وقوله "يقدر انتقاله" أي يحكم بإنتقاله، وليس المراد به التقدير الذي هو فرض وجود الشيء مع عدمه، أو فرض عدمه مع وجوده.
فمنهم من قال: ينتقل بعد العُلُوق فتجب (١) قيمة الولد (٢)؛ لأن العلة الشرعية، تترتب (٣) عليها معلولها (٤) كما ترتب الملك على البيع، وغير ذلك.
ومنهم من قال: الملك ينتقل مع العُلُوق (٥)؛ لأن المعلول مع العلة زماناً، وإنما يترتب عليها عقلاً فإنه متأخر عنها من حيث الرتبة لكونه ناشئاً منها، وأثراً لها. هذا ثابت في العلل العقلية كما عرف في حركة الخاتم مع حركة الأصبع والأصل أن العلل الشرعية تكون على وفق العلل العقلية.
وإذا كان الانتقال مع العلوق فيلزم منه أن لا تجب قيمة الولد على الأب، فإنه لا يمكن إطلاق القول حينئذٍ، بأنه (٦) فوت الرق على الإبن لكونه كان مع ملك (٧) الأب وهذا معنى قوله "صادف العلوق ملك الأب" (٨).
ولنا وجه، أن فائدة هذا المذهب وجوب قيمة الولد إذ (٩) الملك لم يسبقه، وهو بعيد.
стр. 1437
ومن أصحابنا (١) من زاد وقال: ينتقل الملك قبيل العلوق (٢)؛ لأن المقصود من النقل تعظيم حرمة الأب، فليقدم على العلوق حتى يقع علوق ولده في ملكه، وهذا انجرار إلى مذهب أبي حنيفة (٣)، حيث قدم الملك على الوطء، حتى يسقط المهر، وهذا الوجه ضعيف, لأن تقديم المعلول على العلة، إنما يصار إليه للضرورة (٤)، وهو من غير ضرورة ممتنع في العلل الشرعية، وأحكامها، ومستحيل في العلل العقلية على الإطلاق (٥) وفي كل حالٍ، وإنما خالفت العلل الشرعية في ذلك العلل العقلية, لأن الشرعية موضوعة وضعاً منصوبة (٦) أمارات على الأحكام. والله أعلم.
إذا كانت الجارية موطوءة الأب (٧) فالأحكام السابقة جارية فيها على التفصيل السابق، سوى أنها (٨) يحرم على الأب وطؤها (٩) ويجب (١٠)
стр. 1438
عليه بوطئها الحد على القول القديم (١) كما في الأخت المملوكة. والله أعلم.
قوله "أما قولنا: الفاقد للمهر، أردنا به أنه لو وَجَدَ مالاً وهو (٢) بُلغَةُ نفقته (٣) أياماً" (٤) هذه العبارة (٥) توهم أن هذا هو المراد [بالعقد] (٦) بالفاقد للمهر، وليس الأمر على ذلك، وإنما هذا المراد بالفاقد للمهر (٧). والله أعلم.
"النكاح طريحة العمر" (٨) بفتح الطاء، وكسر الراء والحاء (٩) المهملات هي وظيفة العمر، والله أعلم. وطلبت (١٠) الكلمة في عدة من كتب اللغة فما وجدتها (١١).
стр. 1439
قوله "أما (١) إذا كان مِطْلاَقاً" (٢) هذا ليس من تمام الوجه الثالث، وهو مستأنف، والتجديد في حق المطلاق غير واجب على الوجوه كلها (٣). والله أعلم.
قوله: في نكاح الأب جارية الابن "هذا ينبنى على أصلين" (٤) يعني بالأصل الثاني ثبوت الاستيلاد بوطئه. والله أعلم.
و (٥) تعرض في العبد لانتفاء مانع الإستيلاد فحسب (٦) ومانع اليسار أيضاً منتف إذ لا يسار للعبد بمال ولده فإنه لا حق للرقيق في مال ولده الحر. والله أعلم.
قوله: في تعليل عدم انفساخ نكاح الأب بطارئ ملك الابن "لأن هذه الشروط، والتوهمات إنما تعتبر (٧) في ابتداء العقد" (٨) أشار بالشروط إلى مانع اليسار، فلا أثر في نكاح الأمة لليسار الطارئ (٩) كما عرف.
стр. 1440
وأشار بالتوهمات إلى مانع الاستيلاد فإن الاعتماد فيه (١) على توقع الإنفساخ لحصول الولد (٢) كما سبق (٣).
وفي المسألة وجه - ليس عند المصنف - غريب أنه ينفسخ (٤) كما يأتي مثله في المكاتب (٥) والله أعلم.
قوله: "لأن تعطل منفعتها" (٦) هذا تعليل لقوله: فلا يبطل الاستخدام بالتزويج، لا لقوله (٧) "وإنما يحرم الاستمتاع" والله أعلم.
قوله "الثانية أن العاقد [هو الذي] (٨) فوت معقود وليته" (٩) ذكره شيخه في نهايته (١٠) أن هذه العلة يعتبر فيها ما سبق في العلة الأولى من الفوات قبل التسليم
стр. 1441
المُشَبَّه بفوات المبيع قبل القبض مع خصلة أخرى، وهي أن المفوت هو المستحق للمهر ممتنع منه المطالبة، وكان الأولى بصاحب "الوسيط" أن يقول: المستحق للمهر هو الذي فوت المعقود عليه قبل التسليم، ولا نقول: العاقد، حتى لا نحتاج إلى أن نقول: بعد (١) هذا، المرأة عاقدة، وقال: فيه ما فيه. والله أعلم.
