وذكر أن الوجه أن يجعل بينهما وجهان، كما في التحالف. هذا كلامه، وهو لا يعطي إلا أن بعض الأصحاب قطع بذلك، وليس فيه تعرُّض (١) أصلاً لحكاية ذلك عن بعض الأصحاب؛ لأنه لا فرق بين أن يقول القائل: قال بعض الأصحاب: القاضي يفسخ قطعاً. وبين أن يقول: قال: بعض الأصحاب: القاضي يفسخ وجهاً واحداً، في أن كل واحدٍ منهما إخبار عن أنه جزم، ولم يتردد، ولا (٢) أنه حكاية لذلك عن الأصحاب.
ثم ولو صح له أن ذلك معناه، أي (٣) بعض الأصحاب حكى ذلك عن جملة الأصحاب، فلا يجوز أن ينسبه إلى الإمام، أنه نقل أن الأصحاب قطعوا بذلك، وإنما يصح ذلك أن لو لم يضفه إلى (٤) غيره، فإنه فرق بين أن يقول القائل: قطع الأصحاب بكذا، وبين أن يقول: قال فلان: قطع الأصحاب بكذا، فالأول حكم منه بقطعهم، والثاني حكاية عن غيره، والله أعلم.
قوله: في الفصل الرابع: في التحالف: "وكذلك يجري هذا الخلاف إذا ردَّ أحد العوضين بالعيب، وقد تلف الآخر، أو اشترى عبدين وتلف أحدهما، وتحالفا، أو قلنا: يضم قيمة التالف إلى القائم" (٥). هذا ما وجد للمصنف فيه (٦)، والله أعلم.
стр. 1297
(بسم الله الرحمن الرحيم) (١)
قوله - في الفصل الثاني: من (٢) الأحكام المعنوية في الوقف - في جعل البقعة مسجداً "لا يتبع (٣) فيه شرط" (٤).
فمعناه: - والله أعلم - لا يتبع في شرطه الموقوف، فإنه لو شرط فيه تخصيص طائفة، أو تقديم طائفة على طائفة، وما أشبه ذلك من الشرائط لم يتبع (٥).
وأما شرطه فيما سوى الانتفاع بهذا الموقوف، مثل أن يشترط التولية والنظر لشخص معينٍ، فإنه يتبع (٦)، والله أعلم.
قوله: "فأمَّا العقار، فلا تجب عمارته إلا على من يريد الانتفاع" (٧).
هذا كلام موهم، واعلم أنه راجع إلى الحالة الأخيرة من الحالات الثلاث في المسألة المتقدمة، وهي ما إذا لم يكن له (٨) غَلِّة ورَيْع، ففي العقار في هذه الحالة لا نوجب العمارة على الواقف، والموقوف عليه (٩)(١٠).
стр. 1298
أما فيما إذا كان له مغل، أو شرط عمارته من جهة أخرى حاصلة، فإن (١) العمارة في العقار أيضاً تجب قطعاً (٢)؛ حفظاً للموقوف على البطون الآتية، وعملاً بما يقتضيه الوقف من البقاء، والله أعلم.
قوله: "إلا على من يريد الانتفاع" استثناء من غير الجنس، فإنه لا يجب عند إراداته قطعاً.
قوله: "بعض الثغور [كَطَرْسُوس] (٣) فبطل، واتسعت خطة الإسلام حوَاليها" (٤).
هذا موهم، وثغر طرسوس بطل لا باتساع (٥) خطة الإسلام حواليه، بل باستيلاء الكفار عليه (٦)، وهو في بلاد الأرمن (٧) المتخمة لثغور (٨) الشام (٩) - فيجعل إذاً قوله "كطرسوس" مثالاً ذكره لمطلق الثغور، لا مثالاً لما اتسع خطة الإسلام حواليه، صيانة له من التخطئة، والله أعلم.
стр. 1299
ومن كتاب الهبة
في الحديث (ومن أُعمِر شيئاً، أو أُرقبه) (١) وهو بضم أوله، على ما لم يسم فاعله، أجود من الفتح (٢).
قوله في الرقبى: "وهذا يوافق موضوع العقد" (٣) يعني لا يتوهم أن الرُّقبى أولى بالإفساد؛ لأن الذي زاد في الرقبى هذا، وهذا لا يقتضي فساداً، والله أعلم.
قوله: "الهبة مندوبة" (٤)، وصوابه: مندوب إليها (٥).
