← Акыда

Акыда · id 21523

التعليقات المختصرة على متن العقيدة الطحاوية

صالح الفوزان

Полный текст (245 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ويدعونه مع الله، وهذا غلو -والعياذ بالله- كما غلت النصارى في المسيح عيسى ابن مريم، وقالوا إنه ابن الله أو الله أو ثالث ثلاثة. ففي قوله: (عبده المصطفى) فيه ردٌ للغلو، فهو عبد، وكل من في الأرض والسموات عبيد لله ، قال سبحانه (إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً) [مريم: ٩٣] ، فالملائكة عبيد (بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون) [الأنبيا: ٢٦، ٢٧] ، والأنبياء والرسل عبيد كما قال سبحانه في نوح ﵇: (كان عبداً شكوراً) [الإسراء: ٣] ، وقال : (فكذبوا عبدنا) [القمر: ٩] ، وقال في داود: (واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب) [ص: ١٧] ، وقال في سليمان: (نعم العبد إنه أواب) [ص: ٣٠] ، وقال في أيوب: (واذكر عبدنا أيوب) [ص: ٤١] ، وقال في عيسى: (إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل) [الزخرف: ٥٩] ، فإذا كان الأنبياء والرسل والملائكة عبيد لله، وهم أشرف الخلق، فغيرهم من الأولياء والصالحين من باب أولى. وأفضلهم محمد ﷺ ، وهو آخر الأنبياء، وسماه الله عبداً في قوله: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا) [البقرة: ٢٣] يعني: رسول الله ﷺ ، وقال تعالى: (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده) [الفرقان: ١]

стр. 37

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (سبحان الذي أسرى بعبده) [الإسراء: ١] ، ومقام العبودية هو أعلى المقامات، ولا شيء أشرف من العبودية لله . قال ﵊: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله" (١) . ومعنى المصطفى: المختار، من الاصطفاء، وهو الاختيار، قال تعالى: (واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار*إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار*وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار) [ص: ٤٥، ٤٧] المصطفين: جمع مصطفى، وهو المختار، أصله مصتفى، ثم أُبدلت التاء طاء فصارت مصطفى؛ ليسهل النطق بها. فالمصطفى هو المختار؛ لأن الله سبحانه اختار محمداً ﵊ للرسالة من بين قومه، والله أعلم حيث يجعل رسالته، فلا يختار إلا من يعلم أنه يستحق الاختيار، وأنه يقوم بالمهمة؛ لأن هذه المهمة صعبة وعظيمة، فلا يختار الله إلا من هو لها أهل، قال سبحانه: (الله أعلم حيث يجعل رسالته) [الأنعام: ١٢٤] .

стр. 38

وأنه خاتم الأنبياء، وإمام الأتقياء، وسيد المرسلين وحبيب رب العالمين: ــ و (المجتبى) بمعنى المصطفى. والنبي: من أوحى إليه الله بشرع ولم يُؤمر بتبليغه، والرسول: من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، وهذا أشهر ما قيل في الفرق بين النبي والرسول، ومعنى: أمر بتبليغه، أي: أمر بإلزام الناس وأن يقاتلهم على ما جاء به. وكذلك النبي، يُوحى إليه ويدعو إلى الله ، ولكن يتبع من قبله من الأنبياء ويمشي على طريق من قبله، ولا ينفرد بشريعة خاصة، مثل أنبياء بني إسرائيل، جاءوا بالتوراة ودعوا إلى التوراة التي أنزلها الله على موسى ﵇. و (المرتضى) بمعنى المجتبى والمصطفى، فالمرتضى بمعنى: أن الله ارتضاه. هذه من صفاته ﵊. خاتم الأنبياء، ومعنى (خاتم) الذي لا يأتي بعده نبي، وختام الشيء هو: الذي يُجعل عليه حتى لا يزاد عليه ولا ينقص منه، فالله ختم الرسالات بمحمد ﷺ ، قال جل في علاه: (ما كان محمداً أباً أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين) [الأحزاب: ٤٠] ، فلا حاجة لمجيء نبي بعده؛ لأن القرآن موجود، والسنة النبوية موجودة، والعلماء الربانيون موجودون، يدعون إلى الله ويبصرون الناس؛

стр. 39

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فدين محمد باقٍ إلى قيام الساعة لا يبدل ولا ينسخ ولا يغير؛ لأن الله سبحانه جعله صالحاً لكل زمان ولكل مكان، أما شرائع الأنبياء السابقين فتكون مؤقتة لأممهم في فترة من الفترات، ثم ينسخ الله تلك الشريعة بشريعة أخرى تتناسب مع الأمة الأخرى (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً) [المائدة: ٤٨] . كما قال تعالى: (لكل أجل كتاب) أي لكل كتاب أجل. فدين الإسلام كامل لا يحتاج بعد محمد ﷺ إلى رسول، والعلماء ورثة الأنبياء، فمن اعتقد أنه يأتي بعد محمد ﷺ نبي فهو كافر بالله خارج من الملة، وقد أخبر النبي ﷺ أنه يأتي كذبة يدعون النبوة من بعده، قال ﵊: "سيأتي بعدي كذابون ثلاثون، كلهم يدعي أنه نبي، وأنا خاتم الأنبياء لا نبي بعدي" (١) . فمن ادعى النبوة أو ادعيت له النبوة ومن اتبعهم، فكلهم كفرة، وقد قاتلهم المسلمون وكفّروهم، وآخر من ادعى النبوة في الوقت الحاضر: القادياني الباكستاني الذي ادّعى النبوة له أتباعه القاديانية،

стр. 40

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ويُسمون بالأحمدية نسبة إلى اسمه؛ لأن اسمه أحمد القادياني، وقد كفره العلماء وطردوه من البلاد الإسلامية، وكفَّروا أتباعه؛ لأن هذا تكذيب لله ولرسوله، وتكفيرهم بإجماع المسلمين، لم يخالف في هذا أحد. فلابد للمسلم أن يعتقد أنه ﵊ خاتم الأنبياء والمرسلين، وإمام الأتقياء؛ يعني القدوة الوحيد للأتقياء الذين يتقون الله : (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر) [الأحزاب: ٢١] أما غير النبي ﷺ فيقتدى به إن كان يقتدي بالنبي ﷺ ، أما من خالف الرسول ﵊ فلا يجوز الاقتداء به: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم) [آل عمران: ٣١] ، فلا طريق إلى الله إلا باتباع الرسول ﵊ والاقتداء به. "وسيد المرسلين" هو ﵊ سيد ولد آدم، كما قال ﵊: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر" (١) أخبر الأمة