وأمَّا قوله "فأما موت الأمة فلا خلاف أنه يقرر المهر" (٢) فلا ينبغي الاشتغال فيه بفرق، وتقرير، فإنه سهو وقع في النقل، فإن الخلاف فيه محفوظ في طريقي خراسان، والعراق (٣)، وجمع شيخه في "نهاية المطلب" (٤) بين موت الأمة وقتل الأجنبي لها (٥) في إجرائهما على الخلاف تخريجا على العلتين المذكورتين.
والمعتبر في العلة الأولى الفوات قبل التسليم، وفي الأخرى بقوله (٦): فيسقط بإتلافه قبل القبض، لا تأثير فيه لكونه بإتلافه، وهذا (٧) أجراه فيما إذا قتل [الأمةَ] (٨) أجنبيُ، وبالفوات قبل التسليم، عند شيخه.
стр. 1442
"جعل العتق معلول الصحة ... إلى آخره" (١).
إعلم أنه لا يعني بالعلة ها هنا العلةَ الحقيقية (٢)، وإنما يعني بالعلة (٣) العلةَ الوضعيةَ فكل شرط يستلزم المشروط، ولا يتخلف عنه فهو علة بالوضع والمشروط معلول له، فإذا قال: إن خرجت فأنتِ طالقٌ، فالخروج علة، والطلاق معلول على هذا التفسير
وقد أومى إلى هذا فيما نذكره من دور الطلاق، فإذا قال: إن وُجِدَ نكاح صحيح فأنت حرة، فقد علَّق العتق على صحة النكاح، فيكون قد جعل العتق معلول الصحة لما بيناه، مع أن الصحة في نفسها معلولة للعتق؛ لأن العتق شرط الصحة من جهة الشرع.
فعلى هذا تكون الصحة، والعتق كل واحد منهما علة للآخر؛ لأن كل واحد منهما شرط لصاحبه، ويلزم أيضاً أن يكون كل واحد منهما معلولاً للآخر، فالصحة معلولة للعتق؛ لأن العتق علة له، والعتق معلول للصحة (٤)؛ لأن الصحة علة له.
فإذا (٥) ظهر هذا فتكون الصحة علة نفسها بواسطة؛ لأن علة (٦) الشيء كذلك الشيء، ولا يؤثر في وجود ذلك الشيء (٧)؛ ولكن بواسطة اتحادها لما
стр. 1443
يوجد ذلك الشيء، (وهو علته، فتصير الصحة علة نفسها؛ لأنها علة علتها الذي هو العتق، وكذلك يلزم أيضاً أن تكون الصحة معلولة نفسها؛ لأنها معلولة معلولها الذي هو العتق، ومعلول معلول الشيء معلول لذلك الشيء) (١) أيضاً لما بينا (٢).
فإذا (٣) ثبت هذا فلا يجوز أن يكون الشيء علة نفسه؛ لأنه يلزم أن تكون (٤) نفسه متأخرة عنه بحكم كونها معلولة، وأن تكون (٥) نفسه متقدمة عليه أيضاً بحكم كونها علة (٦) متقدمة في الرتبة على معلولها، وذلك محال، وكذلك لا يجوز أن يكون الشيء معلول؛ لأنه (٧) تكون نفسه متأخرة عن نفسه، ومتقدمة أيضاً (٨) لما بيناه.
فإذا عرفت (٩) هذا، فلا يخفى أنه قد (١٠) كان الأجود أن يقول: فتكون الصحة علة نفسها، ومعلول نفسها بواسطة العتق، فإنها علة العتق الذي هو علتها، ومعلول العتق الذي هو معلولها, ولا يكون الشيء علة نفسه ولا معلول نفسه.
стр. 1444
فإن قلت: لِمَ كانت الصحة معلولة العتق، مع أن العتق في نفسه لا يستعقب الصحة في أكثر الصور، فلا يكون العتق علة بالوضع؟.
قلت: فنقول: إنه علة الصحة في نفسه أينما وجد، وإنما هو في هذه الصورة علة, لأن المعلق مقتضى كلامه أن الصحة، والعتق لا ينفكان. فاعلم. والله أعلم.
"الدور الحكمى" (١) ينشأ من حكمين يتمانعان، وعلته (٢) الدور اللفظي كما في مسألة دور الطلاق السريجية (٣).
المسألة الثانية: (٤) لم يستوف شرطها، (ومن شرطها) (٥) أن يكون ذلك قبل الدخول (٦).
стр. 1445
وقوله "فيبطل العتق" (١) أي في بعضها.
شرح الدقيقة التي (٢) اختصرها في قطع الدور فيه (٣) أن الدور تارةً ينقطع من أوله، وأصله وتارةً من وسطه، وتارة من آخره والثيب كذا (٤) فيكون الدور إنما ينشأ من وجود ما يوجب حكماً (٥) وذلك الحكم يوجب أحكاماً متنافرة متعاقبة لا يتصور (٦) اجتماعها بل يلزم من (نفي (٧) أخرها نفي أولها، وذلك هو الدور.
فسبيلنا إبطال بعضها قاطعين للدور بذلك، ثم إنا نعين للابطال (٨) منها ما (٩) هو أولى بذلك، فإن كان الأولى بالإبطال، هو الحكم الأول أبطلناه، وكان ذلك قطعاً للدور من أوله وأصله، وإن كان المتوسط أبطلناه (١٠) وكان قطعاً للدور من وسطه. وإن كان الأخير أبطلناه وكان قطعاً للدور من آخره.