قوله: "هل يستحب التسوية بين الابن والبنت؟ فيه تردد" (٦).
يعني وجهين:
стр. 1300
أحدهما: يسوى بينهما في قدر ما يعطى (١)، وهو الصحيح (٢).
الثاني: يجعل للابن مثلي ما للبنت كما في الميراث (٣).
قوله: "وقيل يتعدَّى إلى جدّ من قبل الأب هو ولي" (٤).
ليس معناه أنه يعتبر أن يكون جدَّاً قائم الولاية في حالة ثبوت الرجوع، حتى لو وهب أبو الأب مع (٥) وجود الأب لم يرجع؛ لأن هذا لا يعتبر في الأب الذي هو الأصل، فإنه ثبت له الرجوع حين لا ولاية له، كما كان الولد موهوب له رشيداً، وإنما يعني هو ولي على الجملة احترازاً من جدٍّ يدلي بأنثى، وهذا القائل يثبت له (٦) الرجوع مع الفسق، أن (٧) المعتبر منه أهلية الولاية على الجملة.
قوله (٨): "لأن هذا احتكام". معناه: إثبات الرجوع، إثبات سلطنة احتكام في المال (٩)، فلا يكون لمن لا ولاية له، ووقع في بعض النسخ "إلا أن هذا احتكام" (١٠)
стр. 1301
بمعنى غير، أن هذا وجه تحكم، وهذا تغيير وغلط، وكلام المؤلف هو الأول (١)، وليس هذا الوجه مما يقال فيه أنه تحكم، والله أعلم.
قوله: "فيما إذا أفلس، والثاني: نعم ... إلى آخره" (٢)، يعني ثبت الرجوع؛ لأنه حق سابق ثبت له بالهبة، وما طرأ من حق الغرماء بالإفلاس لا يقاومه، بخلاف حق الرهن فإنه أقوى، ولذلك منع (٣) الرهن في العين المبيعة رجوع البائع فيها، بخلاف الإفلاس فإنه لا يمنع رجوع البائع في المبيع، بل يثبته وإن كان يوجب تعلق ديون سائر الغرماء - بالمبيع - لكن قدِّم حق البائع عليهم، ولم يقدِّم على حقِّ الرهن، والله تعالى أعلم.
стр. 1302
كتاب الفرائض
قال ﷺ (إن الله لم يَكِل قسمة مواريثكم إلى نبي مرسل، ولا إلى ملك مقرب، ولكن تولى بيانها فقسمها أبين قَسْمٍ) (١).
الثابت في هذا المعنى (إن الله أعطى كل ذي حقٍ حقّه فلا وصية لوارث) رواه الترمذي وغيره (٢) عن رسول الله ﷺ (٣) من حديث عمرو بن خارجة (٤) أحد الصحابة (٥)، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وروى أيضاً من حديث أبي
стр. 1303
أمامة (١)، وأنس بن مالك (٢) ﵃.
[قوله: "أبين] (٣) قَسْم" هو بفتح القاف، والقِسْم بالكسر النصيب (٤)
стр. 1304
حديث (تعلموا الفرائض) (١) فقد روي من حديث أبي هريرة، وابن مسعود وأسانيده ضعيفة (٢)، والله أعلم.
روينا عن سفيان بن عيينة قال: "إنما قيل الفرائض (٣) نصف العلم؛ لأنه مما (٤) يبتلى به الناس كلهم" (٥).
стр. 1305
وقال بعض أئمتنا: "إن (١) للإنسان حالتين: حالة حياة، وحالة ممات، والفرائض أحكام الموت" (٢).
قلت: وتكون لفظة "النصف" ههنا عبارة عن القسم الواحد من القسمين، وإن لم يتساويا كما قال الشاعر:
إذا مت كان الناس نصفان شامت ... وآخر مثن بالذي كنت أصنع (٣)
وقوله ﷺ (أفرضكم زيد) (٤)، روينا بإسناد جيد من حديث أنس وهو حديث حسن، أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجة (٥)، والله أعلم.
стр. 1306
تقسيمه ما يثبت به الوراثة إلى سبب ونسب (١)، مع أن النسب سبب، وجهه: أن المراد أنه ينقسم إلى سبب غير نسب، وإلى نسب، والله أعلم.
