شهوةٍ إذا لم يخف الفتنة، وحكمه حكم النظر إلى نساء المحارم (١)، والله أعلم.
وقوله: "يا لَكْعاَء" معناه، يا لئيمة (٢).
وحكم أمته التي لا تحل له حكم الأمة الأجنبية (٣)، وذلك مثل أمته المجوسية، والوثنية، والمرتدة، والمعتدة، والمكاتبة، والمزوجة (٤). والله أعلم.
ما ذكره من الجزء المبان من المرأة من محل هو عورة (٥) منها، من أنه لا ينظر إلى ما هو متميز متشكل، مثل العضو المبان، والعَقِيصَة (٦)، وينظر إلى ما ليس بمتميز متشكل كالشعر المتنتف، والقُلاَمَةِ (٧)، فهو غير (٨) مرضى، ولا أصل له في نقل المذهب، ولا من حيث المعنى لما في التمييز الذي اعتبره (٩) من
стр. 1367
الاضطراب، وإنما هذا شيء كان شيخه أبو المعالي (١) قد أبداه من عنده في معرض إشكالٍ (٢) أورده على ما نقله فاقتصر هو ها هنا على ما أبداه شيخه من عنده، فترك ما نقله، ولو جمع بينهما في الذكر كما فعل شيخه لأصاب، ومثل هذا الذي فعله ينافي موضوع هذا الكتاب.
والصحيح الذي قطع به القاضي (٣)، وغيره التسوية في المنع من كل ذلك (٤)، وأن حكم العورة في تحريم النظر يبقى بعد الانفصال كما بقى بعد الموت، تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية، فإذاً يحرم على الأجنبي النظر إلى قُلاَمَةَ رِجْلِ (٥) المرأة، دون قُلاَمَة يدها (٦).
ويحرم عليه النظر إلى ما يتناثر من شعر الحرة بالإمتشاط، وغيره (٧).
قال القاضي (٨): وكذا شعر عانة الرجل بعد الإبانة، لا يجوز النظر إليه (٩).
стр. 1368
ويحكى أن امرأة (١) سألت (٢) الشيخ أبا عبد الله الخِضْرِي (٣) عن قُلاَمَة ظفر المرأة، هل يجوز للأجنبي النظر إليها، فأطرق الشيخ وسكت طويلاً. وكانت ابنة أبي على الشبُّوِّي (٤) زوجته، فذكرت له أنها سمعت أباها يقول: إن كانت (٥) قلامة أظفار اليدين، جاز النظر إليها، وإن كانت (٦) قلامة أظفار (٧) الرجلين لم يجز، وإنما كان ذلك لأن يدها ليست بعورة بخلاف الرجل، ففرح الخضري بذلك، وقال: لو لم أستفد من اتصالي بأهل العلم. إلا هذه المسألة لكانت كافية. حكى هذه الحكاية الشيخ القفال المروزي، ثم غيره (٨).
والخضري: بخاء معجمة مكسورة وضاد معجمة ساكنة.
стр. 1369
والشَبْوِّي: بشين معجمة مفتوحة بعدها باء موحدة مشددةٍ مضمومةٍ، ثم واو مكسورة، وإنما ضبطت لك هذا صيانة لك من وصمة التصحيف، فإنه يُصْحَف، وقد عزَّ من يعرفه. والله أعلم.
قال صاحب الكتاب ﵀ "الصبية لا يحل النظر إلى فرجها" (١) يعني، وإن كانت بحيث لا تُشْتَهى، وفي كتاب "العدة" للقاضي حسين (٢) الطبري، إن عدم الجواز فيه ثابت بلا خلافٍ (٣). وليس كذلك، فإن في "تعليق" القاضي حسين المروزي، القطع بأنه يجوز النظر إلى فرج (الصغيرة التي لا تُشْتَهىَ، مثل بنت سنة، وذكر مثل ذلك في فرج) (٤) الصبي الصغير (٥).
وذكر فيه، تلميذه صاحب "التتمة" (٦) وجهين.
أحدهما: المنع.
والثاني: الجواز لتسامح الناس بذلك قديماً وحديثاً، وذكر أنه الصحيح، وأن إباحة ذلك تبقى إلى (٧) أن يبلغ (٨) سن التمييز، ويصير بحيث يمكنه أن يستر عورته عن الناس، والله أعلم.
стр. 1370
وأمَّا قول الغزالي "وفي النظر إلى وجهها وجهان" (١): فعجب تخصيصه الوجه بالوجهين، وذكره وجها في تحريم النظر إلى وجه الصغيرة التي لا تشتهي عجيب جداً، لم أجده في غير هذا الكتاب، ويكاد يكون خارقا (٢) للإجماع.
وقوله: في تعليله "نظراً إلى جنس الأنوثة" باطل بذوات المحارم، فإنه لا خلاف في جواز النظر إلى وجهها، وهذه أولى بذلك لخروجها عن مظنة الشهوة في حق جميع الناس، وذات المحرم (٣) انما خرجت عن مظنة الشهوة في حق محرمها خاصةً.