مثال القسم الأول: مسألة بيع العبد من زوجته، فالتبايع (١١) يوجب صحة البيع، وصحة البيع يوجب الملك، والملك يوجب الانفساخ، والإنفساخ
стр. 1446
يوجب سقوط الثمن الموجب لبطلان البيع، فلم يمكنا أن نصحح البيع، ونبطل (١) شيئاً من هذه الأحكام، فإن الملك لا يتخلف عن صحة البيع وتمامه ولا باقي الأحكام تخلف (٢) عن الملك فنفينا صحة البيع فإن الصحة كثيراً ما تتخلف (٣) عنه بأسباب كثيرة (٤)، ولا يقال: في مثل هذا أدى إثباته إلى نفيه، ونفي غيره، فانتفى هو وبقى غيره.
ومثال قطع الدور من الوسط: مسألة إعتاق الأخ العبدين، بأن ذلك يوجب قبول الشهادة، وبقبولها ثبوت النسب، وبثبوت النسب الميراث، فالميراث (٥) حرمان الأخ، وحرمان الأخ بطلان الإعتاق (٦)، وبطلان الإعتاق نفي قبول الشهادة، فلم يقطع الدور من أوله بأن نقول: لا تقبل شهادتهما فلا يثبت النسب, ولا من آخره، بأن نقول: يحرم الأخ ولا يبطل إعتاقه، بل قطعناه من وسطه فقلنا: تقبل (٧) الشهادة ويثبت النسب ولا يثبت الميراث فكم من نسيب لا يرث لمانع، وكان ذلك أولى، فإن فيه ترك العمل بمقتضى الإرث، مع العمل بالمقتضى لقبول الشهادة، وثبوت النسب، فهو أولى من ترك هذه
стр. 1447
المناقضات أجمع مع اندفاع محذور الدور بترك بعضها, ولم (١) يكن هذا في مسألة البيع لما (٢) سبق، وهذا على قول أكثر الأصحاب (٣).
ومنهم من خالف، وقطع الدور من أوله، ولم يقبل الشهادة (٤).
ومن مسائل قطع الدور من الوسط (٥) مسألة خيار المعتقة وغيرها (٦).
ومثال (٧) قطع الدور من آخره: وهو قريب من قطع الدور من الوسط (٨) أن يقول مهما انفسخ نكاحي فأنت طالق قبله ثلاثاً، فإذا جرى قبله (٩) سبب فسخ من رضاع، أو ردَّةٍ، أو غيرهما إنفسخ النكاح، ولم يقع الطلاق المعلق قبله؛ لأنه أولى بالإبطال لكونه يقع بالاختيار، والإنفساخ يحصل بلا اختيار (١٠). والله أعلم.
стр. 1448
الفصل السادس (١)
قوله "وإن ادعت المهر" (٢) يعني مضافاً إلى جهة النكاح صحت الدعوى وأقامت البينة على النكاح (٣).
قوله "وفيه وجه أنه لا يقبل دعواها الزوجية لفساد صيغة الدعوى إذ ندعي أنها رقيقة لغيرها (٤) بدليل أنه يقبل دعواها إذا سكت الزوج" (٥).
هكذا وقع فيما عندنا من النسخ وهو فاسد لا يخفى فساده على من تأمله، وإصلاحه، بأن يحذف قوله "بدليل" ونقول: ثم إنه يقبل دعواها إذا سكت الزوج، وهو بيان لصورة المسألة، وإنه (٦) على الوجه الأول يقبل دعواها إذا سكت الزوج. أما إذا أنكره فهو على الخلاف المذكور (٧).
ولم يقع هذا الخلل في "البسيط" (٨) بل ذكره على الصواب كما ذكرته، وهذا الكلام لا جريان له فيما إذا ادعت المهر، فإنه لا يسقط (٩) دعواها بإنكار الزوج وإن جعلناه طلاقاً. والله أعلم.
стр. 1449
وقوله: في الفرع الذي بعده "المسألة المفروضة: فيما إذا كان عمرو ساكتاً" (١). هذا إذا قبلنا دعواها الزوجية (٢). والله أعلم.
стр. 1450
من الصداق
قال: "فنقول كل عين مملوكة" (١).
وليس هذا من الحكم المذكور، ولكن هو مقدمة له, لأنه ينبغي أن تعرف (٢) الصداق الصحيح ما هو؟ ثم (٣) شرع (٤) في بيان حكمه.
قال: "نصاب السرقة" (٥) أي نصابها عنده وهو عشرة دراهم (٦).
"ما لو (٧) قال: لا يصدقها مَنفَعةَ حرًّ" مع أنه اعترف بجواز إجارته (٨).
"و (٩) يستحب ترك المغالاة" (١٠) وهذا ليس على الإطلاق، فإن الولي المجبر لا يجوز أن يزوج مجبرته إلا بمهر مثلها وإن كان فيه مُغالاة ذكره الإِمام (١١). والله أعلم.
стр. 1451
المضمون، ضمان العقد (١). وهو الذي يضمن عند التلف بأن ينفسخ العقد، ويرجع إلى بدله الآخر إن أمكن، أو إلى بدله وإن تعذر كما في المبيع، إذا تلف قبل القبض يرجع إلى ما ذكر (٢) من الثمن أو إلى بدله إن كان تالفًا، لا إلى قيمة المبيع، والمضمون ضمان اليد هو الذي يضمن بقيمته عند التلف، وليس ثَمَّ انفساخ.