ذووا الأرحام أحد عشر صنفاً (٢)، ترك منهم: بنات الأعمام، والجدات الساقطاط (٣). وتخصيص هؤلاء باسم ذوي الأرحام اصطلاح من الفقهاء، والفرضيين، واسم ذوي الأرحام في الأصل شامل للوارثين.
وما صار إليه صاحب الكتاب من القول بعدم الصرف إليهم، وإن عدم بيت المال، هو اختيار صاحب "المهذب" (٤)، وعلى هذا يصرف التركةَ القاضي إن وجد شرطه إلى مصارف بيت المال، وإن لم يوجد صرفها (٥) إليها بعض أهل العدالة (٦).
والغالب على أكابر أئمتنا في الأعصار المتأخرة الفتوى بالصرف إلى ذوي الأرحام؛ لفساد بيت المال (٧).
وقال أبو الحسن بن سراقة (٨) - أحد أئمتنا الكبار (٩) قبل أربعمائة -: كان
стр. 1307
القاضي (١) أبو العباس ابن سريج يورِّث ذوي الأرحام، ويقول: قد ارتفع بيت المال فذووا (٢) الأرحام أحق (٣).
قال ابن سراقة: وهو قول عامة شيوخنا، وعليه الفتوى اليوم في الأمصار (٤).
قلت: ومن يقول بتوريث ذوي الأرحام يقدِّم الردّ (٥) على ذي الفرض سوى الزوج والزوجة (٦). ثمّ منهم من يقول: يصرف إلى ذوي الأرحام على سبيل المصلحة، لا على سبيل التوريث، ويختص (٧) به الفقراء منهم (٨).
والمشهور عنهم: الصرف إلى جميعهم (٩) على اختلاف بينهم في اختيار مذهب أهل (١٠) التنزيل (١١)، أو مذهب أهل القرابة (١٢)، والله أعلم.
стр. 1308
قوله في الزوجين: "إن لم يكن للميت ولد وارث" (١) فاكتفى بهذا عن أن يقول: أو ولد ولد وارث، خارج على قول من قال من أصحابنا إن اسم الولد شامل لولد الولد (٢)، لكن الصحيح أن اسم الولد لا يشمل ولد الولد إلا بطريق مجاز، فلا سبيل إلى أن يقال ههنا: إنه (٣) أراد بالولد: الولد الحقيقي والمجاز معاً؛ لأنه لا يجوز (٤) عنده، وعند الجماهير على ما عرف في أصول الفقه: استعمال اللفظ الواحد في معنييه الحقيقي والمجازي معاً (٥)، ولا عذر له في الاقتصار على ذكر الولد في كتاب الله تعالى، فإن مثل ذلك يقع في النصوص موكولاً إلى قياس القياسيين (٦) المجتهدين، والمصنف عليه بيان المقيس، والمنصوص في مواطن التقسيم، والله أعلم (٧).
إنما قالوا في المسألتين: "ثلث ما يبقى" (٨)، ولم يقولوا: لها السدس، ولها (٩)
стр. 1309
الربع؛ محافظة على لفظ الكتاب العزيز في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ (١).
قوله في الأب: "يرث بالتعصيب المحض إن لم يكن للميت إلا زوج أو زوجة" (٢) لم يكن له إلا أم و (٣) جدة، ولا يعذر المصنف في ترك البعض إذا كان الكلام في بيان أقسام التقسيم؛ لما لا يخفى، والله أعلم.
"مسألة المشرَّكة" (٤) بفتح الراء وتشديدها، فإن قلت: فينبغي أن يقول: المسألة المشرك فيها، قلت: لهذا وجهان:
أحدهما: من قبيل ما وقع فيه التوسع بحذف "في" منه وإجرائه مجرى المفعول به، ومن ذلك قوله ﵎: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ (٥) وقولهم: "يا سارق الليلةَ" وقولهم: "نهاره صائم، وليله قائم" فعلى هذا يكون التقدير "مسألة القضية المشرَّكة" أي المشرَّك فيها، والله أعلم.
والثاني: أن التقدير مسألة الإخوة المشرَّكة، والله أعلم.
قوله: "قال ﷺ : (ألْحِقوا الفرائضَ بأهلِهَا فما أبقت الفرائض فالأولى عصبة ذكر) (٦). هذا حديث صحيح، رواه صاحبا الصحيحين
стр. 1310
وغيرهما (١)، ولفظه (فالأولى رجل ذكر) وفي رواية (فالأولى ذكر) والجمع بينهما من باب التأكيد (٢).