والوجهان الجاريان في الصغيرة التي لا تشتهي مذكوران، في أن حكمها هل هو حكم المحارم؟ (٤) وهكذا ذكر ذلك في "البسيط" (٥) وإن ساغ إيراد وجه في تحريم النظر إلى وجهها فليجعل ذلك مبنيا على الوجه المقول فيه (٦)، أنها ليست كالمحارم. ثم على قول من حرم النظر إلى وجه الأجنبية الكبيرة عند الأمن من الفتنة. والله أعلم.
стр. 1371
"نظر المرأة إلى الرجل" (١) الوجه الأول: فيه أنه لا يجوز مطلقاً إلى العورة، وغيرها إلا إلى الوجه والكفين، في الموضع الخاص، ومواطن الحاجة (٢)، كما سبق في نظر الرجل إلى المرأة، وهذا هو الصحيح عند غيره (٣)، ولم يذكر الشيخ أبو إسحاق في طائفة (٤) سواه (٥) وهو قوي لحديث أم سلمة ﵂ قالت: (كنت عند النبي ﷺ وعنده (٦) ميمونة ﵂ فاقبل ابن أم مكتوم (٧)، فقال: (٨) احتجبا منه، فقلنا: يا رسول الله، أليس أعمى لا يبصرنا, ولا يعرفنا؟
стр. 1372
فقال ﷺ : (أفعمياوان أنتما، ألستما تبصرانه) أخرجه أبو داود، وغيره (١).
وأمَّا حديث عائشة في نظرها إلى الحبشة، وهم يلعبون (٢) فقد جاء (٣) ما يدل على أن ذلك كان قبل بلوغها، ويحتمل أنه كان قبل أن يضرب عليهن
стр. 1373
الحجاب (١)، ووقائع الأعيان يسقط الاحتجاج بها لتطرق (٢) الاحتمال إليها. والله أعلم.
وأمَّا نظر المرأة إلى محرمها من الرجال ففيه وجهان (٣):
أحدهما: أنه كنظر الرجل إلى المرأة المحرم.
والثاني: أنها تنظر منه إلى ما ليس بعورة منه، كنظر الرجل إلى الرجل (٤)، والله أعلم.
ذكر صاحب "النهاية" (٥) أنه يباح للرجل النظر إلى من أراد التزوج بها، وإن خاف الفتنة، ولم أر هذا لغيره، وينبغي أن يطرد هذا في كل ما ينزل منزلة هذا (٦) من كل حاجة أبيح النظر إليها (٧). الحاجة المؤكدة لها ضابطان:
стр. 1374
أحدهما: خوف الفوات في العضو، أو خوف الضَّنى (١)، ولا يجيء (٢) فيه خلاف التيمم فإن هذا الباب أوسع.
الثاني: أن يكون بحيث لا يعد التكشف بسببه هاتكاً للمروءة (٣).
وعند هذا اعلم أن قول المؤلف "وهو أن يكون بحيث لا يعد التكشف لأجله هتكاً" (٤) راجع إلى قوله "لحاجة (٥) مؤكدة" وشرح لذلك لا لما بينه (٦). والله أعلم.
ثم اعلم أن ما جاز من النظر، واللمس لحاجة المداواة، إذا وقعت الحاجة لامرأة، و (٧) وجدت امرأة تقوم بذلك منها، فلا يجوز ذلك لرجل، وإذا وجدت مسلماً فلا يكون ذمياً (٨)، قطع بذلك القاضي (٩)، وصاحبه (١٠) صاحب "التتمة" (١١). والله أعلم.
стр. 1375
قوله "إذ في الرد بعد الخِطبة إيحاش" (١) (يعني أنه لو أخر النظر إلى ما بعد الخطبة، فربما لا تعجبه، فيرجع عنها، وفي ذلك إيذاء وإيحاش) (٢)، والله (٣) أعلم.
وقال (٤): "وفي عدة البائنة (وجهان" (٥) والصواب) (٦) قولان (٧): فهكذا النقل في طريقتي خراسان، والعراق وسواء على هذه الطريقه، البائنة بالخلع، والبائنة بالثلاث، وباللعان (٨).
وفي طريقة العراق (٩) القطع بأن المطلقة بثلاثٍ كالمتوفى عنها زوجها (١٠)، وهذا هو الصحيح, لأن فاطمة بنت قيس (١١) ﵂ طلقها زوجها
стр. 1376
ثلاثاً وعرَّض النبي ﷺ ، بخطبتها في عدتها، فقال: (إذا حللتِ فآذنيني) رواه مسلم في صحيحه (١) وكذلك البائنة باللعان، والرضاع (٢).
وإنما القولان في البائنة بخلع، أو فسخ بعيب، ونحوه (٣). والفرق أن الزوج يجوز له نكاح هذه في العدة، فلا يجوز لغيره التعريض بخطبتها كالرجعية، بخلاف المطلقة ثلاثاً، ومن ألحقناها بها، والله أعلم.
قوله "وآذنيني" هو بألف ممدودة، أي فأعلميني، ووقع في بعض النسخ "فآذِنِينِي" والصواب "وآذنيني" بالواو.