فعلى الأول إذا تلف الصداق ينفسخ العقد فيه (٣) كما ينفسخ في المبيع إذا تلف لكن ثَمَّ ينفسخ أيضاً في الثمن الذي هو العوض الآخر، وها هنا لا ينفسخ في العوض الآخر الذي هو البضع؛ لأنه (٤) لم يوجد بالتلف إلا فوات الصداق، والعقد يصح في البُضْع (٥) وإن لم يذكر الصداق أصلاً في (٦) المفوضة (٧)، وهذا معنى قوله "لكن الصداق ليس ركناً في (٨) النكاح" (٩) لا جرم بقى العقد صحيحاً في البُضْع، ورجعت إلى قيمته، وهو مهر المثل كما في ثمن المبيع التالف إذا كان رقيقاً قد أعتقه.
стр. 1452
قال: "حتى يخرج على وجهين" (١) في أنه يضمن بأقصى القيم (٢) على طريقته في المستام والمستعار، ولأن أحدها يضمن بالأقصى.
والثاني: بالقيمة يوم القبض (٣). وعلى هذا أقوال: يضمن في الصداق بقيمته (٤) يوم العقد والإصداق نظراً إلى أنه أول دخوله في ضمانه وليست يد عدوان فيعتبر قدر (٥) الضمان بوقت انعقاد سببه، ولأن العقد على هذا القول يرد على قيمة الصداق إذا كان فاسداً من الابتداء كما في المغصوب، فإذا طرأ الفساد نزل منزلة المقارن، ويصير كأن العقد ما ورد إلا على قيمة الصداق، ولا يكون إلا كما يضمنه حال وروده. والله أعلم.
وعلى هذه الطريقة يجري (٦) وجه ثالث في المستعار، أنه يضمن بقيمته (٧) يوم التلف (٨)، ولا يجري في (٩) المستام، والصداق.
стр. 1453
والمتولى (١)، أجراه أيضاً في الصداق، وهذا الذي ذكره إذا لم تطالب المرأة بالتسليم، فإن طالبت وامتنع عدواناً فعلى قولنا: يضمن بقيمة يوم الصداق (٢)، يضمن ها هنا بأكثر (٣) من قيمته يوم الاصداق (٤) أو قيمته من (٥) يوم (٦) الابتاع (٧) إلى التلف (٨) لأنه صار به (٩) متعدياً. والله أعلم.
"الأولى: بيع الصداق" (١٠) إذا كان عيناً (١١) قبل القبض لا يصح على قول ضمان العقد كالبيع (١٢) ويصح على قول ضمان اليد (١٣) كالمستام فلو كان ديناً في الذمة فاستبدلت عنه شيئاً آخر صح على قول ضمان اليد (١٤).
стр. 1454
وأما على قول ضمان العقد فهو كاستبدال البائع عن الثمن في الذمة، وفيه قولان (١): وليس كاستبدال (٢) عن المسلم فيه حتى لا يصح قولاً واحداً؛ لأن الصداق عوَض كالثمن لا كالمسلم فيه، فإنه معوَّض.
"الثانية: منافع الصداق" (٣) إذا تلفت بمضي المدة من غير أن يستوفيها الزوج، فلا شيء عليه على القولين (٤)؛ لأن يده ليست يد عدوان، إلا إذا قلنا: إن ضمانه على قول ضمان اليد كضمان المغصوب (فيجب عليه أجرتها (٥) كما في المغصوب) (٦).
وأما إذا أتلفها (٧) الزوج، واستوفاها وجبت عليه أجرتها على قول ضمان اليد (٨) كما لو انتفع بالمستام, لأنه اتلف منفعة معصوم من غير إعارة وعلى قول ضمان العقد، هو كالبائع إذا انتفع بالبيع من غير إذن المشتري، وفيه وجهان:
أحدهما: يجب عليه الأجرة بناء على أن إتلافه كإتلاف الأجنبي.
стр. 1455
والثاني: أنها لا تجب بناء على أن إتلافه كالتلف بآفةِ سماويةٍ (١).
قلت: وفي هذا نظر؛ لأنا في الإتلاف إذا جعلناه كالتلف يجبر النقص بإثبات الخيار للمشتري، وفي المنفعة يبعد إثبات الخيار في فسخ العقد, لأنا على هذا القول جعلنا تفويت البائع كالفوات بمضي المدة، فكيف يثبت الخيار فيه؟ والله أعلم.
فأما الزوائد: فإذا لم يجعل كالمغصوب فهي أمانة كالثوب (٢) الذي تطيره الريح إلى داره.
الثالثة (٣): إذا تعيب في يده، فللمرأة فسخ الصداق على القولين (٤): أما على قوله ضمان العقد فظاهر كالبيع، وأما على قول ضمان اليد فهو مشكل, لأن المضمون ضمان اليد لا يثبت في عيبه إلا (٥) الأرش كالمستام وغيره، لا تعلق لضمانه بعقد حتى يؤثر في فسخه فثبوت خيار الفسخ من أثار ضمان العقد، لا من أثار ضمان اليد فهذا إذاً دليل على ضعف قول ضمان اليد، لكن لم ينصر، هذا القول، عنه جوابان:
أحدهما: منع ثبوت الخيار على هذا القول، قاله ابن الوكيل (٦).
стр. 1456
والثاني: إنا لم نثبت الخيار لكونه مضموناً باليد، وإنما أثبتناه, لأنه التزم في العقد أن يسلِّمه إليه سليماً، ولم يحصل ذلك، فهو كسائر ما يلزم بالشرط في العقد، كالرهن وغيره، فإنه إذا لم يف به (١) ثبت الخيار، ولأجل هذا ثبت الخيار إذا كان العيب قديماً، وليس سبب هذا ضمان العقد ولا ضمان اليد. والله أعلم.