و (٣) فائدته: أن المعنى يصير به أثبت في ذهن السامع.
وأما روايته "فالأولى عصبة ذكر" ففيها نظرُ، وبعدُ عن الصحة من حيث الرواية (٤)، ومن حيث اللغة؛ فإن العصبة في اللغة اسم للجمع (٥)، وإطلاقها على الواحد من كلام العامة، وأشباههم (٦) من الخاصة، والله أعلم.
قوله: "والعصبة: كل من يدلي إلى الميت بنفسه" (٧) ينتقض بالزوج، فإنه معدود فيمن يدلي بنفسه، فيحتاج إلى أن يقول: كل ذكر يدلي بالنسب بنفسه، وإن كان هذا مراده فاللفظ قاصر، والله أعلم.
стр. 1311
قوله في الميراث بالولاء (١): "لا مدخل لأنثى (٢) فيه، إلا إذا كانت معتقة" (٣).
ينبغي أن يعتبر (٤) بمعتقته، ومعتقة أحد أصوله؛ إذ بهذا يستقيم الحصر، والله أعلم.
قوله: "وأما العم فيحجبه من يحجب الأخ للأب، والأم (٥)، والأخ للأب" (٦).
(هكذا وقع فيما رأينا من النسخ، والصواب ما وقع في بعض النسخ من حذف لفظة "الأم" حتى يصير: فيحجبه من يحجب الأخَ للأب، والأخُ للأب) (٧) بنصب (٨) الأخ الأول، ورفع الثاني، حتى يكون الكلام مشتملاً على ذكر الأخ من الأبوين، والأخ من الأب فيمن يحجب العمّ؛ إذ هما ممن يحجب (٩). ثم لم يذكر الجدَّ (١٠)، ولا بدَّ من ذكره؛ فإنه ممن يحجب العم (١١)، وإن كان ما سبق من ترتيب العصبات يدلُّ عليه، فذلك لا يكفيه ههنا بشروعه في تفصيل من يحجب العمّ، والله أعلم.
стр. 1312
قوله: "من لا يرث لا يحجب، ولا يستثنى من (١) هذا مسألة و [هي] (٢): أبوان وأخوان" (٣).
هذا غير مرضي؛ فإنه يستثنى عن (٤) ذلك مع هذه المسألة - وما فرعه عليها من مسألة الجدتين - مسائل أُخر ثلاث:
إحداها: أم وجد وأخوان لأم (٥)، وفي عبارته ما يمنع اندراج هذه المسألة فيما ذكره.
الثانية: أم وأب وأخ لأب (٦).
الثالثة: مسألة المعادة (٧). والله أعلم.
стр. 1313
الفرق (١) الذي ذكره هو وغيره في مسألة الجدتين (٢)، يبطل بما إذا كان مع الأم والأب، أو الجد أخوان لأم، فإن استحقاقهما بالفرضية، واستحقاق الأب أو الجد بالعصوبة.
والفرق عندي: أن رجوع الجدة من الأم من السدس إلى نصف السدس، فيما إذا ورثت الجدة من الأب، ليس بطريق الحجب الذي فيه الكلام، إذ (٣) من شأن الحجب أن يبطل بسببه السبب الذي يرث به المحجوب، والجدة من الأب لا تبطل بسببه سبب الجدة من الأم، على ما لا يخفى، وردها إياها إلى نصف السدس، إنما كان من قبيل ازدحام مستحقين على ما لا يفي بهما، يوزع عليهما كما في الابنين والأخوين، ونحوهما، وكما في الدينين إذا ازدحما أخذ كل واحد منهما البعض، وإن انفرد أحدهما بالاستحقاق أخذ الكل، فإذا لم يوجد من الجدة من الأب مزاحمة في الاستحقاق لسقوط استحقاقها بالأب أخذت الجدة من الأم جميع السدس لعدم المزاحم، ورد الأم إلى السدس لم يكن بسبب الازدحام فإنه أصل فرضها (٤)، فافهم ذلك فإنه عويص أنعم الله علينا بحله، والله أعلم.
стр. 1314
قوله في قرابات المجوس: "يعرف الأقوى بأمرين" ثم قال: "والثاني: أن تقل حجاب [إحداهما] (١) " (٢) ينبغي أن يضاف إليه: أو لا تحجب إحداهما أصلا، والأخرى قد تحجب كأم هي أخت لأب (٣) على ما ذكره من تصوير ذلك وغيره، والله أعلم.
