Полный текст (194 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الله إلى خرافات مكذوبة عن مشايخهم، واستنادهم إلى شيوخهم، وتقليدهم في صائب حركاتهم وخطائها، وإعراضهم عن دين الله الذي أنزله من السماء.
فأنتم بحمد الله تجاهدون هذا الصنف أيضًا كما تجاهدون من سبق حفظتم من دين الله ما أضاعوه، وعرفتم ما جهلوه، تقومون من الدين ما عوجوه، وتصلحون منه ما أفسدوه.
وأنتم أيضًا في مقابلة رسمية الصوفية والفقهاء وما أحدثوه من الرسوم الوضعية والآصار الابتداعية من التصنع باللباس والإطراق والسجادة لنيل الرزق من المعلوم ولبس البقيار والأكمام الواسعة في حضرة الدرس وتنميق الكلام والعدو بين يدي المدرس راكعين حفظًا للمناصب واستجلابًا للرزق والإدرار، فخلط هؤلاء في عبادة الله غيره وتألهوا سواه، ففسدت قلوبهم من حيث لا يشعرون، يجتمعون لغير الله بل للمعلوم، ويلبسون للمعلوم.
وكذلك في أغلب حركاتهم يراعون ولاة المعلوم فضيعوا كثيرًا من دين الله وأماتوه، وحفظتم أنتم ما ضيعوه، وقومتم ما عوجوه.
وكذلك أنتم في مقابلة ما أحدثته الزنادقة من الفقراء والصوفية من قولهم بالحلول والاتحاد، وتأله المخلوقات كاليونسية والعربية والصدرية والسبعينية والتلمسانية، فكل هؤلاء بدلوا دين الله تعالى وقلبوه وأعرضوا عن شريعة رسول الله؛ فاليونسية يتألهون شيخهم، ويجعلونه مظهرًا للحق ويستهينون بالعبادات ويظهرون بالفرعنة والصولة والسفاهة والمحالات؛ لما وقر في بواطنهم من الخيالات الفاسدة وقبلتهم الشيخ يونس ورسول الله.
والقرآن المجيد عنهم بمعزل يؤمنون به بألسنتهم ويكفرون به بأفعالهم.
стр. 37
وكذلك الاتحادية يجعلون الوجود مظهرًا للحق باعتبار أن لا متحرك في السكون سواه، ولا ناطق في الأشخاص غيره، وفيهم من لا يفرق بين الظاهر والمظهر، فيجعل الأمر كموج البحر، فلا يفرق بين عين الموجة وبين عين البحر؛ حتى إن أحدهم يتوهم أنه الله، فينطق على لسانه، ثم يفعل ما أراد من الفواحش والمعاصي؛ لأنه يعتقد ارتفاع الثنوية فمن العابد ومن المعبود صار الكل واحدًا، اجتمعنا بهذا الصنف في الربط والزوايا.
فأنتم بحمد الله قائمون في وجه هؤلاء أيضًا تنصرون الله ورسوله، وتذبون عن دينه، وتعملون على إصلاح ما أفسدوا وعلى تقويم ما عوجوا، فإن هؤلاء محوا رسم الدين وقلعوا أثره، فلا يقال: أفسدوا ولا عوجوا، بل بالغوا في هدم الدين، ومحوا أثره ولا قربة أفضل عند الله من القيام بجهاد هؤلاء بمهما أمكن وتبيين مذاهبهم للخاص والعام، وكذلك جهاد كل من ألحد في دين الله وزاغ عن حدوده وشريعته كائنا في ذلك ما كان من فتنة وقول كما قيل:
إذا رضي الحبيبُ فلا أبالي ... أقامَ الحيُّ أم جَدَّ الرَّحِيلُ
وبالله المستعان.
وكذلك أنتم بحمد الله قائمون بجهاد الأمراء والأجناد تصلحون ما أفسدوا من المظالم والإجحافات وسوء السيرة الناشئة عن الجهل بدين الله بما أمكن، وذلك لبعد العهد عن رسول الله لأن اليوم له سبعمائة سنة، فأنتم بحمد الله تجددون ما دثر من ذلك ودثر.
стр. 38
وكذلك أنتم بحمد الله قائمون في وجوه العامة مما أحدثوا من تعظيم الميلادة والقلندس وخميس البيض والشعانين وتقبيل القبور والأحجار والتوسل عندها.
ومعلوم أن ذلك كله من شعائر النصارى والجاهلية، وإنما بعث رسول الله ليوحد الله ويعبد وحده، ولا يُألَهَ معه شيءٌ من مخلوقاته، بعثه الله تعالى ناسخًا لجميع الشرائع والأديان والأعياد، فأنتم بحمد الله قائمون بإصلاح ما أفسد الناس من ذلك.
وقائمون في وجوه من ينصر هذه البدع من مارقي الفقهاء أهل الكيد والضرار لأولياء الله أهل المقاصد الفاسدة والقلوب التي هي عن نصر الحق حائدة.
وإنما أعرض هذا الضعيف عن ذكر قيامكم في وجوه التتر والنصارى واليهود والرافضة والمعتزلة والقدرية وأصناف أهل البدع والضلالات.
لأن الناس متفقون على ذمهم يزعمون أنهم قائمون برد بدعتهم ولا يقومون بتوفية حق الرد عليهم كما تقومون، بل يعلمون ويجبنون عن اللقاء، فلا يجاهدون وتأخذهم في الله اللائمة لحفظ مناصبهم وإبقاء على أعراضهم.
سافرنا البلاد فلم نر من يقوم بدين الله في وجوه مثل هؤلاء حق القيام سواكم، فأنتم القائمون في وجوه هؤلاء -إن شاء الله- بقيامكم بنصرة شيخكم وشيخنا أيده الله حق القيام بخلاف من ادعى من الناس أنهم يقومون بذلك.
فصبرًا يا إخواني على ما أقامك الله فيه من نصرة دينه وتقويم اعوجاجه وخذلان أعدائه، واستعينوا بالله ولا تأخذكم فيه لومة لائم، وإنما هي أيام قلائل
стр. 39
والدين منصور قد تولى الله إقامته ونصره ونصرة من قام به من أوليائه إن شاء الله ظاهرًا وباطنًا.
وابذلوا فيما أقمتم فيه ما أمكنكم من الأنفس والأموال والأفعال والأقوال عسى أن تلحقوا بذلك بسلفكم أصحاب رسول الله فلقد عرفتم ما لقوا في ذات الله كما قال خبيب حين صلب على الجذع:
وذلك في ذاتِ الإلهِ وإن يشأ ... يباركْ على أوصالِ شِلوٍ مُمَزَّعِ
وقد عرفتم ما لقي رسول الله من الضر والفاقة في شعب بني هاشم، وما لقي السابقون الأولون من التعذيب والهجرة إلى الحبشة، وما لقي المهاجرون والأنصار في أحد وفي بئر معونة وفي قتال أهل الردة وفي جهاد الشأم والعراق، وغير ذلك.
وانظروا كيف بذلوا نفوسهم وأموالهم لله حبًا له وشوقًا إليه، فكذلك أنتم رحمكم الله كل منكم على قدر إمكانه واستطاعته بفعله وبقوله وبخطه وبقلبه وبدعائه، كل ذلك جهاد أرجو أن لا يخيب من عامل الله بشيء من ذلك؛ إذ لا عيش إلا في ذلك ولو لم يكن فيه إلا هممكم مزاحمة لأهل الزيغ مشوشة لهم تبغضونهم في الله وتطلبون استقامتهم في دين الله وذلك من الجهاد الباطن إن شاء الله تعالى.
ثم اعرفوا إخواني حق ما أنعم الله عليكم من قيامكم بذلك، واعرفوا طريقكم إلى ذلك، واشكروا الله تعالى عليها، وهو أن أقام لكم ولنا في هذا
стр. 40
العصر مثل سيدنا الشيخ الذي فتح الله به أقفال القلوب، وكشف به عن البصائر عمى الشبهات وحيرة الضلالات حيث تاه العقل بين هذه الفرق، ولم يهتد إلى حقيقة دين الرسول.
