصاة، لكن قال: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) [النساء: ٤٨] . فهم تحت المشيئة، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، وهو الوسط.
والقول الحق مع أهل السنة والجماعة الذين توسطوا بين الأمن والرجاء، والخوف والقنوط، ولهذا يقولون: الخوف والرجاء بالنسبة للإنسان كجناحي الطائرة، ولابد من سلامة الجناحين، فكذلك الخوف والرجاء لو اختل أحدهما سقط، فلابد من التعادل كما يتعادل جناحا الطائر.
أي: ما ذكرناه في هذه العقيدة من أولها إلى آخرها،
стр. 241
ونسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإيمان، ويختم لنا به:
ويعصمنا من الأهواء المختلفة، والآراء المتفرقة:
ــ
فهو ديننا معشر المسلمين، ونحن براء من كل من خالفه؛ لأنها عقيدة حق، وما خالفها فهو باطل.
هذا تأدب مع الله، لما بين عقيدة أهل السنة والجماعة، سأل الله أن يثبته عليها، فلا يكفي أن الإنسان يعرف العقيدة، فالعالم يَزَلُّ ويخطئ، فلا يغتر الإنسان بعلمه، ولا يأمن الفتن، فهل علمه يعادل علم إبراهيم ﵊؟ وقد دعاء الله فقال: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام* رب أنهن أضللن كثيراً من الناس) [النساء: ٣٥، ٣٦] .
فالإنسان يسأل الله السلامة والعافية، فكم من عالم زل وانحرف عن الدين، وكم وكم.. فالأعمال بالخواتيم.
ما أضل الناس إلا الأهواء، قال تعالى: (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله) [القصص: ٥٠] ، وقال سبحانه: (أفرءيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم) [الجاثية: ٢٣] فالإنسان يسأل الله السلامة من الهوى، وأن يهديه الحق، وإن خالف هواه، وقال الله في اليهود: (أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون) [البقرة: ٨٧] ، فالهوى خطير جداً.
стр. 242
والمذاهب الردية:
مثل المشبهة:
والمعتزلة:
ــ
وهي الفرق التي أخبر عنها ﵊ بقوله: "ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار.... " (١) الحديث؛ لأنها خارجه عن الحق، إلا من سار على مثل ما سار عليه رسول الله ﵊ وأصحابه، فإنهم ناجون من النار، ولذلك سموا بالفرقة الناجية.
والمذاهب بمعنى الآراء.
هم الذين شبهوا صفات الله بصفات المخلوقين.
هم الذين عطلوا صفات الله ونفوها، بحجة أنهم ينزهون الله، فغلوا في التنزيه، وهم أتباع واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، وكانا من تلاميذ الحسن البصري، وكانوا يحضرون في حلقته، فسئل الحسن البصري عن صاحب الكبيرة، فأجاب بما
стр. 243
والجهمية والجبرية:
ــ
يوافق الكتاب والسنة، وقال: هو تحت المشيئة، ولا يكفر بالكبيرة، وهو ناقص الإيمان، فعند ذلك أنكر عليه واصل وقال له: هو في منزلة بين المنزلتين، ليس بكافر ولا مسلم. فاخترع هذا المذهب الباطل، واعتزل مجلس الحسن، واجتمع حوله الناس الذين هم من جنسه، فكونوا جماعة سُمُّو بالمعتزلة.
وهم أتباع الجهم بن صفوان (١) الترمذي، تبنّى مذهب شيخه الجعد بن درهم (٢) ، وهذا أخذه عن طالوت اليهودي، الذي أخذه عن لبيد بن الأعصم الذي سحر النبي ﷺ ، وهذا المذهب هو القول بخلق القرآن، ومن أقوالهم: الجبر؛ أن الإنسان مجبور على أعماله وغيرها، ولذلك نُسبوا إلى الجهم، وسموا بالجهمية، فالجهم أخذه من الجعد الذي كان في أواخر دولة بني أمية، وقتله
стр. 244
والقدرية
وغيرهم، من الذين خالفوا السنة والجماعة، وحالفوا الضلالة:
ــ
خالد بن عبد الله القسري، كان خالد يخطب في عيد الأضحى، فقال: ضحوا أيها الناس، تقبل الله ضحاياكم، فإني مُضحٍّ بالجعد بن درهم، فإنّه يزعم أن الله لم يكلم موسى تكليماً، ولم يتخذ إبراهيم خليلاً. فنزل من على المنبر فذبحه؛ لأنه زنديق، فقتله واجب، وشكر ذلك أهل السنة والجماعة، ولذلك قال ابن القيم في النونية:
ولأجل ذا ضحى بجعدٍ خالدُ الـ *** قسري يوم ذبائح القربان
لقد شكر الضحية كل صاحب سنة *** لله درك من أخي قربان
فخلفه الجهم، فنُسب المذهب إليه؛ لأنه هو الذي أظهره، فجمع بين الجبر والتجهم.
ولهذا يقول الشاعر:
عجبت لشيطان دعا الناس جهرة *** إلى النار واشتق اسمه من جهنم
(٢٢٦) والقدرية:
مثل نفاه القدر، وهم المعتزلة، يقولون: أفعالُ العباد خلقهم، وليست داخلةً في خلق الله ولا إرادته، ولذلك سُمُّوا بمجوس هذه الأمة؛ لأن المجوس أثبتوا خالقين: خالق للخير، وخالق للشر، أما القدرية فأثبتوا خالقين متعددين مع الله.
من الذين خالفوا الكتاب والسنة من سائر الفرق الضالة.
стр. 245
ونحن منهم براء، وهم عندنا ضلال وأرديا. وبالله العصمة والتوفيق:
ــ
فنحن نبرأ منهم، ونعاديهم في الله، ونبغضهم؛ لأنهم أهل ضلال وباطل، فالواجب هجرهم وبغضهم، والرد عليهم وعلى باطلهم.
فنحن نتبرأ ممن يقول: إن كل الفرق تحت اسم الإسلام، ويجب أن نتغاضى عن هذه الأمور، أخذاً بحرية الكلمة وحرية الرأي، فالفرق كلها تدخل تحت الإسلام. وهذا مذهب باطل وخطير على الأمة، وحرية الكلمة والرأي مقيدة بالكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة. والفرق المخالفة كلها في النار إلا الفرقة التي على ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه.
والإنسان عُرضة للخطأ، العصمة والتوفيق والحول والقوة بيد الله، فالإنسان لا يضمن لنفسه النجاة، إنما يرجو الله ويخافه.
وبهذا انتهت هذه النبذة المباركة، المشتملة على جُمَل عظيمة من اعتقاد أهل السنة والجماعة، فنسأل الله أن ينفعنا بها، وأن يجزل لمؤلفها جزيل الثواب على ما بيّن، وعلى ما وضح وعلى ما كتب، وعلى ما نصح للأمة، فجزاه الله خيراً وسائر أئمة المسلمين.
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيّنا محمد وآله وصحبه أجمعين.