والاعتبار في إجابة الخاطب ورده بالولي، إذا كان مجبراً، أو (٤) بالمرأة إن كانت غير مجبرة، فإن وليها لو امتنع من تزويجها ممن رغبت فيه من الأكفاء، لزوجها السلطان (٥). والله أعلم.
قوله: "وقيل: بدوام السفر" (٦).
قلت: هذا مَطْرَحٌ (٧) بما رواه مسلم في صحيحه, في بعض روايات (٨) الحديث
стр. 1377
أن رسول الله ﷺ قال لها: (وأمَّا أبو جهم (١) فرجل ضراب للنساء) والله أعلم.
قوله: "اذكروا الفاسق بما فيه" (٢) حديث ضعيف (٣)، وفي حديث فاطمة،
стр. 1378
وغيره (١) مما صح في هذا المعنى غنية عنه. والله أعلم.
قوله "جواز ذكر الغائب بما يكرهه إذا كان فيه مصلحة لغيره" (٢) أجود منه قوله: في "الإحياء" (٣)(٤) المرخص في الغيبة غرض صحيح في الشرع لا يمكنه التوصل إليه إلا بها، كالتظلم، والاستعانة على تغيير المنكر، والاستفتاء كما روي (إن أبا سفيان (٥) رجل شحيح) (٦) والتحذير، والنصيحة، والتعريف في
стр. 1379
حق من يعرف بلقب، وكل هذا بشرط أن يكون المقصود هذه الأمور لا الوقيعة فيه، وإذا كان مجاهراً بفسق، أو بدعة جاز أن يذكر ما (١) تظاهر به لا غير (٢).
وقوله: "وسواء خطب العاقدان، أو غيرهما" (٣) هذا على البدل, لأن العاقدين لا يخطبان جميعاً, لأن المشروع قبل العقد خُطبة واحدة (٤).
قوله: " [و] (٥) تخلّل هذه الكلمة اليسيرة، وهي متعلقة بغرض العقد، لا يقطع" (٦).
فهذان شرطان، لهذا الوجه الصحيح (٧) فإن كانت خطبة الخاطب طويلة لم ينعقد (٨) وإن تحلل بينهما كلام يسير، لا تعلق له بغرض العقد منع الانعقاد (٩)
стр. 1380
لأنه إعراض عن الجواب، وفيه وجه أنه لا يمنع (١) أيضاً (٢) كالسكوت اليسير، وللشافعي ما يدل عليه، ولا شكّ أن السكوت اليسير لا يمنع، والسكوت الطويل يمنع (٣) وهو الذي يشعر بإعراض القائل عن جواب الإيجاب، والله أعلم.
ثم اعلم أن لعقد النكاح آداباً، تركها صاحب الكتاب، تمس الحاجة إليها منها (٤):
يستحب أن يكون العقد في مسجد (٥) لما روت عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ (أعلنوا هذا النكاح، واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدُّفُوف) أخرجه الترمذي (٦) غير أنه قال حديث غريب.
стр. 1381
ويستحب (١) أن يكون في شوال، (٢) والعامة تنفر من ذلك، وتتشاءم به وهي غالطة، إذ صح عن عائشة ﵂، قالت: (تزوجني رسول الله ﷺ ، في شوال، ودخل بي في شوال، فأيُّ نسائه كان أحظى عنده مني؟، وكانت عائشة تستحب أن تدخلَ نسائها في شوال) أخرجه مسلم في صحيحه, وغيره. (٣)
ويستحب إحضار جمع من أهل الصلاح زيادة على الشاهدين (٤).
ومن آدابه المهمة، أن ينوي بالنكاح المقاصد الشرعية، كإقامة السنة، وصيانة الدين، وسائر الفوائد الدينية (٥) التي سبق ذكرها عند ذكر الترغيب في النكاح، حتى يكون عملاً من أعمال الدين غير متبع (٦) فيه مجرد الهوى، وغرض النفس. والله أعلم بالصواب.
стр. 1382
القسم الثاني: في الأركان والشرائط
قوله: "لأن النكاح يشتمل على أحكام غريبة" (١)
شرحه: المعقود عليه في النكاح، هو منافع الاستمتاع، والثابت فيها الحل اللازم الذي يجوز رفعه بالطلاق وغيره، وليس المعقود عليه عين المرأة قاله بعض العلماء، ولا منافع البُضْعِ كما قاله آخرون، ولا تثبت (٢) فيه حقيقة الملك في عين ولا منفعة، وآية ذلك أنه لا يقبل النقل كما جرى ذلك في ملك الرقبة في ملك اليمين، وفي ملك المنافع في الإجارة، ولم يشترط (٣) فيه شروطها, ولهذا جاز تزويج الأمة الآبقة، ثم وجب العوض فيه مع فوات المقصود منه بالموت، ولم يفسد الملك فيه بفساد العوض إلى غير ذلك من الأحكام، فلما كان كذلك تعين في عقده اللفظ (٤) الخاص المنصوص (٥) عليه، (ولم يجز) (٦) بالألفاظ الموضوعة.
قوله: "والعتق على مال" (٧) صور (بأن) (٨) يقول: أعتقتك على ألف مثلاً، فيقول: قبلت، وهو عين الكتابة.