ومن العجب أن كلا منهم يدعي أنه على دين الرسول حتى كشف الله لنا ولكم بواسطة هذا الرجل عن حقيقة دينه الذي أنزله من السماء وارتضاه لعباده.
واعلموا أن في آفاق الدنيا أقوامًا يعيشون أعمارهم بين هذه الفرق يعتقدون أن تلك البدع حقيقة الإسلام فلا يعرفون الإسلام إلا هكذا.
فاشكروا الله الذي أقام لكم في رأس السبعمائة من الهجرة من بين لكم أعلام دينكم وهداكم الله به وإيانا إلى نهج شريعته، وبين لكم بهذا النور المحمدي ضلالات العباد وانحرافاتهم، فصرتم تعرفون الزائغ من المستقيم والصحيح من السقيم، وأرجو أن تكونوا أنتم الطائفة المنصورة الذين لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، وهم بالشام إن شاء الله تعالى.
ثم إذا علمتم ذلك فاعرفوا حق هذا الرجل الذي هو بين أظهركم وقدره، ولا يعرف حقه وقدره إلا من عرف دين الرسول وحقه وقدره فمن وقع دين الرسول ﵌ من قلبه بموقع يستحقه، عرف حق ما قام به هذا الرجل بين أظهر عباد الله يقوِّم معوجهم ويصلح فسادهم ويلم شعثهم جهد إمكانه في الزمان المظلم الذي انحرف فيه الدين وجهلت السنن، وعهدت البدع، وصار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والقابض على
стр. 41
دينه كالقابض على الجمر، فإن أجر من قام بإظهار هذا النور في هذه الظلمات لا يوصف وخطره لا يعرف هذا إذا عرفتموه أنتم من حيثية الأمر الشرعي الظاهر فهنا قوم عرفوه من حيثية أخرى من الأمر الباطن ومن يقوده إلى معرفة أسماء الله تعالى وصفاته وعظمة ذاته واتصال قلبه بأشعة أنوارها والاحتظاء من خصائصها وأعلى أذواقها ونفوذه من الظاهر إلى الباطن ومن الشهادة إلى الغيب ومن الغيب إلى الشهادة ومن عالم الخلق إلى عالم الأمر وغير ذلك مما لا يمكن شرحه في كتاب.
فشيخكم أيدكم الله تعالى عارف بذلك عارف بأحكام الله الشرعية، عارف بأحكامه القدرية، عارف بأحكام أسمائه وصفاته الذاتية، ومثل هذا العارف قد يبصر ببصيرته تنزل الأمر بين طبقات السماء والأرض كما قال تعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنزلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢] .
فالناس يحسون بما يجري في عالم الشهادة، وهؤلاء بصائرهم شاخصة إلى الغيب، ينتظرون ما تجري به الأقدار، يشعرون بها أحيانًا عند تنزلها، فلا تهونوا أمر مثل هؤلاء في انبساطهم مع الخلق، واشتغال أوقاتهم بهم، فإنهم كما حكى عن الجنيد ﵀ أنه قيل: له كم تنادى على الله تعالى بين الخلق؟ فقال: أنا أنادي على الخلق بين يدي الله.
فالله الله في حفظ الأدب معه، والانفعال لأوامره، وحفظ حرماته في الغيب والشهادة، وحب من أحبه، ومجانبة من أبغضه وتنقصه، ورد غيبته والانتصار له في الحق.
стр. 42
واعلموا رحمكم الله أن هنا من سافر إلى الأقاليم، وعرف الناس وأذواقهم، وأشرف على غالب أحوالهم، فوالله ثم والله ثم والله لم ير تحت أديم السماء مثل شيخكم علمًا وعملًا وحالًا وخلفًا واتباعًا وكرمًا وحلمًا في حق نفسه، وقيامًا في حق الله عند انتهاك حرماته، أصدق الناس عقدًا وأصحهم علمًا وعزمًا وأنفذهم وأعلاهم في انتصار الحق وقيامه همة وأسخاهم كفًا وأكملهم اتباعاً لنبيه محمد...."انتهى، وهي بكامها في ترجمة ابن عبد الهادي لشيخ الإسلام ابن تيمية.
وقال ابن عبد الهادي في مختصر طبقات علماء الحديث:" قال الشيخ عماد الدين الواسطي - وكان من الصالحين العارفين- وقد ذكره: هو شيخنا السيد الإمام، الأمة الهمام، محيي السنة، وقامع البدعة، ناصر الحديث مفتى الفرق، الفاتق عن الحقائق وموصلها بالأصول الشرعية إلى الطالب الذائق، الجامع بين الظاهر والباطن، فهو يقضي بالحق ظاهرًا وقلبه بالعلى قاطن، أنوذج الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، الشيخ الإمام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية أعاد الله بركته، ورفع إلى مدارج العلى درجته.
ثم قال في أثناء كلامه: والله ثم والله ثم والله لم أر تحت أديم السماء مثله علمًا وعملًا وحالًا وخلقًا واتباعًا وكرمًا وحلمًا في حق نفسه، وقيامًا في حق الله عند انتهاك حرماته. ثم أطال في الثناء عليه"انتهى
وقال:" قد شارف مقام الأئمة الكبار، ويناسب قيامه في بعض الأمور قيام الصديقين".
وكان يعظمه جدًا ويتتلمذ له مع أنه أسن منه ﵀ وعفا عنه.
****
стр. 43
• أحمد بن حسن بن عبد الله بن عمر بن محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة، أبو العباس وأبو محمد، قاضي القضاة، شرف الدين أبي الفضل بن الخطيب شرف الدين أبي الفضل بن شيخ الإسلام أبي عمر المقدسي الصالحي الدمشقي الحنبلي، المعروف بابن قاضي الجبل (٦٩٣-٧٧١) .
سمع أحمد بن عبد المؤمن الصوري خاتمة تلامذة الموفق بن قدامة، وإسماعيل بن الفراء، ومحمد بن علي الواسطي، وجماعة أخر، وأجاز له أبو الفضل بن عساكر، وكان بارعًا في العلم عالي الكعب بعيد الصيت قديم الذكر ذا ذهن سيال وذكاء وحفظ، صاحب نظم، أفتى في شبيبته بإشارة الشيخ ابن تيمية وإجازته، وعليه تخرج في الفقه وغيره، ولي القضاء سنة ٦٧، وازدحم الفضلاء والعامة عليه، وكان صاحب نوادر وخط حسن، ذكره الذهبي في المعجم المختص وله ترجمة في الدرر الكامنة، والمنهل الصافي.
ومن تصانيفه: كتاب الفائق، والقصد المفيد في حكم التوكيد، والكلام على قوله تعالى (أأنت قلت للناس اتخذوني) ، ومسألة رفع اليدين، والرد على الكيا الهراسي، وتنقيح الاحداث في رفع التيمم للأحداث، وشرح المنتقى، وقطر
стр. 44
الغمام في شرح أحاديث الأحكام، ومسألة المناقلة، ومجامع أخرى في فنون شتى لا تضبط.
وولي قضاء الحنابلة في دمشق عوضًا عن جلال الدين يوسف بن محمد بن عبد الله المرداوي في يوم الثلاثاء ثامن شهر رمضان سنة سبع وستين، وحمدت سيرته، ودام في المنصب إلى أن توفي ثالث عشر رجب سنة إحدى وسبعين وسبعمائة، وولي بعده علاء الدين علي بن محمد بن علي المقدسي.
وذكر ابن تغرى بردى في النجوم الزاهرة من شعره في ابن تيمية:
نبيي أحمدٌ وكذا إمامي ... وشيخي أحمدٌ كالبحر طامي
واسمي أحمدٌ وبذاك أرجو ... شفاعةَ سيدِ الرُّسلِ الكِرامِ
وكذلك ذكره في المنهل الصافي.
قلت: ورجاؤه شفاعة النبي ﷺ بمجرد الاسم رجاء باطل لا ينفع، ولعله يعتمد في ذلك على ما ورد (ولا أصل له) بأن من وافق اسمُه اسمَ النبي ﷺ حقت عليه الشفاعة، والله أعلم.