стр. 41

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بذلك من باب الشكر لله ، ولتشكر الأمة ربها على هذه النعمة: أن جعل رسولها سيد الرسل. و"سيد" معناه: المقدم والإمام، فهو أفضل الرسل ﵊، وإمامهم ومقدمهم. و"حبيب رب العالمين" هذه العبارة فيها مؤاخذة؛ لأنه لا يكفي قوله: حبيب، بل هو خليل رب العالمين؛ والخلة أفضل من مطلق المحبة؛ فالمحبة درجات، أعلاها الخلة، وهي خالص المحبة، ولم تحصل هذه المرتبة إلا لاثنين من الخلق إبراهيم ﵊ (واتخذ الله إبراهيم خليلاً) [النسا: ١٢٥] ، ونبينا ﵊، فقد أخبر بذلك فقال: "إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً" (١) . فلا يقال: حبيب الله؛ لأن هذا يصلح لكل مؤمن، فلا يكون للنبي ﷺ في هذا ميزة، أما الخلة فلا أحد يلحقه فيها.

стр. 42

وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى: وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى بالحق والهدى، وبالنور والضياء: ــ هذا سبق في معنى أنه خاتم النبيين، فكل دعوى للنبوة بعده فباطله وكفر؛ لأنه لا يأتي بعد نبينا ﵊ نبي، وعيسى ﵊ لما ينزل آخر الزمان فإنه لا يأتي على أنه نبي ورسول أو يأتي بشريعة جديدة، إنما يأتي على أنه مجدد لدين رسول الله ﷺ ، ومتبع لرسول الله ﷺ ، ويحكم بالشريعة الإسلامية. كذلك، هذا ما يجب اعتقاده في النبي ﷺ ، لا يكفي أن نعتقد أنه رسول الله فقط، بل أنه رسول إلى الناس عامة، بل إلى الجن والإنس، قال سبحانه: (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً) [سبأ: ٢٨] ، وقال له: (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً) [الأعراف: ١٥٨] فرسالته إلى الناس عامة، وهذا من خصائصه ﵊، فهو رسول للناس عامة، ووجبت طاعته على جميع الخلق، عربهم وعجمهم، وأسودهم وأبيضهم، وإنسهم وجنهم، فكل من بلغته دعوة الرسول ﵊ وجب أن يطيعه وأن يتبعه، فمن أقر أنه رسول الله للعرب خاصة، كما يقوله طائفة من النصارى، أنه رسول الله للعرب خاصة، وينكرون نبوته لغيرهم، فهذا كفر بالله ، وتكذيب لله عز

стр. 43

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وجل ولرسوله، فالله يقول: (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً) [سبأ: ٢٨] ، ويقول سبحانه: (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً) [الفرقان: ١] فرسالته عالمية. وقال ﵊: "كان النبي يُبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة" (١) . وكاتب رسول الله ﷺ ملوك الأرض يدعوهم إلى الإسلام، فدل على أنه مرسل إلى أهل الأرض كلهم، وأمر بالجهاد حتى يدخل الناس في الإسلام، فدل على عموم رسالته ﵊، فيجب اعتقاد هذا. فتجب في حقه هذه الاعتقادات: أولاً: أنه عبد الله ورسوله. ثانياً: أنه خاتم النبيين لا نبي بعده. ثالثاً: أن رسالته عامة للإنس والجن. ودليل عمومها للإنس: كما سبق من الآيات ومكاتبة النبي ﷺ . وأما عمومها للجن: فلقوله تعالى: (وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا انصتوا فلما قُضي ولوا إلى

стр. 44

وأن القرآن كلام الله: ــ قومهم منذرين*قالوا ياقومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم*يا قومنا أجيبوا داعي الله) [الأحقاف: ٢٩، ٣١] يعنون: محمداً ﵊. وفي قوله تعالى: (قل أوحي إليّ أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرءاناً عجباً*يهدي إلى الرشد فآمنا به) [الجن: ١، ٢] ، فدل على عموم رسالته للجن، فالنبي ﷺ بعث لأهل الأرض كلهم، إنسهم وجنهم، فمن آمن به دخل الجنة، ومن لم يؤمن به دخل النار، من الإنس والجن. وقوله: (وبالنور والضياء) هما بمعنى واحد وقد بعث النبي ﷺ بهما. قال تعالى: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً*وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً) [الأحزاب: ٤٥، ٤٦] . بعد أن تؤمن بالله ، وتؤمن برسوله ﷺ ، تؤمن أن القرآن كلام الله؛ لأن هذا هو الذي جاء به الرسول ﷺ ، وأنزل الله عليه القرآن، وهذا القرآن ليس من كلام محمد ﷺ ولا من كلام جبريل، إنما هو كلام الله ، تكلم الله به، وتلقاه جبريل من الله، وتلقاه النبي ﵊ من جبريل ﵇، وتلقته الأمة من النبي ﷺ . فهو كلام الله، منه بدأ سبحانه، لم يأخذه جبريل من اللوح المحفوظ كما يقوله أهل الضلال، ولم يكن من كلام جبريل ولا محمد، إنما هو من كلام رب العالمين. وأما جبريل ومحمد عليهما

стр. 45

منه بدأ بلا كيفية قولاً، وأنزله على رسوله وحياً: ــ الصلاة والسلام فهما مبلغان عن الله ، فالكلام إنما يقال ويضاف لمن قاله مبتدأ، لا من قاله مبلغاً ومؤدياً. فمن قال: إن جبريل أخذه من اللوح المحفوظ، أو: إن الله خلقه في شيء وأخذه جبريل من ذلك الشيء، فهو كافر بالله كفراً مخرجاً من الملة، كما تقوله الجهمية والمعتزلة ومن نحا نحوهم، فهو كلام الله، حروفه ومعانيه، تكلم الله به كيف شاء، فنحن نصف الله بأنه يتكلم، والكلام من صفاته الفعلية، والكيفية التي تكلم بها نقول: الله أعلم بها، هذه كسائر صفاته، نؤمن بها ولا نعلم كيفيتها، فالمعنى معروف، وأما الكيفية فهي مجهولة لنا. أي: أن القرآن نزل من الله، تكلم الله به وأنزله، لم ينزل من غيره ولم يبدأ من غيره، ليس كما يقولون: إنه بدأ من جبريل، أو من اللوح، أو من الهواء، إنما بدايته من الله، وسمعه جبريل وبلغه إلى النبي ﷺ وحياً، والنبي ﵊ بلغه للناس، ولو كان هذا القرآن من كلام البشر لاستطاع أحد من الناس أن يأتي بسورة من مثله، فلما عجزوا عن ذلك دل على أنه من كلام الله ، قال تعالى: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهدائكم من دون الله إن كنتم صادقين) [البقرة: ٢٣] ، وقال : (أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سورٍ مثله مفتريات) [هود: ١٣] فعجزهم الله بذلك، مع أنهم عرب فصحاء،