إذا ثبت هذا، فعلى قول ضمان العقد إن فسخت فلها مهر المثل (٢) لما ذكرناه في التلف، وإن أجازت فلا أرش (٣) كما في المبيع.
وعلى (٤) قول ضمان اليد، إن فسخت فلها قيمته كما لو تلف، وإن أجازت فلها الأرش؛ لأن كل مضمون باليد يضمن عيبه كما يضمن عينه بخلاف المضمون بالعقد، فإن عينه مضمونة دون عيبه, لأن ضمانه إنما هو بالثمن، والصفة التي (٥) فاتت بالعيب لم يقابلها شيء من الثمن لما عرف.
أما إذا اطلعت على قديم فلها الخيار (٦) على (٧) القولين (٨) , لأنه فات عند العقد السلامة الملتزمة بالعقد، ثم الحكم بعد الفسخ، والإجازة كما سبق في العيب الحادث، إلا أن الأرش هناك على قول ضمان اليد يثبت، وهنا ترددوا
стр. 1457
فيه: فقيل: لا يثبت (١) , لأن الصفة الفائتة بالعيب القديم لم تدخل تحت يده أصلاً، فكيف يضمن ضمان اليد.
وقيل: يثبت الأرش (٢) , لأنه التزم بالعقد مقدار مالية (٣) سليم، وقد فات بالعيب بعضها، فيجب إتمامَها بالأرش.
وبيان هذا، أن القول الثاني، قول اليد له علتان، في إيجاب قيمة الصداق إذاً، ثم إنه (٤) إذا طرأ الفساد عليه بالتلف أو غيره، أحدهما (٥): أنه مضمون باليد؛ لأنه ليس عوضاً حقيقةً حتى يضمنَ بالعقد كما تضمن الأعواض، وهذا قد سبق.
الثانية: أن تعيب الصداق له فائدتان:
إحداهما: تعين حق الصداق في هذه العين.
والثاني (٦): جعل هذا المعيب معياراً لمقدار مالية الحق، فإذا انتفت الفائدة الأولى بتلف هذه العين، بقيت الفائدة الثانية، فتجب قيمة هذه (٧) العين؛ لأنهما رضيا (٨) بقدر ماليتها (٩)، ويدل على اعتبار هذه العلة أن الأصحاب اتفقوا على
стр. 1458
إجراء هذا القول فيما لو خرج الصداق مغصوباً، أو حراً فقالوا: يجب على هذا القول قيمة المغصوب، وقيمة الحر بتقدير كونه عبداً (١)، وزادوا إلا الشيخ أبا محمَّد في طائفة من الأصحاب، فقالوا: لو خرج خمراً، أو خنزيراً، قدرنا الخمر عصيراً، والخنزير شاةً، وأوجبنا قيمتهما (٢). وهذا لا يمكن تعليله (٣) بضمان اليد, لأن ملك المرأة لم يثبت في هذه الأشياء حتى يضمن الزوج قيمتها بثبوت يده عليها، بل كان (٤) ذلك لما ذكرنا من أنه جعل (٥) ما سماه (٦) معياراً لمقدار مالية الصداق، ولهذا خصص الصيدلاني هذا بما إذا قال: أصدقتها هذا العبد، فإذا هو حر (٧) وأصدقتها هذا العصير فإذا هو خمر أما لو قال: أصدقتها هذا الخنزير، أو الخمر، أو الحر، فلا يجري هذا القول؛ لأنه لم يسم ماله مالية (٨) حتى يكون معياراً لها، بل يثبث الرجوع إلى مهر المثل قولاً واحداً (٩).
стр. 1459
ولو قال: أصدقتها هذا وسكت فقد سوى المصنف (١) في حكايته عن الصيدلاني بينه، وبين قوله: هذا العبد، أو العصير، وهذا فيه نظر؛ لأنه لم يسم ما يجعل معياراً يعتمد عليه في التقويم، وليس تقديره عصيراً بأولى من تقديره خلاً، ولا ترجيح، ولا يمكن أن يعتبر قيمة (٢) الخمر عند من يرى لها قيمة، فإن ذلك إنما يتجه في الذمي إذا أصدقها خمراً، وأقبض البعض ثم أسلم (٣)، ولا أدري من أين نقله المؤلف وشيخه أبو المعالي (٤) يقول: في هذا لا أدري ما يقول هؤلاء: - يعني الصيدلاني ومن وافقه - ثم قال: ويظهر أنه ينزل منزلة قوله: أصدقتك هذا الخمر. والله أعلم.
واعلم، أن قوله: "وزادوا" بعد قوله "اتفقوا" ظاهره اتفاق الأصحاب عليه، ولم يتفقوا فإن الشيخ أبا محمد (٥) وطائفة من الأصحاب، حكموا فيه بالرجوع (٦)(٧) إلى مهر المثل قولاً واحداً (٨)، لتعذر التقويم؛ لأن تقدير الخمر عصيراً، أو الخنزير شاة تغيير للصفة خلقة، بخلاف تقدير الحر رقيقاً، فإنه ليس فيه تغيير (٩) صفةٍ خلقيةٍ، بل حكمية، وذلك محتمل (١٠) في التقديرات. والله أعلم.
стр. 1460
قوله في آخر المسألة الخامسة: "لأن له فائدة في الخروج عن العُهدة" (١) أي من عهدة الثمن بفسخ ليتخلص (٢) منه فاعلم أنه قد يشكل (٣). والله أعلم.