وقال ابن رجب:" كان له باع طويل في التفسير، لا يمكن وصفه، كان له في الأصول والفروع القدم العالي، وفي شرف الدين والدنيا المحل السامي، وله معرفة بالعلوم الأدبية والفنون القديمة الأولية، وكيف لا؟ وهو تلميذ ابن تيمية"انتهى
стр. 45
وقال:" قال لي مرة: كم تقول إني أحفظ بيت شعر؟ فقلت: عشرة آلاف. فقال: بل ضعفها، وشرع يعدد قصائد للعرب، وكان إذا سرد الحديث يتعجب الإِنسان، وكان آية في حفظ سرد مذاهب العلماء"انتهى
ومن شعره:
ولقد جَهِدتُ بأن أُصَاحِبَ أشقرا ... فخُذِلْتُ في جهدي لهذا المطلبِ
تنبو الطباعُ عن اللئيمِ كما نَبَتْ ... عن كلِّ سُمٍّ في الأنامِ مُجَرَّبِ
فاحذر شناطاً في الرجال وأشقرا ... مع كوسجٍ، أو أعرجٍ، أو أَحَدَبِ
أو غائرَ الصدغين، خارجَ جَبْهَةٍ ... أو أَزْرَقاً بدراج، غيرَ مُحَبَّبِ
هذا مقالي خبرةٌ بحقيقةٍ ... حقت، وإن خالفتَ ذاك فجَرِّبِ
****
• أحمد بن رجب عبد الرحمن بن الحسن بن محمد بن أبي البركات مسعود البغدادي المقرئ والد العلامة الحافظ زين الدين بن رجب، شهاب الدين أبو العباس (٧٠٦- ... ) .
قال ابن ناصر الدين:" قرأ القرآن بالروايات وأخذ عن جماعة من الشيوخ كثيرا من المرويات وخرج لنفسه مشيخة مفيدة بتراجم ملخصة فريدة وذكر ابن تيمية بشيخ الاسلام واثنى عليه وكان يحبه ويميل بالمودة إليه".
****
• أحمد بن عبد الغالب الماكسيني بن محمد بن عبد القاهر بن ثابت الماكسيني الدمشقي (٧١٠ - ٧٩٥) .
стр. 46
ذكر ابن حجر أنه سمع ابن تيمية، وكان عارفًا بأيام الناس.
****
• أحمد بن محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن إسماعيل بن وهب بن محبوب، تاج الدين أبو العباس المعري الحميري البعلي الدمشقي الشافعي (٧٠١- ... ) .
قال ابن ناصر الدين:" أسند الكثير، وسمع منه جم غفير، منهم: أبو الفضل عبد الرحيم بن العراقي، وعلي بن أبي بكر الهيثمي، وعلي بن البناء، ومحمد بن سند، وغير واحد من العلماء. لقي الشيخ تقي الدين، وسمع منه، وروى غير مرة، عنه من ذلك ما قال: أنشدنا شيخ الاسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية -رحمه الله تعالى- فذكر بيتين".
****
• أحمد بن محمد بن مري البعلي الحنبلي (....-بعد٧٢٨) .
كان منحرفًا عن ابن تيمية، ثم اجتمع به وأحبه، وتتلمذ عليه، وأخذ من علمه وسلك طريقته.
стр. 47
وكان شديدًا على الصوفية حتى عرف بذلك، وتكلم في مسألتي التوسل بالنبي ﷺ وزيارة القبور على طريقة الشيخ تقي الدين وهي طريقة السلف، وامتحن في ذلك وطلبه الأخنائي، فأحضره وسجنه وقامت عليه العامة لحطه على الصوفية وعقد له مجلس بين يدي السطان سنة ٧٢٥، فأثنى عليه بدر الدين بن جنكلي وبدر الدين بن جماعة، وعارضهم الأمير أيدمر الحظيري، فحط عليه وعلى شيخه وتفاوض هو وجنكلي حتى كادت تكون فتنة، ففوض السلطان الأمر لأرغون النائب فأغلظ القول للفخر ياظر الجيش، وذكر أنه يسعى للصوفية بغير علمٍ، وأنهم تعصبوا عليه بالباطل، فآل الأمر إلى تمكين المالكي منه، فضربه بحضرته ضرباً مبرحاً حتى أدماه ثم شهره على حمار أركبه مقلوباً، ثم نودي عليه هذا جزاء من يتكلم في حق رسول الله ﷺ فكادت العامة تقتله ثم أعيد إلى السجن، ثم شفع فيه فآل أمره إلى أن سفر من القاهرة إلى الخليل فرحل بأهله وأقام به وتردد إلى دمشق.
وهذا حال العامة والغوغاء مع دعاة الحق في كل زمان ولله سنة كونية في خلقه أن ينصر أولياءه ويعلي كلمته فيبين الحق وترتفع الدرجات وتمحص الصدور، والله المستعان.
وله رسالة مهذبة رائقة بعثها إلى تلامذة شيخ الإسلام، قال فيها:"ومن أراد عظيم الأجر التام، ونصيحة الأنام، ونشر علم هذا الإمام، الذي اختطفه من بيننا محتوم الحمام، ويخشى دروس كثير من علومه المتفرقة الفائقة، مع تكرار مرور الليالي والأيام، فالطريق في حقه هو الاجتهاد العظيم على كتابة مؤلفاته الصغار والكبار على جليتها من غير تصرف فيها ولا اختصار، ولو وجد فيها
стр. 48
كثير من التكرار، ومقابلتها تكثير النسخ بها وإشاعتها، وجمع النظائر والأشباه في مكان واحد، واغتنام حياة من بقي من أكابر الإخوان، فكأننا جميعًا بكمال الفوت وقد حان، ويكفينا ما عندنا مع ما فرطنا من عظيم الأسف"انتهى
وقال:" ... وإن مما أحث هممكم الصالحة عليه: تحصيل كراريس الرد على الفلاسفة، لأنه ليس في الوجود بهذا المؤلف نسخة كاملة غير النسخة التي بخطي وكانت في الخرستان الشمالي من مدرسة شيخنا، وأخبرني الشيخ شرف الدين ﵀ أنه أودع المجموع في مكان حريز، وقد شح علي بإنفاذ هذه الكراريس وقت الذهاب إلى الشام، ولا قوة إلا بالله"انتهى
وفي الجملة هي رسالة ماتعة يوصيهم فيها بتتبع مخطوطات كتب الشيخ وكتابتها في نسخ وإشاعتها ومقابلتها ويحضهم في أخذ ذلك عن كاتب الشيخ أبي عبد الله ابن رشيق، وأن يراجعوا في ذلك الشيخ جمال الدين المزي، لعلمه بمقاصد الشيخ وسعة إطلاعه وخبرته، وكذلك مراجعة الشيخين الجليلين: ابن قيم الجوزية، والقاضي شرف الدين لتبحرهما في دراية المباحث العقلية والأصولية في كتب الشيخ.
****
• أحمد بن مظفر بن أبي محمد بن مظفر بن بدر بن الحسن بن مفرج ابن بكار بن النابلسي، شهاب الدين أبو العباس (٦٧٥-٧٥٨) .
стр. 49
قال الذهبي:" سمع من زينب بنت مكي، وابن بلبان، وتقي الدين بن الواسطي، وابن القواس، والتاج عبد الخالق، وخلق كثير. وأكب على الطلب زمانًا، وترافقنا مدة، وكتب وخرج، وفي خلقه زعارة، وفي طباعه نفور عن المحدثين وغيرهم".
نقل ابن ناصر الدين من خطه أنه سمع كتاب مجابي الدعوة لابن أبي الدنيا علي الشيخ زين الدين الفارقي بقراءة الشيخ ابن تيمية.
نقل من خطه:" بقراءة سيدنا وشيخنا الشيخ السيد الإمام العالم العلامة الحافظ القدوة الزاهد الورع جمال العلماء قدوة المسلمين بركة الأنام شيخ الاسلام إمام العصر تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الحنبلي -فسح الله في مدته وأعاد من بركته- ثم ذكر السامعين، ثم قال: وآخرون على نسخة وقف الخلويني بدار الحديث النورية، ونسخة ملك نجم الدين بن هلال، منهم: كاتب هذا السماع أحمد بن مظفر بن أبي محمد بن مظفر النابلسي -عفا الله عنه-، وصح ذلك وثبت في يوم السبت شهر رجب ثلاث وتسعين وستمائة بالمدرسة العذراوية بدمشق والحمد لله وحده".