стр. 46

وصدّقه المؤمنون على ذلك حقاً: وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة: ــ والقرآن بلغة العرب، وبالحروف التي يتكلمون بها، وهم يحرصون على معاندة الرسول ﷺ ، ولو كان باستطاعتهم أن يعارضوا هذا القرآن، لما ادخروا وسعاً في ذلك، فلما عجزوا عن ذلك دل على أنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. فالمؤمنون بالله ورسوله يصدقون بأن القرآن كلام الله ، وأن محمداً ﷺ إنما هو مبلغ عن الله. وأما قول الله : (إنه لقول رسول كريم*ذي قوةٍ عند ذي العرش مكين) [التكوير: ١٩، ٢٠] فالمراد بإسناده إلى جبريل هو من باب التبليغ؛ لأنه لا يمكن أن يكون القرآن من كلام الله ومن كلام جبريل، الكلام لا يكون إلا من واحد، فلا يمكن وصفه بأنه كلام أكثر من واحد، ونسبته إلى الله حقيقية، وأما نسبته لجبريل فمن باب التبليغ. وفي الآية الأخرى: (إنه لقول رسول كريم*وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون) [الحاقة: ٤٠، ٤١] يعني: محمداً ﷺ ، فالإضافة إليه إضافة تبليغ. وقد أضافة سبحانه تارة إلى نفسه وتارة إلى جبريل وتارة إلى محمداً، والكلام الواحد لا يمكن أن يتكلم به أكثر من واحد. فتكون إضافة إلى الله إضافة ابتداء وهو كلامه وإضافته إلى جبريل ومحمد إضافة تبليغ. ليس بالمجاز كما يقوله الجهمية والمعتزلة، هم يقولون:

стр. 47

ليس بمخلوق ككلام البرية: ــ كلام الله، ولكن نسبته إلى الله مجاز؛ لأن الله خالقه، فإضافته إلى الله إضافة مخلوق إلى خالقه. فنقول: كذبتم؛ لأن الإضافة إلى الله على نوعين: إضافة معانٍ، وإضافة أعيان: النوع الأول: إضافة المعاني إلى الله مثل الكلام، فإضافة المعاني إلى الله إضافة صفة إلى موصوف، فالكلام والسمع والبصر والقدرة والإرادة إضافة صفة إلى موصوف؛ لأن هذه معانٍ لا تقوم بنفسها وإنما تقوم بالموصوف بها. النوع الثاني: إضافة أعيان، مثل: بيت الله، ناقة الله، عبد الله. هذه إضافة مخلوق إلى خالقه، وفائدة الإضافة هنا التشريف والتكريم. أي كلام الله ليس بمخلوق. رداً على الجهمية والمعتزلة الذين يقولون: إن القرآن مخلوق؛ لأن الله عندهم لا يتكلم، على منهجهم في نفي الصفات كلها، فراراً -بزعمهم- من التشبيه؛ لأنهم لم يفرقوا بين صفات الخالق وصفات المخلوق ففروا من التشبيه الموهوم ووقعوا في التعطيل المذموم وهو شر منه، كالمستجير من الرمضاء بالنار. ولو أنهم أثبتوا ما أثبته الله لنفسه، وعرفوا أن هناك فرقاً بين صفات الخالق وصفات المخلوق، لأصابوا عين الحق واستراحوا

стр. 48

فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر، فقد كفر: وقد ذمه الله وعابه وأوعده بسقر، حيث قال تعالى: (سأصليه سقر) [المدثر: ٢٦] . ــ وأراحوا الناس، ولكنهم في ضلال. فمن سمع كلام الله وزعم أنه كلام البشر فقد كفر؛ لأنه جحد كلام الله ، فإذا لم يكن لله كلام ينزله على عباده فبم تقوم الحجة عليهم؟ فقصدهم بقولهم هذا هدم الشرائع، فإذا كان ليس في الكون كلام لله لا في التوراة ولا في الإنجيل ولا القرآن، فمعنى ذلك أنه ما قامت على الناس الحجة من الله، وهذا من أعظم الكفر وأعظم الضلال. وقد ذم الله من قال هذه المقالة، فجعل القرآن كلام البشر، كما قال الوليد بن المغيرة المخزومي، وهو من أكابر كفار مكة ومن عظمائهم وكانوا يسمونه: زهرة مكة؛ لشرفه فيهم، فلما سمع القرآن من الرسول ﷺ أعجبه وعلم أنه ليس من كلام البشر، ومدح القرآن فقال: ليس بالشعر وليس بالسحر، أنا أعرف ضروب الشعر، وأعرف أنواع السحر، وأعرف الكهانة، وأعرف وأعرف.... فليس القرآن من هذه الأمور. فعند ذلك توجه إليه قومه الكفار بالتوبيخ والتعنيف؛ لأن معنى هذا أنه اعترف للرسول ﵊ بالرسالة، فلما رأى ذلك انحرف -والعياذ بالله- بالكلام فقال: (إن هذا إلا قول البشر) [المدثر: ٢٥] فأنزل الله

стр. 49

فلما أوعد الله بسقر لمن قال: (إن هذا إلا قول البشر) علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر: ولا يشبه قول البشر: ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر، فقد كفر: ــ : (إنه فكر وقدر*فقتل كيف قدر*ثم قتل كيف قدر*ثم نظر*ثم عبس وبسر* ثم أدبر واستكبر*فقال إن هذا إلا سحر يؤثر*إن هذا إلا قول البشر) [المدثر: ١٨، ٢٥] قال : (سأصليه سقر) [المدثر: ٢٦] ، وهي النار. فمن قال: إن القرآن ليس كلام الله وإنه كلام البشر، أو الملك، فهو مثل الوليد بن المغيرة، فما الفرق بين هذا وهذا إلا أنه ادعى الإسلام والوليد لم يدع الإسلام؟ فدعوى الإسلام لا تكفي، فإنه إن كفر بالقرآن لم ينفعه ادعاء الإسلام؛ لأن هذا ردة -والعياذ بالله-. فتبين بهذا أنه لابد من الاعتراف بأن القرآن كلام الله حقيقة. لو كان الكلام من كلام الرسول ﷺ فلا لوم على الوليد ابن المغيرة إن قال إن القرآن من كلام محمد ﷺ ، فكيف يتوعده الله بهذا الوعيد الشديد؟ فدل على أنه قال مقاله عظيمة وفظيعة -حيث نسب القرآن لغير الله، وكل من سار على هذا المذهب وهذا المنهج فإنه مثل الوليد بن المغيرة، يكون في النار خالداً فيها. يعني: من شبه الله بمعنىً من معاني البشر فقد كفر لأنه تنقص الله .