قال: في سقوط حق الحبس بوطء الإكراه "وجه سقوطه، أن العوض قد تقرر" (٤).
قلت: هكذا ذكره غيره من غير بيان لتأثير هذا, ولعل تأثيرَه، أن العوضَ إذا تقرر عليه وجوب (٥) تقرير المعَوَّض في يده، وليس ذلك إلا بالمنع من الاسترداد. والله أعلم.
ولأن تقرر (٦) العوض من أثار القبض الصحيح للمعوض فوجب إدامة القبض كما لو طاوعت، والله أعلم بالصواب.
هذا آخر ما وجد بخط المصنف ﵀، والحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمَّد وآله (٧).
стр. 1461
الصندوق الخيَري لنِشَر البحوثِ وَالرسَائِل العِلميَّة
(٢٤)
الدرَاسَات الفِقهيَّة
(١٩)
شرح مشكل الوسيط
لأبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري
ابن الصلاح (ت/ ٦٤٣ هـ)
دِراسة وتحِقيق
د. محمد بلال بن محمد أمين
المجَلَّدُ الرَّابع
دار كنوز إشبيليا
للنشر والتوزيع
стр. 1462
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 1463
شرح مشكل الوسيط
٤
стр. 1464
ح دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع الرياض ١٤٣٢ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
ابن الصلاح، عثمان بن عبد الرحمن
شرح مشكل الوسيط/ عثمان بن عبد الرحمن ابن الصلاح؛
محمد بلال بن محمد أمين الرياض ١٤٣٢ هـ.
٤٩٢؛ صفحة ١٧×٢٤ سم
ردمك: ٧ - ٢١ - ٧٠١ - ٩٩٦٠ (مجموعة)
١ - ٢٧ - ٧٠١ - ٩٩٦٠ (ج ٤)
١ - الفقه الشافعي أ - محمد بلال بن محمد أمين (محقق)
ب - العنوان
ديوي ٢٥٨.٣
٨٠/ ١٤٢٧
رقم الإيداع: ٨٠/ ١٤٢٧
ردمك: ٧ - ٢١ - ٧٠١ - ٩٩٦٠ (مجموعة)
١ - ٢٧ - ٧٠١ - ٩٩٦٠ (ج ٤)
ساعد على نشره ليباع بسعر التكلفة
هذه الطبعة بدعم من
مؤسسة سليمان بن عبد العزيز الراجحي الخيرية
جراهم الله خيراً
جَمِيعُ الحقوق محفوظَة
الطبعَةُ الأولى
١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ مـ
دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية ص. ب ٢٧٢٦١ الرياض ١١٤١٧
هاتف: ٤٩١٤٧٧٦ - ٤٩٦٨٩٩٤ فاكس: ٤٤٥٣٢٠٣
E-mail: eshbelia@hotmail.com
стр. 1465
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(١) من [كتاب] جنايات "شرح مشكل الوسيط "
قوله: "موجبة للعقوبة في الدنيا، والآخرة" (٢).
قلت: إن قيل في هذا إنه يجتمع على شخص واحد عقوبة الدارين فيقتص منه في الدنيا، ويعاقب أيضاً في الآخرة، فذلك غير صحيح, لأنه قد ثبت في الحديث: إن الحدود والعقويات كفارات لأهلها (٣).
стр. 1466
وإن قيل: فيه أنه يعاقب عليه في الدارين على الجملة بمعنى أن العقوبة عليه توجد في الدنيا كما في حق من اقتص منه، ويوجد أيضاً في الآخرة كما في حق من لم يقتص منه، ولم يعف الله عنه، فهذا صحيح.
قوله: "الموجب للقصاص، كل فعل عمد محض عدوان مزهق للروح" (١).
قلت: يرد عليه أن يقال: ينتقض بالمبادرة إلى قتل الحامل قصاصاً قبل الوضع، فإن هذا القتل فعل عمد محض عدوان مزهق.
وجوابه إن المراد بقولنا: عدوان، في كونه مزهقاً، وقتل الحامل لم يكن عدواناً في كونه مزهقا لروحها، بل هو في أمر خارج، وهو إتلاف الجنين، ولم يلزم التصريح بهذا التفسير؛ لأنه ذكر العدوانية وصفاً للفعل المزهق ففهم أنها فيه لا في أمر خارج. فاعلم.
قوله: (للقصد متعلقات ثلاثة) (٢).
قلت: يرد عليه أن يقال: نحمل الثالث، وهو الإزهاق، أو سببه الظاهر على ما يجيء من الاختلاف في ضبطه عن الأول والثاني؛ لأنه يلزم من كونه قصد إزهاق روح القتيل، أن يكون قد قصد شخصه والفعل.
وجوابه من وجهين:
أحدهما: أن دلالة الالتزام لا يكتفى بها في خطاب البيان، فلا يجزئ عن ذلك الشيء أن يذكر ما يستلزم، كما لا يجزئ عن ذكر الحائط أن يذكر السقف.
стр. 1467
الثاني: إن في ذكر الأمور الثلاثة وتفصيلها بيان فائدة تظهر في الضد لما فيه من بيان أن عدم العمد المحض إن كان فعدم أحد الأمرين الأولين بالفعل خطأ محض، وإن كان بعدم الثالث فحسب فهو شبه عمد.
قوله: "الثالث: القصد المتعلق بزهق الروح" (١).
الروح لا ينتظم لفظًا مع قوله أولاً: "القصد له متعلقات ثلاثة" وإنما أتي به على المعنى، ومساق اللفظ يقتضي أن يقول: الثالث زهوق الروح.