стр. 1383
ما ذكره في قوله: "فيما لو قال: إن كان قد ولد لي بنت فقد زوجتكها أنه (١) لا يصح لصيغة التعليق، وإن لم يوجد حقيقة التعليق" (٢).
قلت: فيه ليس صيغة التعليق فيه مجردةً عن معني التعليق بالكلية؛ لأن ما (٣) فيه من معني التعليق ما فيه من التردد حالة العقد، وعدم الجزم، وكونه بَانَ بعد ذلك وجود الشرط الذي علق عليه عند إنشاء العقد لا ينفي وجود التردد الذي ذكرته حينئذٍ. والله أعلم.
قال: "وكذلك لو قال: إن انقضت عدتها، فقد زوجتكها" (٤).
العبارة غير مرضية؛ لأن قوله "إن انقضت عدتك (٥) " ظاهره إن انقضت بعد هذا في المستقبل، وذلك نفس التعليق المفسد، وإنما المراد بما ذكره (٦)، إن كان قد انقضت عدتك (٧)، فبان انقضاء عدتها.
قوله في الشغار "يُشبه ذلك ما لو نكحت امرأة عبداً على أن تكون رقبته صداقاً لها" (٨) مشكل وإيضاحه مسألة أن هذا متعلق بدَخْلٍ مقدر كأن قائلاً
стр. 1384
قال: جَعْل بُضْعها صداقاً من باب الصداق الفاسد، وفساد الصداق لا يوجب بطلان النكاح علي ما عرف.
فجوابه أن من صور فساد الصداق، ما يبطل النكاح، ودليله صورة العبد (١).
قوله: "أن لا تكون منكوحة الغير" (٢)
قلت: لا يحتاج إلى ذكر الغير بل مجرد كونها منكوحة، فإن منكوحته لا يصح (٣) العقد عليها (٤) والله أعلم.
"أو كانت (٥)(٦) كتابية دانت بدينهم بعد التبديل، أو بعد المبعث وليست مع ذلك من بني إسرائيل" (٧).
شرطه أن لا تكون من بني إسرائيل شرط لا يعرف ولا يصح، وإذا نظرت في الفصل المعقود (٨) في "الوسيط" (٩) في ذلك فيما بعد حكمت عليه بما ذكرته، والله أعلم.
стр. 1385
ومن ذلك قوله "وليست مع ذلك من بني إسرائيل" مشكل، فإنها وإن (١) كانت إسرائيلية دان أول (٢) آبائها بعد التبديل، أو بعد المبعث فليست (٣) كغيرها بلا إشكال (٤)، والعذر عنه - والله أعلم - أن هذا لم يذكره شرطاً بل على سبيل التصوير؛ لأن كونها لم تدن بدين أول آبائها إلا بعد التبديل، أو بعد المبعث لا يتصور إلا فيمن ليست من بني إسرائيل؛ لأن كل من كان من بني إسرائيل، ففي أول آبائهم من دان بدينهم قبل التبدل، وقبل البعث وذلك باستقراء أحوالهم. والله أعلم.
قوله: "أما (٥) غير (٦) المجبر فيجب عليه الإجابة إذا طلبت" إلى قوله: "وأما (٧) المجبر فيجب عليه تزويج المجنونة" (٨) لا يفهم (من هذا) (٩) السياق أن المجبر يفارق غير المجبر في وجوب الإجابة إذا طلبت، فقد سبق في أول الباب (١٠) أن المجبر يجب عليه الإجابة إذا التمست، وإنما لم يذكر هذا ها هنا في حق المجبر،
стр. 1386
إما لأنه قد ذكر مرةً، أو لأنه قصد ذكر (١) ما يختص به المجبر من تزويج المجنونة وغيرها تعويلاً على أن الوجوب عند الطلب في المجبر يفهم من مجرد ذكره في غير هذا (٢) المجبر الذي هو وكيل من وجه. والله أعلم.
قوله: "والنهي عن العضل" (٣) من النهي عنه قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (٤).
توقان (٥) المجنونة (٦) قد يعرف بتعرضها للرجال.
قال: "ويحتمل تجويز التأخير إلى بلوغها" (٧).
ووجهه: أن أمر النكاح جبلي (٨)، وللحب، (والبغض) (٩) فيه تأثير عظيم، فربمّا رأى الولي المصلحة في أن لا يزوجها إلا ممن تختار (وتحب) (١٠) فكيف يمنع من ذلك الذي يذكره في المال، ينبغي أن يطالع عليه "فليشتري
стр. 1387
لطفله" (١) هذا أمر وجوب فإن المصنف صرّح بالوجوب في موضع آخر، والظاهر من أمره أنه يرى أن (٢) هذا البيع، وأن (٣) هذا الشراء واجب، وإن (٤) كان قد حصل الإستنماء (بمقدار النفقة.