стр. 50

فمن أبصر هذا اعتبر: وعن مثل قول الكفار انزجر: وعلم أنه بصفاته ليس كالبشر . والرؤية حق لأهل الجنة، بغير إحاطة ولا كيفية: ــ لأن هناك فرقاً واضحاً بين صفات الخالق وصفات المخلوق، وإن اشتركت في الاسم والمعنى، ولكن تختلف في الحقيقة وتختلف في الواقع والخارج، فلا تشابه بين كلام الله وكلام البشر، ولا تشابه بين سمع الله وسمع البشر، ولا تشابه بين بصر الله وبصر البشر، ولا علم الله وعلم البشر، ولا مشيئة وإرادة الله ومشيئة وإرادة البشر. ففرق بين صفات الله وصفات المخلوق، فمن لم يفرق بينهما صار كافراً. من تدبر الآيات القرآنية التي أنزلها الله في الوليد بن المغيرة، من تدبرها عرف بطلان أقوال هذه الفرق الضالة في كلام الله . وصفاته من الكلام وغيره ليست كصفات البشر للفرق بين صفات الخالق وصفات المخلوق. الرؤية: أي: رؤية المؤمنين لربهم ، فإن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة، يرونه عياناً بأبصارهم كما يرون القمر ليلة البدر، وكما يرون الشمس صحواً ليس دونها سحاب، كما أخبر المصطفى ﷺ بذلك في الأحاديث

стр. 51

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الصحيحة المتواترة عنه ﵊ (١) ، ولذلك قال المصنف: الرؤية حق، أي: ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة والجماعة من السلف والخلف، ولم يخالف فيها إلا المبتدعة وأصحاب المذاهب المنحرفة. فالمؤمنون يرون ربهم كما قال سبحانه: (وجوه يومئذٍ ناضرة*إلى ربها ناظرة) [القيامة: ٢٢، ٢٣] ، وهي وجوه المؤمنين (ناضره) يعني من النضرة وهي: البهاء والحسن (تعرف في وجوههم نضرة النعيم) [المطففين: ٢٤] وأما (ناظرة) فمعناها: المعاينة بالأبصار، تقول: نظرت إلى كذا، أي: أبصرته، فالنظر له استعمالات في كتاب الله ، إذا عُدّي بـ (إلى) فمعناه المعاينة بالأبصار، (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلقت*وإلى السماء كيف رُفعت...) [الغاشية: ١٧، ١٨] ، أي: ألم ينظروا بأبصارهم إلى هذه المخلوقات العجيبة الدالة على قدرة الله عز

стр. 52

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وجل. وفي هذه الآية: (إلى ربها ناظرة) [القيامة: ٢٢، ٢٣] معداة بـ (إلى) . وإذا عُدي النظر بنفسه وبدون واسطة فمعناه التوقف والانتظار: (يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم) [الحديد: ١٣] ، (انظرونا) أي: انتظرونا من أجل أن نستضيء بنوركم؛ لأن المنافقين ينطفئ نورهم والعياذ بالله، فيبقون في ظلمة، فيطلبون من المؤمنين أن ينتظروهم حتى يقتبسوا من نورهم. وقوله تعالى: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله) [البقر: ٢١٠] أي: ما ينتظرون إلا مجيء الرب يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده. وإذا عُدي النظر بفي فمعناه التفكر والاعتبار، كما قال تعالى: (أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض) [الأعراف: ١٨٥] ، أي: يتفكروا في مخلوقات الله العلوية والسفلية، ويستدلون بها على قدرة الله الخالق واستحقاقه للعبادة. الحاصل: أن النظر هنا عُدي بـ (إلى) ومعناه: الرؤية والمعاينة. وقال : (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) [يونس: ٢٦] فسر النبي ﷺ (الحسنى) بأنها الجنة، وفسر (الزيادة) بأنها

стр. 53

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النظر إلى وجه الله الكريم، وهذا في صحيح مسلم (١) . وقال تعالى: (لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد) [ق: ٣٥] المزيد: هو النظر إلى وجه الله الكريم. وقال تعالى عن الكفار: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) [المطففين: ١٥] فإذا كان الكفار محجوبون عن الله، أي: لا يرونه؛ لأنهم كفروا به في الدنيا فهم حجوبون عن النظر إليه يوم القيامة، وهذا أعظم حرمان وأعظم عذاب، والعياذ بالله، فدلت الآية على أن المؤمنين ليسوا محجوبين عن الله يوم القيامة، وأنهم يرونه بالنظر إليه في الآخرة؛ لأنهم آمنوا به في الدنيا ولم يروه، وإنما استدلوا عليه سبحانه بآياته ورسالاته، فالله أكرمهم بالنظر إليه يوم القيامة. والنظر إلى وجه الله أعظم نعيم في الجنة. هذا مذهب أهل السنة والجماعة، وهذه بعض أدلتهم من القرآن وأما أدلتهم من السنة فكثيرة جداً بلغت حد التواتر، كما قال العلامة ابن القيم في كتابه القيم "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح"، وساق الأحاديث الواردة في الرؤية وقد بلغت حد التواتر.

стр. 54

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ منها: قوله ﵊: "إنكم سترون ربكم يوم القيامة، كما ترون القمر ليلة البدر، وكما ترون الشمس صحواً ليس دونها سحاب، لا تُضامون في رؤيته -أو: لا تَضامُّون في رؤيته-" (١) . يعني: لا تزدحمون على رؤية الله ؛ لأن كل واحد يرى الرب وهو في مكانه من غير زحام كما أن الناس يرون الشمس والقمر من غير زحام؛ لأن العادة إذا كان الشيء في الأرض وخفي يزدحمون على رؤيته ولكن إذا كان الشيء مرتفعاً كالشمس والقمر فإنهم لا يزدحمون على رؤيته، كلٌ يراه وهو في مكانه، إذا كان هذا في المخلوق الشمس والقمر، فكيف في الخالق ؟ ولم ينكر الرؤية إلا أهل البدع كالجهمية والمعتزلة الذين ينفون الرؤية، يقولون: يلزم من إثبات الرؤية أن يكون الله في جهة، والله عندهم ليس في جهة، وهو عندهم لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق ولا تحت، ولا يمنه ولا يسرة، ليس في جهة، وهذا معناه أنه معدوم، تعالى الله عما يقولون، فنفوا الرؤية من أجل هذا الرأي الباطل.