****
• أحمد بن موسى الزرعي (٧٠١ - ٧٦٢) .
стр. 50
كان من كبار أصحاب الشيخ، وتفقه به وتخرج، وكان جريئًا مقدامًا على ملوك التتر، ورفع كثيرًا من المظالم وانتفع الناس به وتردد على القاهرة مرارًا، وقصده الغوغاء للتبرك حتى ذاه صيته فكان نواب الشام يترددون عليه.
قال ابن تغرى بردى:" كان له كرامات وقدم، وكان يقيم بزرع من أعمال دمشق، وكان يتقوت من عمل العبي بيده من الصوف، فكان إذا باع العباءة أخذ ثمنها، فإن زادت عن قيمتها يترك الزيادة ويأخذ ما بقي، وكان له مريدون وشهرة كبيرة عند الناس، وكان لا يقبل من أحد شيئاً".
وقدم مع الشيخ ابن تيمية لما جاء إلى القاهرة، وكلم في شأنه الأمير بيبرس الجاشنكير في أمره، وأمعن، ثم اجتمع بالسلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون في سنة اثنتي عشرة وسبعمائة، وكلمه في رفع مظلمة لأهل زرع.
ولما خرج من عنده قال فيه السلطان:" ما رأيت أهيب من هذا الرجل".
****
• أحمد بن يحيى بن فضل الله بن مجلي بن دعجان بن خلف بن نصر بن منصور بن عبيد الله بن يحيى بن محمد بن أبي بكر بن عبيد الله بن أبي بكر ابن عبيد الله بن أبي سلمة بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر العدوي العمري (٧٠٠-٧٤٩) .
هكذا أملى نسبه شهاب الدين بن محيي الدين، نقله الحافظ ابن حجر.
стр. 51
وهو أشهر من أن يعرف، كتب مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، وفواصل السمر في فضائل آل عمر، والتعريف بالمصطلح الشريف، والدعوة المستجابة، وكتاب صبابة المشتاق مجلد في مدائح النبي ﷺ ، وسفرة السفر، وكتاب دمعة الباكي ويقظة الساهر، وكتاب نفحة الروض، وله تصانيف كثيرة وباع طويل في الأدب والبلاغة والإنشاء والكتابة.
قرأ على الشيخ ابن تيمية كتاب الأحكام الصغرى.
قال ابن رافع:" سمع بدمشق من الحجار، ومحمد بن يعقوب الجرائدي، ومحمد بن أبي بكر بن عثمان بن شرف، وست القضاة بنت يحيى بن أحمد بن الشيرازي بالقاهرة ومن والده، وأبي زكريا يحيى ابن يوسف بن المصري، وأحمد بن محمد بن عمر الحلبي وغيرهم، وأجاز له جماعة، وحدث بالقاهرة ودمشق".
وأخذ عن ابن الزمالكاني وابن الصائغ وعلاء الدين الوادعي وشهاب الدين أبي الثناء محمود.
****
• إسحاق بن أبي بكر بن ألمى الدسبي بن أطس التركي، ثم المصري، نجم الدين أبو الفضل (٥٧٠-بعد ٧٢٠) .
ترجم له الحافظ ابن رجب في ذيل طبقاته.
стр. 52
سمع من الأبرقوهي، والقرافي، وابن حفص ابن القواس، وإسماعيل بن الفراء، وسنقر الزيني.
وكان شاعرًا أديبًا فقيهًا.
قال ابن رجب:" له قصيدة حسنة طويلة في مدح الشيخ تقي الدين ابن تيمية، منها:
يعنفني في بغيتي رتبة العلى ... جهولٌ أراه راكباً غيرَ مركبي
له همةٌ دون الحضيضِ مَحِلُّها ... ولي همةٌ تسمو على كلِّ كوكبِ
فلو كان ذا جهلٍ بسيطٍ عذرتُهُ ... ولكنَّه يُدْلِي بجهلٍ مُرَكَّبِ
يقول: علامَ اخترت مَذْهَبَ أحمدٍ؟ ... فقلتُ له: إذ كان أحمدَ مذهبِ
وهل في ابنِ شيبانٍ مقالةُ قائلٍ ... وهل فيه من طعنٍ لصاحبِ مَضْرَبِ؟
أليس الذي قد طار في الأرضِ ذكرُهُ ... وطبَّقَهَا ما بين شرقٍ ومَغْرِبِ؟
ثم ذكر محنته - إلى أن قال:
وأصحابُهُ أهلُ الهدى لا يضرُّهُم ... على دينهم طعنُ امرئٍ جاهلٍ غبي
هم الظاهرون القائمون بدينهم ... إلى الحشرِ، لم يغلبْهُمَا ذو تَغَلُّبِ
لنا منهم في كلِّ عصرٍ أئمةٌ ... هداةٌ إلى العُليا، مصابيحُ مَرْقَبِ
وقد علمَ الرحمنُ أن زماننا ... تشعَّبَ فيه الرأيُ أيُ تَشعُّبِ
فجاء بحبرٍ عالمٍ من سَراتهم ... كسبعِ متينَ بعد هجرةِ يثربِ
يقيم قناةَ الدينِ بعد اعوجاجِهَا ... وينقذُها من قبضةِ المتعصبِ
فذاك فتى تيميةَ خيُر سيِّدٍ ... نجيبُ أتانا من سلامةِ مَنْجَبِ
عليمٌ بأدواءِ النفوسِ، يسوسُهَا ... بحكمتِهِ، فعلَ الطبيبِ المُجَرِّبِ
стр. 53
بعيدٌ عن الفحشاءِ والبغي والأذى ... قريبٌ إلى أهلِ التقى، ذو تَحَبُّبِ
يرى نصْرةَ الإِسلامِ أكرمَ مَغْنَمٍ ... وإظهارَ دينِ اللهِ أربحَ مَكْسَبِ
وكم قد غدا بالفعلِ والقولِ مبطلاً ... ضلالةَ كذَّابِ، ورأىِ مكذبِ
ولم يلقَ من أعداه غيرَ منافقٍ ... وآخرَ عن نهجِ السبيلِ مُنَكَّبِ
وهي طويلة، ومنها:
وليس له في الزهدِ والعِلْمِ مُشْبِهٌ ... سوى الحسنِ البصريِّ وابنِ المُسَيَِّبِ
ومدح في آخرها شرف الدين عبد الله أخا الشيخ"انتهى
وقال ابن ناصر الدين:" وجدت بخطه (جمال الدين السرمري) في بعض تعاليقه على غاشيته فيه ستة منامات رؤيت لشيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية رضي الله تعالى عنه، ووجدت في الأصل بخط الشيخ جمال الدين المذكور ما صورته الحمد لله حق حمده.
قال الفقير يوسف بن محمد بن مسعود بن محمد السرمري: وجدت بخط المحدث الفاضل العالم نجم الدين إسحاق ابن أبي بكر بن ألمي التركي، قال: أخبرنا فقير يعرف بعبد الله، وذهب عني اسم والده، ورأيت جماعة من أصحابنا يثنون على دينه، ويذكرونه بالصلاح والخير، قال: رأيت بدمشق في النوم ليلة الجمعة في رجب سنة خمس وسبعمائة، وكأنني خرجت من بيتي لبعض حاجة، وكأن قائلًا يقول لي: إن رسول الله ﷺ في المدينة، فأتيت إليه فرأيته جالسًا على دكان خباز، فسلمت عليه وذهبت لأتكلم فلم أطق الكلام، فقال لي النبي ﷺ : يا عبد الله قل ما عندك. فقلت: يا رسول الله ما تنظر ما الناس فيه من الاختلاف وكثرة الاهواء والفتن؟
стр. 54
قال: فتبسم رسول الله ﷺ ، وقال لي: يا عبد الله الحق مع أحمد ابن تيمية، وهو سالك على طريقي وعلى قدمي، وما جئت إلا لأفصل بينهم، ثم إن رسول الله ﷺ غضب وتكلم بكلام لم أفهمه إلا أنني فهمت في آخره، وهو يقول أيقدرون أن ينكروا معراجي؟ فوالذي نفسي بيده لقد أسري بي من سماء إلى سماء ومن سماء إلى سماء ورأيت ربي، ووضع ﷺ أصبعه اليمنى تحت عينه اليمنى أو كما قال".