ووجهه: أن هذا لا يكدّ الولي، ولا يشغله عن معاشه فليجب نظراً للصبي، ولولا أنه فصل في "الوجيز" (٥) بين هذا، والإستنماء المذكور لكان يمكن أن يقال: إن هذا ليس خارجاً عن الإستنماء) (٦) المذكور، بل هو من تفاصيله وصورته (٧) حتى لا يجب هذا إذا حصل المقدار المذكور من الاستنماء. والله أعلم.
على القديم يحتمل أن لا يرجع بعد البلوغ (٨) كالعاقلة، ويحتمل أن يرجع لئلا يمتنع الولي من تزويج ابنه عند ظهور الغبطة فتضيع مصلحته (٩).
قوله "وإن تبرّم ... إلى آخره" (١٠)
стр. 1388
قلت: ليس هذا مخصوصا بالزائد على ما ذكرنا وجوبه علي الولي، بل هذا في الجميع، فله أن يستأجر، ويأخذ الأجرة في القدر الواجب. وفي الزائد عليه (١) وقد أشعر بهذا (٢) قوله: "يحفظ مال الطفل" فإن الحفظ من الواجب قطعاً (٣)، ولا يقال: كيف يجوز له ترك ما هو واجب عليه، أو كيف يأخذ عليه أجرة؟.
لأني (٤) أقول: الواجب إنما هو السعي في تحصيل ما ذكرناه إمّا بنفسه أو بغيره، ولم يجب عليه.
قوله: "يأخذ أجرة يقدرها القاضي له" إن لم يكن مخصوصاً بمن عدا الأب والجد، فيحتاج إلى الفرق بينه، وبين فعل ذلك بنفسه. والله أعلم. وعلى كل حال ففي النفس من هذا الفصل شيء.
قلت: (٥) خلاف الشيعة (٦) لا يعتد به عند الأئمة، ولذلك (٧) لا يذكرون في كتب اختلاف العلماء في الأحكام، إلا على ندرة (٨)، وقد تقرر في الأصول إن
стр. 1389
الإجماع ينعقد، وإن خالفوا (١)، فلا ينبغي إذاً التعرض لذكر خلافهم فيما نحن فيه (٢) لكن له سبب نذكره، إن شاء الله تعالى.
وهو إمّا؛ لأنه مذهب عبد الملك (٣) بن الماجشون (٤)
وقيل: إنه مذهب الإِمام مالك (٥) ﵀ فذكروهم (٦) تبعاً لذكر مذهبهم، والمقصود إنما هو رد مذهبهم فحسب، لا رده عليهم. وإما؛ لأنه أشتهر بين الناس فدعت الحاجة إلى بيان فساده. والله أعلم.
стр. 1390
قوله: "ولو كان يكفي النسب" (١) أي التساوي في الانتساب إلى جدٍ أو قبيلة، وهذا جواب عن دَخْل مقدر، وأنه قيل: إنما كان علي ﵁ كفوءاً لها ﵂؛ لأن أباه أبا طالب (٢) كان كفوءاً لعبد الله (٣) أبي رسول الله ﷺ لأنهما أبناء عبد المطلب (٤).
الجواب عنه، أنه لا يكفي الاستواء في النسب إلى الأجداد، فالناس كلهم متساوون في النسب إلى جدهم الأعلى آدم ﵇ ومع ذلك هم متفاوتون لتفاوت آبائهم الأقربين، ولإفتراقهم في الفضائل، وقد تفاوت أبوها الأدنى (٥) ﷺ وأبوه ﵁ فإن أباها (٦) سيد البشر، وأباه كافر. والله أعلم.
стр. 1391
"وذكر الصيدلاني خلافه" (١) أي (٢) لا يجوز (٣)؛ لأن الولاية للمسلمين والسلطان نائبهم، فلا يكفي رضاه، وقد ذكر غير واحد من المصنفين أن هذا هو الصحيح (٤).
الكفاءة ترجع إلى المناقب ولا يعتبر جميعها لكثرتها (٥) لئلا يفضي إلى العسر، وإنما يعتبر منها خمس (٦):
الحرية: (٧) التساوي فيها معتبر في نفس الزوج، وفي الآباء (٨)؛ حتى لو كان حرَّين، ولكن كل واحد منهما (٩) يرجع إلى أب رقيق فيعتبر التساوي في القرب من الرقيق حتى لو كان الرقيق من جانبها يقع عاشراً، ومن جانبه تاسعاً فليس كفؤاً، كذا في "تعليق" القاضي أبي محمَّد بن الحسين المرْوَروُّذي (١٠)، وأظنه ابن القاضي الحسين (١١). والله أعلم.
стр. 1392
وذكره أيضاً صاحب "التهذيب" (١). والله أعلم (٢).
فالمصنف أراد الحرية في نفس الناكح، وأما في الآباء فلم يتعرض لاعتبارها.
قوله: "ولعل ذلك قدر البَلاَغ" (٣) أي البلغة مقدار القناعة، أي هذا محل الخلاف (٤).
أما التساوي في مقادير المال، فلم يعتبره أحد لكن حكى غيره (٥) وجهاً أن الناس طبقات ثلاث: فقير، ومتوسط، وغني، فيعتبر التساوي في الطبقة، إن تفاوتا (٦) في مقدار المال.