стр. 55

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأما الأشاعرة: لما لم يمكنهم إنكار الأدلة من الكتاب والسنة أثبوا الرؤية وقالوا: يُرى ولكن ليس في جهة، وهذا من التناقض العجيب! ليس هناك شيء يُرى وهو ليس في جهة، ولذلك رد عليهم المعتزلة؛ لأن هذا من المستحيل. وأهل السنة يقولون: يُرى وهو في جهة العلو من فوقهم، فالجهة إن أريد بها الجهة المخلوقة فالله ليس في جهة؛ لأنه ليس بحال في خلقه . وإن أريد بها العلو فوق المخلوقات فهذا ثابت لله ، فالله في العلو فوق السماوات، فالجهة لم يرد إثباتها أو نفيها في كتاب الله، ولكن يقال فيها على التفصيل السابق. ومعنى: "بغير إحاطة ولا كيفية" أنهم لا يحيطون بالله ، ويرونه سبحانه بغير إحاطة، والله عظيم لا يمكن الإحاطة به، قال سبحانه: (ولا يحيطون به علماً) [طه: ١١٠] ، وقال جل وعلا: (لا تدركه الأبصار) [الأنعام: ١٠٣] يعني: لا تحيط به، وليس معناه: لا تراه؛ لأن الله لم يقل: لا تراه الأبصار، إنما قال: (لا تدركه الأبصار) فالإدراك شيء والرؤية شيء آخر، فهي تراه سبحانه بدون إحاطة، وفي هذا رد على من استدل بهذه الآية على نفي الرؤية وقال: الرؤية لا تمكن؛ لأن الله

стр. 56

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال: (لا تدركه الأبصار) . فنقول لهم: أنتم لا تعرفون معنى (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) . (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) ، معناها: لا تحيط به، وليس معناه: لا تراه، ولم يقل سبحانه: لا تراه الأبصار. واستدلوا أيضاً فقالوا: موسى ﵇ قال: (رب أرني أنظر إليك قال لن تراني) [الأعراف: ١٤٣] هذا دليل على نفي الرؤية. نقول لهم: هذا في الدنيا، لأن موسى سأل ذلك في الدنيا، ولا أحد يرى الله في الدنيا لا الأنبياء ولا غيرهم، وأما في الآخرة فيرى المؤمنون ربهم، وحال الدنيا ليست كحال الآخرة، فالناس في الدنيا ضعاف في أجسامهم وفي مداركهم، لا تستطيع أن ترى الله ، وأما في الآخرة فإن الله يعطيهم قوة يستطيعون بها أن يروا ربهم -جل وعلا- إكراماً لهم. ولهذا لما سأل موسى ربه في هذه الآية: (قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً) [الأعراف: ١٤٣] الجبل اندك وصار تراباً، والجبل أصم صلب، فكيف بالمخلوق المكون من لحم ودم وعظام؟ فهو لا يستطيع رؤية الله في الدنيا. وسؤال موسى رؤية الله دليل على جواز الرؤية وإمكانها؛ لأن

стр. 57

كما نطق به كتاب ربنا: (وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة) : وتفسيره على ما أراده الله تعالى وعلمه: ــ موسى لا يسأل ربه شيئاً لا يجوز، إنما سأله شيئاً يجوز، ولكن لا يكون هذا في الدنيا، فالله سبحانه قال: (لن تراني) ولم يقل: إني لا أرى. فالله يُرى في الآخرة (١) ، وأولى الناس بهذه الرؤية الأنبياء. وقوله: "ولا كيفية" أي: لا يقال: كيف يرون الله؟ لأن هذا كسائر صفات الله لا نعرف كيفيتها، فنحن نؤمن به ونعرف معناها ونثبتها، ولكن الكيفية مجهولة ولا نعرفها، فالله أعلم بها سبحانه. هذا صريح أنه نظر إلى الله بالأبصار حيث عُدّي بإلى، فمعناه الرؤية بالأبصار، قالت المعتزلة: (إلى ربها) (إلى) جمع بمعنى: نِعَم. أي إلى نِعَم ربها ناظرة. وهذا تخريف يضحك منه العقلاء، لأن الحرف لا يحول إلى جمع. أي تفسير (إلى ربها ناظرة) [القيامة: ٢٣] أي: على ما أراده

стр. 58

وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن الرسول ﵌ فهو كما قال: ومعناه على ما أراد: لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا: ــ الله جل وعلا، وهو المعاينة بالأبصار، لا على ما أراده المبتدعة. كل ما جاء عن الرسول ﵊ في إثبات الرؤية فهو حق على حقيقته، مثل ما جاء في القرآن سواء، يجب الإيمان به؛ لأن كلام الرسول ﷺ وحي من الله (وما ينطق عن الهوى*إن هو إلا وحي يوحى) [النجم: ٣، ٤] ، ويسمى بالوحي الثاني، ولقد أخبر النبي ﷺ في أحاديث كثيرة متواترة أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، فيجب الإيمان بذلك من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تمثيل ولا تكييف. أي ما أراد الرسول ﷺ ، لا على ما أراده المبتدعة والمحرفة. كما يفعله الجهمية والمعتزلة ومن تتلمذ عليهم وأخذ برأيهم من التأويل الباطل. بل الواجب علينا أن نتبع الكتاب والسنة، ولا نتدخل بعقولنا وأفكارنا ونحكمها على ما جاء في الكتاب والسنة، الواجب أن

стр. 59

فإنه ما سَلِمَ في دينه إلا من سلّم لله ولرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ــ الكتاب والسنة يحكمان على العقول والأفكار (١) . ومعنى (سلَّم) أي: قَبِلَ ما جاء عن الله، وعن رسوله ﷺ وآمن به على ما جاء، من غير أن يتدخل بتحريفه وتأويله، هذا معنى التسليم. قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: "آمنت بالله وبما جاء في كتاب الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله ﷺ " أي: لا على الهوى والتحريف وأقوال الناس (٢) . من سَلَّم وانقاد وردّ ما اشتبه عليه، ولم يعرف معناه أول لم يعرف كيفيته، رده إلى عالمه، وهو الله، ، فالذي