قوله: "فلو ماتت الوسطى أولاً، فقد خلفت أماً وبنتاً هما أختان لأب فللأم الثلث" (٤)، هذا سهو وسبق (٥) قلم، وصوابه: السدس، وقد راجعت فيه بنيسابور أصل المصنف ﵀ الذي كان في وقف الضياء الغازي الطوسي (٦)، فوجدته بخط المصنف: الثلث، كما وقع النسخ، وضرب فيه عليه، ثم أثبت بخط غيره في الحاشية السدس.
وهكذا في قوله: "فلو ماتت السفلى أولاً فقد خلفت أماً وجدة هما أختان لأب، فللأم الثلث، وللجدة الباقي" (٧) فقوله "الباقي" سهو، أو طغيان قلم، وصوابه: وللجدة النصف، ووجدته في أصله قد ضرب على الباقي، وجعل بدله "النصف"، ومثل هذا لا يقع من مثله ﵀ وإيانا، والله أعلم.
стр. 1315
قوله: "موانع الميراث ستة" (١) ترك منها: مانع الدور (٢)، كما إذا اشترى ولده، أو أباه عمداً في مرض موته، وعتق عليه، فإنه لا يرث (٣)، لمكان الدور في أمثال له معروفة في أبوابها. وعد من موانع الميراث ما ليس منها، وإنما هو من أسباب الوقف، كما سأبينه إن شاء الله تعالى.
تمسك بقوله ﷺ : (لا يتوارث أهل ملتين شتى) (٤)، وهذا حديث رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - عبد الله بن عمرو بن العاص - وله مرتبة الحديث الحسن أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة (٥) والذي تركه وهو حديث أسامة بن زيد (٦)
стр. 1316
أن رسول الله ﷺ قال: (لا يرث المسلم الكافر والكافر المسلم) له مرتبة الصحيح، وهو مخرج في الصحيحين معاً (١)، والله أعلم.
قوله: "قال ﷺ ليس للقاتل (٢) من الميراث شيء" (٣).
هذا حديث قد رويناه في كتاب السنن الكبرى (٤) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ بإسناد ليس بالقوي، غير أن له شواهد تقويه، والله أعلم.
стр. 1317
ذكر في مسألة الغرقى: أنه إذا اطلعنا على المتقدم، ثم نسيناه فلا توارث بينهم أيضا، وفيه احتمال، قال: "قد [ذكرنا] (١) في مثل هذه الصورة في النكاحين والجمعتين خلافاً؛ لأن إعادة الجمعة، وفسخ النكاح له وجه، وههنا لا حيلة فيه" (٢).
أما ما جعله احتمال فهو ظاهر المذهب، وبه قطع غيره (٣)، وما صار إليه أولاً، وهو وجه ذكره شيخه الإمام (٤)، واختاره، ولم يورده (٥) مثل هذا الإيراد المضيع للمذهب.
وقوله: "لأن إعادة الجمعة له وجه" ولا وجه له، وصوابه: لأن إعادة الظهر، وهذا ظاهر من قاعدة الباب (٦) , والله أعلم.
قوله: "المانع الخامس: اللعان، وكان هذا ليس مانعاً، بل هو دافع للنسب" (٧).
هذا هو وغيره (٨) لم يعد هذا من الموانع أصلاً، وهو الصواب، ولم يكن به ضرورة إلى عده من الموانع، مع أن الأمر فيه على ما ذكره، والله أعلم.
стр. 1318
قوله: "المانع السادس: الشك في الاستحقاق" (١).
هذا ليس بمانع من الإرث، وإنما هو سبب للتوقف، ثم بعده إذا ظهر سبب الإرث ورث (٢)، والله أعلم.
قوله: "تقلص عَصَبٍ وعَضَلةَ" (٣) فالتقلص (٤): هو الانضمام والانزواء (٥) والله أعلم.
والعضلة: كل لحمة مجتمعة مكتنزة ذات عصبة فهي عضلة، كعضلة الساق وغيرها (٦).
قوله: "وإن تردد بين الجهتين فقولان" (٧) ليس معناه: أنه تردد في دلالته على الحياة، بل معناه: أنه كان بين القطع والشك بأن الموجب عليه ظنه كالاختلاج (٨) لا في عصب وعضلة، والله أعلم.