قوله: "ولا مبالاة بالانتساب إلى الظلمة" (٧) أي إلى عظماء الدنيا وكبار أربابها الظلمة (٨)، وكذا لو لم يكونوا ظلمة، لكن لما كان أكثرهم ظلمة خصهم بالذكر.
الأَرُومة: بضم الهمزة وفتحها، هو (٩) الأصل (١٠) ويعتبر (١١) التساوي
стр. 1393
في (١) القرب من أرومة رسول الله ﷺ (٢) فكل بطن من العرب (٣) كانوا أقرب إلى رسول الله ﷺ كانوا (٤) أعلى ممن (٥) هو أبعد منه، فإن قلت قالوا: إلى أرومة رسول الله ﷺ ولم يقولوا (٦): إلى رسول الله ﷺ ؛ لأن الانتساب إلى نفسه (٧) ﷺ لا يتصور إلا من جهة البنت ولا عبرة (٨) بذلك في الأحكام المتعلقة بالأنساب.
وقال: "إلى العلماء والصلحاء" (٩) ولم يقل إلى أرومتهم، مع أن الجميع متصور (١٠) في حقهم؛ لأنه لا يبلغ شرفهم في العرف إلى أن يشرف من انتسب إلى قبائلهم، وأصولهم، مع أنه لا ينتسب إليهم. هذا ما ظهر لنا في ذلك. والله أعلم.
اعتبر الشهرة ها هنا (١١) وفي "البسيط" (١٢) و"النهاية" (١٣) في الصلحاء لا في العلماء، ولعل وجهه، أن شرف العلماء عظيم من حيث إنهم ورثة الأنبياء فلا
стр. 1394
يتوقف شرف الانتساب إليهم على الاشتهار بخلاف الصلاح، فإنه في العرف لا يشرف المنتسب إلى الصالح الخامل (١) غير المشهور، وهو في نفسه لا يبلغ درجة العلم. وفيه مزيد نظر. والله أعلم (٢).
قال: "ولا الاشتهار" (٣) وكذا لا يعتبر كونه عدلاً مزكَّى، بل يكفي أن لا يكون فاسقاً مردود الشهادة فحسب، وإن كان مستوراً (٤).
قال: "والحِرَفُ الدَّنِيْئَة" (٥) قد ذكر الإِمام في كتابه (٦)، وحكاه المصنف عنه في بسيطه (٧) أنه لا يبعد اعتبار التنقي منها في الآباء؛ لأن ذلك يحط من الأحساب.
قلت: وهذا يدل على اعتبار الحرية في الآباء على ما ذكرته. والله أعلم.
"الرجوع في تفصيل ذلك إلى العادات" (٨) أي (٩) المرجع في بيان ما يدل من الحرف على (١٠) سقوط النفس وقلة المروءة، العادة والعرف (١١).
стр. 1395
قوله: "نعم لا يزوج منه معيبة" (١) أي يستثنى من قولنا: هذه الخصال لا تعتبر (٢) في تزويج الابن التنقي من العيوب، فإنه يعتبر فيه أيضاً (٣) لعظم (٤) الضرار، وكذلك الحرية تعتبر (في تزويجه) (٥) فلا يزوج برقيقة إلا أن اعتبار هذا ليس لأجل الكفاءة (٦)، بل؛ لأنه لا يتصور تزويج الرقيقة لامتناع الشرط، وهو خوف العنت، وقد أشار المصنف إلى هذا. والله أعلم.
ويرد (٧) على ما ذكر المجنون الكبير التائق، فإن خوف العنت في حقه متصور، فليتصور تزويج الرقيقة منه، وإذا تصور فينبغي أن يجوز (٨) للولي تزويج الرقيقة كغيرها (٩) ممن لا يكافئه، ليس (١٠) ذلك كالعيب في عظم الضرر، ولا أن يقال: لا مبالاة بزناه، فإنه لا (١١) إثم عليه؛ لأن هذا خروج عن قواعد العفة (١٢).
стр. 1396
بعد تعليقي هذا (١). في "التهذيب" (٢) ما ذكرته من أنه يجوز تزويج الأمة من المجنون إذا خيف عليه العنت.
قال (٣): "وجه بعيد" (٤) ووجهه، أن الزوج يتعيَّر بنكاح الخسيسة في العرف، كما يشرف بنكاح الشريفة.
"إن كان الفائت نسب رسول الله ﷺ " (٥) هو الفائت من الفوت، لا الثابت. والمعني أنه إذا فات (٦) الزوج نسب رسول الله ﷺ ، وثبت في الزوجة، فلا يوازيه (٧) انتساب الزوج إلى العلماء، حتى يكافئها، فأين الثَّرَى من الثُّرَيَّا (٨).
"الأصح أنه لا يوازيه" (٩)؛ لأن النسب من خصال الكفاءة بخلاف المشهور من صلاح الزوج.