стр. 60

ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه: ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام: فمن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، ــ يشكل عليه شيء يرجع إلى أهل العلم وفوق كل ذي علم عليم، فإن لم يكن عند العلماء علم بهذا فإنه يجب تفويضه إلى الله جل وعلا. ولذلك كان النبي ﷺ إذا سأل أصحابه عن بعض الأشياء التي لا يعرفونها قالوا: الله ورسوله أعلم. فلا يدخلون في المتاهات ويتخرصون. فإن وجدت عالماً موثوقاً يبين لك فالحمد لله، وإلا فابق على تسليمك واعتقادك أنه حق وأن له معنى، ولكن لم يتبين لك. لا يثبت الإسلام الصحيح إلا بالتسليم لله ، قال سبحانه: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً) [النساء: ٦٥] . والاستسلام هو: الانقياد والطاعة لما جاء عن الله ورسوله ﷺ . من لم يؤمن بما حجب عنه علمه، مثل علم الكيفية، فالواجب علينا الإيمان بها وردها، أي: رد علمها إلى الله (فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا

стр. 61

حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان: فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق التكذيب، والإقرار والإنكار: ــ فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً) [البقرة: ٢٦] . وقال : (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله) [آل عمران: ٧] ، حجب الله علمه عن الخلق فلا تتعب نفسك، ثم قال: (والراسخون في العلم يقولون آمنا به كلٌ من عند ربنا) [آل عمران: ٧] . يسلّمون ويستسلمون، ولا يمنعهم عدم معرفة معناه من الإيمان به والتسليم له. أو أن المعنى أنهم يردون المتشابه من كتاب الله إلى المحكم منه ليفسروه ويتضح معناه ويقولون: (كل من عند ربنا) . من لم يُسلِّم لله ولا إلى الرسول، فإنه يحجب عن معرفة الله ومعرفة الحق، فيكون في متاهات وضلالات (١) . وهذه حال المنافقين الذين يتذبذبون، تارة مع المسلمين وتارة مع المنافقين، وتارة يصدقون وتارة يكذبون (كلما أضاء لهم

стр. 62

موسوساً تائهاً شاكاً، لا مؤمناً مصدقاً، ولا جاحداً مكذباً: ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم بوهم أو تأولها بفهم: ــ مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا) [البقر: ٢٠] . أما أهل الإيمان فما عرفوا قالوا به، وما لم يعرفوا وكلوا علمه إلى الله جل وعلا، ولا يكلفون أنفسهم شيئاً لا يعرفونه، أو يقولون على الله ما لا يعلمون -فالقول على الله بغير علم هو عديل الشرك، بل هو أعظم من الشرك، قال تعالى: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) [الأعراف: ٣٣] . فجعل القول على الله بغير علم فوق الشرك بالله، مما يدل على خطورة القول على الله بغير علم. هذه حالة أهل التردد والنفاق، دائماً شاكين، دائماً مترددين ومتذبذبين؛ لأنه ما ثبتت قدم أحدهم في الإسلام ولم يسلم لله ولا إلى رسول الله ﷺ . كما ذكر الله عن المنافقين أنهم (مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء) [النساء: ١٤٣] .، (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون*الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون) [البقرة: ١٤، ١٥] . دار السلام هي الجنة، فلا يصح الإيمان بالرؤية أي رؤية الله فيها لمن يتوهم ويتأول فيها وينفي حقيقتها، ولم يسلم لله ولا إلى

стр. 63

إذا كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يُضاف إلى الربوبية بترك التأويل ولزوم التسليم: وعليه دين المسلمين: ومن لم يتوق النفي والتشبيه، زل ولم يصب التنزيه: ــ رسوله ﷺ ، ويتدخل فيها بفكره وفهمه. كل هذا تأكيد لما سبق في أنه يجب التسليم لما جاء عن الله وعن رسول الله ﷺ ، ومن ذلك الرؤية، لا نتدخل فيها كما تدخل أهل البدع، بل نثبتها كما جاءت ونؤمن بها، ونثبت أن المؤمنين يرون ربهم في عرصات يوم القيامة قبل دخول الجنة، وبعد دخولهم الجنة يرونه أيضاً، إكراماً لهم حيث آمنوا به في الدنيا ولم يروه. وهذا الأمر عليه دين المسلمين، وهو الإيمان والتسليم لما جاء عن الله ورسوله، وعدم التدخل في ذلك بالأفهام والأوهام والتأويلات الباطلة، والتحريفات الضالة، هذا دين الإسلام، بخلاف غير المسلمين، فإنهم يتدخلون فيما جاء عن الله وعن رسوله ﵊، ويحرفون الكلم عن مواضعه. لابد كما سبق من الوسط بين التعطيل وبين التشبيه، فلا يبالغ ويغلو في تنزيه الله حتى يعطل الله من صفاته كما فعل المعطلة، ولا يُثبت إثباتاً فيه غلو حتى يشبه الله بخلقه، بل يعتدل فيُثبت لله ما

стр. 64

فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية: منعوت بنعوت الفردانية. ليس في معناه أحد من البرية: وتعالى عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات: ــ ثبته لنفسه له رسوله، من غير تشبيه ولا تمثيل، ومن غير تعطيل ولا تكييف، هذا هو الصراط المستقيم المعتدل. فالله لا شبيه له، ولا مثيل ولا عديل له، . صفات الوحدانية بأن الله واحد لا شريك له، لا في ربوبيته ولا في ألوهيته، ولا في أسمائه وصفاته، فهو واحد في كل هذه الحقائق. منعوت، أي: موصوف بصفات الكمال، ونعوت الجلال، التي لا يشبهه فيها أحد من خلقه، بل أسماؤه وصفاته خاصة به ولائقة به، وصفات المخلوقين وأسماء المخلوقين خاصة بهم ولائقة بهم، وبهذا يتضح لك الحق والصواب، وتبرأ من طريقة المعطلة ومن طريقة المشبهة. هذا فيه إجمال: إن كان يريد الحدود المخلوقة فالله منزه عن الحدود والحلول في المخلوقات، وإن كان يريد بالحدود: الحدود غير المخلوقة، وهي جهة العلو، فهذا ثابت لله جل وعلا وتعالى، فالله لا ينزه عن العلو، لأنه حق، فليس هذا من باب الحدود ولا من باب الجهات المخلوقة.