قوله: "وأقصى الممكن تقدير أربعة من الأولاد" (٩).
стр. 1319
هذا صار إليه بعض الأصحاب (١)، وهو بعيد من حيث المذهب، ومن حيث الوجود، والأصح الذي صار إليه شيخا الطريقين: أبو حامد الأسفراييني، وأبو بكر القفال المروزي (٢)، وجمهور العراقيين، والقاضي حسين (٣)، وغيره من الخراسانيين (٤)، أنه لا ضبط لأكثره (٥)، وقد وجد أكثر من أربعة، وشوهد ذلك (٦)، والله أعلم.
قوله: "أما المقدرات فستة" (٧) يحتاج إلى أن يقول: والسابع: ثلث ما بقي (في مسائل الجد فيما إذا كان في المسألة: سدس وثلث ما بقي) (٨)، كأم وجد (٩)، وإخوة. أو ربع وسدس وثلث ما بقي، كأم، وزوجة، وجد، وإخوة (١٠). ولا
стр. 1320
يرد (١) هذا على من قيد كلامه فقال: المقدرات في كتاب الله ستة؛ لأن ثلث ما يبقى غير مقدر (في كتاب الله تعالى، والله أعلم) (٢).
قوله: "والثلث فرض اثنين: للأم ولأولاد الأم" (٣)، بل هو فرض ثلاثة، والثالث: الجد؛ حيث يفرض له الثلث كاملا مع الإخوة (٤)، والله أعلم.
قوله: "وإن احتجت إلى ثمن وسدس، أو ثمن وثلث فمن أربعة وعشرين" (٥).
هذا لا يتصور في الفرائض؛ لأن الثمن إنما يكون للزوجة مع الولد، والذين فرضهم الثلث لا يكون لهم مع الولد الثلث، وهذا فيما راجعت فيه أصل المصنف الذي كان في وقف الغازي الطوسي بنيسابور - حرسها الله تعالى - فإذا به قد أصلح من ثمن وثلث إلى ثمن وثلثين، وهذا صوابه (٦)، والله أعلم (٧).
قوله: "وزاد زائدون على الأصول السبعة: ثمانية عشر، وستة وثلاثين، وهذا يحتاج إليه في مسائل الجد" (٨).
أما ثمانية عشر: ففيما إذا اجتمع سدس وثلث ما يبقي، كأم وجد وإخوة.
стр. 1321
وأما ستة وثلاثون: ففيما إذا كان في المسألة سدس، وربع وثلث ما يبقي، كأم وزوجة وجد و (١) إخوة (٢). وزيادتهما هو المختار (٣)؛ لأن الأصل والمخرج يعتبر فيه أن يكون أقل عدد يخرج منه جميع الفروض المجتمعة في المسألة، وفي هاتين المسألتين ليس ذلك، إلا الثمانية (٤) عشر، وستة وثلاثون (٥)، فصار هذا كالنصف وثلث ما يبقى في مسألة: زوج وأبوين، فإن أصلهما من ستة لما ذكرناه ولا فرق، والله أعلم.
قوله: "والعول عبارة عن الرفع" (٦) فالعول (٧): مصدر قولنا: عال، وهو لازم، وسبيله أن يعبر عنه بالارتفاع لا بالرفع، وإنما يجيء ما قاله على لغة من عداه فقال: عال الفريضة بمعنى أعالها (٨)، وذلك نادر في اللغة، والله أعلم.
قول ابن عباس ﵄ "فلما بلغ خالف" (٩).
стр. 1322
وفي "البسيط": "وكان صبياً فلما بلغ خالفه" هذا غير صحيح، فقد كان بالغاً من قبل قصة العول (١).
وقول ابن عباس "من شاء باهلته" أي لاعنته، وجعلنا اللعنة على الكاذب منا، وفي رواية أنه تلا ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ (٢) الآية.
وقوله: "إن الذي أحص رمل عالج عدداً، لم يجعل في المال نصفا وثلثين" (٣). فالذي رويناه في السنن الكبير (٤) "نصفا ونصفا وثلثا" وكذا رواه شيخ الرواية في الفرائض ابن سراقة (٥)، ويكون على هذا صورتها: زوجاً وأختاً وأماً.
стр. 1323
وقوله: "رمل عالج" فعالج مكان بالبادية كثير الرمال (١) , والله أعلم.
هذا آخر ما وجد للمصنف فيه ﵀ وإيانا (٢).