"همّ عمر ﵁" هو ما روى أن عمر ﵁ همّ بأن يزوج سلمان
стр. 1397
الفارسي (١) ابنته ﵂ فداخل (٢) ابنه من ذلك شيء، (فشكي ذلك) (٣) إلى عمرو بن العاص، فقال: عمرو (٤) ﵁ أنا أكفيك، فلقي سلمان، وقال له: هنيئاً لك قد تواضع لك أمير المؤمنين، فقال سلمان: ألمثلي يقال: هذا، والله لأنكحها أبداً" (٥) وسلمان فيه من الصلاح ما هو مشهور، ولكن فاته نسب ابنة عمر ﵄.
وقوله: "وبأمثال ذلك" يعني (٦) (مثل ما روى أن) (٧) عبد الملك بن مروان (٨) أرسل - وهو خليفة - رجلاً صالحاً من الموالي إلى ابن عمر - رضي الله
стр. 1398
عنهما - ليخطب له بنته (١) فدخل المسجد، وصلى ركعتين، وأحسن أداءهما ثم افتتح الخطبة وأدى الرسالة، فقال: ابن عمر لا رغبة لي (٢) في عبد الملك، فإن أردتها لنفسك فخذها (٣) فقد أحسنت أداء أمانته (٤)، والله أعلم.
"اليسار يجبر بغيره" (٥) أي بجميع ما عداه من الخصال.
قال: "وأما الحرفة (٦)، فلا تعارض النسب" (٧) أي لا يكون ذو (٨) الحرفة النفيسة الذي لا نسب له كفوءاً لذي الحرفة الخسيسة الذي له نسبة شريفة (٩) بلى يكون كفوءاً لمن له حرفة خسيسة مع صلاح في نفسه (١٠)، وهذا لأن أثر (١١) الحرفة قريب، والكلام في حرف تحل ملابستها. والله أعلم.
стр. 1399
"إذا زوجها من غير كفء" (١) هذه المسألة إنما فرضها هو في المجبر، فأما غير المجبر إذا زوجها برضاها من غير كفء، من غير رضا باقي الأولياء. سنذكره (٢) في الفصل الآتي (٣). إن شاء الله تعالى.
قال (٤): توجيه الصحيح أنه إذا بطل تصرف الأب في مال ولده، ومعه غِبْطَة فلأن يبطل تصرفه في نفسه، إذا كان بغير غِبْطة أولى، وتوجيه قول الصحة يأتي (٥) والله أعلم.
قال: "وهو أجرى في سائر الخصال" (٦) أي لأن فوات السلامة أضر من فوات سائر الخصال، فإذا جرى في فوات السلامة قول في الصحة، فهو أجرى في فواتها. وأجرى بالجيم لا بالحاء.
قوله: "وأجروا ذلك" (٧) يعني العراقيين، وقد تردد (٨) إمام الحرمين (٩) في ذلك، ثم اختار أن الخلاف مختص بحالة الجهل، وقال: إنما رددت قولي في ذلك
стр. 1400
لفحوى كلام العراقيين، أي في كلامهم إشارة إلى جَرَيَان ذلك في حالة العلم، ولولا ذلك لقطعت قولي باختصاصه (١) بحالة الجهل.
(٢) لا ينبغي أن يتوهم أن المصنف قد حكى خلافاً في ثبوت الخيار للولي فيما عدا العيب من سائر الخصال؛ لأنه إنما (٣) حكى الخلاف عن العراقيين، وهم إنما فرضوا الكلام في العيب، وقول المصنف "وهو أجرى في سائر الخصال" إنما قاله في الخلاف في الصحة ولا يخفى أنه لا يلزم منه جَرَيَان مثله في الخلاف في الخيار، فينبغي لهذا إذا علل الخلاف (في العيب) (٤) أولاً، ثم الحث (٥) عن اطراده في غيره.
أما إذا كان جاهلاً، فوجه ثبوت الخيار القياس على ما إذا اشترى الولي لمولاه (٦) شيئاً، ثم بان معيباً، فإنه يثبت للولي الخيار (٧).
ووجهه (٨)، أنه لا يثبت أن الخيار (في النكاح) (٩) مأخذه دفع أضرار (١٠) الاستمتاع، فيختص بالزوجة (١١) ويدل على (١٢) ما ذكره في آخر الباب
стр. 1401
الثاني (١) من أن السيد إذا زوج أمته من معيب جاهلا، فلا خيار له، ولها الخيار (٢). وأما إذا كان عالماً، فوجه عدم ثبوت الخيار ما ذكرناه، وإن العلم بالعيب ينافي ثبوت الخيار؛ ولأن الخيار الثابت مع العلم دائم معه، فيؤدي إلى استمرار النكاح جائزاً.
ووجه ثبوت الخيار ما ذكره، وهو أنه إنما يسقط الخيار بعلمه إذا كان يستدرك لنفسه وهو ها هنا ينظر لغيره (٣).
ثم اعلم، أن هذا الخلاف، لا يطرد في فوات سائر خصال الكفاءة، بل لا خيار للولي جاهلاً كان أو عالماً؛ لأن فوات الفضائل لا يثبت خياراً من غير شرط. وقد قال إمام الحرمين (٤): لو كان للمرأة ولي واحد فزوجها برضاها من رجل مجهول الحال، ثم بان أنه ليس كفؤاً، يعني من غير عيب فلا خيار باتفاق الأصحاب (٥). ثم فرق الإِمام (٦) بينه وبين العيب بما ذكرناه. والله أعلم.