стр. 65

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والغايات فيها إجمال أيضاً، فهي تحتمل حقاً وتحتمل باطلاً، فإن كان المراد بالغاية: الحكمة من خلق المخلوقات، وأنه خلقها لحكمة، فهذا حق، ولكن يقال: حكمة، لا يقال: غاية، قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) [الذاريات: ٥٦] . وإن أريد بالغاية: الحاجة إلى المخلوقات، فنعم، هذا نفي صحيح، فالله لم يخلق الخلق لحاجته وفقره إليهم، فإنه غني عن العالمين. (والأركان، والأعضاء، والأدوات) فيها إجمال أيضاً، إن أُريد بالأركان والأعضاء والأدوات: الصفات الذاتية مثل الوجه، واليدين، فهذا حق، ونفيه باطل. وإن أُريد نفي الأعضاء التي تشابه أعضاء المخلوقين وأدوات المخلوقين فالله سبحانه منزه عن ذلك، فالأبعاض والأعضاء فالحاصل أن هذا فيه تفصيل: أولاً: إذا أُريد بذلك نفي الصفات الذاتية عن الله تعالى من الوجه واليدين، وما ثبت له من صفاته الذاتية، فهذا باطل. ثانياً: أما إن أُريد بذلك أن الله منزه عن مشابهة أبعاض

стр. 66

لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات . والمعراج حق، وقد أُسري بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ــ المخلوقين وأعضاء المخلوقين وأدوات المخلوقين، فنعم، الله منزه عن ذلك؛ لأنه لا يشبهه أحد من خلقه، لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته. الحاصل: أن هذه الألفاظ التي ساقها المصنف فيها إجمال ولكن يحمل كلامه على الحق؛ لأنه -رحمه الله تعالى- من أهل السنة والجماعة، ولأنه من أئمة المحدثين، فلا يمكن أن يقصد المعاني السيئة، ولكنه يقصد المعاني الصحيحة، وليته فصّل ذلك وبيّنه ولم يجمل هذا الإجمال. نقول: هذا فيه إجمال، إن أُريد الجهات المخلوقة، فالله منزّه عن ذلك، لا يحويه شيء من مخلوقاته، وإن أُريد جهة العلو وأنه فوق المخلوقات كلها، فهذا حق ونفيه باطل، ولعل قصد المؤلف بالجهات الست، أي: الجهات المخلوقة؛ لا جهة العلو لأنه مثبت للعلو ﵀، ومثبت للاستواء. معنى الإسراء هو السير ليلاً، فقد أُسري بالنبي ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في ليلة واحدة. أسرى به جبريل بأمر من الله تعالى قال تعالى (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا) [الإسراء: ١] .. وهذا من معجزاته ﵊؛ لأن هذه المسافة

стр. 67

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كانت تقطع في شهر أو أكثر، وقطعها النبي ﷺ في ليلة واحدة. وأما المعراج: فهو آله الصعود وعرج، يعني صعد (تعرج الملائكة والروح إليه) [المعارج: ٤] . يعني: تصعد، فالعروج معناه: الصعود، والمعراج آلة الصعود التي يصعد بها. وكلاهما ثابت للنبي ﷺ (١) . فالإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وأما المعراج فمن الأرض إلى السماء، وكل هذا حصل في ليلة واحدة، أُسري به إلى بيت المقدس وصلى فيه بالأنبياء، ثم عرج به إلى السماء وجاوز السبع الطباق، وأراه الله من آياته ما أراه من آياته الكبرى، ثم نزل إلى الأرض، ثم جاء به جبريل إلى المكان الذي أُسري به منه في ليلة واحدة. فالإسراء مذكور في سورة الإسراء، والمعراج مذكور في سورة النجم (والنجم إذا هوى*ما ضل صاحبكم وما غوى*وما ينطق عن الهوى*إن هو إلا وحي يوحى* علمه شديد القوى) [النجم: ١، ٥] يعني: جبريل (ذو مرة فاستوى*وهو بالأفق الأعلى) [النجم: ٦، ٧]

стр. 68

وعرج بشخصه في اليقظة إلى السماء: ثم إلى حيث شاء الله من العلا. وأكرمه الله بما شاء: وأوحى إليه ما أوحى (ما كذب الفؤاد ما رأى) : ــ هذا العروج، (ثم دنا) من ربه أو أن جبريل دنا من الرسول ﷺ : (فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى * فأوحى إلى عبده ما أوحى) [النجم: ٨، ١٠] . فالإسراء والمعراج حق، ومن أنكرهما واستبعدهما فهو كافر بالله ، ومن تأولهما فهو ضال، ولم ينكره إلا المشركون، فمن يقول: أُسري بروحه دون جسده، أو كان ذلك مناماً لا يقظة، فهذا ضلال؛ لأن الله قال: (أسرى بعبده) والعبد اسم للروح والبدن، لا يقال للروح إنها عبد، وكان الإسراء في حال اليقظة ولم يكن مناماً؛ لأن المنام ليس فيه عبرة، كل الناس يرون الرؤيا ويرون عجائب، وليست خاصة بالنبي ﷺ . عرج بشخصه، رد على الذين يقولون: عرج بروحه، بل عرج بشخصه -والشخص اسم للروح والجسم، والله يقول: (أسرى بعبده) . هذا المعراج إلى السماء أوحى الله إليه بذلك المكان ما أوحى، وكلمه الله سبحانه ولم ير الله؛ لأن الله لا يُرى في الدنيا. هذا المعراج المذكور في سورة النجم.

стр. 69

فصلى الله عليه وسلم في الآخرة والأولى: والحوض الذي أكرمه الله تعالى به -غياثاً لأمته- حق: ــ هذا من حقوقه ﵊: أن يصلى عليه ويسلم عند ذكره (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً) [الأحزاب: ٥٦] . ولما أصبح النبي ﷺ في مكة وأخبر المشركين بهذه الحادثة اشتد كفرهم وتكذيبهم بهذه المناسبة؛ من أجل أن يشوهوا الرسول ﷺ . ويقولون: نحن نمشي إلى فلسطين مدة شهر فأكثر، وهو يقول: في ليلة واحدة! فارتد بعض ضعاف الإيمان بسبب هذه الحادثة، وأما أهل الإيمان الصحيح فثبتوا وصدقوا، ولهذا لما قالوا لأبي بكر ﵁: أما ترى صاحبك كيف يقول؟ قال: وماذا يقول؟ قالوا: إنه يقول: إنه ذهب إلى بيت المقدس وجاء في ليلة واحدة، قال: فإن كان قاله فهو كما قال. لأنه لا ينطق عن الهوى. وقال: أنا أصدقه بخبر السماء -أي الوحي- أفلا أصدقه في هذا!؟ هذا هو الإيمان الثابت الراسخ الذي لا يتزعزع. من جملة ما يعتقده أهل السنة والجماعة ما صح فيه الخبر عن رسول الله ﷺ من أمور يوم القيامة، وما يحدث في يوم القيامة من أمور، فمن ذلك:

стр. 70

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحوض: فإن النبي ﷺ أخبرنا أن له حوضاً (١) في يوم القيامة في المحشر يرده أتباعه الذين آمنوا به واتبعوه، فيشربون منه، فإذا شربوا منه شربة واحدة لم يظمؤوا بعدها أبداً، وذلك لأن يوم القيامة يوم شديد وعصيب وفيه حر شديد. فيحصل الظمأ الشديد، فجعل الله هذا الحوض غياثاً لأمة محمد ﷺ يغيثهم به، ومعلوم أن الغيث الذي ينزله الله من السماء تحيا به الأرض وتحيا به النفوس، فكذلك الحوض فإنه غياثٌ يغيث الله به العباد عند شدة حاجتهم إلى الماء. والحوض هو مجمع الماء، وقد وصفه ﵊ بأنه حوض عظيم طوله شهر وعرضه شهر، وآنيته عدد نجوم السماء، وأن من يشرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً، ماؤه أبيض من اللبن وأحلى من العسل (٢) .