****
• إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير القيسي البصروي، عماد الدين (٧٠٠ - ٧٧٤) .
المؤرخ المفسر الفقيه الأصولي النحوي المحدث البارع الذي انتفع الناس بكتبه إلى يومنا، وهو أشهر من أن يعرف حسبه كتابه (تفسير القرآن العظيم) في مجلدات أربعة ضخام، وكتابه (البداية والنهاية) في ما يزيد على عشرة مجلدات كبار، وله أشياء أخرى في أسفار مطولة، وفتاوى طارت في البلدان، ولم يقع لنا منها شيء.
وله طبقات الشافعية، والأحكام الصغري والكبرى لم يتمها، وشرع في شرح لصحيح البخاري لم يتمه، لازم المزي وصاهره، وقرأ عليه تهذيب
стр. 55
الكمال، وكان فقيهًا ذا مشاركة في الحديث وعلومه، واختصر مقدمة ابن الصلاح في اختصار نافع له فيه فوائد جمة، شرح مختصره الشيخ أحمد شاكر في كتابه (الباعث الحثيث شرح اختصار علو مالحديث) ثم اشتهر كتاب ابن كثير بذلك الاسم وقد نبه الشيخ شاكر على ذلك.
قرأ على ابن تيمية وأحبه جدًا وتقلد مسائله وكان يفتي بها وامتحن بسببه.
وينقل عنه في تفسيره بواسطة المزي أحيانًا أو الذهبي وبلا واسطة أحيانًا وكذا في تاريخه واختصاره لمقدمة ابن الصلاح.
وكذلك سمع من الذهبي، وأجاز له من مصر أبو موسى القرافي، والحسيني، وأبو الفتح الدبوسي، ويوسف الختني، وغير واحد.
وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي في (معجمه المختص) : الإمام الفقيه المحدث البارع عماد الدين درس الفقه وأفتى وتفهم العربية والأصول، ويحفظ جملة صالحة من المتون والرجال وأحوالهم، وله حفظ ومعرفة".
وقال ابن تغردى بردى:"تاريخه في غاية الجودة".
قلت: وهو شاهد على تبجيله الشديد للشيخ ابن تيمية، حتى إنه يقدمه على الحافظ المزي على قلة قراءته عليه بالنسبة للمزي صهره!
стр. 56
وقال ابن العماد الحنبلي:"كان كثيرالاستحضار قليل النسيان جيد الفهم يشارك في العربية وينظم نظمًا وسطًا، قال فيه ابن حبيب: سمع وجمع وصنف وأطرب الأسماع بالفتوى وشنف وحدث وأفاد وطارت فتاوويه إلى البلاد واشتهر بالضبط والتحرير".
ومن شعره:
تمر بنا الأيامُ تَتْرَى وإنَّما ... نُسَاقُ إلى الآجالِ والعينُ تَنْظُرُ
فلا عائدٌ ذاك الشبابُ الذي مضى ... ولا زائدٌ هذا المشيبُ المُكَدَّرُ
قال ابن تغرى بردى: توفي يوم الخميس سادس عشرين شعبان سنة أربع وسبعين وسبعمائة بدمشق، عن أربع وسبعين سنة، قال الحافظ: وكان قد أضر في آخر حياته.
ورثاه بعض طلبته:
لفقدك طلاَّبُ العُلُومِ تأَسَّفُوا ... وجادوا بدمْعٍ لا يبيدُ غَزِيرِ
ولو مَزَجُوا ماءَ المدامعِ بالدِّما ... لكان قليلاً فيكَ يا ابنَ كَثِيرِ
****
стр. 57
حَرْفُ
البَاءِ
стр. 58
• براقٌ أميرُ آخور بدمشق ( ... -٧٥٧) .
قال الحافظ ابن كثير:" كان مشكور السيرة، كثير الصلاة والصدقة، محبًّا للخير وأهله، من أكبر أصحاب الشيخ تقي الدين بن تيمية -رحمه الله تعالى-".
قال الحافظ في الدرر:" أقام فيها [الإمارة] قريب الثلاثين سنة، وكان حازماً ضابطاً، كثير الحب في ابن تيمية وأصحابه، وكان يحفظ كثيراً من الأحاديث، وولي إمرة عشرة بآخرة".
وقال الصفدي:" كان جيّداً خيّراً يتغالى في محبّة الشيخ تقي الدين ابن تيميّة وأصحابه"انتهى
****
стр. 59
حَرْفُ
الحَاءُ
стр. 60
• حمزةُ بنُ موسى بنِ أحمدَ بنِ الحسينِ الحنبليِّ، عزُ الدينِ، أبو يعلى بنُ قُطْبِ الدينِ ابنِ أبي البركات ابن شيخِ السَّلاميةِ (٧١٢- ٧٦٩) .
أحد أعيان الحنابلة المبرِّزين في زمنه، درس وتفقه وبرع، وله شرح على المنتقى للمجد ابن تيمية لم يتمه، وله على كتاب ابن حزم قطعة مفيدة، قاله الحافظ.
وله عناية بنصوص أحمد، وفتاوى الشيخ ابن تيمية، قال الحافظ: وكان يوالي فيها ويعادي!
قلت: وليس ذلك لشيء إلا لأنها مستندة إلى الكتاب والسنة وفقه السلف الصالحين في الأصول والفروع.
وقال ابن ناصر الدين:" وجدت بخطه في عدة مواضع قال شيخ الاسلام ابن تيمية، ومنها على حاشية مسألة الجد هل هو مسقط للاخوة أم لا؟ وترجيح قول الصديق ﵁، قال تصنيف شيخ الاسلام علم الزهاد قطب فلك الأنام أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني -قدس الله روحه-".
****
стр. 61
حَرْفُ
الخَاءِ
стр. 62
• خالدُ المُجَاوِرُ ( ... -٧٤١) .
قال الذهبيُّ في العِبَرِ:" صَحِبَ الشيخ تقي الدين ابن تيمية. وله حال، وكشف، وكلمة نافذة- ﵀"انتهى
قال ابن ناصر الدين:" كانت له أحوال صالحة، وكلمات موقظة ناصحة، وكشف عن بعض أمور، وكلمته نافذة في المأمور يأمر بالمعروف فيطاع، وينهى عن المنكر فيقابل بالاستماع، وكان أحد أصحاب الشيخ تقي الدين ابن تيمية الإمام، ويعظمه كغيره من الأعلام ويترجمه بشيخ الإسلام".
****
• خليلُ بنُ أيبكَ بنِ عبدِ اللهِ، أبو الصفاءِ صلاحُ الدينِ الصَفَدِيِّ (٦٩٧-٧٦٤) .
قال ابن حجر:" تعانى صناعة الرسم، فمهر فيها، ثم حبب إليه الأدب، فولع به، وكتب الخط الجيد، وذكر عن نفسه أن أباه لم يمكنه من الاشتغال حتى استوفى عشرين سنة، فطلب بنفسه، وقال الشعر الحسن، ثم أكثر جداً من النظم والنثر والترسل والتواقيع.
وأخذ عن الشهاب محمود وابن سيد الناس وابن نباتة وأبي حيان ونحوهم، وسمع بمصر من يونس الدبوسي ومن معه وبدمشق من المزي وجماعة، وطاف مع الطلبة وكتب الطباق، ثم أخذ في التأليف، فجمع تاريخه الكبير الذي سماه (الوافي بالوفيات) في نحو ثلاثين مجلدة على حروف المعجم، وأفرد منه أهل
стр. 63
عصره في كتاب سماه (أعوان النصر في أعيان العصر) في ست مجلدات، وله شرح لامية العجم كثير الفوائد وألحان السواجع بين المبادي والمراجع مجلدان.