стр. 1324
بسم الله الرحمن الرحيم (١)
كتاب النكاح (٢)
قول المصنف ﵀: "والأضحى" (٣).
يعني به الضحَايَا، يقال: أضْحَاةُ في الواحد، والجمع أضْحَى، ويقال: أيضاً ضَحَّيةٌ وضحَايَا، وأُضْحِيَّة، وأضاحيّ (٤) بتشديد الياء (٥). والله أعلم.
الحديث الذي رواه: (كتب عليّ ثلاث لم تكتب عليكم: الضحى، والأضحى، والوتر) (٦)
حديث غير ثابت ضعفّه الحافظ أحمد البيهقي في كتابه في "الخلافيات" (٧) بعد أن أسنده عن ابن عباس ﵄، ولفظه: (ثلاث هنّ عليّ فرائض،
стр. 1325
وهي لكم تطوع: النحر، والوتر، وركعتا (١) الضحى) (٢).
قوله: "وكالتهجد" (٣) يريد أنه وجب عليه ﷺ ، أن يتهجد خارجاً عن الوتر، وهذا قول أكثر الأصحاب (٤) عملاً بظاهر الأمر في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ
стр. 1326
فَتَهَجَّدْ (١) بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ (٢) محمول على (٣) أن ذلك يقع لا محالة زيادةً في حسناته بخلاف غيره، فإن تهجد غيره، وتطوعاتهم يجبر منها النقصان المتطرق إلى مفروضاتهم، وهو ﷺ معصوم عن الخلل في مفروضاته، فيمحض تهجده زيادة على مفروضاته.
وهذا المذهب وإن قوي بعض القوة بما ذكرناه فالأشبه خلافه. وقد حكى الشيخ أبو حامد ﵀ بعد حكايته ذلك عن الأصحاب، إن الشافعي ﵀ نص على أنه نسخ وجوب ذلك في حقه ﷺ ، وحق غيره. (٤)
قلت: هذا هو الصحيح (٥) الذي تشهد له الأحاديث، منها حديث سعد ابن هشام (٦) عن عائشة، وهو في الصحيح (٧) معروف. والله أعلم.
стр. 1327
وفي وجوب السواك عليه (١) ﷺ ، يقوي بما رواه أبو داود في "سننه" (٢) أنه ﷺ ، (أمر بالسواك لكل صلاة).
قلت: ومع هذا ترددوا في وجوب السواك عليه (٣)، وقطعوا بوجوب الضحى، والأضحى، والوتر عليه (٤)، مع أن مستنده الحديث الذي ذكرنا (٥) ضعفه، ولو عكسوا فقطعوا بوجوب السواك عليه، وترددوا في الأمور الثلاثة لكان أقرب، ويكون مستند التردد فيها أن ضعفه من جهة ضَعْف راويه أبي جَنَاب الكَلْبي (٦)، وفي ضعفه خلاف بين أئمة الحديث وقد وثقه بعضهم (٧) والله أعلم.
стр. 1328
قوله: (يوغِر صدورَهنّ (١)) (٢) أي يحميها بالغيظ. (٣)
قوله: (حين ضاق ذرعه) (٤) المعروف ضاق بالأمر ذرعا من غير إضافة، أي لم يطقه ولم يَقْوَ عليه. (٥)
حديث عائشة المذكور ثابت في الصحيح (٦)(٧) بلفظ آخر ليس فيه (وأرادت أن يختار أزواجه الفراق) (٨).
стр. 1329
قوله: "بأجمُعهنّ" (١) الصحيح فيه أنه بضم الميم، وهو جمع كلمة جمع كالمجموع.
توجيه (٢) قول من قال: لو اختارت الدنيا والفراق، لبانت بنفس هذا الاختيار (٣)، أن (٤) ذلك يقع مضاداً لصحبة رسول الله ﷺ ، فيجب عليها فراقها، والفرقة إذا وجبت وقعت، ولهذا استدللنا بوجوب الفرقة في اللعان على وقوعها.
والقول بوجوب جوابهن على الفور (٥) ينبني على القول بالبينونة بنفس اختيار الفراق، آخذاً من أحد القولين في أن الجواب على الفور فيما إذا قال: لها طلقي نفسك (٦). والله أعلم.