اعلم أن صاحب الطريقة الأولى لا يعتبر في العمد المحض، أن يتعلق قصده بنفس الإزهاق، ويظهر قصد الفعل الذي هو إزهاق الروح؛ لأن زهوق الروح أمر باطن فلا يرتبط به، بل يعتبر أن يتعلق القصد (٢) بالشخص، والفعل الذي بان ترتب الزهوق عليه، وعلم حصول الموت به سواء كان ترتب الزهوق عليه غالباً، أو نادراً (٣).
ثم يسوغ من وجه بعد هذا أن يقال: قصد القتل والإزهاق باعتبار أنه قصد الفعل الذي سرى وصار قتلاً، والسراية، تكسب صفة الجناية فتكون السراية مقصودة له حكماً بواسطة قصده الجناية ويخرج منه كونها عامداً للقتل، ويتميز
стр. 1468
عنه شبه العمد، بأنه في شبه العمد لا يحصل العلم بحصول الموت به، كما في صورة الضرب بالعصا الخفيفة من غير موالاةٍ (١)، فاقتصرنا فيه على إيجاب المال اكتفاءً بأن الموجود سبب صالح، ولم يظهر سبب آخر فأحلناه على السبب الظاهر، فإن الضمان لا يقدح فيه الاحتمال، والشبهة.
وأما الطريقة الثانية: فإن عبارة المؤلف قاصرة بيان (٢)، معناها. فاعلم أن صاحبها اعتبر في العمد تعلق القصد بنفس زهوق الروح، لكن الشرط أن يكون الآلة من المثقلات (٣)، ويجعل كونها مما يقصد به القتل غالباً دليل تعلق قصده بالإزهاق، وإن كانت جارحة فها هنا لم يمكنه دعوى أن يعتبر تعلق القصد بالزهوق بدليل مسألة قطع الأنملة، فإن أحداً لا يقصد الزهوق بقطع الأنملة، فاكتفى بكون الجرح سارياً ذاغورٍ، وإن لم يوجد قصد الزهوق، فإذا وجد ذلك مع قصد الشخص فقصد نفس الفعل أوجب القصاص، وذلك لاختصاصه بمزيد الخطر فتأثيره في الباطن مبالغة في ردع الجناة، وهذا، كما قال المؤلف ضعيف, لأن العمد المحض معتبر في القصاص، ولا يكفي فيه تعلق القصد بمطلق الفعل، ولا بدَّ من تعلقه بالقتل، وهو قضية محسوسة لا سبيل إلى أن يقول: لا يحصل في المثقل بما يثقل نادراً، أو يحصل في الجارح بما يثقل نادراً بكونه جارحاً (٤) سارياً ذاغورٍ فإن لتأثيره في الباطن مبالغة في الردع إلى جعلنا ووضعنا (٥) على أن ما ذكره من افتراق الجارح، والمثقل، في أن الجارح له
стр. 1469
غور، وتأثير في الباطن لا يصح, لأن المثقل أيضاً له تأثير في الباطن بالترضيض كما ذكر في الطريقة الأولى، هي الأرجح في "النهاية" (١) و"البسيط" (٢) وهي مع ذلك مدخولة أي فاسدة، من الدَّخل وهي الفساد (٣).
غرز الإبرة إذا أعقبت ألماً وورماً توجب القصاص (٤).
وفي هذا منع، وهو وجه مذكور (٥)، وفي "النهاية" (٦) ذكر أعقبت ورماً ولم يذكر، وهو (٧) قريب، فإن الورم في مثل هذا لا يخلو عن الألم.
إيجاب القصاص في (٨) مسألة الألم من غير ورم هو الصحيح عند بعضهم (٩)، وقطع به الشيخ أبو إسحاق الشيرازي (١٠) والشيخ أبو حامد (١١).
فرق الشافعي ﵀ بين الأجسام، واللطائف (١٢) دليل على صحة الطريقة الثانية، وفساد الطريقة الأولى، فإنه قد علم حصول التلف بجناية في
стр. 1470
الموضعين، لكن نفى القصاص في سراية الأجسام, لأنه لا يقصد إتلافها بالسراية إذ من أراد إتلاف كف لم يتوصل إليه بقطع الأصابع ليسرى إليها؛ لأنه تيسر إتلافها بالمباشرة بخلاف اللطائف، فإنه لا يمكن مباشرتها، وإنما يتوصل إليها بالجناية على غيرها؛ ليسرى إليها، فهي كالروح فدل هذا على اعتبار تعلق القصد بنفس الإتلاف، كما في الطريقة الثانية، وعدم الاكتفاء بمجرد ترتب التلف على الفعل، كما في الطريقة الأولى.
الجواب عن هذا مشكل، على من اختار الطريقة الأولى. ويحتاج فيه إلى طريقة من سوّى بينهما، وتخريجها، وهي ضعيفة.
وقول الغزالي: "فيخرج الطريقتان على القولين" (١).
معناه، أن الطريقة الأولى خارجة على القول بإيجاب القصاص في الأطراف، واللطائف (٢)، والضبط المذكور فيها موافق لهذا القول إذ قد بان حصول التلف بفعله في الموضعين.
والطريقة الثانية خارجة على القول بعدم إيجاب القصاص في الصورتين المذكورتين، وهما مسألة الكف، وإذا أوضح رأسه، فذهب ضوء عينه (٣)، فإنه لا يقصد بقطع الأصابع، وإيضاح الرأس ذهاب الكف وضوء العين.