ومن تصانيفه اللطاف: التنبيه على التشبيه، وجر الذيل في وصف الخيل، وتوشيح الترشيح، وكشف الحال في وصف الخال، وجنان الجناس، وغير ذلك"انتهى
قال الذهبي:" الإمام العالم البليغ الكامل طلب العلم، وشارك في الفضائل، وساد في الرسائل، وقرأ الحديث، وجمع وصنف، له تواليف وكتب وبلاغة"انتهى
صحب الشيخ ابن تيمية، ولازمه واستفاد منه، وأكثر عنه جدًا في كتابه (الوافي) وغيره، وقال فيه:" أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الحراني ابن تيمية، الشيخ الإمام، العالم العلامة، المفسر الفقيه، المجتهد الحافظ، المحدث شيخ الإسلام، نادرة العصر ذو التصانيف والذكاء والحافظة المفرطة، تقي الدين أبو العباس".
وحكى عنه في إعراضه عن ملاذ النفس كالطعام والشراب فقال:" حُكِيَ لي عنه أن والدته طبخت يوماً قرعية ولم تذقها أولاً، فكانت مرّة فلما ذاقتها تركتها على حالها، فطلع إليها، وقال: هل عندك ما آكل؟ قالت: لا إلا أنني طبخت قرعاً كان مرّاً، فقال: أين هو؟ فأرته المكان الذي فيه تلك القرعية، فأحضرها، وقعد أكلها إلى أن شبع، وما أنكر شيئاً منها، أو كما قيل"انتهى
стр. 64
وقال:" كنت أحضر دروسه، ويقع لي في أثناء كلامه فوائد لم أسمعها من غيره، ولا وقفت عليها في كتاب، رحمه الله تعالى.
وعلى الجملة فما رأيت ولا أرى مثله في اطّلاعه وحافظته، ولقد صدَّق ما سمعنا به عن الحفَّاظِ الأُوَلِ، وكانت هممه علية إلى الغاية؛ لأنه كان كثيراً ما ينشد:
تموتُ النفوسُ بأوصابِهِا ... ولم تشكُ عوَّدُاها ما بِهَا
وما أنصفَتْ مهجةٌ تشتكِي ... هواها إلى غيرِ أحبابِهِا
وينشد أيضاً:
من لم يُقَدْ ويُدَسَّ في خيشومِهِ ... رهجُ الخميسِ فلن يقودَ خَمِيسَا
"انتهى
وقال في أعيان العصر:" قلت أنا أيضاً أرثيه:
إنّ ابنَ تيميّةَ لمّا قضى ... ضاق بأهلِ العِلمِ رَحبُ الفضا
فأيُّ بدرِ قد محاه الرَّدى ... وأيُّ بحرٍ في الثَّرى غُيِّضا
وأيّ شرِّ فتحت عينُهُ ... وأيُّ خيرٍ طرفُه غُمِّضا
يا وَحشَةَ السُّنَّةِ من بَعدِه ... فرَبعُها المعمورُ قد قُوِّضا
كم مَجلسٍ كان هشيماً من ال ... علم فلمّا جاءه رُوّضا
وكلُّ حَفلٍ أفقُهُ مُظَّلِمٌ ... تَراه إن وافى إليه أضا
ومُشكِلٌ لمّا دَجى ليلُه ... أعادَه يومَ هُدِي أبيضا
стр. 65
تراه إن بَرْهَنَ أقوالَهُ ... فقلَّ أن تُدحَرَ أو تُدحَضا
وربحُه في مَددٍ طافحٍ ... وخصمُه في وقتِه انقضا
يودُّ لو أبلعَهُ ريقه ... وهو بالحقِّ قد أجْرِضا
أغصَّه حتى غدا مُطرقاً ... مِن ندمٍ كفّيه قد عضّضا
ما كان إلا أسداً حادِرا ... أضحى له غابُ النُّهى مَربَضا
وهو يرى العِلمَ في بُردِه ... وخَصمُه قد ضمّ جَمرَ الغضا
سُبحان من سخَّر قَلبَ الورى ... لقوله طوعاً وقد قيَّضا
قد أجمعَ النّاسُ على حُبِّه ... ولا اعتبارَ بالذي أبغضا
كان سليمَ الصَّدرِ قد سلّم ال ... أمرَ لباريه وقد فوّضا
كم حثّ للخير وكم ذي كرى ... أيقظ من نومٍ وكم حرّضا
وأمرض الإلحادَ لمّا جلى ال ... حقّ وقلبُ الزِّيغِ قد أرمضا
وغادر الباطلَ في ظُلمَةٍ ... لمّا رأى بارقَةٌ أومضا
وهو عن الدنيا زوى نفسَه ... والله بالجنَّةِ قد عوّضا
فماله في منصبٍ رغبَةٌ ... وعزمُه في ذاك ما استنهضا
كان إذا الدّنيا له عرضت ... بزُخرفِ من نفسها أعرضا
ولو رأى ذلك ما فاته ... مناصبُ من بَعضهنَّ القضا
وبعد هذا حكُمه نافذذٌ ... في كلِّ ما قد شاءه وارتضى
بنفسه جاهدَ جهراً وكم ... سَلَّ حّساماً في الوغى وانتضى
ويوم غازان غدا عندما ... شدّدَ في القولِ ومت خفَّضا
شقَّ سواد المُغلِ زاهي الطُلا ... كالماء لما مَزقَ العَرمَضا
جاذل بل جالد مُستمسِكا ... بالحق حتى إنّه أجهَضا
стр. 66
ولم يكن فيه سوى أنه ... خالف أشياءَ كمن قد مضى
متبعاً فيه الدّليل الذي ... بدا ولله فيه القضا
وبعد ذا راحَ إلى ربه ... ما ادّان مِن لهوٍ ولا استقرضا
ثناؤه ما انقضَّ منه البنا ... وذِكرُه بين الورى ما انقضى
فجادَت الرَّحمةُ أرضاً ثوى ... فيها وسقَّتْها غُيوثُ الرِضى
وعلى الجملة، فكان الشيخ تقي الدين بن تيمية أحد الثلاثة الذين عاصرتهم، ولم يكن في الزمان مثلهم، بل ولا قبلهم من مئة سنة، وهم الشيخ تقيُّ الدين بن تيمية، والشيخ تقيُّ الدين بنُ دقيق العيد، وشيخنا العلاّمة تقيُّ السبكي. وقلت في ذلك:
ثلاثةٌ ليسَ لهم رابعٌ ... فلا تكنْ من ذاكَ في شكِّ
وكُّلهم مُنتسبٌ للتُّقى ... يقصًرُ عنهم وصفُ من يحكي
فإن تَشَا قلت: ابنُ تَيْمِيَّةٍ ... وابنُ دَقِيقٍ العيدِ والسُبْكِي
"انتهى
قلت: السبكي ليس بشيء بل هو أشعري محترق فلعله غرهم بعلمه في الفروع والأصول المختلطة بالكلام المذموم والشقشقات الاعتزالية ونحو ذلك.
ونقل الصفدي في الوافي بالوفيات عن الشيخ شعرًا على لسان الفقراء:
واللهِ ما فَقْرُنا اختيارٌ ... وإنما فقرُنا اضطرارُ
جماعةٌ كلُّنا كُسالى ... وأكلُنا ما له عِيارُ
تسمعُ منَّا إذا اجتمعنا ... حقيقةً كلُّها فِشَارُ
стр. 67
وهكذا نقلها ابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات.
****
• خليلُ بنُ كليكلدي بنِ عبدِ اللهِ العلائيُّ الدمشقيُّ الشافعيُّ، صلاحُ الدينِ أبو سعيدٍ (٦٩٤-٧٦١) .