стр. 1402
القسم الثالث: من الموانع
قال: "الأول: المحرمية" (١).
قلت: المحرمية ليست عبارة (عن الحرمة المؤبدة، بل) (٢) تلازمها الحرمة المؤبدة، ألا ترى أن الأصحاب اختلفوا في (أن الوطء) (٣) بالشبهة هل يوجب المحرمية؟. والصحيح وهو النص أنه لا يوجبها، مع إجماعهم على أنه يوجب الحرمة المؤبدة (٤). والله أعلم.
فاعلم أن المحرم عبارة عمن تجوز الخلوة به، والمسافرة معه والنظر إليه، ورأيت هذا مصرحاً به في بعض التصانيف (٥)، وأما الإشارة إلى ذلك فموجودة في كثير منها (٦).
قوله: "فأصناف المحرمات سبعة" (٧).
يعني المحرمات بالنِّسبَة، وإلا فالجميع أربع عشرة بواسطة الجدات، ذلك غير واسطة أمه التي ولدته، كانت الواسطة ذكراً كما في أم الأب، أو أنثى كما في أم الأم، وقد يتوسطه الذكر والأنثى معاً كما في أم أب الأم ونحوها في البنت
стр. 1403
بواسطة الأحفاد (١). والأحفاد في كلام المصنف عبارة عن أولاد الأولاد (٢) - ولهم معان أخر منها: أنهم عبارة عن الأعوان والخدم (٣) - بغير واسطة بنت الصلب.
قوله: "كما سبق" (٤) أي سواء كانت الواسطة ذكراً كبنت الابن، أو أنثى كابن البنت (٥).
واعلم أنه ليس كل من ذكر هي أم، أو بنت حقيقة، فإن الصحيح أن الأم، والبنت حقيقة عبارة عمن يدلي بغير واسطة لا غير، وإنما سمي من عداهما أماً وبنتاً مجازاً، فإنما أراد المصنف ذكر (٦) كل من يسمى أماً وبنتاً حقيقة كان أو مجازاً لشمول التحريم للجميع.
قوله: "كبناتك منك" (٧) أي سواء انتهى نسبتهن (٨) إلى الأخ والأخت بواسطة، أو غير واسطة ذكراً وأنثى.
قال: "والعمة، كل (٩) أنثى ولدها أجدادك، أو جداتك من قبل الأب، والخالة: كل أنثى ... إلى آخره" (١٠).
стр. 1404
فإن قلت: يلزم على هذا أن تكون الجدات (١) عمات وخالات؛ لأنهنّ إناث ولدها أجدادك، أو جداتك؟.
قلت: لا يلزم؛ لأن المفهوم من ذلك أنها التي ولدها أجدادك، أو جداتك، مع أنها ليست في نفسها جدة (٢)، ولأنه لما وصف من ولدها بالجدودة، واقتصر في وصفها على ولادة الجدودة (٣) فهم أنه لا جدودة لها؛ لأن الجمع بين شيئين في الذكر مع تخصيص أحدهما بصفة يشعر بإسقاط تلك الصفة عن الآخر. والله أعلم.
اعلم أن هذه العبارة، عبارة إمامه (٤)، وهي تعطي أن أخوات الجدات من قبل الأب عمات، وأن أخوات الأجداد من قبل الأم خالات، وهو يخالف قوله في "الخلاصة": كل ذكر يرجع (٥) (نسبك إليه فأخته عمتك، وربما تكون من جانب أمك، وكل أنثى رجع) (٦) نسبك إليها فأختها خالتك، وربما تكون من جانب أبيك.
وقد اختار كل واحد من هذين التفسيرين غيره (٧)، ولكل واحد وجه، ففي (٨) الأول النظر في العمة إلى الإدلاء بالأب، سواء كانت أخت ذكر أو أنثى،
стр. 1405
وفي الخالة إلى الإدلاء بالأم (١) سواء كانت أخت ذكر، أو أنثى، وعلى الثاني، النظر إلى الأصل الذي (٢) هذه أخته في ذكوريته وأنوثيته، سواء كان الأصل من قبل الأم، أو الأب (٣)، وهذا؛ لأن العمة المتفق عليها، هي أخت الأب، وقد اجتمع فيها أمران، كونها مدلية بالأب، وكونها أخت ذكر، فأخت الجدة من قبل الأب شاركتها في الإدلاء (٤) بالأب دون كونها أخت ذكر، وكذا مثل هذا متحقق موجود في طرف الخالة، فنشأ الاختلاف من هذا والله أعلم.
قال: "واللفظ الجامع ... إلى آخره" (٥).
هذا قاله الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني (٦) ﵀ فأصوله أمهاته وإن علون، وفصوله بناته وإن سفلن، وفصول أول أصوله الأخوات وبناتهن مع بنات الإخوة. و"أول فصل من كل أصل بعده (٧) أصل" أي العمَّات والخالات، وإنما قال: أول فصل لئلا تندرج أولادهن. فقوله (٨) "بعده أصل" وقع