стр. 71

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأخبر ﵊ أنه يرده أقوامٌ ثم يذادون ويمنعون من الشرب منه، فيقول الرسول ﷺ : "يارب، أمتي، أمتي" فيقول الله : "إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك" فيقول ﵊: "سُحقاً وبُعداً لمن بدّل وغير" (١) ، ويمنع من وروده أهل البدع المضلة المخالفون لرسول الله ﷺ الذين كفروا وارتدوا على أعقابهم، تاركين السنة، وذاهبين بأهوائهم وآرائهم المذاهب المنحرفة، هؤلاء يمنعون من حوض النبي ﷺ ؛ لأنهم بدلوا وغيروا من هدي النبي ﷺ ، ولا يرده إلا من كان متبعاً لسنة رسول الله ﷺ قولاً وعملاً واعتقاداً، وبعض العلماء يرى أن الكوثر المذكور في قوله تعالى: (إنا أعطيناك الكوثر) [الكوثر: ١] هو الحوض، وبعض العلماء يرى أن معنى الكوثر: الخير الكثير، ولا شك أن الحوض يدخل في هذا الخير الكثير؛ لأنه خير لهذه الأمة (٢) ، فهذا

стр. 72

والشفاعة التي ادخرها لهم حق، كما رُوي في الأخبار: ــ هو حوض النبي ﷺ ، فيجب الإيمان به واعتقاده، وأن يتمسك الإنسان بالسنة، حتى يرد هذا الحوض، ولا يُردّ عنه يوم القيامة. الشفاعة أيضاً من مسائل العقيدة المهمة (١) ؛ لأنه قد ضل في إثباتها أناس، وغلا في إثباتها أناس، وتوسط فيها أناس. فالشفاعة يوم القيامة الناس فيها على ثلاثة أقسام: قوم غلوا في إثباتها حتى طلبوها من الأموات ومن القبور ومن الأصنام والأشجار والأحجار (ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله) [يونس: ١٨] ، (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) [الزمر: ٣] .

стр. 73

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وطائفة غلت في نفي الشفاعة كالمعتزلة والخوارج، فإنهم نفوا الشفاعة في أهل الكبائر، وخالفوا ما تواترت به الأدلة من الكتاب والسنة في إثبات الشفاعة. وأهل السنة والجماعة توسطوا فأثبتوا الشفاعة على الوجه الذي ذكره الله ورسوله، وآمنوا بها من غير إفراط ولا تفريط. والشفاعة في اللغة مأخوذة من الشفع، وهو ضد الوتر، فالوتر هو الفرد الواحد. والشفع هو أكثر من واحد، اثنين أو أربعة أو ستة، وهو ما يسمى بالعدد الزوجي. وشرعاً: الوساطة في قضاء الحاجات، وساطة بين من عنده الحاجة وصاحب الحاجة، وهي على قسمين: شفاعة عند الله، وشفاعة عند الخلق. فالشفاعة عند الخلق على قسمين: شفاعة حسنة، وهي الأمور الحسنة النافعة المباحة، تتوسط عند من عنده حاجات الناس من أجل أن يقضيها لهم، قال سبحانه: (من يشفع شفاعةً حسنة يكن له نصيب منها) [النساء: ٨٥] ، وقال ﵊: "اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان

стр. 74

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رسوله ما شاء" (١) . هذه شفاعة حسنة وفيها أجر؛ لأن فيها نفعاً للمسلمين في قضاء حاجاتهم وحصولهم على مطلوبهم الذي فيه نفع لهم، وليس فيها تعدّ على أحد أو ظلمٌ لأحد. والقسم الثاني: شفاعة سيئة، وهي التوسط في أمور محرمة، كالشفاعة في إسقاط الحدود إذا وجبت، وهذا يدخل فيمن لعنه النبي ﷺ في قوله: "لعن الله من آوى محدثاً" (٢) . والشفاعة أيضاً في أخذ حقوق الآخرين وإعطائها لغير مستحقها، قال تعالى: (ومن يشفع شفعة سيئة يكن له كفلٌ منها) [النساء: ٨٥] . أما الشفاعة عند الله فليست كالشفاعة عند المخلوق، فالشفاعة عند الخالق: أن يكرم الله جل وعلا بعض عباده في أن يدعو لأحد المسلمين المستحقين للعذاب بسبب كبيرة ارتكبها، فيشفع عنده الشافع في أن يعفو عنه ولا يعذبه؛ لأنه مؤمن موحد،

стр. 75

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فيشفع الشافع عند الله جل وعلا بأن يعفو عنه، أو فيمن دخل النار في معصية فيشفع الشافع عند الله في أن يخرج ويرفع عنه العذاب، وهي ما تسمى بالشفاعة في أهل الكبائر. لكن الشفاعة عند الله يشترط لها شرطان: الشرط الأول: أن تكون بإذن الله، فلا أحد يشفع عند الله إلا بإذن، فهو الذي يأذن للشافع أن يشفع، أما من قبل أن يأذن فلا أحد يتقدم إلى الله : (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) [البقرة: ٢٥٥] ، وليس كالمخلوق الذي يتقدم الناس للشفاعة عنده وإن لم يأذن، فالله جل وعلا لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه. الشرط الثاني: أن يكون المشفوع فيه من أهل التوحيد وأهل الإيمان، ممن يرضى الله عنهم قولهم وعملهم، (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) [الأنبياء: ٢٨] ، أي: رضي الله قوله وعمله، وجاء الشرطان في قوله تعالى: (إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى) [النجم: ٢٦] . أن يأذن الله هذا الشرط الأول، ويرضى هذا الشرط الثاني. أما الكافر فإنه لا تنفعه الشفاعة (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) [المدثر: ٤٨] ، (ما للظالمين من حميم ولا شفيع
следующие страницы →