قال ابن حجر في درره:" سمع صحيح مسلم على شرف الدين الفزاري، وسمع البخاري على ابن مشرف سنة أربع، وذلك بإفادة جده لأمه برهان الدين إبراهيم بن عبد الكريم الذهبي، واشتغل في الفقه والعربية، وطلب الحديث بنفسه من سنة إحدى عشرة، فجد وقرأ وسمع فأكثر عن التقي سليمان والدشتي وأبي بكر بن أحمد بن عبد الدائم وعيسى المطعم وإسماعيل ابن مكتوم والقاسم بن عساكر وقريبه أبي إسمعيل بن عساكر وإبراهيم بن عبد الرحمن الشيرازي وقريبه أبي نصر بن الشيرازي وعبد الأحد بن تيمية وست الوزراء والطبقة فمن بعدهم.
وبالقدس من زينب بنت شكر، وبمكة من الرضي الطبري، وبمصر من جماعة من أصحاب النجيب، وبلغ عدد شيوخه بالسماع سبعمائة، وجمع فهرست مسموعاته في كتاب سماه (الفوائد المجموعة في الفرائد المسموعة) ، وصنف التصانيف في الفقه والأصول والحديث كالقواعد التي جودها، وتحفة الرائض بعلوم آيات الفرائض، والأربعين في أعمال المتقين، وشرح حديث ذي اليدين في مجلد، والوشي المعلم فيمن روي عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ ، وكتبه كثيرة جداً سائرة مشهورة نافعة متقنة محررة، وكان بزي الجند، ثم لبس زي الفقهاء، وحفظ التنبيه، ومختصر ابن الحاجب،
стр. 68
ومقدمته في النحو والتصريف، وكتاب الأربعين الأرموي، والإلمام ورحل صحبة ابن الزملكاني إلى القدس، ولازمه، وتخرج به وعلق عنه كثيراً، ولازم البرهان الفزاري وخرج له مشيخة ".
وقال بعد ذلك:" كان ممتعاً في كل باب فتح، ويحفظ تراجم أهل العصر ومن قبلهم، وكان له ذوق في الأدب ونظم حسن مع الكرم، وطلاقة الوجه، وكان يكتب في الإجازات أجازهم المسؤول فيه بشرطة خليل بن كيكلدي العلائي بكاتبه، ووصفه بالحفظ شيخه الذهبي في مشيخته، وقال في المختص: يستحضر الرجال والعلل وتقدم في هذا الشأن مع صحة الذهن وسرعة الفهم.
وقال الحسيني: كان إماماً في الفقه والنحو والأصول مفتناً في علوم الحديث وفنونه علامة فيه حتى صار بقية الحفاظ عارفاً بالرجال علامة في المتون والأسانيد بقية الحفاظ ومصنفاته تنبي عن إمامته في كل فن ولم يخلف بعده مثله، وقال شيخنا في الوفيات درس وأفتى وجمع بين العلم والدين والكرم والمروءة ولم يخلف بعده مثله.
وقال الأسنوي في الطبقات: كان حافظ زمانه إماماً في الفقه والأصول وغيرهما ذكياً نظاراً فصيحاً كريماً ذا سطوة وحشمة انقطع في القدس للتدريس والإفتاء والتصنيف وأطنب في وصفه، وذكر أن السبكي سأل من تخلف بعدك، فقال: العلائي".
ونقل ابن ناصر الدين ثناءه على الشيخ ابن تيمية فقال:" روى الشيخ صلاح الدين العلائي المذكور في الشيخ تقي الدين فقال أخبرنا شيخنا وسيدنا شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن عبد السلام ابن
стр. 69
تيمية، وأخوه لأمه الامام بدر الدين أبو القاسم محمد بن قاسم الحراني، ونسيبهما عز الدين أبو محمد عبد العزيز بن عبد اللطيف بن عبد العزيز ابن تيمية، والعلامة كمال الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر الشريشي ذكر غيرهم ثم قال: قالوا كلهم خلا الشريشي أخبرنا أبو العباس أحمد ابن عبد الدائم بن نعمة المقدسي وذكر أحاديث انتقاها الحافظ صلاح الدين العلائي المذكور من جزء ابن عرفة".
****
стр. 70
حَرْفُ
السِّينِ
стр. 71
• سعدُ اللهِ بنُ عبدِ الواحدِ بنِ سعدِ اللهِ بنِ عبدِ القاهرِ بنِ عبدِ الأحدِ بنِ عمرَ الحرانيُّ، شرفُ الدينِ المعروف بابن نَجِيحٍ الحنبليُّ، أبو محمد ( ... -....) .
لم أجد له ترجمة.
وهو القائل في مدح ابن تيمية:
سناك تقيَّ الدينِ أبهى وأنورُ ... وأشرقُ من شمسِ النَّهارِ وأشهرُ
ومجدُك أسمى أن يقاسَ بمثلِهِ ... وأعظمُ مما في النفوسِ وأكبرُ
وعرفُ سناك المَنْدَليُّ له شذا ... ألذُّ من المسكِ الذَّكيِّ وأعطرُ
وعلمُكَ أقسامَ العلومِ بأسرِهَا ... أدلتُهُ تُوهِي الخصومَ وتَبْهِرُ
وصبرُكَ في ذاتِ الإلهِ على الأذى ... أنالَكَ ما ترجو وما تَتَخْيَّرُ
وأمرُكَ بالمعروفِ طَهَّرَ وَقْتَنَا ... فلم يَبْدُ في أيامِكَ الغُرِّ مُنْكَرُ
فيا ليتَ علمي والمناقبُ جَمَّةٌ ... لأي سجاياك الجَمِيلَةِ نَشْكُرُ
وماذا عسى يُثْنِي عليك مُبَالِغٌ ... بمدحٍ، وهل يُدْلَى إلى البحرِ جوهرُ
فدم واثقًا باللهِ مُعْتَصِمًا بهِ ... وعاضدُكَ الشرعُ الشريفُ المُطَهَّرُ
سليمًا من الآفاتِ في ظلِّ نِعْمَةٍ ... من اللهِ صافٍ وِرْدُهَا لا يُكَدَّرُ
هكذا نقلها الحسن ابن حبيب في (تذكرة النبيه) .
ونقل ابن عبد الهادي وغيره عنه في رثاء الشيخ:
أيُّها الماجدُ الذي فاقَ فَخْرا ... وسما رِفْعَةً على الأقرانِ
يا إمامًا أقامَهُ الله ُ للعالمـ ... ـينَ هاديًا باللطفِ والإحسانِ
يا غريبَ المثالِ يا مُوضِحَ الإشـ ... كالِ بالبيناتِ والبرهانِ
يا تقيَّ الدُّنى مع الدينِ يا مَنْ ... خُصَّ بالفضلِ واكتمالِ المعاني
стр. 72
لا تحلَّ العوادَ إن أكثروا الترـ ... ـداد أو أقدموا بلا استئذانِ
أنتَ رَوْحُ الوجودِ في عَصْرِكَ الآ ... ـنَ وقلبُ الورى وعينُ الزمانِ
والبرايا إذا اعتبرت جميعًا ... منك أضحوْا بمنزلِ الجُثْمانِ
وإذا الداءُ خامرَ الرَوْحَ والقَلْـ ... ـبِ تَعَدَّى الداءُ إلى الأبدانِ
فجديرٌ بسائرِ الصَحْبِ إن هُم ... أطنبوا في السؤالِ للرَّحْمَنِ
أن يديمَ ظلِكَّ الظليلَ عليهم ... سالمًا من طوارقِ الحَدَثانِ
قلت [الأموي] : حذفت من منها أبياتًا في التوسل بالنبي ﷺ وآله وصحبه.