دليل تحريم طلاقهن من الآية (٧) هو في قوله تعالى: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾ (٨)؛ لأن معنى التبدل بهن مفارقتهن أولاً، ثم التزوج بإبدالهن، ففي تحريمه تحريم مفارقتهن على ما لا يخفى تقريره. والله أعلم.
стр. 1330
من الدليل على النسخ (١)، قول عائشة ﵂ (ما مات رسول الله ﷺ ، حتى أحل له النساء) (٢)، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ (٣) ناسخ لذلك، ولكن في التي هاجرت (٤) معه (٥) والله أعلم.
ثم قال الأصحاب: وإن أبيح له التبدل بهن، فإنه لم يتبدل بهن (٦)، والله أعلم.
أبيح له ﷺ الغنائم، ولم تحل لغيره من الأنبياء (٧) ﷺ .
стр. 1331
في صدقة التطوع قول للشافعي (١) ﵀ خفي على المصنف، وشيخه، أنها لم تحرم عليه، وإنما كان يترفع (٢) عنها، حكاه الشيخان أبو حامد إمام العراقيين، والقفال إمام الخراسانيين (٣).
ثبت أن أبا أيوب الأنصاري (٤) صنع لرسول الله ﷺ طعاماً فيه ثوم، فرده ولم يأكل منه، فقال له: (أحرام هو؟ قال: لا ولكني أكرهه، قال (٥): فإني أكره ما كرهت) أخرجه مسلم في صحيحه (٦) وهذا يبطل وجه التحريم (٧)، والله أعلم.
قول المصنف "بالفيء، المأخوذ على سبيل القهر والغلبة" (٨) عبارة غير مرضية، في عرف الفقهاء؛ لأن هذا صفة الغنيمة كما ذكره المصنف في بابها (٩)، وأما الفيء في عرفهم، فغير متقيد بهذه الصفة، إذ منه مال من لا وارث له من أهل الذمة (١٠). والله أعلم.
стр. 1332
وقوله "بمعاذ" (١) هو بفتح الميم، أي بمَلْجَاءٍ ومستجار (٢).
وقوله "فعلمتها نساؤه" زيادة لم أجد لها أصلاً ثابتاً، وحديث المستعيذة ثابت في صحيح البخاري، وغيره (٣)، بدون هذه الزيادة البعيدة، وقد رواها محمد بن سعد (٤) في "طبقاته" (٥) لكن بإسناد ضعيف.
стр. 1333
واسم المستعيذة، أسماء بنت النعمان الجونية (١)، وقيل: فيه غير ذلك (٢)
قال المصنف: "وقيل: إنهم لم يشاركوه في تحريم الصدقة" (٣)، فأورد هذا إيراد وجه ضعيف، أو غريب، وليس كذلك، فإنه هو المشهور الصحيح (٤). والله أعلم.
قال: "ونحن لا نرى الخوض في أدلة ذلك" (٥).
قلت، قال: شيخه (٦) إن المحققين كرهوا الخوض في المسائل (٧) التي اختلف (٨) فيها الأصحاب من خصائص رسول الله ﷺ .
стр. 1334
قلت (١): وحكى الصَّيْمَري (٢) عن أبي علي بن خيران أنه منع من الكلام في خصائص رسول الله (٣) ﷺ ، في أحكام النكاح، وكذا في الإمامة (٤).
ووجهه: أن ذلك قد انقضى فلا عمل يتعلق به، وليس فيه من دقيق العلم، ما يقع به التدريب، فلا وجه لتضييع الزمان برجم الظنون فيه، وهذا غريب مليح (٥) والله أعلم.
"صفيه (٦) المغنم" (٧) وصفيُّ المغنم ما يصطفيه الرئيس من الغنيمة لنفسه قبل القسمة، أي يختاره (٨).
стр. 1335
قوله: "الاستبداد بخمس الخمس"، ينبغي أن يضاف إليه، وأربعة أخماس الفيء (١).
والاستبداد، معناه: الانفراد أي ينفرد بذلك (٢) ويشارك الغانمين، فيستحق سهماً من الغنيمة كسهم أحدهم، والله أعلم.
خائنة الأعين، وإظهار ما يخالف الإضمار (٣) مذكور في جملة المحرمات عليه ﷺ ، ومن الحجة في ذلك ما رويناه في السنن للبيهقي (٤) بإسناده في قصة ابن أبي السرح (٥) حتى أحضر يوم الفتح بين يدي رسول الله ﷺ ، أنه لما أنكر على