واعلم، أن تخريج هذه الطريقة على طريقة من قرر النصين هو الجيد، والأظهر (٤) لما تقدم بيانه، فكان ينبغي أن يقول: فتخرج الطريقتان على الطريقتين.
стр. 1471
وقوله "عوّلَ على الجارح، فلزمه إسقاط القصاص في التخنيق" (١).
معناه، إن أبا حنيفة زعم أن العمد لا يوجد إلا بالجارح، وأن الفعل بالتخنيق والتحريق شبه عمد، حتى يضرب الدية فيه على العاقلة (٢)، فوقع بذلك في مكابرة المعقول.
قوله: "يترك الضبط" (٣).
ويقول: أي يترك ضبط الجميع بضابط واحد، ويعدل إلى البيان بالتقسيم، وهو أيضاً ضبط.
قوله "لأن الجرح طريق سالك إلى الزهوق" (٤) يعني مسلوكاً، عنى أنه ينظر إلى الجنس، وهو غالب، لا إلى هذا الجرح المعين الفرد (٥).
قال: "لو قال: أنا وركبان السفينة ضامنون كل واحد على الكمال، فيلزمه وركبان السفينة لا يلزمهم شيء، إذا أنكروه، وإن قال: أنا وهم ضامنون كل واحد بحصته يلزمهم، والباقي يرجع إليهم، فإن قالوا: رضينا بما قال: لزمهم، وإن كنا لا نقول بوقف العقود" (٦).
стр. 1472
قلت: هذا مشكل فإنه (١) يوهم فرقاً بين أن يضيف إلى الركبان ضمان الكل، وأن يضيف إليهم ضمان الحصة، في أنه يوقف في الحصة على رضاهم وفي الكل لا يوقف، بل يجزم بالنفي عند إنكارهم، وليس الأمر فيها على ذلك، بل لكل واحد منهما صورتان:
إحداهما: أن يريد بقوله "أنا وهم ضامنون" الإخبار عنهم فها هنا إذا أنكروه فالقول قولهم، ولا يلزمهم شيء (٢).
والثانية: أن يريد إنشاء الضمان عنهم، فها هنا يوقف على رضاهم عند أكثر الأصحاب (٣)، خلافاً للقاضي (٤).
وهذا التفصيل جار في المسألتين، فأفرد المصنف كل واحدة منهما باحدى الصورتين طلباً للاختصار, مع أن كل واحدة منهما تنبه على الأخرى.
قوله "بخلاف ما إذا قال: أقتلهما، وإلا قتلتك، فإن خيرته في التقديم، والتأخير لا يؤثر" (٥).
يعني إن خيرته ليست في التعيين كما في قوله: أقتل زيداً أو عمراً: فإنهما ها هنا معينان جميعاً, وإنما خيرته في تقديم قتل أحدهما على قتل الآخر، وذلك لا يؤثر في نفي كونه مكرها.
стр. 1473
قال: "ونعنى بالأرش قيمة النقصان على الأصح، إذ لو أردنا نصف الدية، إذ لو فرضنا بدلاً له قطع اليدين" (١).
قوله "نصف الدية" سبقنا بأخذه عليه، وهو سهو، أو طغيان قلمٍ، وصوابه، نصف القيمة (٢)، وهذا ظاهر.
قوله في العاقل "جاريتين اختصمتا" (٣).
كذا وقع، وصوابه، جارتين تثنية جارة، وفي نفس الحديث (٤) ما ينفي كونه جاريتين تثنية جارية.
قوله: "في أنه لا تضرب على الأب، والابن، وقد ورد فيه الحديث" (٥).
стр. 1474
ورد في الحديث أنه ضرب دية المقتول على عاقلة القاتلة وبرّأ زوجها، وولدها (١).
قوله "وكأن أبعاضَه ألحِقَ به" (٢) وفيه عجمة، وفي بعض النسخ بدله ما لا يصح.
قوله في حديث صفية بنت عبد المطلب (٣)، هي أم الزبير (٤) "فقضى عمر بأرش الجناية على ابن عمها" (٥).
стр. 1475
هذا غلط إنما قضى به على ابن أخيها (١)، وأفحش من هذا قول شيخه في "النهاية" (٢) "فقضى على علي بن أبي طالب عمها" ومعلوم أنه ابن أخيها.
ذكر أنه إذا أعتق ثلاثة أعبد فحصة كل واحد السدس، ثم قال: "فلو مات واحد منهم، وله إخوة، فلا يجب على كل واحد من إخوته أكثر من السدس، إذ غايته أن يكون وحده نازلاً منزلة مورثه لو كان حياً" (٣).
قلت: دل على نفي الزيادة على السدس، وليس بمشكل، وترك ما هو مشكل على الطلبة، وهو إيجابه السدس على كل واحد منهم، فإنه يقال: هلا وزع السدس بين إخوته فإنهم بجملتهم قائمون مقامه فلا يزاد المضروب على جميعهم، على ما كان يضرب عليه؟.
فنقول: إنما كان كذلك؛ لأن الولاء (٤) لا يورث حتى يقسم على عصبات المعتق، وإنما يورث به كالنسب، فإنما يتحمل كل واحد من عصباته لكونه منتسباً إلى صاحب الولاء، فهو كمن يتحمل بالنسب.
أما إذا مات وله عصبة ورثوه كل واحد، فيحمل نصف دينار فإذا كان كل واحد من عصبات المعتق يتحمل ما كان يتحمله المعتق لو كان حياً (٥).
قوله: في الفرع الخامس "فقدر أرش الجناية على موالي الأم مع السراية إلى وقت الجرّ" (٦).