قال: وله ﵀:
يا من له فطنةٌ فاقت ذوي الفِطَنِ ... يا ذا المناقبِ والأفضالِ والمِنَنِ
يا من أواليهِ في سرى وفي علني ... لا تلحني في انخذالي عن بني الزَّمَنِ
ولا اغترابي عن الأهلينَ والوَطَنِ
يا من لدينِ هواهُ بتُّ مُعْتَقِدا ... ومن بذيلِ هواه ظَلْتُ مُعْتَضِدَا
كن لي عذيرًا فلا نلتَ العداتِ غدا ... ولا تلمني إذا أصبحت منفردا
عن الوجودِ بلا خلٍ ولا سَكَنِ
كم جهدُ مثلي أن يُخْفِى تَمَلْمُلَهُ ... عن الوشاةِ وأن يُخْفِى تَحْمُّلَهُ
إن نَمَّ دمعي بأسراري يَحِقُّ له ... فبي من الوَجْدِ ما إن لو تَحْمَّلَهُ
رضوى لذابَ جوىً أو بَذْيُلٌ لفَنِي
لكنَّ قَلْبِي وإن ضَاقَتْ مَسَارِحُهُ ... لِمَا حوتهُ من البَلْوَى جَوَارِحُهُ
به غريمُ غرامٍ لا يُبَارِحُهُ ... ولَّي مِنَ الفِكْرِ نَدْمَانٌ أُطَارِحُهُ
ما بي فأفهمُ ما أشكو ويفهمُنِي
стр. 73
شُغِلْتُ فيه به عمن سواه فما ... ألِوي على صرفِ دهرٍ جارَ أو رَحِمَا
ولا أبالِ أذاعَ السِّرُّ أم كَتَمَا ... وكيف أصبحَ بالأغيارِ مُلْتَئِمَا
وبعضُ ما بي عن آبايَ يَشْغَلُنِي
هذا ولو أُضْرِمَتْ في القلبِ نارُ غَضَا ... ما ازددتُ إلا ابتهاجا بالهوى ورِضَا
لكنَّ جوهرَ صبري مذ غدا عَرَضَا ... أنشدتُ قولَ الفتى الجيليِّ ممتعضا
به ومن مثلِ قولِ السيدِ الحَسَنِ
مخاطبًا لجهولٍ باتَ يؤلمُهُ ... عذلًا ويلحاه فيما ليس يعلمُهُ
عني ملامَكَ إني لست أفهمُهُ ... ورُبَّ وَقْتِ وجودي فيه أسأمُهُ
دعْ الأجانبَ بلْ رَوْحِي تُزَاحِمُنِي
وله فيه أيضًا ﵀ ورضي عنه-:
يا عالماً جلَّ عن ضدٍ يُضَاهِيهِ ... وفاقَ أقرانَهُ فيما يعانِيهِ
يا ذا الفضائلِ يا زينَ الأماثلِ يا ... مُرْدِى المُمُاثِلِ يا مُوهِى مُنَاويِهِ
إيضاحُ فضلِكَ لا يحتاجُ تكملةٍ ... لكن مفصَّلُهُ عن ذاك مُجْزِيهِ
يا من إذا رمت أن أُحْصِي مَنَاقِبَهُ ... نظمًا ونثرًا وأنْشِيهِ وأرويهِ
حُصِرتُ لولا سجاياه تُهَذِّبُني ... لما ظَفِرْتُ بمعنىً من معانيهِ
محررُ المجدِ في مدحيكَ لخُصَ لي ... هدايةً أرشدت إرشادَ تنبيهِ
يا عمدةَ المقتدي حقًا ومَقنَعَةً ... فيا يرومُ وكافيهِ ومغنيهِ
ويا نهايةَ طلابِ الرعايةِ من ... وسيطِ علمٍ وخُبْرٍ أنت حاويهِ
يا غنيةَ المبتغين الرشدَ مانِحَهُم ... فتوحَ غيبٍ أتى من عندَ باريهِ
أبديتَ تعجيزَ أهلِ النظمِ فاعترفوا ... بالعجزِ عن كُنْهِ ما أصبحت تُبْدِيهِ
للهِ كَمْ مَيْتِ عِلْمٍ أَنْتَ تَنْشُرُهُ ... منِ بعدِ ما كادتِ الأيامُ تَطْوِيهِ
стр. 74
وكمْ حُصُونِ ضَلالٍ أنتَ هَادِمُهَا ... قهرًا وكمْ قولِ غاوٍ أنتَ مُوهِيهِ
بيَّنتَ إفسادَ ما قد حللوه لهم ... تبيينَ تحريمِ لا تبيينَ تنزيهِ
من الدباثةِ حيث الجُعْلَ يَبْذُلُهُ ... المسكينُ من كفِّهِ كيما يكافِيهِ
وقُمْتَ بالحقِّ في ذا العصرِ مجتهدًا ... في نصرِهِ مبطلًا دعوى أعاديهِ
يا حجةَ اللهِ في هذا الزمانِ على الـ ... ـوجودِ ما بين قاصيهِ ودانيهِ
يا من يراه إلهُ العرشِ داعيةً ... إلى الهدَى بلطيفِ من تَأَتِّيهِ
يا كاشفَ المُشْكِلاتِ المُعْضِلاتِ لَنَا ... بأبلجٍ مستنيرٍ من فتاويهِ
يا من أبى مقولي إلا مدائحَهُ ... ولو مدحت سواه كنت أعنيهِ
ومن حداني إلى أني أخاطِبُهُ ... بالمدحِ حتَّى كأنِّي لا أناجِيهِ
إلا مخافةَ ذي مِحَلٍ وذي حَسَدٍ ... يلحى فيعربَ عما فيهِ من فِيهِ!
وإنْ تَعَرَّضَ ذو ضُغْنٍ تلوتُ له ... (فذلكنَّ الذي لمتنَّنِي فيه)
قلت (الأموي) : البيت الأخير ضمن فيه بعض آية من القرآن من سورة يوسف ﵇ وهي قوله تعالى ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف:٣٢] .
وليس في ذلك شيء من حرمة أعلمه، أما ما يعرف بالاقتباس وهو: تضمين الشعر أو النثر بعض القرآن لا على أنه منه بألا يقال فيه قال الله تعالى ونحوه. ففي ذلك خلاف معروف، واشتهر عن المالكية تحريمه، وفي ذلك تفصيل ينظر له الفصل المخصوص في كتاب الإتقان للجلال السيوطي، فالغنية ثمت.
وله أيضًا يذكر ذل الخصوم ﵀:
стр. 75
لئن نافقوهُ وهوَ في السِّجْنِ وابتغَوا ... رضاهُ وأبدوا رِقَّةً وتَوَدُّدَا
فلا غروَ: إنْ ذلَّ الخصومُ لبأسِهِ ... ولا عَجَبٌ إنْ هابَ سطوَتَهُ العِدَا
فمِنْ شِيمَةِ العَضْبِ المُهَنَّدِ أَنَّه ... يُخَافُ ويُرْجَى مُغْمَدًا ومُجَرَّدا
وله أيضًا فيه يمدحه ﵀:
أيا من مناقبُهُ فَاخِرَه ... ويا من مواهِبُهُ غَامِرَه
ويا من سَحَائِبُ إِفْضَالِهِ ... بآمالِ أمالِهِا مَاطِرَه
ويا من له همةٌ لم تَزَلْ ... بَنَجْحِ مقاصدِهِ ظَافِرَه
ويا من عزائِمُهُ لا تَنِي ... إلى درجاتِ العلا سائِرَه
ويا ليثَ حَرْبٍ إذا ما سطا ... تَذِلُّ له الأسُدُ الكَاسِرَه
ويا طورَ حلمٍ إذا ما جنى ... عليه امرؤٌ ينثتي عَاذِرَه
وإن نالَ منه بسوءِ المقالِ ... وقبحِ الفعالِ غدا غَافِرَه
ويا بحرَ علمٍ تكادُ البحا ... رُ تفيضُ بأمواجِهِ الزَّاخِرَه
ويا من أدلتُهُ بالنصو ... صِ لأخصامه بدت قَاهِرَه
ويا من براهينُ أقوالِهِ ... كشمسِ الضُّحى إذ بدت سافِرَه
ويا من عوارفُ عِرفانِهِ ... تفوقُ على الأنجمِ الزاهره
ويا من صوارمُ آرائِهِ ... لأعناقِ أعدائِهِ باتِرَه
ويا قدوةً يقتدي العارفونَ ... بنور هدايتِهِ الوافِرَه
ويا من قصده بهدى الطالب ... ين يؤيد باطنُهُ ظاهِرَه
ويا داعيَ الخلقِ في عصرِهِ ... إلى الحقِّ بالحججِ الباهِرَه
ويا من مكارمُ أخلاقِهِ ... زكت بعناصرِهِ الطاهِرَه
следующие страницы →